النص المفهرس
صفحات 81-100
الآية ٨١ سُوَّةُ الصَّافَاتِ رسيل. ((سليم))، أي: حزين، وهو مجازٌ من السَّليم بمعنى اللديغ من حيَّةٍ أو عقرب؛ فإنَّ العربَ تسمِّيه سليماً تفاؤلاً بسلامته، وصار حقيقةً فيه. وما تقدَّم أَنسبُ بالمقام. والباءُ قيل: للتعدية. والمرادُ بمجيئه ربَّه بقلبه إِخلاصُه قلبَه له تعالى على سبيل الاستعارةِ التبعيةِ التصريحية، ومبناها تشبيهُ إِخلاصه قلبَه له عزَّ وجلَّ بمجيئه إليه تعالى بتحفةٍ في أنَّه سببٌ للفوز بالرِّضا، ويكتفَى بامتناع الحقيقةِ مع كون المقامِ مقامَ المدحِ قرينة. فحاصلُ معنى التركيب: إذ أَخلص عليه السلام لله تعالى قلبَه السليمَ من الآفات، أو: المنقطعَ عن العلائق، أو: الحزينَ المنكسر. وتعقّب بأنَّ سلامةَ القلبِ عن الآفاتِ لا تكون بدون الإِخلاص، وكذا الانقطاعُ عن العلائقٍ لا یکون بدونه. وأُجيب بأنَّهما قد يكونان بدون ذلك، كما في القلوب البُله. وفي ((المطلع)): معنى مجيئه ربَّه بقلبه أنَّه أَخلص قلبَه لله تعالى وعَلِمَ سبحانه ذلك منه كما يُعْلَم الغائبُ وأحواله بمجيئه وحضورِهِ، فضرب المجيء مثلاً لذلك. اهـ. وجُعل في الكلام عليه استعارةٌ تمثيلية، بأن تشبَّهَ الهيئةُ المنتزعةُ من إِخلاص إِبراهيمَ عليه السلام قلبَه لربِّه تعالى وعلمِه سبحانه ذلك الإخلاصَ منه موجوداً، بالهيئة المنتزعةِ من المجيءٍ بالغائب بمحضرِ شخصٍ ومعرفتِهِ إِيَّاه وعلمِه بأحواله، ثم يُستعار ما يستعار؛ ولتأدية هذا المعنى عدل عن: جاءَ ربَّه سليمَ القلب، إلى ما في النَّظم الجليل. وقيل الباءُ للملابسة. ولعله المتبادِر. والمرادُ بمجيئه ربَّه حلولُه في مقام الامتثالِ ونحوهٍ. وذكر أنَّ نكتةَ العدولِ عما سمعتَ إلى ما في النَّظم سلامتُه من توهّم أنَّ الحالَ منتقلة؛ لمَا أنَّ الانتقالَ أغلبُ حالَيها، مع أنَّه أظهرُ في أنَّ سلامةَ القلبٍ كانت له عليه السلام قبل المجيءٍ أيضاً، فليُتدبَّر. سُورَةُ الصَنَّافَاتِ ٨٢ الآية : ٨٥ - ٨٨ ﴾ بدلٌ من ((إذا الأُولى، أو ظرفٌ لـ ((جاء))، ٨٥ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ أو لـ ((سليم)). أي: أيَّ شيءٍ تعبدون؟. أي: أَتريدون آلهةً من دون اللهِ تعالى إفكاً؟ ﴿أَبِفْ عَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ◌َ أي: للإِفك، فقدِّم المفعولُ به على الفعل للعناية؛ لأنَّ إِنكارَه أو التقريرَ به هو المقصود، وفيه رعايةُ الفاصلةِ أيضاً، ثم المفعولُ لأجله لأنَّ الأهمَّ مكافحتُهم بأنَّهم على إِفِكٍ وباطلٍ في شركهم. ويجوز أن يكونَ ((إفكاً) مفعولاً به بمعنى: أَتريدون إِفكاً؟ وتكون ((آلهة)) بدلاً منه بدلَ كلٍّ، وجعلها عينَ الإِفك على المبالغة. أو الكلامُ على تقديرِ مضاف، أي: عبادة آلهة، وهي صرفٌ للعبادة عن وجهها. وجوِّز كونُه حالاً من ضمير ((تريدون))، أي: أَفَّكين، أو مفعولِه، أي: مأفوكة. وتعقِّب بأنَّ جعلَ المصدرِ حالاً لا يطَرد إلَّا مع أمَّا، نحو: أمَّا عِلماً فعالم. ٨٧ ﴾ أي: أيُّ شيءٍ ظنُّكم بمَن هو حقيقٌ بالعبادة لكونه ﴿فَمَا نَتُكُ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ربّاً للعالَمين؟ أَشككتم فيه حتى تركتم عبادتَه سبحانه بالكلِّية؟ أو: أَعلمتم أيُّ شيءٍ هو حتى جعلتم الأصنامَ شركاءه سبحانه وتعالى؟ أو: أيُّ شيءٍ ظنُّكم بعقابه عزَّ وجلَّ حتى اجترأتم على الإِفك عليه تعالى ولم تخافوا؟ وكان قومُه عليه السلام يعظّمون الكواكبَ المعروفة، ويعتقدون السُّعودَ والنُّحوسَ والخيرَ والشرَّ في العالَم منها، ويتَّخذون لكلِّ كوكبٍ منها هيكلاً، ويجعلون فيها أصناماً تناسب ذلك الكوكبَ بزعمهم، ويجعلون عبادتَها وتعظيمَها ذريعةً إلى عبادة تلك الكواكبِ واستنزالٍ روحانيَّاتها، وكانوا يستدلُّون بأوضاعها على الحوادث الكونيةِ عامَّةً أو خاصَّة، فاتَّفق أن دنا يومُ عيدٍ لهم يخرجون فيه، فأرسل مَلِكُهم إلى إِبراهيم عليه السلام أنَّ غداً عيدُنا فاحضُر معنا، فاستشعر حصولَ الفرصةِ لحصول ما عسى أن يكونَ سبباً لتوحيدهم، فأراد أن يعتذرَ عن الحضور على وجهٍ لا يُنكرونه عليه ﴿فَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ ﴾﴾ أي: فتأمَّل نوعاً من التأمُّل في أحوالها، وهو في نفس الأمرِ على طرز تأمُّل الكاملين في خلق السماواتِ الآية : ٨٩ ٨٣ سُوَّةُ الصَانَاتِ والأرض وتفكّرِهم في ذلك؛ إذ هو اللائقُ به عليه السلام، لكنه أَوهمهم أنَّه تفكّر في أحوالها، من الاتّصال والتقابل ونحوِهما من الأَوضاع التي تدلُّ بزعمهم على الحوادث؛ ليرتِّبَ عليه ما يتوصَّل به إلى غرضه الذي يكون وسيلةً إلى إِنقاذهم ممَّا هم فيه. والظاهرُ بعد اعتبارِ الإِيهام أنَّه إيهامُ التفكّر في أحكام طالع ولادتهِ عليه السلام، وما يدلُّ عليه بزعمهم ما تجدَّد له من الأوضاع في ذلك الوقت. وهذا من معاريضٍ الأفعال، نظيرُ ما وقع في قصَّة يوسفَ عليه السلام من تفتيش أوعيةٍ إخوته بني عَلَّاته قبل وعاءِ شقيقه، فإنَّ المفتِّش بدأ بأَوعيتهم مع علمه أنَّ الصاعَ ليس فيها، وأخّر تفتيشَ وعاءِ أخيه مع عِلمه بأنَّه فيها؛ تعريضاً بأنَّه لا يعرف في أيِّ وعاءٍ هو، ونفياً للتُّهَمة عنه لو بدأ بوعاءِ الأخ. ﴿فَقَالَ﴾ أي: لهم: ﴿إِنّ سَقِيمٌ ﴾﴾ أراد أنَّه سيسقم، ولقد صدق عليه السلام؛ فإنَّ كلَّ إنسانٍ لابدَّ أنْ يسقم، وكفى باعتلال المزاجِ أولَ سريانِ الموتِ في البدن سقاماً. وقيل: أراد: مستعدٌّ للسَّقم الآن، أو خارجُ المزاجِ عن الاعتدال خروجاً قلَّ مَن يخلو عنه، أو سقيمُ القلبِ لكفركم، والقومُ توهَّموا أنَّه أراد قربَ اتصافِه بسقم لا يستطيع معه الخروجَ معهم إلى معيدهم، وهو - على ما رُوي عن سفيانَ وابنٍ جبير - سقمُ الطاعون، فإنَّهما فسَّرا ((سقيم)) بمطعون، وكان - كما قيل - أغلبَ الأسقامٍ عليهم، وكانوا شديدي الخوفِ منه؛ لاعتقادهم العدوی فیه. وهذا، وكذا قوله عليه السلام: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقولُه في زوجته سارة: هي أختي(١)، من معاريض الأقوال، كقول نبيِّنا وَلّ لمن قال له في طريقِ الهجرة: ممَّن الرَّجل؟