النص المفهرس

صفحات 161-180

الآية : ١٢٥
١٦١
سُورَةُ الصَنَّافَاتِبَ
﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي: أَتعبدونه؟ أو: تطلبون حاجَكم منه؟ وهو اسمُ صنمٍ لهم،
كما قال الضخَّاك والحسنُ وابنُ زيد. وفي بعض نسخ ((القاموس))(١) أنَّه لقوم
يونُس. ولا مانعَ من أن يكونَ لهما، أو ذلك تحريف.
قيل: وكان من ذهب، طولُه عشرون ذراعاً، وله أربعةُ أَوجه، فُتنوا به وعّموه
حتى أَخدموه أربعَ مئةٍ سادن، وجعلوهم أنبياءَه، فكان الشيطانُ يدخل في جوفه
ويتكلَّم بشريعة الضَّلالة، والسَّدنة يحفظونها ويعلِّمونها الناس.
وقيل: هو اسمُ امرأةٍ أتتهم بضلالةٍ فاتَّبعوها، واستؤنس له بقراءة بعضِهم:
(بَعْلاءَ)) بالمدِّ على وزن حمراء(٢)، وظاهرُ صرفِه أنَّه عربيٍّ على القولين،
فلا تغفل.
وقال عكرمةُ وقتادة: البعلُ: الربُّ بلغة اليمن. وفي روايةٍ أخرى عن قتادة:
بلغة أَزْد شَنُوءة. واستام ابنُ عباسٍ ناقةَ رجلٍ من حِميَرٍ فقال له: أنت صاحبُها؟
قال: بعلُها، فقال ابنُ عباس: ((أَتَذْعون بعلاً)): أَتدعون ربّاً، ممَّن أنت؟ قال: من
حِمَيَر. والمرادُ عليه: أَتَدْعون بعض البعول؟ أي: الأَرباب، والمرادُ بها الأصنام،
أو المعبوداتُ الباطلة، فالتنكيرُ للتبعيض، فيرجع لما قيل قبله.
أي: وتتركون عبادتَه تعالى؟! أو طلبَ جميعٍ
١٢٥
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ
حاجِكم منه عزَّ وجلّ؟! على أنَّ الكلامَ على حذفِ مضاف. وقيل: إنَّ المرادَ
بتركهم إيَّه سبحانه تركُهم عبادتَه عزَّ وجلّ، والمرادُ بالخالق مَن يُطلَق عليه ذلك،
وله بهذا الاعتبارِ أَفرادٌ وإن اختلفت جهةُ الإِطلاقِ فيها، فلا إشكالَ في إضافة أَفعل
إلى ما بعده.
وهاهنا سؤالٌ مشهور، وهو: ما وجهُ العدولِ عن: تَدَعون - بفتح التاءِ والدالِ
مضارعٍ وَدَعَ بمعنى ترك - إلى ((تذرون)) مع مناسبته ومجانستِهِ لـ (تَدْعون)) قبلَه دونَ
(تذرونَ))؟ وأُجيب عن ذلك بأَجوِبة:
(١) هي نسخة أبي عبد الله بن الطيب الفاسي كما ذكره تلميذه الزبيدي في تاج العروس (بعل).
(٢) البحر ٣٧٣/٧.

سُورَةُ الصَّافَاتِ
١٦٢
الآية : ١٢٥
الأوَّل: أنَّ في ذلك نوعَ تكلُّف، والجناسُ المتكلَّف غيرُ ممدوح عند البلغاء،
ولا يُمدح عندهم ما لم يجىءِ عفواً بطريق الاقتضاء؛ ولذا ذُّوا متكلِّفُه، فقيل فيه:
طبعُ المجنِّس فيه نوعُ قيادةٍ أَوَما ترى تأليفَه للأَحرفِ
قاله الخفاجيّ(١). وفي كون هذا البيتِ في خصوص المتكلِّفِ نظرٌ، وبعدُ فيه
ما فيه.
الثاني: أنَّ في تَدَعون إلباساً على مَن يقرأ من المصحف دون حفظٍ من العوامّ،
بأن يقرأَه كـ: تَدْعون الأوَّلِ ويظنَّ أنَّ المرادَ إِنكارُ الجمع بين دعاءِ بعلٍ ودعاءٍ
أحسنِ الخالقين. وليس بالوجه؛ إذ ليس من سنَّة الكتابِ تركُ ما يلبَّس على العوامّ،
كما لا يخفى على الخواصّ. والصحابةُ أيضاً لم يراعوهم، وإلَّا لَمَا كتبوا
المصحفَ غيرَ منقوطٍ ولا ذا شكلٍ كما هو المعروفُ اليوم، وفي بقاء الرسم
العثمانيّ معتبراً إلى انقضاء الصحابةِ ما يؤيِّد ما قلنا.
الثالث: أنَّ التجنيسَ تحسين، وإنمَّا يستعمل في مقام الرِّضا والإِحسان، لا في
مقام الغضبٍ والتهويل. وفيه أنَّه وقع فيما نفاه، قال تعالى: ﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وقال سبحانه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِ، يَذْهَبُ
يُقَلِّبُ اللَّهُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَغِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٣-٤٤]
بِالْأَبْصَرِ ®
وفيهما الجناسُ التامّ، ولا يخفَى حالُ المقام.
الرابع: ما نُقل عن الإِمام، فإنَّه سئل عن سبب تركٍ تَدَعون إلى ((تذرون)) فقال:
تُرك لأنهم اتَّخذوا الأصنامَ آلهةً وتركوا اللهَ تعالى بعد ما علموا أنَّ اللهَ سبحانه ربُّهم
وربُّ آبائهم الأوَّلين، استكباراً واستنكاراً؛ فلذلك قيل: ((وتذرون)) ولم يقل:
وتَدَعون. وفيه القولُ بأنَّ: دَعْ، أمرٌ بالترك قبل العلم، و: ذَرْ، أمرٌ بالترك بعده،
ولا تساعده اللغةُ والاشتقاق.
الخامس: أنَّ لإِنكار كلٍّ من فعلَي دعاءِ بعلٍ وتركِ أحسنِ الخالقين علَّةً غيرَ عِلَّة
إنكارِ الآخَر، فتُرك التجنيسُ رمزاً إلى شدّة المغايرةِ بين الفعلين.
(١) في حاشيته ٧/ ٢٨٤.

