النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ١٧
٤٠١
سُؤَدَّةُالرُّهَيِّز
﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الفظيع ﴿يُخَوِّفُ اَللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ﴾ يذكره سبحانَه لهم بآياتِ الوعيد
ليخافوا فيجتنبوا ما يُوقِعُهم فيه. وخصَّ بعضُهم ((العبادَ)) بالمؤمنين؛ لأنَّهم المنتفعون
بالتخويف، وعمَّم آخرون. وكذا في قوله سبحانه: ﴿يَعِبَادِ فَأَتَّقُونِ (﴾﴾ ولا تتعرَّضوا
لِمَا يوجِبُ سَخَطِي. ويختلف المرادُ بالأمر على الوجهين كما لا يخفى، وهذه عِظَةٌ
من الله جلَّ جلالُه وعمَّ نوالُه منطويةٌ على غاية اللطفِ والرحمة.
وقرئ: ((يا عبادي)) بالياءٍ(١).
﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ الطَّغُوتَ﴾ إلخ، قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفرٍ كانوا في
الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيدٍ بن عمرو بن نفيل، وسلمانَ، وأبي ذرٍّ (٢).
وقال ابن إسحاق: أشير بها إلى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص
وسعيد بن زيد والزبير، وذلك أنه لمَّا أسلم أبو بكر سمعوا ذلك، فجاؤوه وقالوا :
أسلمتَ؟ قال: نعم، وذكَّرهم بالله تعالى، فآمنوا بأجمعِهم، فنزلت فيهم (٣). وهي
محكمة في الناس إلى يوم القيامة.
و((الطَّاغُوت)): فعلوت(٤)، من الطغيان كما قالوا - لا: فاعول، كما قيل - بتقديم
اللام على العين، نحو: صاعقة، وصاقعة، ويدلُّ على ذلك الاشتقاقُ، وأنَّ طوغ
وطیغ، مهملان.
وأصلُه: طغيوت، أو: طغووت، من الياء أو الواو؛ لأنَّ طغى يطغى، ويطغو،
كلاهما ثابتان في العربية، نقله الجوهريُّ، ونقل أنَّ الطغيان والطغوان بمعنَّى(٥)،
وكذا الراغب(٦). وجمعُه على الطواغيت يدلُّ على أنَّ الجمعَ بُني على الواو.
(١) النشر ٣٦٤/٢ عن رویس.
(٢) تفسير الطبري ٢٠/ ١٨٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٢٤٩/١٠.
(٣) نقله المصنف من البحر ٧/ ٤٢٠ .
(٤) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر المحيط ٢/ ٢٧٢، والصواب كما في الدر المصون ٢/
٥٤٨: فَلَعُوت. بدليل ما عقّب عليه الآلوسي بقوله الآتي: بتقديم اللام على العين.
(٥) الصحاح (طغا).
(٦) المفردات (طغى).

سُوَّةُ الرَّحِزْ
٤٠٢
الآية : ١٧
وقولُهم: من الطغيان، لا يريدون به خصوصَ الياء، بل أرادوا المعنى، وهو على
ما في ((الصحاح)): الكاهنُ والشيطان، وكلُّ رأسٍ في الضلال(١).
وقال الراغب: هو عبارةٌ عن كلِّ متعدٍّ وكلِّ معبود من دون الله تعالى، وسمِّي
به الساحرُ والكاهنُ والماردُ من الجِنِّ والصارفُ عن الخير، ويستعمل في الواحد
والجمع(٢).
وقال الزمخشريُّ في هذه السورة: لا يطلق على غير الشيطان، وذكر أنَّ فيه
مبالغاتٍ من حيثُ البِناءُ، فإنَّ صيغةً: فعلوت، للمبالغة، ولذا قالوا: الرحموت:
الرحمة الواسعة، ومن حيثُ التسميةُ بالمصدر، ومن حيثُ القلبُ، فإنَّه للاختصاص
كما في: الجاه(٣). وقد أطلقه في ((النساء)) على كعب بن الأشرف، وقال: سمِّي
طاغوتاً؛ لإفراطه في الطغيان وعداوةِ رسولِ الله وَّر، أو على التشبيه بالشيطان (٤).
فلعلَّه أراد: لا يطلق على غير الشيطان على الحقيقة، وكأنَّه جعل كعباً على الأول
من الوجهين من شياطين الإنس.
وفي ((الكشف)): كأنه لمَّا رآه مصدراً في الأصل، منقولاً إلى العين، كثيرَ
الاستعمال في الشيطان؛ حكم بأنَّه حقيقةٌ فيه بعدَ النقل؛ مجازٌ في الباقي لظهور
العلاقة، إما استعارة وإما نظر إلى تناسُب المعنى.
والذي يغلب على الظن أنَّ ((الطاغوت)) في الأصل مصدرٌ نُقل إلى البالغ الغايةَ
في الطغيانِ وتجاوزِ الحدِّ، واستعمالُه في فردٍ من هذا المفهوم العام - شيطاناً كان
أو غيرَه - يكونُ حقيقةً ويكون مجازاً، على ما قرَّروا في استعمال العامٌّ في فرد من
أفراده، كاستعمال الإنسان في زيد، وشيوعُه في الشيطان ليس إلَّا لكونه رأسَ
الطاغين.
(١) الصحاح (طغا).
(٢) المفردات (طغى).
(٣) الکشاف ٣/ ٣٩٢-٣٩٣.
(٤) الكشاف ٥٣٦/١.

الآية : ١٨
٤٠٣
سُورَةُ التِّزْ
وفسَّره هنا بالشيطان مجاهدٌ. ويجوز تفسيرُها بالشياطين جمعاً على ما سمعتَ
عن الراغب، ويؤيِّده قراءةُ الحسن: ((اجتنبوا الطواغيت))(١).
﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ بدلُ اشتمالٍ من ((الطاغوت))، وعبادةُ غير الله تعالى عبادةٌ
للشيطان؛ إذ هو الآمرُ بها والمزيِّنُ لها، وإذا فُسِّر ((الطاغوتُ)) بالأصنام فالأمر
ظاهرٌ. ﴿وَأَبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ وأقبلوا إليه سبحانه معرضين عمَّا سِواه إقبالاً كلِّياً. ﴿لَمُ
الْبُشْرَى﴾ بالثواب من الله تعالى على ألسنة الرسل عليهم السلام، أو الملائكةِ عندَ
حضور الموت وحين يحشرون وبعدَ ذلك.
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؟ٌ﴾ مدحٌ لهم بأنَّهم نُقَّادٌ في
١٧
﴿نَبَشِّرْ عِبَادِ
الدين يميِّزُون بينَ الحَسَن والأحسن، والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران:
واجبٌ وندبٌ، اختاروا الواجبَ، وكذلك المباحُ والندبُ.
وقيل: يستمعون أوامرَ الله تعالى فيتَّبعون أحسنَها نحو القِصاصِ والعفو،
والانتصارِ والإغضاء؛ والإبداء والإخفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. والفرق
بين الوجهين أنَّ هذا أخصُّ لأنَّه مخصوصٌ بأوامرَ فيها تخييرٌ بين راجحٍ وأرجحَ
كالعفو والقِصاص مثلاً، كأنَّه قيل: يتَّبعون أحسنَ القولين الواردين في معيَّن، وفي
الأول: يتبعون الأحسنَ من القولين مطلقاً؛ كالإيجاب بالنسبة إلى الندب مثلاً. وعن
الزجّاج: يستمعون القرآن وغيرَه، فيتبعون القرآن(٢).
وقيل: يستمعون القولَ ممن كان فيتبعون أَولاه بالقَبول وأرشدَه إلى الحقِّ.
ويلزَمُ مِن وصفِهم بذلك أنَّهم يميِّزون القبيحَ من الحَسن ويجتنبون القبيح.
وأريد بهؤلاء العباد الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرُهم؛ لئلا ينفكَّ النظم، فإنَّ
قولَه تعالى: ((فبشر)» مرتَّبٌ على قوله سبحانه: ((لهم البشرى))، ووضع الظاهر
موضعَ الضمير ليشرِّفهم تعالى بالإضافة إليه؛ ولتكرير بيانِ الاستحقاق؛ وليدُلَّ
(١) المحتسب ٢٣٦/٢، والبحر المحيط ٤٢١/٧ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٤٩/٤.

