النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٨٩ ١٢١ سُوَةُ الصَّافَاتِ ما ينفعهم إذا ظهر مثلُ ذلك، ويتضمَّن الإشارةَ الإجماليةَ أيضاً أمرُه تعالى بالاستعاذة من شرِّ القمرِ في بعض حالاتِه، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبٍ الْفَلَقِ جَ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ١-٣] على ما جاءَ في حديث عائشةَ ﴿ّا(١). ويَقرُب في بعض الوجوهِ من شأنِهِ وَِّ شأنُه عليه الصلاة والسلام في أمر النباتاتِ ونحوِها، فبيَّن لهم ما يحلُّ ويَحرم من ذلك، وأشار إلى منفعة بعضِ الأشياءِ من نباتٍ وغيرهٍ، ولم يفصِّل القولَ في الخواصّ، وترك الناسَ فيما يأكلون ويشربون - ممَّا هو حلالٌ - على عاداتهم، إلَّا أنَّه قال: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١]. نعم نَهَى وَّر عن الخوض في علم النجومِ لطلب معرفةٍ الحوادثِ المستقبلة بواسطة الأوضاع المتوقِّف بزعم المنجِّمين على معرفة الطّبائع؛ سدّاً لباب الشرِّ والوقوعِ في الباطل، لأنَّ معرفةَ ذلك على التحقيق ليست كسبيَّة، كمعرفة خواصِّ النباتاتِ ونحوِها، والمعرفةُ الكسبيةُ التي يزعمها المنجّمون ليست بمعرفة، وإنما هي ظنونٌ لا دليلَ لهم عليها كما تقدَّم، وصرَّح به أرسطاليس أيضاً، فإنَّه قال في أوَّل كتابِهِ ((السَّماع الطبيعي)): إنَّه لا سبيل إلى اليقين بمعرفة تأثيرٍ الکواکب، وحُکي نحۇُه عن بطليموس. وكونُ المنهيِّ عنه ذلك هو الذي صرَّح به بعضُ الأجِلَّة، وعليه حُمل خبرُ أبي داود وابن ماجه(٢): ((مَن اقتبس علماً من النجوم اقتبس شُعبةً من السِّحر)). وأما الخوضُ في علم النُّجومِ لتحصيل ما يُعرف به أوقاتُ الصلواتِ وجهةٌ القِبلة، وكم مضى من الليلِ أو النهار وكم بقي، وأوائلُ الشهورِ الشمسية، ونحوُ ذلك، ومنه ۔ فیما اری ۔ ما يُعرف به وقتُ الکسوف والخسوف، فغيرُ منھيٍّ عنه، بل العلمُ المؤدِّي لبعض ما ذُكر من فروض الكفاية، بل إن كان علمُ النجومِ عبارةً عن العلم الباحثِ عن النُّجوم باعتبارِ ما يَعرض لها من المقارنة والمقابلةِ والتثليثِ والتسديس، وكيفيةٍ سيرِها ومقدارٍ حركاتها، ونحوِ ذلك ممَّا يُبحث عنه في الزِّيج، (١) وذلك أن النبي ولو نظر إلى القمر فقال: ((يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا؛ فإن هذا الغاسق إذا وقب)) وهو عند الترمذي (٣٣٦٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٦٤) و(١٠٠٦٥). (٢) سنن أبي داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦) من حديث ابن عباس ـ سُورَةُ الصَنَّافَاتِ ١٢٢ الآية : ٨٩ أو كان عبارةً عمَّا يعمُّ ذلك والعلمَ الذي يُتوصَّل به إلى معرفة ارتفاعِ الكوكبِ وانخفاضه، ومعرفة الماضي من الليل والنهار، ومعرفةِ الأَطوال والأعراض، ونحو ذلك مما تضمَّنه علمُ الإسطرلابِ والرُّبعِ المجَيَّب ونحوِهما، فهو ممَّا لا أرى بأساً في تعلُّمه مطلقاً . وإنْ كان عبارةً عن العلم الباحثِ عن أَحكامها وتأثيراتها التي تقتضيها باعتبار أَوضاعِها وطبائِعها على ما يزعمه الأحكاميُّون، فهذا الذي اختلف في أمره، فقال بعضُهم بحُرمة تعلُّمه؛ لحديث أبي داودَ وابنٍ ماجه السابق. والقائلُ بهذا قائلٌ بحرمة تعلُّم السّحر، وهو أحدُ أقوالٍ في المسألة فيها الإفراط والتفريط، ثانيها: أنَّه مكروه، ثالثها: أنَّه مباح، رابعها: أنَّه فرضُ كفاية، خامسها: أنَّه كفر، والجمهورُ على الأوَّل، ولأنَّ فيه ترويجَ الباطلِ وتعريضَ الجهلةِ لاعتقاد أنَّ أحكامَ النجومِ المعروفةَ بين أهلها حقٌّ والكواكب مؤثّرة بنفسها . وقيل: يَحرُم تعلُّمه؛ لأنَّه منسوخ، فقد قال الكرمانيُّ في ((عجائبه)): كان علمُ النجومِ علماً نبويًّا فُنُسخ. وتعقّب هذا بأنَّه لا معنى لنسخ العلم نفسِه، وإنْ حُمل الكلامُ على معنى: كان تعلُّمه مباحاً فنُسخ ذلك إلى التحريم، كان في الاستدلال مصادرة. وقال بعضُهم: لا حرمةَ في تعلُّمه، إنما الحرمةُ في اعتقاد صحَّةِ الأحكامِ وتأثيراتِ الكواكب، على الوجه الذي يقوله جَهَلةُ الأحكاميين لا مطلقاً. وأُجيب عن الخبر السابقِ بأنَّه محمولٌ على تعلُّم شيءٍ من علم النجومِ على وجه الاعتناءِ بشأنه، كما يرمز إليه ((اقتَبَسَ)) وذلك لا يتمُّ بدون اعتقادٍ صحَّة حكمِه وأنَّ الكواكبَ مؤثِّرات، وتعلُّمه على هذا الوجهِ حرام، وبدونه مُباح، وفيه بحث. وقيل في الجواب: إنَّ الخبرَ فيمن ادَّعى علماً بحكم من الأحكام آخذاً له من النُّجوم قائلاً: الأمرُ كذا ولا بدّ؛ لأنَّ النجمَ يقتضيه ألَبَِّّة، وهو لاشكَّ في إِثمه وحُرمةِ دعواه التي قامت الأدلَّةُ على كذبها، وهو كما ترى. الآية : ٨٩ ١٢٣ سُورَةُ الصَّافَاتِ وكلامُ بعضٍ أجلةِ العلماءِ صريحٌ في إباحة تعلُّمه متى اعتقد أنَّ اللهَ تعالى أَجرى العادةَ بوقوع كذا عند حلولِ الكوكبِ الفلانيّ منزلةً كذا مثلاً مع جوازِ التخلُّف. واستظهر بعضٌ حرمةَ التعلُّم مطلقاً، متى كان فيه إِغراءُ الجهلةِ بذلك العلم، وإيقاعُهم في محذور اعتقادِ التأثير، أو كان فيه غيرُ ذلك من المفاسد، وكراهتَه إنْ سَلِم من ذلك؛ لما فيه من تضييع الأوقاتِ فيما لا فائدةَ فيه، ومبناه ظنونٌ وأوهام وتخيَّلات. ولا يَبعُد القولُ بأنَّه يباح للعالِم الراسخِ النظرُ في كتبه للاطلاع على ما قالوا، والوقوفِ على مناقضاتهم واختلافاتِهم التي سمعتَ بعضاً منها؛ لينفِّرَ عنها الناسَ ويردَّ العاكفين عليها، كما يباح له النظرُ في كتب سائرِ أهلِ الباطل - كاليهود والنَّصارى - لذلك، بل