الآية : ١٢٦
١٦٣
سُوَدَّةُ الصَّافَاتِ
السادس: أنَّه لمَّا لم يكن مجانسةٌ بين المفعولين بوجهٍ من الوجوه، تُرك
التجنيسُ في الفعلين المتعلِّقين بهما، وإن كانت المجانسةُ المنفيةُ بين المفعولَين
شيئاً والمجانسةُ التي نحن بصَدَدها بين الفعلين شيئاً آخر. وكلا الجوابَين كما ترى.
السابع: أنَّ: يَدَعِ، إنمَّا استعملته العربُ في الترك الذي لا يذمُّ مرتكبُه؛ لأنَّه
من الدَّعة بمعنى الراحة، و: يَذَر، بخلافه؛ لأنَّه يتضمَّن إِهانةً وعدمَ اعتداد؛ لأنَّه من
الوَذَر: قطعةِ اللحمِ الحقيرةِ التي لا يعتدُّ بها. واعتُرض بأنَّ المتبادرَ من قوله:
بخلافه، أنَّ يذر إنَّمَا استعملته العربُ في الترك الذي يذمُّ مرتكبُه، فيَرِدُ عليه قولُه
تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقولُه سبحانه: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ
الرَّواْ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى غير ذلك، وفيه تأمُّل.
الثامن: أنَّ يَدَع أخصُّ من يذر؛ لأنَّه بمعنى ترك الشيءِ مع اعتناءٍ به، بشهادة
الاشتقاق، نحو الإبداع، فإنَّه تركُ الوديعةِ مع الاعتناءِ بحالها، ولهذا يُختار لها مَن
هو مؤتمنٌ عليها، ونحوُه موادعة الأَحباب، وأمَّا: يذر فمعناه التركُ مطلقاً، أو مع
الإِعراض والرفضِ الكلِّيّ، قال الراغب(١): يقال: فلانٌ يذر الشيءَ، أي: يقذفه
لقلَّة الاعتدادِ به، ومنه: الوَذَر، وهو ما سمعتَ آنفاً. ولا شكَّ أن السِّياق إنمَّا
يناسب هذا دونَ الأوَّل، إذ المرادُ تبشيعُ حالِهم في الإِعراض عن ربِّهم، وهو قريبٌ
من سابقه، لکنه سالمٌ عن بعض ما فيه.
التاسع: أنَّ في: تَدَعون، بفتح التاءِ والدالِ ثقلاً ما، لا يخفى على ذي الذوقِ
السليمِ والطبع المستقيم، و((تذرون)) سالمٌ عنه؛ فلذا اختير عليه، فتأمَّل والله تعالى
أعلم.
وقد أَشار سبحانه وتعالى بقوله: ((أحسن الخالقين)) إلى المقتضي للإنكار
المعنيِّ بالهمزة، وصرَّح به للاعتناءِ بشأنه في قولِه تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآيَكُمُ
، بالنَّصب على البدليّةِ من ((أحسن الخالقين)) قال أبو حيَّان(٢): ويُجوز
كونُ ذاك عطفَ بيانٍ إنْ قلنا: إنَّ إضافةً أفعل التفضيلِ محضة.
الْأَوَّلِينَ (
(١) في المفردات (وذر).
(٢) في البحر ٧/ ٣٧٣.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
١٦٤
الآية : ١٢٧ - ١٢٨
وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة بالرفع(١)، على أنَّ الاسمَ الجليلَ مبتدأ، و((ربكم))
خبره، أو هو خبرُ مبتدأ محذوف، و«رُّكم)) عطفُ بیان، أو بدلُ منه. ورُوي عن
حمزةَ أنَّه إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع(٢).
والتعرُّض لذِكر ربوبيَّته تعالى لآبائهم الأوَّلين لتأكيد إِنكار تركهم إيَّه تعالى،
والإِشعارِ ببطلان آراءِ آبائهم أيضاً.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما تضمَّنه كلامُه من إِيجاب اللهِ تعالى التوحيد، وتحريمِه سبحانه
الإِشراكَ، وتعذيبِه تعالى عليه. وجوِّز أن يكونَ تكذيبُهم راجعاً إلى ما تضمَّنه قولُه:
((الله ربَّم)).
أي: في العذاب. وإنمَّا أطلقه اكتفاءً
٢٧
﴿فَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿لَمُحْضَرُونَ
بالقرينة، أو لأنَّ الإِحضارَ المطلقَ مخصوصٌ بالشرِّ في العرف العامّ، أو حيث
استعمل في القرآن؛ لإِشعاره بالجبر.
﴿إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
استثناءٌ متصلٌ من الواو في كذَّبوه، فيدلُّ على أنَّ
١٢٨
من قومه مخلصين لم يكذِّبوه. ومُنعَ كونُه استثناءً متصلاً من ضمير ((محضرون)) لأنَّه
للمكذِّبين، فإذا استُثني منه اقتضى أنَّهم كذَّبوه ولم يُحضَروا، وفسادُه ظاهر. وقيل:
لأنَّه إذا لم يستثنَ من ضميرٍ كذَّبوا، كانوا كلُّهم مكذِّبين، فليس فيهم مخلَصٌ فضلاً
عن مخلَصين، ومالُه ما ذكر. لكن اعترضه ابنُ كمالٍ بأنه لا فسادَ فيه؛ لأنَّ
استثناءهم من القوم المحضَرين لعدم تكذيبِهم على ما دلَّ عليه التوصيفُ بالمخلَصين
لا من المكذِّبين، فمآلُ المعنى واحد. ورُدَّ بأنَّ ضميرَ محضَرين للقوم كضمير
كذَّبوا .
وقال الخفاجيّ(٣): لا يخفى أنَّ اختصاصَ الإِحضارِ بالعذاب - كما صرَّح به
غيرُ واحد - يعيِّن كونَ ضمير محضَرين للمكذِّبين، لا لمطلق القوم، فإنْ لِم يسلِّمه
فهو أمرٌ آخَر.
(١) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنصب، والباقون بالرفع.
(٢) البحر ٣٧٣/٧.
(٣) في حاشيته ٧/ ٢٨٤.

الآية : ١٢٩ - ١٣٢
١٦٥
سِوَرَّةُ الصَّافَاتِ
وفي ((البحر))(١): ولا يناسب أن يكونَ استثناءً منقطعاً؛ إذ يصير المعنى: لكن
عبادَ اللهِ المخلَصين من غير قومِه لا يُحضَرون في العذاب. وفيه بحث.
﴿وَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ آَلَخِرِينَ (٣٠) سَلَمُّ عَى إِلَ يَاسِينَ (٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
إِنَّهُه
١٣٦
· الكلامُ فيه كما في نظيره، بيدَ أنَّه يقال هاهنا: إنَّ ((إِنْ
١٣١
مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
ياسين)) لغةٌ في إلياس، وكثيراً ما يتصرَّفون في الأسماء الغيرِ العربية. وفي
((الكشّاف))(٢): لعل لزيادة الياءِ والنونِ معنّى في اللغة السُّريانية. ومن هذا البابِ
سيناءُ وسينين. واختار هذه اللغةَ هنا رعايةً للفواصل.
وقيل: هو جمعُ: إلياس، على طريق التغليبٍ بإِطلاقه على قومه وأَتباعِه،
كالمهلَّبين للمهلَّب وقومِه.
وضعِّف بما ذكره النُّحاة من أنَّ العَلَمَ إذا جُمع أو ثَنِّي وجب تعريفُه باللام جبراً
لمَا فاته من العَلَمية، ولا فرقَ فيه بين ما فيه تغليبٌ وبين غیرِهِ، كما صرَّح به ابنُ
الحاجبٍ في ((شرح المفصل)). لكن هذا غيرُ متفقٍ عليه، قال ابنُ يَعيش في ((شرح
المفضَّل)»: يجوز استعمالُه نكرةً بعد التثنيةِ والجمع، نحو: زيدانٍ كريمانِ وزيدونَ
کریمون(٣). وهو مختارُ الشيخِ عبدِ القاهر، وقد أَشبعوا الكلامَ على ذلك في
مفصَّلات كتبٍ النحو. ثم إنَّ هَذا البحثَ إنما يتأتَّى مع مَن لم يجعل لامَ إلياس
للتعريف، أمَّا مَن جعلها له، فلا يتأتَّى البحثُ معه.
وقيل: هو جمعُ إلياسيّ، بياء النِّسبة، فخفّف لاجتماع الياءاتِ في الجرِّ
والنصب، كما قيل: أعجمين في أعجميِّين، وأَشعرين في أشعريِّين. والمرادُ
بإِلياسين قومُ إلياس المخلصون؛ فإنَّهم الأحِقَّاءُ بأن يُنسبوا إليه. وضعِّف بقلَّة ذلك
وإِلباسِه بإلياس إذا جُمع، وإنْ قيل: حذفُ لامِ إلياس مزيلٌ للإِلباس. وأيضاً هو غيرُ
مناسبٍ للسِّياق والسِّباق؛ إذ لم يُذكر آلُ أحدٍ من الأنبياء.
(١) ٣٧٣/٧.
(٢) ٣٥٢/٣.
(٣) قال في شرح المفصل ٤٦/١: اعلم أنك إذا ثنيت الاسم العلم ينكر وزال عنه تعريف
العلمية ... إلخ.

