النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ٢٥ ٤٢١ سُوَّةُ الزُِّزْ لكمالِ اتِّقائه وجِدِّه فيه، وهو أبلغ، وفي هذا المضمار يجري قولُ الشاعر: يَلْقَى السيوفَ بوَجْهه وبنَحْرِهِ ويُقِيْم هامَتَه مقامَ المِغْفَرِ(١) وجوِّز أن يكون الوجه بمعنى الجملة، والمبالغةُ عليه دونَ المبالغة فيما قبله. وقيل: الاتقاءُ بالوجه كنايةٌ عن عَدَم مَا يُتَّقى به؛ إذ الاتقاء بالوجه لا وجهَ له؛ لأنَّه مما لا يُتَّقَى به. ولا يخلو عن خَذْش. وإضافةُ ((سوء)) إلى ((العذاب)) من إضافةِ الصفة إلى الموصوفِ. و((يوم القيامة)) معمولُ ((يَتَّقِي)) كما أشرنا إلى ذلك. وجوِّز أن يكون مِنْ تتمَّةِ سوءِ العذاب، والمعنى: أفمن يَتَّقي عذابَ يوم القيامة كالمُصِرِّ على كُفْرِهِ، وهو وجهٌ حسن، والوجهُ حينئذ - كما في الوجهِ السابق - إمَّا الجملةُ مبالغةً في تقواه، وإمَّا على الحقيقةِ تصويراً لِكمالِ تقواه وجِدِّه فيها، وهو أبلغ. والمتبادِرُ إلى الذهنِ المعنَى السابقُ. والآية قيل: نزلت في أبي جهل. ﴿وَقِيلَ لِّلِينَ﴾ عطفٌ على ((يتقي))، أي: ويُقال لهم من جهةٍ خَزَنَةِ النار. وصيغةُ الماضي للدَّلالة على التحقُّقِ والتقرُّر. وقيل: الواوُ للحالِ، والجملةُ حالٌ من ضميرٍ ((يتقي)) بإضمارِ ((قد)) أو بدونه. ووَضْعُ المُظْهَرِ موضعَ المُضْمَرِ للتسْجِيلِ عليهم بالظلم، والإشعارِ بعلَّة الأمرِ في قولِه تعالى: ﴿ذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْسِبُونَ ﴾﴾ أي: وبالَ ما كُنتم تكسِبُون في الدنيا على الدوام من الكُفرِ والمعاصِي. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ ما أصابَ بعضَ الكَفَرةِ من العذاب الدنيويِّ إثرَ بيانِ ما يُصيبُ الكلَّ من العذابِ الأخرويِّ، أي: كذَّب الذين مِنْ قبلهم من الأُمَم السالفة ﴿فَأَنَنَهُمُ الْعَذَابُ﴾ المقدَّرُ لكُلِّ أمةٍ منهم ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ · مِنَ الجِهة التي لا يحتَسِبون، ولا يخطُرُ ببالهم إتيانُه منها، لأنَّ ذلك ٢٥ أشدُّ على النفس. (١) نسب البيت إلى عبد الملك بن معاوية الحارثي، وأبي علي، وابن المولى، ونسب إلى غيرهم، ينظر الحماسة البصرية ١/ ٢٠، وسمط اللآلي ١/ ١٨٢، ٢٧٨. سُدَّةُ الُِّزْ ٤٢٢ الآية : ٢٦ - ٢٨ ﴿فَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ﴾ أي: الذُلَّ والصَّغار ﴿فِى الْحَيَوَةِ الدُّنيا﴾ كالمسخِ والخَشْف والقتل والسَّبْيٍ والإجلاء وغيرِ ذلك من فُنون النَّكالِ. والفاء قيل: تفسيريةٌ، مثلُها في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَيْنَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾ المعدُّ لهم ﴿أَكْبَرُ﴾ لشدَّته وسَرْمَديته ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ أي: لو كانوا مِن شأنِهِم أن يعلموا شيئاً لعَلِموا ذلك واعتبروا به. ﴿وَلَقَدْ ضَرَيْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا ◌ٌلْقُرْءَانِ﴾ العظيم الشأن ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتاجُ إليه أي: كَي يتذكَّروا ويتَّعِظوا، أو: مرجُوّاً الناظرُ في أمورٍ دينه ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ تذكُّرُهم واتِّعاظُهم، والرجاءُ بالنسبة إلى غيره تعالى، والتعليلُ أظهرُ. ﴿قُرْءَانًّا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ من ((هذا))، والاعتمادُ فيها على الصفة أعني: ((عربيّاً))، وإلا فـ ((قرآنًا)) جامدٌ لا يصلُح الحالية، وهو أيضاً عينُ ذي الحال فلا يظهرُ حاله، فالحال في الحقيقة ((عربيّاً))، و((قرآناً) للتمهيدٍ، ونظيرُه: جاء زيدٌ رجلاً صالحاً. قيل: وذلك بمنزلةٍ: عربيّاً محقَّقاً. وجوِّز أن يكون منصوباً بمقدَّرٍ تقديرُه: أعني، أو: أخصُّ، أو: أمدحُ، ونحوه، وأن یکونَ مفعول «یتذگَّرون»، وهو كما ترى. ﴿غَّرَ ذِى عِوَبٍ﴾ لا اختلالَ فيه بوجهٍ من الوجوه، وهو أبلغُ من (مستقيم))، لأنَّ (عوجاً)) نكرةٌ وقعَتْ في سياقِ النفْي لِمَا في ((غير)) من معناه، والاستقامةُ يجوزُ أن تكونَ من وجهِ دونَ وجهٍ، ونفْيُ مُصاحبةِ العِوَج عنه يقتضِي نفْيَ اتِّصَافِهِ به بالطريقِ الأولى، فهو أبلغُ من: غیر مُعْوٌ. والعِوَجُ - بالكسر - يقالُ فيما يُدْرَكُ بفكرٍ وبصيرةٍ، والعَوَج - بالفتح - يقال فيما يُدْرك بالحسِّ، وعبِّر بالأول ليدلَّ على أنَّه بلغَ إلى حدٍّ لا يُدْرِك العقلُ فيه ◌ِوَجاً فضلاً عن الحِسِّ، وتمامُ الكلام مرَّ في ((الكهف). وقيل: المرادُ بالعِوَج الشُّ واللَيْس، ورويَ ذلك عن مجاهد (١)، وأنشدوا قولَ الشاعر : (١) النكت والعيون ١٢٤/٥. الآية : ٢٩ ٤٢٣ سُؤَدَّةُ الرُّز مِن الإلهِ وقولٌ غيرُ مكذوبٍ(١) وقَدْ أتاكَ يقينٌ غيرُ ذِي عِوَجٍ ولا استدلالَ به على أنَّ العِوَجَ بمعنى الشَّكِّ؛ لأنَّ عِوَجَ اليقينِ هو الشكُّ لا محالةَ، والقول في وجهِ الاستدلال أنَّ الشاعرَ فهِمَ هذا المعنى من الآية لأنَّه اقتباسٌ، وإذا فهِمَه الفصيحُ مع صحَّةِ التجَوُّزِ كان مَحْملاً = تعسفٌ ظاهرٌ، لأنَّه لم يتبيَّنْ أنَّه اقتبَسَه منها، ولو سلِّم يكونُ محتمِلاً لِمَا يحتمِله العوجُ في النظم الذي لا عوجَ فيه. وقد يقال: مرادُ مَنْ قال: أي: لا لبسَ فيه ولا شكَّ، نفيُ بعضٍ أنواعٍ الاختلالِ، وعلى ذلك ما روي عن عثمانَ بن عفانَ مِنْ أَّه قال: أي: غيرَ مضطرِبٍ ولا متناقِضٍ(٢) . وما قيل: أي: غير ذي لَحْن. وأخرجَ الديلميُّ في ((مسند الفردوس)) عن أنس عن النبيِّ وَِّ أنَّه قال: ((غيرَ ذي عوج: غيرَ مخلوق))(٣). ولعلَّه - إن صحَّ الخبر - تفسيرٌ باللازم، فتأمَّلْ. · علَّةٌ أُخْرى مترتِّبَةٌ على الأولى. ٢٨ ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَهُ مُتَشَكِسُونَ﴾ إيرادٌ لمَثَلِ من الأمثالِ القرآنية بعدَ بيانِ أنَّ الحكمةَ في ضَرْبِها هو التذكّر والاتِّعاظُ بها وتحصيلُ التَقْوَى، والمرادُ بضربِ المَثَل هاهنا تطبيقُ حالةٍ عجيبةٍ بأخرى مثلِها، وجعلُها مثلَها. و((مثلاً)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((ضرب))، و((رجلاً)) مفعولُه الأول، أُخِّر عن الثاني للتشويق إليه، وليتَّصلَ به مَا هو مِنْ تتمَّته التي هي العمدة في التمثيل. أو ((مثلاً)) مفعولُ ((ضرب))، و((رجلاً)) إلخ بدلٌ منه، بدلَ كلٍّ من كلِّ. وقال الكسائيُّ: انتصب ((رجلاً)) على إسقاطِ الخافض، أي: مثلاً في رجل(٤). وقيل غير ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ في نظيره. و((فيه)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((شركاء)) مبتدأٌ، (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٩٦/٤، وأبو حيان في البحر ٤٢٤/٧. (٢) المحرر الوجيز ٥٢٩/٤، والبحر المحيط ٤٢٤/٧. (٣) مسند الفردوس ٢١٧/٣. وأخرجه أيضاً القزويني في التدوين في أخبار قزوين ٢/ ٩٥، وفي إسناده عبد الرحمن بن محمد بن علويه الأبهري، حدَّث بأحاديث موضوعة كان يتهم بها . ينظر تنزيه الشريعة ٧٩/١ و١٣٤. (٤) المحرر الوجيز ٥٢٩/٤، والبحر ٤٢٤/٧. سُوَّةُ الُِّزْ ٤٢٤ الآية : ٢٩ و (متشاكِسُون)) صفتُه، والنكرةُ - وإنْ وصفت - يَحْسُن تقديمُ خبرِها، والجملةُ صفةٌ (رجلاً)) والرابطُ الهاء أو الجارُّ والمجرورُ في موضع الصفة له، و((شركاءُ)) مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على الموصوف. وقيل: ((فيه)) صلةُ ((شركاء)) وهو مبتدأ، خبرُه: ((متشاكسون))، وفيه أنه ليس لتقديمه نكتةٌ ظاهرةٌ. والمعنى: ضرب الله تعالى مثلاً للمشرك ـ حَسْبَما يقودُ إليه مذهبُهُ مِن ادِّعاءِ كلِّ مِنْ مَعْبودِيْه عبوديَّتَه - عبداً يتشارَكُ فيه جماعةٌ متشاجِرونُ لِشَكاسةِ أخلاقِهم وسوءِ طبائِعهم يتجَاذَبونَه ويتعاوَرُونَه في مهماتِهم المتباينة، في تحيُّره وتوزُّعِ قلبِهِ، ﴿ورجلًا﴾ أي: وضرب للموحِّد مَثَلاً رجلاً ﴿سلمًا﴾ أي: خالصاً ﴿آِرُ﴾ فردٍ لیس لغيرِه سبيلٌ إليه أصلاً، فهو في راحةٍ عن التحيُّر وتوزُّعِ القلب. وضَرْبُ الرجُلِ مثلاً؛ لأنَّه أفطنُ لِمَا شقِيَ به أو سعِد، فإنّ الصبيَّ والمرأةَ قد یغفلان عن ذلك. وقرأ عبد الله وابنُ عباس وعكرمةُ ومجاهدٌ وقتادةُ والزهريُّ والحسنُ بخلاف عنه والجَحْدَريُّ وابنُ كثير وأبو عمرو: ((سَالِماً))، اسمُ فاعل من ((سَلِم))(١)، أي: خالصاً له من الشركة. وقرأ ابنُ جبير: ((سِلْماً)) بكسر السين وسكون اللام(٢)، وقرئ: ((سَلْماً)) بفتحِ فسكون(٣)، وهما مصدران وُصِف بهما مبالغةً في الخلوصِ من الشركة. وقرئ: ((ورجلٌ سالمٌ)» برفعهما(٤)، أي: وهناكَ رجلٌ سالمٌ. وجُوِّز أن لا يقدَّر شيءٌ ويكون ((رَجُلٌ)) مبتدأ، و((سالمٌ) خبرهُ؛ لأنَّه موضعُ تفصيلٍ إذ قد تقدَّم ما يدلُّ عليه، فيكون كقول امرئ القيس : إذا ما بَکی مِنْ خَلْفِها انْحَرَفَتْ له بشِقِّ وشِقٌّ عندَنا لم يُحَوَّلِ (٥) (١) التيسير ص ١٨٩، والنشر ٣٦٢/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو، والكلام من البحر ٤٢٤/٧. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٣٠. (٣) الكشاف ٣٩٧/٣. (٤) الكشاف ٣٩٧/٣، والبحر ٤٢٤/٧ . (٥) ديوان امرئ القيس ص١٢، وقد سلف ١١/ ٤٩٤. الآية : ٢٩ ٤٢٥ سُورَةُ الرُّهِزْ وقولُه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ إنكارٌ واستبعادٌ لاستوائهما، ونَفْيٌّ له على أبلغ وجْهٍ وآكَدِهِ، وإيذانٌ بأنَّ ذلك من الجَلَاءِ والظهورِ بحيثُ لا يقدِر أحدٌ أن يتفَوَّهَ باستوائهما أو يتلَعْثَمَ في الحكم بتباينِهما؛ ضرورةَ أنَّ أحدَهما في لَومٍ وعناءٍ والآخرُ في راحةٍ بالٍ ورضاءٍ. وقيل: ضرورةَ أنَّ أحدَهما في أعلى عِلِّيين والآخرُ في أسفلٍ سافلین. وأيَّاما كان فالسرُّ في إبهام الفاضِل والمفضولِ الإشارةُ إلى كمال الظهور عندَ مَنْ له أدنَی شعور. وانتصابُ ((مثلاً)) على التمييزِ المحوَّل عن الفاعل، إذ التقديرُ: هل يستوي مَثَلُهما وحالُهما؟ والاقتصارِ في التمييز على الواحدِ لبيان الجنسِ، والاقتصارُ عليه أوَّلاً في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا). وقرئ: ((مَثَلَيْن)) (١)، أي: هل يستوي مَثَلَاهما وحَالَاهما، وثُنِّي معَ أنَّ المقصودَ من التمييزِ حاصلٌ بالإفرادِ مِنْ غيرِ لَيْس؛ لقصدِ الإشعارِ بمعنّ زائدٍ وهو اختلافُ النوع. وجوِّز أن يكونَ ضميرُ ((يستويان)) للمَثَلين، لأنَّ التقْديرَ فيما سبق: مثلُ رجلٍ ومثلُ رجلٍ، أي: هل يستوي المَثَلان مَثَلَيْن، وهو على نحوٍ: كفَى بهما رجلَين، وهو من باب: لله تعالى دَرُّه فارِساً. ويرجع ذلك إلى: هل يَسْتَوِيان رجلَين فيما ضُرِب من المثال، ولمَّا كان المَثَلُ بمعنى الصفةِ العجيبة التي هي كالمثل، كان المعنى: هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفيَّة. وقوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تقريرٌ لِمَا قبلَه مِنْ نَفْي الاستواءِ بطريقِ الاعتراضِ، وتنبيهٌ للموحِّدين على أنَّ ما لهم مِن المَزِيةِ بتوفيقِ الله تعالى، وأنَّها نِعمةٌ جليلةٌ تقتَضِي الدوامَ على حمدِه تعالى وعبادِه. أو على أنَّ بيانَه تعالى بضَرْبِ المَثَل أَنَّ لهم المَثَل الأعلى وللمشركين مثل السوء، صُنْعٌ جميلٌ ولطفٌ تامٌّ منه عزَّ وجلَّ مستوجِبٌ لحمدِه تعالی وعبادِه. (١) الكشاف ٣٩٧/٣، والبحر ٤٢٥/٧ . سُوَّةُ الُحِزْ ٤٢٦ الآية : ٣٠ إضرابٌ وانتقالٌ مِن بيانِ عدمِ ٢٩ وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الاستواء على الوجْهِ المذكورِ إلى بيانِ أنَّ أكثر الناسِ - وهم المشركون - لا يعلمون ذلكَ مع كمالِ ظهورِهِ، أو: ليسوا من ذوي العلم فلا يعلمون ذلك، فيَبْقَون في وزطة الشرك والضلال. وقيل: المرادُ أنَّهم لا يعلمون أنَّ الكلَّ منه تعالى، وأنَّ المحامِدَ إنّمَّا هي له عزَّ وجلَّ، فيشرِكون به غيرَه سبحانه. فالكلامُ مِنْ تتمَّةِ ((الحمد لله))، ولا اعتراضَ. ولا يخفى أنَّ بناءَ الكلام على الاعتراض - كما سمعت - أَولى. جَ﴾ تمهيدٌ لِمَا يَعْقبه من الاختصام يوم وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَبِتُنَ القيامة. وفي ((البحر)): أنَّه لمَّا لم يلتفِتُوا إلى الحقِّ ولم ينتفعوا بضَرْبِ المَثَل أخبَرَ سبحانه بأنَّ مصيرَ الجميع بالموت إلى الله تعالى، وأنَّهم يختصِمُون يومَ القيامة بينَ يديه وهو عزَّ وجلَّ الحَكَم العَدْل، فيتميّزُ هناك المحِقُّ والمُيطِل(١). وقال بعضُ الأجلَّة: إنَّه لمَّا ذُكِرتْ من أوَّل السورة إلى هنا البراهينُ القاطعةُ لعِرْق الشركة المسجّلةُ لفَرْطِ جَهْلِ المشركين وعدَمِ رجوعهم، مع جُهْدَه ◌ِّهِ في ردِّهم إلى الحقِّ وحِرْصه على هدايتهم، اتَّجه السؤالُ منه عليه الصلاة والسلام بعدَما قاساه منهم بأن يقول: ما حالي وحالهم؟ فأجيب بـ : (إِنَّكَ مَيْتٌ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ) الآية. وقرأ ابن الزبير وابن أبي إسحاق وابن محيصِنٍ وعيسى واليماني وابن أبي غوث وابن أبي عبلة: (إِنَّكَ مَائِتُ وإِنَّهُم مَايُون))(٢). والفرقُ بين ((ميِّت)) و(مائِت)) أنَّ الأولَ صفةٌ مشبَّهة وهي تدلُّ على الثبوت، ففيها إشعارٌ بأنَّ حياتهم عينُ الموت، وأنَّ الموتَ طوقٌ في العُنق لازمٌ. والثاني اسمُ فاعل وهو يدلُّ على الحدوث، فلا يفيدُ هنا مع القرينةِ أكثرَ مِنْ أنَّهم سيَحدُث لهم الموت. (١) البحر المحيط ٧/ ٤٢٥. (٢) القراءات الشاذة ص١٣١، والمحرر الوجيز ٥٣٠/٤، والبحر ٤٢٥/٤. الآية : ٣١ ٤٢٧ سُؤَّةُ الزُّفَزْ وضميرُ الخطاب - على ما سمعت - للرسول وَّ﴾، قال أبو حيان: ويدخُل معه عليه الصلاة والسلام مؤمنو أمَّته. وضميرُ الجمع الغائب للكُفَّار(١). وتأكيدُ الجملة في ((إِنَّهم مَيِّتُون)) للإشعار بأنَّهم في غفلة عظيمةٍ كأنَّهم يُنْكرون الموتَ، وتأكيدُ الأُوْلى دفعاً لاستبعادِ موتِه عليه الصلاة والسلام. وقيل: للمشاكلة. وقيل: إنَّ الموتَ مما تكرَّهُه النفوسُ، وتكرَهُ سماعَ خبرِه طبعاً، فكان مِظِنَّةً أن لا يُلْتَفَتَ إلى الإخبار به أو أن يُنْكَرَ وقوعُه ولو مُكابرةً، فأكَّدَ الحكمَ بوقوعه لذلك، ولا يَضُرُّ في ذلك عدمُ الكراهة في بعضٍ لخصوصيةٍ فيه، كسيِّد العالمين وَّهـ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ على تغليبِ المخاطَب على الغيَّب(٢) ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ ، فتحتجُّ أنتَ عليهم بأنَّك بلَّغْتَهم ما أُرْسِلْتَ به أي: مالكِ أمورِكم ﴿تَخْنَصِمُونَ ◌َّ من الأحكام والمواعظِ التي من جُملتها ما في تضاعيفِ هذه الآيات، واجتهدتَ في دعوتهم إلى الحقِّ حقَّ الاجتهاد، وهم قد لجُوا في المُكابَرةِ والعنادِ، ويعتذرون بالأباطيل مثل: ﴿أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] و: ﴿وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا﴾ [الأنبياء: ٥٣ والشعراء: ٧٤] و: ﴿غَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتْنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]. والجمعُ بينَ (يوم القيامة)) و((عند ربكم)) لزيادة التهويل ببيانِ أنَّ اختصامَهم ذلك في يومٍ عظيم عندَ مالكِ لأمورهم نافذٍ حكمُه فيهم، ولو اكتفى بالأوَّل لاحتَمَلَ وقوعَ الاختصام فيما بينّهم بدونِ مرافعةٍ، أو بمرافعةٍ لكنْ ليستْ لدى مالكٍ الأمورِهم، والاكتفاءُ بالثاني - على تسليم فَهْمِ كونِ ذلك يومَ القيامة معه بدون احتمال - لا يقومُ مقامَ ذكرِهما، لِمَا في التصريح بما هو كالعَلَم من التهويلِ ما فيه. وقال جمعٌ: المرادُ بذلك الاختصامُ العامُّ فيما جرى في الدنيا بين الأنام، لا خصوصُ الاختصامِ بينه عليه الصلاة والسلام وبينَ الكَفَرَة الطَّغَامِ. وفي الآثار ما يأبَى الخصوصَ المذكور؛ أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن إبراهيم النخعيِّ قال: نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكَ (١) البحر المحيط ٤٢٥/٧. (٢) في الأصل: على المغيّب، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الكشاف ٣٩٧/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٣٨/٧. سُوَّةُ الزُِّزْ ٤٢٨ الآية : ٣١ مَيِّتٌ﴾ إلخ، فقالوا: وما خصومتُنا ونحن إخوان؟ فلمَّا قُتِل عثمان بنُ عقَّان قالوا: هذه خصومةُ ما بينَنا(١). وأخرج سعيد بنُ منصور عن أبي سعيد الخدريِّ قال: لمَّا نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَّخَْصِمُونَ﴾، كنا نقول: ربُّنا واحدٌ، وديننا واحدٌ، فلمَّا كانَ يومُ صفِّين وشدَّ بعضُنا على بعضٍ بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا(٢). وأخرج عبد بن حميد والنسائيُّ وابن أبي حاتم والطبرانيُّ وابن مردويه عن ابن عمر ﴿ًا قال: لقد لبثنا بُرْهةً من دهرِنا ونحن نرى أنَّ هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين من قبلُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَهُم ◌َّيِّتُنَ ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قلنا: كيف نختصم ونبيُّنا واحدٌ وكتابنا واحدٌ؟ حتى رأيتُ بعضَنا يضرِبُ وجوهَ بعضٍ بالسيف، فعرفتُ أنَّها نزلت فينا(٣). وفي روايةٍ أخرى عنه بلفظِ: نزلت علينا الآيةُ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَيِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، وما ندري فيمَ نزلت، قلنا: ليس بيننا خصومةٌ، فما التخاصُم؟ حتى وقعت الفتنةُ، فقلتُ: هذا الذي وَعَدَنا ربُّنا أن نختصِمَ فيه(٤). وأخرج أحمد وعبد الرزاق وعبد بن حميد، والترمذيُّ وصحَّحه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه، وابن مردويه، وأبو نعيم في ((الحلية))، والبيهقيُّ في ((البعث والنشور) عن الزبير بن العوام ◌ُبه قال: لمَّا نزلت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ ثُمَّ إَِّكُمْ بَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾ قلت: يا رسول الله أيُنْكَرُ علينا ٣٠ ما يكون بيننا في الدنيا مع خواصِّ الذنوب؟ قال: ((نعم يُنْكر ذلك عليكم حتى يؤدَّی إلى كلِّ ذي حقِّ حقُّه)) قال الزبير: فوالله إنَّ الأمر لشديد(٥). (١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٢، وتفسير الطبري ٢٠٢/٢٠، وتاريخ دمشق ٤٩٣/٣٩، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٢٧/٥. (٢) الدر المنثور ٣٢٧/٥-٣٢٨، وعزاه الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٤٣ للثعلبي. (٣) الدر المنثور ٣٢٧/٥، وهو في السنن الكبرى للنسائي (١١٣٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٣/٧: رواه الطبراني ورجاله ثقات. (٤) تفسير الطبري ٢٠٢/٢٠، وعزاه السيوطي في الدر ٣٢٧/٥ لعبد بن حميد وابن مردويه. (٥) مسند أحمد (١٤٣٤)، وتفسير عبد الرزاق ١٧٣/٢، وسنن الترمذي (٣٢٣٦)، وتفسير ابن الآية : ٣١ ٤٢٩ سُوَّةُ الزُِّ وزعم الزمخشريُّ(١) أنَّ الوجهَ الذي يدلُّ عليه كلامُ الله تعالى هو ما ذُكر أولاً، واستَشهَد بقوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ) إلخ، وبقوله سبحانه: (وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ) إلخ، لدلالتهما على أنَّهما اللذان تكونُ الخصومةُ بينَهما، وكذلك ما سبق من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلًا) إلخ. وتعقّب ذلك في ((الكشف)) فقال: أقولُ: قد نُقِل عن جلَّة الصحابةِ والتابعين ﴿ه ما يدلُّ على أنَّهم فهِمُوا الوجهَ الثاني، أي: العمومَ، بل ظاهرُ قولِ النخعيِّ: قالت الصحابة: ما خصومتُنا ونحن إخوان؟! يدلُّ على أنَّه قولُ الكلِّ، فالوجهُ إيثارُ ذلك. وتحقيقُهُ أنَّ قولَه تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَيْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ) كلامٌ مع الأُمَّة كلِّهم موحّدِهم ومُشركهم، وكذلك قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلًا) (وَرَجُلًا) (بَلْ أَكْثَرُهُمْ)، دون: بل هم، كالنصِّ على ذلك. فإذا قيل: ((إنك ميِّت)) وَجَب أن يكونَ على نحوٍ ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] أي: إنَّكم أيُّها النبيُّ والمؤمنون، وأبْهَمَ ليعُمَّ القبيلين ولا يتنافر النظمُ، فقد رُوْعِيَ من مُفتَتَح السورة إلى هذا المقام التقابلُ بين الفريقين، لا بينَه عليه الصلاة والسلام وحدَه وبينَ الكفّار. ثم إذا قيل: ((ثم إنكم)) على التغليب، يكون تغليباً للمخاطَبين على جميع الناس، فهذا مِنْ حيثُ اللفظُ والمساقُ الظاهرُ. ثم إذا كان الموتُ أمراً عمَّه والناسَ جميعاً كان المعنى عليه أيضاً. وأما حديثُ الاختصام والطباق الذي ذكره فليس بشيء؛ لأنَّه لِعُمومِه يشمَلُه شُمولاً أوليّاً كما حُقِّق هذا المعنى مراراً. والتعقيبُ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الآية: ٣٢] للتنبيه على أنَّه مصبُّ الغَرَض، وأنَّ المقصودَ التسلُّقُ إلى تلك الخصومةِ. ولا أنْكِرُ أنَّ قولَه تعالى: (عِندَ رَبِّكُمْ) يدلُّ على أنَّ الاختصامَ يوم القيامة، أبي حاتم ٣٢٥٠/١٠، ومستدرك الحاكم ٤٣٥/٢، والحلية ٩١/١، ولم نقف عليه في = مطبوع البعث والنشور، ونقله المصنف من الدر المنثور ٣٢٧/٥، وهو في السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٩٣-٩٤. (١) في الكشاف ٣٩٨/٣. سُورَةُ النِّزْ ٤٣٠ الآية : ٣١ ولكنْ أُنكِر أنْ يختصَّ باختصامِ النبيِّ ◌َ﴿ وحدَه والمشركين، بل يتناولُه أوَّلاً وكذلك اختصامَ المؤمنين والمشركين، واختصامَ المؤمنين بعضِهم مع بعض، كاختصام عثمانَ رَُّهِ يومَ القيامة وقاتليه، وهذا ما ذهب إليه هؤلاء، وهم هم مضريبة. انتهى. وكأنَّه عنى بقوله: ولا أُنْكِر .. إلخ، ردَّ ما يقال: إنَّ ((عند ربكم)) يدلُّ على أنَّ الاختصامَ يومَ القيامة، وقد صرِّح في النظم الجليل بذلك، فيكون تأكيداً مُشْعِراً بالاهتمام بأمرٍ ذلك الاختصام، فليس هو إلَّا اختصامَ حبيبه وَّ مع أعدائه الَّغَام. ووجه الردِّ أنَّه إنْ سُلِّم أنَّ فائدةَ الجمع ما ذُكِر، فلا نُسَلِّم استدعاءَ ذلك لاعتبارٍ الخصوص، بل يكفي للاهتمام دخولُ اختصامٍ الحبيب مع أعدائه عليه الصلاة والسلام، فتأمَّله. ثم أنت تعلم أنَّه لو لم يكن في هذا المقام سوى الحديثِ الصحيح المرفوع لكفى في كونِ المرادِ عمومَ الاختصام، فالحقُّ القولُ بعُمومه، وهو أنواعٌ شتَّى، فقد أخرج ابنُ جرير عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: يخاصِمُ الصادقُ الکاذِبَ، والمظلومُ الظالمَ، والمهتدِي الضالَّ، والضعيفُ المستكِرَ(١). وأخرج الطبرانيُّ وابنُ مردويه بسندٍ لا بأسَ به عن