النص المفهرس
صفحات 261-280
الآية : ٢٦ ٢٦١ سُورَوَ صِ﴾ كان منصوباً من قِبَله لتنفيذ ما يريده، وعلى الثاني من قبيل: هذا الولدُ خليفةٌ عن أبيه، أي: سادٌّ مَسَدَّهُ قائمٌ بما كان يقومُ به من غیر اعتبارٍ لحياةٍ وموتٍ وغيرهما، والأول أظهرُ، والمِنَّةُ به أعظمُ، فهو عليه السلام خليفةُ الله تعالى بالمعنى الذي سمعتَ، قال ابن عطية: ولا يقالُ: خليفة الله تعالى إلا لرسوله، وأما الخلفاءُ فكلُّ واحدٍ منهم خليفةُ مَنْ قبله، وما يجيءُ في الشعر من تسمية أحدهم: خليفة الله، فذلك تجوُّزٌ كما قال قيس الرقيَّات: خليفةُ الله في بَرِيَّتِهِ جَفَّتْ بذاك الأقلامُ والكتب(١) وقالت الصحابة لأبي بكر: خليفة رسول الله، وبذلك كان يُدْعى إلى أن تُوفِّيَ، فلما وليَ عمرُ قالوا: خليفةُ خليفةِ رسول الله، فعُدِلَ عنه اختصاراً إلى: أمير المؤمنین(٢). وذهب الشيخ الأكبر محيي الدين قُدِّسَ سِرُّهُ إلى أنَّ الخليفةَ من الرسل مَنْ فُوِّضَ إليه التشريع. ولعلَّه من جملة اصطلاحاته، ولا مُشاخَّةً في الاصطلاح. واستدلَّ بعضُهم بالآية على احتياج الأرض إلى خليفةٍ من الله عزَّ وجلَّ، وهو قولُ مَنْ أَوْجَبَ على الله تعالى نَصْبَ الإمام؛ لأنه من اللُّطف الواجب عليه سبحانه، والجماعةُ لا يقولون بذلك، والإمامةُ عندهم من الفروع، وإن ذكروها في كتب العقائد، وليس في الآية ما يلزمُ منه ذلك كما لا يخفى، وتحقيقُ المطلب في محله. ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الذي شَرَعَهُ الله تعالى لك، فالحقُّ خلافُ الباطل، و((أل)) فيه للعهد، وجُوِّزَ أن يُرادَ به ما هو من أسمائه تعالى، أي: بحكم الحقِّ، أي: الله عزَّ وجلَّ؛ للعلم بأنَّ الذَّواتِ لا يكونُ محكوماً بها . وتُعقِّبَ بأنَّ مقابلته بالهوى تأبى ذلك، ولعلَّ مَنْ يقولُ به يجعلُ المقابل المضافَ المحذوف، والمقابلة باعتبار أنَّ حُكْمَ الله تعالى لا يكونُ إلا بالحقِّ، (١) البيت في طبقات فحول الشعراء ٦٥٥/٢، والكامل ٨٢٩/٢. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٠٢ . سُالأَصَ ٢٦٢ الآية : ٢٦ وفُرِّعَ الأمرُ بالحكم بالحقِّ على ما تقدَّم؛ لأنَّ الاستخلافَ بكلا المعنيين مقتضٍ للحُكْم العدل، لا سيّما على المعنى الأول؛ لظهور اقتضاء كونه عليه السلام خليفة له تعالى أن لا يخالف حُكْمُهُ حُكْمَ مَن استخلفه، بل يكونُ على وَفْق إرادته ورضاه. وقيل: المترتّبُ مُطْلقُ الحُكْم؛ لظهور ترتُّبه على كونه خليفة. وذكر الحقّ؛ لأنَّ به سداده، وقيل: ترتّب ذلك؛ لأنَّ الخلافةَ نعمةٌ عظيمةٌ، شُكْرها العدل. وفي ((البحر)): أنَّ هذا أمرٌ بالديمومة، وتنبيهٌ لغيره ممَّن وَليَ أمورَ الناس أن يحكمَ بينهم بالحقِّ، وإلا فهو من حيث إنه معصومٌ لا يحكُمُ إلا بالحقِّ(١). وعلى نحو هذا يُخرَّجُ النهيُ عندي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَّعِ الْهَوَى﴾ فإنَّ اتباعَ الهوى مما لا يكادُ يقعُ من المعصوم. وظاهرُ السياق أنَّ المرادَ: ولا تتبع هوى النفس في الحكومات، وعمَّمَ بعضُهم فقال: أي: في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا. وأُيِّدَ بهذا النهي ما قيل: إنَّ ذنبهُ عليه السلام المبادرةُ إلى تصديق المدَّعي، وتظليمُ الآخر قبل مساءلته، لا الميلُ إلى امرأة أُوريا، فكأنه قيل: ولا تَتَّبَعِ الهوى في الحكم كما اتَّبعته أولاً. وفيه أنَّ اتِّباعَ الهوى وحُكْمَهُ بغير ما شَرَعَ الله تعالى له غيرُ مناسبٍ لمقامه، لاسيَّما وقد أخبر الله تعالى قبل الإخبار بمسألة المتحاكمين أنه آتاهُ الحُكْمَ وفَصْلَ الخطاب، فليس هذا إلا إرشاداً لما يقتضيه منصبُ الخلافة، وتنبيهاً لمن هو دونه عليه السلام. وأصل الهوى: مَيْلُ النفس إلى الشهوة، ويقال للنفس المائلة إليها، ويكون بمعنى المهوي كما في قوله : هوايَ مع الرَّكْبِ اليمانِينَ مُضْعِدٌ جَنِيبٌ وجثماني بمَّةَ مُوثقٌ(٢) وبه فسَّرَهُ هنا بعضُهم، فقال: أي: لا تتَّبع ما تهوى الأنفس. (١) البحر المحيط ٣٩٥/٧. (٢) البيت لجعفر بن علبة الحارثي وهو في الحماسة البصرية ١٢٥/٢، ومعاهد التنصيص ١٢٠/١، والخزانة ٣٠٧/١٠. الآية : ٢٦ ٢٦٣ ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ بالنَّصْبِ على أنه جوابُ النهي، وقيل: هو مجزومٌ بالعطف على النهي مفتوحٌ لالتقاء الساكنين، أي: فيكون الهوى أو اتِّباعُهُ سبباً لضلالك عن دلائله التي نَصَبها على الحقِّ، وهي أعمُّ من الدلائل العقلية والنقلية، وصدُّ ذلك عن الدلائل إما لعدم فَهْمها أو العمل بموجبها . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَِّنَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ الَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ تعليلٌ لما قبله ببيان غائلته، وإظهارُ ((سبيل الله) في موضع الإضمار لزيادة التقرير، والإيذانِ بكمال شناعة الضَّلال عنه، وخبرُ ((إنَّ) إما جملةُ ((لهم عذاب)) على أنَّ ((لهم)) خبرٌ مقدَّمٌ و(«عذابٌ)) مبتدأ، وإما الظرفُ و((عذابٌ)) مرتفعٌ على الفاعلية بما فيه من الاستقرار. وقرأ ابن عباس والحسن بخلافٍ عنهما وأبو حيوة: ((يُضِلّون)) بضمِّ الياء(١)، قال أبو حيان: وهذه القراءةُ أعمُّ؛ لأنه لا يُضِلُّ إلا ضالٌّ في نفسه، وقراءة الجمهور أوضحُ؛ لأنَّ المرادَ بالموصول مَنْ أَضَلَّهمُ اتباعُ الهوى، وهم بعد أنْ أَضَلَّهم صاروا ضالِّين(٢). وقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا﴾ متعلِّقٌ بالاستقرار، والباءُ سببيةٌ، و ((ما)) مصدريةٌ، اَلْحِسَابِ ﴾ مفعول ((نسوا)» على ما هو الظاهر، أي: ثابتٌ ـوْمَ وقوله سبحانه: لهم ذلك العذابُ بسبب نسيانهم وعدم ذِكْرهم يومَ الحساب؛ وعليه يكونُ تعلیلاً صريحاً لثبوتِ العذاب الشديد لهم بنسيان يوم الحساب بعد الإشعار بعِلِّيّة ما يستتبعه ويستلزمه، أعني الضلال عن سبيل الله تعالى، فإنه مستلزمٌ لنسيان يوم الحساب بالمرَّةِ، بل هذا فَرْدٌ من أفراده. وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنَّ الكلامَ من التقديم والتأخير، أي: لهم يومَ الحساب عذابٌ شديدٌ بما نسوا(٣). فيكونُ ((يوم الحساب)) ظَرْفاً لقوله تعالى: (لَهُمْ) وجعل النسيان عليه مجازاً عن ضلالهم عن سبيل الله بعلاقة السببية، ومن (١) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥٠٢/٤، والبحر المحيط ٣٩٥/٧. (٢) البحر المحيط ٣٩٥/٧. (٣) تفسير الطبري ٧٨/٢٠. سُورَةُ صِرْح ٢٦٤ الآية : ٢٧ ضرورته جَعْلُ مفعول النسيان ((سبيل الله))، وعليه يكون التعليلُ المصرَّحُ به عينَ التعليل المشعِر به بالذات، غيرَه بالعنوان. فتدبر. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ أي: خَلْقاً باطلاً، فهو منصوبٌ على النيابة عن المفعول المطلق نحو: كُلْ هنيئاً، أي: أَكْلاً هنيئاً. والباطلُ: ما لا حِكْمة فيه، وجُوِّزَ كونه حالاً من فاعل ((خلقنا)» بتقدير مضافٍ، أي: ذوي باطل، والباطلُ: اللعبُ والعَبَثُ، أي: ما خلقنا ذلك مبطلين لاعبين كقوله تعالى: خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَنَهُمَا لَعِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]. وجُوِّزَ كونه حالاً من المفعول أيضاً بنحو هذا التأويل. وأيَّاما كان، فالكلامُ مستأنَفٌ مقرِّرٌ لما قبله من أمرٍ المعاد والحساب، فإنَّ خَلْقَ السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات مشتملاً على الحِكَم الباهرة والأسرار البالغة والفوائد الجمَّة، أقوى دليلٍ على عِظَم القُدْرة، وأنه لا يتعاصاها أمرُ المعاد والحساب، فإنَّ خَلْقَ ذلك كذلك مُؤذِنٌ بأنه عزَّ وجلَّ لا يتركُ الناسَ إذا ماتوا سُدّى، بل يُعيدهم ويحاسبهم، ولعلَّه الأولى. وجُوِّزَ كونُ الجملة في موضع الحال في فاعل: ((نسوا)) جيءَ بها لتفظيع أمر النسيان، كأنه قيل: بما نسوا يومَ الحساب، مع وجود ما يُؤذِنُ به. وهو كما ترى. وجُوِّزَ كون ((باطلاً)) مفعولاً له، ويُفَسَّرُ بخلاف الحقِّ، ويُرادُ به متابعةُ الهوى، كأنه قيل: ما خلقنا هذا العالم للباطل الذي هو متابعةُ الهوى، بل للحقِّ الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرُّع بالشرع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ولا يخفى بُعْدُهُ، وعليه تكون الجملةُ مستأنفةً لتقرير أمرِ النهي عن اتباع الهوى، وقيل: تكونُ عَظْفاً على ما قبلها بحَسَبِ المعنى، كأنه قيل: لا تَتَّبِعِ الهوى لأنه يكونُ سبباً لضلالك، ولأنه تعالى لم يخلقِ العالمَ لأجل متابعة الهوى، بل خَلَقَهُ للتوحيد والتمسُّك بالشرعِ، فلا تغفل. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما نفي من خَلْقِ ما ذُكر باطلاً ﴿فَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: مظنونهم؛ ليصحَّ الحَمْلُ، أو يُقدَّرَ مضافٌ، أي: ظَنُّ ذلك ظَنُّ الذين كفروا، فإنَّ الآية : ٢٨ ٢٦٥ إنكارهم المعادَ والجزاءَ قولٌ بأنَّ خَلْقَ ما ذُكِرَ خالٍ عن الحكمة، وإنما هو عَبَثٌ، ولذا قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أو فإنَّ إنكارهم ذلك قولٌ بنفي عِظَم القدرة، وهو قولٌ بنفي دليله، وهو خَلْقُ ما ذُكِرَ مشتملاً على الحِكَم الباهرة والأسرار، وهذا بناءً على الوجه الأول في بیان التقرير، وهو كما ترى. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ وخبرٌ، والفاءُ لإفادة ترتُّبِ ثبوتِ الويل لهم على ظنِّهم الباطل، كما أنَّ وَضْعَ الموصول موضعَ ضميرهم؛ لإشعار ما في حَيِّزِ الصِّلة بعِلِيَّةِ كُفْرهم له، ولا تَنافي بينهما؛ لأنَّ ظَنَّهم من باب كُفْرِهم، فيتأكَّدُ أَمْرُ التعليل. ﴾ ابتدائيةٌ أو بيانيةٌ أو تعليليةٌ، كما في قوله و ((من)) في قوله تعالى ﴿مِنَ النَّارِ ( ٢٧ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] ونظائره، وتفيدُ على هذا عِلِّيَّةَ النار لثبوت الويل لهم صريحاً بعد الإشعار بعِلِّيَّةِ ما يؤدِّي إليها من ظنِّهم وكُفْرهم، أي: فويلٌ لهم بسبب النار المترتِّبةِ على ظَنِّهم وكُفْرهم، قيل: والكلامُ عليه على تقدير مضافٍ، أي: من دخول النار. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ﴾ (أم)) منقطعةٌ وتُقَدَّرُ بـ ((بل)) والهمزة، والهمزةُ لإنكار التسوية بين الفريقين ونفيها على أبلغ وجه وآكدِه، و((بل)) للإضراب الانتقالي من تقرير أمرٍ البعث والحساب بما مرَّ من نفي خَلْقٍ العالم باطلاً، إلى تقريره وتحقيقه بإنكار التسوية بين الفريقين، أي: بل أَنَجعلُ المؤمنينَ المصلحينَ كالكَفَرة المفسدين في الأرض التي جُعِلَتْ مقرًّاً لهم كما يقتضيه عدمُ البعث وما يترتَّبُ عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتُّع في الحياة الدنيا، بل أكثرُ الكَفَرة أوفرُ حَظّاً منها من أكثر المؤمنين، لكنَّ ذلك الجَعْلَ مُحالٌ مخالفٌ للحكمة، فتعيَّنَ البعثُ والجزاءُ حَتْماً لرفع الأوَّلينَ إلى أعلى عِلِّين، ورَدِّ الآخَرين إلى أسفل سافلين. كذا قالوا، وظاهره أنَّ مُحالية جَعْلِ الفريقين سواءً حِكْمةٌ تقتضي تعيُّنَ المعاد الجسماني، وفيه خفاءٌ، والظاهر أنَّ المعادَ الروحانيَّ يكفي لمقتضى الحِكْمة من إثابة الأولين وتعذيب الآخَرين، فالدليلُ العقليُّ الذي تُشير إليه الآيةٌ ظاهرٌ في إثبات سُورَةُ صِرْ ٢٦٦ الآية : ٢٩ معادٍ، لكن بعد إبطال التناسخ، وهو كافٍ في الرَّدِّ على كَفَرة العرب، فإنهم لا يقولون بمعادٍ بالكلية، ولم يخطر ببالهم التناسخُ أصلاً، ولإثبات المعاد الجسمانيّ طريقٌ آخرُ مشهورٌ بين المتكلِّمين، وجَعْلُ هذا الدليل العقليّ طريقاً لإثباته يحتاجُ إلى تأمَّلٍ، فتأمل. