النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ١٠
٢١
سُوَدَّةُ الصَنَّافَاتِ
وليست الشُّهبُ نفسَ الكواكبِ التي زيِّنت بها السماء، فإنَّها لا تنقضُّ، وإلَّا
لانتقصت زينةُ السماء، بل لم تبقَ. على أنَّ المنقضَّ إن كان نفسَ الكوكبِ بمعنى أنَّه
ينقلع عن مركزه ويُرمى به الخاطفُ فيُرى لسرعة الحركةِ كرمحٍ من نار، لَزِمَ أن يقعَ
على الأرض، وهو إنْ لم يكن أعظمَ منها فلا أقلَّ من أنَّ ما انقضَّ من الكواكب من
حين حدث الرَّمي إلى اليوم أعظمُ منها بكثير، فيلزم أن تكونَ الأرضُ اليومَ مغشيةً
بأَجرام الكواكب، والمشاهدةُ تكذِّب ذلك، بل لم نسمع بوقوع چِرم کوکبٍ أصلاً،
وأصغرُ الكواكبِ عند الإسلاميِّين كالجبل العظيم، وعند الفلاسفةِ أعظمُ وأعظم، بل
صغارُ الثوابتِ عندهم أعظمُ من الأرض. وإن التزم أنَّه يُرمَى به حتى إذا تمَّ الغرضُ
رجع إلى مكانه، قيل عليه: إنَّه حينئذٍ يلزم أن يسمعَ لهُويِّه صوتٌ هائل، فإنَّ الشهبَ
تصل إلى محلٌّ قريبٍ من الأرض. وأيضاً عدمُ مشاهدةِ جرم كوكبٍ هابطاً أو صاعداً
يأبى احتمالَ انقلاع الكوكبِ والرَّمي به نفسه. وإن كان المنقضُّ نورَه، فالنورُ لا أذى
فيه، فالأرضُ مملوءةٌ من نور الشَّمس، وحشوُها الشياطين. على أنَّه إن كان المنقضُّ
جميعَ نورِهِ، يلزم انتقاصُ الزِّينة، أو ذهابُها بالكلِّية، وإن كان بعضَ نورِه، يلزم أن
تتغيَّرَ أضواءُ الكواكب، ولم يشاهد في شيءٍ منها ذلك.
وأمرُ انقضاضِه نفسِه أو انفصالٍ ضوئه على تقدير كونِ الكواكبِ الثوابتِ في
الفلك الثامنِ المسمَّى بالكرسيِّ عند بعضِ الإِسلاميين وأنَّه لا شيءَ في السماءِ
الدُّنيا سوى القمر، أَبعدُ وأبعد. والفلاسفةُ يزعمون استحالةَ ذلك؛ لزعمهم عدمَ
قبولِ الفلكِ الخرقَ والالتئام، إلى أمورٍ أخَر. ويزعمون في الشُّهب أنَّها أجزاءٌ
بخارية دخانيةٌ لطيفة، وصلت كرةَ النارِ فاشتعلت وانقلبت ناراً ملتهبة، فقد تُرى
ممتدَّةً إلى طرف الدُّخان، ثم تُرى كأنَّها طفئت، وقد تمكث زماناً كذوات الأَذناب،
وربما تتعلَّق بها نفسٌ على ما فصَّلوه، وهم مع هذا لا يقولون بكونها تُرمَى بها
الشياطين، بل هم يُنكرون حديثَ الرمي مطلقاً، وفي النُّصوص الإِلهيةِ رجوٌ لهم.
ولعلَّ أقربَ الاحتمالاتِ في أمر الشُّهبِ أنَّ الكوكبَ يقذف بشعاعٍ من نوره،
فيصل أثرُه إلى هواءٍ متكيِّف بكيفيةٍ مخصوصةٍ يقبل بها الاشتعالَ بما يقع عليه من
شُعاع الكوكبِ بالخاصية، فيشتعلُ فيحصل ما يشاهَد من الشُّهب.

سُؤَدَّةُ الصَّافَاتِ
٢٢
الآية : ١٠
وإنْ شئتَ قلت: إنَّ ذلك الهواءَ المتكيِّف بالكيفية المخصوصةِ إذا وصل إلى
محلٌّ مخصوصٍ من الجوّ، أَّرت فيه أشعةُ الكواكبِ بما أَودعه اللهُ تعالى فيها من
الخاصِّيَّة، فيشتعل فيحصل ما يحصل. وتأثيرُ الأشعةِ الحرقَ في القابل له ممَّا
لا يُنكَرِ، فإنَّا نرى شعاعَ الشمسِ إذا قوبل ببعض المناظرِ على كيفيةٍ مخصوصة،
أَحرقَ قابلَ الإِحراقِ ولو توسَّط بين المنظرةِ وبين القابلِ إناءُ بِلَّورٍ مملوءٌ ماءً.
ويقال: إنَّ اللهَ تعالى يصرف ذلك الحاصلَ إلى الشيطان المستَرِقِ للسَّمع، وقد
یحدث ذلك وليس هناك مسترِق.
ويمكن أن يقال: إنَّه سبحانه يخلق الكيفيةَ التي بها يقبل الهواءُ الإِحراقَ في
الهواء الذي في جهة الشَّيطان، ولعلَّ قُربَ الشيطانِ من بعض أجزاءٍ مخصوصةٍ من
الهواء معدٌّ بخاصِّيَّةٍ أَحدثها الله تعالى فيه؛ لِخلقه عزَّ وجلَّ تلك الكيفيةَ في ذلك
الهواءِ القريبِ منه، مع أنَّه عزَّ وجلَّ يخلق تلك الكيفيةَ في بعض أجزاءِ الهواءِ
الجويَّة، حيث لا شيطانَ هناك أيضاً.
وإنْ شئتَ قلت: إنَّه يخرج شُؤبوبٌ من شعاع الكوكب، فيتأذَّى به الماردُ أو
يحترق، والله عزَّ وجلَّ قادرٌ على أن يحرقَ بالماء ويرويَ بالنار، والمسبّبات عند
الأَسبابِ لا بها، وكلُّ الأشياءِ مسندةٌ إليه تعالى ابتداءً عند الأشاعرة. ولا يلزم على
شيءٍ ممَّا ذُكر انتقاصُ ضوءِ الكوكب، ولو سلم أنَّه يلزم انتقاصٌ على بعض
الاحتمالاتِ قلنا: إنَّه عزَّ وجلَّ يخلق بلا فصلٍ في الكوكب بدلَ ما نقص منه،
وأمرُه سبحانه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
ولا ينافي ما ذكرنا قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا
لِشَّيَطِينِ﴾ [الملك: ٥] لأنَّ جعلَها رجوماً يجوز أن يكونَ لأنَّه بواسطة وقوعِ أشغَّتِها
على ما ذكرنا من الهواءِ تحدث الشُّهب، فهي رجومٌ بذلك الاعتبار، ولا يتوقَّف
جعلُها رجوماً على أن تكونَ نفسها كذلك بأن تتقلعَ عن مراكزها ويرجمَ بها، وهذا
كما تقول: جعل اللهُ تعالى الشمسَ يُحرق بها بعض الأجسام، فإنَّه صادقٌ فيما إذا
أُحرق بها بتوسيط بعضٍ المناظرِ وانعكاسِ شعاعِها على قابلِ الإِحراق.