سُورَةُ القَنَّافَاتِ
١٦٦
الآية : ١٣٣ - ١٣٦
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ ويعقوبُ وزيدُ بن عليٍّ: ((آلِ ياسين)» بالإِضافة (١)، وُتب
في المصحف العثمانيّ منفصلاً، ففيه نوعُ تأييدٍ لهذه القراءة، وخرِّجت على أنَّ
ياسين اسمُ أبي إِلياس، ويُحمل الآلُ على إِلیاس. وفي الكناية عنه تفخيمٌ له،
كما في آل إبراهيم عن نبيِّنَا وَّهِ. وجوِّز أن يكونَ الآلُ مقحَماً، على أنَّ ياسين هو
إلیاسُ نفسه.
وقيل: ياسين فيها اسمٌ لمحمَّد ◌َِّ، فآلُ ياسين آلهُ عليه الصلاة والسلام،
أخرج ابنُ أبي حاتمٍ والطبرانيُّ وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ أنَّه قال في: ((سلام على
آل ياسين)» نحنُ آلَ محمدٍ آلُ یاسین(٢). وهو ظاهرٌ في جعل یاسین اسماً له وَلـ
وقيل: هو اسمٌ للسورة المعروفة. وقيل: اسمٌ للقرآن. فـ((آل ياسين)) هذه الأمةُ
المحمدية، أو خواصُّها. وقيل: اسمٌ لغير القرآنِ من الكتب.
ولا يخفَى عليك أنَّ السياقَ والسِّباق يأْبيانٍ أكثرَ هذه الأقوال.
وقرأ أبو رجاءٍ والحسن: ((على الْياسين)) بوصل الهمزة(٣). وتخريجُها يُعلم
مما مرّ. وقرأ ابنُ مسعودٍ ومَن قرأ معه فيما سبق ((إِدريسَ)): ((سلامٌ على
إِذراسِين)) (٤)، وعن قتادة: ((وإنَّ إِذْرِيسَ)) وقرأ: ((على إِذْرِيسِين)(٥).
وقرأ أُبَيّ: ((على إِبْلِيْسَ)) كما قرأ: ((وإنَّ إِيْلِيْسَ لمن المرسلين))(٦).
١٣٥
٣٣
ثُمَّ
﴿ إِذْ نَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ (َ إِلَّا عَجُزًا فِىِ الْغَيِينَ
﴿وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِنَ
﴾ سبق بيانُه في ((الشُّعراء)).
دَمَّْنَا الْأَخْرِينَ
(١) التيسير ص١٨٧، والنشر ٢/ ٣٦٠ عن نافع وابن عامر، وقراءة يعقوب في النشر.
(٢) الدر المنثور ٢٨٦/٥، والمعجم الكبير (١١٠٦٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ١٧٤ :
فيه موسى بن عمير القرشي وهو كذاب.
(٣) البحر ٣٧٣/٧.
(٤) البحر ٣٧٣/٧، والمحتسب ٢٢٤/٢، ونسبها ابن خالويه ص١٢٨ لابن مسعود
(٥) كذا في الأصل و(م)، وفي المحتسب ٢٢٥/٢، والبحر ٣٧٤/٧: ((إذْرَسِينَ))، وقراءة:
((إِدريسين)) مذكورة في الكشاف ٣٥٢/٣، والمحتسب ٢٢٥/٢ دون نسبة.
(٦) البحر ٧/ ٣٧٤. وتحرفت في مطبوعه: أُبيّ، إلى: ابن عليّ.

الآية : ١٣٧ - ١٣٩
١٦٧
سُورَةُ الضَّافَاتِ
﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهلَ مَّة ﴿لَنُونَ عَلَيْهِمْ﴾ على منازلهم في متاجركم إلى الشام، فإنَّ
داخلين في الصَّباحِ ﴿وَبِأَلَيْلِ﴾ قيل: أي:
١٣٧
سدومَ(١) في طريقه ﴿ُصْبِحِينَ
ومساءً، بأن يرادَ بالليل أولُه؛ لأنَّه زمانُ السير، ولوقوعه مقابلَ الصباح. وقيل:
أي: نهاراً وليلاً. وهو تأويلٌ قبل الحاجة؛ ولذا اختير الأوَّل؛ ووجهُ التخصيصِ
عليه بأنَّه لعل سدوم وقعت قريبَ منزلٍ يمرُّ بها المرتحلُ عنه صباحاً والقاصدُ مساء.
وقال بعضُ الأجِلَّة: لو أُبقي على ظاهره ـ لأنَّ ديارَ العربِ لحرِّها يسافَر فيها في
الليل إلى الصَّباح - خلا عن التكلُّف في توجيه المقابلة.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨)) أَتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن
يصيبكم مثلُ ما أصابهم؟ فإنَّ منشأ ذلك مخالفتُهم رسولَهم، ومخالفةُ الرسولِ قدرٌ
مشتركٌ بينكم.
(٣٦)﴾ يُروى - على ما في ((البحر))(٢) - أنَّه عليه السلام
﴿وَإِنَّ يُونُّسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
نُبِّئ وهو ابنُ ثمانٍ وعشرين سنة. وحكى في ((البحر)) أنَّه كان في زمن ملوكٍ
الطوائفِ من الفرس. وهو ابنُ مَتَّى، بفتح الميمِ وتشديدِ التاءِ الفوقيةٍ، مقصور.
وهل هذا اسمُ أمِّه أو أبيه؟ فيه خلاف، فقيل: اسمُ أمِّه. وهو المذكورُ في تفسير
عبدِ الرزاق(٣). وقيل: اسمُ أبيه. وهذا - كما قال ابنُ حجر (٤) - أصحّ. وبعضُ أهلِ
الكتابِ يسمِّيه: يونان بنَ مائي، وبعضُهم يسمِّيه: يونه بن امتياي. ولم نقف في
شيءٍ من الأخبار على اتِّصال نسبِهِ .
وفي اسمه عند العربٍ ستُّ لغات: تثليثُ النونِ مع الواو والياءِ والهمزة،
والقراءةُ المشهورةُ بضمِّ النونِ مع الواو، وقرأ طلحة(٥) بنُ مصرِّف بكسر النُّون،
قيل: أراد أن يجعلَه عربيًّا مشتقًّا من أنس. وهو كما ترى.
(١) جاء في هامش الأصل: سدوم، بالدال المهملة والذال المعجمة: بلد قوم لوط عليه
السلام.
(٢) ٣٧٥/٧.
(٣) ١٥٦/٢.
(٤) في فتح الباري ٦/ ٤٥٢.
(٥) في الأصل و(م): وقرأ أبو طلحة، والتصويب من الإتقان ١٠٧١/٢، وعنه نقل المصنف.

