النص المفهرس
صفحات 241-260
الآية : ٢٠ ٢٤١ سُوَالأَ صِ؟ وقرأ ابن أبي عبلة بشدِّ الدال(١). ﴿وَءَيْنَهُ الْحِكْمَةَ﴾ النبوّة وكمال العلم وإتقان العمل، وقيل: الزبور وعلم الشرائع. وقيل: كلُّ كلامٍ وافقَ الحكمةَ فهو حكمة. ﴿وَفَضْلَ لَلفِطَابِ ﴾﴾ أي: فَصْلَ الخصام، بتمييز الحقِّ عن الباطل، فالفصلُ بمعناه المصدريّ، والخطابُ الخصام؛ لاشتماله عليه، أو لأنه أحدُ أنواعه خُصَّ به؛ لأنه المحتاجُ للفصل. أو: الكلام الذي يفصلُ بين الصحيح والفاسد، والحقّ والباطل، والصواب والخطأ، وهو كلامه عليه السلام في القضايا والحكومات وتدابير الملك والمشورات، فالخطابُ الكلامُ المخاطَبُ به، والفصلُ مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل. أو: الكلام الذي يُنبِّهُ المخاطَبَ على المقصود من غير التباس، يُراعَى فيه مظانُّ الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإضمار والحذف والتكرار ونحوها، فالخطابُ بمعنى الكلام المخاطَب به أيضاً، والفصلُ مصدرٌ إما بمعنى اسم الفاعل، أي: الفاصل المميز للمقصود عن غيره، أو بمعنى اسم المفعول، أي: المقصود، أي: الذي فُصِلَ من بين أفراد الكلام بتلخيصه ومراعاة ما سمعتَ فيه، أو الذي فُصِلَ بعضُهُ عن بعضٍ ولم يُجْعل ملَّساً مختلطاً. وجوِّزَ أن يُرادَ بـ ((فَضْل الخطاب)): الخطابُ القَصْدُ الذي ليس فيه اختصارٌ مخلٌّ ولا إشباعٌ مملٌّ، كما جاء في وَصْفِ كلام نبيِّنا وِّهِ: ((لا نَزْرٌ ولا هَذَر)) (٢) فالخطابُ بمعنى الكلام المخاطب به كما سلف، والفصل إما بمعنى الفاصل؛ لأنَّ القصدَ - أي: المتوسط - فاصلٌ بين الطرفين، وهما هنا المختصَرُ المخلُّ، والمُظْنِبُ المملُّ، أو لأنَّ الفَصْلَ والتمييزَ بين المقصود وغيره أظهرُ تحقُّقاً في الكلام القصد، (١) القراءات الشاذة ص١٢٩، والبحر المحيط ٣٩٠/٧. (٢) أخرجه الحاكم ٩/٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣١٧/٣ ضمن حديث طويل عن هشام بن حبيش بن خويلد ه. والنَّزر: القليل. والهَذَر: الهذيان، والمعنى: ليس بقليل فيدلَّ على عِيّ، ولا كثير فاسد. النهاية (نزر) و(هذر). ٢٤٢ الآية : ٢٠ لما في أحد الطرفين من الإخلال وفي الطرف الآخر من الإملال المفضي إلى إهمال بعض المقصود، وإما بمعنى المفصول؛ لأنَّ الكلامَ المذكورَ مفصولٌ مميَّزٌ عند السامع على المخلِّ والمملِّ بسلامته عن الإخلال والإملال. والإضافةُ على الوجه الأول من إضافة المصدر إلى مفعوله، وعلى ما عداه من إضافة الصِّفة لموصوفها، وما روي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والشعبيٍّ، وحكاهُ الطبرسيُّ(١) عن الأكثرين من أنَّ فَصْلَ الخطاب هو قوله: البيِّنَةُ على المدَّعي واليمينُ على المدَّعى عليه، فقيل: هو داخلٌ في فَصْلِ الخطاب على الوجه الثاني، فإنَّ فيه الفصلَ بين المدَّعي والمدَّعى عليه، وهو من الفصل بين الحقِّ والباطل، وجاء في بعض الروايات: هو إيجابُ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المذَّعى عليه. فلعلَّه أُريد أنَّ فَصْلَ الخطاب على الوجه الأول - أعني فصل الخصام - كان بذاك، وجَعْلُهُ نفسه على سبيل المبالغة. وما روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي من أنه القضاء بين الناس بالحقِّ والإصابة والفهم، فهو ليس شيئاً وراءَ ما ذكر أولاً. وأخرج ابن جرير(٢) عن الشعبيِّ، وابن أبي حاتم والديلمي عن أبي موسى الأشعري: أنَّ فَصْلَ الخطاب الذي أُوتيه عليه السلام هو: أمَّا بَعْدُ، وذكر أبو موسى أنه عليه السلام أول من قال ذلك(٣)، فقيل: هو داخلٌ في فصل الخطاب، وليس فَضْلُ الخطاب منحصراً فيه؛ لأنه يفصلُ المقصودَ عمَّا سيقَ مقدِّمةً له من الحمد والصلاة أو من ذكر الله عزَّ وجلَّ مطلقاً، وظاهره اعتبار فصل الخطاب بمعنى الكلام الذي يُنبِّهُ المخاطَبَ على المقصود، إلى آخر ما مرَّ. ويُوهم صنيعُ بعضهم دخوله فيه باعتبار المعنى الثاني لفصل الخطاب، ولا يتسنَّى ذلك، وحَمْلُ الخبر على الانحصار مما لا ينبغي؛ إذ ليس في إيتاء هذا اللفظ کثیرُ امتنان. (١) مجمع البيان ١٠٣/٢٣. (٢) في تفسيره ٢٠/ ٥١ . (٣) الدر المنثور ٣٠٠/٥. الآية : ٢١ ٢٤٣ سُورَةِ ضِ ثم الظاهرُ أنَّ المرادَ من: أمَّا بَعْدُ، ما يؤدِّي مؤدَّاهُ من الألفاظ، لا نفسُ هذا اللفظ؛ لأنه لفظٌ عربيٍّ، وداود لم يكن من العرب ولا نبيَّهم، بل ولا بينهم، فالظاهرُ أنه لم يكنْ يتكلَّمُ بالعربية. والذي يترجَّحُ عندي أنَّ المرادَ بفَصْلِ الخطاب فَصْلُ الخصام، وهو يتوقَّفُ على مزيد عِلْمِ وفَهْمٍ وتفهيم وغير ذلك، فإيتاؤه يتضمَّنُ إيتاء جميع ما يتوقّف هو عليه، وفيه من الامتنان ما فيه، ويلائمه أتمّ ملاءمة. قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ﴾ استفهامٌ يُراد منه التعجّب والتشويقُ إلى استماع ما في حَيِّزهٍ لإيذانه بأنه من الأنباء البديعة التي حقُّها أن تشيعَ فيما بين كلِّ حاضرٍ وبادي. والجملةُ قيل: عطفٌ على ((إنَّا سخّرنا)) من قبيل عَظْفِ القصة على القصة، وقيل: على (اذكر)). والخَصْمُ في الأصل مصدرٌ لِخَصَمَهُ بمعنى خاصَمهُ أو غَلَبِهُ، ويُراد منه المخاصِمُ، ويُستعمل للمفرد والمذكَّر وفروعهما؛ وجاء للجمع هنا على ما قال جمعٌ لظاهر ضمائره بعد، وربما