النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٢ ٣٦١ سُؤَدَّةُ الزُِّزْ وجُوِّز على احتمالٍ كونه خبرَ مبتدأ محذوفٍ كونُ ((من الله)) خبراً ثانياً، وكونُه خبرَ مبتدأ محذوفٍ أيضاً، أي: هذا أو هو تنزيل الكتاب هذا أو هو من الله، وكونُه حالاً من ((الكتاب))، وجاز الحالُ من المضاف إليه؛ لأنَّ المضافَ مما يعمل عملَ الفعل، وكونُه حالاً من الضمير المستترِ في ((تنزيل)) على تقديرٍ كونه بمعنى منزَّل. وكونُه حالاً من ((تنزيل)) نفسِه والعاملُ فيه معنى الإشارة، وتُعُقِّب بأنَّ معاني الأفعال لا تعمل إذا كان ما هي فيه محذوفاً؛ ولذلك رَدُّوا على المبرِّد قولَه في بيت الفرزدق: وإذ ما مثلَهم بشرُ(١) إِنَّ ((مثلهم)) منصوبٌ على الحالية وعاملُه الظرف المقدَّر، أي: ما في الوجود بشرٌ مماثلاً لهم = بأنَّ الظرف عاملٌ معنويٌّ لا يعمل محذوفاً. وقرأ ابن أبي عبلة وزيد بن عليٍّ وعيسى: ((تنزيلَ)) بالنصب(٢) على إضمارٍ فعلٍ، نحو : اقرأ والْزَم. والتعرُّضُ لوصفَي العزةِ والحكمةِ للإيذان بظهورٍ أثرَيْهما في الكتاب بِجَرَیانِ أحكامه ونَفاذٍ أوامره ونواهيه من غير مُدافع ولا ممانع، وبابتناءِ جميعٍ ما فيه على أساس الحِكم الباهرة. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ﴾ بيانٌ لكونه نازلاً بالحقِّ وتوطئةٌ لِمَا يُذكَر بعدُ. وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنه شروعٌ في بيانِ المنزَّل إليه وما يجب عليه إثر بيانِ شأنِ المنزَّل وكونِه من عند الله تعالى. وأيَّاما كان لا يتكرّر مع ما تقدَّم، نعم كان الظاهرُ ـ على تقدير كون المرادِ بـ ((الكتاب)) هناك القرآن - الإتيانَ بضميرِه هاهنا، إلَّا أنَّه أُظْهر قَصْداً إلى تعظيمه ومزيدِ الاعتناء بشأنه(٣). (١) ينظر المقتضب ١٩١/٤- ١٩٢، والبيت في ديوان الفرزدق ١٨٥/١، وتمامه: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتَهم إذهم قريش، وإذ ما مثلَهم بشر (٢) القراءات الشاذة ص١٣١، والبحر المحيط ٤١٤/٧. (٣) تفسير أبي السعود ٧/ ٢٤٠. سُوَّةُ الرُِّزْ ٣٦٢ الآية : ٣ وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أنَّ الكتابَ الأوَّلَ عامّ لجميع ما تنزَّل من عند الله تعالى، والكتابَ الثاني خاصٌّ بالقرآن، فكأنَّه أخبرَ إخباراً مجرَّداً أنَّ الكتبَ الهاديةَ الشارعةَ تنزيلُها من الله عز وجل، وجَعَله توطئةً لقوله سبحانه: (إِنَّا أَنزَلْنَاً إِلَيْكَ الْكِتَبَ)(١). اهـ، وهو كما ترى. والباء متعلِّقةٌ بالإنزال وهي للسببية، أي: أنزلناه بسبب الحقِّ، أي: إثباتِه وإظهارِهِ. أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول، وهي للملابسة، أي: أنزلناه ملتبساً بالحقِّ والصوابِ. والمراد أنَّ كلَّ ما فيه موجِبٌ للعمل والقَبول حتماً. وجُوِّز كونُ المحذوف حالاً من الفاعل، أي: أنزلناه ملتبسين بالحقِّ، أي: مُحقِّين في ذلك. ، لترتيب الأمر بالعبادة والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًاً لَّهُ الذِينَ على إنزال الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحقِّ، أي: فاعبُدْه تعالى مُمْحِضاً له الدينَ من شوائبٍ الشرك والرياءِ حسْبَما بُيِّن في تضاعيفٍ ما أُنزل إليك. والعدولُ إلى الاسم الجليل مما يلائم هذا الأمرَ أتمَّ ملاءَمةٍ. وقرأ ابن أبي عبلة: («الدينُ)) بالرفع(٢)، كما رواه الثِّقات، فلا عبرةَ بإنكار الزَّاج (٣)، وخرَّج ذلك الفرَّاءُ(٤) على أنَّه مبتدأ، خبرُه الظرفُ المقدَّم للاختصاص أو لتأكيده. واعْتُرِض بأنَّه يتكرَّر مع قوله تعالى: ﴿أَا لِلَِّ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وأجيب بأنَّ الجملة الأولى استئنافٌ وقع تعليلاً للأمر بإخلاص العبادة، وهذه الجملة تأكيدٌ لاختصاص الدين به تعالى، أي: ألا هو سبحانه الذي يجب أنْ يُخَصَّ بإخلاص الدين له تعالى؛ لأنه المتفرِّدُ بصفاتِ الألوهية التي من جملتها الاطلاعُ على السرائر والضمائر. وهي على قراءة الجمهور استئنافٌ مقرِّرٌ لِمَا قبلَه من الأمر بإخلاص الدِّين له عزَّ وجل ووجوب الامتثال به. (١) المحرر الوجيز ٥١٧/٤. ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٤١٤/٧. (٢) البحر المحيط ٧/ ٤١٤ . (٣) في معاني القرآن ٣٤٣/٤-٣٤٤. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤١٤. الآية : ٣ ٣٦٣ سُورَةُ الزُّهِزْ وفي الإتيان بـ ((إلا))، واسمية الجملة، وإظهارِ الجلالة والدينٍ، ووصفِه بالخالص، والتقديم المفيدٍ للاختصاص مع اللَّام الموضوعة له عند بعضٍ = ما لا يخفى من الدلالة على الاعتناء بالدين الذي هو أَساسُ كلِّ خير، قيل: ومن هنا يُعْلم أنَّه لا بأسَ بجعل الجملةِ تأكيداً للجملة قبلَها على القراءة الأخيرة، وإليه ذهب صاحب ((التقريب)) وقال بتغايُرٍ دلالَتَي الجملتين إجمالاً وتفصيلاً. ورَدَّ بذلك زَعْمَ إباء هذه الجملة صحةَ تخريج الفرّاء. والحقُّ أنَّه تخريجٌ لا يعوَّل عليه، ففي ((الكشف)): لَمَّا كان قولُه تعالى: (لِِّ الذِينُ الْخَالِصَُّ) بمنزلة التعليل لقوله سبحانه: (فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا)، كان الأصل أن يقال: فَلِلّه الدين الخالص، ثم تُرِك إلى ((ألا لله الدين الخالص)) مبالغةً لِمَا عرفتَ مِن أنَّه أقوى الوصلين، ثم صدِّر بحرف التنبيه زيادةً على زيادةٍ وتحقيقاً بأنَّ غيرَ الخالص كالعدم، فلو قدِّر الاستئنافُ التعليليُّ أولاً من دون الوصفِ المطلوبِ الذي هو الأصلُ في العِلَّة، ومن دون حرفِ التنبيه للفائدة المذكورة، كان كلاماً متنافراً، ويلزمُ زيادةُ التنافر من وصف الدين بالخلوص ثانياً لدلالته على العِيِّ في الأوَّل، إذ ليس فيه ما يُرشِد إلى هذا الوصف حتى يُجْعلَ من باب الإجمال والتفصيل. وأمّا جعلُه تأكيداً فلا وجه له للوصف المذكور، ولأنَّ حرف التنبيه لا يحسُنُ موقعُها حينئذٍ؛ فإنّها يُؤتى بها في ابتداء الاستئنافِ المضادِّ لقصد التأكيد. اهـ. ونصَّ العلّامة الثاني أيضاً على أنَّ كونَ الجملة الثانيةِ تأكيداً للأولى فاسدٌ عند مَن له معرفةٌ بأساليب الكلام وصِيَاغات المعاني، ففيها ما ينبو عنه مقامُ التأكيد ولا يكاد يقترِنُ به المؤكّد. لكنَّ في قول صاحب ((الكشف)»: ليس في الأول ما يُرشِد إلى وصف الخلوص حتى يُجْعل من باب الإجمال والتفصيل = بحثاً؛ إذ لقائلٍ أن يقول: إنَّ (له الدين)) على معنى: له الدين الكامل، ومن المعلوم أنَّ كمالَ الدين بكونه خالصاً، فيكون في الأوَّلِ ما يُرشِد إلى هذا الوصف. نعم وَهْنُ ذلك التخريجِ على حاله، قُبِل هذا البحثُ أم لم يُقْبل. وقال أبو حيَّان: ((الدينُ)) مرفوعٌ على أنَّه فاعلٌ بـ ((مخلصاً)) الواقع حالاً، والراجعُ لِذِي الحال محذوفٌ على رأي البصريين، أي: الدينُ منك. أو تكونُ ((أل)) سُورَةُ الزُّهَّز ٣٦٤ الآية : ٣ عوضاً من الضمير، أي: دينُك(١). وعليه يكون وصفُ الدين بالإخلاص - وهو وصف صاحبه - من باب الإسناد المجازيِّ كقولهم: شعرٌ شاعرٌ. وفي الآية دلالةٌ على شَرَف الإخلاص بالعبادة، وكم من آية تدلُّ على ذلك. وأخرج ابن مردويه عن يزيدَ الرَّقاشِيِّ أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّا نعطي أموالَنا التماسَ الذكر، فهل لنا من أجرٍ؟ فقال رسول الله وَ له: ((لا)). قال: يا رسول الله، إنَّا نعطي التماسَ الأجر والذكر، فهل لنا أجرٌ؟ فقال رسول الله وَله: (إنَّ الله تعالى لا يقبل إلَّا مَن أخلَصَ له))، ثم تلا رسول الله عليه الصلاة والسلام هذه الآية: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُ﴾(٢). ويؤيِّد هذا أنَّ المرادَ بـ ((الدين)) في الآية الطاعةُ، لا كما رُوي عن قتادة مِن أنَّه شهادةُ أن لا إله إلا الله، وعن الحسن من أنّه الإِسلام. وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أَخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَاءَ﴾ إلخ تحقيقٌ لحقِّيَّة التوحيد ببطلان الشرك، ليُعْلم منه حَقِّيَّةُ الإخلاص وبطلانُ تركه، وفيه من ترغيبِ المخلصين وترهيبٍ غيرِهم ما لا يخفى. والموصولُ عبارةٌ عن المشركين من قريش وغيرِهم كما روي عن مجاهد. وأخرج جُوَيْبر عن ابن عبّاس أنَّ الآية نزلت في ثلاثة أحياء: عامٍ وكنانةَ وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثانَ، ويقولون: الملائكةُ بناتُ الله(٣). فالموصولُ إمَّا عبارةٌ عنهم، أو عبارةٌ عمَّا يعمُّهم وأضرابَهم من عَبَدَةٍ غير الله سبحانه، وهو الظاهر، فيكون الأولياءُ عبارةً عن كلِّ معبودٍ باطلٍ كالملائكةِ وعيسى عليهم السلام والأصنام. ومحلُّ الموصول رفعٌ على الابتداء، خبره الجملة الآتية المصدَّرة بـ ((إنَّ). وقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ حالٌ بتقدير القول من واوٍ ((اتخذوا)) مُبيِّنّةٌ لكيفيةِ إشراكِهم وعدمٍ خلوصٍ دينهم، أي: اتخذوا قائلين ذلك. (١) البحر المحيط ٧/ ٤١٤. (٢) عزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٢٢/٥، ويزيد الرقاشي ضعيف. (٣) أسباب النزول للسيوطي ص٣١٨. الآية : ٣ ٣٦٥ سُوَرَّةُ الرُّهَزِّ وجُوِّز أن يكون القول المقدَّرُ ((قالوا))، ويكون بدلاً من ((اتخذوا))(١)، وأن يكون المقدَّر ذلك ويكون هو الخبرَ للموصولِ، والجملةُ الآتية استئنافٌ بيانيٍّ، كأنَّه قيل بعد حكايةِ ما ذُكر: فماذا يفعل الله تعالى بهم؟ فقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلخ. والوجهُ الأول هو المُنْساق إلى الذهن، نعم قرأ عبد الله وابنُ عباس ومجاهدٌ وابن جبير: ((قالوا ما نعبدهم)) الآية (٢)، لكن لا يتعيَّنُ فيه البدليةُ أو الخبرية. وقد اعترض البدليةَ صاحبُ ((الكشف)) بأنَّ المقامَ ليس مقامَ الإبدال، إذ ليس فيه إعادةُ الحكم لكون الأولِ غيرَ وافٍ بالغَرَض اعتناءً بشأنه، لا سِيَّما وحذفُ البدل ضعيفٌ، بل يُنافي الغرضَ مِن الإتيان به. والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العلل، و((زلفى)) مصدرٌ مؤكِّد على غيرِ لفظِ المصدر، أي: والذين لم يُخْلِصوا العبادة لله تعالى بل شابوها بعبادةٍ غيرِه سبحانه قائلين: ما نعبدهم لشيءٍ من الأشياء إلَّا ليقرِّبونا إلى الله تعالى تقريباً. وقرئ: (تُعْبُدهم)) بضمِّ النون إتباعاً لحركة الباءِ(٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: وبينَ خُصَمائهم الذين هم المخلصون للدين، وقد حُذف لدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِّ﴾ [البقرة: ٢٨٥] على أحد الوجهين، أي: بينَ أحدٍ منهم وبينَ غيره، وعليه قول النابغة : فما كان بينَ الخير لو جاء سالماً أبو حُجُرٍ إلَّا ليالٍ قلائلُ(٤) أي: بين الخير وبيني. (١) في هامش الأصل و(م): قوله: بدلاً من اتخذوا، قال في البحر: كأنه بدل اشتمال. اهـ. وهو في البحر ٧/ ٤١٥ . (٢) معاني القرآن للفراء ٤١٤/٢، ومعاني القرآن للنحاس ١٥٠/٦، والمحرر الوجيز ٥١٨/٤، والبحر المحيط ٧/ ٤١٥ . (٣) الكشاف ٣٨٦/٣، البحر المحيط ٤١٥/٧. (٤) ديوان النابغة الذبياني ص ٩٠، والبيت في رثاء النعمان بن الحارث، وأبو حُجر كنيته. سُوَرَّةُ الرِّزْ ٣٦٦ الآية : ٣ وقيل: الضمير للفريقين المتخِذِين والمتخَذِين، وكذا الكلام في ضميرَي الجمع في قوله تعالى: ﴿فِ مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونٌ﴾ . والمعنى على الأوَّل أنَّه تعالى يفصِل الخصومةَ بين المشركين والمخلصين فيما اختلفوا فيه من التوحيد والإشراك وادِّعاء كلٍّ صحةَ ما اتَّصَفَ به، بإدخال المخلصين الموحِّدين الجنةَ وإدخالِ المشركين النارَ، أو يميِّزهم سبحانه تمييزاً يُعْلم منه حالُ ما تنازعوا فيه بذلك. والمعنى على الثاني أنَّه تعالى يحكُم بين العابدين والمعبودین فیما يختلفون، حيثُ يرجو العابدون شفاعتَهم وهم يتبرَّؤُون منهم ويلعنونهم قالاً أو حالاً، بإدخالٍ مَنْ له أهليةُ دخولِ الجنة من المعبودين الجنةَ؛ وإدخالِ العابدين ومَن ليس له أهليةٌ دخولِ الجنة ممن عُبِدٍ كالأصنام النارَ. وإدخالُ الأصنام النارَ ليس لتعذيبها، بل لتعذيب عَبَدَتِها بها. وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يضعِّفه. وأجاز الزمخشريُّ(١) كونَ الموصول السابق عبارةً عن المعبودِينَ على حذفٍ العائد إليه، وإضمارٍ المشركين من غيرِ ذكرٍ تعويلاً على دلالة السياق عليهم، ويكون التقدير: والذين اتخذَهم المشركون أولياءَ قائلين: ما نعبدهم إلَّا ليقرِّبونا عند الله زلفى، إنَّ الله يَحكُم بينَهم وبين عَبَدَتِهم فيما الفريقان فيه يختلفون - حیثُ يرجو العَبَدَةُ شفاعتَهم وهم يلعنونهم - بإدخالِ ما هو منهم أهلٌ للجنة الجنةَ وإدخالٍ العبدة مع أصنامهم النارَ. وتُعقّب بأنَّه بعد الإغضاء عمَّا فيه من التعسُّفات بمعزِلٍ من السَّداد، كيف لا ، وليس فيما ذُكر مِنْ طلب الشفاعة واللعن مادّةٌ يختلف فيها الفريقان اختلافاً مُحْوِجاً إلى الحكم والفصل، فإنّما ذاك ما بين فريقَي الموحّدين والمشركين في الدنيا من الاختلاف في الدين الباقي إلى يوم القيامة. فتدبّرْ ولا تغفُلْ. وقُرئ: ((ما نعبدكم إلا لتقرِّبونا))(٢) حكايةً لِمَا خاطبوا به آلهتَهم. (١) في الكشاف ٣٨٦/٣. (٢) وهي قراءة أبيٍّ كما في معاني القرآن للفراء ٤١٤/٢، وللزجاج ٣٤٤/٤، والمحرر الوجيز ٥١٨/٤، والكشاف ٣٨٦/٣. الآية : ٣ ٣٦٧ سُوَّةُ الُزْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى﴾ أي: لا يوفِّق للاهتداء الذي هو طريقُ النجاة عن المكروه والفوزٍ بالمطلوب ﴿مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارُ ﴾﴾ في حدِّ ذاته، وموجب سيِّئ استعدادِه؛ لأنَّه غيرُ قابل للاهتداء، والله عز وجل لا يُفِيْض على القوابل إلَّا حسب القابليات؛ كما يشير إليه قولُه سبحانه: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] وقولُه تعالى: ﴿قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾ [الإسراء: ٨٤] وقوله عز وجل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] وهذا هو الذي حَتَم عليه جلَّ شأنُه لسيِّئ استعداده بالموافاة على الضلال، قاله بعض الأجلَّة. وقال الطبرسيُّ: لا يهدي إلى الجنة - أي: يوم القيامة - من هو كاذبٌ كفَّارٌ في الدنيا(١). وقال ابن عطية: المراد: لا يهدي الكاذبَ الكافرَ في حالٍ كذبه وكفره(٢). وهذا ليس بشيء أصلاً . والمرادُ بـ ((من هو كاذبٌ كَفَّار)) قيل: من يعمُّ أولئك المحدَّثَ عنهم وغيرهم. وقيل: أولئك المحدَّث عنهم. وكذبُهم في دعواهم استحقاقَ غير الله تعالى للعبادة، أو قولِهم في بعضٍ مَن اتخذوهم أولياءَ من دون الله: إنَّهم بناتُ الله سبحانه، أو أنَّ المتخَذَ ابنُ الله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، فـ((من هو كاذب)) مِن الظاهر الذي أقيم مقامَ المضمَر على معنى أنَّ الله تعالى لا يهديهم - أي: المتخذينَ - تسجيلاً عليهم بالكذب والكفر، وجُعِل تمهيداً لما بعده، وقال بعضهم: الجملة تعليلٌ للحكم. وقرأ أنس بن مالك والجحدريُّ والحسنُ والأعرجُ وابنُ يعمر: ((كذَّاب كفَّار)»(٣). وقرأ زيد بن عليٍّ: ((كَذُوبٌ كَفُور))(٤). (١) مجمع البيان ٥/ ١٣٧ -١٣٨. (٢) المحرر الوجيز ٥١٨/٤. (٣) القراءات الشاذة ص١٣١، والمحرر الوجيز ٥١٨/٤، والبحر المحيط ٤١٥/٧. (٤) البحر المحيط ٤١٥/٧ . اشتد سُوَّةُ الُيز ٣٦٨ الآية : ٤ وحملوا ((الكاذب)) هنا على الراسخ في الكذب لهاتين القراءتين، وكذا حملوا الكفرَ على كُفر النِّعَم دون الكفر في الاعتقاد؛ لقراءة زيد، وذكر الإمامُ فيه احتمالين(١). ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآَمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتحقيق الحقِّ وإبطالِ القول بأنَّ الملائكةَ بناتُ الله وعيسى ابنُه - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً - ببيانِ استحالةِ اتخاذِ الولد في حقِّه سبحانه على الإطلاق؛ ليندرجَ فيه استحالةُ ما قيل اندراجاً أوَّلياً. وحاصلُ المعنى: لو أراد الله سبحانه اتخاذَ الولد لامتنعت تلك الإرادةُ لتعلُّقِها بالممتنع - أعني الاتخاذَ - لكنْ لا يجوز للباري إرادةٌ ممتنِعةٌ؛ لأنَّها تُرَجّح بعضَ الممكنات على بعضٍ. وأصل الكلام: لو اتخذ الولدَ لامتنع؛ لاستلزامِه ما ينافي الألوهيةَ، فعُدل إلى: لو أراد الاتخاذَ لامتنع أن يُريدَه، ليكونَ أبلغَ وأبلغَ، ثم حُذف هذا الجوابُ وجيء بدله: ((لاصطفى)) تنبيهاً على أنَّ الممكنَ هذا، لا الأوَّلُ، وأَنَّه لو كان هذا من اتخاذ الولد في شيء لجاز اتخاذُ الولد عليه؛ سبحانه وتعالى شأنُه عن ذلك، فقد تحقَّق التلازمُ وحقَّ نفيُ اللازم وإثباتُ الملزوم دونَ صعوبة. ويجوز أن يكونَ المرادُ: لو أراد الله أن يتخذ لامتنع ولم