سُوَرَُّ الصَنَّافَاتِ
١٦٨
الآية : ١٤٠ - ١٤٢
﴿إِذْ أَبَقَ﴾ هرب. وأصلُه الهربُ من السيِّد، لكن لمَّا كان هربُه من قومه بغير
إِذن ربِّه كما هو الأنسبُ بحال الأنبياءِ عليهم السلام، حَسُنَ إطلاقُه عليه، فهو إمَّا
استعارة، أو مجازٌ مرسلٌ من استعمال المقيَّدِ في المطلق. والأوَّل أَبلغ.
وقال بعضُ الكمَّل: الإِباق: الفِرار من السيِّد بحيث لا يهتدي إليه طالب، أي:
بهذا القصد. وكان عليه السلام هرب من قومه بغير إذن ربِّه سبحانه إلى حيث طلبوه
فلم يجدوه، فاستُعير الإِباقُ لهربه باعتبار هذا القيد، لا باعتبار القيدِ الأوَّل.
وفيه - بعد تسليمِ اعتبارِ هذا القيدِ على ما ذكره بعضُ أهلِ اللغة - أنَّه لا مانعَ
من اعتبار ذلك القيد، فلا اعتبارَ بنفي اعتبارِه.
﴾ المملوءِ ﴿فَسَاهَمَ﴾ فقارع عليه السلام مَن في الفلك،
١٤٠
﴿إِلَى الْفُلْكِ اَلْمَشْعُونِ (
واستدلَّ به مَن قال بمشروعية القُرعة.
١٤١
فصار من المغلوبين بالقُرعة. وأصلُه: المُزلَق - اسم
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
مفعول - عن مقام التَّفر. يُروى أنَّه وعد قومَه العذابَ وأخبرهم أنَّه يأتيهم إلى ثلاثة
أيام، فلمَّا كان اليومُ الثالث، خرج يونُسُ قبل أن يأذنَ اللهُ تعالى له، ففقده قومُه،
فخرجوا بالكبير والصغيرِ والدواب، وفرَّقوا بين كلِّ والدةٍ وولدِها، فشارف نزول
العذابِ بهم، فعجُّوا إلى الله تعالى وأَنابوا واستقالوا، فأَقالهم اللهُ تعالى وصَرَفَ
عنهم العذاب، فلمَّا لم يرَ يونسُ نزولَ العذاب، استحى أن يرجعَ إليهم وقال:
لا أَرجع إليهم كذَّاباً أبداً، ومضى على وجهه، فأَتى سفينةً فركبها، فلمّا وصلت
اللُّجَّةَ وقفت فلم تَسِر، فقال صاحبُها: ما يمنعها أن تسيرَ إلَّا أنَّ فيكم رجلاً
مشؤوماً، فاقترعوا ليُلقوا مَن وقعت عليه القرعةُ في الماء، فوقعت على يونُس، ثم
أَعادوا، فوقعت عليه، ثم أعادوا، فوقعت عليه، فلمَّا رأى ذلك، رمى بنفسه في
الماء ﴿فَلْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ أي: ابتلعه، من اللُّقمة.
وفي خبرٍ أَخرجه أحمدُ وغيرُه عن ابن مسعودٍ أنَّه أتى قوماً في سفينة، فحملوه
وعرفوه، فلمَّا دخلها ركدت والسفنُ تسير يميناً وشمالاً، فقال: ما بالُ سفينتِكم؟
قالوا: ما ندري، قال: ولكنِّي أدري، إنَّ فيها عبداً أبق من ربِّه، وإنَّها واللهِ لا تسير

الآية : ١٤٢
١٦٩
سُؤَدَّةُ الضَنَافَاتِبُ
حتى تُلقوه، قالوا: أمَّا أنت واللهِ يا نبيَّ اللهِ فلا نُلقيك، فقال لهم: اقترِعوا، فمَن
قُرِع فلْيُلقَ، فاقترعوا ثلاثَ مرات، وفي كلِّ مرةٍ تقع القرعةُ عليه، فرمى بنفسه،
فكان ما قصَّ الله تعالى(١).
وكيفيةُ اقتراعِهم - على ما في ((البحر))(٢) عن ابن مسعود - أنَّهم أخذوا لكلِّ
سهماً، على أنَّ مَن طفا سهمُه فهو، ومَن غرق سهمُه فليس إيَّه، فطفا سهمُ يونُس.
ورُوي أنَّه لمّا وقف على شفير السفينةِ ليرميَ بنفسه، رأى حوتاً - واسمُه على
ما أخرج ابنُ أبي حاتمٍ وجماعةٌ عن قتادةَ: نجم(٣) - قد رفع رأسَه من الماء قَدْرَ
ثلاثةِ أَذرُعِ يرقُبه ويترصَّده، فذهب إلى ركنٍ آخَر، فاستقبله الحوت، فانتقل إلى
آخَر، فوجده، وهكذا حتى استدار بالسَّفينة، فلمَّا رأى ذلك، عرف أنَّه أمرٌ من الله
تعالى، فطرح نفسَه، فأخذه قبل أن يصلَ إلى الماء.
، أي: داخلٌ في الملامة، على أنَّ بناءَ أفعل للدُّخول في
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ
الشيء، نحو: أَحرم، إذا دخل الحَرَم. أو آتٍ بما يُلام عليه، على أنَّ الهمزةَ فيه
للصَّيرورة، نحو: أَغذَّ البعير، أي: صار ذا غُدَّة، فهو هنا لمَّا أتى بما يستحقُّ اللومَ
عليه صار ذا لوم. أو مليمٌ نفسَه، على أنَّ الهمزةَ فيه للتعدية، نحو: أَقدمته،
والمفعولُ محذوف. وما رُوي عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ من تفسيره بالمسيءٍ
والمذنب، فبيانٌ لحاصل المعنى، وحسناتُ الأبرارِ سيِّئَاتُ المقرَّبين.
وقرئ: (مَليم) بفتح أوَّله (٤)، اسمُ مفعول، وقياسُه: مَلوم؛ لأنَّه واوي، يقال:
لُمته أَلومه لَوماً، لكنه جيءَ به على لِيْمَ، كما قالوا: مَشيب ومَدعيّ، في مَشوب
ومَدعو، بناءً على: شِيب ودُعي، وذلك أنَّه لمَّا قُلبت الواو ياءً في المجهول، جُعل
كالأَصل، فحمل الوصفُ عليه.
(١) الدر المنثور ٢٨٨/٥، وعزاه لابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد في الزهد، وعبد بن
حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) ٣٧٥/٧.
(٣) الدر المنثور ٢٨٩/٥.
(٤) البحر ٣٧٥/٧.
٠٠

سُوَةُ الصَنَّافَاتِ
١٧٠
الآية : ١٤٣
﴾ أي: من الذَّاكرين الله تعالى كثيراً بالتسبيحِ
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
١٤٣
كما قيل. وفي كلام قتادةَ ما يُشعر باعتبار الكثرة، واستفادتُها - على ما قال
الخفاجيُّ(١) - من جعله من المسبِّحين دون أن يقال: مسبِّحاً؛ فإنَّه يُشعر بأنَّه عريقٌ
فيهم، منسوبٌ إليهم، معدودٌ في عِدادهم، ومثلُه يستلزم الكثرة. وقيل: من
التفعيل(٢). ورُدَّ بأنَّ معنى سبَّح لم يعتبر فيه ذلك؛ إذ هو: قال: سبحانَ الله. وقد
يقال: هي إِرادة الثبوتِ من ((المسبِّحين)) فإنَّه يُشعر بأنَّ التسبيحَ ديدنٌ لهم.
والمرادُ بالتسبيح هاهنا حقيقتُه، وهو القولُ المذكور، أو ما في معناه، وروي
ذلك عن ابن جُبیر.
وهذا الكونُ عند بعضٍ قبل التقامِ الحوتِ إياه أيامَ الرَّخاء، واستظهر
أبو حيَّانَ(٣) أنَّه في بطن الحوت، وأنَّ التسبيحَ ما ذكره اللهُ تعالى في قوله سبحانه:
﴿فَنَادَىْ فِ اُلُّكُلُمَتِ أَن لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَِّمِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧].
وحمله بعضُهم على الذِّكر مطلقاً، وبعضٌ آخَرُ على العبادة كذلك،
وجماعة - منهم ابنُ عباس - على الصلاة، بل رُوي عنه أنَّه قال: كلُّ ما في القرآن
من التسبيحِ فهو بمعنى الصَّلاة. وأنت تعلم أنَّه إنْ كان اللفظُ فيما ذُكر حقيقةً شرعيةً
ولم يكن للتسبيح حقيقةٌ أخرى شرعيةٌ أيضاً، لم يُحتَج إلى قرينة، وإن كان مجازاً
أو كان للتسبيح حقيقةٌ شرعيةٌ أخرى، احتيج إلى قرينة، فإنْ وجدت فذاك، وإلَّا
فالأمرُ غیرُ خفيٍّ عليك.
وكما اختلف في زمان التسبيحِ بالمعنى السابق، اختُلف في زمانه بالمعاني
الأُخَرِ، أَخرج أحمدُ في ((الزُّهد)) وغيرُه عن ابن جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ قال: من المصلِّين قبل أن يدخلَ بطنَ الحوت.
(١) في حاشيته ٢٨٦/٧.
(٢) أي: استفادة الكثرة.
(٣) في البحر ٣٧٥/٧.