ثُنِّيَ وجُمِعَ على خُصومِ وأخصام، وأصلُ المخاصمة - على ما قال الراغب - أن يتعلَّقَ كلُّ واحدٍ بخُضْم الآخر، أي: بجانبه، أو أن يَجذبَ كلُّ واحدٍ خُضْم الجُوالق من جانب(١). ﴿إِذْ تَوَّرُوا الْمِحْرَبَ ﴾﴾ أي: عَلَوا سُؤْرَهُ ونزلوا إليه، فـ: تفعّل للعلوّ على أصله، نحو تَسَنَّم الجملَ، أي: علا سنامه، وتذرَّى الجبلَ: علا ذروته، والسُّورُ: الجدارُ المحيطُ المرتفع، والمحرابُ: الغُرْفةُ، وهي العِلِّيَّةُ، ومحرابُ المسجد مأخوذٌ منه؛ لانفصاله عمَّا عداه، أو لِشَرفِ المنزَّلِ منزلةَ عُلوِّه. قاله الخفاجيّ(٢). وقال الراغب: محرابُ المسجد قيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه موضعُ محاربة الشيطان والهوى، وقيل: لكون حقِّ الإنسان فيه أن يكونَ حَريباً من أشغال الدنيا ومن تَوزُّع الخاطر، وقيل: الأصل فيه أنَّ محرابَ البيت صَدْرُ المجلس، ثم (١) مفردات ألفاظ القرآن (خصم)، والجوالق: وعاء. القاموس (جلق). (٢) حاشية الشهاب ٧/ ٣٠٤. سُوُاَلَ صِ ٢٤٤ الآية : ٢٢ لمَّا اتّخذتِ المساجدُ سُمِّيَ صَدْرُهُ به، وقيل: بل المحرابُ أصله في المسجد، وهو اسمٌ خُصَّ به صَدْرُ المجلس، فسُمِّيَ صَدْرُ البيت محراباً تشبيهاً بمحراب المسجد. وكأنَّ هذا أصحّ(١). انتهى. وصرَّح الجلالُ السيوطيُّ أنَّ المحاريبَ التي في المساجد بهيئتها المعروفة اليوم لم تكن في عهد النبيِّ نَّه، وله رسالةٌ في تحقيق ذلك(٢). و ((إذ)) متعلّقةٌ بمحذوفٍ مضافٍ إلى الخصم، أي: نبأُ تحاكُمِ الخَصْم إذ تسوَّروا، أو بـ ((نبأ))، على أنَّ المرادَ به الواقع في عهد داود عليه السلام، وإسنادُ الإتيان إليه على حَذْفِ مضافٍ، أي: قصةُ نبأِ الخصم، وجُوِّزَ تعلُّقها به بلا حَذْفٍ على جَعْل إسناد الإتيان إليه مجازيّاً، أو بالخصم، وهو في الأصل مصدرٌ، والظرفُ قنوعٌ يكفيه رائحةُ الفعل، وزعم الحوفي تعلَّقها بـ ((أتى)) ولا يكاد يصخُ؛ لأنَّ إتيانَ نبأ الخصم لم يكن وقتَ تسوّرهم المحراب. ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ﴾ ((إذ)) هذه بدلٌ من ((إذا الأولى بدلَ كلٍّ من كلّ، بأن يُجْعَلَ زمانُ التسوُّر وزمانُ الدخول - لقربهما - بمنزلة المتَّحِدَين، أو بدلَ اشتمالٍ بأن يُعتَبَر الامتدادُ، أو ظرفٌ لـ ((تسوَّروا))، ويعتبر امتداد وقته، وإلا فالتسوُّرُ ليس في وقت الدخول، ويجوزُ أن يُرادَ بالدخول إرادته، وفيه تكلُّفٌ؛ لأنه مع كونه مجازاً لا يتفرَّعُ عليه قوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمّ﴾ فيحتاجُ إلى تفريعه على التسوُّر، وهو أيضاً كما ترى، وجُوِّزَ تعلُّقه بـ : اذكر مقدَّراً. والفزع: انقباضٌ ونفارٌ يعتري الإنسانَ من الشيء المخيف. روي أنَّ الله تعالى بعثَ إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: هما جبريلُ ومكائيلُ عليهما السلام، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرسُ، فتسوَّرا عليه المحراب، فلم یشعر إلا وهما بین یدیه جالسان، وکان عليه السلام - کما روي عن ابن عباس - جَزَّأ زمانه أربعةَ أجزاءٍ: يوماً للعبادة، ويوماً للقضاء، ويوماً للاشتغال بخاصة نفسه، ويوماً لجميع بني إسرائيل، فیعظهم ويُبگِیھم. (١) مفردات ألفاظ القرآن (حرب). (٢) وهي: إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب، وكلامه المذكور أعلاه في مقدمة رسالته. الآية : ٢٢ ٢٤٥ وسبب الفزع؛ قيل: إنهم نزلوا من فوق الحائط وفي يوم الاحتجاب، والحرسُ حوله لا يتركونَ من يُريدُ الدخولَ عليه، فخاف عليه السلام أن يؤذوه، لاسيّما على ما حکي أنه کان ليلاً. وقيل: إنَّ الفزعَ من أجل أنه ظنَّ أنَّ أهل مملكته قد استهانوه حتى ترك بعضُهم الاستئذانَ، فيكونُ في الحقيقة فزعاً من فساد السِّيرة، لا من الداخلين. وقال أبو الأحوص: فَزِعَ منهم؛ لأنهما دخلا عليه وكلٌّ منهما آخذٌ برأس صاحبه. وقيل: فَزِعَ منهم لِمَا رأى من تسوُّرهم موضعاً مرتفعاً جدّاً لا يمكن أن يُرتقى إليه بعد أشهرٍ مع أعوانٍ وكثرة عدد. والظاهرُ أنَّ فزعه ليس إلا لتوقُّع الأذى لمخالفة المعتاد، فلما رأوه قد فزع ﴿قَالُواْ لَا تَخَفٌ﴾ وهو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأً من حكاية فَزَعِهِ عليه السلام، كأنه قيل: فماذا قالوا عند مشاهدتهم فزعه؟ فقيل: قالوا له إزالةً لفزعه: ((لا تخف)). ﴿خَصْمَانِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: نحن خصمان، والمراد هنا فوجان لا شخصان متخاصمان، وقد تقدَّم أنَّ الخَصْمَ يشملُ الكثيرَ، فيطابقُ ما مرَّ من جَمْع الضمائر، ويؤيِّده على ما قيل قوله سبحانه: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ فإنَّ نحوَ هذا أكثرَ استعمالاً في قول الجماعة، وقراءة بعضهم: ((بغى بعضُهم على بعض))(١) أظهرُ في التأييد، ولا يمنعُ ذلك كونُ التحاكم إنما وقع بين اثنين؛ لجواز أن يَضْحَبَ كلًّا منهما مَنْ يُعاضده، والعُرْفُ يُطلق الخصمَ على المخاصم ومعاضده، وإن لم يخاصِمْ بالفعل. وجُوِّزَ أن يكون المرادُ اثنين، والضمائرُ المجموعةُ مرادٌ بها التثنية، فيتوافقان، وأُيِّدَ بقوله سبحانه: ((إن هذا أخي)). وقيل: يجوزُ أن يُقدَّرَ ((خصمان)) مبتدأ خبرُهُ محذوفٌ، أي: فينا خصمان. وهو كما ترى. والظاهرُ أنَّ جملة ((بغى)) إلخ في موضع الصفة لـ ((خصمان))، وأنَّ جملةً: نحن خصمان .. إلخ استئنافٌ في موضع التعليل للنهي، فهي موصولةٌ بـ ((لا تخف)). (١) البحر ٣٩١/٧، والدر المصون ٣٦٨/٩. سُورَوَ صِنْ﴾ ٢٤٦ الآية : ٢٢ وجُوِّزَ أن يكونوا قد قالوا: لا تخف، وسكتوا حتى سُئلوا: ما أمرُكم؟ فقالوا: خصمان بغى .. إلخ، أي: جارَ بعضُنا على بعضٍ. واستشكل قولهم هذا على القول بأنهم كانوا ملائكة، بأنه إخبارٌ عن أنفسهم بما لم يقع منهم، وهو گذِبٌ، والملائكة منزّهون عنه. وأجيب بأنه إنما يكون كَذِباً لو كانوا قصدوا به الإخبار حقيقة، أما لو كان فرضاً لأمرٍ صوَّروه في أنفسهم لمَّا أتوا على صورة البشر، كما يذكر العالِمُ إذا صوَّرَ مسألةً لأحدٍ، أو كان كنايةً وتعريضاً بما وقع من داود عليه السلام = فلا . وقرأ أبو يزيد الجراد عن الكسائيّ: ((خِصْمان)) بكسر الخاءِ(١). ﴿فَاحْكُرُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي: ولا تتجاوزه، وقرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة وقتادة والحسن وأبو حيوة: ((ولا تَشْطُظْ)) من شَطَّ ثلاثيّاً، أي: ولا تَبْعُدْ عن الحقِّ. وقرأ قتادة أيضاً: ((تُشِظَّ)) مدغماً من أَشَطَّ رباعيّاً، وقرأ زرٍّ: ((تُشاطِظْ)) بضمُّ التاء وبألفٍ على وزن تُفاعِلْ مفكوكاً (٢)، وعنه أيضاً(٣): ((تُشَطِظ)) من شَطَّطَ. والمراد في الجميع: لا تَجُرْ في الحكومة، وأرادوا بهذا الأمر والنهي إظهار الحرص على ظهور الحقِّ والرضا به، من غير ارتياب بأنه عليه السلام يحكمُ بالحقِّ ولا يجور في الحُكْم، وأحدُ الخصمين قد يقولُ نحو ذلك للإيماء إلى أنه المحقُّ، وقد يقوله اتّهاماً للحاكم، وفيه حينئذٍ من الفظاظة ما فيه؛ وعلى ما ذكرنا أولاً فيه بعضُ فظاظة، وفي تحمُّلِ داودَ عليه السلام لذلك منهم دلالةٌ على أنه يليقُ بالحاكم تحمُّلُ نحو ذلك من المتخاصِمَين، لاسيما إذا كان ممنْ معه الحقُّ، فحالُ المرء وقت التخاصم لا يخفى. والعجبُ من حاكم أو مُحكّمٍ أو مَن للخصوم نوُ رجوع إليه کالمفتي، کیف (١) القراءات الشاذة ص١٢٩، والبحر المحيط ٣٩٢/٧. وجاء في (م): الجرار، وفي القراءات الشاذة: الخزان. (٢) القراءات الشاذة ص١٢٩ - ١٣٠، والمحتسب ٤٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٤٩٩/٤، والبحر المحيط ٧/ ٣٩٢. (٣) أي: قتادة، كما في القراءات الشاذة ص ١٣٠، والبحر المحيط ٣٩٢/٧، والكلام منه. الآية : ٢٣ ٢٤٧ سُورَةُ صِ﴾ لا يقتدي بهذا النبيِّ الأوَّابِ عليه الصلاة والسلام في ذلك، بل يغضَبُ كلَّ الغضب الأدنى كلمةٍ تصدرُ ولو فلتة من أحد الخصمين يتوهّم منها الحطّ لِقَدْره، ولو فكّر في نفسه لَعَلِمَ أنه بالنسبة إلى هذا النبي الأوابِ لا يَعْدِلُ - والله العظيم - مَتْكَ ذباب(١)، اللهم وفّقنا لأحسنِ الأخلاق، واعصمنا من الأغلاط. ﴾ أي: وسط طريق الحقُّ بزَجْرِ الباغي عمَّا سَلَكَهُ ﴿وَأَهْدِنَآ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَطِ ( من طريق الجَوْر وإرشاده إلى منهاج العدل. ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى﴾ إلخ، استئنافٌ لبيان ما فيه الخصومة، والمراد بالأُخوَّة أخرَّةُ الدين، أو: أُخوَّةُ الصداقة والأُلفة، أو: أُخوَّةُ الشِّرْكة والخُلطة؛ لقوله تعالى: ((وإن كثيرا من الخلطاء)» وكلُّ واحدٍ من هذه الأُخوَّاتِ يُدلي بحقِّ مانعٍ من الاعتداء والظلم. وقيل: هي أُخوَّةٌ في النَّسَبِ، وكان المتحاكمان أَخَوَین من بني إسرائيل لأپٍ وأمٌّ، ولا يخفى أنَّ المشهورَ أنهما كانا من الملائكة، بل قيل: لا خلافَ في ذلك. و((أخي)) بيانٌ عند ابن عطية(٢)، وبدلٌ أو خبرٌ لـ ((إنَّ) عند الزمخشريِّ(٣)، ولعلَّ المقصودَ بالإفادة على الثاني قوله تعالى: ﴿لَهُ تِسْعٌ وَنَسْعُونَ نَعْمَةُ وَلَِ نَجَةٌ وَحِدَةٌ﴾ وهي الأنثى من بقر الوَحْشِ ومن الضَّأن والشاء الجبليِّ، وتُستعَارُ للمرأة كالشاة كثيراً نحو قول ابن عون : أنا أبوهنَّ ثلاثٌ هُنَّهْ رابعةٌ في البيت صُغْراهُنَّهْ ونعجتي خَمْساً تُوفِّيهَّهْ ألا فتّى سجحٌ يُغذِّيهِنَّهُ(٤) (١) مَتْكُ الذباب: أنفه، أو ذَكَره. القاموس المحيط (متك). (٢) المحرر الوجيز ٤٩٩/٤. (٣) الکشاف ٣٦٨/٣. (٤) الأبيات في تفسير القرطبي ١٦٤/١٨، والبحر المحيط ٣٨٨/٧. وقوله: سجح، جاء بدلاً منه في (م): سحج، وفي القرطبي: سمح. ٢٤٨ الآية : ٢٣ وقول عنترة (١) : حَرُمَتْ عليَّ وليتَها لم تَخْرُمِ يا شاةَ ما قَنَصٍ لمن حَلَّتْ له وقول الأعشى(٢): فرميتُ غَفْلَةً عینِهِ عن شاتهِ فَأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبها وطِحَالَها والظاهرُ إبقاؤها على حقيقتها هنا، ويُراد بها أنثى الضَّأن، وجُوِّزَ إرادةٌ الامرأة، وسيأتي إن شاء تعالى ما يتعلَّقُ بذلك. وقرأ الحسنُ وزيدُ بن عليٍّ: ((تَسْعٌ وَتَسْعونَ)) بفتح التاء فيهما (٣)، وكَثُرَ مجيءُ الفَعْلِ والفِعْل بمعنَى واحدٍ نحو السَّكْر والسِّكْر، ولا يبعد ذلك في التسع، لاسيَّما وقد جاوَرَ العَشْر. والحسن وابن هرمز: ((نِعْجَة)) بكَسْر النون(٤)، وهي لغةٌ لبعض بني تميم. وقرأ ابن مسعود: ((ولي نَعجةٌ أنثى))(٥) ووجَّه ذلك الزمخشريُّ(٦) بأنه يقال: امرأةٌ أنثى للحسناء الجميلة، والمعنى وَصْفُها بالعَراقة في لِين الأنوثة