الآية : ١٠
٢٣
سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ
وزعم بعضُ الناسِ أنَّ الشهبَ شعلٌ ناريةٌ تحدث من أجزاءٍ متصاعدةٍ إلى كرة
الثَّار، وهي الرُّجوم؛ ولكونها بواسطة تسخينِ الكواكبِ للأرض قال سبحانه:
(وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا) على التجوُّز في إسناد الجعلِ إليها، أو في لفظها. ولا يخفى أنَّ كرةً
النارِ ممَّا لم تثبت في كلام السَّلف، ولا ورد فيها عن الصادقِ عليه الصلاة والسلام
خبر.
وقيل: يجوز أن تكونَ المصابيحُ هي الشُّهب، وهي غيرُ الكواكب، وزينةٌ
السماءِ بالمصابيح لا يقتضي كونَها فيها حقيقة؛ إذ يكفي كونُها في رأي العينِ
کذلك.
وقيل: يجوز أن يرادَ بالسماء جهةُ العُلُو، وهي مزيَّنة بالمصابيح والشُّهب،
كما هي مزينةٌ بالكواكب.
وتعقّب هذا بأنَّ وصفَ السماءِ بالدنيا يُبعد إرادةَ الجهةِ منها .
وتعقِّب ما قبله بأنَّ المتبادرَ أنَّ المصابيحَ هي الكواكب، ولا يكاد يُفهم من قوله
تعالى: (إِنَّا نََّّا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِيَةٍ الْكُوَِّبِ) وقولِه سبحانه: (وَلَقَدْ زَيََّا السَّمَآءَ الذُّنّا
بِمَصَبِيحَ) إلَّا شيءٌ واحد، وأنَّ كونَ الشهبِ المعروفةِ زينةَ السماءِ مع سرعة تقضِّيها
وزوالها وربما دُهش من بعضها، ممَّا لا يسلَّم.
والقولُ بأنَّه يجوز إطلاقُ الكوكبِ على الشِّهاب للمشابهة، فيجوز أن يرادَ
بالكواكب ما يشمل الشُّهبَ وزينةَ السماءِ على ما مرَّ آنفاً، زيد فيه على ما تقدَّم
ما لا يخفَى ما فيه. نعم يجوز أن يقالَ: إنَّ الكوكبَ ينفصل منه نور إذا وصل إلى
محلِّ مخصوصٍ من الجوِّ انقلب ناراً ورُئي منقضّاً، ولا يُعجز اللهَ عزَّ وجلَّ شيءٍ.
وقد يقال: إنَّ في السماءِ كواكبَ صغاراً جدّاً غيرَ مرئيةٍ ولو بالأَرصاد؛ لغاية
الصِّغر، وهي التي يُرمَى بها أنفسِها، وقولُه تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الذُّنَا بِمَصَطِيحَ
وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلِشَّيَطِيْنِّ) من باب: عندي درهمٌ ونصفُه، و(إِنَّا زَبَّنَا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِتٍَّ
الْكَوَكِبِ ﴿ وَحِفْظًا) الآيةَ إن كان على معنى: وحفظاً بها، فهو من ذلك البابِ أيضاً،
وإلَّ فالأمرُ أَهون، فتدبّر.

سُوَّةُ الصَّافَاتِ
٢٤
الآية : ١٠
واختلف في أنَّ المرجومَ هل يُهلَك بالشِّهاب إذا أصابه أو يتأذَّى به من غيرِ
هلاك؟ فعن ابن عباسٍ أنَّ الشياطينَ لا تُقتَل بالشِّهاب ولا تموت، ولكنها تُحرَق
وتَخبُل، أي: يَفسد منها بعضُ أعضائها. وقيل: تَهلِك وتموت، ومتى أصاب
الشهابُ مَن اختطف منهم كلمةً، قال للذي يليه: كان كذا وكذا، قبل أن يَهلِك.
ولا يأبى تأثيرَ الشهابِ فيهم كونُهم مخلوقين من النَّار؛ لأنَّهم ليسوا من النار
الصِّرفة، كما أنَّ الإنسان ليس من التُّراب الخالص، مع أنَّ النارَ القويةَ إذا استولت
على الضعيفةِ استهلكتها .
وأيَّاما كان، لا يقال: إنَّ الشياطينَ ذوو فِطنة، فكيف يُعقَل منهم العودُ إلى
استراق السمعِ مرةً بعد مرَّة، مع أنَّ المسترِقَ يَهلِك أو يتأذَّى الأذى الشديد،
واستمرارُ انقضاضِ الشهبِ دليلُ استمرارِ هذا الفعلِ منهم؟ لأنَّا نقول: لا نسلِّم
استمرارَ هذا الفعلِ منهم، واستمرارُ الانقضاضِ ليس دليلاً عليه؛ لأنَّ
الانقضاضَ يكون للاستراق ويكون لغيره، فقد أشرنا فيما سبق أنَّ الهواءَ قد
يتكيَّف بكيفيةٍ مخصوصة، فيحترق بسبب أشغَّةِ الكواكبِ وإن لم يكن هناك
مسترِق.
وقيل: يجوز أن تُرى الشُّهب؛ لتعارض في الأَهوية واصطكاكٍ يحصل منه
ما ترى، كما يحصل البرقُ باصطكاك السحابِ على ما رُوي عن بعض السَّلف،
وحوادثُ الجوِّ لا يعلمها إلا الله تعالى، فيجوز أن يكونوا قد استَرَقوا أوَّلاً،
فشاهدوا ما شاهدوا فتُركوا، واستمرَّت الشهبُ تحدث لمَا ذُكر لا لاستراق
الشَّياطين. ويجوز أن يقعَ أحياناً ممَّن حدث منهم ولم يعلم بما جرى على رؤوس
المستَرِقين قبلَه، أو ممَّن لا يبالي بالأذى ولا بالموت، حبّاً لأن يقال: ما أَجسرَه،
أو: ما أَشجعَه، مثلاً، كما يشاهَد في كثيرٍ من الناس يُقدِمون في المعارك على
ما يتيقَّنون هلاكَهم به حبّاً لمثل ذلك، ولعلَّ في وصف الشيطانِ بالمارد ما يُستأنس
به لهذا الاحتمال.
وأمَّا ما قيل: إنَّ الشهابَ قد يصيب الصاعدَ مرةً وقد لا يُصيب، كالموج
الراكب السَّفينة؛ ولذلك لا يرتدعون عنه رأساً: فخلافُ المأثور؛ فقد أخرج ابنُ

الآية : ١٠
٢٥
سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
أجا قال: إذا رُمي بالشِّهاب
أبي حاتم، وأبو الشَّيخ في ((العَظَمة))(١) عن ابن عباسٍ
لم يخطئ مَن رُمي به.
ثم إنَّ ما ذُكر من احتمال أنَّهم قد تُركوا بعد أن صحَّت عندهم التجربةُ لا يتمُّ
إلَّا على ما رُوي عن الشعبيّ من أنَّه لم يُقْذَف بالنُّجوم حتى وُلد النبيُّ وََّ، فلمَّا
قُذف بها، جعل الناسُ يسيِّبون أنعامَهم ويُعتقون رقيقَهم، يظنُّون أنه القيامة، فأَتَوا
عبدَياليل الكاهنَ وقد عمي، وأَخبروه بذلك، فقال: انظروا إنْ كانت النجومُ
المعروفةُ من السيّارة والثوابت، فهو قيامُ الساعة، وإلا فهو أمرٌ حادث، فنظروا،
فإذا هي غيرُ معروفة، فلم يمضٍ زمنٌ حتى أتى خبرُ النبيِّ وَّو .
ووافق على عدم حدوثِه قبلُ ابنُ الجوزيِّ في ((المنتظم))(٢) لكنَّه قال: إنَّه حدث
بعد عشرين يوماً من مبعثه.
والصحيحُ أنَّ القذفَ كان قبل ميلادِه عليه الصلاة والسلام، وهو كثيرٌ في أشعار
الجاهلية، إلَّا أنَّه يحتمل أنَّه لم يكن طارداً للشياطين، وأن يكونَ طارداً لهم لكن
لا بالكلِّية، وأن يكونَ طارداً لهم بالكلِّية. وعلى هذا لا يتأتَّى الاحتمالُ السابق،
وعلى الاحتمال الأوَّلِ من هذه الاحتمالاتِ يكون الحادثُ يوم الميلادِ طردهم
بذلك، وعلى الثاني طردَهم بالكلِّية وتشديدَ الأمرِ عليهم؛ لينحسمَ أمرُهم وتخليطُهم
ويصحَّ الوحي، فتكونُ الحَّةُ أَقطع.
والذي يترجَّح أنَّه كان قبل الميلادِ طارداً، لكن لا بالكلِّية، فكان يوجد استراقٌ
على النَّدرة، وشدِّد في بدءِ البعثة. وعليه يُراد بخبر: لم يُقذف بالنُّجوم حتى ولد
النبيُّ وَّهِ، أنَّه لم يَكثر القذفُ بها، وعلى هذا يخرَّج غيرُه إذا صحَّ، كالخبر المنقولِ
في السِّيَر أنَّ إبليسَ كان يخترق السماواتِ قبل عيسى عليه السلام، فلَّما بُعث أو
وُلد، حُجب عن ثلاثٍ سماوات، ولمَّا وُلد النبيُّ ◌َلَ حُجب عنها كلِّها وقُذفت
الشياطينُ بالنجوم، فقالت قريش: قامت السَّاعة، فقال عتبةُ بن ربيعة: انظروا إلى
العَيُّوق، فإنْ كان رُمي به، فقد آن قيامُ الساعة، وإلَّ فلا.
(١) برقم (٦٨٩).
(٢) ٣٥٦/٢.