يصحَّ، لكن على إرادة نفي الصحّة - على كلِّ تقدير من تقديرَي الإرادة وعدمها - من باب: لو لم يَخَفِ اللهَ لم يعْصِه(٢)، فلا ينفى الثاني إذ ذاك، ولا يحتاج إلى بيان الملازمة، وإذا امتنعَ ذلك فالممكنُ الاصطفاء، وقد اصطفى سبحانه مِن مخلوقاته مَن شاء كالملائكة وعيسى، وذهب عليكم أنَّ الاصطفاء ليس باتخاذٍ. والجواب على هذا الوجه أيضاً محذوفٌ أقيم مقامَه ما يفيدُ زيادةَ مبالغةٍ، وإنمَّا لم يُجْعل ((لاصطفى)) هو الجوابَ عليه الصيرورة المعنى حينئذٍ: لو أراد اتخاذَ الولد لاصطفى، ولو لم يُرِدْ لاصطفى من طريق الأولى، وحينئذٍ يكون إثباتُ الاصطفاء هو المطلوبَ من الإيراد، كما أنَّ (١) التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٤٢/٢٦. (٢) سلف ١/ ٤٩٢. الآية : ٤ ٣٦٩ سُورَةُ الرَّحِزْ التمدُّحَ بنفْي العصيان في مثال الباب هو المطلوبُ، وليس الكلام فيه، وعلى الوجهين هو من أسلوبٍ: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ قُلولٌ من قِراع الكتائبِ(١) وجُوِّز أن يكونَ المعنى في الآية: لو أراد الله تعالى أن يتَّخِذ ولداً لجعَلَ المخلوقَ ولداً، إذ لا موجودَ سواه إلَّا وهو مخلوقٌ له تعالى، والتالي محالٌ للمباينة التامَّة بين المخلوق والخالق؛ والولديّةُ تأبى تلك المباينة، فالمقدَّمُ مثلُه، ويكون قولُه تعالى: ﴿لَّاَضْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ على معنى: لاتخذه ابناً على سبيل الكناية. وما تقدَّم أولى لِمَا فيه من المبالغة التي نَبَّهْتُ عليها . وقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَةٌ﴾ تقريرٌ لِمَا ذُكر من استحالةِ اتخاذِ الولد في حقٌّه تعالى، وتأكيدٌ له ببيان تنزُّهِه سبحانه عنه، أي: تنزُّهِه الخاصِّ به تعالى، على أنَّ (سبحان)) مصدرٌ من ((سبَّح)) إذا بَعُد، أو: أسبِّحُه تسبيحاً لائقاً به؛ لأنَّه عَلَمُ للتسبيح مقولٌ على ألسنة العباد، أو: سبُّحوه تسبيحاً لائقاً بشأنه جلَّ شأنه. استئنافٌ مقرِّرٌ لتنزُّهِه عن ذلك وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَّهَارُ أيضاً، فإنَّ اتخاذَ الولد يقتضي تبعُّضاً وانفصالَ شيءٍ من شيءٍ، وكذا يقتضي المماثلةَ بين الولد والوالد، والوحدةُ الذاتيةُ الحقيقيةُ التي هي في أعلى مراتب الوحدة الواجبةٍ له تعالى بالبراهين القطعية العقلية تأبى التبعُّضَ والانفصالَ إباءً ظاهراً؛ لأنَّهما من خواصِّ الكمِّ، وقد اعتُبِر في مفهوم الوحدةِ الذاتية سلبُه فتأبى الاتخاذ المذكورَ وكذا تأبى المماثلةَ؛ سواءٌ فُسِّرتْ بما ذهب إليه قدماءُ المعتزلة كالجُبَّائي وابْنِهِ أبي هاشم؛ وهي المشاركةُ في أخصِّ صفاتِ الذات؛ کمشارکةٍ زید لعمرو في الناطقية، أم فُسِّرت بما ذهب إليه المحقّقون من الماتريدية، وهي المشاركة في جميع الصفات الذاتية كمشاركته له في الحيوانية والناطقية، أم فُسِّرتْ بما نُسِب إلى الأشعريِّ وهو التساوي بين الشيئين من كلِّ وجهٍ، ولعلَّ مرادَه نحوُ (١) البيت النابغة الذبياني، وقد سلف ٤٠٧/٥. سُوَّةُ الرَّهِزْ ٣٧٠ الآية : ٤ ما مرَّ عن الماتريديِّ، وإلَّا فمع التساوي من كلِّ وجهٍ ينتفي التعدُّدُ، فينتفي التماثلُ بناءً على ما قرَّرُوا مِنْ أنَّ الوحدةَ الذاتية كما تقتضي نَفْي الأبعاضِ المقدارِيَّةِ؛ تقتضي نفيَ الكثرة العقلية، وأنَّ التماثلَ يقتضي التعدُّدَ وهو يقتضي ثبوتَ الأجزاء المذكورة، كذا قيل. وفيه بحثٌ طويلٌ وكلامٌ غيرُ قليلٍ، وسنذكر بعضاً منه إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإخلاص، فالأولى أن يُقْتَصَرَ على منافاة الوحدة الذاتية للتبقُّض والانفصالِ لاستلزامهما التركُّبَ الخارجيَّ. والحكماءُ والمتكلِّمون مُجمِعون على استحالته في حقِّه تعالى، ودليلُها أظهرُ من أن يُذكر. وكذا وصفُ القهَّارية يأبى اتخاذَ الولد، وقُرِّر ذلك على أوجُهٍ: فقيل: وجهُ إبائها ذلك أنَّ القهَّارية تقتضي الغنى الذاتيَّ الذي هو أعلى مراتب الغِنى، وهو يقتضي التجرُّدَ عن المادّة، وتولّدُ الولد عن الشيء يقتضيها . وقيل: إنَّ القهاريةَ تقتضي كمالَ الغنى، وهو يقتضي كمالَ التجرُّدِ الذي هو البساطةُ من كلِّ الوجوه، فلا يكون هناك جنسٌ وفصلٌ ومادةٌ وصورةٌ وأعراضٌ وأبعاضٌ إلى غير ذلك مما يُخِلُّ بالبساطةِ الكاملة الحقيقية، واتخاذُ الولد لِمَا فيه من الانفصال والمِثْلية مُخِلٌّ بتلك البساطة؛ فيُخِلُّ بالغنى فيخلُّ بالقهارية. وقد أشار سبحانه إلى أنَّ الغنى ينافي أن يكونَ له سبحانه ولدٌ بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَأْ سُبْحَنَةٌ، هُوَ الْغَنِىِّ﴾ [يونس: ٦٨]. وقيل: إنَّ اتخاذَ الولد يقتضي انفصالَ شيء عنه تعالى، وذلك يقتضي أن يكونَ متأثّراً مقهوراً لا مؤثِّراً قهَّاراً، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً. فحيثُ كان جلَّ وعلا قهَّاراً كما هو مُقْتضَى الألوهية؛ استحال أن يكونَ له عزَّ وجل ولدٌ. وقيل: إنَّ القهاريةَ منافيةٌ للزوال؛ لأنَّ القهَّارَ لو قَبِلَه كان مقهوراً، إذ المزيلُ قاهرٌ له، ولذا قيل: سبحانَ مَن قهر العبادَ بالموت. والولدُ من أعظم فوائده عندهم قيامُه مقامَ الأب بعد زواله؛ فإذا لم يكن الزوالُ لم يكن حاجةٌ إلى الولد، وهذا مع كونه إلزاميًّا لا يخلو عن بحثٍ كما لا يخفى. الآية : ٥ ٣٧١ سُؤَّةُ الرِّزْ والزمخشريُّ جعل قولَه تعالى: (سُبْحَنَةٌّ هُوَ اللَّهُ) إلخ متصلاً بقوله عز وجل: (وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآءَ) إلخ، على أنَّه مقرِّرٌ نفي أن يكونَ له تعالى وليٍّ، ونفيَ أن يكونَ له ولدٌ(١). ولعلَّ بيانَ ذلك لا يخفى فتدبّر. وقولُه سبحانه: ﴿عَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ إثباتٌ لِمَا ذكر أولاً من الوحدة والقهر، وفيه أيضاً ما سَتَعْلَمُه إن شاء الله تعالى. أي: خَلَق هذا العالمَ المشاهَدَ ملتبساً بالحقِّ والصواب؛ مشتملاً على الحِكم والمصالح. وقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِّ﴾ بيانٌ لكيفيةٍ تصرُّفِه فيما ذُكر بعدَ بيان الخلق، فإنَّ حدوثَ الليل والنهار مَنُوظٌ بتحريك أجرامٍ سماوية . والتكويرُ في الأصل هو: اللَّفُ والليُّ، من: كَارَ العمامةَ على رأسِهِ وكوَّرها، والمراد على ما روي عن قتادة: يُغْشِي أحدَهما الآخَرَ، وهو - على ما قيل - على معنى: يُذهب أحدَهما ويُغْشي مكانَه الآخَرَ، أي: يُلْبِسُه مكانَه فيصيرُ أسودَ مظلِماً بعد ما كان أبيضَ مُنيراً، وبالعكس. فالمَغشيُّ حقيقةً المكانُ. ويجوز أن يكونَ المَغشيُّ الليلَ والنهارَ على الاستعارة، ويكون المكانُ ظرفاً، والمقصودُ أنَّه لَمَّا كان أحدُهما غاشياً للآخر أَشْبَهَ اللباسَ الملفوف على لابسه في سَتْرِهِ إياه واشتمالِهِ عليه وتغطِّهِ به. وتحقيقُهُ أنَّ أحدَهما لَمَّا كان محيطاً على جميعِ ما أحاط به الآخَرُ من غيرٍ أن يكونَ ثَمَّ شيءٌ زائدٌ غير الظهور والخفاءِ، جعل إحاطته على مُحاط الآخَر إحاطةً عليه مجازَ ملابستِهِ، وعُبِّر عنها بالغَشَيَان والتكويرِ للشَّبَه المذكور. وجوِّز أن يكونَ المرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ من الليل والنهار يُغَيِّبُ الآخَرَ إذا طرأ عليه، فشُبِّه في تغييبه إياه بشيء ظاهرٍ لُفَّ عليه ما غيَّبه عن مطامحٍ الأبصار. ورُجِّح الأولُ بأنَّ فيه مع اعتبار الستر اعتبارَ اللَّيِّ وإحاطةِ الأطراف، ثُمَّ إِنَّ هذا لظهورهِ تشبيهٌ مبذولٌ. (١) الكشاف ٣/ ٣٨٧. سُؤَدَّةُالُِّْزْ ٣٧٢ الآية : ٥ وأنْ يكونَ المرادُ أنَّ هذا يكرُّ على هذا كروراً متتابعاً، فشُبِّه ذلك بتتابع أکوارِ العِمامةِ بعضِها على إثر بعضٍ، قيل: وهو الأرجحُ؛ لأَنَّه اعتُبِر فيه ما اغْتُبِر مع الأوَّل مع النظر إلى المطّرِد فيه لفظُ الكور، فإنَّه لفٌ بعد لفٍ وهو أيضاً كذلك، إلَّا أنَّ أكوار العمامة متظاهرةٌ، وفيما نحن فيه متعاوِرَةٌ، وهذا مما لا بأس به فإنَّ كلَّ لَيَّةٍ يُسَمَّى كوراً حقيقةً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّ المعنى: يَحمِل أحدَهما على الآخر (١). وفُسِّر هذا الحمل بالضمِّ والزيادة، أي: يزيد الليل على النهار ويضمُّه إليه بأنْ يجعلَ بعضَ أجزاء الليل نهاراً فيطول النهار ويقصُر الليل، ويزيدُ النهارَ على الليل ويضمُّه إليه بأن يجعلَ سبحانه بعضَ أجزاءٍ النهار ليلاً فيطول الليل ويقصُر النهار. وإلى هذا ذهب الراغب(٢)، وهو معنًى واضحٌ، والآية عليه كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ آَلِ﴾ [الحديد: ٦] في قول. وذكر بعضُ الفضلاء أنَّها على المعنى الأول فيها شيءٌ من قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ﴾ [الفرقان: ٦٢]. وَلَنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ وعلى المعنى الثاني فيها شيءٌ من قوله تعالى: ﴿وَيْلِ إِذَا يَفْتَى [الليل: ١- ٢]. وعلى الثالث شيءٌ من قولِه سبحانه: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلبُهُ، حَثِثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]. وأنها يُحْتَمل أن يكونَ فيها الاستعارةُ التبعيةُ، والمكنيةُ، والتخييليةُ، والتمثيليةُ؛ والتمثيلُ أولى بالاعتبار. وأيًّا ما كان فصيغةُ المضارع للدلالة على التجدُّد. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ﴾ جعلَهما منقادَين لأمره عزَّ وجل. ﴿كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ تُسَنَّىٌ﴾ بيانٌ لكيفيةِ تسخيرِهما، أي: كلٌّ منهما يجري المنتهىَ دورتِه؛ أو منقطع حركتِهِ، وقد مرَّ تمامُ الكلام عليه، وفيه دليلٌ على أنَّ (١) تفسير الطبري ١٥٩/٢٠-١٦٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٢٤٨/١٠. (٢) في المفردات (كور). الآية : ٥ ٣٧٣ سُورَةُ الزُّهَزِ الشمسَ متحرِّكةٌ، وزعم بعضُ الكَفَرة أنها ساكنةٌ، وأنها مركزُ العالم، وسمعتُ في هذه الأيام أنَّه ظهر في الإفرنج منذ سنتين تقريباً مَن يزعم أنها تتحرَّك على مركز آخَرَ كما تتحركُ الأرض عليها نفسِها بزعمهم وزعم بعضٍ المتقدِّمين. ولهم في الهيئة كلامٌ غيرُ هذا، وفيه الغُّ والسمين، إلَّا أنَّ نَفْيَهم السماوات الناطقةَ بها الشرائعُ بالكلية من العَجَب العجاب، وأنظارُهم السخيفة تُقْضِي بهم إلى ما هو أعجبُ من ذلك عند ذَوِي العقول السليمة، نسأل الله تعالى السلامةَ والتوفيق. ولي عزمٌ على تأليف كتابٍ أبَيِّنُ فيه إن شاء الله تعالى ما هو الأقربُ إلى مركز (١) الحقِّ من الهيئتينِ القديمةِ والجديدةِ، متحرِّكاً على مِحوَرِ الإنصاف، ساكناً عن سلوك مسالك الاعتساف، والله تعالى الموفِّق لذلك. لذنوب التائبين، ﴿أَلَا هُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ القادرُ على عقاب المصِرِّين ﴿اَلْغَفَّرُ أو الغالبُ الذي يقدِر أن يعاجِلَهم بالعقوبة، وهو سبحانه يحلُم عليهم ويؤخِّرهم إلى أجلٍ مسمَّى، فيكون قد سمَّى الحِلْمَ عنهم - وقد ترك تعجيلَ العقوبة - بالمغفرة التي هي تركُ العقاب على طريق الاستعارة للمناسبة بينهما في الترك. وجوِّز كونُ ذلك من باب المجاز