وفتورها، وذلك أملحُ لها وأزيدُ في تَكَسُّرها وتَثَنِّيها، ألا ترى إلى وَصْفهم لها بالكَسُول والمگسال، وقولِه: فَتُورُ القيام قَطيعُ الكلامِ لَغُوب العشاء إذا لم تنمْ (٧) وقولِ قيس بن الخطيم: (١) ديوانه ص٢٨ . (٢) ديوانه ص٧٧ . (٣) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٤٠٣/٢. (٤) المحتسب ٤٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٥٠٠/٤، والبحر المحيط ٣٩٢/٧. (٥) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥٠٠/٤. (٦) الكشاف ٣٦٩/٣. (٧) لم نقف عليه هكذا، ولم يذكر الزمخشري سوى صدره، وقد ورد في بيت امرئ القيس: فَتور القيام قطيع الكلام تفترُّ عن ذي غروبٍ خَصِرْ ینظر ديوانه ص ١٥٧ . الآية : ٢٣ ٢٤٩ سُورَةُ ضِْ قامَتْ رويداً تكادُ تنغرفُ(١) تنامُ عِن كِبْر شأنها فإذا وفي الكلام عليه توفيةُ حقِّ القِسْمين، أعني: ما يرجعُ إلى الظالم وما يرجعُ إلى المظلوم، كأنه قيل: إنه مع وفور استغنائه وشِدَّةٍ حاجتي ظَلَمني حَقِّي، وهذا ظاهرٌ إذا كانت النعجةُ مستعارةً، وإلا فالمناسبُ تأكيدُ الأُنوثة بأنها كاملة فيها، فيكونُ أَدَرَّ وأحلب لما يُطْلَبُ منها، على أنَّ فيه رمزاً إلى ما ورّى عنه. ﴿فَقَالَ أَكْفِلِينِهَا﴾ مَلِّكنيها، وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أَكْفَلُ ما تحتَ يدي، وقال ابن كيسان: اجعلها كِفْلي، أي: نصيبي، وعن ابن عباس وابن مسعود: تحوَّل لي عنها. وهو بيانٌ للمراد، وأَلْصَقُ بوجه الاستعارة. ﴿وَعَزَّنِ﴾ أي: غلبني، وفي المَثَل: من عَزَّ بَزَّ (٢)، أي: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ، وقال الشاعر: فَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فباتتْ تُجاذبهُ وقد عَلِقَ الجناحُ(٣) فِ اَلِطَاپٍ ٢٣ ﴾ أي: مخاطبته إياي محاجَّة بأنْ جاء بحِجاج لم أُطِقْ ردَّهُ. وقال الضحاك: أي: إن تكلّم كان أفصحَ مني، وإن حاربَ كان أبطشَ مني. وقال ابن عطية: كان أَوجَهَ مني وأقوى، فإذا خاطبتُهُ كان كلامه أقوى من كلامي، وقوَّته أعظمُ من قوتي(٤). وقيل: أي: غلبني في مغالبته إياي في الخطبة، على أنَّ الخطابَ من خَطَبْتُ المرأة وخَطّبها هو، فخاطَبَني خطاباً، أي: غالبني في الخطبة، فغلبني حيث زوّجها دوني، وهو قولُ مَنْ يجعلُ النعجةَ مستعارة. (١) إصلاح المنطق ص٣٨، وأدب الكاتب ص٣٠٧، ولم يذكر الزمخشري سوى عجزه. (٢) مجمع الأمثال ٣٠٧/٢، وقالت الخنساء في ديوانها ص٨١: كأن لم يكونوا حمّى يُثَّقى إذ الناسُ إذ ذاك مَن عَّ بزّا (٣) نسب لمجنون ليلى، ولنُصيب بن رباح، ولتوبة بن الحُميِّر. ينظر ديوان مجنون ليلى ص ٩٠، وشعر نصيب بن رباح ص٧٤، والكامل للمبرد ٩٢٩/٢، وشرح ديوان الحماسة ١٥١/٣. (٤) المحرر الوجيز ٤ / ٥٠٠. سُوءَةُ ضِ﴾ ٢٥٠ الآية : ٢٤ وتعقَّبه صاحبُ ((الكشف)) فقال: حَمْلُ الخطاب على المغالبة في خطبة النساء لا يلائمُ فصاحةَ التنزيل؛ لأنَّ التمثيلَ قاصرٌ عنه لِنبوِّ قوله: ((وليَ نعجةٌ» عن ذلك أشدَّ النَّبْوَةِ، وكذا قوله: ((أكفلنيها))، إذ ينبغي على ذلك أن يُخاطَبَ به وليُّ المخطوبة، إلا أن يُجْعل الأول مجازاً عما يَؤُولُ إليه الحال ظنًّا، والشرطُ في حسنه تَحقُّقُ الانتهاء كما في: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] والثاني مجازٌ عن تَرْكه الخطبة، ولا يخفى ما فيهما من التعقيد، ثم إنه لتصريحه ينافي الغرضَ من التمثيل، وهو التنبيهُ على عِظَم ما كان منه عليه السلام، وأنه أمرٌ يستحي من كَشْفه مع الستر عليه والاحتفاظ بحرمته. انتهى فتأمل. وقرأ أبو حيوة وطلحة: ((وعَزَني)) بتخفيف الزاي، قال أبو الفتح: حُذفتْ إحدى الزابين تخفيفاً(١)، كما حُذفتْ إحدى السِّينَيْنِ في قول أبي زبيد : أَحَسْنَ به فهنَّ إليه شُؤْسُ(٢) وروي كذلك عن عاصم(٣). وقرأ عبد الله وأبو وائل ومسروق والضحاك والحسن وعبيد بن عمير: ((وعازَّني)) بألفٍ بعد العين، وتشديد الزاي(٤)، أي: وغالبني. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعَْئِكَ إِلَى نِعَلِهِ،﴾ جوابُ قَسَم محذوفٍ، قُصد به المبالغةُ في إنكار فعل ذي النعجات الكثيرة وتهجين طَمَعه، وليس هذا ابتداءً من داود عليه السلام إثرَ فراغ المدَّعي من كلامه، ولا فُتیا بظاهر كلامه قبل ظهور الحال لدیه، فقيل: ذلك على تقدير: لقد ظلمكَ إن كان ما تقولُ حقّاً. وقيل: ثَمَّ كلامٌ محذوفٌ، أي: فأقرَّ المدَّعى عليه، فقال: ((لقد ظلمك)) إلخ، ولم يُحْكَ في القرآن اعترافُ المدَّعى عليه؛ لأنه معلومٌ من الشرائع كلِّها أنه لا يحكمُ (١) المحتسب ٤٠٣/٢، والقراءات الشاذة ص ١٣٠. (٢) وصدره: خلا أن العتاق من المطايا، وهو في الخصائص ٤٣٨/٢، ورسالة الصاهل والشاحج ص٦٤٥ . (٣) البحر المحيط ٣٩٢/٧. (٤) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحرر الوجيز ٥٠٠/٤، والبحر المحيط ٣٩٢/٧. الآية : ٢٤ ٢٥١ الحاكمُ إلا بعد إجابة المدَّعى عليه، وجاء في روايةٍ أنه عليه السلام لمَّا سَمِعَ كلامَ الشاكي قال للآخر: ما تقول؟ فأقرَّ، فقال له: لترجعنَّ إلى الحقِّ أو لأكسرنَّ الذي فيه عيناك، وقال للثاني: ((لقد ظلمك)) إلخ. فتبسَّما عند ذلك وذهبا ولم يَرَهما لحينه. وقيل: ذهبا نحو السماء بمرأَى منه. وقال الحَليمي: إنه عليه السلام رأى في المدَّعي مخايلَ الضَّعف والهضيمة، فَحَمَلَ أَمرَهُ على أنه مظلومٌ كما يقول، فدعاه ذلك إلى أن لا يسألَ المدَّعى عليه، فاستعجلَ بقوله: ((لقد ظلمك))(١). ولا يخفى أنه قولٌ ضعيفٌ ولا يُعوَّلُ عليه؛ لأنَّ مخايلَ الصِّدقِ كثيراً ما تظهرُ على الكاذب، والحيلةُ أكثرُ من أن تُحصى قديماً وحديثاً؛ وفيما وقع من إخوة يوسفَ عليه السلام ولم يكونوا أنبياء على الأصحِّ ما يُزيلُ الاعتمادَ في هذا الباب، وبعضُ الجهلة ذهب إلى نحو هذا، وزعم أنَّ ذَنْبَ داود عليه السلام ما كان إلا أنه صَدَّقَ أحدهما على الآخر، وظَلَمهُ قبل مسألته. والسؤالُ مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، وتعديتُهُ إلى مفعولٍ آخر بـ ((إلى)) لتضمُّنه معنى الإضافة، كأنه قيل: لقد ظلمك بإضافة نعجتكَ إلى نعاجه على وجهِ السؤال والطّلب، أو: لقد ظلمكَ بسؤال نعجتكَ مضافةً إلى نعاجه. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَآِ﴾ أي: الشُّرَكاء الذين خَلَطُوا أموالهم، الواحد: خَلِيطٌ، وهي الخُلْطَةُ، وقد غلبتْ في الماشية، وفي حُكْمها عند الفقهاء كلامٌ ذَكَرَ بعضاً منه الزمخشريُّ(٢) ﴿الَتْفِيِ﴾ ليتعدَّى ﴿بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ غيرَ مراعٍ حقَّ الشِّرْكة والصُّحبة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ منهم فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان. ﴿َقَلِلٌ مَاهُمَّ﴾ أي: وهم قليلٌ جدّاً، فـ ((قليلٌ)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((هم)) مبتدأٌ، و(ما)) زائدة، وقد جاءت المبالغةُ في القِلَّة من التنكير وزيادة ((ما)) الإبهامية، ويتضمَّنُ ذلك التعُجّبَ، فإنَّ الشيءَ إذا بُولغَ فيه كان مظنَّةً للتعجّب منه، فكأنه قيل: ما أقلَّهم، والجملة اعتراضٌ تذييليٍّ. (١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٥٥٢. (٢) في الكشاف ٣٧١/٣. سُدَلاَضِ} ٢٥٢ الآية : ٢٤ وقرئ: (لَيَبغيَ)) بفتح الياء(١) على تقدير حَذْف النون الخفيفة، وأصله: لَيَبْغِيَنْ، كما قال طَرَفَةُ بن العبد: اضْرِبَ عنكَ الهمومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بالسَّيفِ قَوْنَسَ الفرسِ(٢) يريد: اضربَنْ، ويكون على تقدير قَسَمِ محذوفٍ، وذلك القَسَمُ وجوابه خبرٌ لـ ((إنَّ»، وعلى قراءة الجمهور: اللامُ هي الواقعةُ في خبر ((إنَّ)، وجملة ((يبغي)) إلخ هو الخبر. وقرئ: ((لَيَبغ)) بحذف الياء للتخفيف(٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَّلِ إِذَا [الفجر: ٤] وقوله : يُرِ﴾ محمدُ تَفْدِ نفسَكَ كلُّ نفسٍ إذا ما خِفْتَ من أمرٍ تَبالا(٤) والظاهر أنَّ قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِرًّاً مِّنَ الْمُطَآءِ) إلخ، من كلام داود عليه السلام تتمَّةً لما ذكره أولاً، وقد نظر فيه ما كان عليه التداعي كما هو ظاهرُ التعبير بالخلطاء، فإنه غالبٌ في الشُّركاء الذين خَلَطوا أموالهم في الماشية، وجُعِلَ على وجه استعارة النَّعجة ابتداءً تمثيلٌ لم يُنظرّ فيه إلى ما كان عليه التداعي، كأنه قيل: وإنَّ البغيَ أمرٌ يوجدُ فيما بين المتلابسين، وخُصَّ الخُلَطاء لكثرته فيما بينهم، فلا عَجَبَ مما شَجَرَ بينكم، ويترتَّبُ عليه قَصْدُ الموعظة الحَسَنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الذين حُكِم لهم بالقِلَّة، وأن يُكرِّه إليهم الظُّلْمَ والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسُّفِ على حالهم، وأنْ يُسلى المظلوم عمَّا جرى عليه من خَليطه، وأنَّ له في أكثر الخُلَطاء أسوة، أو كأنه قيل: إنَّ هذا الأمرَ الذي جرى بينكما أيها الخليطان كثيراً ما يجري بين الخلطاء، فيُنْظَرُ فيه إلى خصوص حالهما، قال في ((الكشف)): والمحمل الأظهر هذا، وعلى التقديرين هو تذييلٌ يترتب عليه ما ذكر. (١) البحر المحيط ٣٩٣/٧. (٢) البيت في العقد الفريد ٣٥٦/٥، ورسالة الصاهل والشاحج ص ٤٦١. والقونس: عظم ناتئ بين أذني الفرس. القاموس المحيط (قنس). (٣) البحر المحيط ٣٩٣/٧. (٤) البيت في المفصل ٢٤/٩، والخزانة ٩/ ١١ دون نسبة. الآية : ٢٤ ٢٥٣ ثم قال: ولعلَّ الأظهرَ حَمْلُ الخلطاء على المتعارفين والمتضادّين وأضرابهم ممن بينهم ملابسةٌ شديدةٌ وامتزاجٌ، على نحو: إنَّ الخليطَ أجَدُّوا البينَ فانجردوا(١) والغَلَبةُ في الشركاء الذين خَلَطوا أموالهم في عُرْف الفقهاء، فَذِكْرُ الخُلَطاء لا ينافي ذِكْرَ الحلائل؛ إذ لم تردِ الخُلْطة. اهـ. وأنت خبيرٌ بأنَّ ذلك وإن لم ينافِ ذِكْرَ الحلائل، لكنَّ أولويةَ عدم إرادة الحلائل وإبقاء النَّعجة على معناها الحقيقيِّ، مما لا ينبغي أن ينتطحَ فيه كبشان. ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ﴾ الَّنُّ مستعارٌ للعلم الاستدلالي؛ لما بينهما من المشابهة الظاهرة، وفي ((البحر)) (٢): لمَّا كان الظُّّ الغالبُ يقاربُ العلم استعير له، فالمعنى: وعَلِمَ داود وأيقنَ بما جرى في مجلس الحكومة أنَّ الله تعالى ابتلاه. وقيل: لمَّا قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، ثم صَعِدا إلى السماء حِيالَ وجهه، فعلم بذلك أنه تعالى ابتلاه. وجُوِّز إبقاءُ الظَّنِّ على حقيقته، وأنكر ابنُ عطية مجيءَ الظَّنِّ بمعنى(٣) العلم اليقيني، وقال: لسنا نجدهُ في كلام العرب، وإنما هو توقيفٌ بين معتقِدَين غَلَبَ أحدهما على الآخر، وتُوقعه العربُ على العلم الذي ليس بواسطة الحواسّ، فإنه اليقينُ التاُّ، ولكنْ يخلطُ الناسُ في هذا ويقولون: ظَنَّ بمعنى أيقنَ. إلى آخر ما أطال، ويُفهَمُ منه أنَّ إطلاقَ الَّنِّ على العلم الاستدلالي حقيقةٌ، والمشهورُ أنه مجاز، وظاهرُ ما بَعْدُ أنه هنا بمعنى العلم. و ((أنما)) المفتوحةُ - على ما حقَّق بعضُ الأجلة - لا تدلُّ على الحَضْر كالمكسورة، ومَنْ قال بإفادتها إياه حَمْلاً على المكسورة - كالزمخشري(٤) ۔ لم يَدَّعِ (١) سلف ٣٩٣/١٨. (٢) ٣٩٣/٧. (٣) في الأصل و(م): بعد، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٠٠/٤-٥٠١، والبحر المحيط ٣٩٣/٧، وعنه نقل المصنف منه. (٤) الكشاف ٣٧١/٣. ٢٥٤ الآية : ٢٤ الاطّرد، فليس المقصودُ هاهنا قَصْرَ الفتنة، عليه عليه السلام؛ لأنه يقتضي انفصالَ الضمير، ولا قَصْرَ ما فُعِلَ به على الفعل؛ لأنَّ كلَّ فِعلٍ ينحلُّ إلى عامٌ وخاصٌّ، فمعنى ضربته: فعلتُ ضَرْبه، على أنَّ المعنى: ما فعلنا به إلا الفتنة كما قال أبو السعود(١)؛ لأنه على ما قيل تعسُّفٌ وإلغاز، ومَنْ يدَّعي الاطّراد يلتزمُ الثاني من القَصْرَين المنفيين، ويمنعُ كونَ ما ذُكر تعسُّفاً وإلغازاً . وقرأَ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن بخلافٍ عنه: ((فتَّنَّاه)) بتشديد التاء والنون مبالغة (٢)، والضحاك: ((أفتنَّاه))(٣) كقوله على ما نقله الجوهريُّ عن أبي عبيدة: لئن فَتَنَشْنِي لَهْيَ بالأمسِ أَفْتَنَتْ سعيداً فأمسى قد غوى كلّ مُسلمٍ (٤) وقتادة وأبو عمرو في رواية: ((أنما فَتَنَاهُ)) بضمير التثنية(٥)، وهو راجعٌ إلى الخصمین . ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ إثر ما عَلِمَ أنَّ ما صَدَرَ عنه ذنبٌ ﴿وَخَّرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجداً، على أنَّ الركوعَ مجازٌ عن السجود؛ لأنه لإفضائه إليه جُعل كالسبب، ثم تُجوِّزَ به عنه، أو هو استعارةٌ لمشابهته له في الانحناء والخضوع، والعربُ تقول: نخلةٌ راكعةٌ، ونخلةٌ ساجدةٌ، وقال الشاعر: فَخَرَّ على وجهه راكعاً وتابَ إلى الله من كلِّ ذنب(٦) وقيل: أي: خَرَّ للسجود راكعاً، أي: مُصلِّياً، على أنَّ الركوعَ بمعنى الصلاة؛ لاشتهار التجوُّز به عنها. وتقدير متعلّقٍ لـ ((خَرَّ)) يدلُّ عليه غلبةُ فحواه؛ (١) في إرشاد العقل السليم ٧/ ٢٢٢. (٢) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٤٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٥٠١/٤، والبحر المحيط ٣٩٣/٧. (٣) المحرر الوجيز ٥٠١/٤، والبحر المحيط ٣٩٣/٧. (٤) الصحاح (فتن)، ونسب البيت لأعشى همدان. (٥) القراءات الشاذة ص ١٣٠، والمحتسب ٤٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٥٠١/٤. (٦) البيت في النكت والعيون ٨٩/٥، وتفسير القرطبي ١٧٧/١٨ دون نسبة. + الآية : ٢٤ ٢٥٥ لأنه بمعنى سَقَطَ على الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. وقال الحسين بن الفضل: أي: خَرَّ من ركوعه، أي: سَجَدَ بعد أن كان راكعاً. وظاهره إبقاءُ الركوع على حقيقته وجَعْلُ ((خَرَّ) بمعنى سَجَدَ، والجمهورُ على ما قدَّمنا. واستشهد به أبو حنيفة ◌َُّه وأصحابه على أنَّ الركوعَ يقومُ مقامَ السجود في سجدة التلاوة، وهو قول الخطّابيِّ من الشافعية، ولا فرق في ذلك بين الصلاة وخارجها كما في ((البزازيَّة)) وغيرها. وفي ((الكشف)): قالوا - أي: الحنفية -: إنَّ القياسَ يقتضي أن يقومَ الركوعُ مقامَ السجود؛ لأنَّ الشارعَ جعله ركوعاً، وتجوَّزَ بأحدهما عن الآخر؛ لقيامه مقامه وإغنائه غناءه. وأيَّدوه بأنَّ السجودَ لم يُؤْمَرْ به لعينه، ولهذا لم يُشْرَعْ قربةً مقصودةً، بل للخضوع، وهو حاصلٌ بالركوع. فإن قلت: إنَّ سجدةَ داود عليه السلام كانت سجدةَ شكرٍ، والكلامُ في سجدة التلاوة. قلتُ: لا عليَّ في ذلك؛ لأني لم أستدلَّ بفعل داود عليه السلام، بل بجَعْلِ الشارع إياه مغنياً غناءَ السجود، ولأصحابنا - يعني الشافعية - أن يمنعوا أنَّ علاقةَ المجاز ما ذكروه بل مطلق الميل عن الخضوع المشترك بينهما، أو لأنه مقدّمته، كما قال الحسن: لا يكون ساجداً حتى يركع أو خرَّ مصلِّياً، والمعتبرُ غايةُ الخضوع، وليست في الركوع. اهـ. ولا يخفى أنَّ المعروفَ من النبيِّ وَِّ السجودُ، ولم نقفْ في خبرٍ على أنه عليه الصلاة والسلام رَكَعَ للتلاوة بدله ولو مرَّةً، وكذا أصحابه ﴿ه، وليس أمرُ القياس المذكور بالقويّ، فالأحوطُ فِعْلُ الوارد لا غير، بل قال بعض الشافعية: إنَّ قولَ الأصحاب: لا يقومُ الركوعُ مقام السجدةِ، ظاهرٌ في جواز الركوع، وهو بعيدٌ، والقياسُ حرمته، وعنى صاحب ((الكشف)) بما ذكر في السؤال من أنَّ سجدةَ داود عليه السلام كانت سجدة شكرٍ، أنها كانت كذلك من نبيِّنًا وَّة، فقد أخرج النسائيُّ وابن مردويه بسندٍ جيدٍ عن ابن عباس أنَّ النبيَّ وَّ سجد في ((ص))، وقال: سُوَ الأَ صِرْ ٢٥٦ الآية : ٢٥ (سَجَدَها داودُ توبةً، ونسجُدُها شكراً)) (١) أي: على قبول توبة داود عليه السلام من خوف الأولى بعَليّ شأنه، وقد لقي عليه السلام على ذلك من القلق المزعج ما لم يَلْقَهُ غيره كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، وآدمُ عليه السلام وإن لقيَ أمراً عظيماً أيضاً، لكنه كان مَشُوباً بالحزن على فراق الجنة، فجُوزيَ لذلك بأمرٍ هذه الأمة بمعرفة قَدْره، وأنه أنعمَ عليه نعمةً تستوجب دوامَ الشكر إلى قيام الساعة. ولقصَّته على ما في بعض الروايات شَبَهٌ لما وَقَّعَ لنبيِّنا وِّ في قصة زينب المقتضي للعَتَبِ عليه بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية، فيكونُ ذِكْرُها مُذكِّراً له عليه الصلاة والسلام ما وقع، وما آل الأمرُ إليه مما هو أرفعُ وأجلُّ، فكأنَّ ذلك اقتضى دوامَ الشكر بإظهار السجود له، ولعلَّ ذلك وجهُ تخصيصٍ داود بذلك مع وقوع نظيره لغيره من الأنبياء عليهم السلام. فتأمله، ولا تغفلْ عن كون السورة مكِيَّةً على الصحيح، وقصة زينب ﴿ّا مدنيّة، وينحلُّ الإشكالُ بالتزام كون السجود بعد القصة، فليُنقَّر. وهي عند الحنفية إحدى سَجَدات التلاوة الواجبة كما ذُكر في الكتب الفقهية، ومَنْ فَسَّرَ (خَرَّ راكعاً)) بـ: خرَّ للسجود مصلِّياً، ذهب إلى أنَّ ما وقع من داود عليه السلام صلاةٌ مشتملةٌ على السجود، وكانت للاستغفار، وقد جاء في شريعتنا مشروعيةُ صلاة ركعتين عند التوبة، لكن لم نقفْ في خبرٍ على ما يُشعر بحَمْلٍ ما هنا على صلاة داود عليه السلام لذلك، وإنما وقفنا على أنه سَجَدَ. أي: رَجَعَ إلى الله تعالى بالتوبة ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ أي: ﴿وَأَنَابَ و ٢٤ ما استَغْفَرَنا منه. أخرج أحمد وعبد بن حميد عن يونس بن خباب(٢) أنَّ داود عليه السلام بكى أربعينَ ليلةً حتى نبتَ العشبُ حوله من دموعه، ثم قال: يا ربِّ قَرِحَ الجبين، وَرَقأ الدمع، وخطيئتي عليَّ كما هي. فُنُودي: يا داود، أجائٌ فَتْعَمَ، أم ظمآنُ (١) السنن الكبرى (١٠٣١). (٢) في الأصل و(م): يونس بن حبان، والمثبت من الدر المنثور ٣٠٣/٥، وهو الصواب. وروي الخبر عن مجاهد أيضاً كما سيرد. الآية : ٢٥ ٢٥٧ سُورَةُ ضِ فتسقى، أم مظلومٌ فَيُنْتَصَرَ لك ؟ فَنَحِبَ نَحْبةً هاجَ ما هنالك من الخُضْرة، فغفر له عند ذلك. وفي رواية عبد الله بن أحمد في ((زوائد الزهد))(١) عن مجاهدٍ أنه خَرَّ ساجداً أربعينَ ليلةً حتى نبتَ من دموع عينيه من البقل ما غطّى رأسه، ثم قال .. إلخ. وروي أنه لم يشربْ ماءً إلا وتُلُثاه من دمعه، وجَهَدَ نفسَهُ راغباً إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلِك، واشتغلَ بذلك عن الملك حتى وَثَبَ ابنُّ له - يقال له: إيشا - على مُلْكه، ودعا إلى نفسه، فاجتمعَ إليه أهلُ الزَّيغ من بني إسرائيل، فلما غُفر له حاربه فهزمه. وأخرج أحمد (٢) عن ثابت أنه عليه السلام اتخذَ سبعَ حشايا، وحشاهنَّ من الرماد حتى أنفذها دموعاً، ولم يشربْ شراباً إلا مَزَجَهُ بدَمْعِ عينيه. وأخرج(٣) عن وهبٍ أنه اعتزلَ النساء، وبكى حتى رَعِشَ وخذَّدتِ الدموعُ في وجهه . ولم ينقطع خوفُّهُ عليه السلام وقلقهُ بعد المغفرة، فقد أخرج أحمد والحكيم الترمذيُّ وابن جرير عن عطاء الخراساني: أنَّ داودَ نَقَشَ خطيئته في كَفِّه لكي لا ينساها، وكان إذا رآها اضطربتْ يداه(٤). وأخرج أحمد وغيره عن ثابت عن صفوان، وعبد بن حميد من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي: ما رفع داودُ رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حتى مات(٥). ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ قربة بعد المغفرة ﴿وَحُسْنَ مَثَابٍ (٥)﴾ وحُسْنَ مرجعٍ في (١) كما في الدر المنثور ٥/ ٣٠٤ وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٥٥٢/١١، والطبري ٧٣/٢٠-٧٤. (٢) كما في الدر المنثور ٣٠٤/٥. (٣) أي: أحمد، كما في الدر المنثور ٣٠٤/٥. (٤) تفسير الطبري ٦٩/٢٠، والدر المنثور ٣٠٤/٥. (٥) الدر المنثور ٣٠٣/٥. ٠٠٠٠ سُ بَةٌ صِ ٢٥٨ الآية : ٢٥ الجنة، وأخرج عبد بن حميد (١) عن عبيد بن عمير أنه قال في الآية: يدنو من ربِّه سبحانه حتى يضعَ يده عليه. وهو - إن صحَّ - من المتشابه. وأخرج أحمد في ((الزهد)) والحكيم الترمذيُّ وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار أنه قال فيها: يُقامُ داودُ عليه السلام يومَ القيامة عند ساقٍ العرش، ثم يقول الربُّ عزَّ وجلَّ: يا داودُ مجِّدْني اليومَ بذلك الصوت الحَسَنِ الرَّخيم الذي كنتَ تمجِّدني به في الدنيا. فيقول: يا ربِّ كيف وقد سلبته؟ فيقول: إني رادُّهُ عليك اليوم، فيندفعُ بصوتٍ يستغرقُ نعيمَ أهل الجنة(٢). هذا واختلف في أصلٍ قصَّته التي ترتّب عليها ما ترتّب، فقيل: إنه عليه السلام رأى امرأةً رجلٍ يقال له: أُوريا، من مؤمني قومه - وفي بعض الآثار أنه وزيره - فمالَ قلبُهُ إليها، فسأله أن يُطلِّقها، فاستحى أن يردَّهُ، ففعل، فتزوَّجها وهي أمُّ سليمان، وكان ذلك جائزاً في شريعته معتاداً فيما بين أُمَّته، غير مخلِّ بالمروءة، حيثُ كان يسألُ بعضُهم بعضاً أن ينزلَ له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وقد كان الرجلُ من الأنصار في صَدْرِ الإسلام بعد الهجرة إذا كانت له زوجتان نزل عن إحداهما لمن اتَّخذه أخاً له من المهاجرين، لكنه عليه السلام لِعِظَم منزلته وارتفاع مرتبته وعلوِّ شأنه نبّه بالتمثيل على أنه لم يكن ينبغي له أن يتعاطى ما يتعاطاه آحادُ أمَّته، ويسألَ رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة أن ينزلَ عنها، فيتزوجها مع كثرة نسائه، بل كان يجبُ عليه أن يُغالبَ ميلَهُ الطبيعي، ويقهر نفسه، ويصبر على ما امتُحنَ به. وقيل: إنه أضمرَ في نفسه إن قُتل أُوريا تزوَّج بها، وإليه مالَ ابن حجر في (تحفته))(٣). وقيل: لم يكن أُوريا تزوَّجها، بل كان خَطَبها، ثم خَطَبها هو، فآثره عليه السلام أهلُها، فكان ذَنْبُهُ أن خَطَبَ على خِطْبة أخيه المؤمن. وفي بعض الآثار أنه فعل ذلك ولم يكن عالماً بخِظْبة أخيه، فعُوتِبَ على تَرْك السؤال، هل خَطَبها أحدٌ أم لا؟ (١) كما في الدر المنثور ٣٠٦/٥. (٢) الدر المنثور ٣٠٥/٥. (٣) تحفة المحتاج ٢٠٦/٢. ٢٥٩ الآية : ٢٥ وقيل: إنه كان في شريعته أنَّ الرجلَ إذا ماتَ وخَلَّفَ امرأةً، فأولياؤه أحقُّ بها، إلا أن يرغبوا عن التزوُّج بها، فلما قُتل أُوريا خَطَبَ امرأته ظاناً أنَّ أولياءه رَغِبوا عنها، فلما سمعوا منعتهم هيبته وجلالته أن يخطبوها . وقيل: إنه كان في عبادةٍ، فأتاهُ رجلٌ وامرأةٌ متحاكِمَين إليه، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها، وهو نظرٌ مباحٌ، فمالتْ نفسُهُ ميلاً طبيعيّاً إليها، فشُغِلَ عن بعض نوافله، فعُوتِبَ لذلك. وقيل: إنه لم يتثبَّتْ في الحكم، وظلم المدَّعى عليه قبل سؤاله لما ناله من الفزع، وكانت الخصومة بين المتخاصمين، وكانا من الإنس على الحقيقة، إما على ظاهر ما قُصَّ، أو على جَعْلِ النعجة فيه كناية عن المرأة. ونُقل هذا عن أبي مسلم. والمقبولُ من هذه الأقوال ما بَعُدَ من الإخلال بمنصب النبوَّة، وللقُصَّاص كلامٌ مشهورٌ لا يكادُ يصحُّ؛ لما فيه من مزيد الإخلال بمنصبه عليه السلام. ولذا قال عليَّ كرّم الله تعالى وجهه ـ على ما في بعض الكتب -: من حَدَّثَ بحديثٍ داودَ عليه السلام على ما يرويه القُصَّاص جلدتهُ مئةً وستينَ، وذلك حَدُّ الفِريةِ على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، وهذا اجتهادٌ منه كرَّم الله تعالى وجهه، ووجهُ مضاعفة الحدِّ على حَدِّ الأحرار أنهم عليهم السلام سادةُ السادة، وهو وجهٌ مستحسنٌ، إلا أنَّ الزينَ العراقيَّ ذكر أنَّ الخبرَ نفسه لم یصحَّ عن الأمیر کرَّم الله تعالی وجهه. وقال أبو حيان: الذي نذهبُ إليه ما دلَّ عليه ظاهرُ الآية من أنَّ المتسوِّرين المحرابَ كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل، وفي غير وقتٍ جلوسه للحكم، وأنه فَزِعَ منهم ظاناً أنهم يغتالونه إذ كان منفرداً في محرابه لعبادة ربِّه عزَّ وجلَّ، فلما اتَّضحَ له أنهم جاؤوا في حكومةٍ، وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قصَّ الله تعالى، وأنَّ داودَ عليه السلام ظَنَّ دخولَهم عليه في ذلك الوقت ومن تلك الجهة ابتلاءً من الله تعالى له أن يغتالوه، فلم يقعْ ما كان ظَنَّهُ، فاستغفرَ من ذلك الظَّنِّ حيثُ أخلفَ ولم يكن ليقعَ مظنونه، وخرَّ ساجداً ورَجَعَ إلى الله تعالى، وأنه سبحانه ٢٦٠ الآية : ٢٦ غَفَرَ له ذلك الَّنّ، فإنه عزَّ وجلَّ قال: (فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكٌ) ولم يتقدَّم سوى قوله تعالى: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَّهُ) ونعلم قَطْعاً أنَّ الأنبياء عليهم السلام معصومونَ من الخطايا، لا يمكنُ وقوعُهم في شيءٍ منها، ضرورةً أنَّا لو جوَّزنا عليهم شيئاً من ذلك بَطَلَتِ الشرائعُ ولم يُوثَقْ بشيءٍ مما يذكرون أنه وحيٌّ من الله تعالى، فما حكى الله تعالى في كتابه يمرُّ على ما أراده الله تعالى، وما حكى القُصَّاص مما فيه نقصٌ لمنصبٍ الرسالة طرحناه، ونحن كما قال الشاعر: ونؤثِرُ حُكْمَ العقل في كلِّ شُبھةٍ إذا آثر الأخبار جلّاس قُصّاص(١) انتهى. ويقرب مِن هذا مِن وَجْهٍ ما قيل: إنَّ قوماً قصدوا أن يقتلوهُ عليه السلام، فتسوَّروا المحرابَ فوجدوا عنده أقواماً، فتصنَّعوا بما قصَّ الله تعالى من التحاكم، فَعَلِمَ غَرَضَهمْ فقصد أن ينتقمَ منهم، فظَنَّ أنَّ ذلك ابتلاءٌ من الله تعالى وامتحانٌ له، هل يغضبُ لنفسه أم لا؟ فاستغفرَ ربَّه مما عَزَمَ عليه من الانتقام منهم وتأديبهم لحقٌ نفسه، لعدوله عن العفو الأليق به. وقيل: الاستغفار كان لمن هَجَمَ عليه، وقوله تعالى: (فَغَفَرْنَا لَهُ) على معنى: فغفرنا لأجله. وهذا تعسُّفٌ وإن وقع في بعض كتب الكلام. وعندي أنَّ تَرْكَ الأخبار بالكلية في القصة مما لا يكادُ يقبله المنصف، نعم لا يُقبلُ منها ما فيه إخلالٌ بمنصب النبوّة، ولا يقبل تأويلاً يندفع معه ذلك، ولا بدَّ من القول بأنه لم يكن منه عليه السلام إلا تركُ ما هو الأولى بعليّ شأنه والاستغفار منه، وهو لا يُخِلُّ بالعصمة. ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ إما حكاية لما خُوطب به عليه السلام مبيِّنَة لِزُلْفاه عنده عزَّ وجلَّ، وإما مقولٌ لقولٍ مقدَّرِ معطوفٍ على ((غفرنا))، أو حالٌ من فاعله، أي: وقلنا له، أو قائلينَ له: يا داودُ إنَّا جعلناك خليفةً في الأرض، أي: استخلفناك على الملك فيها والحُكْم فيما بين أهلها، أو: جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحقِّ، وهو على الأول مثلُ: فلانٌ خليفةُ السلطان، إذا (١) البحر المحيط ٣٩٣/٧.