سُوَُّقُ الضَنَّافَاتِ
٢٦
الآية : ١٠
وقال بعضُهم: اتفق المحدِّثون على أنَّه كان قَبلُ، لكن كَثُرَ وشدِّد لمَّا جاء
الإِسلام؛ ولذا قال تعالى: ﴿مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبً﴾ [الجن: ٨] ولم يقل: حُرست.
وبالجملة لا جزمَ عندنا بأنَّ ما يقع من الشُّهب في هذه الأعصارِ ونحوِها رجوٌ
للشياطين، والجزمُ بذلك رجمٌ بالغيب.
هذا وقد استُشكل أمرُ الاستراقِ بأمور، منها: أنَّ الملائكةَ في السماءِ مشغولون
بأنواع العبادة: ((أُطّت السماءُ وحقَّ لها أن تَثِطَّ، ما فيها موضعُ قدم إلَّا وفيه مَلَكٌ
قائمٌ أو راكيٌ أو ساجد))(١) فماذا تسترِق الشياطينُ منهم؟
وإذا قيل: إنَّ منهم مَن يتكلّم بالحوادث الكونية، فهم على محدَّبها والشياطينُ
تسترِق تحت مقعَّرها، وبينهما - كما صحَّ في الأخبار(٢) - خَمسُ مئةٍ عام، فكيف
يتأتَّى السَّماع، لاسيَّما والظاهرُ أنَّهم لا يرفعون أصواتَهم إذا تكلَّموا بالحوادث؛ إذ
لا يظهر غرضٌ برفعها. وعلى تقدير أن يكونَ هناك رفعُ صوت، فالظاهرُ أنَّه لیس
بحيث يُسمع من مسيرة خمسٍ مئةٍ عام. وعلى تقدير أن يكونَ بهذه الحيثية، فكُرةٌ
الهواءِ تنقطع عند كرةِ النار، ولا يُسمع صوتٌ بدون هواء.
وأُجيب بأنَّ الاستراقَ من ملائكة العَنان، وهم يتحدَّثون فيما بينهم بما أُمروا به
من السماءِ من الحوادث الكونية، و((لمسنا السماء)): طلبنا خبرَها، أو من الملائكةِ
النازلين من السماءِ بالأمر، فإنَّ ملائكةً على أبواب السماءِ ومن حيث ينزلون
يسألونهم: بماذا تذهبون؟ فُيُخبرونهم، وليس الاستراقُ من الملائكةِ الذين على
محدَّب السماء، وأمرُ كرةِ النار لا يصحّ، والهواءُ غيرُ منقطع، وهو كلَّما رقَّ وَلَطْفَ
كان أعونَ على السَّماع، على أنَّ وجودَ الهواءِ مما لا يتوقَّف عليه السماحُ على
أُصول الأَشاعرة، ومثلُه عدمُ البعدِ المفرِط.
وظاهرُ خبرٍ أَخرجه ابنُ أبي حاتم عن عكرمةَ أنَّ الاستراقَ من الملائكة في
السَّماء، قال: إذا قضى الله تعالى أمراً، تكلّم تبارك وتعالى، فتخرُّ الملائكةُ كلُّهم
(١) سلف ١٤ / ٤١٧.
(٢) انظر ٦٧/٣ و٢٠/١٣-٢١.

الآية : ١٠
٢٧
سُوَّةُ القَنَّافَاتِ
سجَّداً، فتحسب الجِنُّ أنَّ أمراً يقضَى، فتسترِق، فإذا فُزِّع عن قلوب الملائكةِ عليهم
السلام ورفعوا رؤوسَهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا جميعاً: الحقَّ، وهو العليُّ
الكبير.
وجاء في خبرٍ أخرجه ابنُ أبي شيبةً وعبد بن حُميد وابنُ المنذر عن إِبراهيمَ
التيميٍّ: إذا أراد ذو العرشِ أمراً، سمعت الملائكةُ كجرِّ السِّلسلة على الصَّفا،
فيغشَى عليهم، فإذا قاموا قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قال مَن شاءَ الله: الحقَّ، وهو
العليُّ الكبير(١).
ولعلَّه بعد هذا الجوابِ يُذكر الأمرُ بخصوصه فيما بين الملائكةِ عليهم السلام،
وظاهرُ ما جاء في بعض الرِّوايات عن ابن عباسٍ من تفسير الملأ الأعلى بكَتَبة
الملائكةِ عليهم السلام أيضاً أنَّ الاستراقَ من ملائكةٍ في السماء؛ إذ الظاهرُ أنَّ
الكتبةَ في السماء، ولعله يُتلى عليهم من اللوح ما يُتلى، فيكتبونه لأمرٍ ما، فتطمع
الشياطينُ باستراق شيءٍ منه، وأمرُ البُعدِ كأمر الهواء، لا يضرُّ في ذلك على
الأصول الأَشعرية. ويمكن أن يدَّعَى أنَّ جِرم السماءِ لا يحجب الصوتَ وإن كَثُف،
ا×
وكم خاصيةٍ أَثبتها الفلاسفةُ للأفلاك ليس عدمُ الحجبِ أغربَ منها .
ومنها أنَّه يُغني عن الحفظ من استراق الشياطينِ عدمُ تمكينهم من الصُّعود إلى
حيث يُستَرق السَّمع، أو أَمرُ الملائكةِ عليهم السلام بإِخِفاء كلامِهم بحيث
لا يسمعونه، أو جَعلُ لغتِهم مخالفةً للغتهم بحيث لا يفهمون كلامَهم.
وأُجيب بأنَّ وقوعَ الأمرِ على ما وقع من باب الابتلاءِ، وفيه أيضاً من الحِكَم
ما فيه. ولا يخفَى أنَّ مثل هذا الإِشكال يجري في أشياءَ كثيرة، إلّا أنَّ كونَ الصانعِ
حكيماً، وأنَّه جلَّ شأنُه قد راعى الحكمةَ فيما خلق وأَمر على أتمٍّ وجهٍ حتى قيل:
ليس في الإِمكان أبدعُ ممَّا كان، يحلُّ ذلك ولا يبقَى معه سوى تطلُّبٍ وجهِ
الحكمة، وهو مما يتفضَّل اللهُ تعالى به على مَن يشاء من عباده.
(١) هو في مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٨/١٤ مطولاً عن ابن فضيل عن عطاء عن سعيد عن ابن
عباس.

سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ
٢٨
الآية : ١١
والكلامُ في هذا المقام قد مرَّ شيءٌ منه فارجع إليه، وممَّا هنا وما هناك يحصل
ما يَسرُّ الناظرين، ويُرضي العلماءَ المحقّقين.
﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ﴾ أي: فاستخبرهم. وأصلُ الاستفتاءِ: الاستخبارُ عن أمرٍ حدث،
ومنه الفتى؛ لحداثة سِنِّه. والضميرُ لمشركي مكّة، قيل: والآيةُ نزلت في
أبي الأشدِّ بن كِلدةَ الجُمحي، وكُني بذلك لشدَّة بطشِه وقوَّته، واسمُه: أَسِيد.
والفاءُ فصيحة، أي: إذا كان لنا من المخلوقاتِ ما سمعت، أو إذا عرفتَ ما مرَّ،
فاستخبِر مشركي مكة واسألهم على سبيل التبكيتِ ﴿أَهُ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أي: أَقوى خِلقةً
وأمتنُ بُنْيَة، أو أصعبُ خَلْقاً وأشقُّ إِيجاداً ﴿أَم مَنْ خَلَقْنَاً﴾ من الملائكة والسماواتِ
والأرض وما بينهما، والمشارقِ والكواكبِ والشياطينِ والشُّهبِ الثواقب. وتعريفُ
الموصولِ عهديّ، أُشير به إلى ما تقدَّم صراحةً ودلالة، وغُلِّب العقلاءُ على غيرهم،
والاستفهامُ تقريريّ، وجُوِّز أن يكونَ إنكاريّاً .
وفي مصحف عبدِ الله: ((أم مَن عَددنا))(١) وهو مؤيِّد لدعوى العهد، بل قاطعٌ
بها. وقرأ الأَعمش: ((أَمَن)) بتخفيف الميم دون ((أم))، جعله استفهاماً ثانياً تقريريّاً،
فـ (مَن)) مبتدأُ خبرُه محذوف، أي: أَمن خلقنا أَشدّ؟
﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّن ◌ِيرٍ لَّازِبٍ ﴾﴾ أي: ملتصق، كما أَخرج ذلك ابنُ جَرِيرٍ (٢)
وجماعةٌ عن ابن عباس. وفي روايةٍ أخرى بلفظ: ملتزق، وبه أَجاب ابنَ الأزرقِ
وأَنشد له قول النابغة:
فلا تحسبون الخيرَ لا شرَّ بعدَه ولا تحسبون الشرَّ ضربةً لازبٍ(٣)
قيل: والمراد: ملتزقٌ بعضُه ببعض، وبذلك فسَّره ابنُ مسعود، كما أخرجه ابنُ
أبي حاتم، ويرجع إلى: حَسَن العجنِ جَيِّد التخمير. وأخرج ابنُ المنذرِ وغيرُه عن
قتادةَ أنَّه يلزقُ باليد إذا مسَّ بها. وقال الطبريّ: خُلق آدمُ من ترابٍ وماءٍ وهواءٍ
(١) البحر المحيط ٣٥٤/٧.
(٢) في تفسيره ١٩/ ٥١٢.
(٣) الديوان ص ١٣ .

الآية : ١٢
٢٩
سُورَةُ الصَنَافَاتُ
ونار، وهذا كلُّه إذا خُلط (١) صار طيناً لازباً يلزم ما جاوره، واللازبُ - عليه - بمعنى
اللازم، وهو قريبٌ مما تقدَّم.
وقد قُرئ: ((لازم)) بالميم بدلَ الباء، و((لاتب)) بالتاءِ بدلَ الزاي(٢)، والمعنى
واحد. وحَكَى في ((البحر))(٣) عن ابن عباسٍ أَنَّه عبَّر عن اللازب بالحُرّ، أي:
الكريمِ الجيِّد، وفي روايةٍ أنَّه قال: اللازب: الجيّد.
وأَخرج عبدُ بن حُميد وابنُ المنذر عن مجاهدٍ أنَّه قال: ((لازب)) أي: لازم
منتن. ولعلَّ وصفَه بمنتن مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَمٍ تَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] لكنْ
أخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباسٍ أنَّه قال: اللازبُ والحماُ والطينُ واحد، كان
أولُه تراباً، ثم صارّ حماً منتناً، ثم صار طيناً لازباً، فخلق اللهُ تعالى منه آدمَ عليه
السلام.
وأيَّما كان، فخلقُهم من طينٍ لازبٍ إِما شهادةٌ عليهم بالضَّعف والرَّخاوة؛ لأنَّ
ما يصنع من الطين غيرُ موصوفٍ بالصَّلابة والقوّة، أو احتجاجٌ عليهم في أمر
البعث، بأنَّ الطينَ اللازبَ الذي خُلقوا منه في ضمن خلقٍ أبيهم آدَمَ عليه السلام
ترابٌ، فمن أين استنكروا أنْ يُخلقوا منه مرةً ثانيةً حيث قالوا: ﴿أَهِذَا مِنْنَا وَكُنَّا
تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَا لَمَبْعُونُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ويَعضد هذا - على ما في ((الكشّاف))(٤) - ما يتلوه
من ذِكر إِنكارهم البعثَ.
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ خطابٌ للرَّسولِ وَّه وجوِّز أن يكونَ لكلِّ مَن
يقبله. و((بل)) للإضراب، إمَّا عن مقدَّر يُشعر به ((فاستفتهم .. )) إلخ، أي: هم
لا يقرُّون ولا يُجيبون بما هو الحقّ، بل مثلُك ممَّن يُذعن ويتعجّب من تلك
الدَّلائل، أو عن الأَمر بالاستفتاء، أي: لا تستفتهم؛ فإنَّهم معاندون لا ينفع فيهم
الاستفتاءُ ولا يتعجَّون من تلك الدَّلائل، بل مثلُك ممن يتعجّب منها.
(١) عبارته في تفسيره ٥١١/١٩: والتراب إذا خلط بماء ..
(٢) الكشاف ٣/ ٣٣٧.
(٣) ٣٥٤/٧.
(٤) ٣٣٧/٣.

سُوَّةُ الصََّافَاتِ
٣٠
الآية : ١٢
أي: وهم يسخرون منك ومن تعجّبك وممَّا تريهم من الآيات.
﴿وَيَسْخَرُونَ
وجوِّز أن يكونَ المعنى: بل عجبتَ من إنكارهم البعثَ مع هذه الآياتِ وهم يسخرون
من أمرِ البعث. واختير أن يكونَ المعنى: بل عجبتَ من قدرة اللهِ تعالى على هذه
الخلائقِ العظيمةِ وإنكارِهم البعثَ وهم يسخرون من تعجّبك وتقريرِك للبعث.
وزعم بعضُهم أنَّ المرادَ بـ ((من خلقنا)) الأُممُ الماضية. وليس بشيءٍ؛ إذ لم
يسبق لهذه الأُمم ذِكر، وإنَّما سبق الذِّكرُ للملائكة عليهم السلام وللسماوات
والأرضِ وما سمعتَ، مع أنَّ حرفَ التعقيبِ مما يدلُّ على خلافه.
ومَن قال - كصاحب ((الفرائد)) -: عليه جمهورُ المفسِّرين سوى الإِمام(١)،
ووجَّهه بأنَّه لما احتجَّ عليهم بما هم مقرُّون به من كونه ربّ السماواتِ والأرضِ
وربّ المشارق، وألزمهم بذلك وقابلوه بالعناد، قيل لهم: فانتظروا الإِهلاكَ كمن
قبلكم؛ لأنَّكم لستم أشدَّ خلقاً منهم، فوُضع موضعَه ((فاستفتهم أهم أشد خلقاً،
وقولُه تعالى: ((إنا خلقناهم)) تعليل لأنَّهم ليسوا أشدَّ خلقاً، أو دليلٌ لاستكبارهم
المنتجِ للعناد، وأيَّده بدلالة الإضراب، واستبعاد البعثِ بعده لدَلالته على أنَّه غيرُ
متعلّقٍ بما قبل الإِضراب = فقد(٢) ذهب عليه أنَّ اللفظَ خفيُّ الدَّلالةِ على ما ذُكر من
العناد واستحقاقِ الإهلاك كسالف الأُمم، وتعليلُ نفي الأشدِّية بما علَّل، ليس
بشيء؛ لوضوح أنَّ السابقين أشدُّ في ذلك، وكم من ذلك في الكتابِ العزيز،
وأما الإِضراب، فعن الاستفتاءِ إلى أنَّ مثلَك ممَّن يُذعن ويتعجّب من تلك الدَّلائل؛
ولذا ◌ُطف عليه ((ويسخرون)) وجعل ما أَنكروه من البعثِ من بعض مساخِرهم. قاله
صاحبُ ((الكشف)) فلا تغفل.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ سعدان وابن مِقِسَم: ((عجبتُ)) بتاء المتكلِّم، ورُويت
عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وابنِ عباس، وابنٍ مسعود، والنَّخَعي، وابنٍ وَّاب،
وطلحة، وشَقيق، والأَعمش(٣) .
(١) انظر التفسير الكبير ١٢٤/٢٦.
(٢) جواب لقوله: ومن قال كصاحب الفرائد ...
(٣) البحر ٣٥٤/٧، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٨٦، والنشر ٣٥٦/٢.