سُوَّةُ الثِّزْ
٤٠٤
الآية : ١٩
على أنَّهم نَقَّادون(١) حرصاً على إيثار الطاعة ومزيدِ القرب عند الله تعالى، وفيه
تحقیقٌ للإنابة وتتمیمٌ حسن.
وقيل: الوقفُ على ((عبادي))، فيكون ((الذين)) مبتدأُ خبرُه جملةُ قولِه تعالى:
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَهُمُ الَهُ﴾ أي: لدينه، والكلامُ استئنافٌ بإعادةِ صفةٍ مَن استُزْنِفَ
عنه الحديثُ. وما تقدَّم أرجحُ لِمَا سلف من الفوائد من إقامة الظاهر مقامَ المضمر
والتتميم، فإنَّ ذلك دون الوصف لا يتمُّ، ولأنَّ محرِّك السؤال المجابِ بالجملة بعدَ
قوله تعالى: ((يتبعون أحسنه)) أقوى؛ وذلك الأصلُ في حُسن الاستئناف.
أي: هم أصحابُ العقول السليمة عن معارضةٍ
١٨
﴿وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
الوهم ومنازعةِ الهوى المستحقُّون للهداية، لا غيرُهم. وفي الآية دلالةٌ على حطّ
قَدْر التقليد المخْضِ، ولذا قيل:
شمِّرْ وكُنْ في أمور الدين مجتهداً ولا تكن مثلَ عَيْرٍ قِيْدَ فانقادا
واستُدِلَّ بها على أنَّ الهداية تحصُل بفعل الله تعالى وقَبول النفس لها كما ذهب
إليه الأشاعرة.
بيانٌ
١٩
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنُقِذُ مَنْ فِ النَّارِ (
الأضداد المذكورين على طريقة الإجمال، وتسجيلٌ عليهم بِحِرْمان الهداية وهم عَبَدَةُ
الطاغوت ومشَّبِعو خطواتِها؛ كما يلوِّح به التعبير عنهم بـ ((مَن حقَّ عليه كلمةٌ
العذاب))، فإنَّ المرادَ بتلك الكلمة قولُه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] والآية على ما قيل: نزلت في أبي جهل وأضرابه(٢).
والهمزةُ للإنكار، والفاءُ للعطف على مقدَّر، و((مَن)) شرطيةٌ على ما ذهب إليه
الحوفي وغيرُه(٣)، وجواب الشرط ((فأنت تنقذ)) إلخ، والهمزة قبله الاستطالة الكلام
على نحوٍ قوله:
(١) أي: في الدِّين يميِّزون بين الحق والباطل. تفسير البيضاوي ٧/ ٣٣٢، وأبي السعود ٢٤٨/٧.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٤٢١.
(٣) كما في البحر المحيط ٤٢١/٧ .

الآية : ١٩
٤٠٥
سُورَةُ الزُّهِ
إذا قلتُ: أما بعد، أنِّي خطيبُها (١)
لقد عَلِم الحزبُ اليمانونَ أنَّني
لأنَّ دخول الهمزة في الجواب أو الشرط كافٍ، تقول: أإن أكرمك تكرمه،
كما تقول: إن أكرمك أتكرمه. ولا تكرِّرها فيهما إلَّا للتأكيد؛ لأنَّ الجملتين - أعني
الشرطَ والجزاء - بعد دخول الأداة مفردان، والاستفهامُ إنمَّا يتوجَّهُ على مضامين
الجمل إذا كان المطلوبُ تصديقاً، والإنكارُ المُفادُ بالهمزة متعلِّقٌ بمضمون
المعطوف والمعطوف عليه، إلّا أنَّ المقصود في المعطوف إنكارُ الجزاء(٢)،
والتقدير: أأنت مالكُ أمرِ الناس قادرٌ على التصرُّف فيه، فمن حقَّ عليه كلمةُ
العذاب فأنت تنقذه؟ على معنى: لست أنتَ مالك أمرِ الناس ولا أنت تَقْدِر على
الإنقاذ، بل المالكُ والقادرُ على الإنقاذ هو اللهُ عزَّ وجلَّ.
وعُدل عن: فأنت تنقذه، إلى ما في النظم الكريم؛ لمزيد تشديد الإنكار
والاستبعاد، مع ما فيه من الإشارة إلى أنَّه نُزِّل استحقاقُهم للعذاب وهم في
الدنيا المشعِرُ به الشرطُ منزلةَ دخولهم النارَ، وأنَّه مُثِّل حالُه عليه الصلاة والسلام في
المبالغة في تحصيل هدايتهم والاجتهاد في دعائهم إلى الإيمان بحالٍ مَن يريد أن
يُتْقِذَ مَن في النار مِنها .
وفي ((الحواشي الخفاجيّة)) نقلاً عن السعد أنَّ في هذه الآية استعارةً لا يعرفها إلَّا
فُرسانُ البيان، وهي الاستعارة التمثيلية المكنية؛ لأنَّه نُزِّل ما يدلُّ عليه قوله تعالى:
(أفمن)) إلخ من استحقاقهم العذابَ وهم في الدنيا منزلةَ دخولهم النارَ في الآخرة،
حتى يترتَّبَ عليه تنزيلُ بَذْلِه عليه الصلاة والسلام جهدَه في دعائهم إلى الإيمان منزلةً
إنقاذهم من النار الذي هو من ملائمات دخول النار. ثم قال: وقد عرفتَ من مذهبه
أنَّ قرينة المكنية قد تكون تحقيقيةً كما في نقض العهد(٣). انتهى، فتأمَّل.
(١) البيت نسب إلى سحبان بن زفر الباهلي. جمهرة الأمثال ٢٤٨/١، وخزانة الأدب ٣١٥/١
وورد فيهما: الحيُّ، بدل: الحزب. وينظر المنتظم ٢٨٣/٥ وسلف البيت ٤٠٠/١٠.
(٢) ورد هنا في هامش الأصل ما نصه: الخلاف بين سيبويه ويونس في المستفهم عنه - إذا
دخلت الهمزة على الشرط - هل المجموع، أو جواب الشرط؟ معروف بين النحاة. اهـ.
(٣) حاشية الشهاب ٧/ ٣٣٤.