الآية : ١٤٤
١٧١
سُوَرَةُ الصَّافَاتِ
وأَخرج أحمدُ وغيرُه أيضاً عن الحسنِ في الآية قال: ما كان إلَّ صلاة أَحدثها
في بطن الحوت. فذكر ذلك لقتادة، فقال: لا، إنمَّا كان يعمل في الرَّخاء(١).
ورُوي عن الحسنِ غيرُ ما ذُكر، فقد أَخرج عنه ابنُ أبي حاتمٍ والبيهقيُّ في
((شُعب الإِيمان)) والحاكمُ أنَّه قال في الآية: كان يُكثر الصلاةَ فيَّ الرَّخاء، فلمَّا
حصل في بطن الحوت، ظنَّ أنَّه الموت، فحرَّك رِجلَيه، فإذا هي تتحرَّك، فسجد
وقال: يا ربِّ، اتخذتُ لك مسجداً في موضعٍ لم يسجدْ فيه أحد (٢).
وأخرج ابنُ أبي شيبةً(٣) عن الضخَّاك بن قيس قال: اذكروا اللهَ تعالى في الرَّخاء
يذكرْكم في الشدَّة، فإنَّ يونسَ عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكراً لله تعالى، فلمَّا
وقع في بطنِ الحوت، قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ إلخ، وإِنَّ
فرعونَ كان عبداً طاغياً ناسياً لذكر اللهِ تعالى، فلمَّا أَدركه الغرقُ قال: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ.
لَاّ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَهِيلَ وَأَنْأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿َالْتَنَ
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
والأَوْلى حملُ زمانٍ كونِهِ من المسبِّحين على ما يعمُّ زمانَ الرخاءِ وزمانَ كونِه
في بطن الحوت، فإنَّ لاتِّصافه بذلك في كلا الزمانَين مدخلاً في خروجه من بطن
الحوتِ المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ ◌َ لَبِثَ فِى بَطْنِ إِلَى
يَوْمٍ بَيْعَثُونَ ﴾﴾ كما يُشعر به ما في حديثٍ أَخرجه عبدُ الرزاق وابنُ جَريرٍ وابنُ
أبي حاتم وابنُ مردويه عن أنسٍ مرفوعاً من أنَّه عليه السلام لمَّا التقمه الحوتُ
وهَوَى به حتى انتهى إلى ما انتهى من الأرض، سمع تسبيحَ الأرض، فنادى في
الّلمات أنْ: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين، فأَقبلت الدعوةُ نحو
العرش، فقالت الملائكة: يا ربَّنا، إنَّا نسمع صوتاً ضعيفاً من بلادِ غربة، قال
سبحانه: وما تدرون ما ذاكم؟ قالوا: لا يا ربَّنا، قال: ذاك عبدي يونُس، قالوا:
(١) الدر المنثور ٢٨٩/٥.
(٢) الدر المنثور ٢٨٩/٥، وهو في الشعب (١١٤٤)، والمستدرك ٥٨٤/٢، دون قوله:
فلما حصل ... إلخ. وهذه الزيادة أخرجها الحاكم من طريق آخر عن الحسن ٥٨٥/٢.
(٣) الدر المنثور ٢٨٩/٥، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٧٥/١٣-٣٧٦.

سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
١٧٢
الآية : ١٤٥
الذي كنَّا لا نزال نرفع له عملاً متقبَّلاً ودعوةً مجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا ربَّنا، أَلَا
ترحم ما كان يصنع في الرَّخاء وتُنجيه عند البلاء؟ قال: بلى، فأَمر عزَّ وجلَّ الحوتَ
فلَفَظه(١) .
واستظهر أبو حيَّانَ(٢) أنَّ المرادَ بقوله سبحانه: (لَلِثَ فِى بَطْنِ») إلخ: لَبقي في
بطنه حيًّا إلى يوم البعث، وبه أقول. وتعقّب بأنَّه ينافيه ما ورد من أنَّه لا يبقى عند
النفخةِ الأولى ذو روحٍ من البشر والحيوانِ في البرِّ والبحر.
وأُجيب - بعد تسليم ورودِ ذلك أو ما يدلُّ عليه - بأنَّه مبالغةٌ في طول المدَّة، مع
أنَّه في حيِّز ((لو))، فلا يرد رأساً(٣). أو المرادُ بوقت البعثِ ما يشمل زمانَ النفخة؛
لأنَّه من مقدِّماته، فكأنَّه منه.
وعن قتادة: لَكان بطنُ الحوتِ قبراً له. وظاهرُه أنَّه أُريد: لَلِث ميِّتاً في بطنه
إلى يومِ البعث. ولا مانعَ من بقاءِ بنيةِ الحوت كبنيته من غير تسلّط البلاءِ إلى ذلك
اليوم. وضميرُ («يبعثون» لغير مذکور، وهو ظاهر.
﴿قَدْنَهُ﴾ بأنْ حملنا الحوتَ على لفظه، فالإِسناد مجازيّ. والنَّبِذُ على ما في
(القاموس)) (٤): طرحُك الشيءَ أماماً أو وراءً، أو هو عامّ.
وقال الراغب(٥): النبذ: إِلقاءُ الشيءٍ وطرحُه لقلَّة الاعتدادِ به. والمرادُ به هنا
الطرحُ والرَّمي.
والقيدُ الذي ذكره الراغبُ لا أَرغب فيه؛ فإنَّه عليه السلام وإِنْ أبق وخرج من
غير إِذن مولاه واعتراه من تأديبه تعالى ما اعتراه، فالربُّ عزَّ وجلَّ بأنبيائه رحيم،
وله سبحانه في كلِّ شأنٍ اعتدادٌ بهم عظيم، فهو عليه السلام معتدٍّ به في حال
(١) الدر المنثور ٢٨٨/٥، وتفسير عبد الرزاق ١٥٦/٢ -١٥٧، وتفسير الطبري ٦٢٨/١٩-٦٢٩.
(٢) في البحر ٣٧٥/٧.
(٣) جاء في هامش (م): أو أنه يبقى حيًّا إلى وقت النفخة، ثم يموت مع من يموت ويبقى إلى
يوم البعث في بطن الحوت، فلا إشكال. اهـ. عبد الله نجل المصنف. اهـ.
(٤) مادة (نبذ).
(٥) في المفردات (نبذ).

الآية : ١٤٥
١٧٣
سُوَّةُ الصَّافَاتِ
الإِلقاء، وإن كان ذلك ﴿بِالْعَرَآءِ﴾ أي: بالمكان الخالي عمَّا يغطِّيه من شجرٍ أو
نبت.
يُروَى أنَّ الحوتَ سار مع السفينة رافعاً رأسَه يتنفَّس ويونسُ يسبِّح، حتى انتهَوا
إلى البرِّ فلفظه. ورُدَّ بأنَّه يأباه قولُه تعالى: ﴿فَنَادَى فِ اٌلُلُمَتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]
وأُجيب بأنَّه بمجرَّد رفع رأسِه للتنفُّس لا يخرج منها، ثم إنَّ هذا لئلا يختنقَ يونسُ
أو تنحصرَ نفسُه بحكم العادة، لا ليمتنعَ دخولُ الماءِ جوفَ الحوتِ حتی یقال:
السمكُ لا يحتاج لذلك، ومع هذا نحن لا نجزم بصحّة الخبر، فقد رُوي أيضاً أنَّه
طاف به البحارَ كلَّها ثم نبذه على شطّ دِجلَةَ قريب نِينُوى - بكسر النونِ الأُولى وضمِّ
الثانيةِ كما في ((الكشف)»(١) - من أرض المَوصِل. والالتقامُ كان في دجلةَ أيضاً على
ما صرَّح به البعض، وخالف فيه أهلُ الكتاب. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى نقلُ
كلامِهم لك في هذه القصَّةِ لتقفَ على ما فيه.
والظاهرُ أنَّ الحوتَ من حيتان دجلةَ أيضاً، وقد شاهدنا فيها حيتاناً عظيمةً
جدّاً. وقيل: كان من حيتان النِّيل؛ أخرج ابنُ أبي شيبةً(٢) عن وهبٍ أنَّه جلس
هو وطاوسٌ ونحوُهما من أهل ذلك الزَّمان، فذكروا أيُّ أمرِ اللهِ تعالى أسرع؟
فقال بعضُهم: قولُ اللهِ تعالى: ﴿كَلَمْجِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] وقال بعضُهم: السريرُ
حين أُتي به سليمان. وقال وهب: أَسرعُ أمرِ اللهِ تعالى أنَّ يونسَ على حافة
السفينةِ إذ أَوحى اللهُ سبحانه إلى نونٍ في نيل مِصر، فما خرَّ من حافتها إلَّا في
جوفه .
ولا شبهةَ في أنَّ قدرةَ اللهِ عزَّ وجلَّ أعظمُ من ذلك، لكن الشبهةَ في صحّة
الخبر، وكأنِّي بك تقول: لا شبهةً في عدم صحّته.
واختلف في مدَّة لَبثه، فأَخرج عبدُ الله بن أحمدَ في زوائد ((الزُّهد)» وغيرُه عن
الشعبيِّ قال: التقمه الحوتُ ضحَى ولَفَظه عشيّة(٣). وكأنَّه أراد: حين أَظلم الليل.
(١) وفي معجم البلدان ٣٣٩/٥: بكسر النون الثانية.
(٢) في المصنف ١٣/ ٤٩٥.
(٣) الدر المنثور ٢٨٩/٥، وزوائد الزهد ص٤٥ .

