النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ٢٨ ٤١ سُوَّةُ الصَنَافَاتِ ﴿قَالُوا﴾ استئنافٌ بيانيّ، كأنَّه قيل: كيف يتساءلون؟ فقيل: قالوا، أي: الأَتباعُ للرؤساء، أو الكفرةُ مطلقاً للقرناء: ﴿إِنَّكُمْ كُ نَأْتُونَنَا﴾ في الدنيا ﴿عَنِ أَلْيَمِينِ ٢٨) أي: من جهة الخيرِ وناحيته، فتنهونا عنه وتصدُّونا، قاله قتادة. ولشرف اليمين، جاهليةً وإِسلاماً، دنيا وأُخرى، استُعيرت لجهة الخيرِ استعارةً تصريحيةً تحقيقية، وجُعلت اليمينُ مجازاً عن جهة الخيرِ مع أنَّه مجازٌ في نفسه، فيكونُ ذلك مجازاً على المجاز؛ لأنَّ جهةَ الخيرِ لشهرة استعمالهِ التحقَ بالحقيقة، فيجوز فيه المجازُ على المجاز، كما قالوا في المسافة، فإنها موضعُ الشَّمِّ في الأصل؛ لأنَّه مَن: سافَ التراب: إذ شمَّه، فإنَّ الدليلَ إذا اشتبه عليه الطريقُ، أخذ تراباً فشمَّه ليعرفَ أنه مسلوٌ أو لا، ثم جُعل عبارةً عن البُعد بين المكانَين، ثم استُعير لفرقٍ ما بين الكلامين، ولا بُعدَ هناك. واستظهر بعضُهم حملَ الكلام على الاستعارة التمثيليَّة، واعتبارَ التجوُّز في مجموع (تأتوننا عن اليمين)) لمعنى: تمنعوننا وتصدُّوننا عن الخير، فيَسلم الكلامُ من دعوى المجازٍ على المجاز. وكأنَّ المرادَ بالخير الإِيمانُ بما يجب الإِيمانُ به. وجوِّز أن يكونَ المرادُ به الخيرَ الذي يزعمه المضلُّون خيراً، وأنَّ المعنى: تأتوننا من جهة الخيرِ، وتزعمون ما أنتم عليه خيراً ودينَ حقّ، فتخدعوننا وتُضِلَّوننا. وحُكي هذا عن الزجَّاج(١) . وقال الجبَّائي: المعنى: كنتم تأتوننا من جهة النصيحةِ واليُمن والبركة، فترغُّبوننا بما أنتم عليه، فتضلُّوننا. وهو قريبٌ مما قبله. وجوَّزوا أن تكونَ اليمينُ مجازاً مرسلاً عن القوَّة والقهر؛ فإنها موصوفةٌ بالقوَّة، وبها يقع البطش، فكأنَّه أطلق المحلَّ على الحالّ، أو السببَ على المسبَّب. ويمكن أن يكونَ ذلك بطريق الاستعارةِ وتشبيهِ القوَّة بالجانب الأَيمنِ في التقدُّم ونحوهِ، والمعنى: إنَّكم كنتم تأتوننا عن القوَّة والقهر، وتصدوننا عن السُّلطان والغلبة، حتى (١) معاني القرآن ٣٠٢/٤. سُوَةُ الصَّنَافَاتِ ٤٢ الآية : ٢٩ - ٣١ تحملونا على الضَّلال وتَقسِرونا عليه. وإليه ذهب الفرَّاء(١). وأن يكونَ اليمينُ حقيقةً بمعنى القَسَم، ومعنى إِتيانهم عنه أنَّهم يأتونهم مُقسِمين لهم على حقِّيَّة ما هم عليه من الباطل، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال، و((عن)) بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمُوَ جَ﴾ [النجم: ٣] أو هو ظرفٌ لغو. وفيه بُعد. وأَبعدُ منه أن يفسّرَ اليمينُ بالشَّهوة والهوى؛ لأنَّ جهةَ اليمينِ موضعُ الكَبِد، وهو مخالفٌ لمَا حُكي عن بعضٍ من أنَّ مَن أتاه الشيطانُ من جهة اليمينِ، أتاه من قِبَل الدِّين فلبَّس عليه الحقّ، ومَن أتاه من جهة الشِّمال، أَتاه من قبل الشَّهوات، ومَن أتاه من بين يديه أَتاه من قِبَل التكذيبِ بالقيامة والثواب والعقاب، ومَن أَتاه من خلفه خوَّفه الفقرَ على نفسه وعلى مَن يَخلُف بعده، فلم يَصِل رَحِماً ولم يؤدِّ زكاة. ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ على طرز السابق، أي: قال الرُّؤساء، أو قال القرناءُ في (@) وهو إِنكارٌ جوابهم بطريق الإِضراب عمَّا قالوه لهم: ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لإِضلالهم إياهم، أي: أنتم أَضللتم أنفسَكم بالكفر ولم تكونوا مؤمنين في حدٍّ ذاتكم، لا أنَّا نحن أَضللناكم. وقولهم: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من قهرٍ وتسلُّطِ نسلُبكم به اختيارَكم ﴿بَلْ كُمْ قَوْمًا طَِينَ (®﴾ مجاوزين الحدَّ في العصيان، مختارين له مصرِّين عليه، جوابٌ آخَرُ تسليميٍّ - على فَرْض إِضلالهم - بأنَّهم لم يُجبروهم عليه، وإنَّما دعَوهم له، فأَجابوا باختيارهم لموافقة ما دُعوا له هواهم. وقيل: الكلُّ جوابٌ واحد، محصَّله: إنَّكم انَّصفتم بالكفر من غير جبرٍ عليه. تفريعٌ على صريح ما تقدَّم من وقولهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنَّاً إِنَّا لَذَآ بِقُونَ عدم إِيمان أولئك المخاصمين لهم وكونِهم قوماً طاغينَ في حدِّ ذاتِهم، وعلى ما اقتضاه وأَشعرَ به خصامُهم من كفر هؤلاء المجيبين لأولئك الطَّاغين وغوايتهم في أنفسهم. (١) انظر معاني القرآن ٣٨٤/٢. الآية : ٣٢ ٤٣ سُوَدَّةُ الصَنَّافَاتِ وضمائرُ الجمع للفريقين، فكأنَّهم قالوا: ولأَجل أنَّا جميعاً في حدِّ ذاتنا لم نكن مؤمنين وكنّا قوماً طَاغين، لَزِمَنا قولُ ربِّنا وخالقِنا العالِم بما نحن عليه وبما يقتضيه استعدادُنا، وثبت علينا وعيدُه سبحانه بانًّا ذائقون لا محالةَ لعذابه عزَّ وجلّ، ومرادُهم أنَّ منشاً الخصام في الحقيقة الذي هو العذابُ أمرٌ مقضيٍّ لا محيصَ عنه، وأنَّه قد ترتّب على كلِّ منا بسبب أمرٍ هو عليه في نفسه، وقد اقتضاه استعدادُه وفَعَله باختياره، فلا يلومنَّ بعضُنا بعضاً، ولكن ليَلُمْ كلٌّ منَّا نفسه. ونظموا أنفسَهم معهم في ذلك للمبالغة في سدٍّ باب اللَّومِ والخصامِ من أولئك القوم. والفاء في قولهم: ﴿فَأَغْوَيَكُمْ﴾ أي: فدعوناكم إلى الغَيّ؛ لتفريع الدعاءِ المذكورِ على حقِّيَّة الوعيدِ عليهم، لا لمجرَّد التعقيبِ كما قيل. وعِلِّية ذلك للدُّعاء باعتبار أنَّ وجودَه الخارجيَّ متعلِّقاً بهم كان متفرِّعاً عن ذلك في نفس الأمر، لا باعتبار أنَّ إِصدارَه وإيقاعَه منهم على المخاطَبين كان بملاحظة ذلك كما تُلاحَظ العِللُ الغائيةُ في الأَفعال الاختيارية؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ رؤساءَ الكفرِ لم يكونوا عالمين في الدنيا حقِّيَّةَ الوعيدِ عليهم. نعم لا يَبعدُ أن يكونَ القرناءُ من الشياطين عالمين بذلك من أبيهم، وكذا تسميةُ دعائهم إيَّاهم إلى ما دعوهم إليه إِغواء، أي: دعاءً إلى الغَيّ، بناءً على أنَّ الكلامَ المذكورَ منِ الرُّؤساء باعتبار نفسِ الأمرِ التي ظهرت لهم يومَ القيامة. ®﴾ بناءً على أنَّهم إنَّما علموا ذلك ومثلُ هذا يقال في قولهم: ﴿إِنَّا كُنَا غَوِينَ يومَ التساؤلِ والخصام. والجملةُ مستأنفةٌ لتعليل ما قبلها. وكأنَّ ما أَشعر به التفريعُ باعتبار تعلُّقِ الإِغواءِ بالمخاطبين، وهذا باعتبار صدورِ الإِغواءِ نفسِه منهم، وهو تصريحٌ بما يستفاد من التفريع السّابق. ويجوز أن يكونَ إشارةً إلى وجه ترتّب إغوائهم إياهم على حقِّيَّة الوعيدِ عليهم، وهو حبُّ أن يتَّصفَ أولئك المخاطَبون بنحو ما اتَّصفوا به من الغَيِّ ويكونوا مثلَهم فيه. وملخّص كلامِهم أنَّه ليس منَّا في حقِّكم على الحقيقة سوى حبِّ أن تكونوا مثلَنا، وهو غيرُ ضارِّ لكم، وإنَّما الضارُّ سوءُ اختيارِكم وقُبحُ استعدادِكم، فذلك الذي ترتّب عليه حقِيَّة الوعيدِ عليكم وثبوتُ هذا العذابِ لكم. سُورَةُ الصَّافَاتِ ٤٤ الآية : ٣٢ وجوِّز أن يقال: إنَّهم نفَوا عنهم الإِيمانَ والاعتقادَ الحقّ، وأَثبتوا لهم الطغيانَ ومجاورةَ الحدِّ في العصيان، حيث لم يلتفتوا على ما يوجب الاعتقادَ الصحيحَ مع كثرتهِ وظهورهِ، ورتَّبوا على ذلك مع ما يقتضيه البحثُ حقِّيَّةَ الوعيد، وفرَّعوا على مجموع الأَمرين أنَّهم دعَوهم إلى الغَيِّ مراداً به الكفرُ؛ لاعتقاد أمرٍ فاسدٍ لا مجرَّدٍ عدم الإِيمان، أي: عدم التصديقِ بما يجب التصديقُ به بدون اعتقادٍ أمرٍ آخَرَ يكفر باعتقاده، وأشاروا إلى وجه ترتُّبِ ذلك على ما ذُكر، وهو محبَّةُ أن يكونوا مثلَهم، فكأنَّهم قالوا: كنتم تاركين الاعتقادَ الحقَّ غيرَ ملتفتين إليه مع ظهور أدلَتِهِ وكثرَتِها ، وكنا جميعاً قد حقَّ علينا الوعيد، فدعوناكم إلى ما نحن عليه من الاعتقادِ الفاسد، حبّاً لأن تكونوا أسوةً أنفسِنا، وهذا كقولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَاَ أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: ٦٣]. قال الراغب(١): هو إِعلامٌ منهم أنَّا قد فعلنا بهم غايةَ ما كان في وُسع الإِنسانِ أن يفعلَ بصديقه ما يريد بنفسه، أي: أَفدناهم ما كان لنا وجعلناهم أسوةً أنفسِنا، وعلى هذا «فأغویناکم إنا كنا غاوین)). انتهى. وجوِّز على هذا التقديرٍ أن يكونَ ((فأغويناكم)) مفرَّعاً على شرح حالٍ المخاطَبين، من انتفاء كونِهم مؤمنين، وثبوتٍ كونِهم طاغين وعن الآياتِ معرضين، وقولُهم: ((فحقَّ علينا ... )) إلخ اعتراضٌ لتعجيل بيانِ أنَّ ما الفريقان فيه أمرٌ مقضيٍّ لا ينفع فيه القيلُ والقال، والخصامُ والجدال. ويجوز على هذا أن يرادَ بضمير الجمع في ((فحقَّ علينا ... )) إلخ الرؤساءُ أو القرناء، لا ما يعمُّهم والمخاطَبين، وأشاروا بذلك إلى أنَّ ما هم فيه يكفي عن اللَّوم ويومئُ إلى زيادة عذابِهم، ولا يخفَى أنَّ تجويزَ الاعتراضٍ لا يخلو عن اعتراض. وتجويز كونِ الضميرِ في ((علينا ... )) إلخ للرُّؤساء أو القرناءِ يجري على غيرِ هذا الاحتمال، فتدبّر. وأيَّاما كان، فقولُهم: ((إنا لذائقون)) هو قولُ ربِّهم عزَّ وجلَّ ووعيدُه سبحانه (١) في المفرادات (غوي). الآية : ٣٣ - ٣٥ ٤٥ سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ إياهم، ولو حُكي كما قيل، لَقيل: إنَّكم لذائقون، ولكنَّه عدل إلى لفظ المتكلِّم؛ لأنَّهم متكلِّمون بذلك من أنفسهم. ونحوُه قولُ القائل: لقد زعمتْ هوازنُ قلَّ مالي(١) وهل لي غيرُ ما أَنفقتُ مالُ ولو حَكَى قولَها لَقال: قلَّ مالُكَ، ومنه قول المحلِّف للحالف: إِحلف: لَأَخرجنَّ، ولَتخرجَنَّ، الهمزةُ لحكاية لفظِ الحالف، والتاءُ لإِقبال المحلِّف على المحلّف. وقال بعضُ الأجِلَّة: قولُ الربِّ عزَّ وجلَّ هو قولُه سبحانه وتعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَنْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]. والربطُ على ما تقدَّم أَظهر. ﴿فَإِنَهُمْ﴾ أي: الفريقَين المتسائلَين. والكلامُ تفريعٌ على ما شُرح من حالهم ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يومَ إذ يتساءلون، والمرادُ به يومُ القيامة ﴿فِي الْعَذَابٍ مُشْتَّكُنَ كما كانوا مشتركين في الغَواية. واستظهر أنَّ المُغْوين أشدُّ عذاباً، وذلك في مقابلة أَوزارِهم وأوزارٍ مثلٍ أوزارهم، فالشّركةُ لا تقتضي المساواة. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الفعلِ البديعِ الذي تقتضيه الحكمةُ التشريعيةُ ﴿نَفْعَلُ أي: بالمشركين؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُّوَاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ ٣٤ ◌ِلْمُجْرِمِنَ عن القَبول. ٣٥ بطريق الدَّعوةِ والتلقين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ وفي إِعراب هذه الكلمةِ الطيبةِ أقوال: الأوَّل: أن يكونَ الاسمُ الجليلُ مرفوعاً على البدليَّة من اسم ((لا)) باعتبار المحلِّ الأصليّ، وهو الرفعُ على الابتداء، بدلَ بعضٍ من كلّ، و((إِلَّا)) مغنيةٌ عن الرَّبط بالضمير. وإذا قلنا: إنَّ البدلَ في الاستثناءِ قسمٌ على حِدَةٍ مغايرٌ لغيره من الأَبدال، اندفع عن هذا الوجهِ كثيرٌ من القيل والقال، وهو الجاري على ألسنة المُعرِبين. والخبرُ عليه عند الأكثرين مقدَّر، والمشهورُ تقديرُه: موجود. والكلمةُ الطيِّية في مقابلة المشركين، وهم إنَّما يزعمون وجودَ آلهةٍ متعدِّدةٍ ولا يقولون بمجرَّد (١) كذا في الكشاف ٣٣٩/٣، والبحر ٣٥٧/٧. وفي الحماسة البصرية ١٢/٢: تسائلني هوازن أين مالي، ونسبه ليزيد بن الجهم. سُورَةُ الصَّافَاتِ ٤٦ الآية : ٣٥ الإِمكان. على أنَّ نفيَ الوجودِ في هذا المقامِ يستلزم نفيَ الإِمكان، وكذا نفيُّ الإِمكانِ عمَّن عداه عزَّ وجلَّ يستلزم ثبوتَ الوجودِ بالفعل له تعالى. وجوِّز تقديرُه: مستحقٌّ للعبادة. ونفيُ استحقاقِها يستلزم نفيَ التعدُّد، لكن لا يتمُّم هذا التقديرُ على تفسير الإلهِ بالمستحقِّ للعبادة كما لا يخفَى. واختار البازليُّ(١) تقديرَ الخبرِ مؤخّراً عن ((إِلَّا الله))، بناءً على أنَّ تقديرَه مقدَّماً يوهم كونَ الاسمِ مستثنّى مفرَّغاً من ضمير الخبر، وهو لا يجوز عند المحقّقين، وأجازه بعضٌ، وهو القولُ الثاني. والثالث - ونُسب إلى الكوفيين -: أنَّ((إلَّا)) عاطفة، والاسمَ الجليلَ معطوفٌ على الإِله باعتبار المحلّ، وهي عندهم بمنزلة ((لا)) العاطفةِ في أنَّ ما بعدَها يخالف ما قبلها، إلّا أنَّ ((لا)) لنفي الإِيجاب، و((إلّا)) لإِيجاب النفي. والرابع: أنَّ الاسمَ الكريمَ هو الخبر، ولا عملَ لها فيه على رأي سيبويهِ من أنَّ الخبرَ مرفوعٌ بما كان مرفوعاً به قبل دخولِها، فلا يلزم عملُها في المعارف على رأيه، وهو لازمٌ على رأي غيرِه. وضعِّف هذا القولُ به، وكذا بلزوم كونِ الخاصِّ خبراً عن العامّ. وكونُ الكلام مسوقاً لنفي العموم والتخصيصٍ بواحدٍ من أفراد ما دلَّ عليه العامُّ لا يُجدي نفعاً؛ ضرورةَ أنَّ ((لا)) هذه عند الجمهورِ من نواسخ المبتدأ والخبر. والخامس: أنَّ ((إلَّا)) بمعنى ((غير))، وهي مع اسمِه عزَّ اسمُه صفةٌ لاسم ((لا)) باعتبار المحلّ، أي: لا إِلهَ غيرُ اللهِ تعالى في الوجود. ولا خللَ فيه صناعةً، وإنَّما الخللُ فيه - كما قيل - معنًى؛ لأنَّ المقصودَ نفي الأُلوهيةِ عن غيره تعالى وإثباتُها له سبحانه، وعلى الاستثناءِ يستفاد كلٌّ من المنطوق، وعلى هذا لا يفيد المنطوقُ إلَّا نفيَ الألوهيةِ من غيره تعالى دون إِثباتها (١) أبو عبد الله شمس الدين محمد بن داود البازلي الكردي الحموي الشافعي. كان زاهداً كثير العبادة ملازماً للتدريس. من كتبه: حاشية على جمع الجوامع للمحلّي، وتقدمة العاجل الذخيرة الآجل. توفي (سنة ٩٢٥هـ). الكواكب السائرة ٤٧/١، وشذرات الذهب ١٣٨/٨. الآية : ٣٦ - ٣٧ ٤٧ سُوَّةُ الصَّافَاتِ له عزَّ وجلّ، واعتبارُ المفهومِ غيرُ مجمَعٍ عليه، لا سيَّما مفهومُ اللقب، فإنَّه لم يقل به إلَّا الدقَّاقُ وبعضُ الحنابلة. والسادس - ونُسب إلى الزمخشريّ -: أنَّ ((لا إله)) في موضع الخبر، و«إلَّا اللهُه في موضع المبتدأ، والأصل: اللهُ إله، فلما أُريد قصرُ الصفةِ على الموصوف، قدِّم الخبرُ وقُرن المبتدأُ بـ ((إلَّا))؛ إذ المقصورُ عليه هو الذي يلي ((إلَّا))، والمقصورُ هو الواقعُ في سياق النفي، والمبتدأُ إذا قُرن بـ ((إلَّا)) وجب تقديمُ الخبرِ عليه، كما هو مقرّر في موضعه. وفيه تمثّل، مع أنَّه يلزم عليه أن يكونَ الخبرُ مبنياً مع ((لا))، وهي لا يُبنَى معها إلَّ المبتدأ، وأنَّه لو كان الأمرُ كما ذكر، لم يكن لنصب الاسمِ الواقعِ بعدَ ((إلَّا)) وجهٌ، وقد جوَّزه جماعةٌ في هذا التركيب، وتَرْكُ كلامهم لواحدٍ إن التزمتَه لا تجد لك ثانیاً فیه . والسابع: أنَّ الاسمَ المعظّمَ مرفوعٌ بـ ((إله))، كما هو حالُ المبتدأ إذا كان وصفاً، فإنَّ إلهاً بمعنى مألوه، من أله: إذا عبدَ، فيكون قائماً مقامَ الفاعلِ وسادّاً مسدَّ الخبر، كما في: ما مضروبٌ العمران. وتعقّب بمنع أن يكونَ ((إله)) وصفاً، وإلَّا لَوجب إعرابُهُ وتنوينُه، ولا قائلَ به. ثم إنَّ هذه الكلمةَ الطيبةَ يندرج فيها معظمُ عقائدِ الإِيمان، لكنَّ المقصودَ الأهمَّ منها التوحيد؛ ولذا كان المشركون إذا لقِّنوها أوَّلاً، يستكبرون وينفِرون ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا ﴾ يعنون بذلك - قاتَلَهم الله تعالى - النبيَّ ◌َِّز، وقد لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعٍِ تَجْنُنٍ جمعوا بين إِنكار الوحدانية وإنكار الرِّسالة. ووصفُهم الشاعرَ بالمجنون قيل: تخليطُ وهَذَيان؛ لأنَّ الشِّعرَ يقتضي عقلاً تامّاً به تُنظم المعاني الغريبة، وتُصاغ في قوالب الألفاظِ البديعة. وفيه نظر، وكم رأينا شعراءَ ناقصي العقول، ومنهم مَن يزعم أنَّه لا يحسن شِعره حتى يشربَ المسكِر، فيسكر ثم يقول. نَعَم كلٌّ من الوصفين هَذَيانٌ في حقِّه ◌َِِّ. ردِّ عليهم وتكذيبٌ لهم، ببيان أنَّ ما جاء به ﴿بَلَّ ◌ََّ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ سُورَةُ القَنَّافَاتِ ٤٨ الآية : ٣٨ عليه الصلاة والسلام من التوحيد هو الحقُّ الثابتُ الذي قام عليه البرهان، وأَجمع عليه كافةُ المرسلين، فأين الشِّعرُ والجنونُ من ساحته وَِّ الرفيعةِ الشأن؟! وقرأ عبدُ الله: ((وصَدَقَ)) بتخفيف الدَّال ((الْمُرْسَلُونَ)) بالواو رفعاً(١)، أي: وصدق المرسَلون في التبشيرِ به وفي أنَّه يأتي آخرَهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ بما فعلتم من الإِشراك وتكذيبِ الرَّسول عليه الصلاة والسلام والاستكبارِ ﴿لَذَابِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴾ والالتفاتُ لإِظهار كمالِ الغضبِ عليهم، بمشافهتهم بهذا الوعيدِ وعدمِ الاكتراثِ بهم، وهو اللائقُ بالمستكبرين. وقرأ أبو السمَّال، وأبانُ روايةً عن عاصم: ((لَذائقوا العذابَ)) (٢) بالنَّصب على أنَّ حذفَ النونِ للتخفيف، كما حُذف التنوينُ لذلك في قول أبي الأسود: فأَلْفَيْتُه غيرَ مستعتبٍ ولا ذاكرِ اللهَ إلَّا قليلاً(٣) بجرِّ ذاكرٍ بلا تنوينٍ ونصب الاسمِ الجليل. وهذا الحذفُ قليلٌ في غير ما كان صلةً لـ ((أل))، أمَّا فيما كان صلةً لها، فكثيرُ الورود؛ لاستطالة الصِّلةِ الداعيةِ للتخفيف، ونحوُ قولِه : الحافظو عورة العشيرةٍ لا يأتيهمُ من ورائهم نَطَفُ(٤) ونقل ابنُ عطيةً(٥) عن أبي السمَّال أنَّه قرأ: ((لذائقٌ)) بالإفراد والتنوينِ ((العذابَ)) بالنَّصب، وخرَّج الإِفراد على أنَّ التقدير: لَجمعٌ ذائق، وقيل: على تقدير: إنَّ جمعكم لَذائق . وقُرئ: ((لذائقون)) بالنُّون ((العذابَ)) بالنَّصب على الأَصل(٦). (١) البحر المحيط ٣٥٨/٧. (٢) البحر ٣٥٨/٧، وقراءة أبي السمال في القراءات الشاذة ص ١٢٧ . (٣) البيت لأبي الأسود الدؤلي، وهو في ديوانه ص ٥٤، وسلف ١٧٩/٥ . (٤) سلف ١٧/ ٣٢٣. (٥) في المحرر الوجيز ٤ / ٤٧١ . (٦) البحر ٣٥٨/٧. الآية : ٣٩ - ٤١ ٤٩ سُوَرَّةُ الصَنَّافَاتِبُ ﴿وَمَا تُجْزَوّنَ إِلَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ السيِّئات، أو: إلَّا بما كنتم تعملونه منها. ﴾ أي: إلَّا جزاءً ما كنتم تعملونه من ٣٩ إستثناءٌ منقطعٌ من ضمير ذائقوا، وما بينهما اعتراضٌ ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ جيءَ به مسارعةً إلى تحقيق الحقّ، ببيان أنَّ ذوقَهم العذابَ ليس إلّا من جهتهم لا من جهة غيرِهم أصلاً، فـ ((إلَّا)) مؤوَّلة بـ ((لكن))، وما بعدُ كخبرها، فيصير التقدير: لكنَّ عبادَ اللهِ المخلصين أولئك لهم رزقٌ وفواكه .. إلخ. ويجوز أن يكونَ المعنى: لكنَّ عبادَ اللهِ المخلصين ليسوا كذلك. وقيل: استثناءٌ منقطعٌ من ضمير ((تجزون)) على أنَّ المعنى: تُجزَون بمثل ما عملتم، لكنَّ عبادَ اللهِ المخلصين يُجزون أضعافاً مضاعفةً بالنِّسبة إلى ما عملوا. ولا يخفى بُعدُه. وأبعدُ منه جعلُ الاستثناءِ من ذلك متصلاً بتعميم الخطابِ في (تجزون)) لجميع المكلّفين؛ لما فيه - مع احتياجه إلى التكلَّف الذي في سابقه - من تفكيك الضَّمائر. و((المخلصين)) صفةٌ مدحٍ حيث كانت الإضافةُ للتشريف. ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: العبادُ المذكورون. وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم ممتازون بما اَّصفوا به من الإِخلاص في عبادته تعالى عمَّن عداهم امتيازاً بالغاً، وما فيه من معنى البعدِ مع قُرب العهدِ بالمشار إليه للإِشعار بعلوِّ طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل. وهو مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿لَمْ﴾ إما خبرٌ له وقولُه سبحانه: ﴿رِزْقٌ﴾ مرتفعٌ على الفاعلية للّرف، وإمَّا خبرٌ مقدَّم، و((رزق)) مبتدأ مؤخّر، والجملةُ خبرُ المبتدأ، والمجموعُ كالخبر للمستثنَى المنقطع على ما أشرنا إليه، أو استئنافٌ لمَا أَفاده الاستثناءُ إجمالاً بياناً تفصيليّاً. وقولُه تعالى: ﴿فَعْلُومُ ﴾﴾ أي: معلومُ الخصائص، ككونه غيرَ مقطوع ولا ممنوع، حسنَ المنظرِ لذيذ الطعمِ طيِّبَ الرائحة، إلى غير ذلك من الصِّفات سُورَةُ الصَنَافَاتِ ٥٠ الآية : ٤٢ المرغوبة، فلا يقال: إنَّ الرزقَ لا يكون معلوماً إلَّا إذا كان مقدراً بمقدار، وقد جاءَ في آيةٍ أخرى: ﴿يُرْزَّقُونَ فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠] وما لا يدخل تحت الحساب لا يُحدُّ ولا يقدَّر، فلا يكونُ معلوماً . وقيل: المراد: معلومُ الوقت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمْ رِزْقُهُمْ فِهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. وعن قتادة: الرزقُ المعلوم: الجنَّة. وتعقِّب بأنَّ ((في جنات)) بَعدُ يأباه. واعتُرض بأنَّه إذا كان المعنى: وهم مُكرَمون فيها، لم يكن به بأس. وأُجيب بأنَّ جعلَها مقرَّ المرزوقين لا يلائم جعلَها رزقاً، وأما إذا