النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٤١ ٣٠١ سُورَةُ صِرْ من الملك العظيم، يعملُ الخُوصَ بيده، ويأكلُ خبزَ الشعير، ويُطعم بني إسرائيل الحُوَّارَى، أخرجه أحمد في ((الزهد))(١) عن عطاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر ﴿يَا قال: قال رسول اللهِ وَله: ((ما رَفَعَ سليمان عليه السلام طَرْفه إلى السماء تخشُّعاً))(٢) حيث أعطاه الله تعالى ما أعطاه، وكان في عَصْره من ملوك الفرس كيخسرو، فقد ذكر الفقيه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في ((تاريخه)) أنه عليه السلام وَرِثَ مُلْكَ أبيه في عصر كيخسرو بن سباوش، وسار من الشام إلى العراق فبلغ خبره کیخسرو، فهرب إلى خراسان، فلم يلبثْ حتى هلك، ثم سار سليمانُ إلى مروٍ، ثم إلى بلاد التُّرك، فوغل فيها، ثم جاوَزَ بلادَ الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلاد فارس، فنزلها أياماً، ثم عاد إلى الشام، ثم أَمَرَ ببناء بيت المقدس، فلما فَرَغَ سارَ إلى تهامة، ثم إلى صنعاء، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكره الله تعالى، وغزا بلادَ المغرب الأندلسَ وطَنْجة وغيرهما، ثم انطوى البساطُ وضُرب له بين عساكر الموتى الفسطاط، فسبحان الملك الدائم الذي لا يزول ملكه ولا ينقضي سلطانه. ﴿وَأَذَكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ﴾ قال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصحّ في نَسَبه شيءٌ غير أنَّ اسم أبيه: أموص، وقال ابن جرير: هو أيوبُ بن أموص بن رازح(٣) بن عَيص بن إسحاق عليه السلام، وحكى ابن عساكر (٤) أنَّ أمه بنتُ لوطِ، وأنَّ أباه ممن آمنَ بإبراهيم، فعلى هذا كان عليه السلام قبل موسى، وقال ابن جرير: كان بعد شعيب(٥)، وقال ابن أبي خيثمة: كان بعد سليمان. وقوله تعالى: ((اذكر)) إلخ عَظْفٌ على ((اذكر عبدنا داود))، وعدمُ تصدير قصة سليمان عليه السلام بهذا العنوان؛ لكمال الاتصال بينه وبين داود عليهما السلام، (١) ص١١٥. والخوص: ورق النخل. والحُوَّارى: الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق، وكلُّ ما حُوِّرَ - أي: بُيِّضَ - من طعام. القاموس المحيط (خوص) و(حور). (٢) الدر المنثور ٣١٤/٥. (٣) في الأصل: روح، وفي (م): روم. والمثبت من تاريخ الطبري ٣٢٢/١. (٤) في تاريخ دمشق ٥٨/١٠. (٥) تاريخ الطبري ٣٢٥/١. سُورَةَ صِ ٣٠٢ الآية : ٤١ و((أيوب)) عَظْفُ بيانٍ لـ ((عبدنا))، أو بدلٌ منه بدلَ كلٍّ من كلّ، وقوله تعالى: ﴿إِذْ نادیی رَبَّهُ﴾ بدلُ اشتمال منه، أو من ((أيوب)». ﴿أَنِ﴾ أي: بأني. وقرأ عيسى بكَسْر همزة: (إِنِّي))(١). ﴿مَسَِّىَ الشَّيْطَانُ﴾ وقرئ بإسكان ياء ((مسَّني)) وإسقاطها (٢) ﴿يِنُصْبٍ﴾ بضمِّ النون وسكون الصاد: التعب، كالنَّصَب بفتحتين، وقيل: هو جَمْعُ نَصَبٍ كَوَنَنٍ وَوُثْنٍ. وقرأ أبو جعفر وشيبة، وأبو عمارة عن حفص، والجعفيُّ عن أبي بكر، وأبو معاذ عن نافع بضمَّتين(٣)، وهي لغة، ولا مانع من كون الضمة الثانية عارضةً للإتباع، وربما يقال: إنَّ في ذلك رمزاً إلى ثِقَل تعبه وشِدَّته. وقرأ زيدُ بن عليٍّ والحسنُ والسديُّ وابنُ أبي عبلةَ ويعقوبُ والجحدريُّ بفتحتين(٤)، وهي لغةٌ أيضاً، كالرُّشْدِ والرَّشَد. وقرأ أبو حيوةً، ويعقوب في روايةٍ، وهبيرة عن حفص، بفتح النون وسكون الصاد، قال الزمخشريُّ(٥): على أصل المصدر. ونصَّ ابنُ عطيةً على أنَّ ذلك لغة أيضاً، قال بعد ذكر القراءات: وذلك كلُّه بمعنَى واحد، وهو المشقّةُ، وكثيراً ما يُستعمل النصب في مشقَّة الإعياء. وفرَّق بعضُ الناس بين هذه الألفاظ، والصوابُ أنها لغاتٌ بمعنّى، من قولهم: أنصبني الأمرُ: إذا شَقَّ عليَّ(٦). انتهى. والتنوينُ للتفخيم، وكذا في قوله تعالى ﴿وَعَذَابٍ ﴾﴾ وأراد به الألم، وهو المراد بالضُّرِّ في قوله: ﴿أَنِى مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وقيل: النُّصب والضُّرُّ في الجسد، والعذابُ في الأهل والمال. (١) المحرر الوجيز ٥٠٧/٤، والبحر المحيط ٤٠٠/٧. (٢) يعني في الوصل، وقراءة إسكان الياء لحمزة، وهي في التيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦٢/٢. (٣) النشر ٣٦١/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر المحيط ٧/ ٤٠٠. (٤) النشر ٣٦١/٢ عن يعقوب، والكلام من البحر المحيط ٤٠٠/٧. (٥) في الكشاف ٣٧٦/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ٤٠٠. (٦) المحرر الوجيز ٥٠٧/٤، والبحر ٤٠٠/٧. الآية : ٤١ ٣٠٣ سُورَةَ صِ وهذا حكايةٌ لكلامه عليه السلام الذي نادى به ربَّه عزَّ وجلَّ بعبارته، وإلا لقيل: إنه مَسَّه .. إلخ بالغَيبة. وإِسنادُ المَسِّ إلى الشيطان قيل: على ظاهره، وذلك أنه - عليه اللَّعنةُ - سَمِعَ ثناءَ الملائكة عليهم السلام على أيوبَ عليه السلام، فَحَسَدَهُ، وسألَ الله تعالى أن يُسلِّطَهُ على جَسَده وماله وولده، ففعل عزَّ وجلَّ ابتلاءً له، والقصةُ مشهورة. وفي بعض الآثار أنَّ الماسَّ له شيطانٌ يقال له: مسوط. وأنكر الزمخشريُّ ذلك فقال: لا يجوز أن يُسلِّط الله تعالى الشيطانَ على أنبيائه عليهم السلام ليقضيَ من إتعابهم وتعذيبهم وَطَرَهُ، ولو قَدر على ذلك لم يَدَعْ صالحاً إلا وقد نَكَبِهُ وأَهلكَهُ، وقد تكرَّرَ في القرآن أنه لا سُلطانَ له إلا الوسوسةُ فحسبْ، وجَعَلَ إسنادَ المسِّ إليه هنا مجازاً فقال: لمَّا كانتْ وسوستهُ إليه وطاعتهُ له فيما وَسْوَسَ سبباً فيما مَسَّهُ الله تعالى به من النصب والعذاب نَسَبَهُ إليه، وقد راعى عليه السلام الأدبَ في ذلك حيث لم ينسبهُ إلى الله سبحانه في دعائهِ مع أنه جلَّ وعلا فاعِلُه، ولا يَقْدِرُ عليه إلا هو (١). وهذه الوسوسة، قيل: وسوسته إليه عليه السلام أن يسألَ الله تعالى البلاءَ ليمتحنَ ويُجرِّبَ صبرهُ على ما يصيبه، كما قال شرفُ الدين عمر بن الفارض (٢): فاختياري ما كان فيه رضاكا وبما شئتَ في هواكَ اختبرني وسؤاله البلاءَ دون العافية ذنبٌ بالنسبة لمقامه عليه لا حقيقةً، والمقصودُ من ندائه بذلك الاعترافُ بالذنب. وقيل: إنَّ رجلاً استغاثه على ظالم، فَوَسْوَسَ إليه الشيطانُ بِتَرْكِ إِغاثته، فلم يُغِثْهُ، فمسَّهُ الله تعالى بسبب ذلك بما مسِّه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملكٍ كافرٍ، فداهنه ولم يغزهُ وسوسةً من الشيطان، فعاتبه الله تعالى بالبلاء. (١) الكشاف ٣٧٦/٣. (٢) في ديوانه ص١٥٦ . سُورَةُ صِ﴾ ٣٠٤ الآية : ٤٢ وقيل: وَسْوَسَ إليه فأُعجبَ بكثرة ماله وولده، فابتلاه الله تعالى لذلك. وكلُّ هذه الأقوال عندي متضمّنةٌ ما لا يليق بمنصبِ الأنبياء عليهم السلام. وذهب جَمْعٌ إلى أنَّ النُّصب والعذابَ ليسا ما كانا له من المرض والألم، أو المرض وذهاب الأهل والمال، بل أمران عَرَضا له وهو مريضٌ فاقد الأهل والمال، فقيل: هما ما كانا له من وسوسة الشيطان إليه في مرضه من عِظَمِ البلاء والقنوط من الرحمة والإغراء على الجزع، كان الشيطان يوسوس إليه بذلك، وهو يُجاهده في دَفْعِ ذلك، حتى تَعِبَ وتألَّم على ما هو فيه من البلاء، فنادى ربَّهُ يستصرفُهُ عنه، ويستعينُهُ عليه: ((أني مسَّنِيَ الشيطانُ بِنُصبٍ وعذاب)). وقيل: كانا من وسوسة الشيطان إلى غيره، فقيل: إنَّ الشيطانَ تعرَّضَ لامرأته بصورة طبيب، فقالت له: إنَّ هاهنا مبتلى، فهل لك أن تداويه؟ فقال: نعم، بشرط أن يقول إذا شفيتُهُ: أنت شفيتني. فمالتْ لذلك وعَرَضَتْ كلامه لأيوبَ عليه السلام، فعرفَ أنه الشيطانُ، وكان عليه ذلك أشدّ مما هو فيه، فنادى ربَّه: ((أني مسني)) إلخ. وقيل: إنَّ الشيطانَ طلب منها أن تذبحَ لغير الله تعالى إذا عالجه وبَرِيَ، فمالتْ لذلك، فَعَظُمَ عليه - عليه السلام - الأمرُ فنادى. وقيل: إنه كان يعودهُ ثلاثةٌ من المؤمنين، فارتدً أحدهم، فسأل عنه فقيل له: ألقى إليه الشيطانُ أنَّ الله تعالى لا يبتلي الأنبياءَ والصالحين، فتألَّم من ذلك جدّاً فقال ما قال. وفي روايةٍ: مَرَّ به نفرٌ من بني إسرائيل، فقال بعضُهم لبعض: ما أصابه هذا إلا بذنبٍ أصابه، وهذا نوعٌ من وسوسة الشيطان، فَعَظُمَ عليه ذلك فقال ما قال. والإسنادُ على جميع ما ذُكر باعتبار الوسوسة، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله سبحانه: ﴿أَكُضْ بِجْلِكٌ﴾ إما حكايةٌ لما قيل له، أو مقولٌ لقولٍ مقدَّرٍ معطوفٍ على ((نادى))، أي: فقلنا له: ((اركضْ برجلك)) أي: اضربْ بها. الآية : ٤٣ ٣٠٥ فإنه أيضاً إما حكايةٌ لِمَا قيل له ٤٣ وكذا قوله تعالى: ﴿هَذَا مُفْتَسَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ بعد امتثاله بالأمر ونبوع الماء، أو مقولٌ لقولٍ مقدَّرِ معطوفٍ على مقدَّرِ ينساقُ إليه الكلام، كأنه قيل: فَضَرَبها فنبعثْ عينٌ، فقلنا له: هذا مغتَسَلٌ تغتسلُ به وتشربُ منه، فيبرأُ ظاهركَ وباطنك، فالمغتسَلُ اسمُ مفعولٍ على الحذف والإيصال، وكذا الشراب، وعن مقاتلٍ: أنَّ المغتسَلَ اسمُ مكان، أي: هذا مكانٌ تغتسلُ فیه. ولیس بشيء. وظاهرُ الآية اتحادُ المخبَر عنه بمغتسلٍ وشراب، وقيل: إنه عليه السلام ضَرَبَ برجله اليمنى، فنبعتْ عينٌ حارّةٌ فاغتسلَ منها، وبرجله اليسرى، فنبعتْ باردةٌ فشرب منها. وقال الحسن: رَكَضَ برجله فنبعتْ عينٌ فاغتسل منها، ثم مشى نحواً من أربعينَ ذراعاً، ثم رَكَضَ برجله، فنبعتْ أخرى فشربَ منها. ولعلَّه عَنَى بالأولى عيناً حارَّةً. وظاهرُ النَّظْمِ عدمُ التعدُّد، و(«باردٌ)) على ذلك صفةُ (شراب)) مع أنه مقدَّمٌ عليه صفة ((مغتسلَ))(١)، وكونُ هذا إشارةً إلى جنس النابع، أو يُقدَّرُ: وهذا باردٌ .. إلخ = تكلُّفٌ لا يُخرج ذلك عن الضعف. وقيل: أُمر بالرَّكْضِ بالرِّجْل ليتناثرَ عنه كلُّ داءٍ بجسده. وكان ذلك على ما روي عن قتادة والحسن ومقاتل بأرض الجابية من الشام، وفي الكلام حَذْفٌ أيضاً، أي: فاغتسلَ وشَرِبَ، فکشفنا بذلك ما به من ضُرّ. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ بإحياتهم بعد هلاكهم، على ما روي عن الحسن. وروى الطبرسيُّ عن أبي عبد الله به أنَّ الله تعالى أحيا له أهله الذين كانوا ماتوا قبل البليَّة، وأهله الذين ماتوا وهو في البليّة(٢). وفي ((البحر)): الجمهورُ على أنه تعالى أحيا له مَنْ ماتَ من أهله، وعافى المرضى، وجَمَعَ عليه مَنْ تشئَّتَ منهم، وقيل - وإليه أميلُ -: وَهَبَهُ مَنْ كان حيّاً منهم، (١) العبارة في حاشية الشهاب ٣١٤/٧ (والكلام منه): مع أنه تقدَّم عليه صفةً لـ ((مغتسَل)). وهي أنسب بالسياق. (٢) مجمع البيان ١١٩/٢٣. الآية : ٤٣ ٣٠٦ وعافاه من الأسقام، وأَرغدَ لهم العيش، فتناسلوا حتى بلغَ عددهم عددَ من مضى (١). ﴿وَمَثْلَهُم ◌َّعَهُمْ﴾ فكان له ضِعْفُ ما كان. والظاهرُ أنَّ هذه الهبةَ كانت في الدنيا، وزعم بعضٌ أنَّ هذا وَعْدٌ، وتكونُ تلك الهبةُ في الآخرة. ﴿َرَهَةُ مِّنَا﴾ أي: لرحمةٍ عظيمةٍ عليه من قِبَلنا. ﴿وَذِكْرَى لِأُولِى الأَلْبَبِ ﴾﴾ وتذکیراً لهم بذلك ليصبروا على الشدائد كما صبرَ، ويلجؤوا إلى الله تعالى فيما يُصيبهم كما لجأ، ليفعل سبحانه بهم ما فعل به من حُسْن العاقبة. روي عن قتادةَ أنه عليه السلام ابتلي سبعَ سنين وأشهراً، وأُلقي على كُناسة بني إسرائيل، تختلفُ الدوابُّ في جَسَده، فَصَبَرَ، ففرَّجَ الله تعالى عنه، وأعظمَ له الأجر وأحسن. وعن ابن عباس أنه صار ما بين قدميه إلى قَرْنه قرحةً واحدة، وأُلقي على الرماد حتى بدا حجابُ قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه فقالت له يوماً: أما ترى يا أيوبُ، قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بِعْتُ قروني برغيفٍ فأطعمتك، فادعُ الله تعالى أن يشفيكَ ويريحك؟ فقال: ويحكِ كنَّا في النعيم سبعين عاماً، فاصبري حتى نكونَ في الضُّرِّ سبعين عاماً. فكان في البلاء سبعَ سنين، ودعا فجاء جبريلُ عليه السلام فأخذَ بيده، ثم قال: قُمْ، فقام عن مكانه، وقال: اركضْ برجلكَ هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب، فاغتسلَ وشربَ فبرئ، وألبسه الله تعالى حُلَّةً من الجنة، فتنخَّى فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت: يا عبد الله أين المبتلَى الذي كان هاهنا؟ لعلَّ الكلابَ ذهبت به أو الذئاب، وجعلتْ تكلِّمهُ ساعةً، فقال: ويحكِ أنا أيوب، قد رَدَّ الله تعالى عليَّ جسدي. ورَدَّ الله تعالى عليه ماله وولده ومثلهم معهم، وأمطرَ عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذُ الجرادَ بيده ويجعله في ثوبه، وينشر كساءه فيجعل فيه، فأوحى الله تعالى إليه: يا أيوب، أما شبعتَ؟ قال: یا ربِّ من الذي یشبعُ من فضلك ورحمتك. (١) البحر المحيط ٧/ ٤٠١. الآية : ٤٣ ٣٠٧ سُورَةَ صِ﴾ وفي ((البحر)): روى أنس عن النبيِّ ◌َّ: ((أن أيوبَ بقي في محنته ثماني عشرةً سنة، يتساقط لحمهُ حتى مَلَّه العالم، ولم يصبرْ عليه إلا امرأته))(١). وعِظَمُ بلائه عليه السلام مما شاع وذاع، ولم يختلف فيه اثنان، لكن في بلوغ أمره إلى أن أُلقي على كُناسة ونحو ذلك، فيه خلافٌ؛ قال الطبرسيُّ: قال أهل التحقيق: إنه لا يجوز أن يكونَ بصفةٍ يستقذرهُ الناس عليها؛ لأنَّ في ذلك تنفيراً، فأما الفقرُ والمرضُ وذهابُ الأهل، فيجوز أن يمتحنه الله تعالى بذلك(٢). وفي ((هداية المريد)» لِلَّقاني: أنه يجوز على الأنبياء عليهم السلام كلُّ عَرَضٍ بشريٍّ ليس محرَّماً ولا مكروهاً ولا مباحاً مُزْرِياً ولا مُزْمِناً، ولا مما تَعَانُه الأنفُسُ، ولا مما يؤدِّي إلى النفرة، ثم قال بعد ورقتين: واحترزنا بقولنا: ولا مزمناً ولا مما تعافه الأنفس، عمَّا كان كذلك؛ كالإقعاد والبَرَصِ والجُذام والعمى والجنون، وأما الإغماءُ فقال النوويُّ: لاشكَّ في جوازه عليهم؛ لأنه مرضٌ، بخلاف الجنون فإنه نَقْصٌ، وقيَّدَ أبو حامد الإغماءَ بغير الطويل، وجزمَ به البلقيني، وقال السبكيُّ: وليس كإغماء غيرهم؛ لأنه إنما يسترُ حواسَّهم الظاهرةَ دون قلوبهم؛ لأنها معصومةٌ من النوم الأخف. قال: ويمتنعُ عليهم الجنونُ وإن قلَّ؛ لأنه نَقْصِّ، ويلحقُ به العَمى، ولم يَعْمَ نبيَّ قظُ، وما ذُكر عن شعيبٍ من كونه كان ضريراً لم يثبتْ، وأما يعقوبُ فحصلتْ له غشاوةٌ وزالت. اهـ. وفرَّقَ بعضُهم في عُروضٍ ذلك بين أن يكونَ بعد التبليغ وحصول الغرض من النبوّة فيجوز، وبين أن يكونَ قبلُ فلا يجوز. ولعلَّكَ تختارُ القول بحِفْظِهم مما تعافه النفوس ويؤدّي إلى الاستقذار والنفرة مطلقاً، وحينئذٍ فلا بدَّ من القول بأنَّ ما ابتلي به أيوبُ عليه السلام لم يصلْ إلى حَدِّ الاستقذار والنفرة كما يُشعرُ به ما روي عن قتادة ونقله القُصَّاصُ في كتبهم، وذكر بعضُهم أنَّ داءُهُ كان الجُدَريَّ، ولا أعتقدُ صِحَّة ذلك، والله تعالى أعلم. (١) البحر المحيط ٧/ ٤٠٠، وينظر حديث أنس عند البزار (٢٣٥٧ - كشف)، وابن حبان (٢٨٩٨). (٢) مجمع البيان ١١٨/٢٣. ٣٠٨ الآية : ٤٤ وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا﴾ عَظْفٌ على (اركض))، أو على ((وهبنا)) بتقدير: قلنا خُذْ بيدك .. إلخ. والأول أقربُ لَفْظاً، وهذا أنسبُ معنَى، فإنَّ الحاجةَ إلى هذا الأمر لا تمسُّ إلا بعد الصحة واعتدال الوقت، فإنَّ امرأته رحمة بنت إفرائيم - أو: ميشا(١) - بن يوسف، أو: ليا بنت يعقوب، أو: ماخير بنت ميشا بن يوسف، على اختلاف الروايات، ولا يخفى لُظْفُ ((رحمة منَّا)) على الرواية الأولى = ذهبت لحاجةٍ فأبطأت، أو بلَّغتْ أيوب عن الشيطان أن يقول كلمةً محذورةً فيبرأ، وأشارت عليه بذلك، فقالت له: إلى متى هذا البلاءُ، كلمةٌ واحدةٌ ثم استغفِرْ ربَّك فيغفرُ لك؟! أو جاءته بزيادةٍ على ما كانت تأتي به من الخبز، فظنَّ أنها ارتكبتْ في ذلك محرَّماً، فحلف ليضربنَّها إن برئَ مئةَ ضربة، فأمره الله تعالى بأَخْذِ الضِّغثِ، وهو الحزمةُ الصغيرةُ من حشيشٍ أو ريحانٍ أو قُضبان، وقيل: القبضةُ الكبيرةُ من القُضبان، ومنه: ضِغْتُ على إيَّالة(٢). والإِبَالةُ: الحزمةُ من الحطب، والضِّغثُ: القبضةُ من الحطب أيضاً عليها، ومنه قول الشاعر: ! وألقيتُ ضِغْئاً من خَلَّى متطيّبٍ(٣) وأسفلَ مني نَهْدةً قد ربطتُها وقال ابن عباس هنا: الضُّغْتُ: عِثكال النخل. وقال مجاهد: الأَثْلُ، وهو نبتٌ له شوك. وقال الضحاك: حُزْمةٌ من الحشيش مختلفة. وقال الأخفش: الشجرُ الرطب. وعن سعيد بن المسيب أنه عليه السلام لما أُمرَ أَخَذَ ضِغْئاً من ثُمام(٤) فيه مئةُ عود. وقال قتادة: هو عودٌ فيه تسعةٌ وتسعونَ عوداً، والأصلُ تمامُ المئة. فإنْ كان هذا معتبراً في مفهوم الضِّغثِ - ولا أظنُّ - فذاك، وإلا فالكلام على إرادة (١) كذا في الأصل، وفي (م): مشيا، وينظر حاشية الشهاب ٣١٤/٧، والإعلام بأصول الأعلام ص ١٥٩- ١٦٠ . (٢) مثل يضرب لمن حمَّلك مكروهاً ثم زادك عليه. ينظر مجمع الأمثال ٤١٩/١، والمستقصى ١٤٨/٢. (٣) البيت في تفسير الطبري ١١١/٢٠، ومجاز القرآن ٢/ ١٨٥ عن عوف بن الخرع، وهو في البحر المحيط ٣٩٩/٧ دون نسبة. (٤) الثمام: عشب من الفصيلة النجيلية. المعجم الوسيط (ثمم). الآية : ٤٤ ٣٠٩ سُورَةُصِرْء المئة، فكأنه قيل: خُذْ بيدكَ ضِغْئاً فيه مئة عود ﴿فَأَضْرِب ◌ِّهِ﴾ أي: بذلك الضغث ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ بيمينك فإنَّ الِرَّ يتحقَّقُ به. ولقد شَرَعَ الله تعالى ذلك رحمةً عليه وعليها؛ لحُسْنِ خِدْمتها إياه ورضاه عنها، وهي رُخْصَةٌ باقيةٌ في الحدود في شريعتنا، وفي غيرها أيضاً، لكن غير الحدود يُعلَمُ منها بالطريق الأولى، فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي أمامةً بن سهل بن حنيف قال: حملتْ وليدةٌ في بني ساعدة من زنّى، فقيل لها: ممنْ حَمْلُكِ؟ قالت: من فلانٍ المقعَد، فسُئل المقعدُ فقال: صدقتْ. فَرُفِعَ ذلك إلى رسول الله وَلِّ فقال: ((خذوا عُْكُولاً فيه مئةُ شِمراخٍ، فاضربوه به ضربةً واحدة)) ففعلوا(١). وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان أنَّ رجلاً أصابَ فاحشةً على عهد رسول اللهِ وَّه وهو مريضٌ على شفا موت، فَأَخبر أهلَهُ بما صنع، فأمر النبيُّ نَّهُ بقِنْوِ فيه مئة شِمراخٍ، فضُرب به ضربةً واحدة(٢) . وأخرج الطبرانيُّ عن سهل بن سعد أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام أُتي بشيخ قد ظهرتْ عروقه، قد زنى بامرأةٍ، فضربه بضِغْثٍ فيه مئة شِمراخٍ ضربةً واحدة(٣). ولا دلالة في هذه الأخبار على عمومِ الحُكْم مَنْ يُطيقُ الجلدَ المتعارف، لكنَّ القائل ببقاء حُكْم الآية قائلٌ بالعموم، لكن شَرَطوا في ذلك أن يصيبَ المضروبَ كلُّ واحدةٍ من المئة، إما بأطرافها قائمة، أو بأعراضها مبسوطةً على هيئة الضرب. وقال الخفاجي: إنهم شرطوا فيه الإيلام، أما مع عدمه بالكلية فلا، فلو ضربَ بسوطٍ واحدٍ له شُعبتان خمسينَ مرَّةً مَنْ حَلَفَ على ضَرْبه مئةً بَرَّ إذا تألَّم، فإن لم (١) الدر المنثور ٣١٧/٥، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٤٧٢)، والنسائي في الكبرى (٧٢٦٦). والعثكال: العِذق من أعذاق النخل الذي يكون فيه الرُّطب. النهاية (عثكل). (٢) تفسير عبد الرزاق ١٦٨/٢، والمصنَّف (١٦١٣٣). (٣) المعجم الكبير (٥٨٢٠) قال في المجمع ٦/ ٢٥٢: فيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك. سُورَةَ صِرْء ٣١٠ الآية : ٤٤ يتألَّم لا يَبرُّ ولو ضَرَبِهُ مئة؛ لأنَّ الضَّرْبَ وُضِعَ لفعلٍ مؤلم بالبدن بآلة التأديب، وقيل: يحنثُ بكلِّ حالٍ كما فُصِّلَ في ((شروح الهداية)) وغيرها(١). انتهى. وأخرج ابن عساكر(٢) عن ابن عباس: لا يجوز ذلك لأحدٍ بعد أيوب، إلا الأنبياء عليهم السلام. وفي أحكام القرآن العظيم (٣) للجلال السيوطي عن مجاهد قال: كانت هذه لأيوبَ خاصة. وقال إلكيا(٤): ذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة وزفر إلى أنَّ مَنْ فَعَلَ ذلك فقد بَرَّ في يمينه، وخالف مالكٌ ورآه خاصّاً بأيوبَ عليه السلام. وقال بعضهم: إنَّ الحُكْمَ كان عاماً ثم نُسخ، والصحيحُ بقاءُ الحكم. واستُدلَّ بالآية على أنَّ للزوجِ ضَرْبَ زوجته، وأن يحلفَ ولا يستثني، وعلى أنَّ الاستثناءَ شَرْطُهُ الاتصال؛ إذ لو لم يُشترطُ لأَمَرَهُ سبحانه وتعالى بالاستثناء، ولم يحتجْ إلى الضرب بالضُّغث. واستدلَّ عطاءٌ بها على مسألةٍ أخرى، فأخرج سعيدُ بن منصور بسندٍ صحيحٍ عنه أنَّ رجلاً قال له: إنِّي حلفتُ أن لا أكسو امرأتي دِرْعاً حتى تقفَ بعرفة، فقال: احملها على حمارٍ، ثم اذهبْ فقفْ بها بعرفة، فقال: إنما عَنيتُ يومَ عرفة. فقال عطاء: أيوبُ حين حَلَفَ ليجلدنَّ امرأته مئة جلدةٍ أَنَوى أن يضربَها بالضِّغثِ، إنما أمرهُ الله تعالى أن يأخذ ضِغْئاً فيضربها به، ثم قال: إنما القرآن عِبَرٌ، إنما القرآن .