سُوَّةُ النُِّزْ
٤٠٦
الآية : ١٩
وقيل: إنَّ النارَ مجازٌ عن الضلال من باب إطلاق اسم المسبَّب على السبب،
والإنقاذ بدلَ الهداية من ترشيح المجاز، أو مجازٌ عن الدعاء للإيمان والطاعة.
وليس بذاك.
وجوِّز أن يكون الجزاءُ محذوفاً، وجملةُ ((فأنت تنقذ)) إلخ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ للجملة
الأولى، والتقدير: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب فأنت تخلِّصه، أفأنت تنقذ من في
النار؟ .
ولا فرقَ بين الوجهين في أنَّ ((الفاء)» في الأولى للعطف على محذوف،
ولا في كون المعنى على تنزيل استحقاقِ العذاب وهم في الدنيا منزلةَ دخولهم
النارَ، وتمثيلٍ حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم بحالٍ
مَن يريد أن يُنْقِذَ مَن في النار منها، نعم الكلامُ على الأول جملة، وعلى الثاني
جملتان.
واستظهر أبو حيان أنَّ (مَن)) موصولةٌ مبتدأ، والخبر محذوف، وحَكى أنَّ منهم
مَن يقدِّره: يتأسَّفُ عليه، ومنهم من يقدِّره: يتخلَّص منه، ومنهم من يقدِّره: فأنت
تخلِّصه(١). ولا يخفى أنَّ التقديرَ الأخير أولى. وذكر أنَّ النحاةَ على أنَّ ((الفاء)» في
مثل هذا التركيب للعطف وموضعُها قبلَ الهمزة، لكن قدِّمت الهمزةُ لأنَّ لها صدر
الكلام، وقال: إن القول بأنَّ كلَّا منهما في مكانه، قولٌ انفرد به الزمخشريُّ
فيما علمنا(٢).
وفي ((المغني) ترجيحُ القول بأنَّ الهمزةَ مقدّمة من تأخيرٍ(٣)، وعليه يقدَّر
المعطوف عليه: ما أنت مالكُ أمرِهم، أو: ما أخبر الله تعالى به واقعٌ لا محالةَ،
أو: كلُّ كافرٍ مستحقٌّ للعذاب، أو نحوُ ذلك مما يناسبُ المعنى المراد.
(١) البحر المحيط ٤٢١/٧.
(٢) البحر ٤٢١/٧، وقال: قدر الزمخشري بين الهمزة والفاء جملة حتى تقرأ الهمزة في مكانها
والفاء في مكانها، فقال: التقدير: أأنت مالك أمرهم فمن حقَّ عليه كلمة العذاب، إلخ.
ينظر الكشاف ٣٩٣/٣.
(٣) مغني اللبيب ص٢٢ .

الآية : ٢٠
٤٠٧
سُؤَةُ الرَّزْ
﴿لَكِنِ اٌلَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفُ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ استدراٌ بينَ ما يشبه النقيضَين
والضدَّين وهما المؤمنون والكافرون وأحوالهما، والمراد بـ ((الذين اتقوا))
الموصوفون بما عدِّد من الصفات الفاضلة. والغرفُ: جمعُ غرفةٍ، وهي العلِّيَّة،
أي: لهم علاليُّ كثيرةٌ جليلة بعضُها فوقَ بعض.
﴿قَبْيَّةٌ﴾ قيل: هو كالتمهيد لقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَحْنَا﴾ أي: من تحت تلك
الغُرَف الفوقانيات والتحتانيات ﴿الْأَنْهَرِّ﴾ أي: مبنيةٌ بناءً يتأتَّى معه جريُ الأنهار من
تحتها، وذلك على خلاف علاليٌّ الدنيا، فيفيد الوصفُ بذلك أنَّها سُوِّيت تسويةً
البناء على الأرض وجُعلت سطحاً واحداً يتأتَّى معه جري الأنهار عليه على أنَّ مياهَ
الجنة لمَّا كانت منحدرةً من بُطْنانِ العرش - على ما في الحديث(١) - فهي أعلى من
الغُرف، فلا عجبَ من جري الماء عليها فوقاً وتحتاً، لكن لا بدَّ من وضعٍ يتأتَّى
معه الجريُ، فالوصف المذكور لإفادة ذلك.
وقال بعض الأجلة: الظاهر أنَّ هذا الوصف تحقيقٌ للحقيقة وبيان أنَّ الغرف
ليست كالُلَل حيثُ أُريد بها المعنى المجازيُّ على الاستعارة التهّميَّة.
وقال بعضُ فضلاءِ إخوانِنا المعاصرين: فائدةُ التوصيف بما ذُكر الإشارةُ إلى
رفعة شأن الغرف حيثُ آذَنَ أنَّ الله تعالى بانيها، وماذا عسى يقال في بناءٍ بناهُ الله
جلَّ وعلا.
وأقول والله تعالى أعلم: وُصفت الغرفُ بذلك؛ للإشارة إلى أنَّها مهيَّاةٌ معدَّةٌ
لهم قد فُرغ من أمرها كما هو ظاهر الوصف، لا أنَّها تُبنى يوم القيامة لهم. وفي
ذلك من تعظيم شأن المتقين ما فيه. وفي الآية على هذا ردٌّ على المعتزلة، وكأنَّ
الزمخشريَّ لذلك لم يحُم حولَ هذا الوجه واقتصر على ما حكيناه أولاً، مع أنَّ
ما قلناه أقربُ منه، فليُحفظ.
(١) منه ما أخرجه البخاري (٢٧٩٠) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من آمن بالله
وبرسوله وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة .. فإذا سألتم الله
فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة - أُراهُ - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر
أنهار الجنة)).

سُورَةُ الرُِّزْ
٤٠٨
الآية : ٢١
﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّد لمضمون الجملة قبلَه فإنَّه وعدٌ أيُّ وَعْدٍ .
﴾ لِمَا في خُلْفه من النقص المستحيلِ عليه عزَّ وجلَّ.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ
٢٠
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَمَاءِ مَّهُ﴾ استئنافٌ واردٌ إمَّا لتمثيل الحياة الدنيا في
سرعةِ الزوال وقُربٍ الاضمحلال بما ذُكر من أحوال الزرع تحذيراً من الاغترار
بزهرتها، أو للاستشهاد على تحقّق الموعود من الأنهار الجارية من تحتِ الغُرَف
بما يشاهَد من إنزال الماء من السماء وما يترتَّب عليه من آثارٍ قدرته سبحانه وإحكام
حكمته ورحمته .
والمرادُ بالماء المطرُ، وبالسماء جهةُ العلو. وقيل: الأجرامُ العُلوية، وكونُ
إنزال المطر منها باعتبارِ أنَّه بأسبابٍ ناشئة منها، فإنَّ تصاعُد الأبخرة وتكوُّنَ الغيوم
بسببٍ جذبِ الشمس واختلافِ أوضاعها ونحو ذلك من الأسباب التي يعلمها الله
تعالى.
وأمَّا كونُ إنزال المطر نفسِه من جِرم السماء المعروفة نفسها، فكثيراً ما يرتفع
سحابٌ ويُمْطِرُ مطراً غزيراً، وهناك مَن هو على ذِروة جبلٍ لا سحابَ عنده ولا مطرَ.
والتزامُ أنَّ المطر في ذلك نازلٌ من جِرم السماء أيضاً على السحاب لكن
لا يشاهده من هو مشرِفٌ على السحاب وواقفٌ(١) فوق الجبل = لا يخفى حالُه.
وقيل: المراد بالماء كلُّ ماء في الأرض، والمراد بالإنزال المذكور الإنزالُ في
مبدأ الخليقة، وذلك أنَّه عزَّ وجلَّ لمَّا خَلَق الأرضَ خلقها خاليةً من الماء فأنزل من
بحرٍ تحتّ العرش ماءً ﴿فَسَلَكَهُ﴾ فأدخله ﴿يَنَِعَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في ينابيع، أي:
عيونٍ ومجاري كائنةٍ في الأرض كالعروق في الأجساد، فعلى الأول يقتضي ظاهرُ
الآية أنَّ ماء العيون والقنوات من ماء المطر، وعلى الثاني ليس منه.
وشاع عن الفلاسفة أنَّ ماء العيون وما يجري مجراها من الأبخرة، قالوا : إنَّ
البخار إذا احتبس في الأرض يميل إلى جهة ويتبرَّد(٢) بها فينقلب مياهً مختلطة بأجزاءٍ
(١) في الأصل: وافق، بدل: واقف، وهو تصحيف.
(٢) في (م): وتبرد.