الآية : ١٢
٣١
سُوَرَّةُ الصَّافَاتِ
وأَنكر شُريحُ القاضي هذه القراءةَ، وقال: إنَّ اللهَ تعالى لا يعجب من شيء،
وإنَّما يعجب مَن لا يعلم. وإِنكارُ هذا القاضي مما أُفتي بعدم قَبوله؛ لأنَّه في مقابل
بيَّةٍ متواترة، وقد جاء أيضاً في الخبر: ((عجب ربُّكم من ألَّكم وقنوطِكم))(١).
وأُوَّلت القراءةُ بأنَّ ذلك من باب الفرْض، أي: لو كان العجبُ ممَّا يجوز عليَّ
لَعجبت من هذه الحال، أو التخييلِ، فيُجعل تعالى كأنَّه لإِنكاره لحالهم يعدُّها أمراً
غريباً ثم يُثبت له سبحانه العجب منها. فعلى الأول تكون الاستعارةُ تخييليةً تمثيلية،
كما في قولهم: قال الحائط للوتد: لمَ تشقُّني؟ فقال: سَلْ مَن يدقُّني. وعلى الثاني
تكون مَكنيةً وتخييلية، كما في نحو: لسانُ الحالِ ناطقٌ بكذا، والمشهورُ في أمثاله
الحملُ على اللازم، فيكون مجازاً مرسلاً، فيحمل العجبُ على الاستعظام، وهو
رؤيةُ الشيءِ عظيماً، أي: بالغاً الغايةَ في الحُسن أو القبح، والمرادُ هنا رؤيةُ ما هم
عليه بالغاً الغايةَ في القُبح، وليس استعظامَ الشيءِ مسبوقاً بانفعالٍ يحصل في الرَّوع
عن مشاهدة أمرٍ غريبٍ كما توهّم ليقال: إنَّ التأويلَ المذكورَ لا يحسم مادَّةَ الإِشكال.
وقال أبو حيان(٢): يؤوَّل على أنَّه صفةُ فعلٍ يُظهرها اللهُ تعالى في صفة
المتعجّب منه، من تعظيم أو تحقير، حتى يصيرَ الناسُ متعجّبین منه، فالمعنى: بل
عجبتُ من ضلالتهم وسوءِ نِحلتهم، وجعلتُها للناظرين فيها وفيما اقترن بها من
شرعي وهُداي متعَجَّباً .
وقال مكِّي(٣) وعليُّ بن سليمان: ضميرُ (عجبتُ)) للنبيِّ عليه الصلاة والسلام،
والكلامُ بتقدير القول، أي: قل: بل عجبتُ.
وعندي لو قدِّر القولُ بعدَ ((بل)) كان أَحسن، أي: بل قل: عجبتُ.
والذي يقتضيه كلامُ السلفِ أنَّ العجبَ فينا انفعالٌ يحصل للنَّفس عند الجهلِ
(١) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٢٦٩/٢، وفي بعض نسخه كما في حاشيته: يروى هذا
عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن عمرو يرفعه. والألّ: رفع
الصوت بالدعاء.
(٢) في البحر ٧/ ٣٥٤.
(٣) في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦١١.

سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
٣٢
الآية : ١٣ - ١٦
بالسّبب؛ ولذا قيل: إذا ظهر السببُ بطل العجب، وهو في اللهِ تعالى بمعنَّى يليق
لذاته عزَّ وجلَّ هو سبحانه أَعلمُ به، فلا يعيِّنون المراد، والخَلَفُ يعيِّنون.
﴿وَإِذَا ذَّكْرُوْ لَا يَذْكُرُونَ ﴾﴾ أي: ودأبُهم أنَّهم إذا وُعظوا بشيءٍ لا يتَّعظون به.
أو أنَّهم إذا ذُكر لهم ما يدلُّ على صحَّة الحشرِ لا ينتفعون به؛ لبَلادتهم وقلَّةِ
فكرِهم. واستفادةُ الاستمرار من مقام الذَّمّ، ولعل في ((إذا)) والعطفِ على الماضي
ما يؤيِّده.
وقرأ ابنُ حبيش: ((ذُكِروا)) بتخفيف الكاف(١).
﴿وَإِذَا رَأَوْ ءَايَةٌ﴾ أي: معجزةً تدلُّ على صدق مَن يعظهم ويدعوهم إلى تركٍ ما هم
أي :
فيه إلى ما هو خير. أو معجزةً تدلُّ على صدق القائلِ بالحشر ﴿يَسْتَْخُرُونَ
يبالغون في السُّخرية، ويقولون: إنَّه سِحر. أو يطلب بعضُهم من بعضٍ أن يسخرَ
منها. رُوي أنَّ رُكانَةَ - رجلاً من المشركين من أهل مَّة - لقيه الرسولُ وَّهِ فِي جبلٍ
خالٍ يرعى غنماً له، وكان من أقوى الناس، فقال له: يا رُكانة، أرأيتَ إنْ صرعتُك
أَتؤمن بي؟ فقال: نعم، فصرعه ثلاثاً، ثم عرض له بعضَ الآيات، دعا عليه الصلاة
والسلام شجرةً فأَقبلت، فلم يؤمنْ، وجاء إلى مَّةً فقال: يا بني هاشم، ساحِروا
بصاحبكم أهل الأرض، فنزلت فيه وفي أضرابه(٢).
وقُرىء: ((يستسحرون)) بالحاء المهملة(٣)، أي: يَعدُّونها سحراً.
ظاهرٌ سحريّتُه
١٥
﴿وَقَالُواْ إِنْ هَذَا﴾ ما يرَونه من ◌ّالآيات الباهرةِ ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُِّيُ
في نفسه. ﴿أَِذَا مِنْنَا وَكُنَا نُرَبًا وَعَظَمًا﴾ أي: كان بعضُ أجزائنا تراباً وبعضُها عظاماً؛
وتقديمُ الترابِ لأنَّه منقلبٌ عن الأجزاء البادية.
(١) القراءات الشاذة ص ١٢٧، والبحر ٣٥٥/٧.
(٢) القصة في سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٠-٣٩١، وأسد الغابة ٢٣٦/٢، دون ذكر سبب النزول.
وقال ابن الأثير: ثم أسلم بعدُ ونزل المدينة. اهـ. وذكره ابن حجر في الإصابة ٢٨٦/٤.
وقد روى أمر المصارعة فقط أبو داود (٤٠٧٨)، والترمذي (١٧٨٤) وقال: هذا حديث
حسن غريب، وإسناده ليس بالقائم.
(٣) البحر ٣٥٥/٧.

