النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ١٤٩
١٨١
سُورَةُ الصَّافَاتُ
متضمِّناً كلٌّ منها ما يدلُّ على فضلهم وعبوديتِهم له عزَّ وجلّ، ثم أمره ◌َّ هاهنا
بتبكيتهم بطريق الاستفتاءِ عن وجه ما تُنكره العقولُ بالكلِّية، وهي القسمةُ الباطلةُ
اللازمةُ لما كانوا عليه من الاعتقاد الزَّائغ، حيث كانوا يقولون - کبعض أجناسٍ
العرب: جهينةَ وسليم وخزاعةً وبني مُلَيح -: الملائكةُ بناتُ الله، سبحانه وتعالى
عمَّا يقولون علواً كبيراً. ثم بتبكيتهم بما يتضمَّنه كفرُهم المذكورُ من الاستهانةِ
بالملائكة عليهم السلام بجعلهم إناثاً .
ثم أَبطل سبحانه أصلَ كفرِهم المنطوي على هذين الكفرَين، وهو نسبةُ الولدٍ
إليه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، ولم ينظمْه سبحانه في سِلك التبكيت؛
لمشاركتهم اليهودَ القائلين: عُزِيرٌ ابنُ الله، والنصارى المعتقدين عيسى ابنَ الله،
تعالى الله عن ذلك.
والفاء، قيل: لترتيب الأمرِ على ما يُعلم ممَّا سبق من كون أولئك الرُّسلِ أَعلامِ
الخلقِ عليهم السلام عبادَه تعالى؛ فإنَّ ذلك مما يؤكّد التبكيتَ ويُظهر بطلانَ مذهبِهم
الفاسد، فكأنَّه قيل: إذا كان رسلُ ربِّك مَن علمتَ حالَهم، فاستخبِرْ هؤلاء الكفرةَ
عن وجه كونِ البنات - وهنَّ أوضعُ الجنسَين - له تعالى بزعمهم، والبنينَ الذين هم
أَرفعُهما لهم، فإنَّهم لا يستطيعون أن يُثبتوا له وجهاً؛ لأنَّه في غاية البطلانِ لا يقوله
مَن له أَدنَى شيءٍ من العقل.
وقال بعضُ الأجِلَّة: الكلامُ متَّصل بقوله تعالى في أوَّل السورة: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ
أَشَدُّ خَلْقًا﴾ [الآية: ١١] على أنَّ الفاءَ هنا للعطف على ذاك والتعقيب؛ لأنَّه أمر
بهما من غير تراخٍ، وهي هناك جزائيةٌ في جواب شرطٍ مقدَّر. وبهذا القولِ أَقول.
وأَورد عليه أبو حيَّانَ(١) أنَّ فيه الفصلَ الطويل، وقد استقبح النُّحاة الفصلَ
بجملة، نحو: أكلت لحماً واضرب زيداً وخبزاً، فما ظنُّك بالفصل بجُمَل، بل
بما يقرب من سورة.
وأُجيب بأنَّ ما ذكر في عطف المفردات، وأمَّا الجمل، فلإستقلالها يُغتفر فيها
(١) في البحر ٣٧٦/٧.

سُوَّةُ الصَّافَاتِ
١٨٢
الآية : ١٤٩
ذلك، والكلامُ هنا لمَّا تعانقت معانيه، وارتبطت مبانيه، وأخذ بعضُها بحُجَز بعضٍ
حتى كأنَّ الجميعَ كلمةٌ واحدة، لم يُعدَّ البعدُ بعداً، كما قيل:
إذا كان ما بين القلوب قريباً (١)
ولیس یضیر البعدُ بین جسومِنا
ووجهُ ترتّب المعطوفِ على ما قبلُ كوجه ترتُّبِ المعطوفِ عليه، فإنَّ كونَه تعالى
ربَّ السماواتِ والأرضِ وتلك الخلائقِ العظيمةِ كما دلَّ على وحدته تعالى وقدرتِه
عزَّ وجلَّ دالٌّ على تنزُّهه سبحانه عن الولد، ألا ترى إلى قوله جلَّ شأنُه: ﴿بَدِيعُ
الشَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
والمناسبةُ بين الردِّ على منكري البعثِ والردِّ على مثبتي الولدِ ظاهرة، وقد انّحد
في الجملتين السائلُ والمسؤولُ والآمر.
وجوَّز بعضُهم كونَ ضميرٍ ((استفتهم)) للمذكورين من الرُّسل عليهم السلام
والبواقي لقريش، والمرادُ الاستفتاءُ ممَّن يعلم أخبارَهم ممن يوثق بهم ومن كتبهم
وصحفِهم، أي: ما منهم أحدٌ إلَّا وينزِّه اللهَ تعالى عن أمثالِ ذلك، حتى يونسُ عليه
السلام في بطنِ الحوت.
ولَعمري إنَّ الرجلَ قد بلغ الغايةَ من التكلَّف من غير احتياجٍ إليه، ولعله لو
استغنَى عن ارتكاب التجوُّز بالتزام كونِ الاستفتاءِ من المرسَلين المذكورين، حيث
يجتمع رسولُ اللهِ وَله معهم اجتماعاً روحانيّاً كما يدَّعيه لنفسه الشيخُ محيي الدِّين
قدِّس سرُّه مع غير واحدٍ من الأنبياءِ عليهم السلام، ويدَّعي أنَّ الأمرَ بالسؤال
المستدعي للاجتماع أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَسْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا
مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةُ يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] على هذا النَّمط = لَكان الأمرُ أهون،
وإنْ كان ذلك منزعاً صوفيّاً .
وأُضيف الربُّ إلى ضميرهِ عليه الصلاة والسلام دون ضميرٍهم؛ تشريفاً
النبيِّهِ وَّهِ، وإشارةً إلى أنَّهم في قولهم بالبنات له عزَّ وجلَّ كالنافين لربوبيَّته سبحانه
لهم.
(١) حاشية الشهاب ٢٨٧/٧.

الآية : ١٥٠ - ١٥٣
١٨٣
سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
خَلَقْنَا الْمَلَتَبِكَةَ إِنَنَا﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من التبكيت
وقولُه سبحانه:
بالاستفتاءِ السابق إلى التبكيتِ بهذا، أي: بل أَخلقنا الملائكةَ الذين هم من أَشرف
الخلائقِ وأَقواهم وأعظمِهم تقدُّساً عن النقائص الطبيعيةِ إناثاً، والأنوثةُ من أخسِ
صفاتِ الحیوان؟!
استهزاءٌ بهم وتجهيلٌ لهم، كقوله تعالى:
١٥٠
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ شَهِدُونَ
﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] فإنَّ أمثالَ هذه الأمورِ لا تُعلم إلَّا بالمشاهدة؛ إذ
لا سبيلَ إلى معرفتها بطريقِ العقل، وانتفاءُ النقلِ مما لا ريبَ فيه، فلا بدَّ أن يكونَ
القائلُ بأنوثتهم شاهداً عند خلقِهم. والجملةُ إمَّا حالٌ من فاعل ((خلقنا))، أي: بل
أَخلقناهم إناثاً والحالُ أنَّهم حاضرون حينئذ، أو عطفٌ على ((خلقنا»، أي: بل أَهم
شاهدون؟
وَلَدَ اللّهُ﴾ استئنافٌ من جهته
١٥١
وقوله تعالى ﴿أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِمْ لَيَقُولُونَ
تعالى غيرُ داخلٍ تحت الاستفتاء، مسوقٌ لإِبطال أصلٍ مذهبهم الفاسد، ببيان أنَّ
مبناه ليس إلَّ الإِفكَ الصَّريح، والافتراءَ القبيح، من غير أن يكونَ لهم دليلٌ أو
· فيما يتديَّنون به مطلقاً، أو في هذا القول. وفيه تأكيدٌ
شبهة. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
١٥٢
لقوله تعالى: ((من إفکھم)).
وقُرئ: ((ولدُ اللهِ))(١) بالإِضافة ورفع ((ولد)) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أي:
لَيقولون: الملائكةُ ولدُ الله. والولدُ فَعَلُ بمعنى مفعول، يقع على المذكَّر والمؤنَّث،
والواحدٍ والجمع؛ ولذا وقع هنا خبراً عن الملائكة المقدَّر.
(6) بهمزةٍ مفتوحة، هي حرفُ استفهامٍ حُذفت
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
بعدها همزةُ الوصل، والاستفهامُ للإنكار، والمرادُ إِثبات إِفكِهم وتقريرُ كذبهم.
والاصطفاءُ أخذ صفوةٍ الشيءٍ لنفسه.
وقرأ نافعٌ في رواية إِسماعيل، وابنُ جماز، وجماعة، وإسماعيلُ بن أبي جعفر،
وشيبة: ((إِصطفى)) بكسر الهمزة(٢)، وهي همزةُ الوصل، وتُكسر إذا ابتُدىَّ بها.
(١) البحر ٣٧٦/٧.
(٢) البحر ٧/ ٣٧٧، وانظر لقراءة نافع وأبي جعفر النشر ٣٦٠/٢.