أبي أيوبَ ◌َُهُ أنَّ رسولَ اللهَِّه قال: ((أولُ مَنْ يختصِمُ يومَ القيامة الرجلُ وامرأتُه، والله ما يتكلّمُ لسانُها، ولكنْ يداها ورِجلاها يشهدان عليها بما كان لزوجها، وتَشْهَدُ یداه ورِجْلاه بما كان لها، ثمَّ يُدْعَى الرجلُ وخادمُه بمثلٍ ذلك، ثم يُدْعَى أهلُ الأسواق، وما يوجَدُ ثَمَّ دانِقٌ ولا قراريطُ، ولكنْ حسناتُ هذا تُدْفَعُ إلى هذا الذي ظَلَمه، وسيئاتُ هذا الذي ظَلَمه توضَع عليه، ثم يُؤْتى بالجبَّارِيْن في مقامعَ مِنْ حدیدٍ، فيقال: أَوْرِدُوهم إلى النار، فوالله ما أدري يدخلُونها أو كما قال الله: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١](٢). (١) تفسير الطبري ٢٠١/٢٠. (٢) المعجم الكبير ١٤٨/٤، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٢٨/٥. الآية : ٣٢ ٤٣١ سُؤَّةُ الزُهَزْ وأخرج البزَّار عن أنس قال: قال رسول الله وَّهُ: ((يجاء بالأميرِ الجائرِ فتُخاصمه الرعية))(١) . وأخرج أحمدُ والطبرانيُّ بسندٍ حَسَنٍ عن عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله وَلّى: (أولُ خصمين يومَ القيامة جارَان))(٢). ولعلَّ الأوليَّةَ إضافيةٌ؛ لحديثِ أبي أيوب السابقٍ. وجاء عن ابن عباس اختصامُ الروحِ مع الجسد أيضاً(٣)، بل أخرج أحمد بسندٍ حَسَنٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((ليختصمَنَّ يومَ القيامة كلُّ شيء حتى الشاتان فيما انتطحا)»(٤). ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ بأن أضاف إليه سبحانه وتعالى الشريكَ أو الولدَ، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ أي: بالأمر الذي هو عينُ الحقِّ ونفسُ الصدق، وهو ما جاء به النبيُّ وَّهِ ﴿إِذْ جَآءَهُ﴾ أي: في أوَّل مجيئه من غير تدبُّرٍ فيه ولا تأمُّلٍ، فـ ((إذا فجائيةٌ كما صرَّح به الزمخشريُّ(٥)، لكن اشترط فيها في ((المغني)) أن تقعَ بعد (بينا)) أو ((بينما))، ونقله عن سيبويه(٦)، فلعلَّه أغلبيٌّ. وقد يقال: هذا المعنى يقتضيه السياقُ من غير توقُّفٍ على كونِ ((إذا فجائيَّة، ثم المرادُ أن هذا الكاذب المكذِّب أظلمٌ مِن كلِّ ظالم. ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ ﴾ أي: لهؤلاء الذين افتروا على الله ٣٢ سبحانه وتعالى وسارَعوا إلى التكذيب بالصدْق. ووَضعُ الظاهر موضعَ الضمير للتسجيلٍ عليهم بالكفر. والجمعُ باعتبارِ معنى ((مَن))، كما أنَّ الإفراد في الضمائر (١) مسند البزار (١٦٤٤ - كشف)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠٥/٥: فيه الأغلب بن تمیم، وهو ضعيف. (٢) مسند أحمد (١٧٣٧٢)، والمعجم الكبير ٣٠٣/١٧-٣٠٩. (٣) عزاه السيوطي في الدر ٣٢٨/٥ لابن منده. (٤) مسند أحمد (٩٠٧٢). وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. (٥) في الكشاف ٣٩٨/٣. (٦) مغني اللبيب ص١١٥ . سُؤَدَّةُ الزُّزْ ٤٣٢ الآية : ٣٣ السابقة باعتبارٍ لفظها، أو لجنسِ الكَفَرة، فيشملُ أهلَ الكتاب ويدخل هؤلاء في الحكم دخولاً أوليًّا. وأيَّاما كان فالمعنى على كفايةِ جهنَّمَ مجازاةً لهم، كأنه قيل: أليست جهنَّمُ كافيةً للكافرين مثوى؟ كقوله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهًا﴾ [المجادلة: ٨] أي: هي تكفي عقوبةً لكفرِهم وتكذيبهم. والكفايةُ مفهومة من السياق كما تقول لمن سألك شيئاً: ألم أُنعِمْ عليك؟ تُريد: كفاكَ سابقُ إنعامي عليك. واستُدِلَّ بالآية على تكفيرِ أهلِ البدَع؛ لأنَّهم مكذِّبون بما عُلِم صدقُه. وتعقِّبَ بأنَّ ((مَن كَذَبَ)) مخصوصٌ بمن كذب الأنبياءَ شِفاهاً في وقتٍ تبليغهم لا مطلقاً؛ لقوله تعالى: ((إذ جاءه)). ولو سلِّم إطلاقُه فهم لكونهم يتأوَّلون ليسوا مكذِّبين، وما نَفوه وكذَّبوه ليس معلوماً صدقُه بالضرورة، إذ لو عُلم من الدين ضرورةً كان جاحدُه كافراً كمنكِرٍ فَرْضيَّةِ الصلاةِ ونحوها. وقال الخفاجي: الأظهرُ أنَّ المرادَ تكذيبُ الأنبياء عليهم السلام بعد ظهور المعجزات في أنَّ ما جاؤوا به من عند الله تعالى، لا مطلقُ التكذيب(١) . وكأني بك تختارُ أنَّ المتأوَّلَ غيرُ مكذِّب، لكن لا عذرَ في تأويلٍ يَنْفي ما عُلم مِن الدين ضرورةً. ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِ﴾ الموصولُ عبارةٌ عن رسول اللهِوَه كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) عن ابن عباس، وفسَّر الصدقَ بـ ((لا إله إلا الله))(٢). والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحُكم التبعيَّة دخولَ الجند في قولك: نزل الأمير موضعَ كذا، وليس هذا من الجمع بين الحقيقةِ والمجازِ في شيء؛ لأنَّ الثاني لم يُقْصَد مِن حاقٌ اللفظِ، ولا يضرُّ في ذلك أنَّ المجيءَ بالصدقِ ليس وصفاً للمؤمنين الأتباع (١) حاشية الشهاب ٣٣٩/٧. (٢) تفسير الطبري ٢٠٤/٢٠-٢٠٥، والأسماء والصفات (٢٠٦)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٢٨/٥. الآية : ٣٣ ٤٣٣ سُورَّةُ الزَِّّزْ كما لا يخفى، والموصولُ على هذا مفردٌ لفظاً ومعنّى، والجمعُ في قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴾﴾ باعتبارِ دخولِ الأتباع تبعاً. ومراتبُ التقوى متفاوتةٌ، ولرسولِ اللهِ وَلل أعلاها. وجُوِّز أن يكون الموصول صفةً لمحذوفٍ، أي: الفوج الذي، أو: الفريق الذي .. إلخ، فيكون مفردَ اللفظ مجموعَ المعنى، فقيل: الكلامُ حينئذٍ على التوزيع؛ لأن المجيء بالصدق على الحقيقة له عليه الصلاة والسلام، والتصديقُ بما جاء به وإِنْ عمَّه وأتباعَه ◌َّهِ، لكنَّه فيهم أظهرُ، فليُحْمَل عليه للتقابل. وفي ((الكشف)): الأوْجَهُ أن لا يُحْمَل على التوزيع، غايةُ ما في الباب