النص المفهرس
صفحات 381-400
الآية : ٧ ٣٨١ سُوَةُ الزُّهَزْ وأمَّا أنَّه لا يريد الكفر أن يُوجَد فليس من هذا الباب في شيء، ولا هو من مقتَضَيات هذا التركيب، وأنَّ الخروج إلى تخصيصٍ العباد من ضِيق العطَن، وأنَّ قولَ المحقِّقِين ◌ُه: إنَّ الطاعات برضى اللهِ تعالى والمعاصي لیست کذلك، لیس لهذه الآية، بل لأنَّ الرضا بالمعنى الأصليِّ يستحيل عليه تعالى، وقد أخبر أنَّه رَضِي عن المؤمنين بسبب طاعتهم في مواضعَ عديدةٍ من كتابه الكريم. والزمخشريُّ - عامله الله تعالى بعَدْله - فسَّر الرضا في نحوه بالاختيار(١)، وهو لا ينفكُ عن الإرادة. وأنت تعلم سقوطه مما حُقِّق. هذا، ثم إنَّا نقول: لمَّا أرشدَ سبحانه إلى الحقِّ وهدَّد على الباطل إكمالاً للرحمة على عباده كلِّهم [خاطب](٢) الفَريقَين بقوله تعالى: ((إن تكفروا)) إلى قوله سبحانه: ((يرضه لكم)) تنبيهاً على الغنى الذاتيّ، وأنَّه - سبحانه - تعالى أن يكون أمرُه بالخير لانتفاعه به، ونهيُه عن الشرِّ لتضرُّره منه. ثم في العدول عن مقتضَى الظاهر من الخطاب إلى قوله تعالى: ((ولا يرضى لعباده الكفر)) ما ينبِّهُ على أنَّ عبوديتَهم وربوبيتَه جل شأنه تقتضي (٣) أن لا يرضى لهم ذلك. وفيه أنهم إذا اتَّصفُوا بالكفر فكأنَّهم قد خرجوا عن رتبة عبوديته تعالى، وبقوا في الذَّل الدائم، ثمَّ قيل: ((يَرْضَهُ لَكُم)) للتنبيه على مزيد الاختصاص. فهذا هو النظمُ السرِّيُّ الذي يحارُ دونَ إدراك طائفةٍ من لطائفِ الفكرُ البشريُّ، والله تعالى أعلم. اهـ(٤). وهو كلامٌ رصينٌ وبالقبول قمينٌ، إلَّا أنَّه رُبّمًّا يقال: إنه لا يتمشَى على مذهب السلف حيثُ إنَّهم لا يؤوِّلون الرضا في حقِّه تعالى، وكونُه عبارةً عن حالةٍ نفسانيةٍ إلى آخر ما ذُكر في تفسيره إنمَّا هو فينا، وحيثُ إنَّ ذاتَه تعالى مباينةٌ لسائر الذوات، فصفاتُه سبحانه كذلك، فحقيقةُ الرضا في حقِّه تعالى مباينةٌ لحقيقته فينا، وأين الترابُ من ربِّ الأرباب؟ وقد تقدَّم الكلام في هذا المقام على وجهٍ يروِي الأُوَامَ ويُبْرِئُ السَّقامَ. (١) الكشاف ٥٩٣/١. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣٢٩/٧، والكلام فيه بنحوه. (٣) في (م): يقتضي. (٤) أي: انتهى كلام صاحب ((الكشف)). : سُورَةُ الزُِّزْ ٣٨٢ الآية : ٧ فنقول: عدمُ التأويل لا يضرُّ فيما نحن بصدده، فالرضا - إن أوِّل أوْ لم يؤوَّل - غيرُ الإرادة؛ لحديث السبق والتأخّرِ السابق. وممن صرَّح بذلك ابنُ عطية، قال: تأمَّل الإرادةَ، فإنَّ حقيقتَها إنمَّا هي فيما لم يقعْ بعدُ، والرضا حقيقتُه إنما هي فيما وقع، واعتَبرْ هذا في آياتِ القرآن تجده، وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها - على جهةِ التجوُّز - هذا بدلَ هذا (١). وقد ذهب إلى المغايَرةِ بينهما بما ذُكر هنا ابنُ المنيِّر(٢) أيضاً، إلّا أنَّه أوَّلَ الرضا، وذكر أنَّه لا يتأتَّى حملُه في الآية على الإرادة، وشنَّع على الزمخشريِّ في ذلك جزاءً ما تكلَّم على بعض أهلِ السنة المخالفين للمعتزلة في زعمهم اتحادَ الرضا والإرادة، وأنَّه تعالى قد يُريد مَا لا يفعله العبدُ، وقد يفعل العبدُ ما لا يريدُه عزَّ وجل، فقال: هَبْ أنَّ المصِرَّ على هذا المعتقَد على قلبه رينٌّ، أو في ميزانِ عقله غَيْنٌّ، أليس يدَّعي أو يُدَّعَى له أنَّه الخِرِّيْتُ في معابر العبارات؟ فكيف هامَ عن جادَّة الإجادة في بهماءَ، وأعارَ مُنادِي الحِذاقة أذُناً صمَّاء؟ اللَّهم إلّا أنْ يكونَ الهوى إذا تمكَّن أرى الباطلَ حقّاً، وغطى على مكشوف العبارة، فسُحقاً سُحقاً، أليس مقتضى العربية - فضلاً عن القوانين العقلية - أنَّ المشروطَ مرتَّب على الشرط، فلا يُتَصوَّرُ وجودُ المشروط قبلَ الشرط عقلاً، ولا مُضِيُّه واستقبالُ الشرط لغةً ونقلاً، واستقرَّ باتفاق الفريقَيْنِ أهل السنة وأهلِ البدعة أنَّ إرادةَ الله تعالى لشكر العباد مثلاً مقدَّمةٌ على وجودِ الشكر منهم، فحينئذ كيف ينساُ حملُ الرضا على الإرادة، وقد جعل في الآية مشروطاً وجزاءً وجعل وقوع الشكر شرطاً ومجزيّاً؟ واللازمُ من ذلك عقلاً تقدُّم المراد - وهو الشكر - على الإرادة وهي الرضا، ولغةً تقدُّم المشروط على الشرط، فإذا ثبتَ بطلانُ حملِ الرضا على الإرادة عقلاً ونقلاً تعيَّن المحملُ الصحيحُ له، وهو المجازاةُ على الشكر بما عُهِد أنْ يُجازَى به المرضيُّ عنه من (١) المحرر الوجيز ٤/ ٥٢١. (٢) في الانتصاف ٣٨٨/٤-٣٩٠. الآية : ٧ ٣٨٣ سُؤَدَّةُ الرّيَِّزْ الثواب والكرامة، فيكون معنى الآية والله تعالى أعلم: وإن تشكروا يجازِكم على شكركم جزاءَ المرضيِّ عنه. ولا شكَّ أنَّ المجازاةَ مستقبلةٌ بالنسبة إلى الشكر، فجَرى الشرط والجزاءُ على مقتضاهما لغةً، وانتظم ذلك بمقتضى الأدِلَّة العقلية على بطلانٍ تقدُّم المراد على الإرادة عقلاً، ومثلُ هذا يقال في قوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ أَلْكُفْرَ) أي: لا يجازي الكافرَ مجازاةَ المرضيِّ عنه، بل مجازاةَ المغضوبِ عليه من النكالِ والعقوبة(١). انتهى. لا يقال: حيثُ كان قوله تعالى: ((فإن الله غني عنكم)) جزاءً باعتبار الإخبار كما أشير إليه فيما سلف، فليكنْ قولُه تعالى ((برضه لكم)) جزاءً بذلك الاعتبار، فحينئذ لا يلزم أن يكون نفسُ الرضا مؤخّراً. لأنَّا نقول: مثلُ هذا الاعتبار شائعٌ في الجملة الاسمية المتحقِّق مضمونُها قبلَ الشرط، نحوُ: ﴿وَإِن يَسَْسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] وفي الفعل الماضي إذا وقَع جزاءً، نحوُ: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ [يوسف: ٧٧] وأما في الفعل المضارع فليس كذلك، والذوقُ السليم يأبى هذا الاعتبارَ فيه، ومع هذا أيُّ حاجةٍ تدعو إلى ذلك هنا؟! ولا أُراها إلَّا نصرةَ الباطل، والعياذ بالله تعالى. ثم إنَّه يُعلمُ من مجموع ما قدَّمنا حقِّيَّة ما قالوا من أنَّه لا تلازُمَ بينَ الإرادة والرضا، كما أنَّ الرضا ليس عبارةً عن حقيقةِ الإرادة، لكنَّ ابن تيميةً وتلميذه ابنَ القيِّم قسَما الإرادة إلى قسمين: تكوينيَّةٍ وشرعيَّةٍ، وذكرا أنَّ المعاصيَ كالكُفْرِ وغيرِه واقعةٌ بإرادة الله تعالى التكوينيَّة دونَ إرادته سبحانَه الشرعيَّةِ، وعلى هذا فالرضا لا ينفكُّ عن الإرادة الشرعيَّة، فكلُّ مرادٍ لله تعالى بالإرادة الشرعيَّة مرضيٍّ له سبحانه(٢). وهذا التقسيم لا أتعقَّلُه إلَّا أن تكونَ الإرادةُ الشرعيَّةُ هي الإرادةَ التي يُرتضَى المرادُ بها، فتدبّرْ هذا. وقرأ ابنُ كثير ونافع في رواية وأبو عمرو والكسائيُّ: ((يَرْضَهُ)) بإشباع ضمةٍ (١) الانتصاف ٣٨٨/٣-٣٩٠. (٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٨٨/٨-١٨٩، وشفاء العليل لابن القيم ص ١٠٣- ١٠٤ . سُوَّةُ الرُِّزْ ٣٨٤ الآية : ٨ الهاء (١). والقاعدة في إشباع الهاء وعدمِه أنَّها إنْ سكن ما قبلها لم تُشْبع نحوُ (عليه) و((إليه))، وإن تحرَّكَ أُشْبعت نحوُ ((به)) و((غلامه))، وهاهنا قبلَها ساكنٌ تقديراً، وهو الألف المحذوفة للجازم، فإنْ جُعلتْ موجودةً حكماً لم تُشْبع؛ كما في قراءةٍ ابن عامر وحفص(٢)، وإن قُطع النظرُ عنها أشْبعت؛ كما في قراءةٍ مَنْ سمعتَ، وهذا هو الفصيح، وقد تُشْبع وتُخْتلس في غير ذلك، وقد يحْسُن إشباعها مع فقدِ الشرط لنکتةٍ. وقرأ أبو بكر: ((يرضَهْ)) بسكون الهاء(٣)، ولم يَرْضَهُ أبو حاتم وقال: هو غلطٌ لا يجوز، وفيه أنَّه لغةٌ لبني كلاب وبني عقيل(٤)، إجراءً للوصل مُجرى الوقف. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ بيانٌ لعَدَم سراية كفر الكافر إلى غيره، وقد تقدَّم الكلام في هذه الجملة، وكذا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنِئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ فتذكَّرْ. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُّ﴾ من مرضٍ وغيرِهِ من المكاره ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعاً ممن كان يدعوه في حالةِ الرَّخاءِ من دون الله عزَّ وجلَّ؛ لعلمِه بأنَّه بِمعزِل من القدرة علی کشفٍ ضرِّه. وهذا وصفٌ للجنس بحالِ بعضٍ أفرادِه كقوله تعالى: ﴿إِنَ الْإِنسَانَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] واستظهر أبو حيان(٥) أنَّ المرادَ بالإنسان جنسُ الكافر. وقيل: هو معيَّن كعتبة بن ربيعة. (١) تفسير البيضاوي ٣٢٩/٧، وهي في البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة ص ٢٧٤ عن ابن كثير والكسائي وابن ذكوان راوية ابن عامر، وخلف، وابن وردان راوية أبي جعفر. وينظر التيسير ص ١٨٩، والنشر ٣٠٥/١ - ٣٠٩. (٢) البحر ٧/ ٤١٧، وهي في البدور الزاهرة عن نافع وعاصم وحمزة ويعقوب. (٣) البحر ٧/ ٤١٧، وهي في البدور الزاهرة عن السوسي راوية أبي عمرو، وابن جماز راوية أبي جعفر. (٤) البحر المحيط ٤١٧/٧، والمحرر الوجيز ٥٢١/٤. (٥) في البحر المحيط ٤١٨/٧ . الآية : ٨ ٣٨٥ سُورَةُ الرَّز مَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ أي: أعطاه نعمةً عظيمةً من جنابه من الخَوَل - بفتحتين - وهو تعهُّدُ الشيء، أي: الرجوعُ إليه مرةً بعدَ أخرى، وأُظْلِقٍ على العطاءِ لِمَا أنَّ المعطِي الكريمَ يتعهَّدُ مَنْ هو ربیبُ إحسانِهِ ونَشْوُ امتنانه (١) بتكرير العطاءِ عليه مرَّةً بعدَ أُخرى. وقال بعضهم: معنى ((خوَّله)) في الأصل: أعطاه خَوَلاً - بفتحتين - أي: عَبيداً وخَدَماً، أو: أعطاه ما يحتاج إلى تعهُّدِه والقيام عليه، ثُمّ عُمِّمَ المطلَقِ العطاء. وجوَّز الزمخشريُّ كونَه من: خال يخول خَوْلاً - بسكون الواو - إذا افتخر(٢). واعتُرِض بأَنَّه صرَّح في ((الصحاح)) أنَّ ((خال)) بمعنى ((افتخر)) يائيٌّ(٣)، والخُيَلاء بمعنى التكبُّر يدلُّ عليه دلالةً بينةً، وأيضاً ((خوَّل)) متعدٍّ إلى مفعولين، وأخذُه منه لا يقتضي أن يتعدَّى للمفعول الثاني. وأجيب عن الأوَّل بأنَّ الزمخشريَّ من أئمّة النقل، وقد ثبت عنده. وأصلُه من الخال الذي هو العَلَامةُ، وقد نُقِل فيه الواوُ والياء، ثم قيل لِيْما الجمالِ والخير: خالٌ؛ من ذلك، وأُخِذ منه الخيالُ. وأمَّا الاختيالُ بمعنى التكبُّر فهو مأخوذٌ من الخيال؛ لأنَّه خالَ نفسه فوقَ قَدْرِه، أو جعلَ لنفسه خالَ الخير، كما يقال: أُعجِب الرجل، فقد وضَح أنَّ الاشتقاقَ يناسبُهما، ولا يُنكَرُ ثبوتُ الياء بدليل الخيلاء، لكنْ لا مانعَ من ثبوت الياء أيضاً، وليس الاختيال مأخوذاً من الخيلاء؛ بل الخيلاءُ هو الاسم منه، فلا يصلُح مانعاً، لكنْ يصلُح مُثِتاً للياء. وعن الثاني بأنَّه ليس المرادُ أنَّ ((خوَّل)) مضغَّفَ ((خال)) بمعنى ((افتخر)، حتى يُشكِل تعديتُه للمفعول الثاني، بل إنَّه موضوعٌ في اللغة لمعنى (أعطى))، وما ذُكر بيانٌ لِمأُخذِ اشتقاقه وأصلِ معناه الملاحظ في وضعه له، ومثلُه كثيرٌ. فأصلُ ((خوَّله)): جعله مفتَخِراً بما أَنْعَم عليه، ثم قُطع النظرُ عنه، وصار بمعنى أعطاه مطلقاً . .