سُوَرَةُ القَنَافَاتِ
١٨٤
الآية : ١٥٤ - ١٥٨
وخرِّجت على حذف أداةِ الاستفهام لدلالة ((أم)) بعدُ وإِن كانت منقطعةً غيرَ معادلةٍ
لها؛ لكثرة استعمالِها معها. وجوِّز إِبقاءُ الكلام على الإِخبار، إمّا على إِضمار
القول، أي: لَكاذبون في قولهم: اصطفى .. إلخ، أو: يقولون: اصطفى .. إلخ
على ما قيل، أو على الإِبدال من قولهم: ولد الله، أو الملائكةُ ولدُ الله، وليس
دخيلاً بين نسيبين. والأَولى التخريجُ على حذف الأداةِ وحسمِ البحث، فتأمَّل.
بهذا الحكم الذي تقضي ببطلانه بداهةُ العقول.
١٥٤)
والالتفاتُ لزيادة التوبيخ.
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحْكُونَ (
◌ٍ ﴿أَفَلَا تَذَّكَُّونَ (®)﴾ بحذف أَحد التاءَين من: تتذكَّرون. وقرأ طلحةُ بن مصرِّف:
(تذْكُرون)) بسكون الذالِ وضمِّ الكافِ من ذَكَرَ (١). والفاءُ للعطف على مقدَّر، أي:
تلاحظون ذلك فلا تتذكَّرون بطلانَه، فإنَّه مركوزٌ في عقل كلِّ ذكيٍّ وغبي؟
﴿وَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِيرٌ ﴾﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من توبيخهم وتبكيتِهم بما ذُكر [إلى
تبكيتهم](٢) بتكليفهم ما لا يدخل تحت الوجودِ أصلاً، أي: بل أَلكم حجَّة واضحةٌ
نزلت من السماءِ بأنَّ الملائكةَ بناتُه تعالى؟ ضرورةَ أنَّ الحكمَ بذلك لابدَّ له من سندٍ
حسيٍّ أو عقلي، وحيث انتفى كلاهما فلابدَّ من سندٍ نقلي.
﴿فَأَتُواْ بِكِنَِكُمْ﴾ الناطقِ بصحة دعواكم ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
للتعجیز، وإِضافة الکتابِ إلیھم للتھگُم.
فيها. والأمرُ
١١٥٧
وفي الآيات من الإِنباء عن السخط العظيمِ والإِنكار الفظيعِ لأقاويلهم،
والاستبعادِ الشديدِ لأباطيلهم، وتسفيهِ أحلامهم، وتركيكِ عقولهم وأفهامِهم، مع
استهزاءٍ بهم وتعجيبٍ من جهلهم، ما لا يخفَى على مَن تأمَّل فيها .
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الِنَّةِ نَسَبَّأَ﴾ التفاتٌ إلى الغَيبة؛ للإِيذان بانقطاعهم
عن الجواب، وسقوطِهم عن درجةِ الخطاب، واقتضاءِ حالهم أن يُعرَضَ عنهم،
وتُحگی لآخرین جنایاتُهم.
(١) المحرر الوجيز ٤٨٨/٤.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٠٨/٧، والكلام منه.

الآية : ١٥٨
١٨٥
سُورَةُ الصَّافَاتِ
واستُظهر أنَّ المرادَ بالجِنَّة الشياطين، وأُريد بالنَّسب المجعولِ المصاهرة.
أَخرج آدمُ بن أبي إِياس وعبدُ بن حُميد وابن جَريرٍ وغيرُهم عن مجاهدٍ قال: قال
كفَّارُ قريش: الملائكةُ بناتُ الله تعالى، فقال لهم أبو بكرِ الصِّدِّيقِ ظُه - أي: على
سبيل التبكيت -: فمَن أمهاتُهم؟ فقالوا: بناتُ سَرَواتِ الجِنّ(١). وروى هذا ابن
أبي حاتم عن عطية(٢).
أو أُريد: جعلوا بينه سبحانه وبينَهم مناسبة، حيث أشركوهم به تعالى في
استحقاق العبادة. ورُوي هذا عن الحسن.
وقيل: إنَّ قوماً من الزَّنادقة يقولون: اللهُ عزَّ وجلَّ وإبليسُ عليه اللعنةُ أَخوان،
فالله تعالى هو الخيِّر الكريم، وإبليسُ هو الشِّرير اللئيم، وهو المرادُ بقوله سبحانه:
((وجعلوا .. )) إلخ. وحكى هذا الطبرسيُّ عن الكلبيّ(٣). وقال الإِمام الرازي: وهذا
القولُ عندي أقربُ الأقاويل، وهو مذهبُ المجوسِ القائلين بيزدان وأَهرمن،
ويعبِّرون عنهما بالنُّور والظلمة(٤). ويُبعد هذا القولَ عندي أنَّ الظاهرَ أنَّ ضمير
((جعلوا)) كالضمائر السابقةِ لقريش، ولم يشتهرْ ذلك عنهم، بل ولا عن قبيلةٍ من
قبائلِ العرب، وليس المقامُ للردّ على الكفرة مطلقاً .
وأخرج غيرُ واحدٍ عن مجاهد، وعبدُ بن حُميد عن عكرمة، وابنُ أبي شيبةً عن
أبي صالحِ أنَّ المرادَ بالجِنَّة الملائكة(٥). وحكاه في ((مجمع البيان))(٦) عن قتادة،
واختاره الجبّائي. والمرادُ بالجعل المذكور ما تضمَّنه قولُهم: الملائكةُ بناتُ الله،
وأُعيد تمهيداً لما يعقُبه، وهو مبنيٌّ على أنَّ الجِنَّ والمَلَكَ جنسٌ واحد، مخلوقون
من عنصرٍ واحدٍ وهو النار، لكن مَن كان مِن كثيفها الدخانيٌّ فهو شيطان، وهو شرٌّ
(١) الدر المنثور ٢٩٢/٥، وتفسير الطبري ٦٤٥/١٩، وأخرجه أيضاً البيهقي في الشعب
(١٤١).
(٢) الدر المنثور ٢٩٢/٥.
(٣) مجمع البيان ٨٨/٢٣.
(٤) التفسير الكبير ١٦٩/٢٦.
(٥) الدر المنثور ٢٩٢/٥.
(٦) ٨٨/٢٣.

سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ
١٨٦
الآية : ١٥٩
وتمرُّد، ومَن كان من صافي نورِها فهو مَلَك، وهو خيرٌ كلَّه. ووجهُ التسميةِ بالجنِّ
الاستتارُ عن عيوننا، فالجنُّ والجِنَّةُ بمعنى مفعول، من: جَنَّهُ: إذا ستره، ويكون
على هذا تخصيصُ الجنِّ بأحد نوعَيه تخصيصاً طارئاً كتخصيص الدابّة، وعلى
الأصلِ جاء ما هنا.
ونُقل عن ابن عباسِ ﴿هَا أنَّ نوعاً من الملائكة عليهم السلام يسمَّى الجِنّ،
ومنهم إِبليس، وعبَّر عن الملائكة بالجِنَّة حظّاً لهم - مع عِظَم شأنهم في أنفسهم - أن
يبلغوا منزلَة المناسبةِ التي أَضافوها إليهم في قولهم ذلك.
وقد يقال: إنَّ الاستتارَ كالداعي لهم إلى ذلك الزعمِ الباطل، بناءً على توهُّمهم
بأنَّه إنمَّا يَليق بالإِناث، فقالوا: لو لم يكونوا بناتِه سبحانه وتعالى، لَمَا سترهم عن
العيون؛ فلذا عبَّر عنهم بـ: ((الجِنَّة)).
﴾ أي: واللهِ لقد عَلِمت الشياطين - أي:
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّهُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (َّ
جِنسهم - أنَّ اللهَ تعالى يُحضرهم ولا بدَّ النارَ ويعذِّبهم بها، ولو كانوا مناسبين له
تعالى أو شركاءَ في استحقاق العبادةِ أو التصرُّف، لَمَا عذَّبهم سبحانه، فضميرُ
(إنهم)) للجِنَّة، على ما عدا الوجهَ الأخيرَ من الأَوجهِ السابقة، وأمَّا عليه فهو
للكَفَرَة، أي: واللهِ لقد عَلِمت الملائكةُ الذين جعلوا بينه تعالى وبينهم نسباً وقالوا:
هم بناتُه، أنَّ الكفرةَ لَمحضرون النارَ معذَّبون بها؛ لِكذبهم وافترائهم في قولهم
ذلك. والمرادُ به المبالغةُ في التكذيب، ببيان أنَّ الذين يدَّعي لهم هؤلاء تلك النسبةً
ويعلمون أنَّهم أَعلمُ منهم بحقيقة الحالِ يكذِّبونهم في ذلك ويحكمون بأنَّهم معذَّبون
لأجله حكماً مؤكّداً.
ويجوز على الأَوجه الأُوَل عودُ الضميرِ على الكَفَرة أيضاً، والمعنى على نحو
ما ذُكر، وعلمُ الملائكةِ أنَّ الكفرةَ معذَّبون ظاهر، وعلم الشياطين بأنهم
أنفسُهم - وكذا سائرُ الكفرة - معذَّبون؛ لِمَا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ توعَد إبليسَ عليه اللعنةُ
بما يدلُّ على ذلك.
﴾﴾ على جميع الأَوجهِ السابقةِ تنزيهٌ
وقولُه سبحانه: ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
من جهته تعالى لنفسه عن الوصفِ الذي لا يَليق به.

الآية : ١٦٠ - ١٦٣
١٨٧
سُوَّةُ القَانَاتِ
استثناءٌ منقطعٌ من ((المحضَرين))
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلِصِينَ
وما بينهما اعتراض، أي: ولكنِ المخلَصون ناجُون.
وجوِّز كونُه استثناءً متصلاً منه، ويفسَّر ضمير ((أنهم)؛ بما يعمّ، وهو خلافُ
الظاهر.
وجوِّز كونُه استثناءً منقطعاً من ضمير ((يصفون)) وكونُه استثناءً متصلاً منه. وهو
خلافُ الظاهرِ أيضاً.
وجوِّز كونُه استثناءً من ضمير ((جعلوا)) على الانقطاع لا غير، وما في البينِ
اعتراض.
واختار الواحديُّ الوجهَ الأول(١). قال الطّيبي: ويَحسن كلَّ الحسنِ إذا فسَّر
الجِنَّةَ بالشياطين. أي: وضميرُ ((أنهم)) بالكفرة؛ ليرجعَ معناه إلى قوله تعالى حكايةً
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ [ص: ٨٢-٨٣] أي:
٨
عن اللعين: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
إنَّهم لمُحضَرون النارَ ومعذَّبون حيث أَطاعونا في إِغوائنا إياهم، لكن الذين أخلصوا
الطاعةَ لله تعالى وطهَّروا قلوبَهم من أَرجاس الشركِ وأنجاسِ الكفرِ والرذائلِ ما عَمِلَ
فيهم كيدُنا، فلا يُحضَرون، ويكون ذلك مدحاً للمخلَصين، وتعريضاً بالمشركين
وإِرغاماً لأنوفهم، ومزيداً لغيظهم، أي: إنَّهم بخلاف ما هم عليه من سفه الأَحلامِ
وجهلِ النفوسٍ وركاكةِ العقول. اهـ. وفي بيان المعنى نوعُ قصور.
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالٍ
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْدُونَ (٨ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَئِنِينَ
الْجَحِيم
عودٌ إلى خطابهم. والفاءُ في جواب شرطٍ مقدَّر، أي: إذا عَلِمتم
هذا، أو إذا كان المخلَصون ناجين فإنَّكم .. إلخ. والواوُ للعطف، و((ما تعبدون))
معطوفٌ على الضمير في ((إنكم)) وضميرُ ((عليه)) لله عزَّ وجلّ، والجارُّ متعلّق
(فاتنين))، وعُدِّي بـ ((على)) لتضمُّنه معنى الاستيلاء، وهو استعارة، من قولهم: فتن
غلامَه أو امرأتَه عليه: إذا أَفسده، والباءُ زائدة، وهو خبر ((ما)) والجملةُ خبرُ ((إنَّ»،
والاستثناءُ مفرَّغ من مفعول فاتنين المقدَّر، و((أنتم)) خطابٌ للكفرة ومعبوديهم على
(١) الوسيط ٥٣٤/٣.