: ((من ماء))(٢)، حيث أَراد عليه الصلاة والسلام ذِكرَ مبدأ خلقِهِ، ففهم السائلُ أنَّه بيانُ قبيلتِهِ، وكقول صاحبِهِ الصِّدِّيق - وقد سُئل عنه عليه الصلاة والسلام في ذاك أيضاً -: هو هاٍ يهديني. حيث أَراد شيئاً وفهم السائلُ آخَر، ولا يُعدُّ ذلك كذباً في الحقيقة. (١) سلف ١/ ٤٣٢. (٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦. سُورَةُ الصَّافَاتِ ٨٤ الآية : ٨٩ وتسميتُهُ به في بعض الأحاديثِ الصحيحةِ بالنظر لِمَا فهم الغيرُ منه، لا بالنّسبة إلى ما قصده المتكلِّم، وجعلُه ذنباً في حديث الشفاعةِ(١) قيل: لأنَّه ينكشف لإِبراهيمَ عليه السلام أنَّه كان منه خلاف الأَولى، لا أنَّ كلَّ تعريض هو كذلك، فإنَّه قد يجب، والإِمامُ(٢) لضيق محرابِه ومجالِهِ ينكر الحديثَ الواردَ في ذلك، وهو في الصَّحيحين، ويقول: إِسناد الكذبٍ إلى راويه أهونُ من إِسناده إلى الخليلِ عليه السلام. وقد مرَّ الکلامُ في ذلك. وقيل: كانت له عليه السلام حمّى لها نوبةٌ معيَّنة في بعض ساعاتِ الليل، فنظر ليعرفَ هل هي تلك السَّاعة، فإذا هي قد حضرت، فقال لهم: إنِّي سقيم. وليس شيءٌ من ذلك من المعاريض. ونحوُه ما أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن زيد بن أسلمَ قال: أَرسل إليه عليه السلام مَلِكُهم، فقال: إنَّ غداً عيدُنا فاخرُج معنا. فنظر إلى نجمٍ فقال: إنَّ ذا النجمَ لم يطلع قٌ إلَّا طلع بسقٍ لي. وأنت تعلم أنَّ النظرَ المعدَّى بـ ((في)) بمعنى التأمُّل والتفكُّر، والنظرُ المشارُ إليه لا یحتاج إلی تفگّر. وعن أبي مسلم أنَّ المعنى: نظر وتفكّر في النُّجوم ليستدلَّ بأحوالها على حدوثها، وأنَّها لا تصلُح أن تكونَ آلهة، فقال: إنِّي سقيم، أي: سقيمُ النظر، حيث لم يحصل له كمالُ اليقين. انتهى. وهذا لَعمري يسلب ــ فيما أرى - عن أبي مسلم الإسلام، وفيه من الجهل بمقام الأَنبياء - لاسيَّما الخليلُ عليه وعليهم السلام - ما يدلُّ على سقم نظرِهِ، نعوذ بالله تعالی من خذلانه ومکرِه. وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن قتادةَ أنَّ ((نظر نظرة في النجوم)) كلمةٌ من كلام العرب، تقول إذا تفكّر الشخص: نظر في النُّجوم. وعليه فليس هو من المعاريض، بل قولُه: ((إني سقيم)) فقط منها. وهذا إن أيَّه نقلٌ من أهل اللغةِ حسنٌ جدّاً. (١) سلف ٤٣٢/١. (٢) في التفسير الكبير ١٤٨/٢٦. الآية : ٨٩ ٨٥ سُؤَدَّةُ الصَنَّافَاتِ وقيل: المعنى: نظر في أحوال النُّجوم، أو في علمها، أو في كتبها وأحكامِها؛ ليستدلَّ على ما يحدث له، والنظرُ فيها للاستدلال على بعض الأمورِ ليس بممنوعٍ شرعاً؛ إذا كان باعتقادٍ أنَّ اللهَ تعالى جعلها علامةً عليه، والممنوعُ الاستدلالُ باعتقاد أنَّها مؤثّرة بنفسها، والجزمُ بكلِّية أحكامِها. وقد ذكر الكرمانيُّ في ((مناسكه)) - على ما قال الخفاجيّ - أنَّ النبيَّ وَِّ قال لرجلٍ أراد السفرَ في آخر الشَّهر: «أَتريد أن تخسرَ صفقتَك ويخيبَ سعيُك؟ اصبر حتى يهلَّ الهلال)). انتھی(١). وهذا البحثُ من أهمِّ المباحث، فإنَّه لم يزل معتركَ العلماءِ والفلاسفةِ الحكماء، وقد وعدنا بتحقیق الحقِّ فیه، وبيانٍ كدره وصافیه، فنقول وبالله تعالى التوفيق، إلى سلوك أَقومٍ طريق (٢): إِعلم أنَّ بعضَ الناسِ أَنكروا أن يكونَ للكواكب تأثيرٌ في هذا العالَمِ غير وجودٍ الضياءِ في المواضع التي تطلع عليها الشمسُ والقمرُ وعدمِه فيما غابا عنه، وما جرى هذا المجَرَى. وهذا خروجٌ عن الإِنصاف، وسلوكٌ في مسالكِ الجَورِ والاعتساف. وبعضُهم قالوا: إنَّ لها تأثيراً مّا يجري على الأمر الطبيعيّ، مثل أن يكونَ البلدُ القليل العرضِ ذا مزاجٍ مائلٍ عن الاعتدال إلى الحرِّ واليبس، وكذا مزاجُ أهله، وتكون أجسامُهم ضعيفةً وألوانُهم سوداً وصفراً، كالتُّوبة والحبشة. وأن يكونَ البلدُ الكثيرُ العرضِ ذا مزاجٍ مائلٍ عن الاعتدالِ إلى البرد والرُّطوبة، وكذا مزاجُ أهلهِ، وتكون أجسامُهم عبّلةً(٣)، وألوانُهم بيضاً وشعورُهم شُقراً، مثلُ التركِ والصَّقالبة. ومثلُ نموِّ النباتِ واشتدادِه ونضج ثمرِهِ بالشَّمس والقمر، ونحوِ ذلك (١) حاشية الشهاب ٢٧٦/٧، والحديث أخرجه بنحوه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٧٨١) من حديث رُقيبة بن عُقيبة أو عقيبة بن رقيبة (كذا ورد بالشك)، وإسناده ضعيف لانقطاعه، وينظر الإصابة ٢٨٦/٣. (٢) الكلام الذي سيورده المصنّف في هذه المسألة مذكور بحرفيَّته في كثير من المواضع في مفتاح دار السعادة ص ٤٨٧ وما بعدها حيث عزاه ابن القيم لأبي القاسم عيسى بن علي في رسالة ردًّ فيها على المنجمين، وبيَّن فيها تناقضهم وبطلان ما هم عليه من الضلال. (٣) رجل عَبْل الذراعين: ضخمهما، وامرأة عبلة: تامة الخَلْق. الصحاح (عبل). سُؤَدَقُ الضَّافَاتِ ٨٦ الآية : ٨٩ ممَّا يدرك بالحسّ. ولا بأسَ في نسبته إلى الكوكبِ على معنى أنَّ اللهَ تعالى أَودع فيه قوةً مؤثّرة فأثَّر بإذن اللهِ تعالى، كما يُنسب الإحراقُ إلى النار والرِّيُّ إلى الماء مثلاً، على معنى ذلك، وهو مذهبُ السلف - على ما قال الشيخُ إبراهيم الكوراني - في جميع الأسبابِ والمسبَّبات، وصرَّح به بعضُ الماتريدية. أو على معنى أنَّ اللهَ تعالى خلق ذلك عنده وليس فيه قوَّةٌ مؤثّرة مطلقاً، على ما يقوله الأشاعرةُ في كلِّ سببٍ ومسبَّب، فلا فرقَ بين الماءِ والنارِ مثلاً عندهم في أنَّه ليس في كلِّ قوةٌ يترتَّب عليها ما يترتَّب، وإنما الفرقُ في أنَّه جرت عادةُ اللهِ تعالى بأن يخلقَ الإِحراقَ دون الريِّ عند النارِ دون الماء، ويخلقَ الرِّيَّ دون الإِحراقِ عند الماءِ دون النار، وليس للنار والماءِ مدخلٌ في الأثر من الإِحراق والرِّيِّ سوى أنَّ كلَّا مقارنٌ لخلق اللهِ تعالى الأثرَ بلا واسطة. وظواهرُ الأدلَّة مع الأوَّلين، ولا ينافي مذهبَهم توحيدُ الأفعالِ وأنَّه عزَّ وجلَّ خالقُ كلِّ شيء، كما حقِّق في موضعه. وبعضُهم زعم أنَّ لها تأثيراً يعرفه المنجِّم غيرَ ذلك، كالسَّعادة والنُّحوسة، وطولٍ العمرِ وقِصَره، وسَعةِ العيشِ وضيقه، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على مَن راجع كتبَ أحكامٍ طوالعِ المواليدِ وطوالعِ السِّنين والكسوفِ والخسوفِ والأعمالِ ونحوِها. وهو ممَّا لا ينبغي أن يعوَّلَ عليه أو يُلتفتَ إليه؛ فليس له دليلٌ عقليٍّ أو نقليٌّ، بل الأدلةُ قائمةٌ على بطلانه، متكفِّلة بهدم أركانِهِ. والقائلون به بعد اتِّفاقِهم على أنَّ الخيرَ والشرَّ والإِعطاءَ والمنعَ وما أشبه ذلك يكون في العالَم بالكواكب، على حسب السُّعود والنُّحوس، وكونِها في البروج المنافرةِ لها أو الموافقة، وحسب نظرٍ بعضِها إلى بعض، بالتسديس والتربيعِ والتثليثِ والمقابلة، وحسب كونها في شرفها وهبوطِها، ووبالِها ورجعتِها، واستقامتِها وإِقامتها، اختلفوا في كثيرٍ من الأصول، وتكلَّموا بكلامٍ يضحك منه أربابُ العقول. وذلك أنَّهم اختلفوا في أنَّه على أيِّ وجهٍ يكون ذلك؟ فزعم قومٌ منهم أن فعلَها بطبائعها. وزعم آخرون أنَّ ذلك ليس فعلاً لها، لكنها تدلُّ عليه بطبائعها. وزعم الآية : ٨٩ ٨٧ سِوَرَّةُ الصَنَّافَاتِ آخرون أنَّها تفعل في البعض بالعَرَض وفي البعض بالذَّات. وزعم آخرون أنَّها تفعل بالاختيار لا بالطّبع، إلَّا أن السعدَ منها لا يختار إلَّا الخير، والنحسَ لا يختار إلَّا الشرّ. وهذا مع قولهم: إنَّها قد تتَّفق على الخير وقد تتَّفق على الشرّ، مما يتعجّب منه. وزعم آخَرون أنَّها لا تفعل بالاختيار، بل تدلُّ به. وهو كلامٌ لا يُعقل معناه. واختلفوا أيضاً، فقالت فِرقة: من الكواكب ما هو سعدٌ ومنها ما هو نحس، وهي تُسعد غيرَها وتنحسه. وقالت أخرى: هي في أنفُسها طبيعةٌ واحدة، وإنَّما تختلف دلالتها على السُّعود والنحوس، وهذا قولُ مَن يقول منهم: إنَّ للفلك طبيعةً مخالفةً لطبيعة الاستقصاءات(١) الكائنةِ الفاسدة، وأنَّها لا حارَّةٌ ولا باردة، ولا يابسةٌ ولا رطبة، ولا سعدَ ولا نحسَ فيها، وإنما يدلُّ بعضُ أجرامِها وبعضُ أجزائها على الخير والبعضُ على الشرّ، وارتباطُ الخيرِ والشرِّ والسعدِ والنحسِ بها ارتباطُ المدلولاتِ بأدَّتها، لا ارتباطُ المعلولاتِ بعِلَلها. وهو أعقلُ من أصحاب القولِ بالاقتضاء الطبيعيِّ والعِلِّية، وإنْ كان قولُه أيضاً عند بعض الأَجلَّة ليس بشي؛ لأنَّ الدَّلالة الحسِّية لا تختلف ولا تتناقض. واختلفوا أيضاً، فقالت فِرقة: تفعل في الأبدان والأَنفُس جميعاً. وهو قولُ بطليموس وأتباعِه. وقال الأَكثرون: تفعل في الأنفُس دون الأَبدان. ولعلَّ الخلافَ لفظيّ. واختلف رؤساؤهم: بطليموس ودوروسوس وأنطيقوس وريمس وغيرُهم من علماء الرومِ والهندِ وبابل في الحدود وغيرِها، وتضادُّوا في المواضع التي يأخذون منها دليلَهم. ومن ذلك اختلافُهم في أمر سهمِ السَّعادة، فزعم بطليموسُ أنَّه يُعلم بأن يؤخذَ أبداً العددُ الذي يحصل من موضع الشمسٍ إلى موضع القمر، ويبتدئ من الطالع، فيرصد منه مثلُ ذلك العددِ على التوالي، فمنتهى العددِ موضعُ السهم. وزعم بعضُهم أنَّه يبتدئُ من الطالع، فيعدُّ مثل ذلك على خلاف التوالي. وزعم بعضُ الفرسِ أنَّ سهمَ السعادةِ يؤخذ بالليل من القمر إلى الشَّمس، وبالنَّهار من (١) في الأصل و(م): الاستقصات. والمثبت من مفتاح دار السعادة ص ٤٩٠. سُوَُّ الصَنَافَاتِ ٨٨ الآية : ٨٩ الشمسِ إلى القمر. وزعم أهلُ مصرَ في الحدود أنَّها تؤخذ من أَرباب البيوت، وزعم الكلدانيوُّن أنَّها تؤخذ من مدبري المثلّثات. واختلفوا أيضاً، فرتَّبت طائفةٌ البروجَ المذكّرةَ والمؤنَّثةَ من الطالع، فعدُّوا واحداً مذكّراً وآخَرَ مؤنَّئاً، وصيّروا الابتداءَ بالمذكَّر، وقسمت طائفةٌ أخرى البروجَ أربعةَ أجزاء، وجعلوا المذكّرةَ هي التي من الطالع إلى وسط السماءِ، والتي تقابلها من الغاربِ إلى وَتد الأرض، وجعلوا الرُّبعين الباقيين مؤنَّثين. وممَّا يُضحِك العقلاءَ أنَّهم جعلوا البروجَ قسمين: حارَّ المزاجِ وباردَه، وجعلوا الحارَّ منها ذكراً، والباردَ أنثى، وابتدؤوا بالحَمَل فقالوا: هو ذكرٌ حارّ، والذي بعده مؤنَّث بارد، وهكذا إلى آخرها، فصارت ستةً ذكوراً وستةً إناثاً . وقال بعضُهم: الأوَّل ذَكَرٌ والثلاثةُ بعده إِناث، والخامسُ ذكرٌ والثلاثةُ بعده إِناث، والتاسعُ ذكرٌ وما بعده إناث، فالذُّكور ثلاثة، وبعد كلِّ ذكرٍ إناثٌ ثلاثٌ مخالفةٌ له في الطبيعة. ثم إنَّ هذه القسمةَ للمذكَّر والمؤنَّث ذاتيةٌ للبروج، ولها قسمةٌ ثانيةٌ بالعرض، وهي أنَّهم يبدؤون من الطالع إلى الثاني عشر، فيأخذون واحداً ذكراً وآخَرَ أنثى. وبعضُهم يقول: هي أربعةُ أقسام، فمن وتد المشرقِ إلى وتد العاشرِ ذكرٌ شرقيٍّ مجفِّف سريع، ومن وتد العاشرِ إلى وتد الغاربِ مؤنَّث جنوبيٌّ مُحرِق وسط، ومن وتد الغاربِ إلى وتد الرابعِ ذكرٌ معتلٌّ رطبٌ غربيٍّ بطيء، ومن وتد