(١) النّشْؤ: أحداث الناس، فإذا طرحوا الهمزة قالوا: نَشْوٌ. تاج العروس (نشأ). (٢) الكشاف ٣٨٩/٣. (٣) الصحاح (خيل). سُوَّةُ الزُّز ٣٨٦ الآية : ٨ ﴿فَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوَاْ إِلَيْهِ﴾ أي: نسي الضُّرَّ الذي كان يدعو اللهَ تعالى إلى إزالتِه وكشفِه ﴿مِن قَبْلُ﴾ التخويل، فـ ((ما)» واقعةٌ على الضُّرِّ، و((دعا)» من الدعوة، وهو يتعذَّى بـ ((إلى)) يقال: دعا المؤذِّن الناسَ إلى الصلاة، ودعا فلانٌ الناسَ إلى مأدُبته، والدعوة مجازٌ عن الدعاء، والمعنى على اعتبار المضاف كما أشير إليه. ويجوز أن يراد بـ ((ما)) معنى ((مَنْ)) للدلالة على الوصفية والتفخيم؛ واقعاً عليه تعالى كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأَُ﴾ [الليل: ٣]، وقوله سبحانه: أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] والدعاءُ على ظاهره، وتعديتُه بـ ((إلى)) لتضمينه معنى الإنابة أو التضرُّعِ والابتهالِ، والمعنى: نَسِي ربَّه الذي كان يدعو منيباً أو متضرِّعاً إليه، وهو وجهٌ لا بأسَ به. وما قيل من أنَّه تكلُّف، إذ لا يقال: دعا إليه، بمعنى: دعاه، ولا حاجةً إلى جَعلِ ((ما)) بمعنى ((من) = مردودٌ لحُسْن موقعِ التضمين واستعمالِ ((ما)) في مقام التفخيم. وفي ((الإرشاد)) أنَّ في ذلك الجعلِ إِيذَاناً بأنَّ نسيانَه بلغ إلى حيثُ لا يعرفُ مدعوَّه ما هو، فضلاً مِن أنْ يعرفَه مَن هو (١). وقيل: ((ما)) مصدرية، أي: نسي کونَه يدعو. وقيل: هي نافيةٌ، وتمَّ الكلامُ عندَ قوله تعالى: (نَسِىَ)، أي: نسي ما كان فيه من الضُّرِّ، ثم نَفَى أنْ يكونَ دعاءُ هذا الكافرِ خالصاً لله تعالى من قبل، أي: من قبلِ الضرِّ. ولا يخفى ما فيه. ﴿وَحَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ شركاءَ في العبادة، والظاهر من استعمالاتهم إطلاقُ الأنداد على الشركاء مطلقاً، وفي ((البحر)): ((أنداداً)) أي: أمثالاً يُضَادُّ بعضُها بعضاً ويعارِضُ(٢). قال قتادة: أي: الرجالَ يطيعهم في المعصية. وقال غيره: أوثاناً. ﴿لِضِلَ﴾ الناسَ بذلك ﴿عَن سَبِيلِهِ،﴾ عزَّ وجلَّ الذي هو التوحيد. (١) (إرشاد العقل السليم ٢٤٤/٧. (٢) -البحر المحيط ٤١٨/٧. الآية : ٩ ٣٨٧ سُورَةُ الرَّز وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعيسى: ((ليَضِلَّ)) بفتح الياء(١)، أي: ليزدادَ ضلالاً، أو: لِيَثْبُتَ عليه، وإلَّا فأصْلُ الضَّلالِ غيرُ متأخِّر عن الجعل المذكور، واللّام لامُ العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَلْنَّقَطَهُ: ◌َالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَاْ﴾ [القصص: ٨] بيدَ أنَّ هذا أقرب إلى الحقيقة؛ لأنَّ الجاعلَ هاهنا قاصدٌ بجعله المذكورِ حقيقةَ الإضلالِ والضلال، وإنْ لم يعرف بجهله أنهما إضلالٌ وضلال، وأمَّا آل فرعون فهم غيرُ قاصدين بالتقاطهم العداوةَ أصلاً. ﴿قُلٌ﴾ تهديداً لذلك الجاعلِ وبياناً لحالِه وماله: ﴿تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِلًا﴾ أي: تمثّعاً قليلاً، أو: زماناً قليلاً، ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ ﴾﴾ أي: مُلازِميها والمعذّبين فيها على الدوام. وهو تعليلٌ لقلَّةِ التمتّع، وفيه من الإقناط من النجاة وذِّ الكفر ما لا يخفى؛ كأنه قيل: إذ قَدْ أبيتَ ما أُمِرْتَ به من الإيمان والطاعةِ فمِنْ حقِّك أن تُؤْمرَ بتركه لِتَذُوقَ عقوبتَه. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَلِتُ ءَانَآءَ الَّلِ﴾ إلخ من تمام الكلام المأمور به في قولٍ، و((أم)) إمَّا متّصلةٌ قد حُذف مُعادِلُها ثقةً بدلالةِ مَساقٍ الكلام عليه، كأنه قيل له تأكيداً للتهديد وتهكّماً به: أأنتَ أحسنُ حالاً ومآلاً أم من هو قائمٌ بمَواجبٍ الطاعات ودائمٌ على وظائف العبادات في ساعات الليل التي فيها العبادةُ أقربُ إلى القَبول وأبعدُ عن الرياء، حالتَي السرَّاء والضرَّاء، لا عندَ مسَاسِ الضرِّ فقط كدأبك، حالَ كونه ﴿سَاِدًا وَقَائِمَا﴾! وإلى كون المحذوف المُعادلَ الأوَّل ذهبَ الأخفش، ووافقه غيرُ واحد، ولا بأس به عند ظهور المعنى، لكن قال أبو حيان: إنَّ مثلَ ذلك يحتاج إلى سماعٍ من العرب(٢). ونصبُ ((ساجداً وقائماً)) على الحالية كما أشير إليه، أي: جامعاً بين الوصفين المحمودين، وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في ((قانت)). وجُوِّز كونُ الحال من ضمير ((يحذر)) الآتي، قدِّم عليه، ولا داعيَ لذلك. (١) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٩/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو، والكلام من البحر ٤١٨/٧. (٢) البحر المحيط ٤١٨/٧-٤١٩، وعنه نقل المصنف قول الأخفش. سُورَةُ الرُِّزْ ٣٨٨ الآية : ٩ وقرأ الضخَّاك: ((ساجدٌ وقائمٌ))(١) برفع كلٍّ على أنَّه خبرٌ بعدَ خبر. وجوَّز أبو حيان كونَه نعتاً لـ ((قانت))(٢)، وليس بذاك. والواو - كما أشيرَ إليه - للجمع بينَ الصِّفتين. وتركُ العطف على ((قانت)) قيل: لأنَّ القنوتَ مطلقُ العبادة، فلم يكن مغايراً للسجود والقيام، فلم يُعْطَفا عليه، بخلاف السُّجود والقيام فإنَّهما وصفان متغايران، فلذا عُطف أحدُهما على الآخر. وتقديمُ السجود على القيام لكونه أدخلَ في معنى العبادة، وذهب المعظم إلى أنَّه أفضلُ من القيام؛ لحديث: ((أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد))(٣). وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ﴾ حالٌ أُخْرى على التداخل أو الترادُف، أو استئنافٌ وقع جواباً عمَّا نشأ من حكايةِ حالِه؛ كأنَّه قيل: ما باله يفعل ذلك؟ فقيل: يحذرُ الآخرِةَ، أي: عذابَ الآخرة؛ كما قرأ به ابنُ جُبير(٤). ﴿وَبَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فينجو بذلك مما يحذَرُه، ويفوز بما يرجوه؛ كما ينبئ عنه التعرُّض لعنوان الربوبية المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضميرٍ الراجي، لا أنَّه يحذَرُ ضرَّ الدنيا ويرجو خيرَها فقط. وإمَّا منقطعةٌ، وما فيها من الإضراب للانتقال من التبكيت بتكليفِ الجواب الملجئٍ إلى الاعتراف بما بينَهما من التباين البيِّن، كأنَّه قيل: بل أَمَنْ هو قانتٌ .. إلخ، مثلُك أيها الكافر، وقدَّر الزمخشريّ: كغيره (٥). وقال النَّحاس: ((أم)) بمعنى ((بل))، و ((مَنْ)) بمعنى ((الذي))، والتقديرُ: بل الذي هو قانتٌ .. إلخ أفضلُ مما قبله(٦). (١) المحرر الوجيز ٥٢٣/٤، والبحر ٤١٩/٧. (٢) البحر ٤١٩/٧ . (٣) سلف ١٨٦/٤. (٤) معاني القرآن للنحاس ١٥٩/٦، والمحرر الوجيز ٥٢٣/٤. (٥) الکشاف ٣/ ٣٩٠، ووقع في (م): بل أمن هو قانت إلخ، وقدر الزمخشري کغيره مثلك أيها الكافر. والمثبت من الأصل، وهو الصواب. (٦) معاني القرآن للنحاس ١٥٨/٦، وإعراب القرآن له ٦/٤. ونقله المصنف من البحر ٤١٩/٧ . الآية : ٩ ٣٨٩ سُورَةُ الرّحِ وتعقّبه في ((البحر)) بأنَّه لا فضلَ لمن قبلَه حتى يُجعل هذا أفضلَ، بل يقدَّر الخبر: من أصحاب الجنة، لدلالةِ مقابله - أعني: ((إنك من أصحاب النار)) - عليه (١). ولا يبعدُ أن يقدَّر: أفضل منك، ويكون ذلك من باب التھگُم. وقرأ ابنُ كثير ونافعٌ وحمزةُ والأعمش وعيسى وشيبةُ والحسن في رواية: ((أَمَنْ)) بتخفيف الميم(٢)، وضعَّفها الأخفش وأبو حاتم(٣)، ولا التفات إلى ذلك، وخُرِّجتْ على إدخال همزة الاستفهام التقريري على ((مَن))، والمقابلُ محذوفٌ، أي: الذي هو قانت .. إلخ خيرٌ أم أنت أيها الكافر؟ ومثلُه في حذفِ المعادِل قوله: سميعٌ فما أدري أرُشْدٌ طِلابُها (٤) دعاني إليها القلبُ إِنِّي لأَمْرِهِ فإنه أراد: أم غيّ. وقال الفرَّاء(٥): الهمزة للنداء، كأنه قيل: يا من هو قانت، وجَعل قولَه تعالى: ((قل)) خطاباً له. وضعَّف هذا القولَ أبو علي الفارسيّ(٦)، وهو كذلك. وقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ على معنى: قل له أيضاً بياناً للحقِّ وتصريحاً به وتنبيهاً على شرَف العلم والعمل: ﴿هَلْ يَسْتَوِىِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ فيعملون بمقتضى عِلْمِهم، ويَقْنُتون الليلَ سجَّداً وركَّعاً يحذَرون الآخرة ويرجون رحمةَ ربِّهم، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ﴾ فيعملون بمقتضى جهلهم وضلالِهم، كدأبك أيُّها الكافر الجاعلُ الله تعالى أنداداً. والاستفهام للتنبيه على أنَّ كونَ الأوَّلينَ في أعلى معارِج الخير، وكونَ الآخِرِين في أقصى مدارج الشرِّ، من الظهور بحيثُ لا يكاد يخفى على أحدٍ من مُنْصفٍ ومكابر. (١) البحر المحيط ٤١٩/٧. (٢) التيسير ص١٨٩، والنشر ٣٦٢/٢ عن نافع وابن كثير وحمزة، والكلام من البحر ٤١٨/٧. (٣) كما في إعراب القرآن للنحاس ٥/٤، والمحرر الوجيز ٥٢٢/٤، والبحر ٤١٨/٧. (٤) البيت لأبي ذؤيْب، وهو في ديوان الهذليين ٧١/١، والبحر ٤١٨/٧، ورواية الديوان: عصاني إليها القلب، أي: ذهب إليها سَفَهاً. (٥) في معاني القرآن ٤١٦/٢. (٦) في الحجة للقراء السبعة ٦/ ٩٣. سُؤَّ الُهَزْ ٣٩٠ الآية : ٩ ويُعلم مما ذكرنا أنَّ المرادَ بـ ((الذين يَعْلَمون)): العاملون من علماء الديانة. وصرَّح بإرادة ذلك بعضُ الأجلَّة على تقديرَي الاتصال والانقطاع، وأنَّ الكلام تصريحٌ بنَفْي المساواةِ بينَ القانت وغيرِهِ المضمَّنةِ من حرفَي الاستفهام، أعني: الهمزة و((أم)) على الاتصال، أو من التشبيه على الانقطاع، وعلى قراءة التخفيف . أيضاً؛ وقال: إنمَّا (١) عُدل إلى هذه العبارة دلالةً على أنَّ ذلك مقتضى العلم، وأنَّ العلمَ الذي لا يترتَّب عليه العملُ ليس بعلم عندَ الله تعالى، سواء جُعل من بابٍ إقامة الظاهر مُقَامَ المضمَر للإشعار المذكور، أو استئناف سؤالٍ تبكيتيٍّ؛ توضيحاً للأوَّل من حيثُ التصريحُ، ومن حيثُ إنَّهم وُصِفوا بوصفٍ آخَرَ يقتضي اتصافهم بتلك الأوصاف، ومباينتَهم لطبقةٍ مَنْ لا يَّصف به(٢). وهذا أبلغُ وأظهر لفظاً لقوله تعالى: ((قل)). وجوِّز أن يكون الكلامُ وَارِداً على سبيل التشبيه فيكونُ مقرِّراً لنَفْي المساواة، لا تصريحاً بمقتضى الأوَّل، أي: كما لا استواءَ بينَ العالِمِ وغيرِهِ عندَكم من غيرِ ريبةٍ، فكذلك ينبغي أن لا يكون لكم ارتيابٌ في نفْي المساواة بينَ القانت المذكور وغيره. وكونُه للتصريح بنفي المساواة، وحَمْلُ ((الذين يعلمون)» على العاملين من علماء الديانة على ما سمعتَ، مما لا ينبغي أن يُختارَ غيرُه لتكثير الفائدة. وأمَّا مَن ارتابَ في ذلك الواضح فلا يبعدُ منه الارتيابُ في هذا الواضح أيضاً، فجوابُه أنَّ الاستنكافَ عن الجهل مركوزٌ في الطباع بخلاف الأول. ويُشعر كلامُ كثيرٍ أنَّ قولَه تعالى: ((أم من هو)) إلخ غيرُ داخل في حيِّز القول، والمعنى عليه كما في الأول بتغييرٍ يسير لا يخفى. وعن ابن