* (٥) عِبَرٌ(٥ . وللبحث في ذلك مجال، وكثيرٌ من الناس استدلَّ بها على جواز الحِيَل، وجَعَلها أصلاً لصحَّتها، وعندي أنَّ كلَّ حيلةٍ أوجبتْ إبطالَ حِكْمةٍ شرعيةٍ لا تُقبلُ، كحيلةِ سقوط الزكاة، وحيلةِ سقوط الاستبراء، وهذا كالتوسُّطِ في المسألة، فإنَّ من (١) حاشية الشهاب ٧/ ٣١٤. (٢) في تاريخ دمشق ١٢٤/٦٩ . (٣) واسمه: الإكليل في استنباط التنزيل، والكلام فيه ص ٢٢٢. (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٣٦١، والكلام من الإكليل. (٥) الإكليل ص ٢٢٢ . الآية : ٤٥ ٣١١ العلماء مَنْ يُجوِّزُ الحيلةَ مطلقاً، ومنهم مَنْ لا يُجوِّزها مطلقاً، وقد أطال الكلامَ في ذلك العلّامةُ ابن تيمية. ﴿إِنَّ وَجَدْنَهُ صَاِرأْ﴾ فيما أصابه في النفس والأهل والمال. وقد كان عليه السلام يقول كلّما أصابته مصيبة: اللهمَّ أنت أخذتَ وأنت أعطيت. ويَحْمَدُ الله عزَّ وجلَّ. ولا يُخِلُّ بذلك شكواهُ إلى الله تعالى من الشيطان؛ لأنَّ الصبرَ عدُ الجزع، ولا جَزَعَ فيما ذكر، كتمنِّي العافية وطلب الشفاء، مع أنه قال ذلك - على ما قيل - خيفةَ الفتنة في الدين كما سمعتَ فيما تقدَّم، ويُروى أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمتَ أنه لم يُخالفْ لساني قلبي، ولم يتبعْ قلبي بصري، ولم يُلهني ما ملكتْ يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أَبِتْ شبعانَ ولا كاسياً ومعي جائعٌ أو عريان. فكشف الله تعالى عنه. ، تعليلٌ لِمَدْحِهِ، وتقدَّم معنى الأوَّاب(١). ٤٤ ﴿يَعْمَ الْعَبْدٌ﴾ أي: أيوب ﴿إِنَّهُ، أَوَّبُ ﴿وَأَذْكُرْ عِبَدَنَا إِبَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَعْتُبَ﴾ الثلاثةُ عَطْفُ بيانٍ لـ ((عبادنا))، أو بدلٌ منه. وقيل: نصب بإضمار أعني. وقرأ ابن عباس وابن كثير وأهل مكة: ((عبدنا))، بالإفراد(٢)، فـ ((إبراهيمُ)) وحدهُ. بدلٌ أو عَطْفُ بيانٍ أو مفعولُ أعني، وخُصَّ بعنوان العبودية لمزيد شَرَفه، وما بعده عَظْفٌ على ((عبدنا))، وجُوِّزَ أن يكونَ المراد بـ ((عبدنا)) عبادنا، وَضْعاً للجنس موضعَ الجمع، فشَّحد القراءتان. ﴾ أولي القوَّة في الطاعة، والبصيرة في الدين، على ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ٤٥ أنَّ الأيدي مجازٌ مرسلٌ عن القوَّة، والأبصار جمعُ: بَصَرٍ، بمعنى بصيرة، وهو مجازٌ أيضاً لكنه مشهورٌ فيه. أو: أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة، على أنَّ ذِكْرَ الأيدي من ذِكْرِ السَّبب وإرادة المسبّب، والأبصار بمعنى البصائر مجازٌ عمَّا يتفرَّعُ عليها من العلوم كالأول أيضاً. وفي ذلك على الوجهين تعريضٌ بالجَهَلة (١) ص٢٦٧ -٢٦٨ من هذا الجزء. (٢) التيسير ص ١٨٨، والنشر ٢/ ٣٦١، والبحر المحيط ٤٠١/٧. سُوَاضِّ ٣١٢ الآية : ٤٦ البطَّالين أنهم كفاقدي الأيدي والأبصار، وتوبيخٌ على تَرْكهمُ المجاهدةَ والتأمُّلَ مع تمگّنهم منهما. وقيل: الأيدي: النِّعَمُ، أي: أولي النِّعَم التي أسداها الله تعالى إليهم من النبوّة والمكانة، أو: أولي النِّعَم والإحسانات على الناس بإرشادهم وتعليمهم إياهم، وفيه ما فيه. وقرئ: ((الأيادي))(١) على جَمْعِ الجمع، كـ : أوطف(٢) وأواطف. وقرأ عبد الله والحسن وعيسى والأعمش: ((الأيد)) بغير ياءٍ(٣)، فقيل: يُراد الأيدي بالياء، وحُذفت اجتزاءً بالكَسْرة عنها، ولمَّا كانت ((أل)) تُعاقبُ التنوين حُذفتِ الياءُ معها كما حُذفت مع التنوين. حكاه أبو حيان، ثم قال: وهذا تخريجٌ لا يَسوغُ؛ لأنَّ حَذْفَ هذه الياء مع وجود ((أل)) ذَكَرَهُ سيبويه في الضرائر. وقيل: الأيد: القوَّةُ في طاعة الله تعالى، نظير ما تقدم(٤). وقال الزمخشريُّ بعد تعليل الحَذْفِ بالاكتفاء بالگَسْرة: وتفسيره بالأيد من التأييد قَلِقٌ غيرُ متمكِّن(٥). وعُلِّلَ بأنَّ فيه فواتَ المقابلة وفواتَ النكتة البيانيَّة، فلا تغفل. ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ﴾ تعليلٌ لما وُصفوا به، والباءُ للسببية، و((خالصة)): اسمُ فاعلٍ، وتنوينُها للتفخيم، وقوله تعالى ﴿ذِكْرَى الدَّارِ ﴾﴾ بيانٌ لها بعد إبهامها للتفخيم، وجُوِّزَ أن يكونَ خبراً عن ضميرها المقدَّرِ، أي: هي ذِكْرى الدار. وأيَّاما كان فـ ((ذِكْرى)) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، وتعريفُ الدار للعهد، أي: الدارُ الآخرة، وفيه إشعارٌ بأنها الدارُ في الحقيقة، وإنما الدنيا مجازٌ، أي: جعلناهم خالصين لنا بسبب خَصْلةٍ خالصة جليلةِ الشأن، لا شَوْبَ فيها، هي تذكُّرهم دائماً - (١) الكشاف ٣/ ٣٧٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٠٢. (٢) الوَطَف: كثرة شعر الحاجبين والعينين. القاموس (وطف). (٣) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٤٠٣/٢ . (٤) البحر المحيط ٧/ ٤٠٢ . (٥) الکشاف ٣٧٨/٣. الآية : ٤٦ ٣١٣ الدارَ الآخرة، فإنَّ خُلوصهم في الطاعة بسبب تذكُّرهم إياها، وذلك لأنَّ مَطْمَحَ أنظارهم ومَطْرَحَ أفكارهم في كلِّ ما يأتون ويَذَرون جوارُ الله عزَّ وجلَّ، والفوزُ بلقائه، ولا يتسنَّى ذلك إلا في الآخرة. وقيل: أخلصناهم بتوفيقهم لها واللَّطف بهم في اختيارها، والباء كما في الوجه الأول للسببية، والكلامُ نحو قولك: أكرمته بالعلم، أي: بسبب أنه عالمٌ أکرمته، أو: أكرمتهُ بسبب أنك جعلته عالماً، وقد يُتخيَّلُ في الثاني أنه صلة، ويعضدُ الوجهَ الأولَ قراءةُ الأعمش وطلحة: ((بخالصتهم))(١). وأخرج ابن المنذر(٢) عن الضحاك أنَّ ((ذِكْرى الدار)) تذكيرهم الناسَ الآخرةَ، وترغيبهم إياهم فيها، وتزهيدهم إياهم فيها على وجهٍ خالص من الحظوظ النفسانيةِ كما في شأن