الرابعِ إلى الطالع مؤنَّث ذليلٌ مبرِّد شماليٍّ وسط. وبعضُ الأوائلِ منهم لم يقتصرْ على ذلك، بل ابتدأ بالدَّرجة الأُولى من الحمل، فقال: هي ذكرٌ والدرجةُ الثانيةُ أنثى، وهكذا إلى آخر الحوت. ولبطليموس هذيانٌ آخَر، فإنَّه ابتدأ بأوَّل درجةٍ كلِّ برج ذكر، فنسب منها إلى تمام اثنتي عشرةَ درجةً ونصفٍ إلى الذَّكورية، ومنه إلى تمامً خمسٍ وعشرين درجةً إلى الأُنوئية، ثم قسم باقيَ البروجِ إلى قسمين، فنسب النصفَ الأوَّل إلى الذَّكر، والآخَرَ إلى الأنثى، وفعل مِثلَ ذلك في كلِّ برجٍ أنثى. الآية : ٨٩ ٨٩ سُوَدَّةُ الصَّافَاتِ ولدوروسوس هذيانٌ آخَرُ أيضاً، فإنَّه يقسم البروجَ كلَّ برج ثمانيةً وخمسين دقيقةً ومئةً وخمسين ثانية(١)، ثم ينظر إلى الطالع، فإنْ كان برجاً ذكراً، أَعطى القسمةَ الأولى للذَّكر، ثم الثانيةَ للأنثى، إلى أن يأتيَ على البروج كلِّها، وإن كان أنثى، أَعطى القسمةَ الأولى للأنثى، ثم الثانيةَ للذَّكر، إلى أن يأتيَ على آخرها. وما لهم في شيءٍ من ذلك دليل، مع أنَّ قولَهم ببساطة الفلكِ يأبى اختلافَ أجزائه بالحرارة والبرودة، والذُّكور والأنوثة. ومثلُ هذيانِهم في قسمة الأجزاءِ الفلكيةِ إلى ما ذُكر قسمتُهم الكواكبَ إلى ذلك، فزعموا أنَّ القمرَ والزّهرة مؤثَّثان، وأنَّ الشمسَ وزحلَ والمشتريَ والمرِّيخ مذكّرة، وأنَّ عطارد ذَكَرٌ أنثى، وأنَّ سائرَ الكواكبِ تذكَّر وتؤنَّث، بسبب الأَشکالِ التي تكون لها بالقياس إلى الشمس، وذلك أنَّها إذا كانت مشرِقةً متقدِّمة على الشمس فهي مذكّرة، وإن كانت مغربةً تابعةً كانت مؤنَّثة، وأنَّ ذلك يكون لها بالقياس إلى أَشكالها من الأُفق، وذلك أنَّها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق إلى وسط السماءِ ممَّا تحت الأرض فهي مذكَّرة، وإذا كانت في الرُّبعين الباقيين، فهي مؤنَّئة. ويلزم عليه انقلابُ المذكَّر مؤنَّئاً والمؤنَّث مذكَّراً. وأجاب بعضُهم عن هذا الهذيانِ أنَّه لا مانعَ من اتِّصاف شيءٍ بأمرٍ بالقياس إلى شيءٍ وبضدِّه بالقياس إلى آخَر، وهو في نفسه غيرُ متصفٍ بشيءٍ منهما، كالأَدكَن، فإنَّه يقال فيه: أبيض، بالقياس إلى الأَسود، وأسودُ، بالقياس إلى الأَبيض، وهو في نفسه لا أسود ولا أبيض، فكذا الكواكب، يقال: إنَّها ذُكرانٌ وإناثٌ، بالقياس إلى الأشكال، أَعني الجهات، والجهاتِ إلى الرِّياح، كالصَّبا والدَّبور، والرياحِ إلى الكيفيات، لا أنَّها ذُكرانٌ وإناثٌ في أنفُسها. وهو تلبيس، فإنَّ الأدكنَ فيه شائبةُ بياضٍ وسواد، فمقتضَى التشبيهِ يلزم أن يكونَ في الكوكب شائبةُ ذكورةٍ وأنوثة. وأيضاً الظاهرُ أنَّ الانقسامَ المذكورَ بحسب الطبيعةِ والتأثيرِ والتأثّر، ولا يكاد يُعرف انقلابُ الحقيقةِ والطبيعةِ بحسب الموضعِ (١) في الأصل و(م): دقيقة. والمثبت من مفتاح دار السعادة ص ٤٩٣. سُوَةُ الصَنَّافَاتِ ٩٠ الآية : ٨٩ والقربٍ والبعد. ومنه يُعلم فسادُ ما قالوا: إنَّ القمرَ من أوَّل ما يُهلُّ إلى وقت انتصافِهِ الأوَّل في الضوءِ يكون فاعلاً للرُّطوبة خاصَّة، ومن ذلك إلى وقت الامتلاءِ يكون فاعلاً للحرارة، ومنه إلى وقت الانتصافِ الثاني في الضوء يكون فاعلاً للييس، ومن ذلك إلى وقتٍ خفائه يكون فاعلاً للبرودة، وقاسوا ذلك على تأثيرات الشمسِ في الفصول، والفرقُ مثل الشمسِ ظاهر، ويلزم عليه كونُ الشهرِ الواحدِ ذا فصول، والحسُّ يدفعه. وأيضاً كلامُهم هذا يخالف ما قالوه من أنَّ قوَّةَ القمرِ الترطيبُ؛ لقُرب فلكِه من الأرض، وقَبولِه للبخارات الرطبةِ التي ترتفع منها إليه، ثم إنَّ هذا القولَ باطلٌ في نفسه؛ لِمَا أنَّه يلزم عليه ازديادُ رطوبةِ القمرِ في كلِّ يومٍ لو سلِّم تصاعدُ البخاراتِ الرَّطبة إليه وتأثُّرُه منها، وكذا القولُ بانَّ قوَّة زحلَ أن يُبَرِّد ويجفِّفَ تجفيفاً يسيراً؛ لُبُعده عن حرارة الشمسِ والبخاراتِ الرَّطبة، وأنَّ قوَّةَ المريخ مجفّفة محرِقة؛ المشاكلة لونِهِ لونَ النار، ولقُربه من الشمس، وكوكبُ الدُّبِّ الأكبرِ كالمُرِّيخ، وأنَّ عطارداً معتدلٌ في التجفيف والترطيب؛ لأنَّه لا يَبعد عن الشمس بُعداً كثيراً، ولا وضعُه فوقَ کرةِ القمر. ومن العجائب استدلالُ فضلائهم على اختلاف طبائع الكواكبِ باختلاف ألوانِها، حيث قالوا: لمَّا كان لونُ زحلَ الغُبرةَ والكمودة، حكمنا بأنَّه على طبع السَّوداء، وهو البردُ واليَبَس؛ فإنَّ لها من الألوان الغُبرة، ولمّا كان لونُ المُرِّيخ كلون النار، قلنا: طبعُه حارٌّ يابس، والحرارةُ واليبسُ في الشمس ظاهرتان، ولمَّا كان لونُ الزُّهَرةِ كالمرَّب من البياضِ والصُّفرةِ والبياضُ أَظهرُ فيها، قلنا: طبعُها البرودةُ والرُّطوبةُ كالبلغم، ولمَّا كان صُفرةُ المشتري أكثرَ مما في الزُّهَرة، كانت سخونتُه أكثرَ من سخونة الزُّهَرة، وكان في غايةِ الاعتدال، وأمَّا القمر فهو أبيض وفيه كُمودة، فيدلُّ بياضُه على البرودة، وأمَّا عطارد فتختلف ألوانُه، فربّما رأيناه أَخضر، وربَّما رأيناه أغبر، وربَّما رأيناه على خلاف هذين اللَّونين، وذلك في أوقاتٍ مختلفة، مع كونِه من الأُفق على ارتفاعٍ واحد، فلا جَرَمَ یکون له طبائعُ مختلفة، إلَّا أنَّا لَمَّا وجدناه في الأغلب أَغبرَ كالأَرض، قلنا: هو مثلُها في الطَّبع. الآية : ٨٩ ٩١ سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ ويَرِد عليه أنَّ المشاركةَ في بعض الصفاتِ لا تقتضي المشاركةً في الطبيعة، ولا في صفةٍ أخرى، وأنَّ دلالةَ مجرَّد اللونِ على الطبيعة ضعيفةٌ جدّاً؛ لاشتراك الكثيرِ في لونٍ مع اختلاف الطبائع، وأيضاً الزُّرقة أظهرُ في الزُّهَرة، واختلافُ ألوانِ عطارد