عمر ﴿يا أنَّه تلا: ﴿أَمَنْ هُوَ قَنِتُ﴾ الآية، فقال: نزلت في عثمانَ بن عفان(٣). (١) في (م): قال: وإنما. (٢) قوله: به، ليس في (م). (٣) تاريخ دمشق ٢٣٢/٣٩. الآية : ٩ ٣٩١ سُوَرَّةُ الرِّزْ وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عبَّاس أنَّها نزلت في عمَّار بن ياسر(١). وأخرج جُويبر عنه أنها نزلت في عمارٍ وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة. وعن عكرمة الاقتصار على عمار(٢). وعن مقاتل: المراد بـ ((من هو قانت)): عمارٌ وصهيبٌ وابنُ مسعود وأبو ذرٍّ (٣). وفي رواية الضحَّاك عن ابن عباس: أبو بكر وعمر (٤). وقال يحيى بن سلَّام: رسول الله وَلَةِ(٥). والظاهر أنَّ المرادَ المتَّصِفُ بذلك من غير تعيين، ولا يمنع من ذلك نزولُها فيمن علمتَ، وفيها دلالةٌ على فضل الخوف والرجاء، وقد أخرج الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه عن أنس قال: دخل رسول الله وَلقر على رجل وهو في الموت، فقال: ((كيف تجدك)»؟ قال: أرجو وأخاف، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يجتمعان في قلبٍ عبدٍ في مثلِ هذا الموطن إلَّا أعطاه الذي يرجو، وآمنه الذي يخاف))(٦). وفيها ردٌّ على من ذمَّ العبادة خوفاً من النار أو رجاء الجنة، وهو الإمام الرازيُّ كما قال الجلال السيوطىُّ(٧). نعم؛ العبادةُ لذلك ليس إلَّ مذمومةٌ، بل قال بعضُهم بكفرٍ من قال: لولا الجنة والنار ما عبدتُ الله تعالى، على معنى نَفْي الاستحقاق الذاتيّ. وفيها دلالةٌ أيضاً على فضل صلاة الليل وأنَّها أفضلُ مِنْ صلاةِ النهار. (١) الطبقات الكبرى ٣/ ٢٥٠، وتاريخ دمشق ٣٧٧/٤٣، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر ٣٢٣/٥. (٢) أسباب النزول للسيوطي ص٣١٩. (٣) البحر المحيط ٤١٩/٧. (٤) تفسير البغوي ٦/ ٦٩، والبحر المحيط ٤١٩/٧. (٥) النكت والعيون ٥/ ١١٧ . (٦) الترمذي (٩٨٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٣٤)، وابن ماجه (٤٢٦١). (٧) في الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٢٢٤. سُورَةُ الرَّهِزْ ٣٩٢ الآية : ١٠ ودلَّ قولهُ تعالى: (هَلْ يَسْتَوِى) إلخ على فضل العلم ورِفعة قَدْرِهِ، وكونِ الجهل بالعكس. واستدلَّ به بعضُهم على أنَّ الجاهلَ لا يكافئ العالِمَة كما أنَّه لا يكافئ بنتَ العالم. وقوله تعالى: ﴿إِنََّا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴾ كلامٌ مستقلٌّ غيرُ داخل عند الكافَّة ٩ في الكلام المأمور، واردٌ من جهته تعالى بعدَ الأمر بما تضمَّن القوارعَ الزاجرةَ عن الكفر والمعاصي؛ لبيانِ عدم تأثيرها في قلوبِ الكفرة لاختلال عقولهم، كما في قوله : عُوُجُوا فحَيُّوا لِنُعْمَى دِمْنَةَ الدارِ ماذا تُحَيُّون من نُؤْي وأَحْجارٍ(١) وهو أيضاً كالتوطئة لأفراد المؤمنين بعدُ بالخطاب والإعراض عن غيرهم، أي: إنمَّا يتَّعظ بهذه البيانات الواضحة أصحابُ العقول الخالصة عن شوائب الخلل، وأما هؤلاء فبمعزلٍ عن ذلك. وقرئ: ((يذَّكَّرُ)) بالإدغام(٢). ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ أُمِرَ رسولُ اللهِّهِ أَنْ يذكِّر المؤمنين ويحملَهم على التقوى والطاعة إثْرَ تخصيصٍ التذكُّرِ بأولي الألباب، وفيه إيذانٌ بأنَّهم هم، أي: قلْ لهم قَولي هذا بِعَينه، وفيه تشريفٌ لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة، ومزيدُ اعتناءٍ بشأنِ المأمور به؛ فإنَّ نقلَ عينٍ أمر الله تعالى أدخلُ في إيجاب الامتثال به. وقولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ إلى آخره تعليلٌ للأمر؛ أو لوجوبِ الامتثال به، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو خبرٌ مقدَّم. وقولُه سبحانه: ﴿فِى هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلَّقٌ بـ ((أحسَنوا))، واسم الإشارة للإحضار، وقولُه تبارك وتعالى: ﴿حَسَنَّةٌ﴾ مبتدأ، وتنوينُه للتفخيم، أي: للمحسنين في الدنيا حسنةٌ في الآخرة أيُّ حسنةٍ، والمرادُ بها الجنة. (١) البيت النابغة الذبياني، وقد سلف ١٠٧/١٧. (٢) البحر ٧ /٤١٩ . الآية : ١٠ ٣٩٣ سُورَةُ الرُّهَزْ وقولُه عزَّ وجل: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَهُ﴾ جملةٌ معترضة إزاحةً لِمَا عسى أنْ يُتَوهَّم من التعلُّل في التفريط بعَدم التمكّن في الوطن من رعاية الأوامر والنواهي على من تتمَّة ما هي عليه. وقولُه تعالَى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ الاعتراض، فكأنَّه قيل: اتقوا ربّكم فإنَّ للمحسنين في هذه الدنيا الجنةَ في الأُخرى، ولا عُذْرَ للمفرِّطين في الإحسان بعدَمِ التمكُّن في الأوطان؛ فإنَّ أرضَ الله تعالى واسعةٌ وبلادَه كثيرةٌ، فليتحوَّلُوا - إن لم يتمكّنُوا - عنها، وليها جِرُوا إلى ربِّهم النيلِ الرضوان، فإنَّ لهم في جنبٍ ذلك ما يتقاصرُ عنه الجنَّة، ويستلذُّ له كلُّ محنة. وكأنَّه لمَّا أزاحَ سبحانه عِلَّتَهم بأنَّ في أرضِ الله تعالى سعةً وقع في خَلَدِهم: هل نكون نحن ومن يتمكّن من الإحسان في بلدته فارغَ البال رافغَ الحال(١) سواءً بسواء؟ فأجيبوا: (إنما يوفَّى الصابرون)) الذين صبروا على الهجرة ومفارقة المحابِّ والاقتداء بالأنبياء والصالحين ((أجرهم بغير حساب)). وأصلُه: إنمَّا توقَّون أجورَكم بغير حساب؛ على الخطاب، وعُدل عنه إلى المنزَّل تنبيهاً على أنَّ المقتضي لذلك صبرُهم، فيفيد أنكم توقّون أجورَكم بصبركم كما وُفِّيَ أجرُ مَنْ قبلَكم بصيرهم. وهو محمولٌ على العموم شاملٌ للصبر على كلِّ بلاء غيرُ مخصوص بالصبر على المهاجرة؛ لكنَّه إنمَّا جيء به في الآية لذلك وليشمَلَ الصابرينَ على أَلَمِ المهاجَرةِ شُمولاً أوَّلِيّاً . والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال إمَّا من الأجر، أي: إنمَّا يوقّون أجرَهم كائناً بغير حساب، وذلك بأن يُغرَفَ لهم غَرْفاً ويُصَبَّ عليهم صبّاً، وإمَّا من الصابرين، أي: إنمَّا يوقّون ذلك كائنين بغيرِ حساب عليه. والمرادُ على الوجهين المبالغةُ في الكثرة، وهو المراد بقول ابن عباس: لا يهتدِي إليه حِسابُ الحُسَّاب ولا يُعْرف(٢). وجُوِّز جعلُ الحال من الصابرين على معنى: لا يحاسبون أصلاً، والمتبادِرُ ما يفيد المبالغةً في كثرة الأجر، ومعنى القصر: ما يوفَّى الصابرون أجرهم إلَّا بغير (١) قوله: رافغ الحال، في اللسان (رفع): عيشٌ رافٌ: خصيبٌ واسع. (٢) الكشاف ٣٩١/٣، وتفسير أبي السعود ٢٤٦/٧. سُورَةُ الرُّهَيِّزْ ٣٩٤ الآية : ١٠ حساب، جُعل الجارُّ والمجرور حالاً من المنصوب أو المرفوع؛ لأنَّ القصرَ في الجزء الأخير، وفيه من الاعتناء بأمرِ الأجر ما فيه. وأمَّا اختصاصُه بالصابرين دونَ غيرهم فمِنْ ترتُّب الحكم على المشتقِّ. هذا، ونُقل عن السدِّيِّ أنَّ قوله تعالى: (فِى هَذِهِ الذُّنْيَا) متعلِّقٌ بـ ((حسنة)) من حيثُ المعنى(١)، فقيل: هو حينئذٍ حالٌ من ((حسنة)). ورُوَّ بأنَّها مبتدأ، ولا يجوزُ الحال منه على الصحيح. فإن قيل: يلتزمُ جعلها فاعلَ الظرف، قيل: لا يتسنَّى إلَّا على مذهب الأخفش، وهو ضعيف. وقيل: حالٌ من الضمير المستتر في الخبر الراجع إلى ((حسنة)). وقال الزمخشريُّ(٢): هو بيانٌ لـ ((حسنة))، والتقديرُ: هي في الدنيا، والمراد بها الصحةُ والعافية، أي: للمحسنين صحَّةٌ وعافيةٌ في الدنيا . قال في ((الكشف)): وإنما آثر كونَه بياناً مع جوازٍ كونه حالاً عن الضمير الراجعِ إلى ((حسنة)) في الخبر؛ لأنَّ المعنى على البيان، لا على التقييد بالحال، وذلك لأنَّ المعنى على هذا الوجه: إنَّ للمحسنين جزاءً يسيراً في الدنيا هو الصحة والعافية، وإنما توفيةُ أجورِهم في الآخرة، ولو قُيِّد بالحال لم يلائم على ما لا يخفى. وحَقُّ قولِه تعالى: ((وأرض الله واسعة)) على هذا أن يكونَ اعتراضاً إزاحةٌ لِمَا قد يختلِجُ في بعضِ النفوس من خلافٍ ذلك الجزاءِ بواسطة اختلافِ الهواء والتُّربة وغيرِ ذلك مما يؤدي إلى آفاتٍ في البدن، فقيل: وأرضُ الله تعالى واسعة فلا يعدِم أحدٌ محلًا يناسِبُ حالَه فليتحوَّلْ عنه إليه إن لم يلائمْه. ثم يكون فيه تنبيهٌ على أنَّ مَنْ جَعَل الأرضَ ذاتَ الطول والعرض قِطَعاً متجاوراتٍ تكميلاً لانتعاشهم وارتياشهم يجب أن تُقابَل نِعَمُه بالشكر ليُعَدُّوا من المحسنين. ثم قيل: (إِنََّا يُؤَثَّ الصَّبِرُونَ) أي: توفيةُ الأجر لهؤلاء المحسنين إنمَّا يكون في الآخرة، والذي نالوه في الدنيا عاجلُ حظّهم، وأمَّا الأجرُ الموَفَّى بغير حسابٍ فذلك للصابرين ومَن (١) تفسير الطبري ١٧٨/٢٠-١٧٩، والكشاف ٣٩١/٣. (٢) في الكشاف ٣٩١/٣. الآية : ١٠ ٣٩٥ سُؤَدَّةُ الرِّزْ سَلَبْنَاه تلك العاجلَة تمحيصاً له وتقريباً، وفي ذلك تسليةٌ لأهل البلاء وتنشيطً للعباد على مكابَدة العبادات، وتحريضٌ على ملازمة الطاعات. ثم قال: وهذا أيضاً وجهٌ حسنٌ دقيقٌ، والرُجحان للأوَّل من وجوه: أحدها: أنَّ الاعتراضَ لإزاحةِ العِلَّة في التفريط أظهرُ؛ لأنَّه المقصودُ من السياق على ما يظهر من قوله تعالى: ((اتقوا ربّكم)). الثاني: أنَّه المطابِقُ لِمَا وَرَد في التنزيل من نحوٍ: ﴿أَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنْهَاجِرُوا فِهَا﴾ [النساء: ٩٧]، ﴿إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَاعْبُدُونِ ٥٦﴾ [العنكبوت: ٥٦]. الثالث: أنَّ تعلُّقَ الظرف بالمذكور المتقدِّم هو الوجه ما لم يَصْرِفْ صارفٌ. الرابع: أنَّه على ذلك التقدير ليس بمطَّرِدٍ ولا أكثريٍّ، فإنَّ الحسنة بذلك المعنى في شأن المخالفين أتُّ، والقولُ بأنَّها استدراجٌ في شأنهم لا حسنةٌ؛ ليس بالظاهر، فقد قال سبحانه: ﴿فَإِذَا جَ تْهُمُ الْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]. انتهى. ولعمري إنَّ ما رجَّحه بالترجيح حقيقٌ، وما استحسنه واستدقَّه ليس بالحَسَن ولا الدقيق. والذي نقله الطبرسيُّ(١) عن السديِّ تفسير الحسنة في الدنيا بالثناء الحَسَن والذكر الجميل والصحَّة والسلامة، وفسَّرها بعضُهم بولاية الله تعالى، وعليه فليس للمخالفين منها نصيبٌ. وفي الآية أقوالٌ أُخَر، فعن عطاء: أرضُ الله تعالى المدينةُ، قال أبو حيَّان: فعلى هذا يكون ((أحسنوا)) هاجروا، و((حسنة)) راحةٌ من الأعداء(٢). وقال قوم: أرض الله تعالى الجنة. وتعقّبه ابن عطية بأنَّه تحكّمٌ لا دليلَ عليه(٣). وقال أبو مسلم: لا يمتنع ذلك لأنَّه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى، ثم بيَّن سبحانه أنَّه مَن اتقى له في الآخرة الحسنةُ، وهي الخلودُ في الجنة، ثم بيَّن جلَّ (١) في مجمع البيان ٥/ ١٤٣. (٢) البحر المحيط ٤١٩/٧. (٣) المحرر الوجيز ٥٢٣/٤. سُورَةُ الرُِّز ٣٩٦ الآية : ١١ - ١٢ شأنه أنَّ أرضَ الله واسعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَقَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (١). والرجحانُ لِمَا سمعتَ أوَّلاً، واختير فيه شمولُ («الحسنة)» لحسنات الدنيا والآخرة. والمراد بالإحسان الإتيانُ بالأعمال الحسنة القلبية والقالَبية، وقال النبيُّ وَّ في تفسيره في حديثٍ جبريل عليه السلام: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك))(٢). والآيةُ على ما في بعض الآثار نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزَموا على الهجرة إلى أرض الحبشة(٣). وفيها من الدلالة على فضل الصابرين ما فيها . ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ اَلْذِينَ ﴾﴾ أي: من كلٌّ ما يخلُّ به من الشرك والرياء وغير ذلك، أُمِر عليه الصلاة والسلام ببيان ما أُمِر به نفسُه من الإخلاص في عبادة الله عزَّ وجل الذي هو عبارة عما أُمِر به المؤمنون من التقوى، مبالغةً في حثّهم على الإتيان بما كُلِّفوه، وتمهيداً لِمَا يعقبه مما خوطِب به المشركون. وعدمُ التصريح بالآمر لتعيُّنِ أنَّه اللهُ عز وجل. وقيل: للإشارة إلى أنَّ هذا الأمرَ مما ينبغي امتثالُه سواءٌ صدر منه تعالى أم صدّر من غيره سبحانه. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُنَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ أي: وأُمرتُ بذلك لأجلٍ أن أكونَ مقدَّم المسلمين في الدنيا والآخرة؛ لأنَّ إحرازَ قَصَب السَّبْق في الدين بالإخلاص فیه، وإخلاصُه عليه الصلاة والسلام أتمُّ من إخلاص كلِّ مخلصٍ، فالمرادُ بالأوَّلية الأوَّليةُ في الشرَف والرُّتبة. والعطف لمغايرةِ الثاني الأولَ بتقييده بالعلَّة، والإشعار بأنَّ العبادة المذكورةَ كما تقتضي الأمْرَ بها لذاتها تقتضيه لِمَا يلزَمُها من السَّبْق في الدین. (١) البحر المحيط ٤١٩/٧. (٢) سلف ٢٩٥/١. (٣) المحرر الوجيز ٥٢٣/٤. الآية : ١٢ ٣٩٧ سُرَّةُ الرُِّزْ وإلى حذفٍ متعلّق الأمر وكونِ اللَّام تعليليةً ذهبَ البصريُّون في هذه الآية ونحوها. وذهب غيرُهم إلى أنَّها زائدة، واستُدِلَّ له بتركها في قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(١) [يونس: ١٠٤]، ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّمْ﴾ [الأنعام: ١٤]، وكلُّ ذلك محتمِلٌ لتقدير اللَّام؛ فلا تغفلْ، ولا تُزاد إلَّا مع ((أنْ)) لفظاً أو تقديراً دونَ الاسم الصريح، وذلك لأنَّ الأصل في المفعول به أن يكون اسماً صريحاً، فكأنَّها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامَه، كما يعوّض السين في: اسطاع، عوضاً من ترك الأصل الذي هو: أْوَعَ، وهذه الزيادة وإن كانت شاذَّةً قياساً إلَّ أنَّها لَمَّا كثُرت استعمالاً جاز استعمالها في القرآن والكلامِ الفصيح. ومثلُ هذا يقال في زيادتها مع فعل الإرادة نحو: أردت لأنْ أفعل. وجعل الزمخشريُّ وجهَ زيادتها معه أنها لمَّا كان فيها معنى الإرادة زيدت تأكيداً لها، وجعل وجهاً في زيادتها مع فعل الأمر أيضاً، لا سيَّما والطلبُ والإرادةُ عندَهم من بابٍ واحد. وفي المعنى أوجهٌ: أن أكون أوَّلَ مَن أسلم في زماني ومِن قومي، أي: إسلاماً على وفق الأمر، وأن أكونَ أولَ الذين دعوتُهم إلى الإسلام إسلاماً. وأن أكونَ أولَ مَن دعا نفسَه إلى ما دعا إليه غيرَه؛ لأكون مقتدى بي قولي وفعلي جميعاً، ولا تكون صفتي صفةً الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعلَ ما أستحقُّ به الأوَّليّةَ والشرَفَ من أعمال السابقين، دلالةً على السبب - وهي الأعمال التي يُستحقُّ بها الشرفُ - بالمسبّب وهو الأوَّلية والشّرَفُ المذكور في النظم !(٢) الجليل. ذكر ذلك الزمخشري وفي ((الكشف)): المختارُ من الأوجه الأربعةِ الوجهُ الثاني، فإنَّه المكرَّر الشائعُ في القرآن الكريم، وفيه سائرُ المعاني الأُخَر من موافقةِ القول الفعلَ، ولزومٍ أوَّلِيَّة الشرَف من أوَّليَّة التأسيس، مع أنَّه ليس فيه أنّه أُمر بأن يكونَ أشرفَ وأَسبق، فافهم. (١) قوله تعالى: ((وأمرت أن أكون من المؤمنين))، ساقط في الأصل، والمثبت من (م) والكشاف ٣٩٢/٣، والكلام منه. (٢) في الكشاف ٣٩٢/٣. سُوَّةُ الرُّزْ ٣٩٨ الآية : ١٣ - ١٥ ﴿قُلْ إِنِّ ◌َخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِِّ﴾ بترك الإخلاص والميلِ إلى ما أنتم عليه من الشرك. وجُوِّز العموم، أي: أخافُ إن عصيتُه بشيء من المعاصي ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ (®﴾ هو يومُ القيامة، ووَصَفه بالعظمةِ لعظمةِ ما فيه من الدَّواهي والأهوال، وهو مجازٌ في الظرف أو الإسناد، وهو أبلغ، ولذا عُدل عن توصيف العذاب بذاك، والمقصودُ من قولِ ذلك لهم تهديدُهم والتعريضُ لهم بأنَّه عليه الصلاة والسلام مع عظمته لو عصى الله تعالى ما أمِن العذابَ، فكيفَ بهم. ﴿قُلِ اَللَّهَ أَعْبُدُ﴾ لا غيرَه سبحانه، لا استقلالاً ولا اشتراكاً. ﴿مُخْلِصًا لَّهُ دِنِ ®﴾ حالٌ من فاعلِ ((أعبدُ»، فقيل: مؤكِّدةٌ؛ لِمَا أنَّ تقديمَ المفعول قد أفاد الحصرَ وهو يدلُّ على إخلاصه عن الشرك الظاهر والخفيِّ. وقيل: مؤسّسةٌ. وفسِّر إخلاصُ الدين له تعالى بعبادته سبحانه لذاته من غير طلبٍ شيءٍ؛ كقول رابعة: سبحانك ما عبدتُك خوفاً من عقابك ولا رجاءَ ثوابك. ويفسَّر بتجريده عن الشرك بقِسْمَيه وأن يكونَ معه ما يَشينه من غير ذلك؛ كما أشير إليه آنفاً. والفرقُ بين هذا وقولِه سبحانه: (قُلْ إِّ أُمِرْتُ) إلخ أنَّ ذاك أمرٌ ببيانٍ كونِه عليه الصلاة والسلام مأموراً بعبادته تعالى مخلصاً له الدينَ، وهذا أمرٌ بالإخبار بامتثاله بالأمر على أبلغ وجهٍ وآكَدِهِ، إظهاراً لتصلُّبِهِ وَّه في الدين؛ وحسماً لأطماعهم الفارغةِ حيثُ إنَّ كفَّارَ قريشٍ دعوهِ وَّه إلى دينهم فنزلت لذلك(١)، وتمهيداً لتهديدهم بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ أن تعبدوه ﴿مِّن دُونٌِ﴾ عزَّ وجلَّ، وفيه من الدلالة على شدَّة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنَّهم لمَّا لم ينتهوا عمَّا نُهُوا عنه أُمِروا به كي يحلّ بهم العقابُ. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَِينَ﴾ أي: الكاملين في الخسران، وهو إضاعةُ ما يهمّ(٢) وإتلافُ ما لا بدَّ منه، لجمعهم أعاظمَ أنواعٍ الخسران. (١) حاشية الشهاب ٣٣٣/٧، ونسبه إلى مقاتل. (٢) في (م): ما بهم. بالباء الموحدة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٤٦/٧، والكلام منه. الآية : ١٥ ٣٩٩ سُؤَدَّةُ الرُّهَزْ ﴿الَّذِينَ خَيِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ﴾ باختيارهم الكفرَ لهما، فالمراد بالأهلِ أتباعُهم الذين أضلُّوهم، أي: أضاعوا أنفسَهم وأضاعوا أهليهم وأتلفوهما ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ حين يدخلون النارَ حيثُ عرَّضوهما للعذاب السرمديِّ وأوقعوهما في هَلَكَةٍ ما وراءها هَلَكَةٌ. ولو أُبقي ((يومَ القيامة)) على ظاهره - لأنَّه يتبيَّن فيه أمرُهم ويتحقَّق مبدأ خسرانھم - صحَّ علی ما قيل. وقيل: المرادُ بالأهل الأتباعُ مطلقاً، وخسرانُهم إياهم؛ لأنَّهم إنْ كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسَهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا إيابَ بعدَه. وتعقِّب بأنَّ المحذورَ ذهابُ مَن لو آب لانتفع به الخاسرُ، وذلك غير متصوَّرٍ في الشِّقِّ الأخير. وقيل: المرادُ بالأهل ما أعدَّه الله تعالى لمن يدخلُ الجنة من الخاصَّة، أي: وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونونَ لهم في الجنة لو آمنوا؛ أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: ليس أحدٌ إلَّا قد أعدَّ الله تعالى له أهلاً في الجنة إن أطاعه(١). وأخرجا نحوَه عن مجاهد (٢). وروي أيضاً عن ميمون بن مهرانَ، وكلُّهم ذكروا ذلك في الآية (٣). وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال فيها أيضاً: خسِروا أهليهم من أهل الجنة كانوا أُعِدُّوا لهم لو عملوا بطاعة الله تعالى، فَغَبَنُوهم (٤). وهو الذي يقتضيه كلامُ الحسن، فقد روي عنه أنَّه فسَّر الأهل بالحور العين(٥). ولا يخفى أنَّ حملَ الآية على ذلك لا يخلو عن بُعد. (١) تفسير عبد الرزاق ١٧١/٢، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٢٤/٥. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧١، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٢٤/٥ ووقع في (م): وأخرج. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٨/٤. (٤) الدر المنثور ٣٢٤/٥. (٥) النكت والعيون ١١٩/٤. سُورَةُ الُِّزْ ٤٠٠ الآية : ١٦ وأيَّاما كان فليس المرادُ مجرد تعريف الكاملين في الخسران بما ذُكر، بل بيان أنَّهم المخاطَبون بما تقدَّم؛ إمَّا بجعل الموصول عبارةً عنهم، أو بجعلِه عبارةً عمَّا هم مندرِجون فيه اندراجاً أوَّليًّا. وما في قوله تعالى: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْرَانُ الْمُبِينُ من استئناف الجملة، ١٥ وتصديرِها بحرف التنبيه، والإشارةِ بـ ((ذلك)) إلى بُعدٍ منزلةِ المشار إليه في الشَّرِّ، وأنَّه لِعظَمه بمنزلة المحسوس، وتوسيطٍ ضميرٍ الفصل، وتعريفِ ((الخسران))؛ والإتيانِ به على ((فُعلان)) الأبلغ من فعل(١)، ووصفِه بـ ((المبين)) = من الدلالة على كمالٍ هَوله وفظاعتِهِ وأنَّه لا نوعَ من الخُسرِ وراءه ما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿لَمُ مِّنِ فَوْقِهِمْ تُكَلٌ مِّنَ النَّارِ﴾ إلى آخره نوعُ بيانٍ لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام، على أنَّ ((لهم)) خبرٌ لـ ((ظلل))، و((من فوقهم)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ من ضميرها في الظرف المقدَّم، لا منها نفسِها؛ لضعف الحال من المبتدأ، وجعلُها فاعل الظرف حينئذٍ اتِّباعٌ لنظر الأخفش، وهو ضعيف. و((من النار)) صفةٌ لـ ((ظلل)). والكلامُ جارٍ مَجرى التهكّم بهم، ولذا قيل: ((لهم))، وعبِّر عمَّا علاهم من النار بالظلل. أي: لهم كائنةً من فوقهم ظللٌ كثيرةٌ متراكمةٌ بعضُها فوقَ بعضٍ (٢) كائنةٌ من النار. ﴿وَمِن ◌َّيِهِمْ تُلَلْ﴾ كائنةٌ من النَّار أيضاً، والمرادُ أطباقٌ كثيرةٌ منها، وتسميتُها ظللاً من باب المشاكلة. وقيل: هي ظللٌ لمن تحتَهم في طبقة أخرى من طبقات النار، ولا يطَّرِدُ في أهل الطبقة الأخيرة من هؤلاء الخاسرين، إلّا أن يقال: إنَّها للشياطين ونحوِهم مما لا ذِكْر لهم هنا . وقيل: إنَّ ما تحتهم يلتَهب ويتصاعد منه شيءٌ حتى يكونَ ظُلَّةً فسُمِّيَ ظلةً باعتبار ما آل إليه أخيراً. وليس بذاك، والمرادُ أنَّ النارَ محيطةٌ بهم. (١) بفتح الفاء مع تسكين العين وفتحها، وضم الفاء مع تسكين العين وضمها، قال في القاموس (خسر): خَسر كفرح وضرب، خَسْراً وخَسَراً وخُسْراً وخُسُراً وخُشْراناً ... (٢) في الأصل: بعضاً فوق بعضٍ، والمثبت من (م)، وتفسير أبي السعود ٢٤٨/٧.