النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ٥٤ - ٥٥
٣٢١
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: ما ذُكِرَ من ألوان النِّعَم والكرامات ﴿لَرِزْقُنَا﴾ أعطيناكموه ﴿مَا لَهُـ
انقطاعٌ أبداً.
٥٤
مِن نَّفَادٍ
﴿هَذَا﴾ قال الزجاج: أي: الأمرُ هذا، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف(١)، وقال
أبو عليٍّ: أي: هذا للمؤمنين، على أنه مبتدأُ خبرهُ محذوفٌ، وقدَّره بعضهم
كما ذكر.
وجوَّزَ أبو البقاء احتمال كونه مبتدأً محذوفَ الخبر، واحتمال كونه خبراً
محذوفَ المبتدأ (٢)، وجوَّزَ بعضُهم كونه فاعلَ فعلٍ محذوفٍ، أي: مضى هذا.
وكونه مفعولاً لفعلٍ محذوف، أي: خُذْ هذا، وجُوِّزَ أيضاً كون ((ها)) اسم فعل
بمعنى: خُذْ، و((ذا)) مفعوله من غير تقدير، وَرَسْمُهُ متَّصلاً يُبعدهُ، والتقديرُ أسهلُ
منه .
عَظْفٌ على ما قبله، ولزومُ عَظْفٍ
٥٥
وقوله تعالى: ﴿وَإِّ لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ
الخبر على الإنشاء على بعض الاحتمالات جوابه سَهْلٌ، وأشار الخفاجيُّ إلى
الحالية هنا أيضاً(٣)، ولعلَّ أَمْرَها على بعض الأقوال المذكورة هَيِّنٌّ.
والطاغون هنا الكفار كما يدلُّ عليه كلامُ ابن عباس، حيث قال: أي: الذين
طغوا عليَّ وكذَّبوا رسلي. وقال الجبائيُّ: أصحابُ الكبائر كفاراً كانوا أو لم
یکونوا .
وإضافةُ (شَرِّ) إلى ((مآبٍ)) كإضافة ((حُسْنٍ)) إليه فيما تقدم، وظاهرُ المقابلة
يقتضي أن يقال: لَقُبْحَ مآبٍ هنا، أو: لخيرَ مآبٍ فيما مضى، لكنَّ مثله لا يُلتفتُ
إليه إذا تقابلتِ المعاني؛ لأنه من تكلّفِ الصَّنعةِ البديعية كما صرَّح به المرزوقيُّ في
(شرح الحماسة))(٤). كذا قيل، وقيل: إنه من الاحتباك، وأصله: إنَّ للمتقينَ لخير
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٣٨/٤ - ٣٣٩ بنحوه.
(٢) الإملاء ٤/ ٢٥٧ بنحوه.
(٣) حاشية الشهاب ٣١٦/٧.
(٤) ١١٦/١.

سُورَةُ صِرُ
٣٢٢
الآية : ٥٦ - ٥٧
مآبٍ وحُسْن مآب، وإنَّ للطاغين لَقُبح مآبٍ وشَرّ مآب. واستحسنه الخفاجيّ(١)،
وفيه نوعُ بُعْدٍ.
وقوله تعالى: ﴿جَهََّ﴾ يُعلَمُ إعرابه مما سلف؛ وقوله سبحانه: ﴿يَصْلَنها﴾ أي:
يدخلونها ويُقاسُونَ حَرَّها، حالٌ من (جهنم)) نفسها، أو من الضمير المستتر في خبر
(إنَّ) الراجع (الشرّ مآب))، المراد به هي (٢)، والحالُ مقدَّرةٌ.
• أي: هي، يعني جهنم، فالمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ،
٥٦
﴿يَأْسَ آلِهَادُ
و((المِهادُ)) كالفراش لَفْظَاً ومعنَى، وقد استُعير مما يفترشه النائم، والمَهْدُ كالمهاد،
وقد يُخَصُّ بمقَرِّ الطفل.
﴿هَذَا﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: العذابُ هذا، وقوله تعالى: ﴿فَيَّذُ وقُوهُ﴾
جملةٌ مرتَّبةٌ على الجملة قبلها، فهي بمنزلة جزاء شَرْطٍ محذوف، وقوله تعالى:
خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو حميمٌ وغسَّاقٌ، و((ذا)) قد يُشار به
٥٧
﴿حَميٌّ وَغَنَّاقٌ
لمتعدِّد، أو مبتدأٌ محذوفُ الخبر، أي: منه حميمٌ ومنه غسَّاقٌ، كما في قوله:
وغُودِرَ البقلُ مَلْوِيٌّ ومحصوهُ(٣)
حتى إذا ما أضاءَ الصُّبحُ في غَلَسٍ
أي: منه ملويٌّ ومنه محصودٌ.
أو ((هذا)) مبتدأٌ، خبرُهُ: ((حميم))، وجملةُ: ((فليذوقوه)» معترضةٌ، كقولك: زيدٌ
فافهم رجلٌ صالح.
أو (هذا)) مبتدأٌ، خبرُهُ: ((فليذوقوه)) على مذهب الأخفش في إجازته: زيدٌ
فاضربه، مستدلا بقوله:
وقائلةٍ خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمُ(٤)
(١) في حاشيته ٣١٦/٧، وما قبله منه.
(٢) أي: جهنم. ينظر حاشية الشهاب ٣١٧/٧.
(٣) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٣٦٦/٢، قال شارحه: يقال: قد ألوى النبتُ إلواءً: إذا
جفّ، ومحصود: قد حصد.
(٤) صدر بيت لم يعرف قائله، وسلف ١٨٩/٧، و١٦٩/١٨ و٧٨/١٩، وعجزه:
وأكرومةُ الحيين خلوٌّ كما هِبًا

الآية : ٥٧
٣٢٣
أو ((هذا)) في محلِّ نَصْبٍ بفعلٍ مُضْمَرٍ يُفسِّرُه ((فليذوقوه))، أي: ليذوقوا هذا
فليذوقوه - ولعلَّكَ تختارُ القولَ بأَنَّ ((هذا)) مبتدأٌ و((حميمٌ)) خبره، وما في البين
اعتراضٌ، وقد قدَّمه في ((الكشاف))(١) - والفاء تفسيريةٌ تعقيبيةٌ، وتُشعر بأنَّ لهم إذاقةً
بعد إذاقة، وفي ((حميم وغسَّاق)) على هذين الوجهين الاحتمالان المذكوران أولاً.
والحميم: الماء الشديد الحرارة.
والغسَّاقُ - بالتشديد كما قرأ به ابن أبي اسحاق وقتادة وابن وثَّاب وطلحةُ
وحمزةُ والكسائيُّ وحفصٌ والفضلُ وابن سعدان وهارون عن أبي عمرو (٢)،
وبالتخفيف كما قرأ به باقي السبعة -: اسمٌ لما يجري من صديدٍ أهل النار،
كما روي عن عطاء وقتادة وابن زيد. وعن السُّدِّيِّ: ما يسيلُ من دموعهم.
وأخرج ابن جرير عن كعبٍ أنه عينٌ في جهنم، تسيلُ إليها حُمَّةُ كلِّ ذي حُمَةٍ،
من حَيَّةٍ وعقربٍ وغيرهما، يُغمَسُ فيها الكافرُ فيتساقطُ جلدهُ ولحمهُ(٣) .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه الزمهرير (٤).
وقيل: هو مشدَّداً ومخفَّفاً وَصْفٌ من غَسقَ کضرب وسمع بمعنی سال، يقال:
غَسَقَتِ العينُ: إذا سالَ دمعُها، فيكون على ما في ((البحر)) صفةً حُذِفَ
موصوفها(٥). أي: ومذوقٌ غسَّاقٌ، ويُرادُ به: سائلٌ من جلود أهل النار، مثلاً،
والوصفيةُ في المشدَّد أظهر؛ لأنَّ فَعَّالاً بالتشديد قليلٌ في الأسماء، ومنه
الفيّاهُ(٦): ذَكَرُ الْبُوم، والخَطَّار: دهنٌ يُتَّخذُ من الزيت، والعَقَّار: ما يتداوى به من
النبات.
(١) ينظر ٣٧٩/٣.
(٢) التيسير ص ١٨٨، والنشر ٣٦١/٢، عن حمزة والكسائي وحفص، والكلام من البحر
المحيط ٤٠٦/٧ .
(٣) تفسير الطبري ١٢٩/٢٠ .
(٤) تفسير الطبري ٢٠/ ١٣١.
(٥) البحر المحيط ٤٠٦/٧ .
(٦) في (م): الغياد.