الآية : ٢١
٤٠٩
سُورَةُ الزُّهَِّزْ
بخارية، فإذا كثر بحيثُ لا تَسعه الأرضُ أَوْجَبَ انشقاقَها فانفجر منها العيونُ.
وردَّه أبو البركات البغداديُّ فقال في ((المعتبر)) (١): السببُ في العيون وما يجري
مجراها هو ما يسيل من الثلوج ومياهِ الأمطار؛ لأنَّا نجدها تزيد بزيادتها
وتنقص بنقصانها، وأنَّ استحالة الأهوية والأبخرة المنحصرة في الأرض لا مدخلَ
لها في ذلك، فإنَّ باطنَ الأرض في الصيف أشدُّ برداً منه في الشتاء، فلو كان سببَ
هذه استحالَتُها(٢) لوجب أن تكون العيونُ والقنواتُ ومياهُ الآبار في الصيف أَزْيَدَ،
وفي الشتاء أنقص، مع أنَّ الأمرَ بخلاف ذلك على ما دلَّتْ عليه التجربة.
وقال المَيْبُذي(٣): الحقُّ أنَّ السبب الذي ذكره صاحب ((المعتبر)) معتبرٌ
لا محالة، إلَّا أنَّه غيرُ مانع من اعتبار السبب الذي ذُكر - يعني: ما شاع-،
واحتجاجُه في المنع إنما يدلُّ على أنَّه لا يجوز أن يكون ذلك هو السببَ التّامَّ،
لا على أنَّه لا يجوز أن يكون ذلك سبباً في الجملة. اهـ.
وفي ((شرح المواقف)): اختلفوا في أنَّ المياه متولِّدةٌ من أجزاءٍ مائيةٍ متفرِّقةٍ في
عُمق الأرض إذا اجتمعت، أو مِن الهواء البخاريِّ الذي ينقلبُ ماء. وهذا الثاني
وإن كان ممكناً إلَّا أنَّ الأول أَولى؛ لأنَّ مياهَ العيونِ والقنوات والآبار تَزيد بزيادة
الثلوج والأمطار (٤).
والأَوْلَى عندي أن يحمل الماء في الآية على المطر ونحوه من الثلج، والآية
تدلُّ على أنَّ ذلك الماء يسلكه الله تعالى في ينابيعَ في الأرض، ولا تدلُّ على أنَّ
ما في الينابيع ليس إلا ذلك الماء، فيجوز أن يكونَ بعضُ ما فيها هو الماءَ المنزلَ
من السماء، والبعضُ الآخرُ حادثاً من الهواء البخاريِّ بانقلابه ماءً بأسبابٍ يعلمها الله
عزَّ وجلَّ.
(١) سلف كلامه ١٨/ ٤٣.
(٢) جاءت العبارة فيما سلف من كلامه ٤٣/١٨: فلو كان ذلك سبب استحالتها ...
(٣) في الأصل و(م): المبيدي، والصواب ما أثبتناه، وهو حسين بن معين الدين المعروف
بقاضي مير، وسلف كلامه بنحوه ٤٤/١٨ .
(٤) شرح المواقف للجرجاني ٢١٨/٧.

سُوَّةُ الُِّزْ
٤١٠
الآية : ٢١
وحمُل الإنزال على الإنزال في مبدأ الخليقة على ما سمعتَ - مع كونه مما لم
أقفْ على خبرٍ صحيح يقتضيه - خلافُ الظاهر في الآية جدّاً؛ لأنَّ الخطابَ في «ألم
تر» عامّ، ولا يتأتَّى العمومُ في رؤيةِ ذلك، وكأنه يتعيَّن عليه جعلُ الخطاب خاصّاً
بسيِّد المخاطَبين و﴿، والمراد: ألم تعلم ذلك بالوحي؟ ومع ذلك لا يخفى حال
حمل الآية على ما ذُكر.
وقريبٌ مما قيل ما حكاه الزمخشريُّ في الآية عن بعضٍ مِنْ أنَّ كلَّ ماءٍ في
الأرض فهو من السماء، ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله تعالى بين البِقاع(١).
هذا، لكن يعكِّر على ما اخترناه ظاهرُ ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس
أنَّه قال في الآية: ليس في الأرض ماءٌ إلَّا ما أنزل الله تعالى من السماء، ولكنْ
عروقٌ في الأرض تُغيره، فمن سرَّه أن يعود الملحُ عذْباً فليصعد(٢). وأخرج نحوه
عن سعيد بن جبير والشعبي(٣). فإنْ صحَّ هذا الخبرُ وقلنا: إنَّه في حكم المرفوع،
فما علينا إذا قلنا بظاهره فالعقل لا يأباه، والله تعالى على كل شيء قدير.
هذا، وجوِّز أن تكون الينابيعُ جمعَ ينبوعٍ بمعنى النابع، فإنَّه كما يُطلَق على المَنْبَع
يُطْلَق على ما ذُكر، وحينئذ تكونُ منصوبةً على الحال، والمعنى: فسلكه مياهاً نابعةً
في الأرض. ولا يخلو من الكدر؛ لأنَّه لو قصد هذا كان الظاهر أن يقال: من
الأرض، وعلى ما هو المشهور يكون ((ينابيع)) منصوباً بنزع الخافض كما أشرنا إليه.
واحتمالُ كونِه منصوباً على المصدرية في إطلاقَيه بأن يكون الأصلُ: فسلكه
سلوكاً في ينابيع، أي: مجاري، فحذف المصدر وأقيم ما هو في موضع الصفة
مقامه، أو يكون الأصلُ: فسلكه سلوكَ ينابيعَ، أي: مياهاً نابعةً، فحُذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامَه = بعيدٌ كما لا يخفى.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ أي: بواسطته؛ مراعاةً للحكمة، لا لتوقُّف الإخراج عليه في
(١) الکشاف ٣/ ٣٩٤.
(٢) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وفيه: فليُصْعِذْه. وفي إسناده عتبة بن يقظان، قال عنه
النسائي: غير ثقة. وقال علي بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي شيئاً. الميزان ٣٠/٣.
(٣) ذكره عنهما ابن كثير، وأخرجه عن الشعبي ابن جرير في تفسيره ٢٥٦/٢٠.