سُورَةُ القَنَافَات
١٨٨
الآية : ١٦٣
سبيل التغليب، نحو: أنت وزيدٌ تخرجان، أي: ما أنتم ومعبودوكم مفسدين أحداً
على الله عزَّ وجلَّ بإِغوائكم إلَّا مَن سبق في علم اللهِ تعالى أنَّه من أهل النارِ يصلاها
ويدخلها لا محالة.
وجوِّز كونُ الواوِ هنا مثلَها في قولهم: كلُّ رجلٍ وضيعتُه، فجملة ((ما أنتم
عليه .. )) إلخ مستقلّة ليست خبراً لـ ((إنَّ)، وضميرُ ((عليه)) لـ ((ما)) بتقدير مضاف، وهو
متعلّق ((بفاتنين) أيضاً، بتضمينه معنى البعثِ أو الحمل، ولا تغليبَ في الخطاب،
كأنَّه قيل: إنَّكم وآلهتَكم قرناءُ لا تبرحون تعبدونها، ثم قيل: ما أنتم على عبادةِ
ما تعبدون بباعثين أو حاملين على طريق الفتنةِ والإِضلال أحداً، إلَّا مَن سبق في
علمه تعالى أنَّه من أهلِ النار.
وظاهرُ صنيعِ بعضِهم أنَّ أمرَ التغليبِ في ((أنتم)) على هذا على حالِهِ، وأنت
تعلم أنَّ الظاهرَ الاتصال.
وجوِّز أن يرادَ معنى المعيَّة، وخبرُ ((إنَّ) جملةُ ((ما أنتم عليه)) إلخ، ويكون
الكلامُ على أسلوب قولِ الوليد بن عقبةً بن أبي مُعَيط - عامله الله تعالى بما هو
أهلُه - يحضُّ معاويةً على حرب الأميرِ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه:
فإِنَّك والكتابَ إلى عليٍّ كدابغةٍ وقد حَلِمَ الأَديمُ(١)
قال في ((الكشف)): ومعنى الآية - أي: عليه -: إنَّكم يا كفرةُ مع معبوديكم
لا يتسهّل لكم إلَّا أن تَفتنوا مَن هو ضالٌّ مثلكم. وهو بيانٌ لخلاصة المعنى.
واستظهر أبو حيانَ(٢) العطفَ وكونَ الضميرِ للعبادة، وتضمينَ ((فاتنين)) معنى
الحمل، وتغليبَ المخاطَبِ على الغائب في ((أنتم))، وكونَ الجملةِ المنفيةِ خبرَ
((إنَّ). وحكي عن بعضهم القول بأنَّ ((على)) بمعنى الباء، والضميرَ المجرورَ به
لـ «ما تعبدون))، فتأمَّل.
(١) مجمع الأمثال ٢/ ١٥٠، واللسان (حلم) وقوله: حلم الأديم، أي: أصابته الحَلَمَة، وهي
دودة تقع في الجلد فتأكله، فإذا دبغ تَخرِّقَ وتَشقَّقَ.
(٢) في البحر ٣٧٨/٧.

الآية : ١٦٤
١٨٩
سُوَّةُ الصَّافَاتِ
وقرأ الحسنُ وابنُ أبي عبلة: ((صالو الجحيم)) بالواو على ما في كتاب ((الكامل))
للهُذلي(١). وفي كتاب ابنٍ خالويه(٢) عنهما: ((صالُ)) بالضمِّ ولا واو. وفي
((اللَّوامح)) و((الكشّاف))(٣) عن الحسن: ((صالُ(٤) الجحيم)) بضمِّ اللام. فعلى إِثبات
الواوِ هو جمعُ سلامةٍ سقطت النونُ للإِضافة، وفي الكلام مراعاةٌ لفظِ ((مَن)) أوَّلاً،
ومعناها ثانياً، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنًا بِلَّهِ وَبِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَمَا
هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
وعلى عدم إِثباتها فيه ثلاثةُ أَوجه:
الأوَّل: أن يكونَ جمعاً حُذفت النونُ منه للإِضافة، ثم واوُ الجمعِ لالتقاءِ
الساكنين، وأُتبع الخطّ اللفظ.
الثاني: أن يكونَ مفرداً حُذفت لامُه - وهي الياء - تخفيفاً وجُعلت كالمنسي،
وجرى الإِعرابُ على عينِه كما جرى على عين: يد ودم، وعلى ذلك قولُه تعالى:
(وجنى الجنتين دانٌ)) [الرحمن: ٥٤] وقولُه سبحانه: ((وله الجوارُ المنشآت))
[الرحمن: ٢٤] بضمِّ نون ((دان)) وراءِ ((الجوار))(٥)، وقولُهم: ما بالَيْتُ به بالة، فإنَّ
أصلَ بالة بالِيَة، بوزن عافية، حُذفت لامُه فأُجري الإِعرابُ على عينه، ولمَّا لحقته
الهاءُ انتقل اليها .
الثالث: أن يكونَ مفرداً أيضاً، ويكون أصلُه: صايل، على القلب المكانيّ،
بتقديم اللامٍ على العين، ثم حُذفت اللامُ المقدَّمة، وهي الياء، فبقي صال بوزن
فاع، وصار مُعرَباً كباب، ونظيرُه: شاكٍ، الجاري إعرابُه على الكاف في لغة.
حكايةٌ لاعتراف الملائكةِ
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّ لَهُ مَقَامُ مَّعْلُومٌ
(١) البحر ٣٧٩/٧.
(٢) القراءات الشاذة ص١٢٨، ونسبها ابن جني في المحتسب ٢٢٨/٢ للحسن فقط.
(٣) ٣٥٦/٣، والكلام من البحر ٣٧٩/٧.
(٤) في (م): صالوا، وهو خطأ .
(٥) البحر ٣٧٩/٧، وقراءة ضم الراء في ((الجوار)) وردت عن الحسن كما في القراءات الشاذة
ص ١٤٩.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
١٩٠
الآية : ١٦٤
بالعبودية؛ للردِّ على مَن يزعم فيهم خلافَها، فهو من كلامه تعالى، لكنَّه حُكي
بلفظهم، وأصلُه: وما منهم إلَّا .. إلخ، أي: وما منا إلَّا له مقامٌ معلومٌ في العبادة
والانتهاءِ إلى أمر اللهِ تعالى في تدبيرِ العالَم، مقصورٌ عليه لا يتجاوزه، ولا يستطيع
أن يزلَّ عنه؛ خضوعاً لعظمته تعالى، وخشوعاً لهيبته سبحانه، وتواضعاً لجلاله جلَّ
شأنُه، كما رُوي: فمنهم راكٌ لا يُقيم صلبَه، وساجدٌ لا يرفع رأسه.
وقد أخرج الترمذيُّ وحسَّنه، وابنُ ماجه، وابنُ مردويه عن أبي ذرِّ قال: قال
رسول الله وَل: ((إني أرى ما لا ترَون وأسمعُ ما لا تسمعون، إنَّ السماءَ أَمَّت،
وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلَّا وفيه مَلَكٌ واضعاً جبهتَه
ساجداً شه))(١).
وأخرج ابن جَرير، وابنُ أبي حاتم، وأبو الشَّيخ، ومحمدُ بن نَصرِ المروزيُّ في
كتاب ((الصلاة)) عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((ما في السماءِ موضعُ قدمِ
إلَّا عليه مَلَكٌ ساجدٌ أو قائم)) وذلك قولُ الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ
١٢٦٤
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَُّونَ (9)﴾ (٢).
وعن السُّدِّيّ: ((إلا له مقام معلوم)) في القُرب والمشاهدة.
وجَعَل بعضُهم(٣) ذلك من كلام الجِنَّة بمعنى الملائكةِ متَّصلاً بما قبلَه من
﴾ إلى ﴿اْسَبِّحُونَ
كلامهم، وهو من قولِه تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٦٦
فقال بعد أن فسَّر الجِنةَ بالملائكة: إنَّ ((سبحان الله عمَّا يَصِفون)) حكايةٌ لتنزيه
الملائكةِ إِيَّه تعالى عمَّا وصفه المشركون به بعد تكذيِهم لهم في ذلك، بتقدير قولٍ
معطوفٍ على ((عَلِمَتْ))، و((إلَّا عبادَ الله المُخْلَصين)) شهادةٌ منهم ببراءة المخلصين
من أنْ يَصِفوه تعالى بذلك، متضمِّنةٌ لتبرئتهم منه بحكم اندراجهم في زمرة
المخلصين على أبلغ وجهٍ وآكدِهِ، على أنَّه استثناءٌ منقطعٌ من واو ((يصفون))، كأنَّه .
(١) الدر المنثور ٢٩٣/٥، وجامع الترمذي (٢٣١٢)، وسنن ابن ماجه (٤١٩٠].
(٢) تعظيم قدر الصلاة للمرزوي (٢٥٣)، وتفسير الطبري ٦٥١/١٩، والعظمة (٥١٠).
(٣) هو أبو السعود في تفسيره ٢٠٩/٧-٢١٠.