٣٢٤
الآية : ٥٨
ومن الغريب ما قاله الجواليقيُّ(١) والواسطيُّ أنَّ الغسَّاقَ هو الباردُ المنتزُ بلسان
التُّرك، والحقُّ أنه عربيٍّ، نعم النُّتونةُ وَصْفٌ له في الواقع، وليست مأخوذةً في
المفهوم، فقد أخرج أحمد والترمذيُّ وابنُ حبان وجماعةٌ، وصحَّحه الحاكم، عن
أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: ((لو أنَّ دلواً من غسَّاقٍ يُهرَاق في الدنيا، لأنتنَ
أهلُ الدنيا)»(٢).
وقيل: الغسَّاقُ: عذابٌ لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ. ويُبعده هذا الخبر.
﴿وَءَاخَرُ﴾ أي: ومذوقٌ آخرُ، وفسَّره ابنُ مسعودٍ كما رواه عنه جمعٌ بالزمهرير،
أو: وعذابٌ آخرُ.
وقرأ الحسنُ ومجاهدٌ والجحدريُّ وابنُ جبير وعيسى وأبو عمرو: ((وأُخَرُ)) على
الجمع(٣)، أي: ومذوقاتٌ، أو: أنواعُ عذابٍ أُخَر.
﴿مِن شَكْلِهٍِ﴾ أي: من مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدَّة والفظاعة،
وتوحيدُ الضمير - دون تثنيته نظراً للحميم والغسَّاق - على أنه لِمَا ذُكر، أو للشراب
الشامل للحميم والغسَّاق، أو للغسَّاق.
وقرأ مجاهدٌ ((شِكْلهِ)) بكَسْر الشين(٤)، وهي لغةٌ فيه، كَمِثْلٍ، وإذا كان بمعنى
النُنْجِ فهو بالگشر لا غیر.
﴿أَزْوَجُ ﴾﴾ أي: أجناسٌ.
و((آخر)) على القراءتين يحتملُ أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، أي: وهذا مذوقٌ
أو عذابٌ آخر، أو: هذه مذوقاتٌ أو أنواعُ عذابٍ أُخَر، والجملةُ معطوفةٌ على ((هذا
حميم))، وإن شئتَ فقَدِّرْ: هو أو هي، وَاعطفِ الجملةَ على ((هو حميم)).
(١) في المعرَّب ص ٢٨٣.
(٢) مسند أحمد (١١٢٣٠)، والترمذي (٢٥٨٤)، والحاكم ٥٠١/٢ و٦٠١/٤، ولم نقف عليه
عند ابن حبان، وقد أخرجه شيخه أبو يعلى (١٣٨١)، ولعلّه المراد.
(٣) التيسير ص١٨٨، والنشر ٢/ ٣٦١، عن أبي عمرو، والكلام من البحر ٧ /٤٠٦ .
(٤) الكشاف ٣٧٩/٣، والمحرر الوجيز ٥١١/٤، والبحر المحيط ٤٠٦/٧.

الآية : ٥٩
٣٢٥
سُورَوَ صِرْ
وأن يكون مبتداً خبره محذوف، أي: ومنه مذوقٌ أو عذابٌ آخرُ، أو: ومنه
مذوقاتٌ أو أنواعُ عذابٍ أُخَر، والعَظْفُ على ((منه حميم))، وجُوِّزَ أن يُقدَّرَ الخبرُ
لهم، أي: ولهم مذوقٌ أو عذابٌ آخرُ، أو: ولهم مذوقاتٌ أو أنواعُ عذابٍ أُخر،
والعَظْفُ على ((هذا فليذوقوه)).
و(من شكله)) و((أزواج)) في جميع ذلك صفتان لـ ((آخر)) أو (أُخر)). و((آخر)) وإن
كان مفرداً في اللفظ، فهو جَمْعٌ وصادقٌ على متعدِّدٍ في المعنى.
ويحتمل أن يكون (آخر)) أو (أُخر)) مبتدأ، و((من شكله)) صفته، و((أزواجٌ)) خبر،
والجواب عن عدم المطابقة على قراءة الإفراد ما سمعت. وأن يكون ذلك عَظْفاً
على ((حميم)) عَظْفَ المفرَدِ على المفرد، و((من شكله)) صفتهُ، و((أزواجٌ)) صفةٌ للثلاثة
المتعاطفة .
وجُوِّزَ أن يكون ((آخرُ)) مبتدأ، و ((من شكله)) خبره، و((أزواجٌ)) فاعلُ الظرف.
وأن يكون الأولُ مبتدأ و((من شكله)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((أزواجٌ)) مبتدأ، والجملةُ خبرُ
المبتدأ الأول، أعني: ((آخر))، وصَحَّ الابتداءُ به؛ لأنه من بابٍ: ضعيفٌ عاذَ
بِقُرْملة، فالمبتدأ في الحقيقة الموصوفُ المحذوف، أي: نوعٌ آخرُ، أو: مذوقٌ
آخرُ، وقيل: لأنه جيءَ به للتفصيل، ومما ذكروا من المسوِّغات أن تكونَ النكرةُ
للتفصيل نحو: الناسُ رجلان؛ رجلٌ أكرمته، ورجلٌ أَهَنْتَهُ، وبحث فيه ابن هشام في
((المغني))(١). وجعلوا ضميرَ ((شكله)) على الوجهين عائداً على (آخر))،
وهما لا يكادان يتسنَيان على القراءة بالجمع، فتدبَّر ولا تغفل.
﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ جمعٌ كثيرٌ من أتباعكم في الضلال ﴿مُقْنَحِمٌ﴾ راكبٌ الشِّدَّةَ داخلٌ
﴿مَعَكُمْ﴾ والمراد: هذا فوجٌ داخلٌ معكم النارَ
فيها، أو: متوسِّطٌ شِدَّةً مخيفة.
مُقاسٍ فيها ما تقاسونه، وهذا حكايةُ ما تقوله ملائكة العذاب لرؤساء الضلال عند
دخول النار تقريعاً لهم، فهو بتقدير: فيقال لهم عند الدخول: هذا .. إلخ.
وفي ((الكشاف)) واستظهره أبو حيان: أنه حكايةٌ كلام الطاغين بعضهم مع
(١) ص٦١٤.