لأنَّا نراه قريبَ الأفق، فيكون بيننا وبينه بخاراتٌ مختلفة. وقال أبو معشر(١): إنَّ القمرَ لا يَنسبُ لونَه إلى البياض إلَّا مَن عِدِمَ قوَّةَ الحسِّ البَصَري. وفيه بَعدُ ما فيه، ولو سلِّم جميعُ ما قالوه من اختلاف طبائعِ البروج والكواكبٍ بالحرارة والبرودةِ والرُّطوبة واليبوسة، فقصارَى ما يترتَّب على ذلك ما نجده من اختلاف الأَقاليم حرارةً وبرودةً مثلاً، واختلافِ أشجارِها وأثمارِها، واختلافِ أجسام أهلها وألوانِهم، واختلافِ حَيَواناتها، إلى غير ذلك من الاختلافات. ومع هذا نقول: إنَّ الكواكبَ جزءُ السببِ في ذلك، لكن من أين لهم القولُ بأنَّ جميعَ الحوادثِ في هذا العالم، خيرِها وشرِّها، وصلاحِها وفسادِها، وجمیعَ أشخاصِه وأنواعه، وصورِه وقواه، ومُدَد بقاءِ أشخاصه، وجميعَ أحوالِها العارضة لها، وتكوُّن الجنين، ومدَّة لبثِه في بطن أمّه وخروجِه إلى الدنيا، وعُمره ورزقه، وشقاوته، وحُسنه وقُبحه، وأخلاقه، وحَذَقه وبلادته، وجهله وعِلمه، إلى ما لا يُحصى من أَحواله، وانقسامَ الحيوانِ إلى الطير وأصنافِه، وإلى الحيوان البحريِّ وأنواعِه، والبرِّيّ وأقسامِهِ، واختلافَ صورِ الحَيَونات وأفعالِها وأخلاقها، وثبوتَ العداوةِ بين أفراد نوعٍ وأفرادِ نوعٍ آخَرَ منها، كالذُّئاب والغنم، وثبوتَ الصداقةِ كذلك، وكذا ثبوتُ العداوةِ أو الصداقةِ بين أفرادِ النوعِ الواحد، إلى غير ذلك ممَّا يكون في العالم = لا يكون(٢) إلَّا بتأثير الكواكب؟ وهو ممَّا لا يكاد يصحّ؛ لأنَّ طريقَ صحَّته إمَّا الخبرُ الصادق، أو الحسُّ الذي يشترك فيه الناس، أو ضرورةُ العقل، أو نظرُه، وشيءٌ من هذا كلِّه غيرُ موجود. (١) المنجم، جعفر بن محمد البلخي، صاحب التصانيف في النجوم والهندسة، توفي (٢٧٢هـ). السير ١٣/ ١٦١. (٢) قوله: لا يكون ...: هو خبرٌ لقوله: بأن جميع الحوادث في هذا العالم ... ◌َةُ الصَنَافَات ٩٢ الآية : ٨٩ ولا يمكن الأَحكاميين أن يدَّعوا واحداً من الثلاثة الأُول، وغايتُهم أن يدَّعوا أنَّ التجربةَ قادتهم إلى ذلك، ولا شكَّ أنَّ أقلَّ ما لا بدَّ منه فيها أن يحصلَ ذلك الشيء على حالةٍ واحدةٍ مرتين، والوضعُ المعيَّن لمجموع الكواكبِ لا يتكرَّر أصلاً، أو يتكرَّر بعد ألوفِ ألوفٍ من السنين، وعمرُ الإنسان الواحدِ بل عُمرُ البشرِ لا تفي به. وزعم بعضُهم لذلك أنَّ مجموعَ الاتصالاتِ ونسبِ الكواكبِ بعضِها إلى بعضٍ غيرُ شرطٍ في التأثير لتتوقَّفَ التجربةُ على تكراره، بل يكفي بعضُ الاتِّصالات، وقد يكفي واحدٌ منها، وذلك يتكرَّر في أزمنةٍ قليلة، فتتأتَّى التجربة، مثلاً رداءةُ السفرِ وقد نزل القمرُ برجَ العقربِ يستند إلى هذا النزولِ بالتجربة، فإنَّا وجدنا تكرُّرَ ذلك وترتُّبَ الرداءةِ عليه كلَّ مرة، وهذا هو التَّجربة، وكذا يقال في نظائره. وأنت تعلم أنَّ التجاربَ التي دلَّت على كَذِبَ ما يقولون بوقوع خلافِهِ أضعافُ التجارب التي دلَّت على صدقه؛ فقد أَجمع حذَّاقُهم سنةَ سبعٍ وثلاثين عامَ خروجٍ عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه إلى صفِّين على أنَّه يُقتل ويُقهر جيشٌه، فانتصر على أَهلُ الشام، ولم يقدروا على التخلّص إلَّا بالحيلة. وإنْ لم يسلّم هذا الإِجماع، فإجماعُهم على مِثله في خروجه كرَّم اللهُ تعالى وجهَه لحرب الخوارجِ حيث كان القمرُ في العقرب، وقولِه ◌َلُه: نخرج ثقةً بالله تعالى، وتوُّلاً علیه سبحانه، وتكذيباً لقول المنجّم(١). ونُصرتِه الخارجةِ عن القياس = ممَّا شاع وذاع، ولو قيل بتواتره ولم يَبعُد. وأجمعوا سنةَ ستُّ وسِّين على غَلَبة عبيدِ الله بن زيادٍ وقد سار بنحوٍ من ثمانين ألف مقاتلٍ على المختار بنِ أبي عُبيد، فلقيه إبراهيمُ بن الأشترِ صاحبُ المختارِ بأرض نصِيبين فيما دون سبعة آلافٍ مقاتل، فقتل من عسكره نحواً من ثلاثةٍ وسبعين ألفاً، وضربه وهو لا يعرفه فقتله، ولم يُقتل من أصحابه أكثرُ من مئة. وأجمعوا يومَ أسِّست بغدادُ سنةَ ستٍّ وأربعين ومئةٍ على أنَّ طالعَها يقضي بأنَّه لا يموت فيها خليفة، وشاع ذلك، حتى قال بعضُ شعراءِ المنصور مهنّاً له: (١) أخرجه بنحوه مطولاً الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٥٦٤ - بغية الباحث). الآية : ٨٩ ٩٣ سُوَدَّةُ الصَّافَاتِ أنَّ المماتَ بها عليك حرامُ يَهنيك منها بلدةٌ تقضي لنا أنْ لا يُرى فيها يموت إمام لمَّا قضت أحكامُ طالعٍ وقتها فأوَّلُ ما ظهر كذبُ ذلك بقتل الأَمينِ بشارع باب الأنبار، فقال بعضُ الشعراء : كان ادَّعاها في بِنا بَغدانِ كذب المنجِّمُ في مقالته التي تكذيبَهم في سائر الحُسبانِ(١) قَتلُ الأمينِ بها لَعمري يقتضي ثم مات فيها جماعةٌ من الخلفاء، كالواثق، والمتوكّل، والمعتضِد، والناصر، وغيرِهم، إلى أمورٍ أخرَ لا تكاد تُحصَى، أَجمعوا فيها على حكم وتبيَّن كذبُهم فيه. على أنَّه قد يقال لهم: المؤثِّر في السُّعود والنُّحوس ونحوهما هل هو الكوكبُ وحده، أو البرجُ وحده، أو الكوكبُ بشرط حصولِه في البرج؟ فإنْ قالوا بأحد الأمرين الأوَّلين، لَزِمهم دوامُ الأثر؛ لدوام المؤثِّر. وإنْ قالوا بالثالث، لَزِمهم القولُ باختلاف البروجِ في الطبيعة، وإلَّا لاتَّحدت آثارُ الكوكبِ فيها، وكلُّهم مُجمِعون على أنَّ الفلكَ بسيطٌ لا تركيبَ فيه، والتزامُ التركيبِ من طبائعَ مختلفةٍ ينافي قولَهم بامتناع الانحلال. وزعمُ بعضِهم أنَّها تفعل ما تفعل بالاختيار يستدعي إلغاءَ أمرِ الاتصالِ والانفصال، والمقارنةِ والهبوط، ونحوِ ذلك، وكونُ ما ذكر شرطاً للاختيار لا يخفى حالُهُ، والقولُ بأنَّها تستدعي من حيث طبيعةُ أشعتها التسخين والتبريد، وهما يوجبان اختلاف أمزجة الأبدان، واختلافها يوجب اختلاف أفعال النفس، يَرِدُ عليه أنَّا نرى التسخين مثلاً يقتضي حرارة وحِدَّة في المزاج، يفعل بها شخصٌ غايةَ الخيرِ والأفعالِ الحميدة، وآخَرُ غايةَ الشرِّ والأفعالِ الخبيثة، فلابدَّ لهذا الاختلافِ من موجبٍ غير التسخين. وأيضاً هم يقولون: جميعُ الحوادثِ الكونيةِ مستندٌ إلى الكواكب، وحديثُ التسخين والتبريدِ واستلزامُهما اختلافَ أفعالِ النفسِ لا يتمُّ به هذا الغرض. (١) الأبيات مذكورة في مفتاح دار السعادة ص ٤٧٤. سُوَرَةُ الصَنَّافَاتِ ٩٤ الآية : ٨٩ وذكر الإمام الرازيُّ عليه الرحمةُ أنَّ المثبتين لعلم الأحكام والتأثيرات - أي: من الإِسلاميِّين - احتجُّوا من كتاب اللهِ تعالى بآيات، وهي أنواع: الأوَّل: الآياتُ الدالّة على تعظيم الكواكب، فمنها قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقِيمُ بِلْنَسِ ® الْوَرِ الْكُنَّرِ﴾ [التكوير: ١٥-١٦] وأكثرُ المفسّرين على أنَّ المرادَ هو الكواكبُ التي تصير راجعةً تارةً ومستقيمةً أخرى. ومنها قولُه تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] وقد صرَّح سبحانه بتعظيم هذا القَسَم، وذلك يدلُّ على غاية جلالةِ مواقع النجومِ ونهايةٍ اُلَّجْمُ الثَّقِبُ﴾ وَمَّ أَذْرَكَ مَا النَّارِقُ شرفها. ومنها قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَآءِ وَالطَارِقِ [الطارق: ١-٣] قال ابنُ عباس: الثاقبُ هو زُحَل؛ لأنَّه يثقب بنوره سَمْكَ السماواتِ السبع. ومنها قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِفُهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فقد بيَّن سبحانه إِلهيتَه بكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيرِه. النوعُ الثاني: ما يدلُّ على وصفه تعالى بعضَ الأيام بالنُّحوسة، كقوله سبحانه: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىَ أَيَّامٍ لَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. النوعُ الثالث: الآياتُ الدالّة على أنَّ لها تأثيراً في هذا العالم، كقوله تعالى: ﴿فَالْمُدََّتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] وقوله تعالى ﴿فَأْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] قال بعضُهم: المرادُ هذه الكواكب. الرابع: الآياتُ الدالّة على أنَّه تعالى جعل حركاتٍ هذه الأَجرام وخلقَها على وجهٍ ينتفع بها في مصالح هذا العالَم، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَّةٍ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اْلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] وقوله تعالى: ﴿ثَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. النوعُ الخامس: أنَّه تعالى حكى عن إِبراهيمَ عليه السلام أنَّه تمسَّك بعلم النُّجوم، فقال سبحانه: ﴿فَظَرَ نَظَرَةٌ فِ النُّجُومِ ﴿ فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: الآية : ٨٩ ٩٥ سُورَةُ الصَنَّافَاتِ السادس: أنَّه تعالى قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ولا يكونُ المرادُ كبرَ الجثّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمه، فوجب أن يكونَ المرادُ كبرَ القدرِ والشَّرف، وقال سبحانه: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ولا يجوز أن يكونَ المرادُ أنَّه تعالى خلقها ليستدلَّ بتركيبها وتأليفِها على وجود الصَّانع؛ لأنَّ هذا القدرَ حاصلٌ في تركيب البعوضة، ودلالةُ حصولِ الحياةِ في بنية الحيواناتِ على وجود الصانع أقوى من دلالة تركيبِ الأَجرام الفلكيةِ عليه؛ لأنَّ الحياةَ لا يقدر عليها غيرُه تعالى، وجنسُ التركيبِ يقدر عليه الغير، فلما خصَّها سبحانه وتعالى بهذا التشريفِ المستفادِ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ علمنا أنَّ في تخليقها أَسراراً عالية، وحِكَماً بالغة، تتقاصر عقولُ البشرِ عن إِدراكها. ويَقْرُب من هذه الآيةِ قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الشَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ خَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [ص: ٢٧] ولا يمكن أن يكونَ المرادُ أنَّه تعالى خلقها على وجهٍ يمكن الاستدلالُ بها على وجود الصانع الحكيم؛ لأنَّ كونَها دالَّةً على الافتقار إلى الصانع أمرٌ ثابتٌ لها لذاتها، لأنَّ كلَّ متحيِّزٍ محدَث، وكلُّ محدثٍ مفتقرٌ إلى الفاعل، فثبت أنَّ دلالةَ المتحيِّزاتِ على وجود الفاعلِ أمرٌ ثابتٌ لها لذواتها وأعيانِها، وما كان كذلك لم يكن سببَ الفعلِ والجعل، فلم يمكن حملُ الآيةِ على هذا الوجه، فوجب حملُها على الوجه الذي ذكر. النوع السابع: رُوي أنَّ عمرَ بن الخيَّامِ(١) كان يقرأ كتابَ المجسطي على أستاذه، فدخل عليهم واحدٌ من المتفقِّهة فقال: ما تقرؤون؟ فقال عمر: نحن في تفسير آيةٍ من كتاب اللهِ تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوَقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيََّهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوجِ﴾ [ق: ٦] فنحن ننظر كيف خَلَقَ السماءَ وكيف بناها وكيف صانها عن الفُروج. (١) أخرجه بنحوه مطولاً الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٥٦٤ - بغية الباحث). (٢) هو عمر بن إبراهيم أبو الفتح النيسابوري، شاعر فيلسوف فارسي، كان عالماً بالرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ. توفي سنة (٥١٥هـ). الأعلام ٣٨/٥. ء سُؤَةُ الضَافَاتِ ٩٦ الآية : ٨٩ الثامن: أنَّ إبراهيم عليه السلام لمَّا استدلَّ على إِثبات الصانع تعالى بقوله: ﴿رَنِىَ الَّذِى يُخْىِ، وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال له نُمروذ: أَتدَّعي أنَّهَ يحيي ويُميت بواسطة الطبائع والعناصرِ أو لا بواسطتها؟ فإن ادَّعيتَ الأوَّل، فذلك ممَّا لا تجده ألبَّة؛ لأنَّ كلَّ ما يحدث في هذا العالَمِ فهو بواسطة العناصرِ والحركاتِ الفلكية، وإن اذَّعيتَ الثاني، فمثلُ هذا الإِحياءِ والإِماتةِ حاصلٌ مِنِّي ومن كلِّ أحد، وهو المرادُ بقوله: ﴿أَنَّا أُخِىِ وَأُمِيتٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ثم إنَّ إبراهيمَ عليه السلام لم ينازِعْ في كون هذه الحوادثِ السفليةِ مرتبطةً بالحركات الفَلَكية، بل أجاب بأنَّ اللهَ تعالى هو المبدأُ لتلك الحركات، فيكون الفعلُ منه سبحانه حقيقة، والواحدُ منَّا لا يقدر على تحريك الأفلاك، على خلاف التحريكِ الإلهيّ، وهذا هو المرادُ بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وإذا عرفتَ نهجَ الكلامِ في هذا الباب، عرفتَ أنَّ القرآنَ العظيمَ مملوءٌ من تعظيم الأَجرامِ الفلكية، وتشريفِ الكراتِ الكوكبية. وأمَّا الأخبارُ فكثيرة، منها ما رُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام نهى عن استقبال الشمسِ والقمرِ واستدبارِهما عند قضاء الحاجة(١). ومنها أنَّه لمَّا مات ولدُه وَيه إِبراهيم، انكسفت الشَّمس، فقال الناس: إنَّما انكسفت لموت إِبراهيم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات اللهِ تعالى، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصَّلاة))(٢) ومنها ما روى ابنُ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ قال: ((إذا ذُكر القدرُ فَأَمسكوا، وإذا ذُكر أَصحابي فَأَمسكوا، وإذا ذكر النجومُ فَأَمسكوا))(٣) ومن الناس مَن يروي أنَّهِ وَلِّ قال: ((لا تسافروا والقمرُ في العقرب»(٤) ومنهم مَن يرويه عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه(٥)، وإِن كان المحدِّثون لا يقبلونه. (١) قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠٣/١: قال النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل لا يُعرَف. وقال ابن الصلاح: لا يُعرف وهو ضعيف .... (٢) أخرجه البخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١) من حديث عائشة ﴾ (٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٤٢٧) و(١٠٤٤٨) من حديث ثوبان وعبد الله بن مسعود (٤) ذكره الصغاني في الموضوعات (٩٩). (٥) وهو من الكذب عليه رضي الله تعالى عنه كما سيَرِدُ. .... الآية : ٨٩ ٩٧ سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ وأمَّا الآثارُ فكثيرةٌ أيضاً، فعن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنَّ رجلاً أتاه آخرَ الشهرِ فقال: أُريد الخروجَ في تجارة، فقال: تريد أن يمحقَ اللهُ تعالى تجارتَك، استقبل هلالَ الشهرِ بالخروج. وعن عكرمةَ أنَّ يهوديًّا منجِّماً قال له ابنُ عباس: ويحكَ، تخبرُ الناسَ بما لا تدري، فقال: إنَّ لك ابناً في المكتب يحمُّ غداً ويموت في اليوم العاشر، فقال ابنُ عباس: ومتى تموت أنت؟ قال: على رأس السَّنة، ثم قال له: ولا تموتُ أنت حتى تعمَى، فكان كلُّ ذلك. وعن الشعبيِّ قال: قال أبو الدَّرداء: لقد فارق رسولُ اللهِ وَ﴿ وتَرَكَنا ولا طائرٌ يطير بجناحيه إلَّا ونحن نذَّعي فيه علماً. وليست الكواكبُ موكلةً بالفساد والصَّلاح، ولكن فيها دليلُ بعضِ الحوادث، عُرف ذلك بالتجربة. وجاءَ في الآثار أنَّ أوَّلَ مَن أُعطي هذا العلمَ آدمُ عليه السلام، وذلك أنَّه عاش حتى أَدرك من ذرِّيته أربعين ألفَ أهلٍ بيت، وتفرَّقوا عنه في الأرض، وكان يغتمُّ الخفاءِ خبرهم، فأَكرمه اللهُ تعالى بهذا العلم، فكان إذا أراد أن يعرفَ حالَ أحدِهم، نظر في النُّجوم فعرفه. وعن ميمون بن مهرانَ أنَّه قال: إِيَّاكم والتكذيبَ بالنجوم؛ فإنَّه من علم النبوّة. ورُوي عن الشافعيِّ أنَّه كان عالماً بالنُّجوم، وجاء لبعض جيرانِه ولد، فحكم له بأنَّ هذا الولدَ ينبغي أن يكونَ على عضوه الفلانيِّ خالٌ صفتُه كذا وكذا، فوجد الأمرُ كما قال. وروى ابنُ إِسحاق أنَّ المنجِّمين أَخبروا فرعونَ أنَّه سيجيء ولدٌ من بني إسرائيلَ يكون هلاكُه على يده، وكذا كان، كما قصَّ الله تعالى: ﴿يُدَيِّحُ أَبْنَآءُ هُمْ وَيَسْتَخِي. نِسَآءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]. وأمَّا المعقول، فهو أنَّ هذا العلمَ ما خلت عنه مِلَّةٌ من المِلَل، ولا أمةٌ من الأُمم، ولم يزالوا مشتغلين به، معوِّلين عليه في معرفةِ المصالح، ولو كان فاسداً سُوَّةُ الصَنَّافَاتِ ٩٨ الآية : ٨٩ بالكلِّية، لاستحال إِطباقُ أهلِ المشرقِ والمغرب من أوَّل بناءِ العالَم إلى آخره عليه، والتجاربُ في هذا البابِ أكثرُ من أن تُحصَى. اهـ كلامُه. ولَعمري لقد نثر الكنانة، ونفض الجُعبة، واستفرغ الوُسع، وبذل الجهد، ورؤَّج وبهرج، وقعقعَ وفرقع، ومن غير طحنٍ جعجع، وجمع بين ما يُعلم بالضّرورة أنَّه كذبٌ على رسول اللهِ نَّه وعلى أصحابه، وما يُعلم بالضّرورة أنَّه خطأ في تأويل كلامِ اللهِ تعالى ومعرفةٍ مرادهِ سبحانه، ولا يروج ما ذكره إلَّا على مُفرِطِ في الجهل، أو مَقَّدٍ لأهل الباطلِ من المنجِّمين. وإن أردت الإِيضاحَ وأَحببتَ الاتِّضاح، فاسمعْ لما نقول: ما ذكره من الاستدلالات أوهَى من بيوت العناكب، وأشبهُ شيءٍ بنار الحُباحب. فأمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بُِْنَِّ ﴿ الْجَارِ الْكُنَِّ ﴾﴾ ففيه أنَّا لا نسلّم أنَّ هناك قَسَماً بالنجوم، فقد