الآية : ١٦٤
١٩١
سُورَةُ الصَنَافَاتِ
قيل: ولَقد عَلِمت الملائكةُ إنَّ المشركين لَمعذَّبون لقولهم ذلك، وقالوا: سبحانَ اللهِ
عمَّا يصفون، لكنَّ عبادَ اللهِ الذين نحن من جملتهم براءٌ من ذلك الوصف.
و((فإنكم)) إلخ تعليلٌ وتحقيقٌ لبراءة المخلصين عمَّا ذكر، ببيان عجزِهم عن إغوائهم
وإِضلالِهم. والالتفاتُ إلى الخطاب لإظهار كمالِ الاعتناءِ بتحقيق مضمونِ الكلام،
و (ما تعبدون)) الشياطينُ الذين أغوَوهم، وفيه إيذانٌ بتبرِّيهم عنهم وعن عبادتِهم،
كقولهم: ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١]. وقولُهم: ((وما منَّا إلا له مقام .. )) إلخ
تبيينٌ لجليَّة أمرِهم، وتعيينٌ لحيِّزهم في موقف العبوديةِ بعد ما ذُكر من تكذيب
الكفرة فيما قالوا، وتنزيهِ اللهِ تعالى عن ذلك، وتبرئةِ المخلصين عنه، وإظهارٌ
لقصور شأنِهم. وجَعَل تفسير الجثّة بالملائكة هو الوجهَ لاقتضاءِ ربطِ الآياتِ
وتوجيهها بما ذكر إياه.
وفي التعليل شيء، نعم إنَّ هذه الآيةَ تقوِّي قولَ مَن يقول: المرادُ بالجِنَّة فيما سبق
الملائكةُ عليهم السلام تقويةً ظاهرةً جدّاً، وأنَّ الربط الذي ذكر في غاية الحُسن.
وقيل: هو من قول الرسولِ عليه الصلاة والسلام، أي: وما من المسلمين إلَّا
له مقامٌ معلومٌ على قَدْرِ أعمالِهِ يومَ القيامة، وهو متصلٌ بقوله: ((فاستفتهم)»، كأنَّه
قيل: فاستفتهم وقل: وما منَّا .. إلخ، على معنى: بكِّتهم بذلك وانعَ عليهم
كُفرانَهم، وعدِّد ما أنت وأصحابُك مثَّصف به من أضدادِها، وإنْ شئتَ لم تقدِّر
((قل)) بعد علمِك بأنَّ المعنى ينساق إليه، وهو بعيدٌ فافهم، والله تعالى أعلم.
و((منا)) خبرٌ مقدَّم، والمبتدأُ محذوفٌ للاكتفاء بصفته، وهي جملةٌ ((له مقام))،
أي: ما منَّا أحدٌ إلَّا له مقامٌ معلوم. وحذفُ الموصوف بجملةٍ أو شبهِها إذا كان
بعضَ ما قبلَه من مجرورٍ بـ ((مِن)) أو ((في)) مطَّرَدٌ، وهذا اختيارُ الزمخشريّ(١).
وقال أبو حيَّان(٢): ((منا)) صفةٌ لمبتدأ محذوف، والجملةُ المذكورةُ هي الخبر،
أي: وما أحدٌ كائنٌ منَّا إلَّا له مقامٌ معلوم. وتعقّب ما مرَّ بأنَّه لا ينعقد كلامٌ مِن:
(١) في الكشاف ٣٥٦/٣.
(٢) في البحر ٣٧٩/٧.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
١٩٢
الآية : ١٦٥
ما منَّا أحد، وقولُه سبحانه: ((إلا له مقام معلوم)) هو محطّ الفائدة، فيكون هو
الخبر، وإن تخيَّلَ(١) أنَّ((إلَّا)) بمعنى ((غير)) وهي صفة، لا يصحّ؛ لأنَّه لا يجوز
حذفُ موصوفِها، وفارقَتْ غيراً إذا كانت صفةً في ذلك؛ لتمكّن ((غير)) في الوصف
وقلّة تمُّن ((إلَّا)) فيه.
وقال غيرُه: إنَّ فيه أيضاً التفريغَ في الصفات، وهم منعوا ذلك.
ودُفع بأنَّه ينعقد منه كلامٌ مفيدٌ مناسبٌ للمقام؛ إذ معناه: ما منَّا أحدٌ منَّصف
بشيءٍ من الصفات إلَّاّ بصفة أن يكونَ له مقامٌ معلومٌ لا يتجاوزه، والمقصودُ
بالحصر المبالغة، أو يقال: إنَّه صفةُ بدلٍ محذوف، أي: ما منا أحدٌ إلَّا أحدٌ له
مقامٌ معلوم، كما قاله ابنُ مالكٍ في نظيره.
وفيه أنَّ فيه اعترافاً بأنَّ المقصودَ بالإِفادة تلك الجملة، وهو يستلزم أولويةً
كونِها خبراً، وما ذُكر من احتمال كونِه صفةً لبدلٍ محذوفٍ، فليس بشيء؛ لأنَّ فيه
حذفَ المبدلِ والمبدلِ منه، ولا نظيرَ له.
وبالجملة ما ذكره أبو حيَّان أسلمُ من القيل والقال، نعم قيل: يجوز أن يقال:
القصدُ هنا ليس إِفادةَ مضمونِ الخبر، بل الردّ على الكفرة؛ ولذا جُعِل الظرفُ خبراً
وقدِّم، فالمعنى: ليس منا أحدٌ يتجاوز مقامَ العبوديةِ لغيرها بخلافكم أنتم، فقد
صدر منكم ما أَخرجكم عن رتبة الطّاعة. وفيه نظر.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الَّفُونَ (15)﴾ أَنفسَنا أو أقدامَنا في الصلاة. وقال ناصرُ الدِّين: أي:
في أداء الطاعةِ ومنازلِ الخدمة(٢).
وقيل: الصاُّون حولَ العرشِ ننتظر الأمرَ الإلهيّ. وفي ((البحر)): داعين
للمؤمنين(٣).
وقيل: صاُّون أجنحَتنا في الهواءِ منتظرين ما يؤمر.
(١) أي: الزمخشري.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٩١/٧.
(٣) البحر ٣٧٩/٧.

الآية : ١٦٦
١٩٣
سُورَةُ الصَّافَاتِ
وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ من طريق ابنٍ جُريج عن الوليد بنِ عبد اللهِ بن [أبي]
مغيثٍ قال: كانوا لا يصفُّون في الصلاةِ حتى نزلت ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْعََّآنُونَ﴾(١).
وأخرج مسلمٌ(٢) عن حذيفةً قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فضِّلنا على الناسِ
بثلاث: جُعلت صفوفُنا كصفوفِ الملائكة، وجُعلت لنا الأرضُ مسجداً، وجُعلت
لنا تربتُها طهوراً إذا لم نجد الماء)).
وأَخرج هو أيضاً وأبو داود والنَّسائيُّ وابنُ ماجه عن جابر بنِ سَمُرة قال: قال
رسولُ اللهَِِّ: ((أَلَا تصفُّون كما تصفُّ الملائكةُ عند ربِّهم))(٣). وهذه الأخبارُ
ونحوُها ترجِّح التفسيرَ الأوَّل.
®﴾ أي: المنزِّهون اللهَ تعالى عمَّا لا يَليق به سبحانه،
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسَُبِّحُونَ
ويدخل فيه ما نسبه إليه تعالى الكَفَرة. وقيل: أي: القائلون: سبحانَ الله. وأخرج
عَبد بن حُميد وغيرُه عن قتادةَ أنَّه قال: ((المسبِّحون)) أي: المصلُّون(٤). ويقتضيه
ما رُوي عن ابن عباسٍٍ أنَّ كلَّ تسبيحِ في القرآنِ بمعنى الصلاة. والظاهرُ ما تقدَّم.
ولعل الأوَّل إشارةٌ إلى مزيد أدبِهم الظاهرِ مع ربِّهم عزَّ وجلَ، والثاني إشارةٌ إلى
كمال عرفانِهم به سبحانه. وقال ناصرُ الدِّين: لعل الأولَ إشارةٌ إلى درجاتهم في
الطّاعة، وهذا في المعارف(٥).
وما في ((إنَّ) واللامٍ وتوسيطِ الفصلِ من التأكيدِ والاختصاص؛ لأنَّهم
المواظبون على ذلك دائماً من غير فَتْرة، وخواصُّ البشرِ لا تخلو من الاشتغالِ
بالمعاش، ولعل الكلامَ لا يخلو عن تعريضٍ بالكفرة.
والظاهرُ أنَّ الآياتِ الثلاث، أَعني قولَه تعالى: (وَمَا مِنَّ) إلى هنا نزلت
(١) الدر المنثور ٢٩٣/٥، وما بين حاصرتين منه، وهو الصواب.
(٢) في صحيحه (٥٢٢).
(٣) صحيح مسلم (٤٣٠)، وسنن أبي داود (٦٦١)، والنسائي ٢/ ٩٢، وابن ماجه (٩٩٢).
(٤) الدر المنثور ٢٩٥/٥.
(٥) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٩١/٧، ويعني بالأول كونهم صافين أنفسهم
أو أقدامهم في أداء الطاعة ومنازل الخدمة.

سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
١٩٤
الآية : ١٦٧ - ١٧٠
كما نزلت أَخواتُها. وعن هبة اللهِ المفسِّرِ (١) أنَّها نزلت لا في الأرضِ ولا في
السماء، وعدَّ معها آيتين من آخر سورة البقرةِ وآيةً من ((الزُّخرف)): ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا﴾ الآية [٤٥]. قال ابنُ العربي: ولعلَّه أراد: في الفضاءِ بين
السماءِ والأرض. وقال الجلالُ السُّيوطي(٢): لم أَقف على مستندٍ لما ذكره إلَّا آخرَ
((البقرة))، فيمكن أن يستدلَّ له بما أَخرجه مسلمٌ(٣) عن ابنٍ مسعود: لمَّا أُسري
برسول اللهِ وَّ﴿، انتهى إلى سِدرة المنتهى .. الحديثَ، وفيه: فأُعطي الصلواتِ
الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لا يُشرك من أمَّته بالله شيئاً
المُفْحِمات(٤). انتهى فلا تغفُل.
﴿وَإِنْ كَانُواْ لَيَقُلُونَ (﴾ ((إنْ)) هي المخفَّفة، واللامُ هي الفارقة، والضميرُ لكفَّار
قريش، كانوا يقولون قبل مبعثِ النبيِّ وَّهِ: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ ◌َ﴾﴾ أي:
كتاباً من جنس الكتبِ التي نزلت عليهم ومثلها في كونه من عند اللهِ تعالى ﴿لَكُنَّا عِبَادَ
﴾ لأَخلصنا العبادةَ له تعالى ولكنَّا أَهدى منهم.
اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ بٍِّ﴾ فصيحة، مثلُها في قوله تعالى: ﴿آُضْرِبِ
بِمَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: فجاءهم ذِكرٌ وأيُّ ذِكر، سيِّدُ الأَذكار،
وكتابٌ مهيمنٌ على سائر الكتبِ والأخبار، فكفروا به ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (وَ))
أي:
عاقبةَ كفرِهم وما يحلُّ بهم من الانتقام.
وقيل: أُريد بالذِّكر العلم، أي: لو أنَّ عندنا علماً من الذين تقدَّمونا وما فعل اللهُ
تعالى بهم بعد أن ماتوا هل أَثابهم أم عذَّبهم، لأَخلصنا العبادةَ له تعالى، فجاءهم
ذلك في القرآن العظيمِ فكفروا به. ولا يخفى بُعدُه.
(١) هو أبو القاسم هبة الله بن سلامة البغدادي الضرير، كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن، له
كتاب الناسخ والمنسوخ. توفي ببغداد سنة (٤١٠هـ). تاريخ بغداد ١٤/ ٧٠، وغاية النهاية
٣٥١/٢.
(٢) في الإتقان ١/ ٧٤ .
(٣) في صحيحه (١٧٣).
(٤) أي: الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم إياها. شرح
النووي ٣/٣.

الآية : ١٧١ - ١٧٣
١٩٥
سُورَةُ الصَّافَاتِ
استئنافٌ مقرِّر للوعيد، وتصديرُه بالقَسَم
١٧١
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
لغاية الاعتناءِ بتحقيق مضمونِه، أي: وبالله لقد سبق وعدُنا لهم بالنُّصرة والغلبة،
وهو قولُه تعالى: ﴿إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ (٣) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ (®)﴾ فيكون تفسيراً،
أو بدلاً من ((كلمتنا))، وجوِّز أن يكونَ مستأنفاً، والوعدُ ما في محلٌّ آخَرَ من قوله
تعالى: ﴿لَأَعْلِبَكَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١] والأوَّل أَظهر.
والمرادُ بالجند أتباعُ المرسلين، وأَضافهم إليه تعالى تشريفاً لهم وتنويهاً بهم.
وقال بعضُ الأ جلّة: هو تعمیمٌ بعد تخصيص، وفيه من التأكيد ما فيه.
والمرادُ عند السّدِّي بالنُّصرة والغَلَبة ما كان بالحيَّة.
وقال الحسنُ: المراد: النصرةُ والغلبةُ في الحرب، فإنَّه لم يقتل نبيٌّ من الأنبياء
في الحرب، وإنمَّا قُتل مَن قُتل منهم غِيلة، أو على وجهٍ آخَرَ في غير الحرب، وإن
مات نبيٌّ قبل النصرةِ أو قتل، فقد أجرى الله تعالى أن ينصرَ قومَه من بعده، فيكون
في نُصرة قومِه نصرةٌ له.
وقريبٌ منه ما قيل: إنَّ القصرين(١) باعتبار عاقبةِ الحالِ وملاحظةِ المآل.
وقال ناصرُ الدِّين: هما باعتبار الغالبِ والمقضيِّ بالذات(٢)؛ لأنَّ الخيرَ هو
مرادُه تعالى بالذات، وغيرُهُ مقضيٍّ بالتَّبع لحكمةٍ وغرضٍ آخَر، أو للاستحقاقِ
بما صدر من العباد؛ ولذا قيل: بيده الخير، ولم يذكر الشرّ، مع أنَّ الكلَّ من عنده
عزَّ وجلّ.
وعن ابن عباسٍ ﴿ّ: إنْ لم يُنصَروا في الدنيا نُصروا في الآخرة. وظاهرُ
السِّياق يقتضي أنَّ ذلك في الدنيا، وأنَّه بطريق القهرِ والاستيلاء، والنيلِ من
الأعداء، إمَّا بقتلهم، أو تشريدِهم، أو إِجلائهم عن أوطانهم، أو استئسارِهم، أو
نحو ذلك.
والجملتان دالَّتان على الثَّبات والاستمرار، فلا بدَّ من أن يقال: إنَّ استمرارَ
ذلك عرفيّ. وقيل: هو على ظاهره، واستمرارُ الغلبةِ للجند مشروط بما تُشعر به
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعلها: النصرين.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٩٢/٧، وما بعده من كلام الشهاب.