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُبَّارٍ ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ عن إثبات ما ذُكِرَ ٣٨ بلزوم المُحال الذي هو التسويةُ بين الفريقين المذكورين على الإطلاق إلى إثباته بلزوم ما هو أظهرُ منه استحالةً، وهي التسويةُ بين أتقياء المؤمنين وأشقياء الكَفَرة، وحَمْلُ الفجَّار على فَجَرة المؤمنين مما لا يُساعده المقام، ويجوز أن يُراد بهذين الفريقين عينُ الأوَّلينِ، ويكونُ التكرير باعتبار وَصْفَين آخرين هما أَدْخَلُ في إنكار التسوية من الوصفين الأولين، وأيَّاما كان، فليس المرادُ من الجمعين في الموضعين أناساً بأعيانهم، ولذا قال ابن عباس: الآيةُ عامةٌ في جميع المسلمين والكافرين. وقيل: هي في قومٍ مخصوصين من مشركي قريشٍ قالوا للمؤمنين: إنَّا نُعطَى في الآخرة من الخير ما لاَّ تُعطّون، فنزلت. وأنت تعلم أنَّ العبرةَ لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس أخرجها ابنُ عساكر(١) أنه قال: ((الذين آمنوا)»: عليٌّ وحمزةُ وعبيدةُ بن الحارث ﴿ه، و ((المفسدين في الأرض)): عتبةُ والوليدُ بن عتبة وشيبة، وهم الذين تبارزوا يوم بدر. ولعلَّه أراد أنهم سببُ النزول. وقوله تعالى: ﴿كِتَبُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، هو عبارةٌ عن القرآن أو السورة، ويجوز على الثاني تقديره مذكّراً، أي: هو، أو: هذا، وهو الأَولى عند جمعٍ؛ رعايةٌ للخبر، وتقديرُهُ مؤنَّئاً رعايةً للمرجع، وقوله تعالى: ﴿أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ﴾ صفتُهُ. وقوله سبحانه: ﴿مُبَّدٌ﴾ أي: كثيرُ المنافع الدينية والدنيوية، خبرٌ ثانٍ للمبتدأ، أو صفةُ ((كتاب)) عند من يُجوِّزُ تأخيرَ الوَصْفِ الصَّريح عن غير الصريح. (١) في تاريخ دمشق ٧/ ١٧٥ . الآية : ٣٠ ٢٦٧ ٢٨ وقرئ: ((مباركاً)) بالنصب(١) على أنه حالٌ من مفعول ((أنزلنا)) وهي حالٌ لازمةٌ؛ لأنَّ البركة لا تفارقه. جَعَلَنا الله تعالى في بركاته ونَفَعنا بشریف آياته . وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيَّبَّوْ ءَايَتِهِ.﴾ متعلُّقٌ بـ: «أنزلناه))، وجُوِّزَ أن يكونَ متعلِّقاً بمحذوفٍ يدلُّ عليه. وأصله: ليتدبَّروا، بتاء بعد الياء آخرِ الحروف. وقرأ عليّ كرَّم الله تعالى وجهه بهذا الأصل(٢). أي: أنزلناه ليتفكّروا في آياته التي من جملتها هذه الآياتُ المعربةُ عن أسرار التكوين والتشريع، فيعرفوا ما يَذْبر(٣)، ويَتْبَعُ ظاهرها من المعاني الفائقة والتأويلات اللائقة، وضميرُ الرفع لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني، أو للمؤمنين فقط، أو لهم وللمفسدين. وقرأ أبو جعفر: ((لِتَدَبَّروا)) بتاء الخطاب وتخفيف الدال(٤)، وجاء كذلك عن عاصمٍ والكسائيِّ بخلافٍ عنهما، والأصل لِتَتَدبَّروا بتاءين، فحذفتْ إحداهما على الخلاف الذي فيها، أهي تاءُ المضارعة أم التاءُ التي تليها، والخطابُ للنبيِّ وَّه وعلماءِ أمته على التغليب، أي: لِتدَّبَّرَ أنت وعلماء أمتك. ﴿ وَلَنَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْنَبِ أي: وليتَّعظُ به ذوو العقول الزاكية الخالصة من ٢٩ الشوائب، أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم لِفَرْطِ تمكّنهم من معرفته، لِمَا نُصب عليه من الدلائل، فإنَّ إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب لبيان ما لا يُعرفُ إلا من جهة الشرع؛ كوجوب الصلوات الخمس والإرشاد على ما يستقلُّ العقلُ بإدراكه، كوجود الصانع القدیم جلَّ جلاله وعمَّ نواله. ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدِ﴾ وقرئ: ((نَعِمَ) على الأصل(٥)، والمخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نِعْمَ العبدُ هو، أي: سليمان، كما يُنبئُ عنه تأخيرُهُ عن داود، مع كونه مفعولاً صريحاً لـ ((وهبنا))، ولأنَّ قوله تعالى ﴿إِنَّهُ: أَوَّبُ ﴾﴾﴾ - أي: (١) الكشاف ٣٧٢/٣، والبحر المحيط ٣٩٥/٧. (٢) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والبحر المحيط ٣٩٥/٧-٣٩٦. (٣) بوزن يضرب بمعنى: يَتْبع، من دَبَره: إذا تبعه. حاشية الشهاب ٣٠٨/٧. (٤) النشر ٣٦١/٢. (٥) الكشاف ٣٧٣/٣، والبحر ٣٩٦/٧. ٢٦٨ الآية : ٣١ رَجَّاعٌ إلى الله تعالى بالتوبة كما يُشعر به السياق، أو إلى التسبيح مُرجِّعٌ له، أو إلى مرضاته عزَّ وجلَّ - تعليلٌ للمدح، وهو من حاله، لِمَا أنَّ الضميرَ المجرورَ في قوله سبحانه ﴿إِذْ تُرِضَ عَلَيْهِ﴾ يعودُ إليه عليه السلام قَطْعاً. و(إذ)) منصوبٌ بـ ((اذكر))، والمراد من ذِكْرِ الزمان ذِكْرُ ما وقع فيه، أو ظرفٌ لـ ((أَوَّابٍ)) أو لـ (نِعْم)) والظرفُ قنوعٌ، لكن يَرِدُ على الوجهين أنَّ التقييدَ يُخِلُّ بكمال المدح، فالأولُ أَولى، وهو كالاستشهاد على أنه أوابٌ، أي: اذكرْ ما صَدَرَ عنه إذ عُرض عليه ﴿بَلْعَشِ﴾ إلخ، فإنه يشهدُ بذلك، والعَشيُّ - على ما قال الراغب - من زوال الشمس إلى الصباح(١)، وقال بعضٌ: منه إلى آخر النهار. والظّرفان متعلِّقان بـ ((عُرض))، وقوله تعالى: ﴿الصَّفِنَتُ﴾ نائبُ الفاعل، وتأخيره عنهما لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من التشويق إلى المؤشّر. والصافنُ من الخيل: الذي يرفعُ إحدى يديه أو رجليه، ويقفُ على مقدَّم حافرها، وأنشد الزجاج: أَلِفَ الصُّفونَ فما يزالُ كأنَّهُ مما يقومُ على الثلاثِ كسيرا(٢) وقال أبو عبيدة: هو الذي يجمعُ يديه ويُسوِّيهما، وأما الذي يقفُ على طَرَفٍ الحافر فهو المتخيِّم (٣). وعن ((التهذيب)) ومتن اللغة: هو المُخِيْم(٤)، وقال القتبي: الصافنُ: الواقفُ في الخيل وغيرها(٥)، وفي الحديث: ((مَنْ سَرَّهُ أن يقومَ الناسُ له صفوناً فليتبوَّأ مقعده من النار))(٦) أي: يُديمون له القيام. حكاه قُطْربٌ، وأنشد للنابغة : (١) مفردات ألفاظ القرآن (عشا). (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٣٣٠. وجاء في (م): كثيراً. بدل: كسيرا. (٣) مجاز القرآن ٢/ ١٨٢. (٤) تهذيب اللغة ٦٠٦/٧ . (٥) غريب القرآن للقتبي ص٣٧٩. (٦) قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٢: لم أجده هكذا. وقال ابن العربي في أحكام القرآن ١٦٣٥/٤: هذا حديث موضوع. وأخرج الترمذي (٢٧٥٥) من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((من سَرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)). الآية : ٣١ ٢٦٩ سُورَةِ صِرْ﴾ عِتاقُ المَهارى والجياد الصَّوافن(١) لنا قُبَّةٌ مضروبةٌ بفنائها وقال الفراء: رأيتُ العربَ على هذا، وأشعارُهم تدلُّ على أنه القيامُ خاصَّة(٢). والمشهورُ في الصُّفون ما تقدم، وهو من الصفات المحمودة في الخيل، لا تكادُ تتحقّقُ إلا في العِرَاب(٣) الخُلَّص. ﴿إِيَادُ ﴾﴾ جمعُ: جوادٍ، للذكر والأنثى، يقال: جاد الفرسُ: صارَ رائضاً، يجودُ مُجُودً بالضَّمِّ، وهو جوادٌ، ويُجمعُ أيضاً على أجوادٍ وأجاويد، وقال بعضهم: هو جَمْعُ: جَوْدٍ، كَثَوبٍ وأثواب، وفُسِّرَ بالذي يُسرِعُ في مَشْيه، وقيل: هو الذي يجودُ بالركض، وقيل: وُصِفَتْ بالصُّفون والجودة؛ لبيان جَمْعها بين الوصفين المحمودين واقفةً وجاريةً، أي: إذا وقفتْ كانت ساكنةً مطمئنةً في مواقفها، وإذا جَرَتْ كانت سراعاً خفافاً في جريها، والخيلُ تُمدَحُ بالسُّكون في الموقف، كما تُمدَحُ بالسُّرعة في الجري، ومن ذلك قولُ مسلم بن الوليد: عَلَكَ الشَّکیمَ إلى انصراف الزائر (٤) وإذا احتبى قَرَبُوسهُ بعِنانه وقيل: جمع(٥) جيِّدٍ - كَكَيِّسٍ - ضِدُّ الرَّديء، ويجمع على جياداتٍ وجَيائد، وضُعِّفَ بأنه لا فائدةَ في ذكره مع ((الصافئات)) حينئذٍ، وبأنه يفوتُ عليه مَذْحُ الخيل باعتبار حالَيها، وكون الجياد أعمّ، فذِكْرُهُ تعمیمٌ بعد تخصیصٍ فيه نظرٌ. وفي ((البحر)): قيل: الجياد: الطوال الأعناق، من الجِيْد، وهو العنق(٦). وأنا في شكٍّ من ثبوته، قال في ((القاموس)): الجِيدُ، بالكَسْر: العُنُقُ، أو مُقَلَّدُهُ، أو مُقَدَّمُهُ، (١) البيت في النكت والعيون ٩١/٥، والبحر ٣٨٨/٧. (٢) معاني القرآن للفراء ٤٠٥/٢. (٣) في (م): العرب، وهو تصحيف. (٤) البيت في دلائل الإعجاز ص٧٥، ومعاهد التنصيص ١٣٢/٢ منسوباً ليزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان. والقربوس: حِنوُ السَّرْج، والعنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، والشكيمة: الحديدة المعترضة في فم الفرس فيها الفأس. (٥) قوله: جمع. ليس في (م). (٦) البحر المحيط ٣٨٨/٧. ٢٧٠ الآية : ٣١ جمعه: أجيادٌ وُجُيودٌ، وبالتّحريك: طُولُها، أو دِقَّتُها مع طُول، وهو أَجْيَدُ، وهي جَيْداءُ وجيدانةٌ، جمعه جُودٌ (١). وراجعتُ غيرَهُ فلم أجدْ فيه زيادةً على ذلك، فليُنقَّر. ويمكن أن يقال: إنَّ الجيادَ جمعٌ شاذٌّ ل: أَجْيَد أو جَيداء أو جَيدانة، أو هو جمعٌ لـ: جَيَد بالتحريك كجَمَل(٢) وجمال، ويُراد بجيدٍ أَجْيَد أو نحوه نظير ما يُراد بالخَلْقِ المخلوق. والله تعالى أعلم. وأيَّما كان فالوصفان يُوصَفُ بهما المذكَّرُ والمؤنَّثُ من الخيل، والجمعُ بألفٍ وتاءٍ لا يخصُّ المؤنَّثَ، فلا حاجةَ بعد القول بأنَّ ما عُرِضَ كان مشتملاً على ذكور الخيل وإناثها إلى القول بأنَّ في الصافنات تغليبَ المؤنَّث على المذكّر، وأنه يجوزُ بِقِلَّةٍ. وأريد بالجمع هنا الكثرةُ، فعن الكلبيِّ أنَّ هذه الخيل كانت ألف فرسٍ غزا سليمان عليه السلام دمشقَ ونصيبين فأصابها . واستشكلتْ هذه الروايةُ بأنَّ الغنائمَ لم تَحِلَّ لغير نبيِّنَا وَ له كما ورد في الحديث (٣) الصحيح(٣). وأجيب بأنه يحتملُ أن تكونَ فَيْئاً لا غنيمة. وعن مقاتلٍ أنها ألفُ فرسٍ وَرِثَها من أبيه داود، وكان عليه السلام قد أصابها من العمالقة، وهم بنو عِمْليق بن عَوْص بن عاد بن إرَم. واستشكلت هذه زيادةً على الأولى بأنَّ الأنبياء عليهم السلام لا يُورِّثون كما جاء في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق ظُه(٤)، محتجًّاً به في مسألة فَدَكٍ والعوالي بمحضرِ الصحابة، وهم الذين لا تأخذهم في الله لومةُ لائم. (١) القاموس المحيط (جيد). (٢) في (م): كجعل. (٣) أخرجه أحمد (١٤٢٦٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن ب . عبد الله (٤) أخرجه أحمد (٩)، والبخاري (٣٧١٢)، ومسلم (١٧٥٩). الآية : ٣٢ ٢٧١ وأجيب بأنَّ المرادَ بالإرث حيازةُ التصرُّفِ لا الملك، وعَقْرُها تقرُّباً - على ما في الأوجه في الآية بَعْدُ، وجاءَ في بعض الروايات - لا يقتضي الملك. وقال عوف: بلغني أنها كانتْ خيلاً ذات أجنحةٍ، أُخرجتْ له من البحر، لم تكنْ لأحدٍ قبله ولا بعده. وروي كونُها كذلك عن الحسن. وأخرج ابنُ جریرٍ وغيره عن إبراهيم التيمي أنها كانت عشرينَ ألفَ فرسٍ ذات أجنحة(١). وليس في هذا شيءٌ سوى الاستبعاد، وإذا لم يُلتفتْ إلى الأخبار في ذلك - إذ ليس فيها خبرٌ صحيحٌ مرفوعٌ أو ما في حكمه يُعوَّلُ عليه فيما أعلم - فَلَنا أن نقولَ: هي خيلٌ كانت له، كالخيل التي تكونُ عند الملوك، وَصَلَتْ إليه بسببٍ من أسباب الملك، فاستعرضَها فلم تزلْ تُعرَض عليه حتى غربت الشمس، قيل: وغَفَلَ عن صلاة العصر، وحكى هذا الطبرسيُّ عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وقتادة والسُّدِّي، ثم قال: وفي رواياتِ أصحابنا أنه فاته أولُ الوقت. وقال الجبائيُّ: لم يَقُتْهُ الفرضُ، وإنما فاته نفلٌ كان يفعله آخرَ النهار(٢). ﴿فَقَالَ إِنَّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ﴾ قاله عليه السلام اعترافاً بما صَدَرَ عنه من الاشتغال، ونَدَماً عليه، وتمهيداً لما يَعقُبُهُ من الأمر بردِّها وعَقْرها على ما هو المشهور، والخيرُ كَثُرَ استعماله في المال، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيّرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾(٣) [البقرة: ٢٧٣]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وقال بعض العلماء: لا يقال للمال خيرٌ حتى يكونَ كثيراً، ومن مكانٍ طَيِّبٍ، كما روي أنَّ عليّاً كرَّم الله تعالى وجهه دَخَلَ على مولّى له فقال: ألا أُوصي يا أمير المؤمنين؟ قال: لا؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وليس لك (١) تفسير الطبري ٨٣/٢٠ وفيه: عشرين فرساً. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٠٩/٥ بلفظ: عشرين ألف فرس. ونسبه لابن جرير وغيره. (٢) مجمع البيان ١١٣/٢٣. (٣) في الأصل و(م): يعلمه الله. والمثبت هو الصواب. سُورَةُ صِ ٢٧٢ الآية : ٣٢ مالٌ كثيرٌ(١). وروي تفسيرُهُ بالمال هنا عن الضحاك وابن جبير. وقال أبو حيان: يُرادُ بالخير الخيلُ، والعربُ تُسمِّي الخيلَ: الخير، وحَکَی ذلك عن قتادة والسُّدِّي(٢). ولعلَّ ذلك لتعلَّق الخير بها، ففي الخبر: ((الخيلُ معقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة))(٣). والإحبابُ - على ما نُقل عن الفراء(٤) - مُضمَّنٌ معنى الإيثار، وهو مُلْحَقٌ بالحقيقة لشهرته في ذلك، وظاهرُ كلام بعضهم أنه حقيقةٌ فيه، فهو مما يتعدَّی بـ ((على))، لكن عُدِّيَ هنا بـ ((عن)) لتضمينه معنى الإنابة، و((حُبَّ الخير)) مفعولٌ به، أي: آثرتُ حُبَّ الخير منيباً له عن ذِكْرِ ربِّي، أو: أَنَبْتُ حُبَّ الخير عن ذِكْرِ ربِّي مؤثراً له. وجُوِّزَ كونُ ((حُبَّ)) منصوباً على المصدر التشبيهيِّ، ويكون مفعول ((أحببتُ)) محذوفاً، أي: أحببتُ الصافنات - أو عَرْضَها - حُبّاً مثلَ حُبِّ الخير، منيباً لذلك عن ذِكْرِ ربِّي، وليس المرادُ بالخير عليه الخيل، وذكر أبو الفتح الهمداني أنَّ ((أحببتُ)) بمعنى لَزِمْتُ، من قوله: ضَرْبَ بعيرِ السَّوء إذ أحبَّا (٥) واعترض بأنَّ أَحَبَّ بهذا المعنى غريبٌ لم يردْ إلا في هذا البيت، وغرابةُ اللَّفظ تدلُّ على اللُّكنة، وكلامُ الله عزَّ وجلَّ منزَّهُ عن ذلك، مع أنَّ اللُّزُومَ لا يتعدَّى بـ ((عن)) إلا إذا ضُمِّنَ معنَى يتعدَّى به، أو تُجوِّزَ به عنه، فلم يبقَ فائدةٌ في العدول عن المعنى المشهور مع صحّته أيضاً بالتضمين. وجعل بعضُهم الأحبابَ من أول الأمر بمعنى التقاعد والاحتباس و((حُبّ (١) أخرجه عبد الرزاق (٦٣٥١)، والبيهقي ٢٧٠/٦. (٢) البحر المحيط ٣٩٦/٧. (٣) أخرجه أحمد (٥١٠٢)، والبخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٥ بنحوه. (٥) الرجز لأبي محمد الفقعسي، وهو في الأصمعيات ص١٦٣، والاشتقاق ص٣٩، وقبله: حُلْتَ عليه بالقطيع ضربا الآية : ٣٢ ٢٧٣ الخير)) مفعولاً لأجله، أي: تقاعدتُ واحتبستُ عن ذِكْرِ ربِّي لِحُبِّ الخير. وتُعقّبَ بأنَّ الذي يدلُّ عليه كلامُ اللُّغويين أنه لزومٌ عن تعب أو مرض ونحوه، فلا يناسب تقاعد النشاط والتلهِّي الذي كان عليه السلام فيه. وقول بعض الأجلَّة بعد التنزّل عن جواز استعمال المقيَّد في المطلق: لمَّا كان لزومُ المكان لمحبَّة الخيل على خلاف مرضاة الله تعالى جَعَلَها من الأمراض التي تحتاجُ إلى التداوي بأضدادها، ولذلك عَقَرَها، ففي «أحببتُ)) استعارةٌ تبعيَّةٌ لا يخفى حُسْنها ومناسبتُها للمقام = ليس بشيءٍ؛ لخفاء هذه الاستعارة نفسِها وعدم ظهور قرينتها . وبالجملة، ما ذكره أبو الفتح مما لا ينبغي أن يُفتَحَ له بابُ الاستحسان عند ذوي العرفان. وجُوِّزَ حَمْلُ ((أحببتُ)) على ظاهره من غير اعتبارٍ تضمينه ما يتعدَّى بـ ((عن))، وجَعْلُ ((عن)) متعلُّقةً بمقدَّرٍ ك: معرضاً وبعيداً، وهو حالٌ من ضمير ((أحببتُ))، وجُوِّزَ في ((عن) كونها تعليليَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. و((ذكر)) مضافٌ إلى مفعوله، وجُوِّزَ أن يكونَ مضافاً إلى فاعله. وقيل: الإضافةُ على معنى اللام، ولا يُرادُ بالذكر المعنى المصدريُّ، بل يُرادُ به الصلاة، فمعنى ((عن ذِكْرِ ربِّي)): عن صلاة ربِّي التي شَرَعها، وهو كما ترى. وبعضُ مَنْ جَعَلَ ((عن)) للتعليل فَسَّرَ ذِكْرَ (١) الرَّبِّ بكتابه عزَّ وجلَّ وهو التوراة، أي: أحببتُ الخيلَ بسبب كتاب الله تعالى، وهو التوراةُ، فإنَّ فيه مَدْحَ ارتباطها، وروي ذلك عن أبي مسلم. وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو: ((إنيَ أحببتُ)) بفتح الياء(٢). ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (®﴾ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ((أحببت)) باعتبار استمرار المحبَّة ودوامها حَسب استمرار العَرْض، أي: أَنَبْتُ حُبَّ الخير عن ذِكْرِ ربِّي، واستمرَّ ذلك حتى غَرَبَتِ الشمسُ، تشبيهاً لغروبها في مغربها بتواري المخبَّأة (١) في (م): ذلك. (٢) التيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦٢/٢. ٢٧٤ الآية : ٣٣ بحجابها على طريق الاستعارة التبعيَّة، ويجوزُ أن يكونَ هناك استعارةٌ مكنيةٌ تخييلیةٌ. وأيَّاما كان، فما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعبٍ قال: الحجابُ هو حجابٌ من ياقوتٍ أخضر، محيطٌ بالخلائق، منه اخضرَّت السماء(١). وما قيلَ: إنه جبلٌ دونَ قافٍ بسنةٍ، تغرُبُ الشمسُ وراءه. لا يَخْفَى حالُه، والناسُ في ثبوت جبل قافٍ بين مُصدِّقٍ ومكذِّب، والقَرافيُّ يقول: لا وجودَ له. وإليه أَميلُ، وإن قال المثبتون ما قالوا. والباء للظرفيَّة أو الاستعانة أو الملابسة، وعَوْدُ الضمير إلى الشمس من غير ذِكْرٍ؛ لدلالة العَشيِّ عليها . والضميرُ المنصوبُ في قوله تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَّ﴾ للصافئات على ما قال غيرُ واحد، وظاهر كلامهم أنه للصافئات المذكور في الآية، ولعلَّكَ تختارُ أنه للخيل الدالٌ عليها الحالُ المشاهَدةُ، أو الخير في قوله: ((إني أحببت حب الخير))؛ لأنَّ ((رُدُّوها)) من تتمَّة مقالته عليه السلام، والصافناتُ غيرُ مذكورةٍ في كلامه، بل في كلام الله تعالى لنبيِّنَا وَلتر. والكلامُ - على ما قال الزمخشريُّ - على إضمار القول، أي: قال: رُدُّوها عليّ(٢)، والجملةُ مستأَنفةٌ استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: فماذا قال سليمان؟ فقيل: قال: رُدُّوها. وتعقّبه أبو حيان بأنه لا يحتاجُ إلى الإضمار؛ إذ الجملةُ مندرجةٌ تحت حكاية القول في قوله تعالى: ((فقال إني)) إلخ(٣). والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْئًا﴾ فصيحةٌ مُفصِحةٌ عن جملةٍ قد حُذفت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً بغاية سُرْعة الامتثال بالأمر كما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا أُشْرِب بِعَصَاكَ الْحَبَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَا عَشْرَةَ عَيْنًّا﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فَرَدُّوها عليه (١) ابن أبي حاتم ٣٢٤١/١٠، وكتاب العظمة ص ٣٧٤، وينظر الدر المنثور ٣٠٩/٥. (٢) الکشاف ٣٧٤/٣. (٣) البحر المحيط ٣٩٧/٧. الآية : ٣٣ ٢٧٥ فَطَفِقَ .. إلخ، وطَفِقَ من أفعال الشروع، واسمها ضميرُ ((سليمان))، و((مَسْحاً)) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ مقدَّرٍ هو خبرها، أي: شَرَعَ يَمْسَحُ مَسْحَاً، لا حالٌ مؤوَّلٌ بماسحاً كما جوَّزه أبو البقاء(١)؛ إذ لا بدَّ لـ ((طَفِقَ)) من الخبر، وليس هذا مما يَسُدُّ الحالُ فيه مَسَدَّه. وقرأ زيدُ بن عليٍّ: ((مِساحاً))(٢) على وزن قِتال. ﴾ أي: بسوقها وأعناقها، على أنَّ التعريفَ للعهد، وأنَّ ﴿ِلُوقِ وَالأَعْنَاقِ (أل)) قائمةٌ مقامَ الضمير المضاف إليه، والباءُ متعلِّقةٌ بالمسح، على معنى: شَرَعَ يمسحُ السيفَ بسوقها وأعناقها، وقال جَمْعٌ: هي زائدةٌ، أي: شَرَعَ يمسحُ سوقَها وأعناقها بالسيف، ومسحته بالسيف - كما قال الراغب - كنايةٌ عن الضرب(٣). وفي «الكشاف)» (٤): يمسحُ السيفَ بسوقها وأعناقها: يقطعها، تقولُ: مَسَحَ عِلاوته، إذا ضَرَبَ عُنقه، ومَسَح المسفر الكتاب: إذا قَطَعَ أطرافه بسيفه. وعن الحسن: كَسَفَ عراقيبها وضَرَبَ أعناقها، أراد بالكَسْفِ القَطْعَ، ومنه الكَسْفُ في ألقاب الزحاف في العَرُوض(٥). ومَنْ قاله بالشين المعجمة فمصحّفٌ. وكون المراد القطع قد دلَّ عليه بعضُ الأخبار، أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط))، والإسماعيلي في ((معجمه))، وابن مردويه، بسندٍ حَسَنٍ عن أَبيِّ بن كعبٍ عن النبيِّ ◌َّ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْتَطَا بِلِسُوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾: ((قَطَعَ سُوقَها وأعناقَها بالسيف))(٦). (١) الإملاء ٢٥٣/٤. (٢) البحر المحيط ٣٩٧/٧. (٣) مفردات ألفاظ القرآن (مسح). (٤) ٣/ ٣٧٤. (٥) في الأصل و(م): والعروض. والمثبت من المصدر. والكسف أو الكشف في الشعر: حذف متحرك الوتد المفروق. والزِّحاف: حدوث تغيير في ثواني الأسباب. مفتاح العلوم ص ٥٢٥، ومعجم مصطلحات العروض والقافية لمحمد علي الشوابكة وأنور أبو سويلم ص٢٢٧-٢٢٨ . (٦) المعجم الأوسط (٦٩٩٣)، ومعجم الإسماعيلي ٧٥٣/٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٩/٧: فيه: سعيد بن بشير، وثقه شعبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات. ٢٧٦ الآية : ٣٣ وقد جعلها عليه السلام بذلك قرباناً لله تعالى، وكان تقريبُ الخيل مشروعاً في دينه، ولعلَّ كَسْفَ العراقيب