كان قيداً للرِّزق، فهو ظاهرُ الإِباء. وكونُ المساكنِ رزقاً للساكن فإِذا اختلف العنوانُ لم يكن به بأس، لا يدفعُ ما قرِّر كما لا يخفى على المنصف. وقولُه تعالى: ﴿فَكَةٌ﴾ بدلٌ من («رزق)) بدلَ كلٍّ من كلّ. وفيه تنبيهٌ على أنَّه مع تميُّزه بخواصِّه كلُّه فواكه. أو خبرُ مبتدأ محذوف، والجملةُ مستأنفة، أي: ذلك الرِّزقُ فواكه. والمرادُ بها ما يؤكل لمجرَّد التلذُّذِ دونَ الاقتيات، وجميعُ ما يأكله أهلُ الجنةِ كذلك، حتى اللحم؛ لكونهم مستغنين عن القُوت، لإِحكام خِلقتهم، وعدم تحلُّل شيءٍ من أَبدانهم بالحرارة الغريزيةِ ليحتاجوا إلى بدلٍ يحصل من القُوتِ. فَالمرادُ وَمِ طَيْرٍ مِمَا بالفاكهة هنا غيرُ ما أُريد بها في قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَذٍ مِّمَا يَتَخَُّنَ يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠-٢١] وهي هناك بالمعنى المعروف، فلا منافاة. وجوِّز أن يكونَ عطفَ بيانٍ للرِّزق المعلوم، فوجهُ الاختصاصِ ما عُلم به من بين الأَرزاق أنَّه فواكه. وقيل: هو بدلُ بعضٍ من كلّ، وتخصيصُها بالذِّكر؛ لأنَّها من أتباعِ سائرٍ الأَطعمة، فتدلُّ على تحقّق غيرِها. ﴿وَهُمْ تُكْرَمُونَ ﴾﴾ عند اللهِ تعالى، لا يَلحقهم هوانٌ، وذلك أعظمُ المثوباتِ وأَليقُها بأُولي الهمم. ولعلَّ هذا إشارةٌ إلى النَّعيم الروحانيِّ بعد النعيم الجسمانيِّ الآية : ٤٣ - ٤٥ ٥١ سُورَةُ الصَّافَاتِ الذي هو بواسطة الأكل. وقيل: مُكرَمون في نيل الرِّزق، حيث يصل إليهم من غير کسبٍ وگَدِّ وسؤال، كما هو شأنُ أرزاقِ الدنيا. وقرئ: ((مكرَّمون)) بالتَّشديد(١). ﴾ أي: في جناتٍ ليس فيها إلَّا النعيم، على أنَّ الإضافةَ ٤٣ ﴿فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ ( على معنى لام الاختصاصِ المفيدةِ للحصر، والظرفُ متعلّق بـ ((مكرمون))، أو بـ ((معلوم))، أو بمحذوفٍ حالٍ من المستكنِّ في ((مكرمون))، أو خبرٌ ثانٍ لـ ((أولئك))، أو لـ ((هم)). وقولُه تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ يحتمل أن يكونَ حالاً من المستكنِّ في ((مكرمون)) أو في الظَّرف قبله، وأن يكونَ خبراً، فيكونُ قولُه سبحانه: ﴿تُنَقَبِنَ ® · حالاً من المستكنِّ فيه، أو في ((مكرمون)) أو في الظّرف، أَعني ((في جنات)) وأن يتعلَّقَ بـ ((متقابلين))، فيكون حالاً من المستكنِّ في غيره. وأُشير بتقابلهم إلى استئناس بعضِهم ببعض، فبعضُهم يقابل بعضاً للاستئناسِ والمحادثة. وفي بعض الأَحاديثِ أنَّه تُرفع عنهم السُّتورُ أحياناً فينظر بعضُهم إلى بعض. وقرأ أبو السمَّال: ((سُرَرٍ)) بفتح الراء (٢)، وهي لغةُ بعضٍ تميم وكلب، يفتحون ما كان جمعاً على فُعل من المضعَّف إذا كان اسماً، واختلف النَّحويون في الصِّفة، فمنهم من قاسها على الاسم ففتح، فيقول: ذُلَل، بفتح اللام على تلك اللُّغة، ومنهم مَن خصَّ ذلك بالاسم، وهو موردُ السَّماع. وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾ إمَّا استئنافٌ لبيان ما يكون لهم في مجالس أُنسهِم، أو حالٌ من الضمير في ((متقابلين)) أو في أحد الجارّين. وجوِّز كونُه صفةً لـ ((مكرمون)). وفاعلُ الطوافِ - على ما قيل - مَن مات من أولاد المشركين قبل (١) الإملاء ٢٣٥/٤، والبحر ٣٥٩/٧. (٢) البحر ٣٥٩/٧. سُوَّةُ الصَّافَاتِ ٥٢ الآية : ٤٥ التكليف؛ ففي الصّحيح أنَّهم خدمُ أهلِ الجنة (١)، وقد صرَّح به في موضعٍ آخرَ، وهو قولُه تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَّهِمْ وِلْدَنْ تُلَُّونَ﴾ [الواقعة: ١٧] وقولُه سبحانه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ [الطور: ٢٤]. ﴿يِكَأْسِ﴾ أي: بخمر، كما رُوي عن ابن عبَّاس. وأخرج ابنُ أبي شيبةً وابن جَرِيرٍ (٢) وغيرُهما عن الضخَّاك قال: كلُّ كأسٍ ذكره الله تعالى في القرآن إنَّما عنى به الخمر. ونُقل ذلك أيضاً عن الحَبر والأَخفش. وهو مجازٌ مشهورٌ بمنزلة الحقيقة، وعليه قولُ الأعشى: وكأسٍ شربتُ على لذَّةٍ وأخرى تداويتُ منها بها(٣) ويدلُّ على أنَّه أراد بها الخمرَ إطلاقاً للمحلِّ على الحالِّ قولُه: شربت، وتقديرُ: شربتُ ما فيها، تكلُّف، والقرينةُ هاهنا ما يأتي بعدُ. وجوِّز تفسيرُه بمعناه الحقيقيّ، وهو إناءٌ فيه خمر، وأكثرُ اللغويين على أنَّ إناءَ الخمرِ لا يسمَّى كأساً حقيقةً إلَّا وفيه خمر، فإنْ خلا منه فهو قَدَح، والخمرُ لیس بمتعیّن . قال في ((البحر)) (٤): الكأسُ ما كان من الزُّجاج فيه خمرٌ أو نحوُه من الأَنبذة، ولا يسمَّى كأساً إلَّا وفيه ذلك. وقال الراغب(٥): الكأس: الإِناءُ بما فيه من الشَّراب، ويسمَّى كلُّ واحدٍ منهما بانفراده كأساً، يقال: كأسٌ خال(٦)، ويقال: شربتُ كأساً، و: كأسٌ طيّبة. ولعل كلامَه أَظهرُ في أنَّ تسميةَ الخالي كأساً مجاز. (١) أخرجه أبو يعلى (٤٠٩٠) من حديث أنس ظه، وأخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٩٣) من حديث سمرة بن جندب ـ (٢) في تفسيره ١٩/ ٥٣١. (٣) الديوان ص٢٢٣. (٤) ٣٥٩/٧. (٥) في المفردات (كأس). (٦) قوله: يقال: كأس خال، ليس في المطبوع من المفردات. الآية : ٤٦ ٥٣ سُورَةُ الصَنَافَات وحُكي