الآية : ٢١
٤١١
سُورَةُ الرِّزْ
نفس الأمر. وقالت الأشاعرة: أي: يُخْرِج عندَه بلا مَدْخليَّةٍ له بوجهٍ من الوجوه
سوى المقارنة.
﴿َزَرْعًا تُخْتَلِّفَا أَلَوَنُهُ﴾ أي: أنواعُه وأصنافُه من بُرِّ وشعير وغيرِهما، أو: كيفياتُه
المدرَكةُ بالبصر من خُضرة وحُمرة وغيرِهما، أو: كيفياتُه مطلقاً من الألوان والطعوم
وغيرِهما على ما قيل. وشَمَل الزرعُ المُقتاتَ وغيرَه. و((ثم)) للتراخي في الرُّتبة أو
الزمان، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة.
ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَيْبَس، وظاهرُ كلام أهل اللغة أنَّ هذا معنًى حقيقيٍّ للھیجان،
ويُفْهَم من كلام بعض المفسرين أنَّ ((يهيج)) بمعنى ((يثور))، واستعماله بمعنى ((يَيْبَس))
من مجاز المشارَفةِ؛ لأنَّ الزرع إذا يبس وتمَّ جفافُه يُشرف على أن يثورَ ويذهبَ من
منابته. ﴿فَتَرَهُ مُصْفَرًا﴾ من بعدِ خُضرته ونضارته، وقرئ: ((مصفارًا)(١).
﴿ِثُمَّ يَجْعَلُهُ خُطَمَاْ﴾ فُتاتاً متكسِّراً كأن لم يغْنَ بالأمس، ولكونِ هذه الحالة من
الآثار القويَّةِ علِّقت بجعل الله تعالى كالإخراج.
وقرأ أبو بشر: ((ثم يجعلَه)) بالنصب، قال صاحب ((الكامل)): وهو ضعيفٌ(٢).
ولم يبيِّن وجهَ النصب، وكأنَّه إضمارُ ((أن)) كما في قوله:
إنِّي وقَتْلي سُليكاً ثم أعقِلَه(٣)
ولا يخفَى وجهُ ضَعْفِه هنا.
(١) الكشاف ٣/ ٣٩٤، وتفسير أبي السعود ٧/ ٢٥٠.
(٢) البحر ٤٢٢/٧، قال السمين في الدر ٤٢١/٩: يعني بصاحب الكامل: الهذليَّ، ولم يبيِّن
هو (يعني: أبا حيان) ولا صاحب الكامل وجه ضعفه ولا تخريجه. فأما ضعفه فواضح
حيث لم يتقدم ما يقتضي نصبه في الظاهر. اهـ. ثم ذكر تخريجه كما سيذكره المصنف.
والهذلي هو أبو القاسم يوسف بن علي المغربي، وكتابه هو: الكامل في القراءات
الخمسين. كشف الظنون ٢/ ١٣٨١ .
(٣) هذا صدر بيت، وعجزه:
كالثور يُضْرَبُ لمَّا عافت البقرُ
وقائله أنس بن مدركة الخثعمي. وموطن الشاهد فيه قوله: ثم أعقلَه حيث نصب الفعل
المضارع بإضمار ((أن)) جوازاً بعد ((ثم)) عطفاً على اسم صريح. لسان العرب (ودع)، وشرح
شذور الذهب ص٤٠٦.

سُوَّةُ الرُِّزْ
٤١٢
الآية : ٢٢
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر تفصيلاً، وما فيه من معنى البُعْدِ للإيذان بُعْدِ
منزلته في الغرابة والدَّلالةِ على ما قُصِد بيانُه، ﴿لَذِكْرَى﴾ لَتذكيراً عظيماً ﴿لِأُوْلِى
الأَلبَب
· لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخَلَل، وتنبيهاً لهم على
حقيقة الحال، يتذكَّرون بذلك حالَ الحياة الدنيا وسرعةَ تقضِّيها فلا يغترُّون ببَهْجتها
ولا يُفْتنون بفتنتها، أو يجزمون بأنَّ مَن قَدَر على إنزالِ الماء من السماء والتصرُّفِ به
على أتمِّ وجهٍ قادرٌ على إجراء الأنهارِ من تحتِ تلك الغرف. وكأنَّ الأول أَولى
ليكونَ ما تقدَّم ترغيباً في الآخرة وهذا تنفيراً عن الدنيا.
وقيل: المعنى: إنَّ في ذلك لتذكيراً وتنبيهاً على أنَّه لابدَّ لذلك من صانع
حكيم، وأنَّه كائنٌ على تقدير وتدبيرٍ لا عن تعطيل وإهمال. وهو بمعزلٍ عمَّا يقتضيه
السياقُ، على أنَّ الأنسبَ بإرادةٍ ذلك ذكرُ الآثار غيرَ مسنَدةٍ إليه عزَّ وجلَّ، فحيثُ
ذُكرتْ مستَدَةً إليه سبحانه فالظاهرُ أن يكونَ متعلَّقُ التذكير والتنبيه شؤونَه تعالى أو
شؤونَ آثاره حسبما أشير إليه، لا وجوده جلَّ وعلا .
وقوله تعالى: ﴿أَفَنَ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ إلخ استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل
لِمَا قبله من تخصيص الذكرى بـ ((أولي الألباب)».
والشرحُ في الأصل: البسطُ والمدُّ للَّحم ونحوه، ويُكنى به عن التوسيع،
وتجوّز به هنا عن خَلْقِ النَّفْس الناطقة مستعدَّةً استعداداً تاماً للقبول بجامع عدم
التأبِّي عن القبول وسهولة الحصول، وذلك بعدَ التجوُّز في الصدر. وإرادةٌ (١) النفس
الناطقة منه من حيثُ إنَّه محلٌّ للقلب، وفي تجويفِه بخارٌ لطيف يتكوَّن من صفْوةٍ
الأغذية، وبه تتعلَّق النفسُ أوَّلاً، وبواسطته تتعلَّق بسائر البدن تعلُّقَ التدبير
والتصريف، وتلك النفس هي التي تتصف بالإسلام والإيمان. وجعل بعضُ الأجلَّة
((شرح الله صدره)) استعارةً تمثيلية.
والهمزةُ للإنكار داخلةٌ على محذوفٍ على أحد القولين المارّين آنفاً، والفاءُ
للعطف على ذلك المحذوف، وخبرُ ((من)) محذوفٌ لدلالةِ ما بعده عليه، والتقدير:
(١) في الأصل: وأراد. بصيغة الماضي.

الآية : ٢٢
٤١٣
سُورَةُ الرّحِزْ
أكلُّ الناس سواءٌ، فمن شَرَح الله تعالى صدرَه وخَلَقَه مستعِدّاً للإسلام فبقي على
الفطرة الأصلية ولم تتغيَّرْ بالعوارض المكتسبة القادحة فيها ﴿فَهُوَ﴾ بموجب ذلك
مستقرٌّ ﴿عَلَى نُورٍ﴾ عظيم ﴿مِّنْ زَّيِِّ﴾ وهو اللطفُ الإلهيُّ المشرق عليه من بُروج
الرحمة عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق للاهتداء بها إلى الحقِّ،
كمن قسا قلبُه وحرِج صدرُه بتبديل فطرةِ الله تعالى بسوء اختيارِه واستولى عليه
ظلماتُ الغيِّ والضلال فأعرَضَ عن تلك الآيات بالكلِّية حتى لا يتذكَّرَ بها
ولا يغتنمَها؟!
وعُدِل عن: فعندَه، أو: فله نور، إلى ما في النظم الجليل؛ للدلالة على
استمرارِ ذلك واستقرارِه في النور، وهو مستعارٌ للَّطف والتوفيق للاهتداء، وقد
يقال: هو أمرٌ إلهيٍّ غيرُ اللطف والتوفيق يُدرَك به الحقُّ، وجاء بروايةِ الثعلبيِّ في
تفسیره، والحاكم في ((مستدركه))، والبيهقيِّ في ((شعب الإيمان))، وابن مردويه، عن
ابن مسعود أنَّه قال: تلا رسول الله وَّرِ هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ الَلَهُ صَدْرَهُ﴾ إلخ،
فقلنا: يا رسول الله، كيف انشراحُ الصدر؟ قال: ((إذا دخل النور القلبَ انشرح
وانفسح)) قلنا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ فقال: ((الإنابةُ إلى دار الخلود،
والتجافي عن دار الغرور، والتأهُّبُ للموت قبل نزوله))(١).
واستشكل ذلك بأنَّ ظاهر الآية ترتّبُ دخول النور على الانشراح، لأنَّه
الاستعدادُ لقبوله، وما في الحديث الشريف عكسُه، والظاهر أنَّ السؤال عمَّا في
الآية، وأنَّ الجواب بيانٌ لكيفيته.
وأجيب بأنَّ الاهتداء له مراتبُ بعضُها مقدَّمٌ وبعضها مؤخّر، وانشراح الصدر
بحسب الفطرة والخَلْقِ وبحسب ما يطرأ عليه بعدَ فيضِ الألطاف عليه،
(١) المستدرك ٣١١/٤، وشعب الإيمان ٧/ ٣٥٢، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٢٥/٥،
وللثعلبيِّ الحافظ ابنُ حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٤٣، وأخرجه البيهقيّ في الزهد
الكبير (٩٧٤)، وجاء في المستدرك وشعب الإيمان آية: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، بدل آية: ﴿أَفَسَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ وينظر ما سلف
عند تفسير الآية (١٢٥) من سورة الأنعام.

