النص المفهرس

صفحات 421-440

الآية : ٧٨
٤٢١
سُاَلاَيَسْ
عن مجاهدٍ وقتادةَ أنَّه أميةُ بن خلف، والذي اختاره وادَّعى أنَّه أصحُّ الأقوالِ أنَّه
أَبيُّ بن خلف، ثم قال: ويحتمل أنَّ كلَّا من هؤلاء الكفرةِ وقع منه ذلك.
وقيل: معنى قولِه تعالى: (فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ) فإذا هو بعد ما كان ماءً مهيئاً
رجلٌ مميِّز مِنطيق، قادرٌ على الخصام، مُبينٌ مُعرِبٌ عمَّا في ضميره فصيحٌ، فهو
حينئذٍ معطوفٌ على ((خلقناه))، والتعقيبُ والمفاجأةُ ناظران إلى خَلْقِه، و(مبين))
متعدٍّ، والكلامُ من متمِّمات شواهدِ صحَّة البعث، فقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾
معطوفٌ حينئذٍ على الجملة المنفيةِ داخلٌ في حيِّز الإِنكار، وأمَّا على الأوَّل، فهو
عطفٌ على الجملة الفُجائية، والمعنى: ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلاً، أي:
أورد في شأننا قصةً عجيبةً في نفس الأمرِ هي في الغرابة کالمثل، وهي إِنکار إِحیائنا
العظام، أو قصَّةً عجيبةً في زعمه، واستبعدها وعدَّها من قبيل المثل، وأنكرها أشدَّ
الإِنكار، وهي إِحياؤنا إياها، أو جَعَلَ لنا مثلاً ونظيراً من الخلق، وقاس قدرتنا
على قدرتهم، ونفى الكلَّ على العموم.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَسِىَ خَلْقَةٌ﴾ أي: خلقَنا إياه على الوجه المذكورِ الدالِ على
بُطلان ما ضربه، إمَّا عطفٌ على ((ضرب)) داخلٌ في حيِّز الإِنكارِ والتعجيب، أو
حال من فاعله بإِضمار ((قد))، أو بدونه.
ونسيانُ خلقه إما حقيقةٌ بأن لم يتذكَّره على ما قيل، وفيه دغدغة، أو تَرَكَ
تذكُّرَه؛ لكفره وعنادِهِ، أو هو كالناسي؛ لعدم جريِه على مقتضَى التذكُّر.
وقولُه سبحانه: ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكاية ضربه
المثل، كأنَّه قيل: أيَّ مثلٍ ضرب؟ أو: ماذا قال؟ فقيل: قال: ﴿مَن يُخِي الْعِظَمَ
وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ منكراً ذلك، ذاكراً من أَحوال العظام ما تَبعد معه من الحياة غايةً
البُعد، وهو كونُها رميماً، أي: باليةً أشدَّ الِلى.
والظاهرُ أنَّ (رميم)) صفةٌ لا اسمٌ جامد، فإنْ كان من رَّ اللازمِ بمعنى بلي،
فهو فعيلٌ بمعنى فاعل، وإنما لم يؤنَّث لأنَّه غلب استعمالُهُ غيرَ جارٍ عَلى موصوف،
فأُلحق بالأسماءِ الجامدة، أو حُمِل على فعيلٍ بمعنى مفعول، وهو يستوي فيه
المذگّر والمؤنَّث.