سُوَقُ الضَّافَاتِ
١٧٤
الآية : ١٤٦
وأخرج عبدُ بن حُميد وغيرُه عن قتادةَ قال: إنَّه لبث في جوفه ثلاثاً(١). وفي كتب
أهلِ الكتابِ: ثلاثةَ أيامٍ وثلاثَ ليال. وعن عطاءٍ وابن جُبيرٍ: سبعةَ أيام. وعن
الضحَّاك: عشرين يوماً. وعن ابن عباسٍ وابن جُريج وأبي مالكِ والسُّدِّيِّ ومقاتلٍ بن
سليمانَ والكلبيِّ وعِكرمة: أربعين يوماً .
وفي ((البحر))(٢) ما يدلُّ على أنَّه لم يصحَّ خبرٌ في مدَّة لَبثهِ عليه السلام في بطنٍ
الحوت.
﴾﴾ مما ناله. قال ابنُ عباسٍ والسُّدِّي: إنَّه عاد بدنُه كبدن الصبيّ
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ
حين يولد. وعن ابن جُبيرٍ أنَّه عليه السلام أُلقي ولا شعرَ له ولا جلدَ ولا ظفر.
ولعل ذلك يستدعي بحكم العادةِ أنَّ لمدَّة لَبثهِ في بطن الحوت طولاً ما .
﴾ أي: أَنبتناها مُطِلَّةً عليه مظلَّةً له
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِّنْ يَقْطِينٍ
كالخيمة. فـ ((عليه)) حالٌ من ((شجرة)) قدِّمت عليها لأنَّها نكرة، واليقطين يَفعيل،
من قطن بالمكان: إذا أَقام به. وزاد الطبرسيُّ(٣): إقامةً زائلٍ لا إقامةً راسخ.
والمرادُ به - على ما جاء عن الحسن السِّبط، وابن عباسٍ في رواية، وابنٍ
مسعود، وأبي هريرة، وعَمرو بنِ ميمون، وقتادة، وعكرمة، وابنُ جُبير، ومجاهدٍ
في إِحدى الرِّوايتين عنهما - الدُّبَّاء، وهو القرعُ المعروف، وكان النبيُّ ◌َّـ
یحبُّ(٤).
وأَنبتها الله تعالى مُطِلَّةً عليه لأنَّها تجمع خصالاً: بردَ الظلِّ والملمس، وعِظَمَ
الورق، وأنَّ الذبابَ لا يقع عليها على ما قيل، وكان عليه السلام لرقَّة جلِده بمُكثه
في بطن الحوتِ يؤذيه الذبابُ ومماسَّة ما فيه خشونة، ويؤلمه حرُّ الشمس،
ويستطيب باردَ الظلّ، فلطف اللهُ تعالى به بذلك. وذكر أنَّ ورقَ القرعِ أنفعُ شيءٍ
لمن ینسلخ جلده.
(١) الدر المنثور ٢٨٩/٥.
(٢) ١٤٥/٧.
(٣) في مجمع البيان ٨٤/٢٣.
(٤) أخرجه بمعناه البخاري (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١) من حديث أنس

الآية : ١٤٦
١٧٥
سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
واشتهر أنَّ الشجرَ ما كان على ساقٍ من عود، فيُشكل تفسيرُ الشجرةِ هنا
بالدَُّّاء. وأجاب أبو حيَّانَ(١) بأنَّه يحتمل أنَّ اللهَ تعالى أَنبتها على ساقٍ لتظلَّه، خرقاً
للعادة. وقال الكرماني: العامَّة تخصِّص الشجرَ بما له ساق، وعند العربِ كلُّ شيءٍ
له أرومةٌ تبقى فهو شجر، وغيرُه: نجم، ويشهد له قولُ أفصحِ الفصحاءِ وَلّ:
(شجرة الثُّوم))(٢). انتهى.
وقال بعض الأَجِلَّة: لك أن تقول: أصلُ معناه ما له أَرومة، لكنَّه غلب في
عرف أهلِ اللغةِ على ما له ساقٌ وأغصان، فإذا أُطلق يتبادر منه المعنى الثاني، وإذا
قيِّد - كما هنا وفي الحديث - يرد على أصله، وهو الظاهر. ثم ذكر أنَّ ما قاله
أبو حيَّان تمثُّلٌ في محلٌّ لا مجالَ للرأي فيه.
وأَخرج عبدُ بن حُميدٍ وابن جَريرٍ عن ابن جُبير أنَّه قال: كلُّ شجرةٍ لا ساقَ لها
فهي من اليقطين. والذي يكون على وجه الأرضِ من البِطَّيخ والقِئَّاء(٣). وفي روايةٍ
أخرى عنه أنَّه سئل عن اليقطين: أَهو القرع؟ قال: لا، ولكنَّها شجرةٌ سمَّاها اللهُ
تعالى اليقطينَ أَظلَّته.
وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ أَنَّه كلُّ شيءٍ يَنبت ثم يموتُ من عامه، وفي أخرى:
كلُّ شيءٍ يذهب على وجهِ الأرض.
وقيل: شجرةُ اليقطينِ هي شجرةُ الموز، تغطّى بورقها، واستظلَّ بأغصانها،
وأَفطر على ثمارها. وقيل: شجرةُ التين. والأصحُ ما تقدَّم.
ورُوي عن قتادةَ أنَّه عليه السلام كان يأكل من ذلك القَرع.
وجاء في روايةٍ عن أبي هريرةَ أنَّه قال: طُرح بالعراء، فأَنبت الله تعالى عليه
يقطينة. فقيل له: ما اليقطينة؟ قال: شجرةُ الدَّّاء، هيَّأ اللهُ تعالى له أُرْويَّةٌ(٤)
(١) في البحر ٧/ ٣٧٥.
(٢) أخرج البخاري (٨٥٦)، ومسلم (٥٦٢) من حديث أنس حظه مرفوعاً: ((من أكل من هذه
الشجرة فلا يقربنا)).
(٣) الدر المنثور ٢٩١/٥، وتفسير الطبري ٦٣٣/١٩.
(٤) الأروية، بالضم والكسر: أنثى الوعول. القاموس (روي).