ليتأتَّى ذبحها بسهولة. وقيل: إنه عليه السلام حَبَسها في سبيل الله تعالى، وكان ذلك المسحُ الصادرُ منه وَسْماً لها؛ لتُعرَفَ أنها خيلٌ محبوسةٌ في سبيل الله تعالى، وهو نظيرُ ما يُفَعلُ اليومَ من الوَسْم بالنار، ولا بأس به في شَرْعنا ما لم يكنْ في الوجه، ولعلَّه عليه السلام رأى الوَسْمَ بالسيف أهون من الوَسْم بالنار فاختاره، أو كان هو المعروف في تلك الأعصار بينهم، ويُروى أنه عليه السلام لمَّا فعل ذلك سَخَّرَ له الريحَ كرامةً له. وقيل: إنه عليه السلام أراد بذلك إتلافَها حيثُ شغلته عن عبادة ربِّه عزَّ وجلَّ، وصار تعلُّقُ قلبه بها سبباً لغفلته، واستدلَّ بذلك الشبليُّ قُدِّسَ سِرُّهُ على حِلِّ تحريق ثيابه بالنار حين شغلته عن ربِّه جلَّ جلاله؛ وهذا قولٌ باطلٌ لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه، وحاشا نبيَّ الله أن يُتلفَ مالاً محترماً لمجرَّدٍ أنه شُغِلَ به عن عبادة، وله سبيلٌ لأَنْ يُخرجه عن مِلْكه مع نَفْع هو من أجلِّ القُرَب إليه عزَّ وجلَّ، على أنَّ تلك الخيل لم يكن عليه السلام اقتناها واستعرضها بَطَراً وافتخاراً، معاذَ الله تعالى من ذلك، وإنما اقتناها للانتفاع بها في طاعة الله سبحانه، واستعرضها للتطلَّع على أحوالها ليُصلحَ من شأنها ما يحتاجُ إلى إصلاح، وكلُّ ذلك عبادةٌ، فغايةٌ ما يلزمُ أنه عليه السلام نسيَ عبادةٌ لِشُغله بعبادةٍ أخرى، فاستدلالُ الشِّبلي قُدِّسَ سِرُّهُ غيرُ صحيح، وقد نبّه أيضاً على عدم صحّته عبد الوهاب الشعرانيّ من السادة الصوفية في كتابه: ((اليواقيتُ والجواهر في عقائد الأكابر)) ولكن بحَمْل الآية على مَحْمَلٍ آخر. وما ذكرناه في محملها وتفسيرها هو المشهورُ بين الجمهور، ولهم فيها كلامٌ غير ذلك، فقيل: ضميرُ ((رُدُّوها)) للشمس، والخطابُ للملائكة عليهم السلام المؤثّلين بها، قالوا: طَلَبَ ردَّها لمَّا فاته صلاةُ العصر؛ لِشُغله بالخيل، فَرُدَّتْ له حتى صلَّى العصر، وروي هذا القولُ عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، كما قال الخفاجيُّ (١) والطبرسيُّ(٢). (١) في حاشيته ٧/ ٣١٠. (٢) في مجمع البيان ٢٣/ ١١٣. الآية : ٣٣ ٢٧٧ سُورَةُ صِ﴾ وتعقَّبَ ذلك الرازيُّ بأنَّ القادرَ على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى، فكان يجبُ أن يقول: رُدَّها عليَّ، دونَ ((رُدُّوها)) بضمير الجمع. فإن قالوا: هو [المؤمنون: ٩٩] قلنا: لفظُ ((رُدُّوها)» مُشعرٌ للتعظيم، كما في: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ٩٩ بأعظم أنواع الإهانة، فكيف يليقُ بهذا اللفظ رعاية التعظيم؛ وأيضاً: إنَّ الشمسَ لو رَجَعَتْ بعد الغروب لكان مشاهداً لكلٍّ أهل الدنيا، ولو كان كذلك لتوافرتٍ الدواعي على نقله، وحيثُ لم ينقله أحدٌ عُلِمَ فساده (١). والذي يقول بِرَدِّ الشمس لسليمان يقول: هو كَرَدِّها ليوشع، ورَدِّها لنبيِّنَا وَّ في حديث العِير ويومَ الخندق حين شُغِلَ عن صلاة العصر، ورَدِّها لعليٍّ كَّم الله تعالى وجهه ورضي عنه بدعائه عليه الصلاة والسلام، فقد روي عن أسماء بنت عُمَيس أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان يُوحَى إليه ورأسه في حِجْر عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، فلم يُصَلِّ العَصْرَ حتى غربتِ الشمسُ، فقال رسول اللهِ وَّر: ((صلَّيتَ يا عليّ))؟ قال: لا، فقال رسول الله وَلقر: ((اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فارددْ عليه الشمس)) قالت أسماء: فرأيتها غربَتْ ثم رأيتها طلعت بعد ما غربَتْ، ووقعتْ على الأرض، وذلك بالصَّهْباء في خيبر. وهذا الخبر في صِحَّته خلافٌ، فقد ذكره ابنُ الجوزيِّ في ((الموضوعات))، وقال: إنه موضوعٌ بلا شكٍّ، وفي سنده أحمد بن داود، وهو متروكُ الحديث كذَّابٌ كما قاله الدارقطني، وقال ابن حبان: كان يضعُ الحديثَ. وقال ابن الجوزي: قد روى هذا الحديثَ ابنُ شاهين، فذكره، ثم قال: وهذا حديثٌ باطلٌ، ومِنْ تَغَفُّلِ واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يَلْمَحْ عدم الفائدة فيها، وأنَّ صلاةَ العصر بغيبوبة الشمس تصيرُ قضاءً، ورجوعُ الشمس لا يُعیدھا أداءً(٢). انتھی. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفاً في الرد على الروافض(٣) ذكر فيه الحديثَ بطرقه ورجاله وأنه موضوعٌ، وقال الإمام أحمد: لا أصل له. (١) تفسير الرازي ٢٠٥/٢٦. (٢) الموضوعات لابن الجوزي ٢٦٦/١. (٣) وهو كتاب: منهاج السنة النبوية، ينظر ١٦٤/٨ وما بعدها. ٢٧٨ الآية : ٣٣ وصحَّحه الطحاويُّ(١) والقاضي عياض(٢)، ورواه الطبرانيُّ في ((معجمه الكبير))(٣) بإسنادٍ حَسَنٍ، كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقيّ في ((شرح التقريب)»(٤) عن أسماءَ أيضاً، لكن بلفظٍ آخر. ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة، وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوَّة(٥). وكذا اختلف في حديث الرَّدِّ يومَ الخندق، فقيل: ضعيف، وقيل: موضوعٌ، وادَّعى العلامةُ ابن حجر الهيتمي صِحَّته(٦). وما في حديث العير - وأظنُّ أنهم اختلفوا في صِحَّته أيضاً - ليس صريحاً في الرَّدِّ، فإنَّ لفظ الخبر أنه لما أسري بالنبي ◌َّرِ وأخبرَ قومَهُ بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا: متى يجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفتْ قريشٌ ينظرونَ وقد ولَّى النهار ولم يجئ، فدعا رسول الله وٍَّ، فَزِيدَ له في النهار ساعة، وحُبستْ عليه الشمس(٧). والحَبْسُ غيرُ الرَّدِّ، ولو كان هناك رَدٌّ لأدركه قريشٌ ولقالوا فيه ما قالوا في انشقاق القمر، ولم يُنقل، وقيل: كأنَّ ذلك كان بركةً في الزمان، نحو ما يذكره الصوفيةُ مما يُعبِّرون عنه بنَشْر الزمان، وإن لم يتعقَّله الكثيرُ. وكذا ما كان ليوشع عليه السلام، فقد جاء في الحديث الصحيح: ((لم تُحبَسٍ الشمسُ على أحدٍ إلا ليوشع بن نون))(٨). والقصةُ مشهورةٌ، وهذا الحديثُ الصحيحُ (١) في شرح مشكل الآثار ٣/ ٩٥ عقب الحديث (١٠٦٨). (٢) في الشفا ٥٤٩/١ . (٣) ٢٤/(٣٨٢). (٤) وهو طرح التثريب في شرح التقريب، ينظر ٧/ ٢٤٧-٢٤٨. (٥) ينظر الشفا ٥٤٩/١ وقد نقل ابن عراق في تنزيه الشريعة ٣٧٩/١ عن الذهبي في تلخيص الموضوعات أن أسانيد هذا الحديث ساقطة ليست بصحيحة. (٦) في تحفة المحتاج بهامش حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي ١/ ٤٢٠. (٧) ذكره ابن حجر في الفتح ٦/ ٢٢١ وعزاه ليونس بن بكير في زياداته في مغازي ابن إسحاق. وقال: هذا منقطع. (٨) أخرجه أحمد (٨٣١٥) من حديث أبي هريرة ٠ ٢٧٩ الآية : ٣٣ عند الكلِّ يُعارضُ جميعَ ما تقدَّم. وتأويله بأنَّ المرادَ: لم تُحبسْ على أحدٍ من الأنبياء غيري إلا ليوشع، أو بالتزام أنَّ المتكلِّمَ غيرُ داخلٍ في عموم كلامه، بعد تسليم قبوله، لا ينفي معارضته خبر الرَّدِّ لسليمان عليه السلام، فإنه بظاهره يستدعي نفي الردِّ الذي هو أعظمُ من الحبس له عليه السلام. وبالجملة، القولُ بِرَدِّ الشمس لسليمان عليه السلام غيرُ مُسلَّمٍ، وعدمُ قولي بذلك ليس لامتناع الردِّ في نفسه كما يزعمه الفلاسفة، بل لَعِدَمِ ثبوته عندي، والذوقُ السليمُ يأبى حَمْلَ الآية على ذلك؛ لنحو ما قال الرازي، ولغيره من تعقيبٍ طلب الردِّ بقوله تعالى: ((فطفق)) إلخ. ثم ما قدَّمنا نقله من وقوع الصلاة بعد الردِّ قضاءً هو ما ذهب إليه البعض. وفي ((تحفة)) العلامة ابن حجر الهيتمي: لو عادتِ الشمسُ بعد الغروب عادَ الوقتُ كما ذكره ابن العماد، وقضيةُ كلام الزركشيِّ خلافه، وأنه لو تأخّر غروبُها عن وقته المعتاد قدّرَ غروبها عنده، وخرج الوقتُ وإن كانت موجودة. انتهى كلامُ الزركشي، وما ذكره آخراً بعيدٌ، وكذا أولاً، فالأَوجه كلامُ ابن العماد، ولا يضرُّ كونُ عَوْدِها معجزةً له بَّهِ؛ لأنَّ المعجزةَ نفسُ العَوْد، وأما بقاءُ الوقت بعَوْدها فحُكْمُ الشرعِ، ومن ثَمَّ لما عادتْ صلَّى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه العصرَ أداءً، بل عَوْدُها لم يكن إلا لذلك(١). انتهى. ولا يحضرني الآن ما لأصحابنا الحنفية في ذلك، بَيْدَ أني رأيتُ في ((حواشي تفسير البيضاوي)) لشهاب الدين الخفاجي(٢)، وهو من أَجِلَّة الأصحاب ادِّعاءَ أنَّ الظاهرَ أنَّ الصلاةَ بعد الردِّ أداء، ثم قال: وقد بحثَ الفقهاء فيه بحثاً طويلاً ليس هذا محلّه. وقيل: ضميرُ ((توارثْ)) للخيلِ كضمير ((رُدُّوها)). واختاره جَمْعٌ، فقيل: الحجابُ: إصطبلاتها، أي: حتى دخلتِ إصطبلاتها، وقيل: حتى توارث في المسابقة بما يحجُبها عن النظر. (١) تحفة المحتاج ٤١٩/١-٤٢٠ . (٢) حاشية الشهاب ٧/ ٣١٠. سُوْرَةَ صِ ٢٨٠ الآية : ٣٣ وبعضُ من قال بإرجاع الضمير للخيل جَعَلَ ((عن)) للتعليل، ولم يجعلِ المسحَ بالسُّوق والأعناق بالمعنى السابق، فقالت طائفةٌ: عُرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم: إني في صلاة، فأزالوها عنه حتى دخلتْ في الإصطبلات، فقال لمَّا فرغَ من صلاته: ((إني أحببتُ حُبَّ الخير)) أي: الذي لي عند الله تعالى في الآخرة بسبب ذِكْرِ ربِّي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى دخلت إصطبلاتها، رُدُّوها عليَّ، فَطَفِقَ يمسحُ أعرافَها وسُوقها محبةً لها وتكريماً. وروي أنَّ المسحَ كان ذلك عن ابن عباس والزهري وابن كيسان، ورجَّحه الطبريُّ(١)، وقيل: كان غَسْلاً بالماء. ولا يخفى أنَّ تطبيقَ هذه الطائفة الآيةَ على ما يقولون ركيكٌ جدّاً. وقال الرازيُّ: قال الأكثرون: إنه عليه السلام فاته صلاةُ العَصْر بسبب اشتغاله بالنظر إلى الخيل، فاستردَّها وعَقَرَ سُوقَها وأعناقها؛ تقرُّباً إلى الله تعالى، وعندي أنه بعیدٌ، ویدلُّ عليه وجوهٌ: الأول: أنه لو كان مَسْحُ السُّوق والأعناق قَطْعها، لكان معنى قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]: اقطعوها، وهذا لا يقوله عاقلٌ، بل لو قيل: مَسَحَ رأسَهُ بالسيف، فربمًا فُهم منه ضَرْبُ العنق، أما إذا لم يُذْكَر لفظُ السيف لم يُفْهَمْ منه ذلك ألبثّة. الثاني: أنَّ القائلين بهذا القول جمعوا على سليمانَ أنواعاً من الأفعال المذمومة؛ فأوَّلها: تَرْكُ الصلاة. وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغالُ بحبِّ الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((حُبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة))(٢). وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغلْ بالتوبة والإنابة. ورابعها: على القول برجوع ضمير ((رُدُوها)) إلى الشمس أنه خاطَبَ رَبَّ العالمين بكلمةٍ لا يذكرها الرجلُ الحصيفُ إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها: أنه أَتْبَعَ هذه (١) في تفسيره ٢٠/ ٨٧. (٢) أخرجه البيهقي في الشعب ٣٣٨/٧ عن الحسن مرسلاً بإسناد حسن كما قال العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٤١٢.