٣٢٦
الآية : ٥٩
بعض، يُخاطبُ بعضُهم بعضاً في شأن أتباعهم يقول: هذا فوجٌ مقتحمٌ معكم (١).
والظرفُ متعلّقٌ بـ ((مقتحم))، وجُوِّزَ فيه أن يكونَ نعتاً ثانياً لـ ((فوج)) أو حالاً منه،
لأنه قد وُصِفَ، أو من الضمير المستتر فيه، ومنع أبو البقاء جوازَ كونه ظَرْفاً،
قائلاً: إنه يلزم عليه فساد المعنى(٢). وتبعه الكواشيُّ وصاحب ((الأنوار)).
وتعقّبه صاحب ((الكشف)) بأنه إن كان الفسادُ لإنبائه عن تزاحمهم في
الدخول - وليس المعنى على المزاحمة بين الفريقين الأتباع والمتبوعين؛ لأنهم بعد
الدخول يقولون ذلك لا عند المزاحمة - فغيرُ لازمٍ؛ لأنَّ الاقتحامَ لا يُنبئُ عن
التزاحم، ولا هو لازمٌ له، وإنما مِثْلُ: ضربتُ معه زيداً، ينبئُ عن المشاركة في
الضرب والمقارنة، فكذلك اقتحامُ المتبوعين النارَ مع الأتباع يُنبئُ عن المشاركة في
ركوب كلٍّ من الطائفتين فَحْمَةَ النار، ومقاساة شِدَّتها في زمانٍ متقاربٍ عُرْفاً، ولو
قيل: هذا فوجٌ معكم مقتحمونَ، لم يُقدْ أنَّ المخاطبين أيضاً كذلك، وفَسَدَ المعنى
المقصود، والعَجَبُ ممَّن جَوَّزَ أن يكون حالاً من ضمير ((مقتحم)) ولم يُجوِّزْ أن
یکون ظرفاً، وإن كان بغير ذلك فليفذ أولاً ثم ليعترض. انتهى.
وقال بعضهم: إنَّ وجهَ فساد الظرفية دون الحالية أنه ليس المراد أنهم اقتحموا
في الصُّحبة ودخلوا فيها، بل: اقتحموا في النار مصاحبين لكم ومقارنين إياكم.
وهو كلامٌ فاسدٌ لا مُحصِّلَ له؛ لأنَّ مدلولَ ((مع)) المعبّر عنه بالصُّحبة معناه الاجتماعُ
في التلبُّس بمدلول متعلّقها، فيفيدُ اشتراكَ الطائفتين في الاقتحام، لا في الصُّحبة
كما توهمه، ولا يدلُّ على اتحاد زمانيهما كما صرَّح به في («المغني))، ولو سُلِّم فهو
لتقاربه عُدَّ متَّحداً كما أُشير في عبارة ((الكشف)) إليه، فالحقُّ أنه لا فساد.
وقوله تعالى: ﴿لَا مَرْحَبً بِهِمْ﴾ دعاءٌ من المتبوعين على أتباعهم، سواءٌ كان قائلُ
ما تقدَّم الملائكةَ عليهم السلام، أو بعضَ الرؤساء لبعضٍ، أو صفةٌ لـ ((فوج)) أو
حالٌ منه لوَصْفه، أو من ضميره، وأيَّما كان يؤوَّلُ بـ: مقول لهم: ((لا مرحباً)) لأنه
(١) الكشاف ٣٧٩/٣، والبحر المحيط ٤٠٦/٧ .
(٢) الإملاء ٢٥٩/٤. قال السمين في الدر ٣٩١/٩: ولم أدرٍ من أيِّ أوجهٍ يفسد والحالية
والصفة في المعنى كالظرفية !.

الآية : ٦٠
٣٢٧
دعاءٌ، فهو إنشاءٌ لا يُوصَفُ به، وكذا لا يكونُ حالاً بدون تأويل، والمعنى على
استحقاقهم أن يقال لهم ذلك، لا أنهم قيل لهم ذلك بالفعل، وهو على الوصفية
والحالية من كلام الملائكة عليهم السلام إن كانوا هم القائلين، أو من كلام بعض
الرؤساء.
وجُوِّزَ كونه ابتداء كلام منهم.
و((مرحباً)) من الرُّحب بضمِّ الراء، وهو السَّعةُ، ومنه: الرُّحبةُ، للفضاء الواسع،
وهو مفعولٌ به لفعلٍ واجب الإضمار، و((بهم)) بيانٌ للمدعوِّ عليهم، وتكون الباء
للبيان کاللام في نحو: سقياً له، وکون اللام دون الباء کذلك دعوی من غیر دلیل،
أي: ما أَتوا بهم رُحْباً وَسَعة.
وقيل: الباء للتعدية، فمجرورها مفعولٌ ثانٍ لأتوا، وهو مبنيٌّ على زَعْم أنَّ
اللامَ لا تكونُ للبیان، وکفی بکلام الزمخشريِّ وأبي حيان دليلاً على خلافه،
ويقال: مرحباً بك، على معنى: رحبت بلادك رُحباً، كما يقال على معنى: أتيتَ
رُخْباً من البلاد لا ضيقاً.
ويُفْهَمُ من كلام بعضهم جوازُ أن يكون ((مرحباً)) مفعولاً مطلقاً لمحذوفٍ، أي:
لا رَحُبَتْ بهم الدارُ مرحباً، والجمهور على الأول. وأيَّاما كان فالمرادُ بذلك مُثبَتاً
الدعاءُ بالخير ومنفيّاً الدعاءُ بالسوء.
﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ
تعليلٌ من جهة الملائكة لاستحقاقهم الدعاء عليهم، أو
٥٩
وَصْفِهم بما ذكر، أو تعليلٌ من الرؤساء لذلك، والكلامُ عليه يتضمَّنُ الإشارةَ إلى
عدم انتفاعهم بهم، كأنه قيل: إنهم داخلون النارَ بأعمالهم مثلنا، فأيُّ نفعٍ لنا
منهم، فلا مرحباً بهم.
﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباعُ - وهم الفوجُ المقتحم - للرؤساء: ﴿بَلْ أَنْتُ لَا مَرْجَبًّا بِكُمْ﴾
أي: بل أنتم أحقُّ بما قيل لنا، ولعلَّهم إنما خاطبوهم بذلك على تقدير كون القائل
الملائكةَ الخزنة عليهم السلام، مع أنَّ الظاهرَ أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى أولئك
القائلين: بل هم لا مرحباً بهم، قَصْداً منهم إلى إظهار صِدْقهم بالمخاصمة مع

سُورَ وَ صِ﴾
٣٢٨
الآية : ٦١
الرؤساء، والتحاكم إلى الخزنة طَمَعاً في قضائهم بتخفيف عذابهم، أو تضعيف
عذاب خُصَمائهم.
وفي ((البحر)): خاطبوهم لتكونَ المواجهةُ لمن كانوا لا يقدرون على مواجهتهم
في الدنيا بقبيحِ أَشفى لصدورهم، حيث تسبَّبوا في كُفْرهم، وأنكى للرؤساء(١).
وهذا أيضاً بتأويل القول بناءً على أنَّ الإنشاءَ لا يكون خبراً، أي: بل أنتم مقولٌ
فيكم، أي: أَحقُّ أن يُقال فيكم: لا مرحباً بكم.
﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُوهُ لَنٌَّ﴾ تعليلٌ لأَحقٌّيتهم بذلك، وضميرُ الغَيبة في ((قدَّمتموه))
للعذاب؛ لِفَهمه مما قبله، أو للمصدر الذي تضمَّنه ((صالوا))، وهو الصَّلْيُ، أي:
أنتم قدَّمتمُ العذابَ أو الصَّلَيَ ودخولَ النار لنا بإغوائنا وإغرائنا على ما قدَّمنا من
العقائد الزائغة والأعمال السيئة، لا أنَّا باشرناها من تلقاء أنفسنا.
وفي الكلام مجازان عقليَّان؛ الأول: إسنادُ التقديم إلى الرؤساء؛ لأنهم السببُ
فيه بإغوائهم، والثاني: إيقاعه على العذاب أو الصَّلْي، مع أنه ليس المقدَّم، بل
المقدَّمُ عملُ السوء الذي هو سببٌ له.
وقيل: أطلق الضمير الذي هو عبارةٌ عن العذاب أو الصَّلي المسبَّب عن العمل
على العمل مجازاً لغويّاً. وقيل: لا حاجةً إلى ارتكاب المجاز فيه، فتقديمُ العذاب
أو الصَّلْي بتأخير الرحمة منهم.
، أي: فبئس المقرُّ جهنم، وهو من كلام الأتباع، وكأنهم
﴿فَلْسَ الْقَرَارُ
قصدوا بذلك التشفِّي والإنكاء، وأنَّ ذلك المقرَّ مشترَكٌ. وقيل: قصدوا بالذَّمِّ
المذكورِ تغليظَ جناية الرؤساء عليهم.
﴿قَالُواْ﴾ أي: الأتباعُ أيضاً، وقول ابن السائب: القائلُ جميعُ أهل النار،
خلافُ الظاهر جدّاً، فلا يُصار إليه. وتوسيطُ الفعل بين كلاميهم؛ لما بينهما من
التباين ذاتاً وخطاباً، أي: قالوا مُعرضين عن خصومة رؤسائهم متضرِّعين إلى الله عزَّ
وجلَّ: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدَهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِ النَّارِ ﴾﴾ أي: مضاعفاً، ومعناه:
(١) البحر المحيط ٤٠٦/٧ .