سُورَةُ الزُِّزْ
٤١٤
الآية : ٢٢
وبينهما تلازم، والمراد بانشراح الصدر في الحدیث ما یکون بعد التمكُّن فيه، وفي
الآية ما تقدَّمه، وقِسْ عليه النورَ، والجواب من قبيل الأسلوب الحكيم، فتأمَّل(١).
﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ الَّهِ﴾ أي: من أجل ذكره سبحانه الذي حقُّه أنْ
تلينَ منه القلوبُ، أي: إذا ذُكر الله تعالى عندَهم أو آياتُه عزَّ وجلَّ اشمأزُّوا من ذلك
وزادت قلوبُهم قساوةً.
وقرئ: (عن ذكر الله))(٢)، والمتواترةُ أبلغ؛ لأنَّ القاسيَ من أجل الشيء أشدُّ
تأَبِّياً من قبوله من القاسي عنه بسبب آخر.
وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذُكِرَ شرحُ الصدر؛ لأنَّ
توسِعَتَه وجَعْلَه محلًّا للإسلام دونَ القلب الذي فيه يدلُّ على شدَّتِه وإفراطِ کثرتِه التي
فاضَتْ حتى ملأَتْ الصدرَ فضلاً عن القلب. وإسنادُهُ(٣) إلى الله تعالى الظاهرُ في
أنَّه على أتمِّ الوجوه؛ لأنَّ فعلُ قادرٍ حكيم، وقابَلَه بالقساوة مع أنَّ مقتضَى المقابلة
أنْ يعبّر بالضيق؛ لأنَّ القساوة - كما في الصخرة الصَّمَّاء - تقتضي عدمَ قبولِ شيءٍ،
بخلاف الضيق فإنَّه مُشْعِرٌ بقَبولِ شيء قليل.
وعُدل عن التعبير بما يفيدُ مجعوليةَ القساوةِ له تعالى وخلقَه إياها؛ للإشارة إلى
غايةٍ لُزومِها لهم، حتى كأنَّها لو لم تُجْعل لتحقَّقَتْ فيهم بمقتضَى ذَوَاتِهم. وأمَّا
إسنادُها إلى القلوب دونَ الصدور فللتنصيص على فسادٍ هذا العُضْو الذي إذا فَسَد
فَسَد الجسدُ كلُّه.
واعتُبِرَ الجمعُ في هؤلاء الكَفَرَةِ والإِفرادُ في أولئك المؤمنين حيثُ قال سبحانه:
(أَفَمَن شَرَعَ الَهُ صَدْرَهُ) دون: أفمن شرح الله صدورهم، للإشارة إلى أنَّ المؤمنين
وإن تعدّدُوا كرجلٍ واحد، ولا كذلك الكُفَّار.
﴿أُوْلَيْكَ﴾ البُعَداءُ المتَّصفون بما ذُكر من قساوة القلوب ﴿فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ
ظاهرٍ كونهُ ضلالاً لكلِّ أحدٍ.
،
٢٢
(١) قوله: فتأمل، ليس في الأصل.
(٢) معاني القرآن للفراء ٤١٨/٢، والكشاف ٣٩٤/٣.
(٣) في الأصل: وأسنده. وينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٣٥/٧.

الآية : ٢٣
٤١٥
سُوَّةُ الرُِّزْ
والآية نزلتْ في عليٍّ وحمزةَ ﴿ّ وأبي لهب وابنه، فعليَّ كرَّم الله تعالى وجهه
وحمزةُ رَهُ ممن شرح الله تعالى صدرَه للإسلام، وأبو لهب وابنُه من القاسية
قلوبهم(١).
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ هو القرآنُ الكريم، وكونُه حديثاً بمعنى كونِه كلاماً
محدَّثاً به لا بمعنى كونِه مقابلاً للقديم. ومَن قال بالتلازُم مِنَ الأشاعرة القائلين
بحُدوثِ الكلام اللفظيِّ جَعَلَ الأوصافَ الدَّالة على الحدوث لذلك الكلام.
وجوِّز أن يكون إطلاق الحديث هنا على القرآن من باب المشاكلة، عن ابن
عباس أنَّ قوماً من الصحابة قالوا: يا رسول الله، حدِّثْنا بأحاديثَ حِسَانٍ وبأخبارِ
الدهر، فنزلت(٢).
وعن ابن مسعود أنَّ الصحابةَ ملُّوا مَلَّة، فقالوا له عليه الصلاة والسلام: حدِّثْنا،
فنزلت(٣). أي: إرشاداً لهم إلى ما يُزيل مَلَلَهم وهو تلاوةُ القرآن واستماعُه منه وَّو
غضّاً طريّاً .
وفي إيقاع اسم الله تعالى مبتدأً، وبناءِ ((نزّل)) عليه تفخيمٌ لـ ((أحسن الحديث))،
واستشهادٌ على أحسنَيَّتِه، وتأكيدٌ لاستنادِه إلى الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ مثلَه لا يمكن أنْ
يتكلَّمَ به غيرُه سبحانه، أمَّا التفخيمُ فلأنَّه من باب: الخليفة عند فلان،
وأما الاستشهادُ على أحسنَيَِّه فلكونِهِ ممنْ لا يُتَصَوَّرُ أكملُ منه، بل لا كمالَ لشيءٍ
مّا في جنبِهِ بوجهٍ، وأمَّا توكيدُ الاستنادِ إليه تعالى فمِن التقوِّي، وأما أنَّ مثلَه
لا يمكِنُ أن يتكلَّمَ به غيرُه سبحانه فلِمَكان التناسُبِ؛ لأنَّ أكملَ الحديث إنمَّا يكونُ
من أكمل متكلِّم ضرورةً. ومذهبُ الزمخشريِّ أنَّ مثلَ هذا التركيب يفيدُ الحصر،
وأنَّه لا تنافيَ بينَه وبينَ التقوِّي جَمْعاً، فافْهَمْ(٤).
(١) أسباب النزول للواحدي ص٣٨٩، والمحرر الوجيز ٤/ ٥٢٧.
(٢) أخرجه بنحوه الطبري ١٩٣/٢٠، ونقله المصنف عن البحر ٤٢٣/٧.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧/١، وأخرجه الطبري في تفسيره ٨/١٣ عن عون بن عبد الله.
(٤) ينظر ما سلف ٣٢٢/١٩.