الأنبياء عليهم السلام. وقيل: المراد بـ ((الدار)) الدارُ الدنيا، وبذِكْراها الثناءُ الجميلُ ولسانُ الصدق الذي ليس لغيرهم. وحكي ذلك عن الجبائيِّ وأبي مسلم، وذكره ابن عطية احتمالاً(٣)، وحاصلُ الآية عليه كما قال الطبرسي: إنَّا خصصناهم بالذِّكْر الجميل في الأعقاب(٤). وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج ونافع وهشام بإضافة ((خالصةٍ)) إلى ((ذكرى))(٥) للبيان، أي: بما خَلَصَ من ذكرى الدار، على معنى أنهم لا يشوبونَ ذكراها بهم آخرَ أصلاً، أو على غير ذلك من المعاني، وجُوَّزَ على هذه القراءة أن تكون (خالصة)) مصدراً، كالعاقبة والكاذبة، مضافاً إلى الفاعل، أي: أخلصناهم بأنْ خَلَصَتْ لهم ذِكْری الدار. (١) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥٠٩/٤، والبحر المحيط ٤٠٢/٧. (٢) كما في الدر المنثور ٣١٨/٥. (٣) في المحرر الوجيز ٥٠٩/٤. (٤) مجمع البيان ٢٣/ ١٢٤. (٥) التيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦١/٢ عن نافع وهشام وأبي جعفر. ٣١٤ الآية : ٤٧ - ٤٨ وظاهر كلام أبي حيان أنَّ احتمالَ المصدرية ممكنٌ في القراءة الأولى أيضاً، لكنه قال: الأظهر أن تكونَ اسم فاعل(١). ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ أي: المختارين من بين أبناء جنسهم، وفيه إعلالُ معروف. و((عندنا)): يجوز فيه أن يكونَ من صِلَة الخبر، وأن يكون من صلة محذوفٍ دلَّ عليه ((لمن المصطفين))، أي: وإنهم مصطفون عندنا، ولم يُجوِّزوا أن يكونَ من صلة (المصطفين)) المذكور؛ لأنَّ ((أل)) فيه موصولةٌ، ومصطفين صلةٌ، وما في حَيِّز الصِّلة لا يتقدَّمُ معموله على الموصول؛ لئلا يلزم تقدُّم الصِّلة على الموصول. واعتُرض بأنَّا لا نُسلِّمُ أنَّ ((أل)) فيه موصولةٌ؛ إذ لم يُرَدْ منه الحدوث، ولو سُلِّمَ فالمتقدِّم ظَرْفٌ، وهو يُتُوسَّعُ فيه ما لا يُتُوسَّعُ في غيره. والظاهر أنَّ الجملةَ عَطْفٌ على ما قبلها، وتأكيدُها لمزيد الاعتناء بكونهم عنده تعالى من المصطفين من الناس. ﴿اَلْأَخْيَارِ ® ﴾ الفاضلين عليهم في الخير، وهو جَمْعُ: خيرٍ، مقابل شَرِّ الذي ٤٧ هو أفعل تفضيل في الأصل، وكان قياسُ أفعل التفضيل أن لا يُجمَعَ على أفعال، لكنه للزومِ تخفيفه - حتى إنه لا يقال: أَخْيَرُ، إلا شذوذاً، أو في ضرورة - جُعِلَ كأنه بنيةٌ أصلية. وقيل: جمع: خَيِّرٍ، المشدَّد، أو: خَيْرٍ، المخفَّف منه، كأمواتٍ في جمع مَيِّتٍ بالتشديد أو مَيْتٍ بالتخفيف. ﴿وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ﴾ فَصَلَ ذِكْرَهُ عن ذِكْرٍ أبيه وأخيه؛ اعتناءً بشأنه من حيثُ إنه لا يشركُ العربَ فيه غيرُهم، أو للإشعار بعراقته في الصبر الذي هو المقصود بالذكر. ﴿وَلْيَسَعَ﴾ قال ابن جرير: هو ابن أخطوب بن العجوز، وذكر أنه استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثم استنبئ(٢). واللامُ فيه زائدةٌ لازمةٌ لمقارنتها للوضع، (١) البحر المحيط ٧/ ٤٠٢. (٢) تاريخ الطبري ٤٦٤/١. الآية : ٤٨ ٣١٥ سُورَ وَصِ﴾ ولا ينافي كونه غير عربيٍّ، فإنها قد لزمتْ في بعض الأعلام الأعجمية كالإسكندر، فقد لَخَّنَ التبريزيُّ من قال: إسكندر، مجرِّداً له منها، والأولى عندي أنه إذا كان اسماً أعجميًّا و((أل)) فيه مقارِنة للوضع أن لا يقال بزيادتها فيه. وقيل: هو اسمٌ عربيٍّ منقولٌ من يَسَعُ، مضارعٍ: وَسِعَ. حكاه الجلال السيوطيُّ في ((الإتقان))(١). وفي ((القاموس))(٢): يَسَحُ كـ: يَضَع: اسمٌ أعجميٌّ أُدخل عليه ((أل))، ولا تدخل على نظائره كـ : يزيد. وقرأ حمزة والكسائي: (واللَّيْسَع)) بلامَين والتشديد(٣)، كأنَّ أصله: لَيْسَع، بوزن فَيْعَلٍ من اللَّسْع، دخل عليه ((أل)) تشبيهاً بالمنقول الذي تدخله لِلَمْحِ أصله، وجزم بعضُهم بأنه على هذه القراءة أيضاً عَلَمٌ أعجميٌّ دخلَ عليه اللام. ﴿وَذَا الْكِفْلِّ﴾ قيل: هو ابن أيوب، وعن وَهْبٍ أنَّ الله تعالى بعثَ بعد أيوب شرفَ بن أيوب نبيّاً، وسماه: ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى توحيده، وكان مقيماً بالشام عمرَه حتى مات وعمرُه خمسٌ وسبعون سنة. وفي ((العجائب)) للكرماني: قيل: هو إلياس، وقيل: هو يُوشع بن نون، وقيل: هو نبيٌّ اسمه: ذو الكفل، وقيل: كان رجلاً صالحاً تكفَّلَ بأمورٍ فوقَّى بها، وقيل: هو زكريا من قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. اهـ. وقال ابن عساكر: هو نبيٌّ تكفَّل الله تعالى له في عمله بضِعْفٍ عمل غيره من الأنبياء. وقيل: لم يكن نبيّاً، وإن اليسع استخلفه، فتكفَّل له أن يصومَ النهارَ ويقومَ الليل، وقيل: أن يصلِّيَ كلَّ يومٍ مئة ركعة. وقيل: كان رجلاً من الصالحين كان في زمانه أربع مئة نبيٍّ من بني إسرائيل، فقتلهم ملكٌ جبَّارٌ إلا مئة منهم فرُّوا من القتل، فآواهم وأخفاهم وقام بمؤنتهم، فسمَّاه الله تعالى: ذا الكِفْل. (١) ٢ /١٠٧٢. (٢) مادة (وسع). (٣) التيسير ص١٠٤، والنشر ٢٦٠/٢. الآية : ٤٩ ٣١٦ وقيل: هو اليسعُ، وأنَّ له اسمين. ويأباه ظاهرٌ النظم. ﴿وَكُلٌ﴾ أي: وكلُّهم ﴿مِّنَ الْأَغْيَارِ ﴾﴾ المشهورين بالخيريَّة. ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الآيات الناطقة بمحاسنهم ﴿ذِكْرٌ﴾ أي: شَرَفٌ لهم، وشاعَ الذِّكْرُ بهذا المعنى؛ لأنَّ الشَّرَفَ يلزمه الشهرةُ والذكر بين الناس، فتجوِّز به عنه بعلاقة اللزوم، والمراد: في ذِكْر قصصهم وتنويه الله تعالى بهم شَرَفٌ عظيم لهم. أو المعنى: هذا المذكورُ من الآيات نوعٌ من الذِّكْرِ الذي هو القرآن، وذكر ذلك للانتقال من نوعٍ من الكلام إلى آخر، كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا بابٌ، ثم يشرعُ (١) في باب أَخر، ويقولُ الكاتبُ إذا فرغ من فصلٍ من كتابه، وأراد الشروعَ في آخر: هذا، وكان كيت وكيتَ. ويحذفُ ـ على ما قيل - الخبر في مثل ذلك كثيراً، وعليه: ﴿هَذَّا وَإِنَّ لِلِّغِينَ لَثَرَّ مَتَابٍ ﴾﴾ [ص: ٥٥] وستسمعُ إن شاء الله تعالى الكلامَ فيه، فلا يقال: إنه لا فائدة فيه؛ لأنه معلومٌ أنه من القرآن. وقال ابن عباس: هذا ذِكْرُ مَنْ مضى من الأنبياء عليهم السلام. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلْمُنَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ (﴾﴾ - أي: مرجعٍ ـ شروعٌ في بيان أَجْرهم الجزيل في الآجل، بعد بيان ذِكْرهم الجميل في العاجل، والمراد بالمتقين؛ إما الجنس، وهم داخلون فيه دخولاً أوليّاً، وإما نفسُ المذكورين، عبَّر عنهم بذلك مَدْحاً لهم بالتقوى التي هي الغايةُ القصوى في الكمال، والجملةُ فيما أرى عَظْفٌ على الجملة قبلها، كأنه قيل: هذا شَرَفٌ لهم في الدنيا، وإنَّ لهم ولأضرابهم، أو: إنَّ لهم في الآخرة لحسن مآب، أو هي من قبيل عَطْفِ القصة على القصة. وقال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة: هي حالية (٢). ولم يُبيِّنْ صاحبَ الحال، ويبعد أن يكون ((ذكْراً)) لأنه نكرةٌ متقدمةٌ، وأن يكون ((هذا)) لأنه مبتدأ، ومع ذلك في المعنى على تقدير الحالية خفاءٌ. (١) في (م): شرع. (٢) حاشية الشهاب ٣١٥/٧. الآية : ٥٠ ٣١٧ سُوَالأَ صِرْ﴾ وقال بعضُ أَجِلَّةِ المعاصرين: إنه أراد أنَّ الكلامَ على معنى: والحالُ كذا، أي: الأمرُ والشأنُ كذا، ولم يُرِدْ أنَّ الجملةَ حالٌ بالمعنى المعروف الذي يقتضي ذا حالٍ وعاملاً في الحال، إلى غير ذلك، وادَّعى أنَّ الأمرَ كذلكَ في كلِّ جملةٍ يقال إنها حالٌ وليس فيها ضميرٌ يعودُ على ما قبلها، نحو: جاء زيدٌ والشمسُ طالعةٌ، وقال: إنه الذي ينبغي أن يُعوَّلَ عليه وإن لم يذكره النحويون. اهـ. والحال لا يخفى على ذي تمييز. وإضافة ((حُسْن)) إلى ((مآب)) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ إما بتأويل: مآبٍ ذي حُسْنٍ، وإما بدونه قصداً للمبالغة. وقوله تعالى: ﴿َنَّتِ عَدْنٍ﴾ بدلُ اشتمال، وجُوِّزَ أن يكون نَصْباً على المدح، وجعله الزمخشريُّ عَظْفَ بيانٍ لـ ((حُسْن مآب))(١). و((عَدْن)) قيل: من الأعلام الغالبة غلبةً تقديريةً، ولزومُ الإضافة فيها أو تعريفها باللام أغلبيٍّ كما صرَّح به ابن مالك في ((التسهيل))، و((جنات عَدْنٍ)) كمدينة طيبة، لا كإنسان زيد، فإنه قبيح. وقيل: العَلَمُ مجموع ((جنات عدن)»، وهو أيضاً من غير الغالب؛ لأنَّ المرادَ من الإضافة التي تعوضها العلم بالغلبة إضافة تفيده تعريفاً، وعلى القولين هو مُعيَّنٌ، فيصلحُ للبيان، لكن تعقَّبَ ذلك أبو حيان(٢) بأنَّ للنحويين في عَظْفِ البيان مذهبين؛ أحدهما أنَّ ذلك لا يكون إلا في المعارف، فلا يكونُ عَظْفُ البيان إلا تابعاً لمعرفة، وهو مذهب البصريين، والثاني أنه يجوزُ أن يكونَ في النكرات، فيكون عَظْفُ البيان تابعاً لنكرة، كما تكونُ المعرفةُ فيه تابعةً لمعرفةٍ، وهذا مذهب الكوفيين وتبعهم الفارسي؛ وأما تخالفهما في التنكير والتعريف، فلم يذهب إليه أحدٌ سوى الزمخشري، كما قد صرَّحَ به ابنُ مالكٍ في ((التسهيل)»(٣) فهو بناءٌ للأمر على مذهبه. وذهب آخرون أنَّ عَدْناً مصدرُ: عَدَنَ بمكان كذا: استقرَّ، ومنه المعدِنُ لمستقرِّ الجواهر، ولا عَلميَّةً ولا نَقْلَ هناك، ومعنى ((جناتٍ عَدْنٍ)) جناتِ استقرارٍ وثباتٍ، فإنْ كان عَظْفَ بيانٍ فهو على مذهب الكوفيين والفارسي. (١) الكشاف ٣٧٨/٣. (٢) في البحر ٤٠٥/٧. (٣) ص ١٧١ . ٣١٨ الآية : ٥٠ ومن الغريب ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: سألتُ كَعْباً عن قوله . تعالى: ﴿َنَّتِ عَدْنٍ﴾ فقال: جناتُ كرومٍ وأعنابٍ، بالسريانية(١). وفي تفسير جويبر(٢) أنه بالروميّة. وقوله تعالى: ﴿مُفَنَّحَةٌ لَُّ الْأَبْوَبُ ﴾﴾ إما صفةٌ لـ ((جناتِ عَدْنٍ))، وإليه ذهب ابن إسحاق وتبعه ابن عطية (٣)، أو حالٌ من ضميرها المستتر في خبر ((إنَّ))، والعامل فيه الاستقرار المقدَّرُ أو نفسُ الظرف؛ لتضمُّنه معناه ونيابته عنه، وإليه ذهب الزمخشريُّ(٤) ومختصرو كلامهِ، أو حالٌ من ضميرها المحذوف مع العامل لدلالة المعنى عليه، والتقدير: يدخلونها مفتَّحةً. وإليه ذهب الحوفيُّ. و((الأبواب)) نائبُ فاعلِ (مفتَّحة)) عند الجمهور، والرابط العائد على الجنات محذوفٌ، تقديره: الأبوابُ منها، واكتفى الكوفيون عن ذلك بـ ((أل)) لقيامها مقام الضمير، فكأنه قيل: مفتَّحةً لهم أبوابها، وذهب أبو عليٍّ إلى أنَّ نائبَ فاعل (مفتَّحة)) ضميرُ الجنات، و((الأبوابُ)) بدلُ منه بدلَ اشتمالٍ كما هو ظاهرُ کلام الزمخشري(٥)، ولا يصحُّ أن يكونَ بدلَ بعضٍ من كلٌّ؛ لأنَّ أبوابَ الجناتِ لیست بعضاً من الجنات على