الآية : ٦٢ - ٦٣
٣٢٩
سُورَةُ ظْ
ذا ضِعْفٍ، أي: مِثْلٍ، وهو أن يزيدَ على عذابه مثله، فيصير بتلك الزيادة مثلينٍ
العذابٍ غيره، ويُطلَقُ الضِّعفُ على الزيادة المطلقة.
وقال ابن مسعود هنا: الضِّعفُ: حيَّاتٌ وعقارب.
والظاهر من بعض عباراتهم أنَّ ((مَنْ)) موصولةٌ، ونصَّ الخفاجيُّ على أنها
شرطية(١).
وفي ((البحر)): (مَنْ قَدَّمَ)) هم الرؤساء، وقال الضحاك: هو إبليس وقابيل(٢).
وهو أنسبُ، بخلاف الظاهر المحكيِّ عن ابن السائب.
﴿وَقَالُوا﴾ الضميرُ للطاغين عند جَمْع، أي: قال الطاغون بعضُهم لبعضٍ على
سبيل التعجّب والتحسُّر: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّ﴾ في الدنيا ﴿نَعُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ
أي: الأراذل الذين لا خيرَ فيهم ولا جدوى، يعنون بذلك فقراءَ المؤمنين، وكانوا
يسترذلونهم ويسخرون منهم لفقرهم ومخالفتهم إياهم في الدين.
وقيل: الضمير لصناديد قريشٍ كأبي جَهْلٍ وأميَّةً بن خَلَف وأصحاب القَليب،
والرجالُ: عمارٌ وصهيب وسلمان وخَبَّاب وبلال وأضرابهم وظُه، بناءً على ما روي
عن مجاهدٍ من أنَّ الآيةَ نزلتْ فيهم.
واستضعفه صاحب ((الكشف)» وسببُ النزول لا يكون دليلاً على الخصوص.
واستظهر بعضُهم أنَّ الضميرَ للأتباع؛ لأنه فيما قبل - يعني قوله تعالى: (قَالُواْ بَلّ
أَنتُمْ) إلخ - لهم أيضاً، وكانوا أيضاً يسخرونَ من فقراء المؤمنين تَبَعاً لرؤسائهم.
وأيَّاما كان فجملةُ: ((كنَّ)) إلخ صفةُ ((رجالاً)).
وقوله تعالى: ﴿أَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّ﴾ بهمزة استفهامٍ سقطتْ لأجلها همزةُ الوصل،
كما قرأ بذلك الحجازيان وابن عامر وعاصم وأبو جعفر والأعرج والحسن وقتادة (٣)،
(١) حاشية الشهاب ٣١٨/٧.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٤٠٧ .
(٣) التيسير ص١٨٨، والنشر ٢/ ٣٦٢، والبحر المحيط ٤٠٧/٧.

٣٣٠
الآية : ٦٣
استئنافٌ لا محلَّ له من الإعراب، قالوه حيث لم يروهم معهم إنكاراً على أنفسهم،
وتأنيباً لها في الاستسخار منهم.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ﴾﴾ مثَّصلٌ بقوله تعالى: ((ما لنا
لا نرى)) إلخ، و((أم)) فيه متصلةٌ، وتقدُّمُ ما فيه معنى الهمزة يغني عن تقدُّمها، على
ما يقتضيه كلام الزمخشريِّ(١)، والمعنى: ما لنا لا نراهم في النار، أليسوا فيها
فلذلك لا نراهم، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها. أو بقوله تعالى:
(أَّخَذْتَهُمْ) إلخ. و((أم)) فيه إمَّا متصلةٌ أيضاً، والمقابلة باعتبار اللازم، والمعنى: أيّ
الأمرين فعلنا بهم: الاستسخار منهم، أم الازدراء بهم وتحقيرهم وأنَّ أبصارنا تعلو
عنهم وتقتحمهم، على معنى إنكار الأمرين جميعاً على أنفسهم، وعن الحسن: كلَّ
ذلك قد فعلوا؛ اتخذوهم سخريّاً وزاغتْ عنهم أبصارهم محقِّرةً لهم، وإما منقطعةٌ
كأنهم أضربوا عن إنكار الاستسخار، وأنكروا على أنفسهم أشدَّ منه، وهو أنهم
جعلوهم محقّرين لا يُنظَرُ إليهم بوجهٍ.
وفي ((زاغت)) دون: أزغنا، مبالغةٌ عظيمةٌ، كأنَّ العينَ بنفسها تمجُهم لقُبْحٍ
منظرهم، وأين هذا من السّخر، فقد يكون المسخورُ منه محبوباً مكرماً.
وجُوِّزَ أن يكون معنى ((أم زاغت)) على الانقطاع: بل زاغتْ أبصارنا وكَلَّتْ
أفهامنا حتى خفي عنَّا مكانهم، وأنهم على الحق المبين.
وقرأ النحويان وحمزة: ((اتَّخذناهم)) بغير همزةٍ (٢)، فَجُوِّزَ أن تكونَ مقدَّرةً لدلالة
(أم) عليها، فتتَّحد القراءتان، وأن لا تكون كذلك، ويكونُ الكلامُ إخباراً، فقال
ابن الأنباري: الجملةُ حالٌ، أي: وقد اتخذناهم سخريّاً(٣)، وجُوِّزَ كونها مستأنفةً
لبيان ما قبلها. وقال الزمخشريُّ وجماعةٌ: صفةٌ ثانيةٌ لـ ((رجالاً)(٤). و((أم زاغت))
مثَّصلٌ بقوله تعالى: (مَا لَنَا لَا نَرَ) إلخ كما سمعتَ أولاً .
(١) في الكشاف ٣/ ٣٨٠ بنحوه.
(٢) التيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦٢/٢.
(٣) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٦٤.
(٤) الكشاف ٣/ ٣٨٠.