سُورَةُ القَنَافَاتِ
١٩٦
الآية : ١٧٤
الإِضافة، فلا يُغلب أَتباعُ المرسلين في حربٍ إلَّا لإِخلالهم بما تُشعر به، بميلٍ
ما إلى الدنيا، أو ضعفِ التوكُّل عليه تعالى، أو نحو ذلك. ويكفي في نُصرة
المرسلين إعلاءُ كلمتهم، وتعجيزُ الخلقِ عن معارضتهم، وحفظُهم من القتل في
الحروب، ومن الفرارِ فيها ولو عَظُمت هنالك الكروب، فافهم.
ولا يخفى وجهُ التعبير بـ ((منصورون)) مع المرسَلين، وبـ ((الغالبون)) مع الجند،
فلا تغفل.
وسمَّى الله عزَّ وجلَّ وعدَه بذلك كلمةً وهي كلمات؛ لأَنَّها لمَّا اجتمعت
وتضامَّت وارتبطت غايةً الارتباط، صارت في حكم شيءٍ واحد، فیکون ذلك من
باب الاستعارة. والمشهورُ أنَّ إطلاقَ الكلمةِ على الكلام مجازٌ مرسلٌ من إِطلاق
الجزءِ على الكلّ. وقال بعضُ العلماء: إنَّه حقيقةٌ لغوية، واختصاصُ الكلمةِ بالمفرد
اصطلاحٌ لأهل العربية، فعليه لا يُحتاج إلى التأويل.
وقرأ الضَّاك: ((كَلِماتُنا)) بالجمع(١). ويجوز أن يرادَ عليها: وُعودُنا، فتفظّن.
وفي قراءة ابنِ مسعود: ((على عبادِنا))(٢) على تضمين ((سَبَقَتْ)) معنى حقَّت.
﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عنهم واصبر ﴿حَّ حِينٍ (٣)﴾ إلى وقت انتهاءِ مَّة الكفّ
عن القتال. وعن السُّدِّي: إلى يوم بدر. ورجَّحه الطبري(٣). وقيل: إلى يومٍ الفتح،
وكان قبله مهادنةُ الحديبية.
وأخرج ابن جَريرٍ (٤) وغيرُه عن قتادةَ أنَّه قال: إلى يوم موتِهم. وحكاه
الطبرسيُّ(٥) عن ابن عباسٍ أيضاً. وقال ابنُ زيد: إلى يومِ القيامة. وهو والذي قبلَه
ظاهران في عدم اختصاصِ النُّصرةِ بما كان في الدنيا .
(١) البحر ٧/ ٣٨٠.
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٩٥/٢.
(٣) في تفسيره ٦٥٩/١٩ .
(٤) في تفسيره ٦٥٨/١٩.
(٥) في مجمع البيان ٢٣/ ٩١.

الآية : ١٧٥ - ١٧٧
١٩٧
سُورَةُ الصَّافَاتِ
﴿وَأَبْصِرُ﴾ وهم حينئذٍ على أسوأ حالٍ وأفظع نكال، قد حلَّ بهم ما حلَّ من
الأَسر والقتل. أو: أَبصِرْ بلاءهم، على أنَّ الكلامَ على حذفِ مضاف، والأمرُ
بمشاهدة ذلك وهو غيرُ واقع للدَّلالة على أنَّه لشدَّة قربِهِ كأنه حاضرٌ قدَّامه وبين يديه
مشاهَدٌ، خصوصاً إذا قيل: إنَّ الأمرَ للحال أو الفور.
﴿فَسَوْفَ يُصْرُونَ (٣٥)﴾ ما يكون لك من التأييدِ والنصر. وقيل: المعنى: أَبصِر
ما يكون عليهم يومَ القيامةِ من العذاب، فسوف يُبصرون ما يكون لك من مزید
الثَّواب. و((سوف)) للوعيد لا للتسويف والتبعيدِ الذي هو حقيقتُها، وقُربُ ما حلَّ
بهم مستلزمٌ لقُرب ما يكون له عليه الصلاة والسلام، فهو قرينةٌ على عدم إِرادة
التبعيد منه.
استفهامُ توبيخ. أخرج جُویبر عن ابن عباسٍ قال:
﴿أَفَعَذَابِنَا يَسْتَعِْلُونَ
١٧٦
قالوا: يا محمد، أَرِنا العذابَ الذي تخوِّفنا به وعجّله لنا، فنزلت.
ورُوي أنَّه لمّا نزل: ((فسوف يبصرون)) قالوا: متى هذا؟ فنزلت.
﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾ أي: العذابُ الموعودُ ﴿يِسَاحِهِمْ﴾(١) وهي العَرْصة الواسعة عند
الدور، والمكان الواسع مطلقاً، وتجمع على سُوح، قال الشاعر:
فكان سِيَّانَ ألَّ يَسرحوا نَعَماً أو يَسرحوه بها واغبرَّت السُّوحُ(٢)
وفي الضمير استعارةٌ مكنية، شبِّه العذابُ بجيشٍ يهجم على قومٍ وهم في
ديارهم بغتةً فيحلُّ بها، والنزولُ تخييل.
وقرأ ابنُ مسعود: ((نُزِل)) بالتخفيف والبناءِ للمجهول(٣)، وهو لازم، فالجارُّ
والمجرورُ نائبُ الفاعلِ. وقُرئ: (نُزِّل)) بالتشديد والبناءِ للمجهول أيضاً (٤)، وهو
متعدّ، فنائبُ الفاعلِ ضميرُ العذاب.
(١) جاء في هامش الأصل: قال الفراء: العرب تقول: نزل بساحتهم ويريدون نزل بهم،
فلا تغفل. اهـ منه.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، انظر ديوان الهذليين ١/ ١٠٧، والخزانة ٨٩/٤ و١٣٤/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص١٢٨، والمحتسب ٢٢٩/٢، والبحر ٧/ ٣٨٠.
(٤) الكشاف ٣٥٧/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٩٢/٧.

سُورَةُ الصَّافَاتُ
١٩٨
الآية : ١٧٧
أي: فبئس صباحُ المنذَرين صباحُهم، على أنَّ ساء
﴿فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ
بمعنى بئس، وبها قرأ عبدُ الله(١)، والمخصوصُ بالذمّ محذوف، واللامُ في
(المنذَرين)) للجِنس لا للعهد؛ لاشتراطهم الشيوعَ فيما بعدَ فِعلَي الذمِّ والمدح،
ليكونَ التفسيرُ بعد الإِبهام، والتفصيلُ بعد الإِجمال، ولو كان ساء بمعنى قَبُحَ على
أصله، جاز اعتبارُ العهدِ من غير تقدير.
والصباحُ مستعارٌ لوقت نزولِ العذاب - أيَّ وقتٍ كان - من صباح الجيشِ
المبيِّت للعدو، وهو السائرُ إليه ليلاً ليهجمَ عليه وهو في غفلته صباحاً، وكثيراً
ما يسمُّون الغارةَ صباحاً؛ لِمَا أنَّها في الأعمِّ الأغلبِ تقع فيه، وهو مجازٌ مرسل
أُطلق فيه الزمانُ وأُريد ما وقع فيه، كما يقال: أيَّام العرب، لوقائعهم. وجوِّز حملُ
الصباحِ هنا على ذلك.
وفي ((الكشّاف))(٢): مثَّل العذابَ النازلَ بهم بعد ما أُنذروه فأنكروه بجيشٍ أَنذر
بهجومه قوماً بعضُ نصَّاحهم، فلم يلتفتوا إلى إِنذاره، ولا أَخذوا أُهبتَهم، ولا دَبَّروا
أمرَهم تدبيراً ينجيهم، حتى أناخ بفِنائهم بغتة، فشنَّ عليهم الغارةَ وقطع دابرَهم،
وكانت عادةُ مغاويرِهم إِصباحاً، فسمِّيت الغارةُ صباحاً وإنْ وقعت في وقتٍ آخرَ.
وما فَصُحَت هذه الآيةُ ولا كانت لها الروعةُ التي يُحَسُّ بها ويروقك موردُها على
نفسك وطبعِك إلَّا لمجيئها على طريقة التمثيل. انتهى.
وظاهرُه أنَّ الكلامَ على الاستعارة التمثيلية، وفضلُها على غيرها أشهرُ من أن
يذكر، وأجلُّ من أن يُنكَر.
وقيل: ضمير ((نزل)) للنبيّ ◌َّ﴾، ويراد حينئذٍ نزولُه يومَ الفتح لا يومَ بدر؛ لأنَّه
ليس بساحتهم إلَّا على تأويل، ولا بخيبر؛ لقوله ◌َ له حين صبَّحها: ((الله أكبر،
خَرِبت خيبر، إنَّا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساءَ صباحُ المنذرين))(٣) لأنَّ تلاوتَه عليه
(١) البحر ٣٨٠/٧.
(٢) ٣٥٧/٣.
(٣) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥) من حديث أنس ظ له مطولاً.