لو قيل بسنِّيَّته لهذا الغرض لم يَبعُد، لكن أنت تعلم أنَّ السلفَ الصالحَ لم يحوموا حول شيءٍ منه بسوى ذمِّه وذمّ أهله، ولم يتطلّبوا كتاباً من كتبه لينظروا فيه، على أيِّ وجهٍ كان النظر؛ ونسبةُ خلافٍ ذلك إلى أحدٍ منهم لا تصحّ، فالحزمُ اتِّباعُهم في ذلك، وسلوكُ مسلكِهم، فهو لَعمري أَقومُ المسالك. هذا واعتُرض القولُ بِإِطلاعه وَّهَ على ما ذُكر من شأن الأجرامِ العُلوية بأنَّ فيه فتحَ بابِ الشُّبهة في كون أخبارِ وَّ بالغيوب من الوحي؛ لجواز أن تكونَ من أَحكام النُّجومِ على ذلك القول. وأُجيب بأنَّ الشُّبهةَ إنما تتأَتَّى لو ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام رَصَدَ - ولو مرَّة - كوكباً من الكواكب وحقَّق منزلتَه وأَخبر بغيب؛ إذ مجرَّدُ العلم بأنَّ لكوكبٍ كذا حكمَ كذا إذا حلَّ بمنزلة كذا لا يُفيد بدون معرفةٍ أنَّه حلَّ في تلك المنزلة، فحيث لم يَثبت أنَّه ◌ِ﴿ فعل ذلك، لا يُفتح بابُ الشُّبهة. وفيه بحثٌ ظاهر. وبأنَّ علمَهِ وَلّهِ بما تدلُّ عليه الأَوضاحُ عند القائلينَ به ليس إلَّا عن وحي، فغايةُ ما يلزم على تلك الشُّبهةِ أن يكونَ خبرُه بالغيب بواسطة علمٍ أحكام النُّجوم الذي عَلِمَه بالوحي، وأيُّ خللٍ يحصل من هذا في نبوَّته عليه الصلاة والسلام؟ بل هذه الشُّبهةُ تستدعي كونَه نبيّاً، كما أنَّ عدمَها كذلك. سُوَقُ الصَنَّافَاتِ ١٢٤ الآية : ٨٩ وتُعقّب بأنَّه متى سُلِّم أنَّ للأوضاع الفلكيةِ دلالةً على الأُمور الغيبية، وأنَّه ◌َه يعلم ما تدلُّ عليه، يقع الاشتباهُ بينه وبين غيرِه من علماءِ ذلك العلم المخبِرين بالغيب إذا وقع كما أَخبروا، والتفرقةُ بأنَّه عليه الصلاة والسلام قد أُوحي إليه بذلك دون الغيرِ فرعُ كونِهِ نبيًّا، وهو أوَّلُ المسألة. واختير في الجواب أن يقال: إنَّ إِخبارَهِ وَلِ﴿ بالغيب إن كان بعد ثبوتِ نبوَّته بمعجزٍ غيرِ ذلك، لا تتأتَّى الشبهةُ إن أَفهم أنَّ خبرَه بواسطة الوحي، ولا تضرُّ إنْ لم يفهم، إذ غايةُ ما في الباب أنه نبيّ؛ لظهور المعجزِ على يده قبل إن أُخبرَ بغیپٍ بواسطة وضعٍ فلكيٍّ وشاركه غيرُه في ذلك، وإن كان قبلَ ثبوتٍ نبوَّته بمعجزٍ غيرِهِ، بأن كان التحدِّي بذلك الخبرِ ووقوع ما أخبر به، فالذي يدفع الشبهةَ حينئذٍ عدمُ القدرة على المعارضة، فلا يستطيع منجِّم أن يُخبرَ صادقاً بمثل ذلك بمقتضى علمِه بالأوضاع ومقتضياتِها، فتدبّر. ثم الظاهر - على ما ذكره الشيخُ الأكبرُ قدِّس سرُّه في النُّقباء والنُّجباء - أنَّ لكلِّ من الأنبياءِ عليهم السلام اطّلاعاً على ذلك، إذ رتبةُ النبيِّ فوق رتبةِ الولي، وعلمُه فوق علمِهِ؛ إذ هو الركنُ الأَعظمُ في الفضل. ولا حجَّةَ في قصَّة موسى والخَضِرِ عليهما السلام على خلافه، أمَّا على القول بنبوَّة الخضر عليه السلام، فظاهر، وكذا على القولِ بولايته، وأَنَّه فَعَلَ ما فَعَلَ عن أمر اللهِ تعالى بواسطة نبيّ، وأمَّا على القول بولايته وأنَّه فَعَلَ ذلك لعلمٍ أُوتيه بلا واسطةٍ نبيّ؛ فلأنَّه لا يدلُّ إلَّا على فقدان موسى عليه السلام العلمَ بتلك الأمورِ الثلاثةِ وعلمِ الخضرِ بها، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونَ الخضرُ أعلمَ منه مطلقاً، وهو الظاهر. وعلى هذا جوِّز إبقاءُ الآيةِ على ظاهرها، فيكون إبراهيمُ عليه السلام قد نظر في النُّجوم حسبما علَّمه الله تعالى من أحوالِ الملكوتِ الأَعلى، واستدلَّ على أنَّه سيسقم بما استدلّ، ولعل نظرَه كان في طالع الوقتِ أو نحوهٍ، أو طالعٍ ولادتِه، أو طالعٍ سقوطِ النطفةِ التي خُلق منها، والعلمُ به بالوحي أو بواسطة العلمِ بطالعِ الولادة. والاعتراضُ على ذلك بأنَّه يلزم عليه تقويتُه عليه السلام ما هم عليه من الباطل في أمر النُّجوم واردٌ أيضاً على حَمل ما في الآية على التعريض، والجوابُ هو الجواب. الآية : ٩٠ - ٩٣ ١٢٥ سُورَةُ الصَنَافَاتِ هذا وإذا أحطتَ خُبراً بجميع ما ذكرتُ لك في هذا المقام، فأَحسِن التأمُّلَ فيما تضمَّنه من النقض والإِبرام، وقد جمعتُ لك ما لم أعلم أنه جُمع في تفسير، ولا أُبرِّئُ نفسي عن الخطأ والسهوِ والتقصير، واللهُ سبحانه وليُّ التوفيق، وبيده عزَّ وجلَّ أَزِمَّةُ التحقيق. تفريعٌ على قوله عليه السلام: ((إني سقيم)) وقوله تعالى ﴿فَنَوَلَّوْا عَنْهُ مُذْبِيِنَ أي: أَعرضوا وتركوا قربَه، والمرادُ أنَّهم ذهبوا إلى معيدِهم وتركوه. و((مدبرين)) إما حالٌ مؤكِّدة، أو حالٌ مقيِّدة، بناءً على أنَّ المرادَ بـ ((سقيم)) مطعون، أو أنَّهم توهَّموا مرضاً له عدوى مرضٍ الطاعونِ أو غيرِهِ، فإنَّ المرضَ الذي له عدوى بزعم الأَطباءِ لا يختصُّ بمرض الطاعون، فكأنَّه قيل: فأَعرضوا عنه هاربين مخافَة العدوى. ﴿فَرَغَ إِلَّ ◌َالِهَنِمْ﴾ فذهب بخفيةٍ إلى أصنامهم التي يعبدونها. وأصلُ الرَّوغان: ميلُ الشخصِ في جانبٍ ليخدعَ مَن خلفه، فتجوِّز به عمَّا ذكر لأنَّه المناسبُ هنا · من الطعام الذي عندكم، وكان ﴿فَقَالَ﴾ للأصنام استهزاء: ﴿أَا تَأْكُونَ المشركون يضعون في أيام أعيادِهم طعاماً لدى الأصنام لتبَرِّكَ عليه، وأتى بضمير العقلاءِ لمعاملته عليه السلام إيَّهم معاملتَهم ﴿مَا لَكُنْ لَا تَتَطِقُونَ (﴾﴾ بجوابي. ﴿فَغَ عَهِمْ﴾ فمالَ مستعلياً عليهم. وقولُه تعالى: ﴿فَرْيَا﴾ مصدرٌ لـ ((راغ عليهم)) باعتبار المعنى؛ فإنَّ المرادَ منه ضربُهم، أو لفعلٍ مضمَرٍ هو مع فاعله حالٌ من فاعله، أي: فراغ عليهم يضربهم ضرباً، أو هو حالٌ منه على أنَّه مصدرٌ بمعنى الفاعل، أي: ضارباً، أو هو مفعولٌ له، أي: لأجل ضرب. وقرأ الحسن: ((سَفقاً)) و((صَفْقاً)) أيضاً(١). ﴿يَلْيَمِينِ ﴾﴾ أي: باليد اليمين، كما رُوي عن ابن عباس. وتقييدُ الضرب باليمين للدَّلالة على شدَّته وقوَّته؛ لأنَّ اليمينَ أَقوى الجارحتَين وأشدُّهما في الغالب، وقوةُ الآلةِ تقتضي شدَّةَ الفعلِ وقوَّتَه. أو: بالقوّة، على أنَّ اليمينَ مجازٌ (١) المحتسب ٢٢١/٢، وانظر القراءات الشاذة ص١٢٨ . سُورَةُ الصَنَّافَاتِ ١٢٦ الآية : ٩٤ عنها؛ رُوي أنه عليه السلام كان يجمع يَديه في الآلة التي يضربها بها، وهي الفاس، فيضربها بكمال قوَّته. وقيل: المرادُ باليمين الحَلِف، وسمِّي الحلفُ يميناً إمَّا لأنَّ العادةَ كانت إذا حلف شخصٌ لآخرَ جعل يمينَه بيمينه فحلف، أو لأنَّ الحلفَ يقوِّي الكلامَ ویؤكِّده، وأُريد باليمين قولُه عليه السلام: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَكُ﴾ [الأنبياء: ٥٧] والباءُ عليه للسببية، أي: ضرباً بسبب اليمينِ الذي حلفه قبل، وهي - على ما تقدَّم - للاستعانةِ أو للملابسة. ﴿فَقْبَلُواْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى إبراهيمَ عليه السلام بعد رجوعِهم من عيدهم وسؤالِهم حالٌ من عن الكاسر وقولهم: ﴿فَأَتُواْ بِهِ، عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١] ﴿يَزِفُّونَ واو أَقبلوا، أي: يُسرعون، من: زفَّ النَّعام: أَسرع؛ لخلطه الطيرانَ بالمشي، ومصدرُه الزَّفُّ والزفيف. وقيل: ((يزفون)) أي: يمشون على تؤدةٍ ومهل، من زِفاف العروس، إذ كانوا في طمأنينةٍ من أن ينالَ أصنامَهم بشيء؛ لعزَّتها. وليس بشيء. وقرأ حمزةُ ومجاهدٌ وابن وثَّابٍ والأَعمش: ((يُزِقُّون)) بضمِّ الياء(١)، من أَزَفَّ: دخل في الزَّفيف، فالهمزةُ ليست للتعدية، أو حَمَلَ غيرَه على الزفيف، فهي لها . قاله الأصمعيّ. وقرأ مجاهدٌ أيضاً وعبدُ الله بنُ يزيدَ والضَّّاك ويحيى بنُ عبد الرحمن المقري وابنُ أبي عبلة: ((يَزِفُون)) مضارعُ وَزَفَ بمعنى أَسرع(٢)، قال الكسائيُّ والفرَّاء: لا نعرف وَزَفَ بمعنى زفَّ. وقد أَثبته الثِّقات، فلا يضرُّ عدمُ معرفتِهما. وقُرئ: ((يُزَقُّون)) بالبناء للمفعول، وقُرئ: ((يَزْفُون)) بسكون الزَّاي(٣)، من زفاه: إذا حداه، كأنَّ بعضَهم يزفو بعضاً لتَسَارُعِهم إليه. (١) البحر المحيط ٣٦٦/٧، وقراءة حمزة في التيسير ص١٨٦، والنشر ٣٥٧/٢. (٢) القراءات الشاذة ص١٢٨، والمحتسب ٢٢١/٢، والبحر ٣٦٦/٧، وعنه نقل المصنف. (٣) البحر ٣٦٦/٧. الآية : ٩٥ - ٩٦ ١٢٧ سُوَدَّةُ الصَنَّافَاتِ ﴿قَالَ﴾ بعد أن أَتَوا به عليه السلام وجرى ما جرى من المحاورةِ على سبيل التوبيخِ والإِنكار عليهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ ﴾﴾ أي: الذي تنحتونه من الأصنام، فـ (ما)) موصولةٌ حُذف عائدُها، وهو الظاهرُ المتبادر. وجوِّز كونُها مصدرية، أي: أَتعبدون نحتكم؟ وتوبيخُهم على عبادة النحتِ مع أنَّهم يعبدون الأصنامَ وهي ليست نفسَ النَّحت؛ للإِشارة إلى أنَّهم في الحقيقة إنمَّا عبدوا النَّحت، لأنَّ الأصنامَ قبلَه حجارة، ولم يكونوا يعبدونها، وإنمَّا عبدوها بعد أنْ نحتوها، ففي الحقيقةِ ما عبدوا إلَّا نحتَهم. وفيه ما فيه. في موضع الحالِ من ضمير ((تعبدون» لتأكيد ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الإِنكارِ والتوبيخ، والاحتجاج على أنَّه لا ينبغي تلك العبادة، و((ما)) موصولةٌ حُذف عائدُها أيضاً، أي: خلقكم وخلق الذي تعملونه، أي: من الأصنام، كما هو الظّاهر، وهي عبارةٌ عن موادّ - وهي الجواهرُ الحجريةُ - وصورٌ حصلت لها بالنَّحت، وكونُ الموادِّ مخلوقةً له عزَّ وجلَّ ظاهر، وكونُ الصورِ والأشكالِ كذلك - مع أنَّها بفعلهم - باعتبار أنَّ الإِقدارَ على الفعل وخلقَ ما يتوقّف عليه من الدَّواعي والأسبابِ منه تعالى، وكونُ الأصنامِ - وهي ما سمعت - معمولةً لهم باعتبار جزئها الصُّوري، فهو مع كونِه معمولاً لهم مخلوقٌ لله تعالى بذلك الاعتبار، فلا إِشکال. وفي ((المتمَّة للمسألة المهمَّة)) تأليفُ الشيخ إِبراهيمَ الكورانيّ عليه الرَّحمة: صريحُ الكلامِ دالٌ على أنَّ اللهَ تعالى خالقٌ للأصنام بجميع أجزاءها التي منها الأَشكال، ومعلومٌ أنَّ الأشكالَ إنمَّا حصلت بتشكيلهم، فتكون الأشكالُ مخلوقةً لله تعالى معمولةً لهم؛ لكون نحتِهم وتشكيلِهم عينَ خلقِ اللهِ تعالى الأشكالَ بهم. ولا استحالةَ في ذلك؛ لأنَّ العبدَ لا قوَّة له إلَّا بالله تعالى بالنصّ، ومَن لا قوَّةً له إلّا بغيره، فالقوةُ لذلك الغيرِ لا له، فلا قوَّةَ حقيقةً إلَّا لله تعالى، ومن المعلوم أنَّه لا فعلَ للعبد إلَّا بقوَّة، فلا فعلَ له إلَّا بالله تعالى، فلا فعلَ حقيقةً إلَّا لله تعالى، وكلُّ ما كان كذلك، كان النحتُ والتشكيلُ عينَ خلقِ اللهِ سبحانه الأشكالَ بهم وفيهم بالذَّات، وغيرَه بالاعتبار، فيكون المعمولُ عينَ المخلوقِ بالذات وغيرَه سُوَّةُ الصَّافَاتِ ١٢٨ الآية : ٩٦ بالاعتبار، فإنَّ إيجادَ اللهِ عزَّ وجلَّ يتعلَّق بذات الفعلِ من حيث هو، وفعلُ العبدِ بالمعنى المصدريِّ يتعلَّق بالفعل بمعنى الحاصلِ بالمصدر، من حيث كونُه طاعةً أو معصيةً أو مباحاً؛ لكونه مكلَّفاً، والله تعالى له الإِطلاق، ولا حاكمَ عليه سبحانه. انتهى، فافهم. والزمخشريُّ(١) جعل أيضاً ((ما)) موصولة، إلَّا أنَّه جعل المخلوقَ له تعالى هو الجواهر، ومعمولَهم هو الشكلَ والصُّورة، إمَّا على أنَّ الكلامَ على حذفٍ مضاف، أي: وما تعملون شكلَه وصورتَه، وإمَّا على أنَّ الشائعَ في الاستعمال ذلك، فإنَّهم يقولون: عمل النَّجارُ الباب، و: الصائغُ الخلخال، و: البنَّاءُ البِناء، ولا يعنون إلَّا عملَ الشكلِ بدون تقدير شكلٍ في النظم، كأن تعلَّق العملِ بالشيءِ هو هذا التعلُّقُ لا تعلُّقُ التكوين. وهو مبنيٌّ على اعتقاده الفاسدِ من أنَّ أفعال العبادِ مخلوقٌ لهم، والاحتجاجُ في الآية على الأوَّل بأنْ يقال: إنَّه تعالى خلق العابدَ والمعبودَ مادَّةً وصورة، فكيفَ يَعبد المخلوقُ المخلوق؟ وعلى الثاني بأنَّه تعالى خلق العابدَ ومادَّةَ المعبود، فكيف يعبد المخلوقُ المخلوق؟ على أنَّ العابدَ منهما هو الذي عمل صورةَ المعبود، والأوَّلُ أَظھر. وعُدل عن ضميرٍ (ما تنحتون))، أو الإِتيان به دون: ما تعملون؛ للإيذان بأنَّ مخلوقيةَ الأصنامِ لله عزَّ وجلَّ ليس من حيث نحتُهم لها فقط، بل من حيثُ سائرُ أعمالِهم أيضاً، من التصوير والتحلية والتزيين. وفي ((الكشف)): فائدةُ العدولِ الدَّلالةُ على أنَّ تأثيرَهم فيها ليس النَّحتَ، ثم العملُ يقع على النَّحت والأثرِ الحاصلِ منه، ولا يقع النحتُ على الثاني، فلا بدَّ من العدول لهذه النُّكتة، وبه يتمُّ الاحتجاج، أي: الذي قيل على اعتبار الزمخشريّ. وجوِّز أن يكونَ الموصولُ عامّاً للأصنام وغيرِها، وتدخل أوَّليًّا، ولا يتأتَّى عليه حديثُ العدول. (١) في الكشاف ٣٤٥/٣. الآية : ٩٦ ١٢٩ سُوَرَةُ الصَّافَاتِ وقيل: ((ما)) مصدريةٌ، والمصدرُ مؤوَّل باسم المفعول؛ ليطابقَ ((ما تنحتون)) على ما هو الظاهرُ فيه، ويتَّحد المعنى مع ما تقدَّم على احتمالِ الموصولية. وجوِّز بقاءُ المصدرِ على مصدريَّته، والمرادُ به الحاصلُ بالمصدر، أَعني الأَثر، وكثيراً ما يرادُ به ذلك، حتى قيل: إنَّه مشتركٌ بينه وبين التأثيرِ والإِيقاع، أي: خلقكم وخلق عملكم. واحتجَّ بالآية على المعتزلة. وتعقِّب بأنَّه لا يصحّ؛ لأنَّ الاستدلالَ بذلك على أنَّ العابدَ والمعبودَ جميعاً خلقُ اللهِ تعالى، فكيفَ يَعبد المخلوقُ مخلوقاً؟ ولو قيل: إنَّ العابدَ وعملَه من خلق اللهِ تعالى، لفاتت الملاءمةُ والاحتجاج، ولأنَّ ((ما)) في الأوَّل موصولة، فهي في الثاني كذلك؛ لئلا ينفكّ النظم. وما قاله القاضي البيضاويُّ من أنَّه لا يفوت الاحتجاج، بل إنَّه أبلغُ فيه؛ لأنَّ فعلَهم إذا كان بخلق اللهِ تعالى، كان مفعولُهم المتوقّف على فعلهم أَولَى بذلك(١). وأُيِّد بأنَّ الأسلوبَ يصير من باب الكناية، وهو أَبلغُ من التصريح، ولا فائدةً في العدول عن الظاهر إلَّا هذا، فيجب صوناً لكلام اللهِ تعالى عن العبث = تعقَّبه في ((الكشف)) بأنَّه لا يتمّ؛ لأنَّ الملازمةَ ممنوعةٌ عند القوم، أَلَا ترى أنَّهم معترفون بأنَّ العبدَ وقدرتَه وإرادته من خلق اللهِ تعالى، ثم المتوقّف عليهما - وهو الفعل - يجعلونه خلقَ العبد، والتحقيقُ أنَّه يفيد التوقُّفَ عليه تعالى، وهم لا يُنكرونه، إنمَّا الكلامُ في الإِيجاد والإِحداث. ثم قال: وأَظهرُ منه أن يقال: لأنَّ المعمولَ من حيث المادَةُ كانوا لا يُنكرون أنَّه من خلق اللهِ تعالى، فقيل: هو من حيث الصورةُ أيضاً خلقُه، فهو مخلوقٌ من جميع الوجوهِ مثلَكم من غير فرق، فلِمَ تسوُّونه بالخالق وما ازداد بفعلكم إلَّا بُعد استحقاقٍ عن العبادة (٢)؟ ولمَّا كان هذا المعنى في تقرير الزمخشريِّ على أبلغ وجه، كان هذا البناءُ (١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٧٨/٧ . (٢) في حاشية الشهاب ٢٧٨/٧: إلا بعداً عن استحقاق العبادة. سُورَةُ الضَانَات ١٣٠ الآية : ٩٦ متداعياً كيفما قرِّر. على أنَّ فائدةَ العدولِ قد اتَّضحت حقَّ الوضوح، فبطل الحصرُ أيضاً، وقد قيل عليه: إنَّ المرادَ بالفعل الحاصلُ بالمصدر؛ لأنَّه بالمعنى الآخَر - أَعني الإِيقاعَ - من النِّسب التي ليست بموجودةٍ عندهم، وتوقُّف الحاصلِ بالإِيقاع على قدرة العبدِ وإِرادته توقفٌ بعيد، بخلاف توقُّفِه على الإيقاع الذي لا وجودَ له، فيكونُ ما ذكره في معرض السندِ مجتمعاً مع المقدِّمة الممنوعة، فلا يصلح للسَّندية، والمرادُ بمفعولهم أشكالُ الأصنامِ المتوقّف على ذلك المعنى القائم بهم، وإذا كان ذاك بخَلْقِه تعالى، فلَأن يكونَ الذي لا يقوم بهم - بل بما يُباينهم - بخَلْقِه تعالى أَوْلى. ولا مجالَ للخصم أن يمنعَ هذه الملازمة؛ إذ قد أَثبت خلقَ المتولِّدات مطلقاً للعباد بواسطة خلقِهم لِمَا يقوم بهم، وانتفاءُ الأوَّلِ ملزومٌ لانتفاءِ الثاني، فتأمَّل. وقال في ((التقريب)) انتصاراً لمن قال بالمصدريَّة: إنَّ الجواهرَ مخلوقةٌ له تعالى وِفاقاً، والأعمالُ مخلوقةٌ أيضاً؛ لعموم الآية، فكيف يُعبد ما لا مدخلَ له في الخلق؟ فدعوى فواتِ الاحتجاجِ باطلة، وكذلك فكِّ النظمِ والتبتير. وتعقّبه في ((الكشف)» أيضاً، فقال فيه: إنَّ المقدّمة الوفاقيةَ إذا لم يكن بدٌّ منها ولم تكن معلومةً من هذا السِّياق، يَلزم فوات الاحتجاج، وأمَّا الحملُ على التغليبِ في الخطاب، فتوجيهٌ لا ترجيح، والكلامُ في الثاني. ثم قال: وأمَّا أنَّ المصدريةَ أَولى لئلا يلزمَ حذفُ الضمير، فمعارَضٌ بأنَّ الموصولةَ أكثرُ استعمالاً، وهي أَنسبُ بالسِّياق السابق، على أنَّه لابدَّ من تقدير: عملَكم(١) في المنحوت، فيزداد الحذف. واعتُرض بأنَّا لا نسلِّم الأكثرية، وكذا لا نسلِّم أنها أنسبُ بالسِّياق؛ لِمَا سمعتَ من أنَّ الأسلوبَ على ذلك من باب الكِناية، وهو أَبلغُ من التصريح، والتقديرُ المذكورُ ليس بلازم؛ لجواز إِبقاءِ الكلامِ على عمومه الشاملِ للمنحوتِ بالطريق الأَوْلى، أو يقدَّر بمصدرٍ مضافٍ إضافةً عهدية. (١) في الأصل و(م): عملهم، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٧٨/٧، وهو الصواب. الآية : ٩٧ ١٣١ سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ وبعضُهم جعلها موصولةً كنايةً عن العمل؛ لئلا ينفكّ النظمُ ويظهرَ احتجاجُ الأصحابِ على خلق أفعال العباد. وتعقّبه أيضاً بأنَّه أفسدُ من الأوَّل؛ لمَا فيه من التعقيد وفواتِ الاحتجاج، وكونِ الموصولِ في الأوَّل عبارةً عن الأعيان وفي الثاني كنايةً عن المعاني، وانفكاكُ النظم ليس لخصوص الموصوليةِ والمصدرية، بل لتباين المعنيين، وهو باق(١). وصاحبُ ((الانتصاف)) قال بتعيُّن حملها على المصدرية، لأنَّهم لم يعبدوا الأَصنامَ من حيث كونُها حجارة، وإنمَّا عبدوها من حيث أَشكالُها، فهم في الحقيقة إنّمَّا عبدوا عملَهم، وبذلك تتبلَّج الحجَّةُ عليهم بأنَّهم وعملَهم مخلوقان لله تعالى، فكيف يَعبد المخلوقُ مخلوقاً مثلَه مع أنَّ المعبودَ كسبُ العابدِ وعملُه؟ وأَجاب عن حديث لزومِ انفكاكِ النَّظم بأنَّ لنا أن نحملَ الأُولى على المصدرية أيضاً، فإنَّهم في الحقيقة إنمَّا عبدوا نحتَهم(٢). وفي دعوى التعيُّن بحث. وجوِّز كونُ ((ما)) الثانيةِ استفهاميةً للإنكار والتحقير، أي: وأيَّ شيءٍ تعملون في عبادتكم أصناماً نحثُّموها؟ أي: لا عملَ لكم يعتبر. وكونُها نافية، أي: وما أنتم تعملون شيئاً في وقت خلفكم ولا تقدرون على شيء. ولا يخفى أن كلا الاحتمالين خلاف الظاهر، بل لا ينبغي أن يحمل عليه التنزيل، وأظهر الوجوه كونها موصولة، وتوجيهُ ذلك على ما يقوله الأصحاب، ثم كونُها مصدرية، والاستدلالُ بالآية عليه ظاهر، وقولُ صاحبٍ ((الكشف» و((الإِنصاف)): إنَّ استدلالَ الأصحابِ بهذه الآيةِ لا يتمّ، إنْ أَراد به ترجيحَ احتجاجٍ المعتزلة، خارجٌ عن دائرة الإِنصاف، ثم إنَّها على تقدير ألَّا تكونَ دليلاً لهم، لا تكون دليلاً للمعتزلة أيضاً، كما لا يخفَى على المنُصف. هذا ولمَّا غلبهم إبراهيمُ عليه السلام بالحجَّة، مالوا إلى الغلبة بقوّة الشَّوكة ﴿قَالُواْ ابُواْ لَهُ بُلَيْئًا﴾ حائطاً توقِدون فيه النار، وقيل: مَنجنيقاً ﴿فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ ٩٧ (١) ينظر الكشاف ٣٤٦/٣. (٢) الانتصاف ٣٤٦/٣. سُورَةُ القَنَافَاتِ ١٣٢ الآية : ٩٨ - ٩٩ في النَّار الشديدة، من الجَحْمة، وهي شدَّةُ التأجُج والاتِّقاد. واللامُ بدلٌ عن المضاف إليه، أو للعهد. والمرادُ جحيمُ ذلك البنيانِ التي هي فيه أو عنده. ﴿فَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا﴾ سوءاً باحتيال، فإنَّه عليه السلام لمَّا قهرهم بالحجَّة، قصدوا الأَذلِّين بإِبطال تعذيبَه بذلك؛ لئلا يظهرَ للعامَّة عجزُهم ﴿فَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾ كيدِهم وجعلِه برهاناً ظاهراً ظهورَ نارِ القِرى ليلاً على عَلَم، على علوِّ شأنِه عليه السلام، حيث جعل سبحانه النارَ عليه برداً وسلاماً. وقيل: أي: الهالكين. وقيل: أي: المعذَّبين في الدَّرْك الأسفلِ من النار. والأوَّل أَنسب. ﴿وَقَالَ إِنِ ذَاهِبٌ إِلَى رَبٍ﴾ إلى حيث أمرني، أو حيث أَتجرَّد فيه لعبادته عزَّ وجلّ، جعل الذهابَ إلى المكان الذي أمره ربُّه تعالى بالذَّهاب إليه ذهاباً إليه، وكذا الذهابُ إلى مكانٍ يعبده تعالى فيه، لا أنَّ الكلامَ بتقديرِ مضاف. والمرادُ بذلك المكانِ الشام. وقيل: مِصر. وكأنَّ المرادَ إِظهارُ اليأسِ من إِيمانهم وكراهة البقاءِ معهم، أي: إني مفارقُكم ومهاجرٌ منكم إلى ربِّي. ﴾ إلى ما فيه صلاحُ دِيني، أو إلى مقصدي، والسينُ لتأكيد الوقوعِ ٩٩ ﴿سَيَهْدِینِ في المستقبل؛ لأنها في مقابلة ((لن)) المؤكِّدِ للنفي، كما ذكره سيبويه(١). وبثَّ عليه السلام القول؛ لسبق وعدِه تعالى إِيَّاه بالهداية لمَّا أمره سبحانه بالذَّهاب، أو لفَرْط توكُلِه عليه السلام، أو للبناءِ على عادته تعالى معه، وإنَّما لم يقل موسى عليه السلام مثلَ ذلك، بل قال: ﴿عَسَى رَبِِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَِّلِ﴾ [القصص: ٢٢] بصيغة التوقُّع، قيل: لعدم سبقِ وعدٍ وعدم تقدُّم عادة، واقتضاءِ مقامِه رعايةَ الأدبِ معه تعالى بألّا يقطعَ عليه سبحانه بأمرٍ قبل وقوعِه، وتقديمِه على رعاية فَرط التوّل، ومقاماتُ الأنبياءِ متفاوتة، وكلُّها عالية. وقيل: لأنَّ موسى عليه السلام قال ما قال قبلَ البعثة، وإبراهيمَ عليه السلام قال ذلك بعدَها . (١) الكتاب ١١٥/٣. الآية : ١٠٠ - ١٠٢ ١٣٣ سُورَةُ الصَّافَاتِ وقيل: لأنَّ إبراهيمَ كان بصدد أمرٍ دينيّ، فناسبه الجزم، وموسى كان بصدد أمرٍ دنيويّ، فناسبه عدمُ الجزم. ومن الغريبِ ما قيل ونحا إليه قتادةُ أنَّه لم يكن مرادُ إبراهيمَ عليه السلام بقوله: (إني .. )) إلخ الهجرة، وإنمَّا أراد بذلك لقاءَ اللهِ تعالى بعد الإِحراق، ظانًّا أنَّه يموت في النار إذا أُلقي فيها، وأراد بقوله: ((سيهديني)) الهدايةَ إلى الجنَّة. • بعض ويدفع هذا القولَ دعاؤه بالولدِ حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَ الصالحين، يُعينني على الدَّعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة. والتقدير: ولداً من الصالحين، وحُذف لدلالة الهبةِ عليه، فإنَّها في القرآن وكلامِ العربِ غلب استعمالُها مع العقلاءِ في الأولاد، وقولُه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، مِنْ رَّحْمِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نَّا﴾ [مريم: ٥٣] من غيرِ الغالب، أو المرادُ فيه هبةُ نبوَّته لا هبةُ ذاتِه، وهو شيءٌ آخَر. فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ ما بشِّر به عينُ ولقوله(١) تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ ﴾ ما استوهبه، مع أنَّ مثلَه إنمَّا يقال عرفاً في حقِّ الأولاد. ولقد جمع بهذا القولِ بشارات: أنَّه ذَكَرٌ لاختصاص الغلام به، وأنَّه يبلغ أوانَ البلوغِ بالسنِّ المعروف، فإِنَّه لازمٌ لوصفه بالحليم؛ لأنَّه لازمٌ لَذلك السنِّ بحسب العادةَ، إذ قلَّما يوجد في الصِّبيان سَعةٌ صدرٍ وحُسنُ صبرٍ وإغضاءٌ في كلِّ أمر. وجوِّز أن يكونَ ذلك مفهوماً من قوله تعالى: ((غلام)) فإنَّه قد يختصُّ بما بعد البلوغ وإنْ كان ورد عامّاً، وعليه العرفُ كما ذكره الفقهاء، وأنَّه يكون حليماً، وأيُّ حلم مثلُ حلمِه، عرض عليه أبوه وهو مراهقٌ الذبحَ فقال: ﴿سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَّ الَّذِينَ﴾ [الآية: ١٠٢] فما ظنُّك به بعد بلوغِه؟ وقيل: ما نَعَتَ اللهُ تعالى نبيًّا بالحلم - لعزَّة وجودِه - غيرَ إِبراهيمَ وابنهِ عليهما السلام، وحالُهما المذكورةُ فيما بعدُ تدُّ على ما ذُكر فيهما . والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَلَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّْىَ﴾ فصيحةٌ تُعرب عن مقدَّرٍ قد حُذف تعويلاً على شهادة الحال، وإِيذاناً بعدم الحاجة إلى التصريح به؛ لاستحالة (١) قوله: ولقوله ... ، عطف على قوله: لدلالة الهبة ... سُوَّةُ الصَّافَاتِ ١٣٤ الآية : ١٠٢ التخلُّف، أي: فوهبناه له ونشأ، فلمَّا بلغ رتبةَ أن يسعَى معه في أشغاله وحوائجِه. و((مع)) ظرفٌ للسعي، وهي تدلُّ على معنى الصحبةِ واستحداثِها . وتعلُّقها بمحذوفٍ دلَّ عليه المذكور؛ لأنَّ صلةَ المصدرٍ لا تتقدّمه، لأنَّه عند العملِ مؤوَّل بـ ((أنْ)) المصدريةِ والفعل، ومعمولُ الصلةِ لا يتقدَّم على الموصول؛ لأنَّه كتقدُّم جزءِ الشيءِ المرتَب الأجزاءِ عليه، أو لضعفه عن العمل = فيه بحث، أمَّا أولاً؛ فلأنَّ التأويلَ المذكورَ على المشهور في المصدر المنكَّر دون المعرَّف. وأمَّا ثانياً؛ فلأنَّه إذا سلِّم العموم، فليس كلُّ ما أوِّل بشيءٍ حكمُه حكمُ ما أوِّل به. وأمَّا ثالثاً؛ فلأنَّ المقدَّم هنا ظرف، وقد اشتهر أنَّه يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره. وصرَّحوا بأنَّه يكفيه رائحةُ الفعل، وبهذا يضعف حديثُ المنع؛ لضعف العاملِ عن العمل، فالحقُّ أنَّه لا حاجةَ في مثل ذلك إلى التقدير، معرَّفاً كان المصدرُ أو منكَّراً، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذُكُم بِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] وهو الذي ارتضاه الرضيُّ وقال به العلّامة الثاني. واختار صاحبُ ((الفرائد)) كونَها متعلِّقةً بمحذوفٍ وقع حالاً من ((السعي))، أي: فلمَّا بلغ السعيَ حالَ كونِ ذلك السعي كائناً معه. وفيه أنَّ السعيَ معه معناه اتفاقُهما فيه، فالصحبةُ بين الشخصين فيه، وما قدَّره يقتضي الصحبةً بين السعي وإبراهيم عليه السلام، ولا يطابق المقام. وجوِّز تعلُّقه بـ ((بلغ)). ورُوَّ بأنَّه يقتضي بلوغَهما معاً حدَّ السعي؛ لِمَا سمعتَ من معنى ((مع))، وهو غيرُ صحيح. وأُجيب بأنَّ ((مع)) على ذلك لمجرَّد الصحبة على أن تكونَ مرادفةً ((عند))، نحو: فلانٌ يتغنَّى مع السُّلطان، أي: عنده، ويكون حاصلُ المعنى: بلغ عند أبيه وفي صحبته متخلِّقاً بأخلاقه متطبِّعاً بطباعه، ويستدعي ذلك كمالَ محبَّة الأبِ إياه. ويجوزُ على هذا أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ((بلغ). ومن مجيءٍ ((مع)) لمجرَّد الصحبةِ قولُه تعالى حكايةً عن بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] فلتكن فيما نحن فيه مثلَها في تلك الآية. الآية : ١٠٢ ١٣٥ سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ وتعقّب بأنَّ ذاك معنَى مجازيّ، والحملُ على المجاز هنالك للصَّارف، ولا صارفَ فيما نحن فيه، فلْيُحمل على الحقيقة، على أنَّه لا يتعيَّن هنالك أن تكونَ لمعيَّة الفاعل؛ لجواز أن يراد: أَسلمتُ لله ولرسوله، مثلاً. وتقديمُ ((مع)) إِشعاراً منها بأنَّها كانت تظنُّ أنها على دِينٍ قبل، وأنها مسلمةٌ لله تعالى فيما كانت تعبد من الشَّمس، فدلَّ على أنه إسلامٌ يعتدُّ به من أثر متابعةِ نبيِّه، لا إسلامٌ كالأوَّل فاسد. قال صاحبُ ((الكشف)): وهذا معنّى صحيح، حَملُ الآيةِ عليه أولى، وإنْ حُمل على معيَّة الفاعلِ لم يكن بدٌّ من محذوف، نحو: مع بلوغ دعوتِه وإظهار معجزتِه؛ لأنَّ فرقَ ما بين المقيَّد ومطلقِ الجمعِ معلومٌ بالضرورة. وزعم بعضُ أنه لا مانعَ من إِرادة الحقيقةِ واستحداثٍ إِسلامهما معاً، على معنى أنَّه عليه السلام وافقها أو لقَّنها. وليس بشيءٍ كما لا يخفَى. وقيل: يراد بالسَّعي - على تقدير تعلُّق ((مع)) بـ ((بَلَغَ)) - المسعَى، وهو الجبلُ المقصودُ إليه بالمشي، وهو تكلُّف لا يصار إليه. وبالجملة: الأَوْلى تعلُّقها بالسعي، والتخصيصُ لأنَّ الأبَ أكملُ في الرِّفق وبالاستصلاح له، فلا يستسعيه قبل أَوانِه، أو لأنَّه عليه السلام استوهبه لذلك. وفيه على الأوَّل بيانُ أوانِه، وأنَّه في غضاضة عُودِه كان فيه ما فيه من رصانة العقلِ ورزانةٍ الحلم، حتى أَجاب بما أَجاب، وعلى الثاني بيانُ استجابةٍ دعائه عليه السلام، وكان للغلام يومئذٍ ثلاثَ عشرةَ سنة، والولدُ أحبُّ ما يكون عند أبيه في سنٌّ يقدر فيه على إِعانة الأبِ وقضاءِ حاجه، ولا يقدر فيه على العِصيان. ﴿قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَبِى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ يحتمل أنَّه عليه السلام رأى في منامه أنَّه فعل ذبحه، فحمله على ما هو الأغلبُ في رؤيا الأنبياءِ عليهم السلامُ من وقوعها بعينها. ويحتمل أنَّه رأى ما تأويلُه ذلك، لكن لم يذكرْه وذكر التأويل، كما يقول الممتحَنُ وقد رأى أنَّه راكبٌ في سفينة: رأيت في المنام أنِّي ناجٍ من هذه المحنة. وقيل: إنَّه رأى معالجةَ الذبحِ ولم يرَ إِنهارَ الدم، فـ ((أنِّي أَذبحك)): أنِّي أُعالج ذبحك. سُوَُّ الصَّافَاتِ ١٣٦ الآية : ١٠٢ ويُشعر صنيعُ بعضِهم اختيارَ أنَّه عليه السلام أُتي في المنام فقيل له: اذبح ابنَك، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌّ كالوحي في اليقظة، وفي روايةٍ أنه رأى ليلةَ الترويةِ كأنَّ قائلاً يقول: إنَّ اللهَ تعالى يأمركَ بذبح ابنِك، فلمَّا أصبح روَّأ في ذلك(١)، وفكّر من الصَّباح إلى الرَّواحِ، أَمِن اللهِ تعالى هذا الخُلُم أم من الشيطان؟ فمن ثَمَّ سمِّي يومَ التروية، فلمَّا أمسى رأى مثلَ ذلك، فعرف أنَّه من الله تعالى، فمن ثمَّ سمِّي يومَ عرفة، ثم رأى مثلَه في الليلة الثالثة، فهمَّ بنحره، فسمِّي يومَ النحر. وقيل: إنَّ الملائكةَ حين بشَرته بغلام حليم، قال: هو إذن ذبيحُ الله، فلمَّا وُلد وبلغ حدَّ السعي معه، قيل له: أَوفِ بنذرَك. ولعلَّ هذا القولَ كان في المنام، وإلّا فما يصنع بقوله: ((إني أرى في المنام أني أذبحك)). وفي كلام التوراةِ التي بأيدي اليهودِ اليومَ ما يرمز إلى أنَّ الأمرَ بالذَّبح كان ليلاً؛ فإنَّه بعد أن ذكر قولَ اللهِ تعالى له عليه السلام: خذ ابنَك وامضٍ إلى بلد العبادةِ وأَصعده ثَمَّ قرباناً على أحد الجبالِ الذي أعرِّفك به، قيل: فأَدلج إبراهيمُ بالغداة، إلخ(٢). فالأمرُ إمَّا مناماً وإمَّا يقظة لكن وقع تأكيداً لما في المنام؛ إذ لا محيصَ عن الإِيمان بما قصَّه اللهُ تعالى علينا فيما أَعجز به الثَّقلَين من القرآن، والحزمُ الجزمُ بكونه في المنام لا غير؛ إذ لا يعوَّل على ما في أيدي اليهود، وليس في الأخبار الصحيحةِ ما يدلُّ على وقوعه يقظةً أيضاً. ولعلّ السرَّ في كونه مناماً لا يقظةً أن تكونَ المبادرةُ إلى الامتثال أدلَّ على كمال الانقيادِ والإِخلاص. وقيل: كان ذلك في المنام دون اليقظة؛ ليدلَّ على أنَّ حالتَي الأنبياءِ يقظةً ومناماً سواءٌ في الصدق. والأوَّلَّ أَولی. والتأكيدُ لِمَا في تحقُّق المخبرِ به من الاستبعاد. (١) روَّأ في الأمر: نظر فيه، وتعقّبه، ولم يعجل بجواب. القاموس (روا). (٢) الكتاب المقدس، العهد القديم ص ٩٩، وفيه: فبكّر إبراهيم في الصباح ... الآية : ١٠٢ ١٣٧ سُوَدَّةُ الصَّافَاتِ وصيغةُ المضارع في الموضعين قيل: لاستحضار الصورةِ الماضيةِ لنوع غرابة، وقيل: في الأوَّل لتكرُّر الرؤيا، وفي الثاني للاستحضار المذكور، أو لتكوُّر الذبحِ حسب تكررِ الرُّؤيا، أو للمشاكلة. ومَن نظر بعدُ ظهر له غيرُ ذلك. ﴿فَنْظُرْ مَاذَا تَرَّ﴾ من الرأي. وإنَّما شاوره في ذلك وهو حتمٌّ ليعلمَ ما عنده فيما نزل من بلاءِ الله عزَّ وجلّ، فيثبتَ قدمه إن جزع، ويأمنَ عليه إن سلم، وليوطّنَ نفسَه عليه فيهونَ عليه، ويكتسبَ المثوبةَ بالانقيادِ لأمر اللهِ تعالى قبل نزولهِ، وليكونَ سنَّةً في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدمُ الملائكةَ في أكله من الشَّجرة، لَما فرط منه ذلك. وقرأ حمزةُ والكسائيّ: ((ماذا تُرِي)) بضمِّ التاءِ وكسرِ الراءِ خالصة(١)، أي: ما الذي تريني إيَّه من الصبر وغيرِه؟ أو: أيَّ شيءٍ تريني؟ على أنَّ ((ما)) مبتدأ، و ((ذا)) موصولٌ خبرُه، ومفعولَي (تُري)» محذوفان. أو ((ماذا)» كالشيءِ الواحدِ مفعولٌ ثانٍ لـ (تُري)»، والمفعولُ الأولُ محذوف. وقُرئ: ((ماذا تُرَى)) بضمِّ التاءِ وفتح الراءِ على البناءِ للمفعول(٢)، أي: ماذا تريك نفسُك من الرأي؟ و ((انظر)) في جميع القراءاتِ معلّقةٌ عن العمل، وفي ((ماذا)) الاحتمالان، فلا تغفل. ﴿قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ أي: الذي تؤمرُ به، فحُذف الجارُّ والمجرورُ دفعة، أو حُذف الجارُّ أوَّلاً فعُدِّي الفعلُ بنفسه، نحو: أَمرتُك الخير، ثم حُذف المجرورُ بعد أن صار منصوباً ثانياً، والحذفُ الأولُ شائعٌ مع الأمر، حتى كاد يعدُّ متعدِّياً بنفسه، فكأنَّه لم يجتمع حذفان. أو: افعل أمرَك، على أنَّ ((ما)) مصدرية، والمرادُ بالمصدر الحاصلُ بالمصدر، أي: المأمورُ به، ولا فرقَ في جواز إِرادة ذلك من المصدر بين أن يكونَ صريحاً (١) التيسير ص١٨٦ - ١٨٧، والنشر ٣٥٧/٢. (٢) هي قراءة الأعمش والضحاك كما في المحتسب ٢٢٢/٢، والبحر ٣٧٠/٧. سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ ١٣٨ الآية : ١٠٢ وأن يكونَ مسبوكاً، وإِضافته إلى ضمير إِبراهيمَ إضافةٌ إلى المفعول. ولا يخفى بُعدُ هذا الوجه. وهذا الكلامُ يقتضي تقدُّمَ الأمر، وهو غيرُ مذكور، فإمّا أن يكونَ فهم من كلامه عليه السلام أنَّه رأى أنَّه يذبحه مأموراً، أو علم أنَّ رؤيا الأنبياءِ حقّ، وأنَّ مثل ذلك لا يُقَدِمون عليه إلَّا بأمر. وصيغةُ المضارعِ للإِيذان بغرابة ذلك، مثلُها في كلام إِبراهيمَ على وجه، وفيه إِشارةٌ إلى أنَّ ما قاله لم يكن إلَّا عن حلمٍ غيرِ مشوبٍ بجهل بحال المأمور به. وقيل: للدَّلالة على أنَّ الأمرَ متعلِّق به، متوجّه إليه، مستمرٌّ إلى حين الامتثالِ به. وقيل: لتكوُّر الرؤيا . وقيل: جيءَ بها لأنَّه لم يكن بعدُ أمر، وإنمَّا كانت رؤيا الذَّبح، فأخبره بها، فعلم لعلمه بمقام أبيه وأنَّه ممَّن لا يجد الشيطانُ سبيلاً بإلقاء الخيالاتِ الباطلةِ إليه في المنام أنَّه سيكون ذلك، ولا يكون إلا بأمرٍ إلهيّ، فقال له: افعلْ ما تؤمرُ بعدُ من الذَّبح الذي رأيتَه في منامك. ولمَّا كان خطابُ الأبِ: ((يا بني)) على سبيل الترجُّم، قال هو: ((يا أبت)) على سبيل التوقيرِ والتعظيم، ومع ذلك أَتى بجوابٍ حكيم؛ لأنَّه فوَّض الأمرَ حيث استشاره، فأجاب بأنَّه ليس مجازها(١)، وإنَّما الواجبُ إِمضاءُ الأمر. ﴿يَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّيمِنَ ◌َ﴾ على قضاءِ اللهِ تعالى، ذبحاً كان أو غيرَه. وقيل: على الذَّبح. والأوَّل أَولى للعموم، ويدخل الذبحُ دخولاً أوليّاً. وفي قوله: (من الصابرين)) دون: صابراً - وإنْ كانت رؤوسُ الآي تقتضي ذلك - من التواضع ما فيه. قيل: ولعله وفِّق للصَّبر ببركته مع بركةِ الاستثناء، وموسى عليه السلام لمَّا لم يسلك هذا المسلكَ من التواضع في قوله: ﴿سَتَّجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] حيث لم ينظم نفسَه الكريمةَ في سِلك الصابرين، بل أَخرج (١) كذا في (م)، وهي غير مقروءة في الأصل. الآية : ١٠٣ ١٣٩ سُوَّةُ الصَّافَاتِ الكلامَ على وجهٍ لا يُشعر بوجود صابرٍ سواه، لم يتيسَّر له الصبر، مع أنَّه لم يُهمل أمرَ الاستثناء. وفيه أيضاً إِغراءٌ لأبيه عليه السلام على الصَّبر؛ لمَا يعلم من شفقته عليه مع عِظَم البلاء، حيث أشار إلى أنَّ لله تعالى عباداً صابرين، وهي زهرةُ ربيعٍ لا تتحمَّل الفرك. ﴿فَلَا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما وانقادا لأمر اللهِ تعالى، فالفعلُ لازم، أو سلَّم الذبيحُ نفسَه وإبراهيمُ ابنَه، على أنه متعدٍّ والمفعولُ محذوف. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، وابنُ عباس، وعبدُ الله، ومجاهد، والضحَّاك، وجعفرُ بن محمد، والأَعمش، والثوري: ((سلَّما)) (١)، وخرِّجت على ما سمعت. ويجوز أن يكونَ المعنى: فوَّضا إليه تعالى في قضائه وقدرِهِ. وقُرئ: ((استسلما))(٢). وأصلُ الأفعالِ الثلاثةِ: سَلِمَ هذا لفلان: إذا خلص له، فإنَّه سلم من أن ينازَعَ فيه . ﴾ صرعه على شِقِّه فوقع جبينُه على الأرض. وأصلُ التلِّ: ١٠٣ ﴿وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ الرميُّ على التلّ، وهو الترابُ المجتمع، ثم عمِّم في كلِّ صرع، والجبينُ أحدٌ جانبي الجبهة، وشدَّ جمعُه على أَجبُن، وقياسُه في القِلَّة: أَجبنة، ككثيب وأَكثبة، وفي الكثرة: جُبْنان وجُبُن، ككُثبان وكُثُب. واللامُ لبيان ما خرَّ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] وقولِه: وخرَّ صريعاً لليدين وللفم(٣) وليست للتعدية . وقيل: المراد: كبَّه على وجهِه، وكان ذلك بإشارةٍ منه، أَخرج غيرُ واحدٍ عن مجاهدٍ أنَّه قال لأبيه: لا تذبحْني وأنت تنظرُ إلى وجهي، عسى أن ترحمَني فلا تُجهزَ (١) القراءات الشاذة ص١٢٨، والمحتسب ٢٢٢/٢، والبحر ٣٧٠/٧. (٢) البحر ٧/ ٣٧٠. (٣) سلف ١٤/ ٣٩٧. سُوَّةُ الْقَنَافَاتِ ١٤٠ الآية : ١٠٤ - ١٠٥ عليّ، اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي للأرض. ففعل، فكان ما كان. ولا يخفَى أنَّ إرادةَ ذلك من الآية بعيد، نعم لا يَبعدُ أن يكونَ الذبيحُ قال هذا. وفي الآثار حكايةُ أقوالٍ غير ذلك أيضاً، منها ما في خبرٍ للسُّدِّيِّ أنَّه قال لأبيه عليهما السلام: يا أبتِ، اشدد رِباطي حتى لا أَضطرب، واكفُف عني ثيابَك حتى لا ينتضحَ عليها من دمي شيءٌ فتراه أمِّي فتحزن، وأَسْرِعْ مرَّ السكينِ على حلقي فيكونَ أهونَ للموت عليّ، فإذا أتيت أمِّ فاقرأ عليها السلامَ منيٌّ. فأقبل عليه إبراهيمُ يقبِّله وكلٌّ منهما يبكي. ومنها ما في حديثٍ أخرجه أحمدُ وجماعةٌ عن ابن عباسِ أنَّه قال لأبيه وكان عليه قميصٌ أبيضُ: يا أَبتِ، ليس لي ثوبٌ تكفِّنُني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفِّنَني فيه. فعالجه ليخلَعه، فكان ما قصَّ اللهُ عزَّ وجلّ (١). وكان ذلك عند الصَّخرةِ التي بمِنى. وعن الحسن: في الموضع المشرفِ على مسجد مِنى. وعن الضَّّاك: في المنحر الذي يُنحر فيه اليوم. وقيل: كان ببيتٍ المقدسِ، وحُكي ذلك عن كعب. وحَكَى الإِمامُ مع هذا القولِ أنَّه كان بالشَّام. ﴿وَدَيْنَهُ أَنْ يَتِرَهِيمُ ﴿٣َ قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيأَ﴾ قيل: ناداه مِن خَلْفِه مَلَكٌ من قِبَله تعالى بذلك، و((أنْ)) مفسِّرة بمعنى ((أيْ))، وقرأ زيدُ بن عليّ: ((قد صدَّقْتَ)) بحذفها(٢). وقُرئ: ((صَدَقْتَ)) بالتخفيف(٣). وقرأ فيَّاض(٤): ((الرِّيَّا)) بكسر الراءِ والإِدغام. وتصديقُه عليه السلام الرُّؤيا توفيتُه حقَّها من العمل، وبذلُ وسعِه في إِيقاعها، (١) الدر المنثور ٢٨٠/٥، ومسند أحمد (٢٧٠٧)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٠٦٢٨)، والبيهقي ١٥٤/٥، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٩/٣ وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. (٢) أي: بحذف ((أن)). البحر ٧/ ٣٧٠. (٣) القراءات الشاذة ص١٢٨، والبحر ٣٧٠/٧. (٤) هو: فياض بن غزوان الضبي الكوفي، مقرئ موثق، أخذ القراءة عرضاً عن طلحة بن مصرف. غاية النهاية ١٣/٢. وقراءته في القراءات الشاذة ص١٢٨، والبحر ٧/ ٣٧٠.