رُوي عن ابن مسعودٍ أنَّ المرادَ بالخنَّس بقرُ الوحش، وهي روايةٌ عن ابن عباس، واختاره ابنُ جبير، وحكى الماورديُّ(١) أنَّها الملائكة. وإذا سلِّم ذلك، بناءً على أنَّه الذي ذهب إليه الجمهور، فأيُّ دلالةٍ فيه على التأثير، وقد أَقسم سبحانه بالليل والنهارِ والضُّحى، ومكّة، والوالدِ وما ولد، والفجرِ وليالٍ عشرٍ والشفعِ والوَتر، والسماءِ والأرض، واليومِ الموعودِ وشاهدٍ ومشهود، والمرسَلات، والعاصفات، والنَّاشرات، والفارقات، والتَّازعات، والنَّاشِطات، والسَّابحات، والسَّابقات، والتينِ والزيتونِ وطورٍ سِينين، إلى غير ذلك، فلو كان الإِقسام بشيءٍ دليلاً على تأثيره، لَزِمَ أن يكونَ جميعُ ما أَقسم به تعالی مؤثّراً، وهم لا یقولون به، وإنْ لم یکن دليلاً، فالاستدلالُ به باطل. ومثلُه في ذلك الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ وقد فسَّر غيرُ واحدٍ مواقعَ النجومِ بمنازل القرآنِ ونجومِه التي نزلت على النبيِّ ◌َّهَ في مدَّة ثلاثٍ وعشرين سنة، وكذا الاستدلالُ بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) في النكت والعيون ٢١٦/٥. الآية : ٨٩ ٩٩ سُؤَدَةُ الصَّافَاتِ ﴾ فلم يقل أحدٌ من الصّحابة والتابعين وأمَّا قولُه تعالى: ﴿فَأْمُدََِّّتِ أَمْرًا وعلماءِ التفسيرِ أنَّه إِقِسامٌ بالنجوم؛ فهذا ابنُ عباسٍ وعطاءٌ وعبدُ الرحمن بنُ سابطٍ وابنُ قتيبةً(١) وغيرُهم قالوا: إنَّ المرادَ بالمدبِّرات أمراً الملائكة، حتى قال ابنُ عطية (٢): لا أَحفظ خلافاً في ذلك. وكذلك ((المقسمات أمراً) فتفسيرُهما بالنُّجوم تفسيرُ المنجِّمين ومَن سلك سبيلَهم، وهو تفسيرٌ بالرأي، والعياذُ بالله تعالى. وأمَّا وصفُه تعالى بعضَ الأيامِ بالنُّحوسة كما في الآية التي ذكرها، فليس ذلك لتأثير الكواكبٍ ونحوستِها بحسَب ما يزعم المنجِّم، بل لأنَّ اللهَ تعالى عذَّب أعداءه فيها، فهي أيامٌ مشائيمُ على الأعداء، فوصفُ تلك الأيامِ بنَحِسات كوصف يومٍ القيامةِ بأنَّه عسيرٌ على الكافرين. ولیس ((مستمر)» فيه صفةً ١٩ وكذا يقال في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ نَخٍِْ مُسْتَمِرٍ (يوم)) بل هو صفة ((نحس))، أي: نحسٍ دائم، لا يُقلع عنهم كما تقلع مصائبُ الدُّنيا عن أهلها. والقولُ بأنَّه صفةُ (يوم)) وأنَّ المرادَ به يومُ أربعاء آخِر الشهرِ وأنَّه نحسٌ أبداً، غلط، ولا يكاد المنجِّم يزعم نحوسةَ يومٍ أربعاء آخر الشهرِ ولو شهر صفر أبداً، بل كثيراً ما يحكم بغاية سعدِهِ حسبما تقتضيه الأَوضاعُ الفلكيةُ فيه بزعمه . وأمَّا استدلالُه بالآيات الدالَّةِ على أنَّه سبحانه وضع حركاتِ هذه الأَجرامِ على وجهٍ يُنتفع بها في مصالح هذا العالَم، فمن الطَّرائف؛ إذ الأَليق - لو صحَّ زعمُ المنجِّم - أنْ يذكرَ في الآية ما تقتضيه النجومُ من السَّعد والنَّحس، وتعطيه من السَّعادة والشَّقاوة، وتهبه من الأَعمار والأَرزاقِ والعلوم والمعارف، وسائرٍ ما في العالَم من الخير والشر؛ فإنَّ العِبرةَ بذلك أعظمُ من العِبرة بمجرَّد الضياءِ والنور، ومعرفةٍ عددِ السِّنينَ والحساب. وأمَّا ما ذكره عن إِبراهيم عليه السلام من أنه تمسّك بعلم النُّجومِ حين قال: (إني سقيم)) فسقيمٌ جدّاً، وقد سمعتَ ما قيل في الآية، ولا ينبغي أن يظنَّ بإِمام (١) في غريب القرآن ص ٥١٢. (٢) في المحرر الوجيز ٤٣١/٥. سُوَرَةُ الصَّافَاتِ ١٠٠ الآية : ٨٩ الحنفاءِ وشيخ الأنبياءِ وخليلِ ربِّ الأرض والسماءِ أنَّه كان يتعاطى علمَ النجوم ويأخذ منه أحكامَ الحوادث، ولو فُتح هذا البابُ على الأنبياءِ عليهم السلام، لاحتمل أن يكونَ جميعُ أخبارِهم عن المستقبلات من أوضاع النجومِ لا من الوحي. وهو كما ترى. وأمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وأنَّ المرادَ به كِبَرُ القدرِ والشرفِ لا كبرُ الجثّة، ففي غاية الفساد؛ فإنَّ المرادَ من الخلق هاهنا الفعلُ لا المفعول، والآيةُ للدَّلالة على المعاد، أي: إنَّ الذي خلق السماواتِ والأرضَ وخلقُهما أكبرُ من خلقكم كيف يُعجزه أن يُعيدَكم بعد الموت؟! ونظيرُها قولُه تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وأين هذا من بحث أحكام النُّجوم وتأثيراتِها، ومثلُ هذا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ فإنَّ خلقَ السماواتِ والأرضِ من أعظم الأدلَّةِ على وجود فاطرِهما وكمالٍ قدرتِه وحكمتِه وعِلمه وانفرادِه بالرُّبوبية، ومَن سوَّى بينهما وبين البقَّةِ فقد كابر، ولذا ترى الأشياءَ الضعيفة، كالبعوضة والذبابٍ والعنكبوت، إنمَّا تُذكر في سياق ضربٍ الأمثال، مبالغةً في الاحتقار والضَّعف، ولا تُذكر في سياق الاستدلالِ على عظمةِ ذي الجلالِ جلَّ شأنُه، على أنَّ الآيةَ لو دلَّت على أنَّ للكواكب تأثيراً، لَدلَّت على أنَّ للأرض تأثيراً أیضاً کالكواكب، وهم لم يقولوا به. وما ذكره بعدُ من أنَّ دلالةَ حصولِ الحياةِ في أَبدان الحيواناتِ أَقوى من دلالة السماواتِ والأرض .. إلى آخر ما قال، في حيِّز المنع. ونظيرُ ذلك الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ فإنَّه لا يدلُّ أيضاً على أنَّ للكواكب تأثيراً، وغايةُ ما تدلُّ عليه هذه الآيةُ ونظائرُها أنَّ تلك المخلوقاتِ فيها حِكَم ومصالح، وليست باطلة، أي: خاليةً عن ذلك، ونحن نقول بما تدلُّ عليه، ولكن لا نقولُ بأنَّ تلك الحكمَ هي الإِسعادُ والإِشقاء، وهبةُ الأَعمارِ والأرزاق، إلى غير ذلك ممَّا يزعمه المنجِّمون، بل هي الآثارُ الظاهرةُ في عالم الطبيعة - على ما سمعت - ونحوها، كالدَّلالة على وجود الصانعِ وكثيرٍ من صفاته جلَّ شأنُه التي