سُوَّةُ الصَّافَاتِ
١٧٦
الآية : ١٤٧ - ١٤٨
وحشية، تأكل من خشاش الأرضٍ فتفسح(١) عليه، فترويه من لبنها كلَّ عشيةٍ وبُكرةٍ
حتى نبتت. وقيل: إنَّه كان يستظلُّ بالشجرة، وتختلف إليه الأرويَّةُ فيشربُ من
لبنها .
وفي بعض الآثارِ أنَّها نبتت وأظلَّته في يومها؛ أخرج أحمدُ في ((الزُّهد)» وغيرُه
عن وهبٍ أنَّه لمَّا خرج من البحرِ نام نومة، فأَنبت الله تعالى عليه شجرةً من يقطين،
وهي الذُّبَّاء، فأظلَّته وبلغت في يومها، فرآها قد أظلَّته، ورأى خُضرَتها فأَعجبته، ثم
نام نومةً فاستيقظ، فإذا هي قد يَبِست، فجعل يحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم
تَخلُق ولم تَسْقِ ولم تُنْبِتْ تحزنُ عليها، وأنا الذي خلقتُ مئةَ ألفٍ من الناس أو
يزيدون ثم رحمتهم فشقَّ عليك(٢)؟!
وهؤلاء هم أهلُ نِينوى المعنيُّون بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ
يَزِيدُونَ ®﴾ والإِرسالُ - على ما أَخرج غيرُ واحدٍ عن مجاهدٍ والحسنِ وقتادة - هو
الإِرسالُ الأوَّل الذي كان قبل أن يلتقمَه الحوت، فالعطفُ على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
يُؤُسَ﴾ إلخ [الآية: ١٣٩] على سبيل البيان؛ لدلالته على ابتداءِ الحالِ وانتهائه، وعلى
ما هو المقصودُ من الإِرسال من الإِيمان، واعترض بينهما بقصَّته اعتناءً بها؛ لغرابتها .
وأُورد عليه أنَّه يأبى عن حَمله على الإِرسال الأوَّلِ الفاءُ في قوله تعالى:
﴿فَقَامَنُواْ﴾ فإنَّ أولئك لم يؤمنوا عقيبَ إِرساله الأوَّل، بل بعدما فارقهم.
وأُجيب بأنَّه تعقيبٌ عُرفي، نحو: تزوَّج فوُلد له. وقيل: الأقربُ أنَّ الفاءَ
للتفصيل، أو السبيَّة.
وقيل: هو إِرسالٌ ثانٍ إليهم بعد أن أَصابه ما أصابه، فالعطفُ على ما عنده.
وأُورد عليه أنَّ المرويَّ أنَّهم بعد مفارقتِه لهم رأوا العذابَ أو خافوه، فآمنوا،
فقوله تعالى: ((فآمنوا)» في النّظم الجلیلِ هنا یابی عن حمله علی إِرسالٍ ثان.
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي الدر المنثور ٢٩١/٥ فتفشخ، وفي تفسير الطبري ٦٣٥/١٩:
فتفشح. وفشخت الدابة وفشحت: إذا فرَّجت بين رجليها للحَلْب. اللسان (فشح) و(فشخ).
(٢) الدر المنثور ٢٩١/٥.

الآية : ١٤٨
١٧٧
سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ
وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكونَ الإيمانُ المقرونُ بحرف التعقيبِ إيماناً مخصوصاً،
أو أنَّ (آمنوا)) بتأويل: أَخلصوا الإِيمانَ وجدَّدوه؛ لأنَّ الأوَّل كان إِيمانَ يأس(١).
وقيل: هو إرسالٌ إلى غيرهم.
وقيل: إنَّ الأوَّلين بعد أن آمَنوا سألوه أن يرجعَ إليهم، فأبى؛ لأنَّ النبيَّ إذا
هاجر عن قومه، لم يرجعْ إليهم مقيماً فيهم، وقال لهم: إنَّ اللهَ تعالى باعثٌ إليكم
نبيّاً .
وفي خبرٍ طويلٍ أَخرجه أحمدُ في ((الزُّهد)) وجماعةٌ عن ابن مسعودٍ أنَّه عليه
السلام بعد أن نُبذ بالعراءِ وأَنبت الله تعالى عليه الشجرةَ وحَسُنَ حالُه، خرج فإذا هو
بغلام يرعى غنماً، فقال: ممَّن أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونُس، قال: فإذا
رجعت إليهم فأقرئهم السلام، وأخبرهم أنَّك لقيتَ يونس، فقال له الغلام: إنْ تكن
يونسَ فقد تعلم أنَّه مَن كذب ولم يكن له بيِّنة قتل، فمَن يشهد لي؟ قال: تشهد لك
هذه الشجرةُ وهذه البقعة، فقال الغلامُ ليونُس: مُرْهما، فقال لهما يونُس: إذا
جاءكما هذا الغلامُ فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلامُ إلى قومه، وكان له إخوةٌ
فكان في مَنَعة، فأتى الملكَ فقال: إنِّي لقيت يونسَ وهو يقرأ عليكم السَّلام، فأمر
به الملكُ أن يُقتل، فقال: إنَّ لي بيِّنة، فأرسل معه، فانتهوا إلى الشَّجرة والبقعة،
فقال لهما الغلام: نشدتكما بالله هل أَشهدكما يونُس، قالتا: نعم، فرجع القومُ
مذعورين يقولون: تشهد لك الشجرةُ والأرض! فأَتَوا الملكَ فحدَّثوه بما رأوا،
فتناول الملكُ يدَ الغلام فأَجلسه في مجلسه وقال: أنت أحقُّ بهذا المكانِ مني،
وأَقام لهم أمرَهم ذلك الغلامُ أربعين سنة (٢).
وهذا دالٌّ بظاهره أنَّه عليه السلام لم يرجعْ بعد أن أصابه ما أصابه إليهم، فإن
صحَّ يراد بالإِرسال هنا إمَّا الإرسالُ الأوَّل الذي تضمَّنه قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ
﴾ وإمَّا إرسالٌ آخَرُ إلى غير أولئك القوم. والمعروفُ عند أهل الكتاب
٣٩
الْمُرْسَلِينَ
(١) في الأصل و(م): بأس، والمثبت من حاشية الشهاب ٧/ ٢٨٧.
(٢) الدر المنثور ٢٨٨/٥.

رَةُ الصَافَاتِ
١٧٨
الآية : ١٤٨
أنَّه عليه السلام لم يرسَل إلَّا إلى أهل نينوى، وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى قريباً تفصيلُ
قصَّته عندهم.
و((أو)) - على ما نُقل عن ابن عبّاس - بمعنى ((بل)). وقيل: بمعنى الواو، وبها
قرأ جعفر بن محمدٍ ﴾(١). وقيل: للإِبهام على المخاطَب. وقال المبرِّد وكثيرٌ من
البصريِّين: للشكّ. نظراً إلى الناظر من البشر، على معنى: مَن رآهم شكَّ في
عددهم وقال: مئةُ ألفٍ أو يزيدون. والمقصودُ بيانُ كثرتهم، أو أنَّ الزيادةَ ليست
كثيرةً كثرةً مفرِطة، كما يقال: هم ألفٌ وزيادة.
وقال ابنُ كمال: المراد: يزيدون باعتبارٍ آخَر؛ وذلك أنَّ المكلَّفين بالفعل منهم
كانوا مئةَ ألف، وإذا ضمَّ إليهم المراهقون الذين بصددِ التكليف، كانوا أكثر، ومن
هاهنا ظهر وجهُ التعبيرِ بصيغة التجدُّد دون الثَّبات.
وتعقّب بأنَّه مع أنَّ المناسبَ له الواوُ تكلُّف ركيك. وأقربُ منه أنَّ الزيادةَ
بحسب الإِرسال الثاني، ويناسبه صيغةُ التجدُّد وإنْ كانت للفاصلة، وهو معطوفٌ
على جملة ((أرسلنا)) بتقدير: هم يزيدون، لا على ((مئة)) بتقدير: أشخاص يزيدون،
أو تجريده للمصدرية؛ فإنَّه ضعيف.
والزيادةُ - على ما رُوي عن ابنِ عباس - ثلاثون ألفاً. وفي أخرى عنه: بضعةٌ
وثلاثون ألفاً. وفي أخرى: بضعةٌ وأبعون ألفاً. وعن نوفٍ وابن جُبير: سبعون ألفاً.
وأخرج الترمذيُّ وابن جَرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن أُبيِّ بن
كعبٍ قال: سألتُ رسولَ اللهِوَ ◌ّ عن قول اللهِ تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ
يَزِيدُونَ﴾ قال: يزيدون عشرين ألفاً (٢). وإذا صحَّ هذا الخبرُ بطل ما سواه (٣).
﴿فَتَّعْنَهُمْ﴾ بالحياة ﴿إِلَّ حِينٍ (٣)﴾ إلى آجالهم المسمّاة في الأزل. قاله قتادةٌ
والسُّدِّي. وزعم بعضُهم أنَّ تمتيعَهم بالحياة إلى زمان المهديّ، وهم إذا ظهر من
(١) المحتسب ٢٢٦/٢، والبحر ٣٧٦/٧.
(٢) الدر المنثور ٢٩١/٥، وجامع الترمذي (٣٢٢٩)، وتفسير ابن جرير ١٩/ ٦٣٧.
(٣) ولم يصح، ففي إسناده راوٍ مبهم.