سُ الأكس)
٤٢٢
الآية : ٧٩
وقال محيي السنة (١): لم يقل: رميمة؛ لأنَّه معدولٌ من فاعلة، فكلُّ ما كان
معدولاً عن وجهه ووزنه، كان مصروفاً عن أَخواته، ومثلُه (بَغِيًّا)) في قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَفِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أَسقط الهاءَ منها؛ لأنَّها كانت مصروفةً
عن باغية.
وقال الأزهريّ(٢): إنَّ عظاماً لكونه بوزن المفرَد، ككتاب وقِراب، عومل
معاملتَه، فقيل: ((رميم))، دونَ: رميمة. وذَكَرَ له شواهد، وهو غريب.
وإنْ كان من رَّ المتعدِّي بمعنى أَبلى، يقال: رمَّه، أي: أَبلاه. وأصلُ معناه:
الأكلُ، كما ذكره الأزهري(٣)، من: رمَّت الإِبلُ الحشيش، فكأنَّ ما بلي أَكلته
الأرض، فهو فعيلٌ بمعنى مفعول. وتذكيرُه على هذا ظاهر؛ للإِجماع على أنَّ فعيلاً
بمعنى مفعولٍ يستوي فيه المذكّرُ والمؤنَّث.
وفي ((المطلع)): الرميمُ اسمٌ غيرُ صفة، كالرَّمَّة والرُّفات، لا فعيل بمعنى
فاعلٍ أو مفعول، ولأجل أنَّه اسمٌ لا صفةٌ لا يقال: لِمَ لم يؤنَّث وقد وقع خبراً
لمؤنَّث؟
ولا يخفى أنَّ له فعلاً، وهو رمَّ، كما ذكره أهلُ اللغة، وهو وزنٌ من أوزان
الصِّفة، فكونُه جامداً غيرُ ظاهر.
قُلْ﴾ تبكيتاً له بتذكير ما نَسِيه من فطرته الدالَّةِ على حقيقة الحالِ وإِرشاده إلى
طريقة الاستشهادِ بها: ﴿يُحْبِيّهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا﴾ أي: أَوجدها وربَّاها ﴿أَوَّلَ مَزَّوٌ﴾
أي: في أوَّل مرَّةٍ إذ لم يسبق لها إِبجاد، ولا شكَّ أنَّ الإحياءَ بعدُ أهونُ من الإنشاء
قبل، فمن قَدَرَ على الإِنشاء، كان على الإِحياء أقدرَ وأقدر. ولا احتمالَ لعروض
العجز؛ فإنَّ قدرته عزَّ وجلَّ ذاتيةٌ أزلية، لا تقبل الزوالَ ولا التغيُّر بوجهٍ من
الوجوه.
(١) أي: البغوي في تفسيره معالم التنزيل ٤/ ٢٠.
(٢) في تهذيب اللغة ٣٠٣/٢.
(٣) ينظر تهذيب اللغة ٣٠٣/٢، و١٩١/١٥.

الآية : ٧٩
٤٢٣
سُوٌ لايَسْ
وفي ((الحواشي الخَفاجية))(١): كان الفارابيُّ يقول: وددتُ لو أنَّ أرسطو وقف
على القياس الجليِّ في قوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا) إلخ، وهو: اللهُ تعالى أَنشأ العظامَ
وأَحياها أولَ مرَّة، وكلُّ مَن أنشأ شيئاً أوّلاً قادرٌ على إنشائه وإِحيائه ثانياً، فيلزم
أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قادرٌ على إنشائها وإِحيائها بقُواها ثانياً.
والآيةُ ظاهرةٌ فيما ذهب إليه الإمام الشافعيُّ - قيل: ومالكٌ وأحمد - من أنَّ
العظمَ تَحُّه الحياة، فيؤثِّر فيه الموتُ كسائر الأعضاء، وبنَوا على ذلك الحكمَ
بنجاسة عظم الميتة.
ومسألةُ حلولِ الحياة في العظم وعدمِه ممَّا اختلف فيه الفقهاءُ والحكماء،
واستدلَّ مَن قال منهما بعدم حلولِها فيه بأنَّ الحياةَ تستلزم الحِسَّ، والعظمُ
لا إحساسَ له، فإنَّه لا يتألَّم بقطعه كما يُشاهَد في القرن، وما قد يحصل في قطع
العظم من التألُّم إنَّما هو لما يجاوره.
وقال ابن زُهْرٍ في كتاب ((التيسير)(٢): اضطرب كلامُ جالينوس في العظام، هل
لها إحساسٌ أم لا؟ والذي ظهر لي أنَّ لها حسّاً بطيئاً، وليت شعري ما يمنعها من
التعفُّن والتفتّتِ في الحياة غيرُ حلولِ الرُّوح الحيوانيِّ فيها. انتهى.
وبعضُ مَن ذهب من الفقهاءِ إلى أنَّ العظامَ لا حياةَ فيها بنى عليه الحكمَ
بطهارتها من الميتة؛ إذ الموتُ زوالُ الحياة، فحيث لم تحلَّها الحياة، لم يحلّها
الموت، فلم تكن نجسة. وأُورد عليهم هذه الآية، فقيل: المرادُ بالعظام فيها
صاحبُها، بتقدير أو تجوُّز، أو المرادُ بإحيائها ردُّها لما كانت عليه غضَّةً رطبةً في
بدن حيٍّ حسَّاس. ورجّح هذا على إِرادة صاحبِها بأنَّ سببَ النزولِ لابدَّ من دخوله،
وعلى تلك الإرادةٍ لا يدخل، ويدخل على تأويلٍ إحيائها بإِعادتها لما كانت عليه.
ولا يخفَى أنَّ حملَ الآيةِ على ذلك خلافُ الظاهر، والظاهرُ مع الشافعية.
(١) ٢٥٥/٧.
(٢) في المداواة والتدبير، لأبي مروان عبد الملك بن زهر الإشبيلي. شيخ الأطباء، له مصنفات
في الطب أقبل الأطباء على حفظها. مات سنة (٥٥٧هـ). الوافي بالوفيات ١٩/ ١٦٢،
وكشف الظنون ١/ ٥٢٠، والأعلام ١٥٨/٤. والكلام من حاشية الشهاب ٧/ ٢٥٤.