الآية : ١٧
٣٣
سُورَةُ الصَنَافَاتِ
١٦
و((إذا)) إمَّا شرطية، وجوابُها محذوفٌ دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿لَنَا لَمَبْعُوتُونَ
أي: نُبعَث، وفي عاملها الكلامُ المشهور.
وإما متمحِّضة للظرفية، فلا جوابَ لها، ومتعلَّقها محذوفٌ يدلُّ عليه ذلك
أيضاً، لا هو؛ لأنَّ ما بعدَ ((إنَّ) واللام لا يعمل فيما قبلَهِ، أي: أَنْبعَث إذا متنا.
وإنْ شئتَ فقدِّره مؤخّراً، فتقديمُ الظرفِ لتقوية الإِنكارِ للبعث، بتوجيهه إلى حالةٍ
منافيةٍ له غايةَ المنافاة، وكذا تكريرُ الهمزةِ للمبالغة والتشديدِ في ذلك، وكذا تحليةُ
الجملةِ بـ ((إنَّ». واللامُ لتأكيد الإِنكار، لا لإِنكار التأكيدِ كما يوهمه ظاهرُ النظم
الكريم، فإنَّ تقديمَ الهمزةِ لاقتضائها الصَّدارة.
وقرأ ابنُ عامرٍ بطرح الهمزةِ الأولى، وقرأ نافعٌ والكسائيُّ ويعقوبُ بطرح
الثانية(١).
، مبتدأُ حُذف خبرُه؛ لدلالة خبرِ ((إنَّ)) عليه، أي: أَوَ آباؤنا
١٧
أَوَ ءَابَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ
الأوَّلون مبعوثون أيضاً. والجملةُ معطوفةٌ على الجملة قبلها .
وهذا أحدُ مذاهبَ في نحو هذا التركيب، وظاهرُ كلامٍ أبي حيَّانَ في ((شرح
التسهيل)) أنَّ حذفَ الخبرِ واجب، فقد قال: قال مَن نحا إلى هذا المذهب: الأصلُ
في هذه المسألةِ عطفُ الجمل، إلَّا أنهم لمَّا حذفوا الخبرَ لدلالة ما قبلُ عليه، أَنابوا
حرفَ العطفِ مكانَه، ولم يقدِّروا إذ ذاك الخبرَ المحذوفَ في اللفظ؛ لئلا يكونَ
جمعاً بين العوضِ والمعوَّض عنه، فأَشبه عطفَ المفرداتِ من جهةٍ أنَّ حرفَ
العطفِ ليس بعده في اللفظ إلَّا مفرد.
وثاني المذاهبٍ: أن يكونَ معطوفاً على الضمير المستترِ في خبر ((إنَّ) إنْ كان
مما يتحمَّل الضمير وكان الضميرُ مؤكّداً، أو كان بينه وبين المعطوفِ فاصلٌ ما،
وإلَّ ضَعُفَ العطف.
ونسب ابنُ هشامِ هذا المذهبَ والذي قبله إلى المحقّقين من البصريين. وفي
تأتِّيه هنا من غير ضعفٍ للفصل بالهمزة بحث؛ فقد قال أبو حيَّان: إنَّ همزةَ
(١) وقرأ بها أيضاً أبو جعفر كما في النشر ٣٧٣/٢، وانظر التيسير ص ٣٢.
٠٠

سُورَةُ الصَّافَاتِ
٣٤
الآية : ١٧
الاستفهام لا تدخلُ على المعطوف إلَّا إذا كان جملة؛ لئلا يلزمَ عملُ ما قبلَ الهمزةِ
فيما بعدها، وهو غيرُ جائز؛ لصدارتها(١).
والجوابُ بأنَّ الهمزةَ هنا مؤكِّدة للاستبعاد فهي في النيّة مقدَّمةٌ داخلةٌ على
الجملة في الحقيقة لكن فُصل بينهما بما فُصل، قد بُحث فيه بأنَّ الحرفَ لا يكرَّر
للتوكيد بدون مدخولِه، والمذكورُ في النحو أنَّ الاستفهامَ له الصدرُ من غیر فرقٍ بین
مؤكِّد ومؤسِّس، مع أنَّ كونَ الهمزةِ في نيَّة التقديمِ يُضعف أمرَ الاعتدادِ بالفصل
بها، لاسيَّما وهي حرفٌ واحد، فلا يقاس الفصلُ بها على الفصل بـ ((لا)) في قوله
تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وثالثُها: أنَّ يكونَ عطفاً على محلٌّ ((إنَّ) مع ما عملت فيه، والظاهرُ أنَّه حينئذٍ
من عطف الجملِ في الحقيقة.
ورابعُها: أن يكونَ عطفاً على محلِّ اسم ((إنَّ)؛ لأنَّه كان قبل دخولها في موضعٍ
رفع، والظاهرُ أنَّه حينئذٍ من عطف المفردات.
واعتُرض بأنَّ الرفعَ كان بالابتداء، وهو عاملٌ معنويّ، وقد بطل بالعامل
اللفظيّ.
وأُجيب بأنَّ وجودَه كَلا وجودٍ؛ لشَبَهِهِ بالزَّائد من حيث إنَّه لا يغيِّر معنى
الجملة، وإنَّما يفيد التأكيدَ فقط.
واعتُرض أيضاً بأنَّ الخبرَ المذكورَ كـ : ((مبعوثون)) في الآية يكون حينئذٍ خبراً
عنهما، وخبرُ المبتدأ رافعُه الابتداء، أو المبتدأ، أو هما، وخبرُ ((إنَّ)) رافعُه ((إنَّ)،
فیتوارد عاملان على معمولٍ واحد.
وأُجيب بأنَّ العواملَ النحويةَ ليست مؤثِّراتٍ حقيقية، بل هي بمنزلة العلامات،
فلا يصرُّ تواردُها على معمونٍ واحد. وهو كما ترى، وتمامُ الكلامِ في محلِّه.
وعلى كلِّ حالٍ الأَولى ما تقدَّم من كونه مبتدأً حُذف خبرُه، وقد قال أبو حيَّان:
(١) البحر المحيط ٣٥٥/٧.

الآية : ١٨
٣٥
سُوَرَةُ الصَنَّافَاتِ
إنَّ أربابَ الأقوالِ الثلاثةِ الأخيرةِ متَّفقون على جواز القولِ الأوَّل، وهو يؤيِّد القولَ
بأولویته.
وأيَّاما كان، فمرادُ الكفرةِ زيادةُ استبعادِ بعثِ آبائهم، بناءً على أنَّهم أَقدم،
فبعثُهم أَبعدُ على عقولهم القاصرة.
وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وابنُ عامر، ونافعٌ في رواية قالون(١): (أَوْ)) بالسكون،
على أنَّها حرفُ عطف، وفيه الاحتمالاتُ الأربعة، إلَّا أنَّ العطفَ على الضميرِ على
هذه القراءةِ ضعيف؛ لعدم الفصلِ بشيءٍ أصلاً .
﴿قُلْ نَعَمْ﴾ أي: تُبعثون أنتم وآباؤكم الأوَّلون. والخطابُ في قوله سبحانه:
﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴾﴾ لهم ولآبائهم بطريق التغليب، والجملةُ في موضع الحالِ من
فاعل ما دلَّ عليه ((نعم)) أي: تُبعثون كلُّكم والحالُ أَنَّكم صاغرون أذلَّاء، وهذه
الحالُ زيادةٌ في الجواب، نظيرُ ما وقع في جوابه عليه الصلاة والسلام لأُبَيِّ بنِ
خلفٍ حين جاء بعَظم قد رمَّ وجعل يفتُّه بيده ويقول: يا محمد، أَترى اللهَ يُحيي هذا
بعدما رمّ؟ فقال ◌َّ له - على ما في بعض الرِّوايات -: ((نعم ويبعثُك ويُدخلك
جهنم)(٢).
وقال غيرُ واحد: إنَّ ذلك من الأُسلوب الحكيم. وتعقّب بأنَّ عدَّ الزيادةِ منه
لا توافق ما قرِّر في المعاني، وإنْ كان ذلك اصطلاحاً جديداً، فلا مشاخّةً في
الاصطلاح.
واكتُفي في الجواب عن إِنكارهم البعثَ على هذا المقدارِ ولم يقم دليلٌ عليه،
اكتفاءً بسبق ما يدلُّ على جوازه في قوله سبحانه: (فَأَسْتَفْئِهِمْ) إلخ، مع أنَّ المخبِرَ قد
عُلم صدقُه بمعجزاته الواقعةِ في الخارج التي دلَّ عليها قولُه سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْأ ◌َايَةً)
الآيةَ. وهزؤهم وتسميتُهم لها سحراً لا يضرُّ طالبَ الحقّ، والقولُ بأنَّ ذلك للاكتفاء
بقيام الحجّةِ عليهم في القيامة، ليس بشيء.
(١) في الأصل و(م): وقالون، وهو خطأ، انظر البحر ٣٥٥/٧، والتيسير ص ١٨٦، والنشر
٣٥٧/٢.
(٢) ينظر ٤٢٠/٢٢.