الآية : ١٤٨
١٧٩
سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ
أَنصاره، فهم اليومَ أحياءٌ في الجبال والقفارِ لا يراهم كلٌّ أحد، كالمهديِّ عند
الإِمامية، والخَضرِ عند بعض العلماءِ والصوفية، وربمًا يُكشف لبعض الناسٍ فيرى
أحداً منهم. وهو كذب مفترى.
ولعل عدمَ ختم هذه القصَّة والقصةِ التي قبلَها بنحو ما خُتم به سائرُ القصصٍ من
قوله تعالى: ﴿وَتَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ * سَلَمُ﴾ إلخ: تفرقةً بين شأن لوطٍ ويونسَ
عليهما السلام وشأنِ أصحابِ الشرائع الكُبَر وأولي العزمِ من المرسلين، مع
الاكتفاءِ فيهما بالتسليم الشاملِ لكلِّ الرسلِ المذكورِ في آخر السورة، ولتأخُرهما في
الذِّكر قرباً منه، والله تعالى أعلم.
والمذكورُ في شأن يونسَ عليه السلام في كتب أهلِ الكتابِ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ
أمره بالذَّهاب إلى دعوة أهلِ نينوى، وكانت إذ ذاك عظيمةً جدّاً، لا تُقطع إلَّا في
نحو ثلاثة أيام، وكانوا قد عظم شرُّهم وكثر فسادُهم، فاستعظم الأمرَ وهرب إلى
ترسيس، فجاء يافا، فوجد سفينةً يريد أهلُها الذهابَ بها إلى ترسيس، فاستأجر
وأَعطى الأجرةَ وركب السفينة، فهاجت ريحٌ عظيمةٌ وكثرت الأمواج، وأَشرفت
السفينةُ على الغرق، ففزع الملاحون ورمَوا في البحر بعضَ الأمتعةِ لتخفَّ السفينة،
وعند ذلك نزل يونسُ إلى بطن السفينة، ونام حتى علا نَفَسُه، فتقدَّم إليه الرئيسُ
فقال له: ما بالُك نائماً؟ قُمْ وادعُ إلهَك لعله يخلِّصنا ممَّا نحن فيه ولا يُهلكنا. وقال
بعضُهم لبعض: تعالوا نتقارعْ لنعرفَ مَن أَصابنا هذا الشرُّ بسببه، فتقارعوا، فوقعت
القرعةُ على يونُس، فقالوا له: أَخبِرنا ماذا عملت، ومن أين أتيت، وإلى أين
تمضي، ومن أيِّ كُورةٍ أنت، ومن أيِّ شعبٍ أنت؟ فقال لهم: أنا عبدُ الربِّ إلهِ
السماءِ خالقِ البرِّ والبحر. وأخبرهم خبرَه، فخافوا خوفاً عظيماً، وقالوا له: لمَ
صنعتَ ما صنعت؟ يلومونه على ذلك. ثم قالوا له: ما نصنع الآن بك ليسكنَ البحرُ
عنا؟ فقال: أَلْقُوني في البحر يسكن، فإنَّه من أجلي صار هذا الموجُ العظيم، فجهد
الرجالُ أن يردُّوها إلى البرِّ فلم يستطيعوا، فَأَخذوا يونسَ وألقَوه في البحر لنجاة
جميع مَن في السفينة، فسكن البحر، وأمر الله تعالى حوتاً عظيماً فابتلعه، فبقي في
بطنه ثلاثةَ أيامٍ وثلاثَ ليال، وصلَّى في بطنه إلى ربِّه واستغاث به، فأمر سبحانه

سُورَةُ الصَّافَاتِ
١٨٠
الآية : ١٤٩
الحوتَ فألقاه إلى اليبس، ثم قال عزَّ وجلَّ له: قم وامضٍ إلى نِينوى، ونادٍ في
أهلها كما أمرتُك من قبل، فمضى عليه السلامُ ونادى، وقال: تُخسف نينوى بعد
ثلاثة أيام، فآمنت رجالُ نينوى بالله تعالى ونادَوا بالصِّيام ولبسوا المسوحَ جميعاً،
ووصل الخبرُ إلى الملك، فقام عن كرسيِّه ونزع حلَّتَه ولبس مِسْحاً وجلس على
الرَّماد، ونودي أن لا يذقْ أحدٌ من الناس والبهائم طعاماً ولا شراباً، وجأروا
إلى الله تعالى، ورجعوا عن الشرِّ والظلم، فرحمهم اللهُ تعالى فلم يُنزل بهم
العذاب، فحزن يونسُ، وقال: إلهي من هذا هربت، فإني علمت أنَّك الرحيمُ
الرؤوفُ الصبورُ التَوَّاب، يا ربِّ خذ نفسي، فالموتُ خيرٌ لي من الحياة، فقال:
يا يونس، حزنتَ من هذا جدّاً؟ فقال: نعم يا ربّ، وخرج يونسُ وجلس مقابلَ
المدينة، وصنع له هناك مِظلَّةً وجلس تحتها إلى أن يرى ما يكونُ في المدينة،
فأمر الله تعالى يقطيناً فصَعِدَ على رأسه ليكون ظلًّا له من كَربه، ففرح باليقطين فرحاً
عظيماً، وأمر الله تعالى دودةً فضربت اليقطينَ فجفّ، ثم هبَّت ريحٌ سَمومٌ وأشرقت
الشمسُ على رأس يونسَ عليه السلام، فعظم الأمرُ عليه واستطيب الموت، فقال له
الربّ: يا يونس، أَحزنتَ جدّاً على اليقطين؟ فقال: نعم يا ربّ، حزنتُ جدّاً، فقال
سبحانه: حزنتَ عليه وأنت لم تتعب فيه ولم تربِّه، بل صار من ليلته وهلك من
ليلته، فأنا لا أُشفق على نينوى المدينةِ العظيمةِ التي فيها سكانٌ أكثرُ من اثني عشرَ
ربوةً من الناس، قوم لا يعلمون يمينَهم ولا شِمالَهم، وبهائمُهم كثيرة. انتهى.
وفيه من المخالفة للحقِّ ما فيه، ولتطّلعَ على حاله نقلتُه لك، وكم لأهل
الكتاب من باطل.
﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَئِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
ـ أمر اللهُ تعالى نبيَّهِ وَّلإر في صدر
١٤٩
السورةِ الكريمةِ بتبكيت قريشٍ وإبطالِ مذهبِهِم في إِنكار البعثِ بطريق الاستفتاء،
وساق البراهينَ الناطقةَ بتحقُّقه لا محالة، وبيَّن وقوعَه وما يلقَونه عند ذلك من فنونٍ
العذاب، واستثنَى منهم عبادَه المخلصين، وفصَّل سبحانه ما لهم من النَّعيم المقيم،
ثم ذكر سبحانه أنَّه قد ضلَّ من قبلهم أكثرُ الأوَّلين، وأنَّه تعالى أرسل إليهم منذرِین
على وجه الإِجمال، ثم أورد قصصَ بعضٍ الأنبياءِ عليهم السلام بنوعٍ تفصيل،