سُوَّةُ الرِّزْ
٤١٦
الآية : ٢٣
﴿كِتَبًا﴾ بدلٌ من: ((أحْسَنَ الحَدِيْث))، أو حالٌ منه كما قال الزمخشريُّ(١)،
وليس مبنيّاً على القول بأنَّ إضافةً أفعل التفضيل تفيدُه تعريفاً كما ظنَّ أبو حيان(٢)،
فإنَّ مطلَق الإضافةِ كافيةٌ في صحَّةِ الحاليَّة كما لا يَخْفَى على مَن له أذْنَى إلمامِ
بالعربية. ووقوعُه حالاً مع كونه اسماً لا صفةً؛ إمَّا لوَصْفِه بقوله تعالى:
﴿مُتَشَبِهًا﴾، أو لكونه في قوّةٍ: مكتوباً.
والمرادُ بكونه ((متشابهاً)) هنا تشابُهُ معانِيه في الصحّةِ والإحكامِ، والابتناءِ على
الحقِّ والصدقِ، واستتباعِ منافع الخَلق في المعاد والمعاشِ، وتناسُب ألفاظِه في
الفصاحة، وتجاوُب نَظْمِه في الإِعجاز، وما أَشْبَهَ هذا بقولِ العرب في الوجه
الكامل حُسْناً: وجهٌ متناصفٌ، كأنَّ بعضه أَنْصَفَ بعضاً في القسط من الجمال.
وقوله تعالى: ﴿مَثَانِىَ﴾ صفةٌ أخرى لـ «كتاباً))، أو حالٌ أخرى منه، وهو جمعُ:
مُثَنَّى - بضم الميم وفتح النون المشدَّدة على خلاف القياس، إذ قياسُه
(مُثَنَّيات)) - بمعنى مردَّدٍ ومكرَّر؛ لِمَا كُرِّر وثُنِّيَ من أحكامه ومَواعظِهِ وقِصَصِه،
وقيل: لأنَّه يُثَنَّى في التلاوة.
وجوِّزَ أن يكون جمعَ: مَثْنَى - بالفتح مخفَّفاً - من التثنية بمعنى التكرير
والإعادة، كما كان قولُه تعالى: ﴿أَرْجِعِ الْصَرَ كَِّ﴾ [الملك: ٤] بمعنى: كرَّةً بعدَ كرَّة،
وكذلك: لبيك وسعديك، والمراد أنَّه ◌ُجُمِعَ لمعنى التكرير والإعادة كما ثُنِّيَ ما ذُكِر
لذلك، لكنَّ استعمالَ المُئنَّى في هذا المعنى أكثرُ؛ لأنَّه أوَّلُ مراتبٍ التكرار.
ويحتمل أن يراد أنَّ مَثْنى بمعنى التكرير والإعادة كما أنَّ صريحَ المُثَنَّى كذلك في
نحو ((كرَّتين))، ثم جُمِع للمبالغة.
وقيل: جمعُ: مُثْنِيَةٍ، لاشتمالٍ آياته على الثناء على الله تعالى، أو: لأنَّها تُغْنِي
ببلاغتها وإعجازها على المتكلِّم بها. ولا يخفى أنَّ رعايةَ المناسَبة مع ((متشابهاً))
تَجْعَل ذلك مرجوحاً، وأنَّه حَسَنٌ إذا حُمل على الثناء باعتبار الإعجاز.
(١) في الكشاف ٣٩٤/٣.
(٢) البحر المحيط ٤٢٣/٧.

الآية : ٢٣
٤١٧
سُؤَدَّةُ الرّيَِّزْ
وفي ((الكشف)): الأقْيسُ بحسب اللفظ أنَّ ((مثانِي)) اشتُقَّتْ من الثناء أو
الثِّنَى، جمعُ مَثْنَى - مَفْعل ـ منهما، إما بمعنى المصدر، جُمِع لَمَّا صُيِّرَ صفةً،
أو بمعنى المكان في الأصل، نُقِل إلى الوصف مبالغةً نحو: أرضٌ مأسَدةٌ؛ لأنَّ
محلَّ الثناء يقعُ على سبيل المجاز على الثاني والمَثْنِيِّ عليه، وكذلك محلٌّ
الثِّنَى. انتهى.
ووقوعُه صفةً لكتاب باعتبار تفاصيله، وتفاصيلُ الشيء هي جملتُه لا غير،
ألا تراك تقول: القرآنُ أسباعٌ وأخماسٌ وسورٌ وآياتٌ، فكذلك تقول: هو أحكامٌ
ومواعظُ وأقاصيصُ مثاني، ونظيرُه قولك: الإنسان عروق وعظام وأعصابٌ. إلَّا
أنَّك تركْتَ الموصوفَ إلى الصفة، والأصلُ: كتاباً متشابهاً فصولاً مثانيّ، ويجوز
أن يكون تمييزاً محوَّلاً عن الفاعل، والأصلُ: متشابهاً مثانيه، فحوِّلَ ونُكِّرَ؛ لأنَّ
الأكثرَ فيه التنكيرُ، وهذا كقولك: رأيتُ رجلاً حسناً شمائلَ.
وقرأ هشام وأبو بشر: ((مثانِيْ)) بسكون الياء(١)، فاحتمل أن يكون خبرَ مبتدأ
محذوفٍ، وأن يكونَ منصوباً، وسكّن الياء على لغةٍ مَن يسكِّنُها في كلِّ الأحوال
الانكسارِ ما قبلَها؛ استثقالاً للحركة عليها.
وقوله تعالى: ﴿نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ﴾ قيل: صفةٌ لـ ((كتاباً))، أو
حالٌ منه لتخصُّصِه بالصفة . وقال بعض: الأظهرُ أنَّه استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ آثارِهِ
الظاهرةِ في سامعيه بعدَ بيان أوصافِهِ في نفسه، ولتقريرِ كونِه أحسنَ الحديث.
والاقشعرارُ: التقبُّض، يقال: اقشعرَّ الجِلْدُ، إذا تقبَّض تقبُّضاً شديداً، وتركيبه
من القِشع، وهو الأديم اليابس، قد ضُمَّ إليه الراءُ ليكون رباعياً ودالًّا على معنّى
زائدٍ، يقال: اقشعرَّ جِلدُه وقَفَّ شعرُه، إذا عرَض له خوفٌ شديدٌ من أمرٍ هائلٍ دَهَمَه
بغْتَةً، والمراد تصويرُ خوفِهم بذكرٍ لوازمِه المحسوسة، ويطلق عليه التمثيل وإن كان
من باب الكناية.
وقيل: هو تصويرٌ للخوف بذكرٍ آثارِهِ وتشبيه حالةٍ بحالةٍ، فيكونُ تمثيلاً حقيقةً.
(١) البحر المحيط ٤٢٣/٧.

سُرَّةُ الرِّزْ
٤١٨
الآية : ٢٣
والأولُ أحسنُ، لأنَّ تشبيهَ القِصَّة بالقصة على سبيل الاستعارة هاهنا لا يخلو عن
تكلُّف.
واستُظْهِرَ كونُ المراد بيانَ حصولِ تلك الحالةِ وعروضِها لهم بطريق التحقيق،
والمعنى أنهم إذا سمِعُوا القرآن وقوارعَ آياتٍ وعيدِه أصابتْهم رهبةٌ وخشيةٌ تقشعرُّ
منها جلودُهم، وإذا ذكروا رحمةَ الله تعالى عند سَماع آياتٍ وعدِه تعالى وألطافِه
تبدَّلَتْ خشيتُهم رجاءً ورهبتُهم رغبةً، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: ساكنةً مطمئنةً إلى ذكر رحمته تعالى، وإنما لم يصرَّحْ بالرحمة؛
إيذاناً بأنَّها أولُ ما يخطرُ بالبال عند ذكره تعالى لأصالَتِها، كما يُرشِد إليه خبر:
(سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي))(١).
وذكرُ القلوب لتقدُّم الخشية التي هي من عوارضها، ولعلَّه إنمَّا لم تُذْكر هناك
على طِرْزِ ذكرِها هنا لأنَّها لا تُوصف بالاقشعرار وتوصف باللين.
وليس في الآية أكثرُ من نعتِ أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن، ثم سكونهم
إلى رحمته عزَّ وجلَّ، وليس فيها نعتُهم بالصَّعْق والتواجُد والصَّفْق كما يفعلُه بعضُ
الناس؛ أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن
عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلتُ لجَدَّتي أسماء: كيف كان يصنعُ
أصحابُ رسولِ اللهِ وَّهِ إذا قرؤوا القرآنَ؟ قالت: كانوا كما نَعَتَهم الله تعالى، تَدْمَعُ
أعينُهم وتقشعِرُّ جلودُهم. قلت: فإنَّ ناساً هاهنا إذا سمِعوا ذلك تأخذُهم غَشْيَةٌ.
قالت: أعوذ بالله تعالى من الشيطان(٢).
وأخرج الزبير بن بكّارٍ في ((الموفَّقيات)) عن عامر عن عبد الله بن الزبير قال:
جئتُ أمي فقلت: وجدتُ قوماً ما رأيتُ خيراً منهم قطّ، يذكرون الله تعالى فيرعدُ
أحدُهم حتى يُغْشَى عليه من خشية الله تعالى. فقالت: لا تقعُدْ معهم. ثم قالت:
(١) سلف ١/ ١١٤.
(٢) سعيد بن منصور (٩٥ - تفسير)، وتاريخ دمشق ١٩/٦٩، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم
وابن مردويه السيوطي في الدر ٣٢٦/٥ .