المرسَل، والأوَّلُ أبلغ وأحسن. وهذان الوجهان في ((العزيز الغفار)) قد ذكرهما الزمخشريُّ (٢)، وظنَّ بعضُهم أنَّ الداعيَّ للأول رعايةُ مذهب الاعتزال، حيثُ خصَّ فيه المغفرةَ بذنوب التائبين، فتركه وقال: ((العزيزُ)): القادر على كلِّ ممكنٍ، الغالبُ على كلِّ شيء، («الغفَّارُ)): حيثُ لم يعاجِلْ بالعقوبة وسلْبٍ ما في هذه الصنائعِ من الرحمة وعموم المنفعة. وما علينا أن نفسِّر كما فسَّر ونقول بأنَّ مغفرتَه تعالى لا تخصُّ التائبين؛ بل قد يغفر جلَّ شأنه لغيرهم، إلّا أنَّ التقييدَ ليلائمَ ما تقدَّم أتمَّ ملاءَمةٍ، ففي ((الكشف)) أنَّ الوجهَ الأول من ذَينكَ الوجهينِ المذكورينِ يناسبُ قولَه تعالى: (خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ بِآلْحَقٍّ) من وجهين: (١) كلمة ((مركز": ليست في ((م)). (٢) في الكشاف ٣٨٧/٣-٣٨٨. سُؤَدَّةُ الُزْ ٣٧٤ الآية : ٦ أحدهما: ما فيه من الدلالة على كمال القُدرة وكمالِ الرحمة المقتضي لعِقاب المصِرِّ وغفرانِ ذنوب التائب. وثانيهما: أنَّ قوله تعالى: (خَلَقَ السَمَوَتِ) إلخ مسوقٌ لأمرين: إثباتِ الوحدة والقهر المذكورَيْنِ فيما قبلُ نفياً للولد بل حَسْماً للشرك من أصله، والتسلَّقِ إلى ما مهِّدَ أولاً من العبادة والإخلاص لئلا يزولَ عن الخاطرِ؛ فقيل: (ِالْحَقِّ)، كما قيل هنالك: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]. وأُدْمِجَ فيه أنَّ إنزالَ الكتاب كما يدلُّ على استحقاقه تعالى للعبادة، فكذلك خلقُ السماوات والأرضِ بالحقِّ والحكمةِ التي منها الجزاءُ على ما سلَفَ، فالتذييلُ بـ ((ألا هو العزيز الغفار)) للترغيب في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص، والتحذيرِ عن خلاف ذلك، سواءٌ خالفَ أصل الدين كالكفر، أو خالَفَ الإخلاصَ فيه كسائر المعاصي = في غاية الملاءمة. وإنما أفْرَد مخالفةَ الدين بالذكر صريحاً في قوله تعالى: (وَلَّذِينَ أَّخَذُوا) إلخ تحذيراً من حالهم؛ لأنَّها هاتكةٌ لعصمة النجاة، فكانت أحقَّ بالتحذير، ورَمَز إلى هذا الثاني بالتذييل المذكور تكميلاً للمعنى المراد، ومدارُ هذه السورة الكريمة على الأمر بالعبادة والإخلاص، والتحذير من الكفر والمعاصي. والوجه الثاني من ذينك الوجهين يناسبُ حديثَ الشرك، والتذييلُ به لتوکیدِ تفظيعٍ ما نسبوا إليه. ولمَّا ذكر تنزيلَ الكتاب وعقَّبَ بالأوصاف المقتضية للعبادة والإخلاص ذيَّلَه بقوله سبحانه: (أَلَا لِلَِّ الذِينُ الْخَالِصُِّ) على ما تحقَّق وجهُه، وقد نقلناه نحن عنه (١) فيما مرَّ. ثمّ لَمَّا ذَكر بعدَه عظيمَ ما نسبوا إليه سبحانه من الشرك والأولاد، وما دلَّ على تنزُّهِه تعالى بالألوهية ناسَبَ أن يُذَيِّلَه بقوله تعالى: (أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَُّ) للتوكيد المذكور. وقد آثر هذا العلامةُ الطيبيُّ. ويُعلم مما ذكرنا وجهُ رجحان الأول. اهـ. والوجه الثاني من وجهَي المناسبةِ على الوجهِ الأول أَوْلى الوجهين. والآية على ما ذكره البعضُ يجوز ارتباطُها بما عندَها مِن الخلق والتكوير والتسخير. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَبِحِدَةٍ﴾ إلخ دليلٌ آخر على الوحدة والقهر. (١) أي: عن صاحب الكشف. الآية : ٦ ٣٧٥ سُؤَةُ الرُِّز ١ وتركُ عطفِه على ((خلق السماوات)) للإيذان باستقلاله في الدلالة، ولتعلَّقِه بالعالم السفلي، والبداءةِ بخلق الإنسان؛ لأنَّه أقربُ وأعجبُ بالنسبة إلى غيره باعتبار ما فيه من العقل وقَبولِ الأمانة الإلهية وغير ذلك، حتى قيل: وفيك انْطَوى العالمُ الأكبرُ(١) وتزعم أنَّك حِرْمٌ صغير والمراد بالنفس آدمُ عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: حواء، فإنَّها خُلقت من قُصَيرى ضِلعه عليه السلام اليُسرى - وهي أسفلُ الأضلاع - على معنى أنَّها خُلِقَت من بعضها، أو خلِقت منها كلِّها وخَلَق الله تعالى لآدمَ مكانَها. عَطفٌ على محذوفٍ هو صفةٌ ثانية لـ ((نفس))، أي: من نفسٍ واحدة خَلقَها ثم جعل منها زوجَها. أو على ((واحدة))؛ لأنَّه في الأصل اسم مشتقٌّ، فيجوز عطفُ الفعل عليه كقوله تعالى: ﴿قَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَيْلَ سَكَنَا﴾ [الأنعام: ٩٦] ويُعْتبر ماضياً؛ لأنَّ اسمَ الفاعل قد يكون للمُضيِّ إذا لم يَعْمَل، أي: من نفسٍ وَحدت ثم جَعَل منها زوجَها، ورُجّح بسلامته من التقدير الذي هو خلافُ الأصل. أو على ((خَلَقكم)) لتفاوتِ ما بينهما في الدلالة، فإنَّهما وإن كانتا آيتين دالَّتين على ما مرَّ من الصفات الجليلة، لكنَّ خلقَ حواءَ من الضِّلع أعظمُ وأجلبُ للتعجّب، ولذا عبّر بالجعل دون الخلق، فـ ((ثم)) للتراخي الرُّتبي. ويجوز فيه كونُ الثاني أعلى مرتبةً من الأوَّلِ وعكسُه. وقيل: إنه تعالى أخرجَ ذَرِّيَّةَ آدم عليه السلام من ظهره كالذَّرِّ، ثم خلق منه حواء(٢)، فالمراد بخلقهم منه إخراجُهم من ظهره كالذرِّ، فالعطفُ على (خلقكم))، و(ثُمَّ)) على ظاهرها، وهذا لا يُقْبل إلَّا إذا صحَّ مرفوعاً أو في حكمه. (١) البيت نسب إلى علي كرم الله وجهه، وقد سلف ٣٥/١٨. (٢) رجح هذا القول الطبري ٢٠/ ١٦٢ بناءً على ما روي معناه عن النبيِّ ◌َّه وعن الصحابة من الروايات. فقد روى الترمذي (٣٠٧٦) وصححه عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله زيار: ((لما خلق الله آدم مسحَ ظهره، فسقط من ظهره كلُّ نسمة هو خالقها من ذرية آدم إلى يوم القيامة ... )) إلخ. وأخرج الطبري ١٠/ ٥٥٥ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: إن الله خلق آدم، ثم أخرج ذريته من صلبهِ مثل الذر، فقال لهم: من ربكم؟ قالوا: الله ربنا. ثم أعادهم في صلبه ... الخبر. سُوَّةُ الرَُّزْ ٣٧٦ الآية : ٦ وقد تضمَّنت الآية ثلاثَ آيات: خَلْق آدم عليه السلام بلا أبٍ وأمٌّ، وخَلْق حواء مِن قُصَيْرَاه، وخَلْق ذرِّيَّته التي لا يُحصِي عددَها إلا اللهُ عزَّ وجل. وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجْ﴾ استدلالٌ بنوعٍ آخَر من العالم السفليِّ، والإنزالُ مجازٌ عن القضاء والقسمة، فإنَّه تعالى إذا قضى وقَسَم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ، ونزلت به الملائكةُ الموّلة بإظهاره، ووصفُه بالنزول مع أنه معنّى شائٌ متعارَفٌ كالحقيقة، والعلاقةُ بين الإنزال والقضاء الظهورُ بعد الخفاء، ففي الكلام استعارةٌ تبعيَّةٌ، وجُوِّز أن يكون فيه مجازٌ مرسَلٌ. ويجوزُ أن يكون التجوُّز في نسبةِ الإنزال إلى الأنعام، والمنزَّلُ حقيقةً أسبابُ حياتها كالأمطار، ووجهُ ذلك الملابسةُ بينهما . وقيل: يرادُ بالأزواج أسبابُ تعيُّشِها. أو يُجعلُ الإنزالُ مجازاً عن إحداثٍ ذلك بأسباب سماويةٍ، وهو كما ترى. وقيل: الكلام على ظاهره، والله تعالى خَلَق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها(١)، ولا أرى لهذا الخبر صحةً. والأنعام: الإبل والبقر والضأن والمعز، وكانت ثمانيةَ أزواج لأنَّ كلَّ منها ذكرٌ وأنثى. وتقديمُ الظرفين على المفعولِ الصريحِ لِمَا مرَّ مِراراً من الاعتناء بما قُدِّم والتشويقِ إلى ما أُّر. وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ بيانٌ لكيفيةِ خَلْقِ مَن ذُكِرَ من الأناسيِّ والأنْعام، إظهاراً لِمَا فيه مِن عجائب القدرة، وفيه تغليبان: تغليبُ أُولي العقلِ على غيرهم، وتغليبُ الخِطابِ على الغَيبة، كذا قيل. والأظهرُ أنَّ الخطابَ خاصٌّ. وصيغةُ المضارع للدلالة على التدرُّج والتجدُّد. وقوله تعالى: ﴿خَلْقَّا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ إنْ تعلَّقَ ((من بعد)) بالفعل، وإلّا فغيرُ مؤكِّد، أي: يخلقكم فيها خلقاً مدرَّجاً، حيواناً سويّاً من بعدِ عظامٍ مكسُوَّةٍ (١) النكت والعيون ١١٥/٥. الآية : ٦ ٣٧٧ سُورَةُ الرّحِزْ لحماً، من بعد عظامٍ عاريةٍ، من بعد مُضَغٍ غير مخلَّقةٍ، من بعد عَلَقةٍ، من بعد نطفة. فقوله سبحانه: (خَلْقًا مِنُ بَعْدِ خَلْقٍ) لمجرَّد التكرير، كما يقال: مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، لا أنَّهِ مخصوصٌ بِخَلْقَيْن. وقرأ عيسى وطلحة: ((يَخْلُقّم)) بإدغام القاف في الكاف(١). ﴿فِي ◌ُلُمَتِ ثَلَثٍ﴾ ظلمة البطن والرَّحِم والمَشِيْمَة. وقيل: ظلمة الصُلب والبطن والرحِم. والجارُّ والمجرورُ متعلّقٌ بـ ((يخلقكم)). وجوَّز الشهابُ تعلُّقَه بـ ((خَلْقاً) بناءً على أنَّه غيرُ مؤكِّد، وكونَه بدلاً من قوله تعالى: (فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ)(٢) . ﴿َلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ إشارةٌ إليه تعالى باعتبارِ أفعاله المذكورة على وجهٍ يدلُّ على بُعدِ منزلته تعالى في العظمة والكبرياء. واسمُ الإشارة مبتدأً والاسمُ الجليل خبرُه، و(رَبُّكُمْ)) خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو الاسمُ الجليلُ نعتٌ أو بدلٌ، وهو الخبر، أي: ذلكم العظيمُ الشأنِ الذي عُدِّدت أفعاله اللهُ مربِّيكم فيما ذُكر من الأطوار وفيما بعدها، ومالكُكم المستحِقُّ لتخصيص العبادة به سبحانه، ﴿لَهُ الْمُلْكٌ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة، ليس لغيره تعالى شركةٌ مّا في ذلك بوجهٍ من الوجوه، والجملة خبرٌ آخَرُ. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إلَّا هُوِّ﴾ جملةٌ متفرِّعةٌ على ما قبلَها، ولم يصرَّح معها بالفاء التفريعيةِ اعتماداً على فهم السامع. وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنَّه خبرٌ آخَرُ (٣) . ، لترتیبٍ ما بعدَها على ما ذُكر من والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ شُؤُونه عزَّ وجل، أي: فكيف تُصْرَفون عن عبادته تعالى - مع وفورٍ مُوجِباتها ودواعيها وانتفاءِ الصارف عنها بالكلِّية - إلى عبادةٍ غيرِه سبحانه من غير داعٍ إليها مع كثرة الصوارف عنها . (١) المحرر الوجيز ٥٢٠/٤، والبحر المحيط ٤١٧/٧. (٢) حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي ٣٢٨/٧. (٣) تفسير أبي السعود ٧/ ٢٤٤. سُؤَّةُ الرُّز ٣٧٨ الآية : ٧ ﴿إِن تَكْفُرُوا﴾ به تعالى مع مشاهدةِ ما ذُكر من موجبات الإيمان والشكر ﴿فَإِنّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ﴾ أي: فأُخبِرُكم أنه عزَّ وجلَّ غنيٌّ عن إيمانكم وشُكْرِكم، غيرُ متأثّر من انتفائهما. ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَّ﴾ لِمَا فيه من الضَّرر عليهم. ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَضَّهُ﴾ أي: الشكرَ ﴿لَكُمْ﴾ لِمَا فيه من نفعكم، ومَن قال بالحُسْنِ والقُّبْح العقلِيَّيْنِ قال: عدمُ الرضا بالكفر لقُبحه العقليِّ، والرضا بالشكر لحُسْنه العقليّ. والرضا إما بمعنى المحبة، أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض، ويقابله السخط كما في ((شرح المسايرة))(١). فـ ((عِبَادِه)) على ظاهره من العموم. ومنهم من فسَّره بالإرادة من غير قيدٍ، ويقابله الكُرْهُ، وهؤلاء يقولون: قد يرضى بالكفر، أي: يريده لبعض الناس كالكَفَرة، ونقله السخاويُّ عن النوويِّ في كتابه ((الأصول والضوابط))(٢). وابن الهمام عن الأشعريٍّ وإمام الحرمين(٣)، كذا قاله الخفاجي في حواشيه على ((تفسير البيضاوي)»(٤). والذي رأيته في ((الضوابط)) - وهي نسخةٌ صغيرة جدّاً - ما نصّه: مسألةٌ: مذهبُ أهل الحق الإيمانُ بالقدر وإثباتُه، وأنَّ جميعَ الكائنات خيرها وشرّها بقضاء الله تعالى وقدره، وهو مريدٌ لها كلِّها، ويكرهُ المعاصِيَ مع أنه سبحانه مريدٌ لها لحكمةٍ يَعْلَمها جلَّ وعلا. وهل يقال: إنَّه تعالى يرضى المعاصي ويحبُّها؟ فيه مذهبان لأصحابنا المتكلِّمين، حكاهما إمامُ الحرمين وغيرُه، قال إمام الحرمين في ((الإرشاد)»: مما اختَلَف فيه أهلُ الحقِّ إطلاقُ المحبة والرضا، فقال بعضُ أصحابنا: لا يُطلَقُ القولُ بأنَّ الله تعالى يحبُّ المعاصيَ ويرضاها؛ لقوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ أَلْكُفُرّ)، ومن حقَّق من أَئِمَّتِنَا لم يلتفِتْ إلى تهويلٍ المعتزلة بل قال: الله تعالى يريدُ الكفرَ ويحبُّه ويرضاه، والإرادةُ والمحبَّةُ والرِّضا (١) المسامرة شرح المسايرة ص١٢٩ . (٢) نقله المصنف عن حاشية الشهاب ٣٢٩/٧. (٣) المسامرة شرح المسايرة ص١٢٨. (٤) ٣٢٩/٧. الآية : ٧ ٣٧٩ سُوَّةُ الرُِّزْ بمعنى واحدٍ، قال: والمراد بـ ((عباده)) في الآية: الموفَّقون للإيمان، وأُضيفوا إلى الله تعالى تشريفاً لهم كما في قوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي: خواصُّهم لا كلُّهم(١). اهـ. فلا تغفلْ عن الفرق بينه وبين ما ذكره الخفاجي(٢). وحُكي تخصيصُ العباد في ((البحر)) عن ابن عبّاس(٣). وقيل: يجوز مع ذلك حملُ العباد على العموم، ويكون المعنى: ولا يرضى لجميع عباده الكفر، بل يرضاه ويريده لبعضهم، نظيرَ قولِه تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] علی قول. ولعلَّامةِ الأعصار صاحبٍ ((الكشف)) تحقيقٌ نفيسٌ في هذا المقام لم أَرَهُ لغيره من العلماء الأعلام، وهو أنَّ الرضا يقابلُ السخطَ، وقد يُستعمل بـ ((عن)) و((الباء))، ويعدَّى بنفسه، فإذا قلتَ: رضيتُ عن فلانٍ، فإنَّما يدخل على العين لا المعنى، ولكن باعتبارٍ صدورٍ معنًى منه يُوجب الرِّضا، وفي مُقابِله: سَخِظْتُ عليه، وبينهما فرقان: أنك إذا قلتَ: رضِيْتُ عن فلان بإحسانه، لم يتعيَّن الباءُ للسببية، بل جاز أن يكونَ صلةً، ومثلُه في: رضيت بقضاء الله تعالى. وإذا قلتَ: سخِطْتُ عليه بإساءته، تعيَّن السببية، فكان الأصلُ هاهنا ذكرَ الصلة، لكنَّه كثُر الحذفُ في الاستعمال، بخلافِهِ ثَمَّة إذ لا حذفَ. وإذا قيل: رضيتُ به، فهذا يجبُ دخولُه على المعنى، إلّا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى؛ ليكونَ أبلغ، تقول: رضيتُ بقضاء الله تعالى ورضيتُ بالله عزَّ وجلَّ ربًّا وقاضياً، وقريبٌ منه: سمعتُ حديثَ فلان وسمعتُه یتحدَّث. وإذا عُدِّي بنفسه جاز دخولُه على الذات كقولك: رضيتُ زيداً، وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أنَّ كلَّه مرضيٍّ بتلك الخصلة، وفيه مبالغةٌ. وجاز دخولُه (١) الإرشاد ص ٢١١ - ٢١٢ و٢٢٠. (٢) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٣٢٩/٧. (٣) البحر المحيط ٤١٧/٧. سُوَّةُ الرُِّزْ ٣٨٠ الآية : ٧ على المعنى كقولك: رضيتُ إمارةَ فلانٍ. والأوَّلُ أكثرُ استعمالاً، وهو على نحوٍ قولهم: حمِدْتُ زيداً وحمِدْتُ علمَه. وأمَّا إذا اسْتُعْمِل باللَّام تعدَّى بنفسه؛ كقولك: رضيتُ لك هذا، فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى قريباً . وإذا تمَّد هذا؛ لَاحَ لك أنَّ الرضا في الأصل متعلَّقُه المعنى، وقد يكون الذاتَ باعتبارٍ تعلُّقِهِ بالمعنى، أو باعتبار التمهيد. فهذه ثلاثةُ أقسام حُقِّقَتْ بأمثلتها . وأنَّه في الحقيقة حالةٌ نفسانیةٌ تَعْقبُ حصولَ ملائم مع ابتهاجٍ به واكتفاءٍ، فهو غيرُ الإرادة بالضرورة؛ لأنَّها تَسْبِقِ الفعلَ وهذا يَعْقُبه. وهذا المعنى في غير المستعمَلِ باللَّام من الوضوح بمكانٍ لا يخفى على ذي عينين. وأمَّا فيه(١) فإنمَّا اشتبهَ الأمرُ، لأنَّك إذا قلت: رضيتُ لك التجارةَ، فالراضي بالتِّجارة هو مخاطَبُك، وإنمَّا أنتَ بيَّنتَ له أنَّ التجارةَ مما يحقُّ أنْ يُرْضَى به، وليس المعنى: رضیتُ بتجارتك، بل المعنى استحمادُك التجارةَ له، فالملاءمةُ هاهنا بينَ الواقع عليه الفعلُ والداخلِ عليه اللَّامُ. ثُمَّ إِنَّه قد يَرْضى بما ترضاه له، إذا عرف وجه الملاءمة، وقد لا يرضى، وفيه تجوُّزٌ: إمَّا لجَعْلِ الرِّضا مجازاً عن الاستحماد؛ لأنَّ كلَّ مرضيٍّ محمودٌ، أو لأَنَّكَ جعلتَ كونَه مرضيّاً له بمنزلة كونه مرضياً لك. فاعلم أنَّ الرضا في حقِّ الله تعالى شأنه محالٌ؛ لأنَّه سبحانه لا يَحْدُثُ له صفةٌ عَقِيْبَ أمرٍ ألبتةَ، فهو مجازٌ - كما أنَّ الغضب كذلك - إما من أسماء الصفات؛ إذا فسِّر بإرادةٍ أن يثيبَهم إثابةَ مَنْ رضي عمن تحتَ يدِه، وإمّا من أسماء الأفعال إذا أُرِيْد الاستحمادُ. وأنَّ مثلَ قوله تعالى: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] إمَّا من باب المشاكلة، وإمَّا من باب المجاز المذكور. وأنَّ مثلَ قوله سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] متعيّن أن يكونَ من ذلك البابِ بالنسبة إِلى مَنْ يصحُّ اتصافُه بالرضا حقيقةً أيضاً، فإذَنْ قوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرّ) كلامٌ واردٌ على نهجه من غير تأويلٍ، دالٌّ على أنَّه جلَّ شأنه لا يستحمِدُ الكفرَ لعباده كما يستحمد الإسلامَ لهم ويرتضيه . (١) أي: في المستعمل باللّام.