ما قال أبو حيان(٦). وقرأ زيد بن عليٍّ وعبد الله بن رفيع وأبو حيوة: ((جناتُ عَدْنٍ مفتَّحةٌ)) برفعهما(٧) على أنهما خبران لمحذوفٍ، أي: هو - أي: المآبُ - جناتُ عدنٍ مفتَّحةٌ لهم أبوابه، أو: هو جناتُ عدنٍ هي مفتَّحةٌ لهم أبوابها، أو على أنهما مبتدأٌ وخبرٌ. ووَجْهُ ارتباط الجملة بما قبلها أنها مفسِّرةٌ لحُسْنِ المآب؛ لأنَّ محصّلها: جناتٌ أبوابها فُتِّحتْ إكراماً لهم، أو هي معترضةٌ. (١) تفسير الطبري ١١/ ٥٦١ . (٢) في (م): ابن جرير. (٣) في المحرر الوجيز ٥١٠/٤، والكلام من البحر ٤٠٥/٧، وفيه: أبو إسحاق. (٤) في الكشاف ٣٧٨/٣. (٥) في الكشاف ٣٧٨/٣. (٦) في البحر المحيط ٧/ ٤٠٥ . (٧) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والكشاف ٣٧٨/٣، والبحر ٤٠٥/٧. الآية : ٥١ - ٥٢ ٣١٩ سُورَةُ صِ﴾ وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِيهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَدْعُونَ فِيَهَا بِفَكِهَذْ كَثِيرَةٍ قيل: حالان من ضمير ((لهم))، وهما حالان مقدَّران؛ لأنَّ الاتكاءَ ٥١ وَشَرَابٍ وما بعده ليس في حالٍ تفتيح الأبواب بل بعده. وقيل: الأولُ حالٌ مقدَّرةٌ من الضمير المذكور، والثاني حالٌ من ضمير (متكئين))، وجُوِّزَ جعلُهما حالَين من المتقين، ولا يصحُّ إلا إن قلنا بأنَّ الفاصلَ ليس بأجنبيٍّ، والظاهرُ أنه أجنبيٍّ. وقال بعض الأجلَّة: الأظهر أنَّ (متكئين)) حالٌ من ضمير ((يدعون)) قُدِّمَ رعايةً للفاصلة، و((يدعون)) استئنافٌ لبيان حالهم، كأنه قيل: ما حالهم بعد دخولها؟ فقيل: يَدِعونَ فيها بفاكهةٍ كثيرةٍ وشرابٍ متَّكئينَ فيها . والاقتصارُ على الفاكهة للإيذان بأنَّ مطاعِمَهُمْ لمحضِ التفكُّهِ والتلذُّذ، دونَ التغذِّي فإنه لتحصيل بدلٍ، ولا تَحلُّلَ ئمةً. ولمَّا كانت الفاكهةُ تتنوَّعُ، وَصَفَها سبحانه بالكَثْرة، وكثرتُها باختلاف أنواعها وكثرةٍ كلِّ نوعٍ منها، ولمَّا كان الشرابُ نوعاً واحداً وهو الخمر، أُفردَ. وقيل: وُصِفَتِ الفاكهةُ بالكَثْرةِ ولم يُوصفِ الشرابُ؛ للإيذان بأنه يكون على الشراب نقلٌ كثيرٌ، سواءٌ تعدَّدتْ أنواعه أم اتَّحدتْ. ويمكن أن يقال - والله تعالى أعلم -: التقديرُ: وشرابٌ كثيرٌ. لكن حُذِفَ ((كثيرٌ)) لدلالة ما قبلُ ورعايةً للفاصلة. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَضِرَتُ اٌلَّرْفِ﴾ أي: على أزواجهنَّ، لا ينظرنَ إلى غيرهم، أو: قاصراتٌ طَرْفَ أزواجهنَّ عليهنَّ، فلا ينظرونَ إلى غيرهنَّ لِشِدَّةِ حسنهنَّ، وتمام الكلام قد مرَّ وحلا. ﴿أَزَبُ ® أي: لِداتٌ على سِنِّ واحدةٍ تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوعُ الصَّدْر، أو لسقوطهنَّ معاً على الأرض حين الولادة ومسِّهنَّ ترابها، فكأنَّ التِّرْبَ بمعنى المتارب، كالمِثْل بمعنى المماثل. والظاهر أنَّ هذا الوصفَ بينهنَّ، فيكونُ في ذلك إشارة إلى محبة بعضهنَّ لبعضٍ، وتصادقهنَّ فيما بينهنَّ، فإنَّ النساءَ الأَتراب يتحابينَ ويتصادقنَ، وفي ذلك ٣٢٠ الآية : ٥٣ راحةٌ عظيمةٌ لأزواجهنَّ، كما أنَّ في تباغض الضرائر نَصَبَاً عظيماً وخَطْباً جسيماً لهم، وقد جُرِّبَ ذلك وصَحَّ، نسأل الله تعالى العفو والعافية. وقيل: إنَّ ذلك بينهنَّ وبين أزواجهنَّ، أي: إنَّ أسنانهنَّ كأسنانهم ليحصلَ كمالُ التَّحابِّ. ورُجُحَ بأنَّ اهتمامَ الرجل بحصول المحبة بينه وبين زوجته أشدُّ من اهتمامه بحصولها بين زوجاته، وفيه توقُّفٌ، ثم إنَّ الوصفَ الأولَ على المعنى الأول متكفِّلٌ بالدلالة على محبَّتهنَّ لأزواجهنَّ، وعلى المعنى الثاني متكفِّلُ بالدلالة على محبة أزواجهنَّ لهنَّ، وإذا حصلتِ المحبةُ من طَرَفٍ، فالغالبُ حصولُها من الطرف الآخر، وقد قيل: من القلب إلى القلب سبيلٌ، والأمرُ في الشاهد أنَّ كَوْنَ الزوجاتِ أصغر من الأزواج أحبُّ لهم، لا التساوي. واختار بعضُهم كونَ ذلك بينهنَّ وبين أزواجهنَّ، ويلزمُ منه مساواةُ بعضهنَّ لبعضٍ، وهذا إذا كان المرادُ بقوله تعالى: ((وعندهم)) إلخ: وعند كلّ واحدٍ منهم، ولو كان المراد: وعند مجموعهم، وكان الجمعُ موزَّعاً بأن يكونَ لكلِّ واحدٍ واحدٍ من أهل الجنة واحدةٌ واحدةٌ من قاصرات الطَّرْف الأتراب، كان اعتبار كون الوَصْفِ بينهنَّ وبين الأزواج كالمتعیِّن، لكنَّ هذا الفرضَ خلافُ ما نطقتْ به الأخبار، سواء قلنا بما روي عن ابن عباس من أنَّ الآيةَ في الآدميَّات، أو قلنا بما قاله صاحبُ ((الغنيان)) من أنها في الحور. وقيل بناءً على ما هو الظاهر في الوصف: إنَّ التساوي في الأعمار بين الحور وبين نساء الجنة، فالآية فيهما . ﴾ أي: لأجل يوم الحساب، فإنَّ ما وُعدوه ٥٣ ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَّوْمِ الْحِسَابِ لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة، وهي تظهر بالحساب، فجعل كأنه علَّةٌ لتوقُّفٍ إنجاز الوعد، فالنسبةُ لليوم والحساب مجازيةٌ. وجُوِّزَ أن تكون اللامُ بمعنی ((بعد)» كما في: کتبَ لخمسٍ خَلَوْنَ من جمادى الآخرة، مثلاً، وهو أقلُّ مؤنة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يُوعَدون)) بياء الغيبة(١)، وعلى قراءة الجمهور بتاء الخطاب فيه التفاتٌ. ــ (١) التيسير ص ١٨٨، والنشر ٣٦١/٢.