سُورَةُ الضَّافَاتِ
٣٦
الآية : ١٩
وقرأ ابن وثَّاتٍ والكِسائي: (نَعِمْ)) بكسر العين(١)، وهي لغةٌ فيه.
وقُرىء: ((قال))(٢)، أي: اللهُ تعالى أو رسولُهُ وَّهِ.
﴿فَإنََّا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ﴾ الضميرُ راجعٌ إلى البعثة المفهومةِ ممَّا قبل. وقيل:
للبعث، والتأنيثُ باعتبار الخبر. والزجرةُ: الصَّيحة، من: زجر الراعي غنمَه: صاح
عليها. والمرادُ بها النفخةُ الثانيةُ في الصور، ولمَّا كانت بعثتُهم ناشئةً عن الزجرة،
جُعلت إيَّاها مجازاً.
والفاءُ واقعةٌ في جواب شرطٍ مقدَّر، أو تعليليةٌ لنهي مقدَّر، أي: إذا كان
كذلك، فإنَّما البعثةُ زجرةٌ واحدة، أو لا تستصعبوها فإنَّما هي زجرة.
وجوَّز الزجَّاج(٣) أن تكونَ للتفسير والتفصيل، وما بعدها مفسِّر للبعث. وتعقّب
بأنَّ تفسيرَ البعثِ الذي في كلامهم لا وجهَ له، والذي في الجواب غيرُ مصرَّح به،
وتفسيرُ ما كُني عنه بـ ((نعم)) ممَّا لم يُعهد. والظاهرُ أنَّه تفسيرٌ لما كُني عنه بـ ((نعم))،
وهو بمنزلة المذكور، لاسيَّما وقد ذُكر ما يقوِّي إحضارَه من الجملة الحالية، وعدمُ
عهدِ التفسير في مثل ذلك ممَّا لا جزمَ لي به.
وأبو حيَّانَ نازع في تقدير الشَّرط، فقال: لا ضرورةَ تدعو إليه، ولا يُحذف
الشرطُ ويبقى جوابُه إلَّا إذا انجزم الفعلُ في الذي يُطلق عليه أنَّه جوابُ الأمرِ
والنهي وما ذُكر معهما على قول بعضِهم، أما ابتداءً فلا يجوز حذفُه(٤). والجمهورُ
على خلافه، والحقُّ معهم. وهذه الجملةُ إما من تتمَّة المقول، وإما ابتداءُ كلامٍ من
قِبَله عزَّ وجلَّ.
أي: فإذا هم قيامٌ من مراقدهم أحياءٌ يُبصرون كما كانوا
﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ
في الدُّنيا. أو ينتظرون ما يُفعل بهم وما يؤمرون به.
(١) قراءة ابن وثاب في البحر ٧/ ٣٥٥، وقراءة الكسائي في التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٦٩/٢.
(٢) الكشاف ٣٣٧/٣.
(٣) انظر معاني القرآن ٣٠١/٤.
(٤) البحر ٣٥٦/٧.

٣٧
الآية : ٢٠ - ٢٢
﴿وَقَالُواْ﴾ أي: المبعوثون. وصيغةُ الماضي لتحقّق الوقوع: ﴿يَوْيَنَا﴾ أي:
﴾ استئنافٌ منهم لتعليلٍ
يا هلاكنا احضُر، فهذا أَوانُ حضورِك ﴿هَذَا يَوْمُ الذِينِ
دعائهم الويل.
و((الدِّينُ)) بمعنى الجزاء، كما في: كما تُدين تدان، أي: هذا اليومُ الذي
نُجازَى فيه بأعمالنا، وإنَّما علموا ذلك؛ لأنَّهم كانوا يسمعون في الدُّنيا أنَّهم يُبعثون
ويحاسبون ويُجزَون بأعمالهم، فلمَّا شاهدوا البعثَ أَيقنوا بما بعده أيضاً.
· کلامُ الملائكة،
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُم بِهِ، ثُكَذِبُون
جواباً لهم بطريق التوبيخِ والتقريع. وقيل: هو من كلام بعضِهم لبعضٍ أيضاً.
ووقف أبو حاتمٍ على ((يا ويلنا)) وجعل ما بعده كلامَ اللهِ تعالى، أو كلامَ
الملائكةِ عليهم السلام لهم، كأنَّهم أَجابوهم بأنَّه لا تنفع الولولةُ والتلُّف.
و((الفصل)): القضاء، أو: الفرقُ بين المحسنِ والمسيء، وتمييزُ كلٌّ عن الآخَر
بدون قضاء.
﴿أَحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خطابٌ من الله تعالى للملائكة، أو من الملائكةِ بعضِهم
لبعض. أخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عباسٍ ﴿ّ: تقول الملائكةُ للزَّبانية:
((احشروا .. )) إلخ. وهو أمرٌ بحشر الظالمين من أماكنهم المختلفة إلى موقف
الحساب، وقيل: من الموقفِ إلى الجحيم. والسِّياقُ والسباقُ يؤيِّدان الأوَّل.
﴿وَأَزْوَجَهُمْ﴾ أَخرج عبدُ الرزاق، وابنُ أبي شيبة، وابنُ منيعٍ في ((مسنده))،
والحاكمُ وصحَّحه، وجماعة، من طريق النعمان بن بشير، عن عمرَ بنِ الخطاب
أنَّه قال: أزواجُهم: أمثالُهم الذين هم مثلُهم، يُحشر أصحابُ الرِّبا مع أصحاب
الرِّبا، وأصحابُ الزّنى مع أصحاب الزِّنى، وأصحابُ الخمرِ مع أصحابِ الخمر(١).
(١) الدر المنثور ٢٧٢/٥، وهو في تفسير عبد الرزاق ١٤٨/٢، والمستدرك ٢/ ٤٣٠، دون
قوله: يحشر أصحاب الربا ... إلخ، ولعل هذه الزيادة مدرجة من كلام بعض الرواة.
وهو عند الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن
النعمان، عن عمر. ورواه عبد الرزاق عن إسرائيل بهذا الإسناد، ولم يذكر عمر.