الآية : ١٧٨ - ١٨١
١٩٩
سُؤَدَّةُ الصَنَّافَاتِ
الصلاة والسلام ثمَّت لاستشهاده بها، والكلامُ هنا مع المشركين. ولا يخفى بُعد
رجوعِ الضميرِ إليه عليه الصلاة والسلام.
تسليةٌ لرسول اللهِ وَلَّهِ إثرَ
١٧٩
﴿وَتَوَلَ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
تسلية، وتأكيدٌ لوقوع الميعادِ غِبَّ تأكيد، مع ما في إِطلاق الفعلين عن المفعول من
الإِيذان - ظاهراً - بأنَّ ما يُبصره عليه الصلاة والسلام حينئذٍ من فنون المسارّ،
وما يُبصرونه من فنون المضارّ، لا يحيط به الوصفُ والبيان. وجوِّز أن يرادَ بما تقدَّم
عذابُ الدنيا، وبهذا عذابُ الآخرة.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (39)﴾ تنزيهٌ لله تعالى شأنُه عن كلِّ ما يصفه
المشركون به، ممَّا لا يليقُ بجناب كبريائه وجبروته مما حُكي عنهم في السُّورة
الكريمة، وما لم يحكَ من الأمور التي من جملتها تركُ إِنجاز الموعودِ على موجَب
كلمتِه تعالى السابقة، لاسيَّما في حقِّ الرسولِ وَ طَهِ، كما ينبئُ عنه التعرُّض لعنوان
الرُّبوبيةِ المعرِبة عن التربية والتكميلِ والمالكيةِ الكلِية، مع الإِضافة إلى ضميره عليه
الصلاة والسلام أوَّلاً وإلى العزَّة ثانياً، كأنه قيل: سبحان مَن هو مربِّيك ومكمِّلك،
ومالكُ العزةِ والغلبةِ على الإِطلاق، عمَّا يصفه المشركون به من الأشياءِ التي منها
تركُ نصرتِك عليهم، كما يدلُّ عليه استعجالُم بالعذاب.
ومعنى ملكِه تعالى العزَّةَ على الإطلاق، أنَّه ما من عزَّةٍ لأحدٍ من الملوك
وغيرِهم إلَّا وهو عزَّ وجلَّ مالكُها. وقال الزمخشريّ(١): أُضيف الربُّ إلى العزّة
لاختصاصه تعالى بها، كأنَّه قيل: ذو العزّة، كما تقول: صاحبُ صِدق؛
لاختصاصه بالصِّدق. ثم ذَكَرَ جوازَ إِرادةِ المعنى الذي ذكرناه. والفرقُ أنَّ الإِضافةَ
على ما ذكرنا على أنَّه سبحانه المعِزّ، وعلى الآخَر على أنَّه عزَّ وجلَّ العزيزُ بنفسه.
ولكلٍّ وجهٌ من المبالغة خلا عنه الآخَر.
تشريفٌ للرُّسل كلِّهم بعد تنزيهِه تعالى
١٨١
وقولُه تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
عمَّا ذكر، وتنويهٌ بشأنهم، وإيذانٌ بأنهم سالمون عن كلِّ المكاره، فائزون بكلِّ
المآرب.
(١) في الكشاف ٣٥٧/٣-٣٥٨.
٠٠٠

سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
٢٠٠
الآية : ١٨٢
إشارةٌ إلى وصفه تعالى بصفاته .
١٨٢
وقولُه سبحانه: ﴿وَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
الكريمةِ الثبوتية، بعد التنبيهِ على انِّصافه عزَّ وجلَّ بجميع صفاتِه السلبية، وإيذانٌ
باستتباعها للأفعال الحميدة، التي من جُملتها إفاضتهُ تعالى على المرسَلين من فنون
الكراماتِ السَّنية، والكمالاتِ الدِّينية والدُّنيوية، وإِسباغُه جلَّ وعلا عليهم وعلى مَن
تبعهم من صنوف النَّعماءِ الظاهرة والباطنةِ الموجبةِ لحمده تعالى، وإِشعارٌ بأنَّ
ما وُعده عليه السلام من النُّصرة والغلبةِ قد تحقَّق. والمرادُ تنبيهُ المؤمنين على كيفية
تسبيحِه سبحانه وتحميدِه، والتسليم على رسله عليهم السلام، الذين هم وسائطً بينه
تعالى وبينهم في فيضان الكمالاتِ مطلقاً عليهم. وهو ظاهرٌ في عدم كراهةٍ إِفراد
السلامِ عليهم.
ولعل توسيط التسليم على المرسلين بين تسبيحِه تعالى وتحميدِه؛ لختم السورةِ
الكريمةِ بحمده تعالى، مع ما فيه من الإِشعار بأنَّ توفيقَه تعالى للتسليم من جملة
نِعَمِه تعالى الموجبةِ للحمد، كذا في (إِرشاد العقل السليم)) (١).
وقد يقال: تقديمُ التنزيهِ لأهمِّيته ذاتاً ومقاماً. ولمَّا كان التنزيهُ عما يصف
المشركون، وقد ذكر عزَّ وجلَّ إرشادَ الرُّسلِ إياهم وتحذيرَهم لهم من أن يصفوه
سبحانه بما لا يَليق به تعالى، وضمَّن ذلك الإشارةَ إلى سوءِ حالهم وفظاعةٍ
منقلَبهم = أَردف جلَّ وعلا ذلك بالإِشارة إلى حُسن حالِ المرسَلين الداعين إلى
تنزيهه تعالى عمَّا يصفه به المشركون. وفيه من الاهتمام بأمر التنزيهِ ما فيه. وأتى
عزَّ وجلَّ بالحمد للإِشارة إلى أنَّه سبحانه متصفٌ بالصّفات الُّبوتية، كما أنَّه سبحانه
متصفٌ بالصِّفات السلبية، وهذا وإن استدعى إِيقاعَ الحمدِ بعد التسبيحِ بلا فصل،
كما في قولهم: سبحانَ اللهِ والحمدُ لله، وهو المذكورُ في الأخبار، والمشهورُ في
الأذكار، إلَّا أنَّ الفصلَ بينهما هنا بالسلام على المرسلين ممَّا اقتضاه مقامُ ذِكرِهم
فيما مرّ، وجدَّد الالتفاتَ إليهم تقديمُ التنزيهِ عمَّا يصفه به مَن يرسلون إليه.
ولعل مَن يدقِّق النظرَ يرى أنَّ السلامَ هنا أهمُّ من الحمد نظراً للمقام، وإن كان
هو أهمَّ منه ذاتاً، والأهميةُ بالنظر للمقام أَوْلى بالاعتبار عندهم؛ ولذا تراهم
(١) ٢١٢/٧.
..