الآية : ٦٤
٣٣١
وجُوِّزَ أن تكونَ ((أم)) فيه منقطعة، كأنهم أضربوا عمَّا قبلُ، وأنكروا على
أنفسهم ما هو أشدُّ منه، أو أضربوا عن ذلك إلى بيان أنَّ ما وقع منهم في حَقِّهم
كان لزيغ أبصارهم وكلالِ أفهامهم عن إدراك أنهم على الحقِّ بسبب رَثاثة حالهم.
وقرأ عبد الله وأصحابه ومجاهد والضحاك وأبو جعفر وشيبة والأعرج ونافع
وحمزة والكسائي: ((سُخْريّاً)) بضمِّ السين(١)، ومعناه على ما في ((البحر))(٢) من
السُّخرة والاستخدام، ومعنى ((سِخْريّا)) بالكَسْر على المشهور من السِّخْر وهو الهُزْء،
وهو معنى ما حكي عن أبي عمرو، قال: ما كان من مثل العبودية فسُخْرَى بالضَّمِّ،
وما كان من مِثْل الهزء فسِخْرَى بالكَسْر، وقيل: هو بالكَسْر من التسخير.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الذي حُكي عنهم ﴿لَقٌ﴾ لا بدَّ أن يتكلَّموا به، فالمرادُ من
حَقِيَّتَه تحقُّقه في المستقبل.
وقوله تعالى: ﴿َامُ أَهْلِ النَّارِ
خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تخاصم،
٦٤
والجملةُ بيانٌ لذلك، وفي الإبهام أولاً والتبيين ثانياً مزيدُ تقرير له، وقال ابن عطية:
بدلٌ من ((حق))(٣)، والمبدَلُ منه ليس في حكم السقوط حقيقة، وقيل: بدلٌ من محلٌّ
اسم «إنّ).
والمراد بالتخاصم التقاول، وجُوِّزَ إرادةُ ظاهره، فإنَّ قولَ الرؤساء: ((لا مرحباً
بهم)) وقولَ الأتباع: ((بل أنتم لا مرحباً بكم)) من باب الخصومة، فسمَّى التفاوضَ
كلَّه تخاصماً لاشتماله عليه، قيل: وهذا ظاهرٌ أنَّ التقاولَ بين المتبوعين والأتباع،
أما لو جُعِلَ الكلُّ من كلام الخزنة فلا، ولو جعل ((لا مرحباً)) من كلام الرؤساء،
و((هذا فوجٌ)) من كلام الخزنة، فيصحُّ أن يجعل تخاصماً مجازاً.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((تخاصُمَ)) بالنَّصب(٤)، فهو بدلٌ من ((ذلك)). وقال
(١) التيسير ص ١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢، عن نافع وحمزة والكسائي وأبي جعفر، والكلام من
البحر ٧ / ٤٠٧ .
(٢) ٤٠٧/٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ٥١٢.
(٤) الكشاف ٣٨٠/٣، والمحرر الوجيز ٥١٢/٤، والبحر المحيط ٤٠٧/٧.

سُورَةٌ صِرْ
٣٣٢
الآية : ٦٥
الزمخشريُّ: صفةٌ له(١)، وتُعقِّبَ بأنَّ وَصْفَ اسم الإشارة وإن جاز أن يكونَ بغير
المشتقٌّ، إلا أنه يلزمُ أن يكونَ مُعرَّفاً بـ ((أل)) كما ذكره في ((المفضَّل))(٢) من غير نقلِ
خلافٍ فيه، فبينه وبينَ ما يستدعيه القولُ بالوصفية تناقضٌ، مع ما في ذلك من
الفصل الممتنع أو القبيح.
وأجاب صاحب ((الكشف)) بأنَّ القياسَ يقتضي التجويزَ؛ لأنَّ اسمَ الإشارة
يحتاجُ إلى رافعٍ لإبهامه دالٌّ على ذاتٍ معيَّنةٍ، سواءٌ كان فيه اختصاصٌ بحقيقةٍ
أخرى أو بحقائقَ، أو لا، وهذا القدرُ لا يُخرجُ الاسمَ عن الدلالة على حقيقة
الذات المعيَّنة التي يصحُّ بها أن يكونَ وَصْفاً لاسم الإشارة، وأما الاستعمال
فمعارَضٌ بأصل الاستعمال في الصفة، فكما أنَّ الجمهورَ حملوا على الصِّفة في
نحو: هذا الرجلُ، مع احتمال البدل والبيان، كذلك الزمخشريُّ حملَ على الوَصْفِ
مع احتمال البدل؛ لأنه التفتَ لفت المعنى، ولا يناقضُ ما في ((المفصَّل))؛ لأنه
ذَكَرَ ذلك في باب النداء خاصةً، على تقدير عدم استقلال اسم الإشارة، ولأنَّ حالَ
الاستقلال أقلُّ لم يتعرَّضْ له، وقد بيّن في موضعه أنه في النداء خاصةً يمتنعُ وَصْفُ
اسم الإشارة إذا لم يستقلَّ بالمضاف إلى المعرَّف باللام(٣)، على أنه كثيراً ما يخالفُ
في أحد الكتابين ((الكشاف)) و((المفصّل)) الآخَر، والإشكالُ بأنه يلزمُ الفَصْل غير
قادحٍ، فإنه يجوزُ، لا سيَّما على تقدير استقلال اسم الإشارة. اهـ. ولا يخلو عن
شيء.
وقرأ ابنُ السَّمَيْفع: ((تخاصَمَ)) فعلاً ماضياً، ((أهلُ)) بالرفع على أنه فاعلٌ له(٤).
﴿قُلّ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ﴿إِنَّا أَنَأْ مُنذِرٌ﴾ أنذرتكم عذابَ الله تعالى
للمشركين، والكلامُ رَدِّ لقولهم: ((هذا ساحرٌ كذَّابٌ))، فإنَّ الإنذارَ ينافي السحرَ
والكذبَ.
(١) في الكشاف ٣/ ٣٨٠.
(٢) شرح المفصل لابن يعيش ٢/ ٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والبحر المحيط ٧/ ٤٠٧.

الآية : ٦٦
٣٣٣
وقد يقال: المراد: إنما أنا رسولٌ منذرٌ، لا ساحرٌ كذاب، وفيه من الحُسْنِ
ما فيه، فإنَّ كلَّ واحدٍ من وَصْفَي الرسالة والإنذار ينافي كلَّ واحدٍ من وَصْفَي
السحر والكذب، لكنَّ منافاةَ الرسالة للسحر أظهرُ، وبينهما طِباقٌ، فكذلك الإنذار
للكذب، وضُمَّ إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللّهُ﴾ لإفادة أنَّ لَه ◌َِّ صفةَ
الدعوة إلى توحيده عزَّ وجلَّ أيضاً، فالأمران مستقلّان بالإفادة.
و(من)) زائدةٌ للتأكيد، أي: ما إلهٌ أصلاً إلا الله ﴿ الْوَِدُ﴾ أي: الذي لا يحتملُ
الكَثْرةَ في ذاته بحسب الجزئيات، بأن يكونَ له سبحانه ماهيةٌ كليةٌ، ولا بحسب
لكلِّ شيءٍ.
٦٥
الأجزاء ﴿اَلْقَهَّارُ (
﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَنْهُمَا﴾ من الموجودات، منه سبحانه خَلْقُها، وإليه
تدبير جميع أمورها ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ في أمرٍ من أموره جلَّ شأنه،
﴾ المبالغ في المغفرة، يغفرُ ما يشاء لمن
فتندرجُ في ذلك المعاقبةُ ﴿الْغَفَُّ
يشاء.
[وفي هذه الأوصاف](١) تقريرٌ للتوحيد، أما الوصفُ الأولُ فظاهرٌ في ذلك غيرُ
محتاجٍ للبيان، وأما القهار لكلِّ شيءٍ، فلأنه لو كان إلهٌ غيرهُ سبحانه لم يكنْ فَهَّاراً
له، ضرورةً أنه لا يكونُ حينئذٍ إلهاً، بل ربما يلزمُ أن يكونَ مقهوراً، وذلك منافٍ
للألوهية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأما ((رب السماوات)) إلخ فلأَنَّه لو أمكن
غيره معه تعالى شأنه جاء دليلُ التمانع المشار إليه بقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَإِمَةُ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فلم تتكوَّنِ السماواتُ والأرضُ وما بينهما، وقيل: لأنَّ
معنى ((رب السموات)) إلخ، ربّ كلّ موجودٍ، فيدخلُ فيه كلُّ ما سواه، فلا يكون
إلهاً. وأما ((العزيزُ)) فلأنه يقتضي أن يغلبَ غيرَهُ ولا يُغْلَبَ، ومع الشِّرْكة لا يتمُّ
ذلك.
وأما ((الغفار)) فلأنه يقتضي أن يغفرَ ما يشاءُ لمن يشاء، فربما شاءَ مغفرةً لأحدٍ
وشاءَ الآخر منه العقاب، فإن حصلَ مرادُهُ، فالآخَرُ ليس بإله، وإن حَصَلَ مرادٌ
(١) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي ٣١٩/٧، وتفسير أبي السعود ٢٣٤/٧.