أنَّ أحدَ الوصفين في أحدِ الموصوفين أظهرُ، وعليه يحملُ كلام الزمخشريِّ الموهِمُ للتوزيع(١). وحمل بعضُهم الموصولَ على الجنس، فإنَّ تعريفَه - كتعريف ذي اللام - يكون للجنس والعهد، والمرادُ حينئذ به الرسلُ والمؤمنون. وأيَّد إرادةَ ما ذَكر بقراءة ابن مسعود: ((والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به))(٢). وزعم بعضهم أنه أريد: ((والذين))، فحذفت النونُ كما في قوله: هم القومُ كلُّ القوم يا أمَّ مالك(٣) إن الذي حانتْ بفَلْجِ دماؤهم وتعقّبه أبو حيان(٤) بأنَّه ليس بصحيح؛ لوجوب جمع الضمير في الصلة حينئذٍ كما في البيت، ألا ترى أنَّه إذا حُذفت النونُ من ((اللَّذان)) كان الضمير مثنَّى کقوله : أبني كُلَيْبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللذا قَتَلا الملوكَ وفكّكا الأغْلالا(٥) (١) الكشاف ٣٩٨/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢/٤، والكشاف ٣٩٨/٣. وقد وردت قراءته بحذف النون أيضاً ((والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به)) كما في المحرر الوجيز ٥٣١/٤، والبحر ٤٢٨/٧ . (٣) البيت للأشهب بن رُميلة، وسلف ٤٤٨/٣ . (٤) البحر ٤٢٨/٧ . (٥) البيت للأخطل، وسلف ٣٢٣/١٧. سُوَّةُ الرُِّزْ ٤٣٤ الآية : ٣٣ وقال عليٍّ(١) وأبو العالية والكلبيُّ وجماعة: ((الذي جاء بالصدق)) هو الرسولُ وَ﴿، والذي ((صدَّق به)) هو أبو بكر ◌ُبه. وأخرج ذلك ابن جرير والباورديُّ في ((معرفة الصحابة)) وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان - وله صحبة - عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(٢). وقال أبو الأسود ومجاهدٌ في روايةٍ وجماعةٌ من أهل البيت وغيرُهم: الذي صدَّق به هو عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(٣). وأخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله وَّةٍ(٤). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدِّيِّ أنه قال: ((الذي جاء بالصدق)) جبريل عليه السلام، ((وصدق به)) هو النبيُّ ◌َلقّ(٥). قيل: وعلى الأقوال الثلاثة يقتضي إضمار ((الذي))، وهو غيرُ جائزٍ على الأصحِّ عند النحاة من أنَّه لا يجوز حذفُ الموصول وإبقاءُ صلتِه مطلقاً، أي: سواءٌ عُطف على موصولٍ آخر أم لا. ويضعِّفه أيضاً الإخبار عنه بالجمع. وأجيب بأنَّه لا ضرورةَ إلى الإضمار، ويراد بـ ((الذي)) الرسولُ نَّهِ والصدِّيقُ أو عليٌّ - كرَّم الله تعالى وجهَهما - معاً، على أنَّ الصلة للتوزيع، أو يراد بـ ((الذي) جبريلُ عليه السلام والرسولُ وَ﴿ معاً كذلك؛ وضميرُ الجمع قد يرجع إلى الاثنين وقد أريدا بـ ((الذي)). ولا يخفى ما في ذلك من التكلَّف، والله تعالى أعلم بحال الأخبار، ولعلَّ ذِكْرَ أبي بكر مثلاً - على تقدير الصحّة - من باب الاقتصارِ على بعضٍ أفرادِ العامِّ لنكتةٍ، (١) وقع في الأصل و(م): ((علية))، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٣١/٤، والبحر ٤٢٨/٧ والكلام وما بعده منه. (٢) تفسير الطبري: ٢٠٤/٢-٢٠٥، وتاريخ دمشق ٤٤٠/٣٠، وعزاه للباوردي السيوطيُّ في الدر ٣٢٨/٥. (٣) المحرر الوجيز ٥٣١/٤، والبحر المحيط ٤٢٨/٧. (٤) الدر المنثور ٣٢٨/٥. (٥) تفسير الطبري ٢٠٥/٢٠، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطيُّ في الدر ٣٢٨/٥. الآية : ٣٤ ٤٣٥ سِوَرَّةُ الرّحِزْ وهي في أبي بكرٍ رُه كونه أوَّلَ مَن آمن وصدَّق من الرجال، وفي عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه كونه أولَ مَن آمن وصدَّق من الصبيان. ويقال نحو ذلك على تقدير صحَّةٍ خبرِ السدِّيِّ، ولا يكاد يصحُّ لقوله تعالى فيما بعد: ((ليُكفِّر)) إلخ. وبما ذكر يُجمع بين الأخبار إن صحَّت، ولا يُعتَبَر في شيءٍ منها الحصرُ، فتدبَّر. وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان: ((وصَدَقَ به)) مخفَّفاً (١)، أي: وصدَق به الناسَ ولم يكذبْهم به، يعني: أدَّاه إليهم كما نزل عليه من غيرِ تحريفٍ، فالمفعولُ محذوفٌ؛ لأنَّ الكلامَ في القائم به الصدقُ وفي الحديثِ الصدقِ، والكلامُ على العموم دونَ خصوصِه عليه الصلاة والسلام، فإنَّ جملةَ القرآن حَفِظه الصحابةُ عنه عليه الصلاة والسلام وأدّوه كما أنزل. وقيل: المعنى: وصار صادقاً به، أي: بسببه؛ لأنَّ القرآن معجِزٌ والمعجزُ يدلُّ على صدقِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فالوصفُ خاصٌّ. وقد تجوِّز في ذلك باستعمال ((صَدَق)» بمعنى: صار صادقاً به، ولا كنايةً فيه كما قيل. وقال أبو صالح(٢): أي: وعَمِلَ به. وهو كما ترى. وقرئ: ((وصُدِّق به)) مبنيًّا للمفعول مشدّداً (٣). ﴿لَمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ بيانٌ لِمَا لأولئك الموصوفين بالمجيء بالصدقِ والتصديق به في الآخرة مِن حُسن المآب بعدَ بيانٍ ما لهم في الدنيا مِن حُسن الأعمال، أي: لهم كلُّ ما يشاؤونه مِن جلْب المنافع ودفع المضارِّ في الآخرة لا في الجنَّة فقط؛ لِمَا أنَّ بعضَ ما يشاؤونه من تكفيرِ السيئات والأمن من الفَزَع الأكبر وسائرِ أهوال القيامة إنما يقعُ قبلَ دخول الجنة. أي: ﴿َذَلِكَ﴾ الذي ذُكر من حصولِ كلِّ ما يشاؤونه ﴿جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ الذين أحسنوا أعمالَهم، والمرادُ بهم أولئك المحدَّثُ عنهم لكن أقيمَ الظاهرُ مقامَ (١) المحتسب ٢٣٧/٢، والمحرر الوجيز ٥٣١/٤. (٢) كما في القراءات الشاذة ص١٣٢، والبحر ٤٢٨/٧ . (٣) البحر المحيط ٤٢٨/٧ . سُوَّةُ النَّزْ ٤٣٦ الآية : ٣٥ الضمير تنبيهاً على العلة لحصول الجزاء. وقيل: المرادُ ما يعمُّهم وغيرَهم ويدخلون