عن بعضهم أنَّه قال: الكأسُ من الأَواني: كلُّ ما اتسع فمُه ولم يكن له مَقِض، ولا يُراعَى كونُه لخمرٍ أو لغيره. ﴿مِن نَعِيدٍ ®﴾ في موضع الصفة لکأس، أي: کائنةٍ من شراب معین، أو نهرٍ معين، أي: ظاهرٍ للعيون، جارٍ على وجه الأرضِ كما تجري الأنهار، أو خارج من العيون والمنابع. وأصلُه: مَعيون، من عَانَ الماء: إذا ظهر أو نبع، على أنّ ميمَه زائدة، أو هو من: مَعَنَ، فهو فعيل، على أنَّ الميمَ أصلية. ووصف به خمرُ الجنةِ تشبيهاً لها بالماء؛ لكثرتها، حتى تكون أنهاراً جاريةً في الجنان، ويؤذن ذلك برِقَّتها ولطافتها، وأنَّها لم تُدَس بالأقدام كخمر الدُّنيا، كما ينبئُ عن دَوْسها بها قولُه: ثم هانوها بدوسٍ بالقدم بنتُ كرمٍ يشَّموها أمَّها وَيلَهمْ من جَورِ مظلومٍ حكمْ(١) ثم عادوا حكَّموها فيهمُ وقول الآخر: صرعى تُداس بأرجُل العَصَّارِ وشَمولةٍ من عهد عادٍ قد غدت منهمْ فصاحت فيهمُ بالثارِ (٢) لانت لهمْ حتى انتشوا فتمگّنت وهذا مبنيٌّ على أنَّها خمرٌ في الحقيقة، وجوِّز أن تكونَ ماءً فيه لذةُ الخمرِ ونشوته، فالوصفُ بذلك ظاهر، وتفيد الآيةُ وصفَ مائهم باللَّذة والنشوة. وما ذُكر أوَّلاً هو الظاهر، نعم قال غيرُ واحد: لا اشتراكَ بين ما في الدُّنيا وما في الجنَّة إلَّا بالأسماء، فحقيقةُ خمر الجنةِ غيرُ حقيقةِ خمرِ الدنيا، وكذا سائرٌ ما فيهما . ﴿بَضَآءَ﴾ وصفٌ آخَرُ للكأس يدلُّ على أنَّها مؤنَّثة. وعن الحسن أنَّ خمرَ الجنةِ أشدُّ بياضاً من اللَّبن. (١) المستطرف ٤٠٨/٢ دون نسبة. (٢) نسبها في وفيات الأعيان ٤٣٥/٤ لأبي غالب عبيد الله بن هبة الله بن الأصباغي. سُوَةُ الصَنَّافَاتِ ٥٤ الآية : ٤٧ وأَخرج ابن جَريرٍ(١) عن السُّدِّيِّ أنَّ عبدَ اللهِ قرأ: ((صَفراء)» وقد جاء وصفُ خمرِ الدُّنيا بذلك، كما في قول أبي نُواس (٢): صفراءُ لا تنزل الأَحزانُ ساحَتها لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرّاءُ والمشهورُ أنَّ هذا بعدَ المزج، وإلّا فهي قبله حمراءُ، كما قال الشاعر: أتت في ثيابَيْ نرجسٍ وشقائقٍ وحمراءَ قبل المزجِ صفراءَ بعده عليها مِزاجاً فاكتست لونَ عاشقٍ(٣) حكت وجنةَ المحبوبِ صِرفاً فسلّطوا ﴾ وُصفت بالمصدرِ للمبالغة بجعلها نفسَ اللَّذة. وجوِّز أن ٤٦ ﴿لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ تكونَ لذةٌ تأنيثَ لَّذّ، بمعنى لذيذ، كطَبّ، بمعنى طبيبٍ حاذق، وأَنشدوا قولَه: ولذِّ كطعم الصَّرخديِّ تركتُه بأرض العِدًا من خشية الحَدَثانِ (٤) يريد: وعيشٍ لذيذٍ كطعم الخمرِ المنسوبِ لصرخد بلدٍ بالشام، وفسَّره الزمخشريُّ(٥) بالنوم، وأَراد أنَّه بمعنى لذيذ غلب على النوم، لا أنَّه اسمٌ جامد. وقولَه : بحديثك اللذِّ الذي لو كُلِّمتْ أُسدُ الفلاةِ به أَتين سِراعًا (٦) وفي قوله تعالى: ((للشاربين)) دون: لهم، إشارةٌ إلى أنَّها يَلتذُّ بها الشاربُ كائناً مَن كان. ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي: غائلةٌ كما في خَمر الدنيا، من: غاله يغولُه: إذا أَفسده. وقال الراغب(٧): الغَول: إِهلاكُ الشيءٍ من حيث لا يحسُّ به، يقال: غاله يغوله (١) في تفسيره ١٩/ ٥٣١-٥٣٢. (٢) ديوانه ص٧. (٣) وفيات الأعيان ٤/ ٣٢٧. (٤) كتاب الحيوان ٢٦٦/١، والأمالي ٢١٠/١. (٥) في الكشاف ٣٤٠/٣. (٦) المحرر الوجيز ٤/ ٤٧٢ دون نسبة (٧) في المفردات (غول). الآية : ٤٧ ٥٥ سُورَةُ الصَنَّافَاتِ غَولاً، واغتاله اغتيالاً، ومنه سمِّي السِّعلاءُ غولاً. والمرادُ هنا نفيُ أن يكونَ فيها ضررٌ أصلاً. وروى البيهقيُّ وجماعةٌ عن ابن عباسٍ أَّه قال في ذلك: ليس فيها صُدَاع (١). وفي رواية ابن أبي حاتمٍ عنه: لا تغول عقولهم من السُّكر. وأخرج الطستيُّ عنه أنَّ نافعَ بن الأزرقِ قال: أَخِرْني عن قوله تعالى: ﴿لَا فِهَا غَوْلٌ﴾. فقال: ليس فيها نتْنٌ ولا كراهيةٌ كخمر الدنيا، قال: وهل تعرف العربُ ذلك؟ فقال: نعم، أَمَا سمعتَ قولَ أمرئٍ القيس: ربَّ كأسٍ شربتُ لا غَولَ فيها وسقيتُ النديمَ منها مِزاجا (٢) وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه فسَّر ذلك بوجع البطن. ورُوي ذلك عن مجاهدٍ وابن زید وابن جُبیر. واختير التعميم، وأنَّ التنصيصَ على مخصوصٍ من بابِ التمثيل. وتقديم الظرفِ - على ما قيل - للتَّخصيص، والمعنى: ليس فيها ما في خمور الدُّنيا من الغَول. وفيه كلامٌ في كتب المعاني. ، أي: لا يسكرون، كما رُوي عن ابن عباسٍ وغيرِه، ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُكَفُونَ (® وهو بيانٌ لحاصل المعنى. وأصلُ النزف: نزعُ الشيءٍ وإذهابُه بالتدريج، يقال: نزفتُ الماءَ من البئر: إذا نزحتَه ونزعته كلَّه منها شيئاً بعد شيء. ونزف الهمُّ دمعَه: نزعه كلَّه، ويقال: شارب نزيف، أي: نزفت الخمرُ عقلَه بالسُّكر وأَذهبته كما ينزف الرجلُ البئرَ وينزع ماءها، فكأنَّ الشاربَ ظرفٌ للعقل فتُزع منه. فلا ينزَفون مبنيّاً للمفعول - كما قرأ الحِرْميَّان والعربيان (٣) - معناه: لا تنزع عقولهم، أي: لا تنزع الخمرُ عقولَهم ولا تُذهبها. أو الفاعلُ هو اللهُ تعالى، وتعديةٌ (١) البعث والنشور للبيهقي (٣٥٧)، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٣٢/١٩. (٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٧٤/٥، وأخرجه في الإتقان ٣٨٨/١-٣٨٩ من طريق الطستي. والبيت لم نقف عليه في الديوان. (٣) وعاصم كما في التيسير ص١٨٦، والنشر ٣٥٧/٢، وكما سيأتي قريباً. سُودَةُ القَنَانَاتِ ٥٦ الآية : ٤٧ الفعلِ بـ ((عن)) قيل: لتضمينه معنى يَصدُرون، وقيل: ((عن)) للتعليل والسَّببية. وأُفرد هذا الفسادُ بالنفي وعطف على ما يعمُّه؛ لأنَّه من عِظَم فسادِه كأنَّه جنسٌ برأسه، وله سمِّيت الخمرُ: أمَّ الخبائث. والمرادُ استمرارُ النفي لا نفيُّ الاستمرار. وقرأ حمزةُ والكِسائي: (يُنزِفون)) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي، وتابعهما عاصمٌ في ((الواقعة))، على أنَّه من: أَنزفَ الشارب: إذا صار ذا نُزف، أي: عقل، أو شراب نافذٍ ذاهب، فالهمزةُ فيه للصَّيرورة، وقيل: للدُّخول في الشيء؛ ولذا صار لازماً، فهو مِثل: كبَّ فَأَكبّ، وهو أيضاً بمعنى السُّكر؛ لنفاد عقلِ السَّكران، أو نفادِ شرابِه لكثرة شُربِهِ، فيلزمه عليهما السُّكر، ثم صار حقيقةً فيه، قال الأُبَيْرِد اليربوعيّ(١): لَعمري لئن أُنزفتمُ (٢) أو صحوتمُ لَبِئْسِ النَّدامَى كنتمُ آلَ أَبحرا وفي (البحر))(٣) أنَّ أَنزف مشترٌ بين سَكِرَ ونَفِدَ، فيقال: أَنزف الرجلُ: إذا سكر، وأَنزف: إذا نَفِدَ شرابُه، وتعديةُ الفعلِ للتضمين كما سبق. وجوِّز إرادةٌ معنى النفادِ من غير إِرادةٍ معنى السُّكر، أي: لا ينفَد ولا يفنَى شرابُهم حتى ينغص عيشهم، وليس بذاك. وقرأ ابنُ أبي إِسحاق: ((يَنْزِفون)) بفتح الياءِ وكسر الزاي، وطلحةُ بفتح الياءِ وضمِّ الزاي(٤)، والمرادُ في جميع ذلك نفيُ السُّكرِ على ما هو المأثورُ عن الجمهور. ومن الغريب ما أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ قال: في الخمر أربعُ خصال: السُّكر، والصُّداع، والقيء، والبول، فنزَّه اللهُ تعالى خمرَ الجنةِ عنها، ((لا فيها غولٌ)) لا تغول عقولهم من السُّكر، ((ولا هم عنها يُنزَفون)) (١) هو الأبيرد بن المعذّر اليربوعي الرِّياحي، شاعر فصيح مُقِلٌّ، من شعراء الإسلام وأول دولة بني أمية. المؤتلف والمختلف ص٢٦، والأغاني ١٢٦/١٣، والبيت في الأغاني ١٣٣/١٣، والخزانة ٣٨٨/٩. (٢) في مطبوع الأغاني: أُزْنِئْتُم. فليس فيه شاهد. (٣) ٣٥٠/٧. (٤) البحر ٣٦٠/٧. الآية : ٤٨ ٥٧ سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ لا يقيئون عنها كما يقيءُ صاحبُ خمرِ الدُّنيا عنها (١). وهو أَقرَبُ لاستعمال النزفِ في الأمور الحسِّية، كنزف البئرِ والرَّكِيَّة، وما أَشبه القيءَ وإِخراجَ الفضلاتِ من الجوف بنزف البئرِ وإخراج مائها عند نزحِها. ولولا أنَّ الجمهورَ على ما سمعتَ أوّلاً - حتى ابنُ عباسٍ في أكثر الرِّواياتِ عنه - لَقلت: إنَّ هذا التفسيرَ هو الأَوْلِى. ﴿وَعِندَهُمْ فَصِرَّتُ اٌلَّرْفِ﴾ قَصَرنَ أبصارَهنَّ على أزواجهنّ، لا يَمددن طرفاً إلى غيرهم. قاله ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وابنُ زيد. فمتعلَّق القصرِ محذوف؛ للعلم به. والكلامُ إمَّا على ظاهره، أو كنايةٌ عن فَرط محبَّتِهنَّ لأزواجهنَّ وعدمٍ ميلهِنَّ إلى سواهم. وقيل: المراد: لا يفتحنَ أعينَهنَّ دلالاً وغَنَجاً . والوصفُ على القولَين متعدٍّ، وجوِّز كونُه قاصراً، على أنَّ المعنى: ذابلاتُ الجفنِ مِراضُه، وما أُحيلَى ذبولَ الأجفان في الغواني الحِسَان؛ ولذا كثر التغزُّلُ بذلك قديماً وحديثاً، ومنه قولُ ابنِ الأَزدي: من لحِاظِ هي المِراضُ الصِّحاحُ مَرِضتْ سلوتي وصحَّ غرامي والطَّرْفُ في كلِّ ذلك طرفُهنّ. وجوِّز أن يكونَ الوصفُ متعدِّياً، والطرف طرفُ غيرِهنّ، والمعنى: قاصراتُ طرفٍ غيرِهنَّ عن التجاوز إلى سواهنَّ؛ لغاية حُسنهنّ، فلا يتجاوزهنَّ طرفُ الناظرِ إليهنّ، كقول المتنبي: وخصرٌ تثبت الأَبصارُ فيه كأنَّ عليه مِن حَدَقٍ نِطاقا(٢) وقد ذكر هذا المعنى أيضاً ابنُ رشيقٍ في قول امرىء القيس : من الذَّرِّ فوق الأنفِ (٣) منها لأنَّرا من القاصرات الطَّرْفِ لو دبَّ مُحْوِلٌ (١) الدر المنثور ٢٧٤/٥. (٢) الديوان ٤١/٣ . (٣) في الديوان ص٦٨: الإتب، وهو ثوب رقيق له جيب وليس له كُمَّان، والمحول: الذي أتى عليه حول. سُوَّةُ الصَّافَاتِ ٥٨ الآية : ٤٩ وهو لَعمري رشيق، بيد أنّي أقول: الظاهرُ هنا أنَّ العنديةَ في مجالس الشُّرب، إتماماً للذَّة، فلعل الأَوفقَ للغَيرة - وإنْ كانت الحظيرةُ حظيرةَ قدس - المعنى الأوَّل، والجمهورُ قد قَصَروا الطرفَ عليه، ولا يُظنُّ بهم أنَّهم من القاصرين. والجملةُ قيل: عطفٌ على ما قبلَها، وقيل: في موضع الحال، أي: يطاف عليهم بكأسٍ والحالُ عندهم نساءٌ قاصراتُ الطرفِ. ﴿عِینٌ ﴾ جمع: عَيناء، وهي الواسعةُ العينِ في جمال، ومنه قيل للبقر ٤٨ الوحشيّ: عِين. وقيل: العَيناء: واسعةُ العين، أي: كثيرةُ محاسنِ عينِها. والحقُّ أنَّ السَّعةَ اتساعُ الشِّقّ، والتقييدُ بالجمال يدفع ما عسى أنْ يقال. وما أَلطفَ وأظرفَ ذِكر ((عين)) بعد ((قاصرات الطرف)) !. ﴿كَهُنَّ بَيَضُ مَكُْنٌ وتُجمع على بُیوض، كما في قوله: (١) البيضُ معروف، وهو اسمُ جنس، الواحدةُ بيضة، ٤٩ بتيهاءَ قفرٍ والمطيُّ كأنَّها بيوضها قطا الحَزْن قد كانت فِراخاً والمرادُ تشبيههنَّ بالبيض الذي كُنَّه الريشُ في العُشّ، أو غيرُه في غيره، فلم تمسَّه الأيدي ولم يُصبه الغبار، في الصفاء وشَوبِ البياضِ بقليلٍ صُفرةٍ مع لمعانٍ كما في الدُّرّ. والأكثرون على تخصيصه ببيض النَّعام في الأَداحيّ(٢)؛ لكونه أحسنَ منظراً من سائر البيض، وأَبعدَ عن مسِّ الأيدي ووصولِ ما يغيِّر لونَه إليه. والعربُ تشبِّه النساءَ بالبيض، ويقولون لهنَّ: بيضاتُ الخدور، ومنه قولُ امرىءٍ القیس : وبيضةِ خِدرٍ لا يرام خِباؤها تمثَّعتُ من لهوٍ بها غيرَ مُعجَلٍ (٣) والبياضُ المشوبُ بقليل صُفرةٍ في النساءِ مرغوبٌ فيه جدّاً، قيل: وكذا البياضُ (١) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي، وهو في كتاب الحيوان ٥/ ٥٧٥، والمعاني الكبير ٣١٣/١، والخزانة ٩/ ٢٠١. (٢) أُدْحِيُّ النعامة: موضعها الذي تفرخ فيه. الصحاح (دحو). (٣) الديوان ص١٣ . الآية : ٤٩ ٥٩ سُوَرَّةُ القَنَّافَاتِ المشوبُ بقليلٍ حمرةٍ في الرِّجال، وأما البياضُ الصِّرف فغيرُ محمود؛ ولذا ورد في الحِلية الشَّريفة: أَبِيضُ ليس بالأَمهَق(١). - : وأخرج ابنُ المنذرِ عن ابن عباس، وهو وغيرُه عن ابن جُبير، وابنُ أبي حاتم وابن جَريرٍ (٢) عن السُّدِّيِّ أنَّ البيضَ المكنونَ: ما تحت القِشر الصُّلبِ بينه وبين اللُّبابِ الأصفر. والمرادُ تشبيههنَّ بذلك بعد الطبخ في التُّعومة والطَّراوة، فالبيضةُ إذا طُبخت وقُشرت، ظهر ما تحت القِشرةِ على أتمٍّ نعومةٍ وأكملٍ طراوة، ومن هنا تسمع العامَّةَ يقولون في مدح المرأة: كأنَّها بيضةٌ مقشّرة، ورجَّح ذلك الطبريُّ(٣) بأنَّ الوصفَ بـ ((مكنونٍ)) يقتضيه دونَ المشهور؛ لأنَّ خارجَ قشرِ البيضةِ لیس بمکنون. وفيه أنَّ المتبادرَ من البيض مجموعُ القشرِ وما فيه، و: أكلتُ كذا بيضةً، الأكلُ فيه قرينةُ إرادةٍ ما في القِشر دون المجموع؛ إذ لا يؤكل عادةً، وحينئذٍ لا يتمُّ ما قاله الطبريّ، فالأوَّل هو المقبول، ومعنى المكنونِ فيه ظاهرٌ على ما سمعت. وقد نقل الخفاجيُّ(٤) هذا المعنى عن بعض المتأخّرين، وتعقّبه بأنَّه ناشىٌ من عدم معرفةٍ كلام العرب. وكأنَّه لم يقف على روايته عن الحَبر ومَن معه، وإلّا لا يتسنَّى له ما قال، ولعل الروايةَ المذكورةَ غيرُ ثابتة، وكذا ما حكاه أبو حيَّان(٥) عن الحَبر من أنَّ البيضَ المكنونَ الجوهرُ المصون؛ لنبوٌ ظاهرِ اللفظِ عن ذلك. وقالت فِرقة: المرادُ تشبيههنَّ بالبيض في تناسب الأَجزاء، والبيضةُ أشدُّ الأشياءِ تناسبَ أجزاء، والتناسبُ ممدوح، ومن هنا قال بعضُ الأدباءِ متغزّلاً: تناسبت الأعضاءُ فيه فلا ترى بهنَّ اختلافاً بل أَتينَ على قدر (٦) (١) أخرجه البخاري (٣٥٤٧) و(٣٥٤٨) من حديث أنس (٢) في تفسيره ٥٤٠/١٩. (٣) في تفسيره ١٩/ ٥٤١. (٤) في حاشيته ٧/ ٢٧٠. (٥) في البحر ٧/ ٣٦٠. (٦) البحر ٧/ ٣٦٠، والدر المصون ٣٠٨/٩، وفيه: تناسبت الأعضاء فيها ... سُورَةُ الضَنَافَاتِ ٦٠ الآية : ٥٠ وأنت تعلم - بعد فَرْض تسليمِ أنَّ تناسبَ الأجزاءِ في البيضة معروفٌ بينهم - أنَّ الوصفَ بالمكنون ممَّا لا يظهر له دخلٌ في التشبيه. واستُشكل التشبيهُ على ما تقدَّم بآية عروسِ القرآن ﴿كَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] فإنَّها ظاهرةٌ في أنَّ في ألوانهنَّ حُمرة، وأين هذا من التشبيهِ بالبيض المكنونِ على ما سمعتَ قبل، فيتعيَّن أن يرادَ التشبيهُ من حيث النعومةُ والطَّرواة كما رُوي ثانياً، أو من حيث تناسبُ الأجزاءِ كما قيل أخيراً. وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكونَ المشبَّهاتُ بالبيض المكنونِ غيرَ المشبَّهات بالياقوت والمرجان. وكونُ البياضِ المشوبِ بالصُّفرة أحسنَ الألوانِ في النساء غيرُ مسلّم، بل هو حسن، ومثلُه في الحُسن البياضُ المشوبُ بحمرة، على أنَّ الأحسنيةَ تختلف باختلاف طباع الرائين، وللناس فيما يعشقون مذاهبٌ، والجنةُ فيها ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعين. وقيل: يجوز أن يكونَ تشبيهُهنَّ بالبيض المكنونِ بالنظر إلى بياض أَبدانهنَّ المَشُوبِ بصُفرة ما عدا وجوههنَّ، وتشبيهُهنَّ بالياقوت والمرجانِ بالنظر إلى بياض وجوهِهنَّ المشوبِ بحمرة. وقيل: تشبيههنَّ بهذا ليس من جهة أنَّ بياضَهنَّ مشوبٌ بحمرة، بل تشبيهُهنَّ بالياقوت من حيث الصَّفاء، وبالمرجان من حيث الإِملاسُ وجمالُ المنظر. وإذا أُريد بالمرجان الدررُ الصِّغار - كما ذهب إليه جمع ـ دون الخرزِ المعروف، يجوز أن يكونَ التشبيهُ من حيث البياضُ المشوبُ بصُفرة، فلا إِشكالَ أصلاً. معطوفٌ على ((يطاف)) وما بينهما معترِض، ٥٠ ﴿فَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَّسَآءَ لُونَ أو من متعلّقات الأوَّل، أي: يشربون فيتحادثون على الشُّرب، كما هو عادةٌ المجتمعين عليه، قال محمد بنُ فيَّاض(١): (١) كذا في حاشية الشهاب ٧/ ٢٧٠-٢٧١. ونسبهما صاحب يتيمة الدهر ١٣٠/١-١٣٢ لأبي محمد عبد الله بن عمرو بن محمد الفياض، كاتب سيف الدولة ونديمه. وكذا في سلك الدرر ١٨٩/٤. وفي ثمار القلوب ص٥٦٥: أبو محمد البياضي.