٣٣٤
الآية : ٦٧ - ٦٨
الآخر ولم يحصلْ مراده، لم يكن هو إلهاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وما قيل
في برهان التمانع سؤالاً وجواباً يقال هنا.
وفي هذه الأوصاف من الدلالة على الوعد والوعيد ما لا يخفى، وللاقتصار
على وَصْفِ الإنذار صريحاً فيما تقدَّم قُدِّم وَصْفُ ((القهَّار)) على وَصْفِ ((الغفار))
هنا. وجُوِّزَ أن يكون المقصودُ هو تحقيق الإنذار، وجيءَ بالثاني تتميماً له وإيضاحاً
لما فيه من الإجمال، أي: قلْ لهم: ما أنا إلا منذرٌ لكم بما أعلم، وإنما أنذرتكم
عقوبةَ مَنْ هذه صِفتُهُ، فإنَّ مِثْلَهُ حقيقٌ بأن يُخافَ عقابه، كما هو حقيقٌ بأن يُرجى
ثوابه. والوجه الأول أوفقُ لمقتضى المقام؛ لأنَّ التعقيبَ بتلك الصفات في الدلالة
على أنَّ الدعوةَ إلى التوحيد مقصودةٌ بالذات بمكانٍ لا يُنكر، ولأنَّ هذا بالنسبة إلى
ما مرَّ من صَدْرِ السورة إلى هنا بمنزلةٍ أن يقول المستدلُّ بعد تمام تقريزه:
فالحاصلُ، فالأولى أن يكونَ على وزان المبسوط، وفيه قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ
إِلَهَا وَبِدًّا﴾ [ص: ٥] فافهم.
﴿قُلْ﴾ تكريرُ الأمر للإيذان بأنَّ المقولَ أمرٌ جليلٌ، له شأنٌ خطيرٌ لا بدَّ من
الاعتناء به أمراً وانتماراً. ﴿هُوَ﴾ أي: ما أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً، وأنَّ الله
· خبرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ جدّاً، لا ريبَ فيه
٦٧
تعالى واحداً لا شريك له. ﴿نَّأْ عَظِيمٌ
أصلاً ﴿أَنُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (®﴾ متمادون في الإعراض عنه لتمادي غفلتكم، وهذه
الجملةُ صفةٌ ثانيةٌ لـ ((نبأ)»، والكلامُ بجملته تحسيرٌ لهم وتنبيهٌ على مكان الخطأ،
وإظهارٌ لغاية الرأفة والعَطْفِ الذي يقتضيه مقامُ الدعوة.
واستظهر بعضُ الأجلَّة أنّ «هو» للقرآن، کما روي عن ابن عباس ومجاهد
وقتادة، واستشهد بآخر السورة وقال: إنه يدخلُ [فيه] ما ذُكِرَ دخولاً أوليًّا، واختارَ
كونَ هذه الجملة (١) استئنافاً ناعياً عليهم سوءَ حالهم بالنسبة إليه، وأنهم لا يقدرون
قَدْرَهُ الجليلَ مع غاية عظمته الموجبة للإقبال عليه وتلقِّيه بحُسْنِ القَبول.
(١) يعني الجملة: (أنتم عنه معرضون)) كما في تفسير أبي السعود ٧/ ٢٣٤، والكلام وما بين
حاصرتين منه .

الآية : ٦٩
٣٣٥
وكأنَّ الكلامَ عليه ناظرٌ إلى ما في أول السورة من قوله تعالى: ﴿وَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ
﴿﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِ عِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١-٢] جيءَ به ليستدلَّ على أنه واردٌ من جهته
إلخ،
٦٩
تعالى بما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْعَلَا الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ
حيث تضمَّنَ ذِكْرَ نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقةٍ معرفةٍ به، ولا مباشرةٍ
سببٍ من أسبابها المعتادة، كالنظر في الكتب الإلهية والسماع من الكتابين، وهو
حُجَّةٌ بَيِّنةٌ دالةٌ على أنه بطريق الوحي من عند الله تعالى، وأنَّ سائرَ أنبائه أيضاً
كذلك؛ وهو على ما قلنا تذكيرٌ لإثبات النبوَّة بذِكْرٍ مختصرٍ منه، تمهيداً لإرشاد
الطريق وتذكيراً للباقي، وتسلُّقاً منه إلى استماع ما ذِكْرُهُ لُظْفٌ للمدعوِّينَ وتنويه
للداعي، وعدم التعرض لنحو ذلك في أمر التوحيد لظهور أدلَّته مع كونه ذكر شيء
منها غضّاً طريًّا، وهو ما أشارت إليه الصفاتُ المذكورةُ آنفاً، فلا يقال: إنَّ التعرُّضَ
لإثبات النبوَّة دونَ التوحيد دليلٌ على أنَّ المقصودَ بالإفادة هو النبؤَّةُ، وأنَّ الثاني
چيءَ به تتميماً لذلك.
وأنت تعلم أنَّ النبوّةَ وكونَ القرآن وحياً من عند الله تعالى متلازمان، متى ثبتَ
أحدهما ثبتَ الآخر، لكن يُرجِّحُ جَعْلَ الآية في النبوّة وإثباتها القُرْبُ وتصديرُ هذه
الآية بنحو ما صُدِّرَتْ به الآيةُ المتضِّمنةُ دعوى النبوّة قبلها من قوله تعالى: ((قل))،
فإن سَلِمَ لك هذا المرجِّحُ فذاك، وإلا فلا تَعْدِلْ عمَّا روي عن ابن عباس ومن معه.
وعن الحسن أنَّ ذلك يوم القيامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَّسَاءَلُونَ ( عَنِ النَّبَل
الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١- ٢] وقيل: ما تقدَّم من أنباء الأنبياء عليهم السلام، وقيل: تخاصُمُ
أهل النار، وعُدِّيَ العِلْمُ بالباء نظراً إلى معنى الإحاطة.
والملأ: الجماعةُ الأشراف؛ لأنهم يملؤون العيونَ رواءً، والنفوسَ جلالةً
وبهاءً، وهو اسمُ جمعٍ ولذا وُصِفَ بالمفرد، أعني: الأعلى، والمراد به عند ملأ:
الملائكةُ وآدمُ عليهم السلام وإبليسُ عليه اللعنة، وكانوا في السماء، فالعلوُّ حِسِّيٍّ،
وكان التقاولُ بينهم على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى، و((إذا متعلِّقةٌ بمحذوفٍ
يقتضيه المقام؛ إذ المرادُ نفيُ علمه عليه السلام بحالهم لا بذواتهم، والتقديرُ:
ما كان لي فيما سَبَقَ عِلْمٌ ما بوجهٍ من الوجوه بحالِ الملأ الأعلى وقتَ اختصامهم،