دخولاً أوليًّا . وقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ﴾ إلخ متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: ليكفِّر الله عنهم ويجزيَهم خصَّهم سبحانه بما خصَّ. أو بما قبله باعتبارٍ فحواه على ما قيل، أي: وعدَهم اللهُ جميعَ ما يشاؤونه من زوال المضارِّ وحصولِ المسارِّ ليكفِّر عنهم بموجب ذلك الوعدِ أسواً الذي عملوا .. إلخ، وليس ببعيدٍ معنّى عن الأوَّل. وجوِّز أن يكون متعلِّقاً بقوله سبحانه: (ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: بما يدلُّ عليه من الثبوت، أو بـ ((المحسنين)) كما قال أبو حيان(١)، فكأنه قيل: وذلك جزاء الذين أحسنوا أعمالهم ليكفِّر الله عنهم أسوأً الذي عملوه. ۵﴾ وتقدیمُ ﴿وَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُ﴾ ويعطيهم ثوابَهم ﴿يَأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ التكفير على إعطاء الثواب؛ لأنَّ درءَ المضارِّ أهمُّ مِن جلبِ المسارِّ. وأقيم الاسم الجليلُ مقامَ الضمير الراجع إلى ((ربهم)) لإبراز كمالِ الاعتناء بمضمون الكلام، وإضافةُ ((أسوأ)) و((أحسن)) إلى ما بَعْدَهما من إضافة أفعل التفضيل إلى غيرِ المفضَّل عليه للبيانِ والتوضيح، كما في: الأشجُّ أعدلُ بني مروانَ(٢)، ويوسفُ أحسنُ إخوته (٣). والتفضيل - على ما قال الزمخشريُّ - للدلالة على أنَّ الزلَّة المكفَّرة عندهم هي الأسوأ؛ لاستعظامهم المعصيةَ مطلقاً لشدَّةِ خوفِهم، والحَسَن الذي يعملونه عند الله تعالى هو الأحسنُ لحُسن إخلاصهم فيه (٤). وذلك على ما قرِّر في ((الكشف))، لأنَّ التفضيلَ هنا من باب الزيادةِ المطلقةِ من غير نظرٍ إلى مفضَّلٍ عليه، نظراً إلى وصوله إلى أقصى الغاية الكمالية. ثم لَمَّا كانوا متَّقين كاملي التقى لم يكن في عملهم أسوأ إلَّا فرضاً وتقديراً. (١) المصدر السابق. (٢) الأشج: هو عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي. (توفي ١٠١هـ)، سمي بالأشج لشجّة كانت في رأسه. سير أعلام النبلاء ١١٦/٥ . (٣) ينظر ٩٣/١٠. (٤) الكشاف ٣٩٨/٣. الآية : ٣٥ ٤٣٧ سُوَّةُ الرُِّز وقوله سبحانه: (بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ) دونَ: أحسن الذي كانوا يعملون، يدلُّ على أنَّ حَسَنَهم عند الله تعالى من الأحسن؛ لدلالته على أنَّ جميعَ أجرهم يجري على ذلك الوجه، فلو لم يعملوا إلَّ الأحسن كان التفضيلُ بحسب الأمرِ نفسهِ. ولو كان في العمل الأحسنُ والحَسَنُ وكان الجزاءُ بالأحسن بأن يُنظَر إلى أحسن الأعمال فيجري الباقي في الجزاء على قياسه دلَّ أنَّ الحسَنَ عند المجازِي كالأحْسن، فصحَّ على التقديرين أنَّ حَسَنَهم عند الله تعالى هو الأحسنُ. ويُعلم من هذا أن لا اعتزالَ فيما ذكره الزمخشريُّ(١) كما توهّمه أبو حيان، وأما قولُه في الاعتراض عليه: إنه قد استعمَل ((أسواً)) في التفضيل على معتقَدهم، و((أحسنَ)) في التفضيل على ما هو عندَ الله عزَّ وجلَّ، وذلك توزيعٌ في أفعل التفضيل وهو خلاف الظاهر(٢). فقد يسلّم إذا لم يكن في الكلام ما يؤذِن بالمغايرة، فحيثُ كان فيه هاهنا ذلك على ما قرِّر، لا يسلَّم أنَّ التوزيعَ خلافُ الظاهر. وقيل: إنَّ (أسوأ)) على ما هو الشائع في أفعل التفضيل، وليس المرادُ أنَّ لهم عملاً سيئاً وعملاً أسوأ، والمكفَّر هو الأسوأ، فإنَّهم المتقون الذين وإن كانت لهم سيئاتٌ لا تكون سيئاتُهم من الكبائر العظيمة، ولا يناسب التعرُّض لها في مقام مدحهم، بل الكلام كنايةٌ عن تكفير جميع سيئاتهم بطريق برهانيٍّ، فإنَّ الأسوأ إذا كفِّر كان غيرُه أولى بالتكفير، لا أنَّ ذلك صدر منهم، ولا نسلِّم وجوبَ تحقُّقٍ المعنى الحقيقيِّ في الكناية. وهو كما ترى. وقال غير واحد: ((أفعل)) على ما هو الشائعُ، والأسوأ: الكفرُ السابق على التقوى والإحسان، والمراد تكفيرُ جميع ما سلَفَ منهم قبل الإيمان من المعاصي بطريق برهانيٍّ. وعلى هذا لا يتسنَّى تفسيرُ ((وصدَّق به)) بعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، إذ لم يسبقْ له كفْرٌ أصليٍّ، ولا يكاد يعبّر عن الكفر التبعيِّ بأسوأ العمل. وقيل: ((أفعل)) ليس للتفضيل أصلاً، فـ ((أسوأ)) بمعنى السيِّئ صغيراً كان أو كبيراً، كما هو وجهٌ أيضاً في: الأشجُّ أعدلُ بني مروان، وأُيِّدَ بقراءة ابن مقسم وحامد بن (١) المصدر السابق. (٢) البحر المحيط ٤٢٩/٧. ٤٣٨ الآية : ٣٦ يحيى عن ابن كثير روايةً عن البزيِّ عنه: ((أسواء)» بوزن ((أفعال)) جمع: سوء(١). و((أحسن)) عندَ أكثر أهل هذه الأقوال على بابه، على معنى أنَّه تعالى ينظُر إلى أحسنِ طاعاتهم فيُجْري سبحانه الباقي في الجزاء على قياسه لطفاً وكرماً. وزعم الطبرسيُّ(٢) أنَّ الأحسن الواجبُ والمندوبُ، والحسنَ المباحُ، والجزاءُ إنَّما هو على الأوَّلين دونَ المباح. وقيل: المرادُ: يجزِيهم بأحسنَ مِنْ عملِهم وهو الجنة. وفيه ما فيه. والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون الأول؛ للإيذانِ باستمرارِهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ﴾ إنكارٌ ونَفْيٌّ لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه، كأنَّ الكفايةَ من التحقُّق والظهور بحيثُ لا يقدِرُ أحد على أن يتفوَّهَ بعدمِها أو يتلعثمَ في الجواب بوجودها . والمراد بـ ((عبده) إمَّا رسولُ اللهِنَّوَ على ما روي عن السديِّ، وأيِّد بقوله تعالى: ﴿وَتُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ أي: الأوثان التي اتخذوها آلهةً؛ فإنَّ الخطابَ - سواءٌ كانت الجملة استئنافاً أو حالاً - له وَلّهِ. وقد روي أنَّ قريشاً قالت له عليه الصلاة