الآية : ٢٣
٤١٩
سُورَةُ الرَّحِزْ
رأيتُ رسول الله ﴿ يتلو القرآنَ ورأيتُ أبا بكر وعمرَ يتلوانِ القرآنَ فلا يصيبُهم
هذا، أَفَتراهم أَخْشَى من أبي بكر وعمر(١)؟!
وقال ابن عمر وقد رأى ساقطاً من سماع القرآن، فقال: إنَّا لنخشى الله تعالى
وما نسقُط، هؤلاء يَدخُل الشيطانُ في جوفِ أحدِهم(٢).
وأخرج عبدُ الرزاق وعبدُ بن حُميد وابن المنذر عن قتادة أنَّه قال في الآية: هذا
نعتُ أولياء الله تعالى، قال: تقشعرُّ جلودُهم وتبكي أعينُهم وتطمئنُّ قلوبُهم إلى
ذكر الله تعالى، ولم ينعَتْهم اللهُ سبحانه بذَهاب عقولهم والغَشَيَانِ عليهم، إنمَّا هذا
في أهلِ البَدَع، وإنمَّا هو من الشيطان(٣).
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جُبير قال: الصَّعْقةُ من الشيطان(٤).
وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعون عند قراءة القرآن أن يُجْعل
أحدُهم على حائطٍ باسطاً رِجليه، ثم يُقْرأ عليهم القرآنُ كلُّه، فإنْ رمى بنفسه فهو
صادق(٥).
فهذه أخبارٌ ناعيةٌ على بعض المتصوَّفةِ صعقَهم وتواجُدَهم، وضربَ رؤوسِهم
الأرضَ عند سماع القرآن، ويقول مشايخُهم: إنَّ ذلك لضَعْفِ القلوب عن تحمُّل
الوارد، وليس فاعلو ذلك في الكمال كالصحابة أهلِ الصدر الأول في قوَّةِ التحمُّل،
فما هو إلَّا دليلُ النقص، بدليلٍ أنَّ السالك إذا كمل رَسَخَ وقَوِيَ قلبه، ولم يصدُرْ
منه شيءٌ من ذلك، ويقولون: ليس في الآية أكثرُ من إثبات الاقشعرار واللين،
وليس فيها نفيُ أنْ يعترِيَهُمْ حالٌ آخَرُ، بل في الآية إشْعارٌ بأنَّ المذكورَ حالُ
(١) عزاه للزبير بن بكار السيوطي في الدر ٣٢٦/٥، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في الحلية
١٦٧/٣، وفيه: جئت أبي ... ، وكذا أخرجه الطبري كما في مجمع الزوائد ٢٢٠/١٠.
(٢) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١١١ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٢، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطيُّ في الدر ٣٢٥/٥-٣٢٦.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٥٤٩/١٣، عن قيس بن حَبْتر بالمهملة، ثم الموحدة، ثم المثناة فوق.
فقول المصنف: ابن جبير، تصحيف عن: ابن حبتر. ينظر المستطرف ٢٢٥/١، وتهذيب
الكمال ٢٤/ ١٧.
(٥) المحرر الوجيز ٥٢٨/٤.

سُورَةُ الرُّزْ
٤٢٠
الآية : ٢٤
الراسخين الكاملين حيثُ قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ [الأنبياء: ٤٩] فعبَّر
بالموصول، ومقتضى معلوميَّة الصلة أنَّ لهم رسوخاً في الخشية حتى يُعْلَموا بها،
فلا يلزم من كونِ حالهم ما ذُكر ليس إلا - على فرضٍ دلالتها على الحصر - كونُ
حالِ غيرهم كذلك، ثم إنَّه متى كان الأمرُ ضروريّاً كالعُطاس لا اعتراضَ على من
يَتَّصفُ به. وفي كلام ابن سيرين ما يؤيِّد ذلك، وهذا غاية ما يقال في هذا المجال،
ونحن نسأل الله تعالى أنْ يتفضَّل علينا بما تفضَّل به على أصحابٍ نبيِّه ◌َّر.
﴿ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ﴾ الإشارةُ إلى الكتاب الذي شرحَ أحوالَه ﴿يَهْدِى بِهِ، مَنْ
يَشَاءُ﴾ أي: من يشاءُ الله تعالى هدايته بأن يوفِّقَه سبحانه للتأمُّلِ فيما في تَضَاعِيفِه
من شواهدِ الحقِّية ودلائلٍ كونه مِنْ عندِه عزَّ وجلَّ.
وجوِّز أن يكونَ ضميرُ ((يشاء)) لـ ((مَنْ))، والمعنى: يهدي به الله تعالى مَن يشاء
هدايةَ اللهِ تعالى. وليس بذاك.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أي: يخلقْ سبحانه فيه الضلالَ لإعراضِه عمَّا يُرشِده إلى
الحقِّ بسُوءِ استعدادِه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾﴾ يُخَلِّصُه من وَرْطة الضلال.
وقيل: الإشارةُ بذلك إلى المذكور من الاقشعرار واللين، والمعنى: ذلك
الذي ذُكِرَ مِنَ الخشية والرجاء أَثَرُ هُداه تعالى، يهدي بذلك الأثَرِ مَنْ يشاء من
عباده، ومَنْ يُضْلِلْه، أي: ومَنْ لم يؤثِّر فيه لقَسْوةٍ قلبِه وإصرارِه على فُجورِهِ (فَمَا لَهُ
مِنْ هَادٍ) أي: مِنْ مؤثِّرٍ فيه بشيءٍ قظُ. وهو كما ترى.
﴿أَفَمَنْ يَنَّفِى بِوَجْهِهِ، سُوْءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لِمَا
قبلَه مِنْ تبايُن حالِ المُهْتدِي والضالِّ. والكلام في الهمزة والفاءِ والخبرِ كالذي مرَّ
في نظائره، ويقال هنا على أحد القولين: التقدير: أكلُّ الناس سواءٌ، فمَنْ شأنُه أن
يَتَّقِيَ بوجهه الذي هو أشرفُ أعضائِهِ يومَ القيامة العذابَ السيِّئَ الشديدَ لكون يدِه
التي بها كان يتَّقي المكاره مغلولةً إلى عُنقِه، كَمَنْ هو آمِنٌ لا يعتريه مكروه،
ولا يحتاج إلى الاتِّقاء بوجه من الوجوه؟ فالوجهُ على حقيقته.
وقد يُحمل على ذلك من غيرِ حاجةٍ إلى حديثٍ كونِ اليد مغلولةً، تصويراً