سُورَةِ صِ﴾
٣٣٦
الآية : ٧٠
وهو أَولى من تقدير الكلام كما ذهب إليه الجمهور، أي: ما كان لي عِلْمٌ بكلامٍ
الملأ الأعلى وقتَ اختصامهم؛ لأنَّ عِلْمِهِ نََّ غيرُ مقصورٍ على ما جرى بينهم من
الأقوال فقط، بل عامٌّ لها وللأفعال أيضاً من سجودِ الملائكة عليهم السلام وإباء
إبليسَ واستكباره حسبما ينطق به الوحي، فالأَولى اعتبارُ العموم في نفيه أيضاً.
وقيل: (إذ)) بدلُ اشتمالٍ من ((الملأ))، أو ظرفٌ لـ ((عِلْم)). وفيه بحثٌ.
والاختصام فيما يُشير إليه سبحانه بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [الآية: ٧١]،
والتعبير بـ ((يختصمون)) المضارع لأنه أمرٌ غريبٌ، فأُتي به لاستحضاره حكاية
للحال، وضميرُ الجميع للملأ، وحكى أبو حيان كونه لقريشٍ واستبعده (١)، وكأنَّ
في ((يختصمون)) حينئذٍ التفاتاً من الخطاب في ((أنتم عنه معرضون)) إلى الغَيبة،
والاختصام في شأن رسالته ولم أو في شأن القرآن أو شأن المعاد، وفيه عدولٌ عن
المأثور وارتكابٌ لما لا يكاد يُفْهَمُ من الآية من غيرِ داعٍ إلى ذلك، ومع هذا لا يقبله
الذوقُ السليم.
، اعتراضٌ وُسِّط بين إجمال
وقوله تعالى: ﴿إِن يُوجَّ إِلَىَّ إِلَّ أَنَّمَّ أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِيُّ ◌َّ
اختصامهم وتفصيله تقريراً لثبوت عِلْمه عليه الصلاة والسلام وتعييناً لسببه، إلا أنَّ
بيانَ انتفائه فيما سبق لمَّا كان منبئاً عن ثبوته الآن، ومن البَيِّن عدمُ ملابسته وَّلـ
بشيءٍ من مباديه المعهودة، تعيَّنَ أنه ليس إلا بطريق الوحي حَتْماً، فجعلَ ذلك أمراً
مُسلَّمَ الثبوت، غنيّاً عن الإخبار به قَصْداً، وجَعَلَ مَصَبَّ الفائدة إخبارَه بما هو داعٍ
إلى الوحي ومصحِّحٌ له، فالقائمُ مقامَ الفاعل لـ ((يوحى)) إما ضميرٌ عائدٌ إلى الحالُ
المقدَّر كما أُشير إليه سابقاً أو ما يعمُّهُ وغيره، فالمعنى: ما يُوحى إليَّ حالُ الملأ
الأعلى، أو: ما يوحى إليَّ الذي يُوحى من الأمور الغيبية التي من جملتها حالهم
لأمرٍ من الأمور، إلا لأني نذيرٌ مبينٌ من جهته تعالى، فإنَّ كونه عليه الصلاة
والسلام كذلك من دواعي الوحي إليه ومصحّحاته.
وجُوِّزَ كونُ الضمير القائم مقامَ الفاعل عائداً إلى المصدر المفهوم من ((يُوحى))،
(١) البحر المحيط ٤٠٩/٧ .

الآية : ٧١
٣٣٧
سُورَةُ ضِ
أي: ما يُفعل الإيحاء إليَّ بحالِ الملأ الأعلى - أو بشيءٍ من الأمور الغيبية التي من
جملتها حالهم - لأمرٍ من الأمور إلا لأني .. إلخ.
وجُوِّز أيضاً كون الجارِّ والمجرور نائب الفاعل، و((أنَّما)) على تقدير اللام، قال
في ((الكشف)): ومعنى الحَصْر أنه وَّ لم يُوحَ إليه لأمرٍ إلا لأنه نذيرٌ مبينٌ، وأيُّ
مبينٍ، كقولك: لم تستقضٍ يا فلانُ إلا لأنك عالمٌ عاملٌ مرشد.
وجوَّزَ الزمخشريُّ أن يكون بعد حَذْفِ اللام مقاماً مقام الفاعل(١)، ومعنى
الحَضْر أني لم أُومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس إليَّ غير ذلك؛ لأنه الأمرُ الذي
يشتملُ على كلِّ الأوامر؛ إما تضمُّناً وإما التزاماً، أو: لم أُومر إلا بإنذاركم،
لا بهدايتكم وصَدِّكم عن العناد، فإنَّ ذلك لیس إليَّ.
وما ذُكر أولاً أوفقُ بحال الاعتراض كما لا يخفى على من ليس أجنبيّاً عن
إدراك اللطائف .
وقرأ أبو جعفر: ((إنَّما)) بالكَسْر، على الحكاية(٢)، أي: ما يُوحى إليَّ إلا هذه
الجملة، وإيحاؤها إليه أَمرُهُ عليه الصلاة والسلام أن يقولها، وحاصلُ معنى الحَصْر
قريبٌ مما ذُكر آنفاً، وجُوِّزَ أن يُراد: لم أُومرْ إلا بأنْ أقول لكم هذا القول، دون أن
أقولَ: أعلمُ الغيبَ بدون وحي مثلاً. فتدبّر ولا تغفل.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَّكَةِ﴾ إلخ، شروعٌ في تفصيل ما أُجمل من
الاختصام الذي هو ما جرى بينهم من التقاول، فهو بدلٌ من ((إذ يختصمون)) بدلَ
كلٍّ من كلٍّ، وجُوِّزَ كونه بدلَ بعض.
وصحَّ إسنادُ الاختصام إلى الملائكة مع أنَّ التقاولَ كان بينهم وبين الله تعالى
كما يدل عليه: ((إذ قال ربك)) إلخ، لأنَّ تكليمه تعالى إياهم كان بواسطة الملك،
فمعنى المقاولة بين الملأ الأعلى مقاولة ملك من الملائكة مع سائر الملائكة عليهم
السلام في شأنِ الاستخلاف، ومع إبليسَ في شأن السجود، ومع آدم في قوله:
(١) الكشاف ٣/ ٣٨١.
(٢) النشر ٣٦٢/٢.

٣٣٨
الآية : ٧١
﴿أَنْبِتْهُم بِأَسْمَيِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] ومعنى كون المقاولة بين الملائكة وآدم وإبليس
وجودها فيما بينهم في الجملة، ولا يلزمُ الجَمْعُ بين الحقيقة والمجاز في الإسناد،
فالكلُّ حقيقةٌ؛ لأنَّ الملأ الأعلى شاملٌ للملك المتوسّط، وهو المقاول بالحقيقة،
وهو عزَّ وجلَّ مقاولٌ بالمجاز، ولا تقل: المخاصم؛ ليكونَ الأمرُ بالعكس،
وما يقال: إنَّ قوله تعالى: ((إذ قال ربك)) يقتضي أن تكونَ مقاولته تعالى إياهم
بلا واسطة، فهو ممنوعٌ؛ لأنه إبدالُ زمانٍ قصَّةٍ عن زمان التفاوض فيها، والغرضُ
أن تُعلمَ القصة لا مطابقة كلِّ جزءٍ جزءٍ لكلِّ جزءٍ جزءٍ، فذلك غيرُ لازمٍ ولا مراد.
ثم فيه فائدةٌ جليلةٌ، وهي أنَّ مقاولةَ الملك إياهم أو إياهما عن الله تعالى، فهم
مقاولوه تعالى أيضاً، وأُريد هذا المعنى من هذا الإيراد لا من اللفظ؛ ليلزمَ الجمعُ
المذكورُ آنفاً، وجَعْلُ الله عزَّ وجلَّ من الملأ الأعلى بأنْ يُرادَ به ما عدا البشر؛
ليكونَ الاختصامُ قائماً به تعالى وبهم على معنى أنه سبحانه في مقابلتهم يخاصمونه
ويخاصمهم، مع ما فيه من إيهام الجهة له عزَّ وجلَّ ينبو المقامُ عنه نبوّاً ظاهراً، ولم
يذكر سبحانه جوابَ الملائكة عليهم السلام لتتمَّ المقاولةُ؛ اختصاراً بما كرّر مراراً،
ولهذا لم يقلْ جلَّ شانه: إني خالقٌ خَلْقاً من صفته كيت وكيتَ، جاعلٌ إياه خليفة.
وروعي هذا النسقُ هاهنا لنكتةٍ سَرِيَّةٍ وهي أن يُجعَلَ مصبُّ الغرض من القصة
حدیث إبليس ليلائم ما كان فيه أهل مكة، وأنه بامتناعه عن امتثال أمرٍ واحدٍ جرى
عليه ما جرى، فكيف يكونُ حالهم وهم مغمورون في المعاصي؟ وفيه أنه أولُ من
سَنَّ العصيانَ، فهو إمامهم وقائدهم إلى النار، وذِكْرُ حديث سجود الملائكة وطيّ
مقاولتهم في شأن الاستخلاف ليفرِّقَ بين المقاولتين، وأنَّ السؤالَ قبل الأمر ليس
مثله بعده، فإنَّ الثاني يلزمه التواني.
ثم فيه حديثُ تكريم آدم عليه السلام ضِمْناً دلالة على أنَّ المعلِّمَ والناصحَ
يُعَظّمُ، وأنه شَرْعٌ منه تعالى قديم، وكان على أهل مكة أن يعاملوا النبيَّ وَّهِ معاملةَ
الملائكة لآدم، لا معاملةَ إبليس له. قاله صاحب ((الكشف))، وهو حَسَنٌ، بَيْدَ أنَّ
ما علّل به الاختصارَ من تكرار ذلك مراراً لا يتمُّ إلا إذا كان ذلك في سورةٍ مكية
نزلتْ قبل هذه السورة، وقد علَّلَ بعضُهم تَرْكَ الذكر بالاكتفاء بما في البقرة، وفيه