والسلام: إنَّا نخافُ أن تخبلك آلهتنا وتصيبك معرَّتُها؛ لعيبكَ إياها، فنزلت. وفي روايةٍ قالوا: لتكُفَّنَّ عن شتم آلهتنا أو ليصيبتَّك منها خَبَلٌ، فنزلت(٣). أو الجنسُ المنتظِمُ له عليه الصلاة والسلام انتظاماً أوليًّا، وأيِّد بقراءة أبي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائيّ: ((عبادَه)) بالجمع (٤)، (١) القراءات الشاذة ص١٣٢، والبحر ٤٢٩/٧. (٢) في مجمع البيان ٢٤/ ١٥٥ . (٣) نقلهما المصنف من تفسير أبي السعود ٢٥٥/٧، وروى عبد الرزاق في تفسيره ١٧٢/٢ عن معمر في قوله: ﴿وَيُحَوِّقُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ قال: قال لي رجل: إنهم قالوا للنبيّ ◌َّ: لتكفَّنَّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتخبلنَّك. (٤) التيسير ص١٨٩، والنشر ٣٦٢/٢، عن حمزة والكسائي وأبي جعفر، والكلام من البحر ٤٢٩/٧. الآية : ٣٦ ٤٣٩ سُورَةُ الرُّز وفسِّر بالأنبياء عليهم السلام والمؤمنين. وعلى الأول يرادُ أيضاً الأتباعُ كما سمعتَ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌ﴾ [الآية: ٣٣]. و((يخوفونك)) شاملٌ لهم أيضاً على ما سلف. والتئام الكلام بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الآية: ٣٢] إلى هذا المقام؛ لدلالته على أنَّه تعالى يكفي نبيَّه وَّهِ مُهِمَّ دينه ودنياه، ويكفي أتباعَه المؤمنين أيضاً المهمّين. وفيه أنَّه سبحانه يكفيهم شرَّ الكافرين من وجهين: من طريق المقابلة، ومِن أَنَّه داخلٌ في كفايةٍ مهمَّي الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعِه. وهذا ما تقتضيه البلاغةُ القرآنية، ويلائمُ ما بني عليه السورة الكريمة من ذكر الفريقَين وأحوالهما توكيداً لِمَا أمر به أوَّلاً من العبادة والإخلاص. وقرئ: ((بكافي عِبادِه)) بالإضافة، و((يُكافِي عِبادَه)) مضارع ((كافى)) ونصب ((عباده))(١)، فاحتمل أن يكون مفاعلةً من الكفاية، كقولك: ((يُجاري)» في «يجري))، وهو أبلغ من ((كفى)) لبنائه على لفظ المبالغة، وهو الظاهر لكثرةٍ تردُّدِ هذا المعنى في القرآن نحو ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. ويحتمل أن يكون مهموزاً من المكافأة، وهي المجازاةُ. ووجه الارتباط أنه تعالی لَمَّا ذکر حالَ مَن کذب على الله و کذَّب بالصدق وجزائِه، وحالَ مقابله - أعني: الذي جاءً بالصدق وصدَّق به - وجزاءَه، وعرَّض بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ [الآية: ٣٤] بأنَّ ما سلف جزاءُ الكافرين المسِيْئين؛ لِمَا هو معروفٌ من فائدةِ البناء على اسم الإشارة، ثم عقَّبه تعالى بقوله عزَّ وجلَّ: ((ليكفِّر)) إلخ على معنى: ليكفِّرَ عنهم ويَجْزِيَهم خصَّهم بما خصَّ، فنَّه على المقابِل أيضاً من ضرورة الاختصاصِ والتعليل، وفيه أيضاً ما يدلُّ على حكم المقابِل على اعتبارِ المتعلَّق غيرَ ما ذُكر كما يظهر بأدنى التفات = أَردفَ بقوله تعالى: ((أليس الله يكافي عبادَه))(٢)، وحيث إنَّ مطمحَ النظر من العباد السَّيِّدُ الحبيبُ وَلِّ، كان المعنى: الله تعالى يجازي عبدَه ونبيَّه عليه الصلاة والسلام هذا الجزاء المذكور. وفيه أنَّه الذي يجزيه (١) الكشاف ٣٩٨/٤-٣٩٩، والبحر ٤٢٩/٧. (٢) وقع في (م): ((بكاف عبده)). ء سُوَّةُ الزُّزْ ٤٤٠ الآية : ٣٧ - ٣٨ البتة، ويلائمه قوله تعالى: (وَيُحَوّفُونَكَ)، فإنَّه لَمَّا كان في مقابلةِ ذمِّ آلهتهم كما سمعتَ في سبب النزول كان تحذيراً من جزاءِ الآلهة، فلا مغمزَ بعدم الملاءمَةِ. نعم لا ننكر أنَّ معنى الكفاية أبلغُ كما هو مقتضى القراءة المشهورة، فاعلم ذاك، والله تعالى يتولَّى مُداك. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ حتى غَفَل عن كفايته تعالى عبده، وخوَّفَ بما لا ينفع يهدیه إلی خیرٍ مّا . ولا يضرُّ أصلاً ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ فيَجعل كونَه تعالى كافياً نُصْبَ عينِه عاملاً بمقتضاه ﴿فَمَا لَهُ مِن ◌ُضِلٍ﴾ يصرفُه عن مقصدِه أو يصيبُه بسوءٍ يُخِلُّ بسلوكه، إذ لا رادَّ لفعله ولا معارِض لإرادته عزَّ وجلَّ كما ينطِقُ به قولُه تعالى: ﴿أَلََّ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالبٍ ®)﴾ ينتقم من أعدائِه لأوليائه. لا يُغالَب، منيعٍ لا يمانَع ولا ينازَعِ ﴿ذِى أَشِقَامٍ وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار؛ لتحقيقِ مضمونِ الكلام وتربيةٍ المهابة. ﴿وَلَيِنْ سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهُ﴾ لظهورِ الدليل ووضوحٍ السبيل، فقد تقرَّر في العقول وجوبُ انتهاء الممكنات إلى واجب الوجود(١). والاسم الجليلُ فاعلٌ لفعلٍ محذوف، أي: خلقهنَّ الله. ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم: ﴿أَفََّيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ﴾ أي: إذا كان خالقُ العالم العلويِّ والسفليِّ هو اللهَ عزَّ وجلَّ كما أقررتُم، فأخبروني أنَّ آلهتكم إن أرادني الله سبحانه بضرِّ هل هنَّ يَكْشِفْن عِنِّي ذلك الضرَّ؟ فالفاء واقعةٌ في جواب شرطٍ مقدَّر. وقال بعضهم: التقديرُ: إذا لم يكن خالقٌ سواه تعالى فهل يُمكِن غيرَه كشفُ ما أراد من الضُّرِّ؟ وجوِّز أن تكون عاطفة على مقدَّرٍ، أي: أتفكّرتم بعد ما أقررتم فرأيتم ما تدعون .. إلخ ﴿أَوْ أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ﴾ أي: أو: إنْ أرادني بنفعِ ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ،﴾ فيمنعُها سبحانه عنِّي. (١) في الأصل: ((واجب الوجوب))، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٧/ ٣٤٠، والكلام منه.