سُوَدَّةُ الصَنَّافَاتِ
٣٨
الآية : ٢٣
وأَخرج جماعةٌ عن ابن عباسٍ في لفظ: أشباهَهم، وفي آخَر: نظراءهم. ورُوي
تفسيرُ الأزواجِ بذلك أيضاً عن ابن جُبيرٍ ومجاهدٍ وعكرمة.
وأصلُ الزوج: المقارِن، كزوجَي الثَّعل، فَأُطلق على لازِمه، وهو المماثل.
وجاءَ في روايةٍ عن ابن عباسٍ أنَّه قال: أي: نساءَهم الكافرات. ورجَّحه
الرمَّاني.
وقيل: قرناءهم من الشَّياطين، ورُوي هذا عن الضخَّاك.
والواوُ للعطف، وجوِّز أن تكونَ للمعيَّة.
وقرأ عيسى بنُ سليمانَ الحجازي: ((وأَزواجُهم)) بالرَّفع عطفاً على ضميرٍ
((ظلموا)) على ما في ((البحر))، أي: وظَلَمَ أزواجُهم (١).
وأنت تعلم ضعفَ العطفِ على الضمير المرفوعِ في مثله، والقراءةُ شاذَّة.
مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الأَصنام ونحوِها. وحشرُهم معهم لزيادة
﴿َوَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
التحسيرِ والتخجيل. و((ما)) قيل: عامٌّ في كلِّ معبود، حتى الملائكة والمسيح وتعُزير
عليهم السلام، لكن خُصَّ منه البعضُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
الْحُسْفَ﴾ الآيةَ [الأنبياء: ١٠١].
وقيل: ((ما)) كنايةٌ عن الأصنام والأوثان، فهي لِمَا لا يَعقل فقط؛ لأنَّ الكلامَ
في المشركين عَبَدةِ ذلك.
وقيل: ((ما)) على عمومها، والأَصنامُ ونحوُها غيرُ داخلة؛ لأنَّ جميعَ المشركين
إنَّما عبدوا الشياطينَ التي حملتهم على عبادتها. ولا يناسب هذا تفسير ((أزواجهم))
بقرنائهم من الشَّياطين، ومع هذا التخصيصُ أَقرب، وفي هذا العطفِ دلالةٌ على أنَّ
الذين ظلموا المشركون، وهم الأَحِقَّاء بهذا الوصف؛ فإنَّ الشركَ لَظلمٌ عظيم.
﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَ صِرَطِ اَلْمَسِمِ ﴾ فعرِّفوهم طريقَها وأَروهم إِيَّاه. والمرادُ
(١) البحر ٣٥٦/٧، وهي في القراءات الشاذة ص ١٢٧ .

الآية : ٢٤ - ٢٥
٣٩
سُورَةُ الصَنَّافَاتِ
بـ ((الجحيم)) النار، ويُطلق على طبقةٍ من طبقاتها، وهو من الجَحمة؟ شدَّة تاجُج
النار. والتعبيرُ بالصّراط والهداية للتھكّم بهم.
﴿وَقِفُوٌ﴾ أي: احبسوهم في الموقف ﴿إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ
﴾ عن عقائدهم
٢٤
وأَعمالِهم، وفي الحديث: ((لا تزولُ قدما عبدٍ حتى يسألَ عن خمس: عن شبابه
فيما أبلاه، وعن عُمره فيما أفناه، وعن ماله مَّ كسبه وفيمَ أَنفقه، وعن عِلمِه ماذا
عمل به))(١).
وعن ابن مسعود: يُسألون عن: لا إلهَ إلَّا الله. وعنه أيضاً: يُسألون عن شرب
الماءِ الباردِ، على طريق الهزءِ بهم.
وروى بعضُ الإماميةِ عن ابن جُبيرٍ عن ابن عباس: يُسألون عن ولاية عليٍّ
كرَّم اللهُ تعالى وجهَه. ورووه أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.
وأَولى هذه الأقوالِ أنَّ السؤالَ عن العقائد والأعمال، ورأسُ ذلك لا إلهَ
إلَّا الله، ومن أَجلِّه ولايةُ عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وكذا ولايةُ إخوانِه الخلفاءِ
الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.
وظاهرُ الآيةِ أنَّ الحبسَ للسؤال بعدَ هدايتِهم إلى صراطٍ الجحيم، بمعنى
تعريفِهم إياه ودَلالِتهم عليه، لا بمعنى إِدخالهم فيه وإيصالهم إليه. وجوِّز أن يكونَ
صراطُ الجحيمِ طريقَهم له من قبورهم إلى مقرِّهم، وهو ممتدٌ، فيجوز كونُ الوقفِ
في بعضٍ منه مؤخّراً عن بعض. وفيه من البُعد ما فيه.
وقيل: إنَّ الوقفَ للسؤال قبل الأمرِ المذكور، والواوُ لا تقتضي التَّرتيب.
وقيل: الوقفُ بعد الأمرِ عند مجيئهم النارَ والسؤالِ عمَّا ينطق به قولُه تعالى:
﴿مَا لَكُمْ لَا نَصَرُونَ ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً. والخطابُ لهم وآلهتهم، أو
لهم فقط، أي: ما لكم لا ينصرُ بعضكم بعضاً كما كنتم تزعمون في الدنيا، فقد
رُوي أنَّ أبا جهلٍ قال يومَ بدر: نحن جميعٌ منتصر. وتأخيرُ هذا السؤالِ إلى ذلك
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١٦) من حديث ابن مسعود، وقال: هذا حديث غريب، و(٢٤١٧) من
حديث أبي برزة الأسلمي څ وحسّنه.

سُوَّةُ الصَّنَافَاتِ
٤٠
الآية : ٢٦ - ٢٧
الوقت؛ لأنَّه وقتُ تنجيزِ العذابِ وشدَّةِ الحاجة إلى النُّصرة وحالة انقطاعِ الرجاءِ،
فالتقريعُ والتوبيخُ حينئذٍ أشدُّ وقعاً وتأثيراً.
وقيل: السؤالُ عن هذا في موقف المحاسبةِ بعد استيفاءِ حسابِهِم والأمرِ
بهدايتهم إلى الجحيم، كأنَّ الملائكةَ عليهم السلام لمَّا أُمروا بهدايتهم إلى النارِ
وتوجيههم إليها، سارعوا إلى ما أُمروا به، فقيل لهم: قِفِوهم إنَّهم مسؤولون.
والذي يترجَّح عندي أنَّ الأمرَ بهدايتهم إلى الجحيم إنَّما هو بعد إِقامة الحجَّةِ
عليهم وقطع أعذارهم، وذلك بعد محاسبتهم. وعطف ((اهدوهم)) على ((احشروا))
بالفاءِ إشارةً إلى سرعة وقوعٍ حسابِهِم، وسؤالُهم: ما لَكم لا تناصرون، الأَليقُ أن
يكونَ بعد تحقّق ما يقتضي التناصر، وليس ذلك إلَّا بعد الحسابِ والأمرِ بهم إلى
النَّار، فلعل الوقفَ لهذا السؤالِ في ابتداء توجُّهِهم إلى النار، والله تعالى أعلم.
وقرأ عيسى: ((أَنَّهم)) بفتح الهمزة(١)، بتقدير: لأنَّهم. وقرأ البَزِّيُّ عن ابن كثير:
(لا تَتَناصرون)) بتاءين بلا إِدغام(٢). وقُرئ بإِدغام إِحداهما في الأخرى(٣).
· منقادون؛ لعجزهم وانسدادِ الحيلِ عليهم. وأصلُ
٢٦
﴿بَلْ هُ الْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
الاستسلام طلبُ السَّلامة، والانقيادُ لازمٌ لذلك عرفاً؛ فلذا استُعمل فيه. أو
متسالمون، كأنَّه يُسْلِمُ بعضُهم بعضاً للهلاك ويَخذله. وجوِّز في الإضراب أن يكونَ
عن مضمونٍ ما قبله، أي: لا ينازعون في الوقوف وغيرِه، بل ينقادون، أو
يخذلون. أو عن قوله سبحانه: ((لا تناصرون)) أي: لا يقدر بعضُهم على نصر
بعض، بل هم منقادونَ للعذاب، أو مخذولون.
﴿وَأَقْلَ بَعْفُهُمْ عَى بَعْضٍ﴾ هم الأَتباعُ والرؤساءُ المضلُّون. أو الكفرةُ من الإِنس
وقرناؤهم من الجِنّ، ورُوي هذا عن مجاهدٍ وقتادةَ وابنٍ زيد ﴿يَتَسَآءَلُونَ ﴾﴾ يسأل
بعضُهم بعضاً سؤالَ تقريعٍ بطريق الخصومة والجدال.
(١) القراءات الشاذة ص١٢٧، والبحر ٣٥٦/٧.
(٢) ذكرها أبو حيان في البحر ٣٥٧/٧ دون نسبة، وينظر التعليق الآتي.
(٣) هي قراءة البزي عن ابن كثير في حال الوصل كما في التيسير ص٨٣، والنشر ٢٣٢/٢-٢٣٣،
والبدور الزاهرة ص٢٦٩ .