الآية : ٧١
٣٣٩
أنَّ نزولها متأخّرٌ عن نزول هذه السورة؛ لأنها مدنيّة وهذه مكية، فلا يصحُّ الاكتفاءُ
إحالةً عليها قبل نزولها، وكونُ المراد اكتفاء السامعين للقرآن بعد ذلك، لا يخفى
حاله، ولعلَّ القصةَ كانت معلومةً سماعاً منه وَّةِ، وكان عالماً بها بواسطة الوحي،
وإن لم تكن إذ ذاك نازلةً قرآناً، فاختُصرت هاهنا لما ذكر في ((الكشف)) اكتفاءً
بذلك.
وقال فيه أيضاً: ولك(١) أن تقول: التقاولُ بين الملائكة وآدم عليهم السلام
حيث قال: ﴿أَنِِّئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] تبكيتاً لهم بما نسبوا إليه من قولهم:
﴿أَجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وبينه وبين إبليس، إما لأنه داخلٌ في الإنكار والتبكيت،
بل هو أشدّهم في ذلك، لكنْ غَلَّبَ الله تعالى الملائكةَ لأنه أخسّ من أن يُقرَنَ مع
هؤلاء مفرَداً في الذكر، أو لأنه أُمر بالسجود لمعلِّمه فامتنع وأسمعه ما أسمع.
وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ) إلخ، للإتيان بطَرَفٍ مشتملٍ على قصةِ المقاولة، وتصويرٍ
أصلها، فلم يلزمْ منه أن يكونَ الربُّ جلَّ شأنه من المقاولين، وإن كان بينه سبحانه
وبینھم تقاولٌ قد حكاه الله تعالی.
وهذا أقلُّ تكلُّفاً مما فيه دعوى أنَّ تكليمَهُ تعالى كان بواسطة الملك؛ إذ للمانع
أن يمنعَ التوسُّطَ على أصلنا وعلى أصل المعتزلة أيضاً، لا سيّما إذا جُعل المبكّتون
الملائكةَ كلَّهم، وعلى الوجهين ظَهَرَ فائدةُ إبدال ((إذ قال ربك)) من ((إذ يختصمون))
على وجوٍ بِّنِ .
والاعتراضُ بأنه لو كان بدلاً لكان الظاهرُ: إذ قال ربِّي؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لَِ مِنْ
[الآية: ٦٩] فليس المقامُ مما يقتضي الالتفاتَ = غير قادح، فإنه على أسلوب
قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَّهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الزخرف: ٩-١٠] فالخطابُ بـ ((لكم)) نظراً إلى أنه من
قول الله تعالى تمَّم قولهم، وذنبه كذلك هاهنا هو من قول الله تعالى لتتميم قول
النبيِّ وَّه، وهذا على نحو ما يقول مخاطِبكَ: جاءني الأمير، فتقول: الذي أكرمَكَ
وحباكَ، أو يقول: رأيتُ الأميرَ يومَ الجمعة، فتقول: يومَ خَلَعَ عليكَ الخِلْعة
(١) في (م): وذلك.
٣:

سُوالأُصِ﴾
٣٤٠
الآية : ٧١
الفلانيَّة، ومنه عُلم أنه ليس من الالتفات في شيءٍ، وأنَّ هذا الإبدالَ على هذا
الأسلوب لمزيد الحُسْن. انتهى.
وجُوِّزَ أن يقال: إنَّ (إذ) في قوله تعالى: ((إذ قال ربك)) ظرفٌ لـ:
(يختصمون))، والمراد بالملأ الأعلى الملائكةُ، وباختصامهم قولهم لله تعالى:
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠] في مقابلة قوله تعالى: ﴿إنّ
جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ﴾ إلى غير ذلك، ولا يتوقَّفُ صحةُ إرادة ذلك على جَعْل الله تعالى
من الملأ، ولا على أنه سبحانه كلَّمهم بواسطةِ ملك، ولا تقدُّم تفصيلِ الاختصام
مطلقاً، بل يكفي ذِكْرُهُ بعد النزول سواء ذُكِرَ قرآناً أم لا، ويُرجِّحُ تفسيرَ الملأ بما ذُكر
على تفسيره بما يعمُّ آدَمَ عليه السلام أنَّ ذاك على ما سمعتَ يستدعي القولَ بأنَّ آدمَ
كان في السماء، وهو ظاهرٌ في أنه عليه السلام خُلِقَ في السماء، أو رُفِعَ إليها بعد
خَلْقه في الأرض، وكلا الأمرين لا يُسلِّمهما كثيرٌ من الناس.
وقد نقل ابن القيم في كتابه ((مفتاح دار السعادة))(١) عن جَمْعِ أنَّ آدمَ عليه
السلام إنما خُلِقَ في الأرض، وأنَّ الجنة التي أُسْكِنَها بعد أن جَرى مَا جَرى كانت
فيها أيضاً، وأتى بأدلةٍ كثيرةٍ قويةٍ على ذلك، ولم يُجبْ عن شيءٍ منها، فتدبر.
وذهب بعضُهم إلى أنَّ الملأ الأعلى الملائكة، وأنَّ اختصامهم كان في
الدرجات والكفارات، فقد أخرج الترمذيُّ وصحَّحه، والطبرانيُّ وغيرهما(٢) عن
معاذ بن جبل قال: احتبسَ عنَّا رسولُ اللهِ وَّرِ ذاتَ غَداةٍ من صلاةِ الصبحِ، حتى
كِدْنا نتراءى عينَ الشمس، فخرج سريعاً فئوَّبَ بالصلاة، فصلَّى رسول الله وَلآتِ،
فلمَّا سلَّم دعا بصوته فقال: ((على مصافِّكم)) ثم التفت إلينا، ثم قال: ((أما إنِّي
أحدٌّثكم بما حبسني عنكم الغداةَ، إني قمتُ الليلةَ، فقمتُ وصلَّتُ ما قُدِّرَ لي،
ونَعَسْتُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربِّي تباركَ وتعالى في أحسن صورة
فقال: يا محمد، قلت: لبيكَ ربِّي. قال: فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ قلت:
(١) ١١/١ وما بعدها.
(٢) الترمذي (٣٢٣٥)، والطبراني في الكبير ١٠٩/٢٠ (٢١٦). وهو عند أحمد (١٦٦٢١) من
حديث بعض أصحاب النبي وَلتر .