٤٢٤
الآية : ٨٠
ومن الفقهاءِ القائلين بعدم نجاسةِ عظامِ الميتةِ مَن رأى قوَّةَ الاستدلالِ بالآية
على أنَّ العظامَ تحلُّها الحياة، فعلَّل الطهارةَ بغير ما سمعت، فقال: إنَّ نجاسةً
الميتةِ ليست لعينها، بل لِمَا فيها من الرُّطوبة والدمِ السائل، والعظمُ ليس فيه ذلك؛
فلذا لم يكن نجساً. ومنع الشافعيةُ كونَ النجاسةِ للرُّطوبة، وتمامُ الكلامِ في
الفروع.
﴿وَهُوَ﴾ عزَّ وجلَّ ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ أي: مخلوقٍ ﴿عَلِيمُ ﴾﴾ مبالغٌ في العلم،
فيعلم جلَّ وعلا بجميع الأَجزاءِ المتفتِّتة المتبدِّدةِ لكلِّ شخصٍ من الأشخاص،
أصولِها وفروعِها، وأوضاع بعضِها من بعض، من الاتّصال والانفصال،
والاجتماع والافتراق، فيعيد كلّ من ذلك على النَّمط السابقِ مع القُوى التي كانت
قبل.
والجملةُ إمَّا اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّر لمضمون ما تقدَّم، أو معطوفةٌ على الصِّلة.
والعدولُ إلى الاسمية للتنبيه على أنَّ علمَه تعالى بما ذُكر أمرٌ مستمرٌّ ليس كإنشائه
للمنشآت.
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ بدلٌ من الموصول
الأوَّل، وعدمُ الاكتفاءِ بعطف صلتِه على صِلته؛ للتأكيد، ولتفاوتهما في كيفية
الدَّلالة. والظرفان متعلِّقان بـ ((جعل))، قدِّما على ((ناراً)) مفعولِه الصَّريح؛ للاعتناءِ
بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤشّر.
و («الأخضر» صفةُ ((الشجر))، وقُرئ: ((الخضراء)»(١) وأهلُ الحجازِ یؤنّثون
الجنسَ المميَّز واحدُه بالتاء، مثلُ الشجر، إذ يقال في واحده: شجرة، وأهلُ نجدٍ
يذكّرونه، إلَّا ألفاظاً استثنيت في كتب النَّحو، وذكر بعضُهم أنَّ التذكيرَ لرعاية اللفظِ
والتأنيثَ لرعاية المعنى؛ لأنَّه في معنى الأشجار، والجمعُ تؤنَّث صفتُه. وقيل: لأنَّه
في معنى الشَّجرة، وكما يؤنَّث صفتُه يؤنَّث ضميرُه، كما في قوله تعالى: ﴿مِن شَجَرٍ
مِّنِ زَقُومٍ * فَالِثُونَ مِنْهَا الْبُونَ﴾ [الواقعة: ٥٢-٥٣].
(١) البحر ٣٤٨/٧.

الآية : ٨٠
٤٢٥
سُوَ لاَيَسْ
والمشهورُ أنَّ المرادَ بهذا الشجرِ المَرغُ والعَفَار، يتَّخذ من المرخ - وهو
ذَكَر - الزَّند الأعلى، ومن العَفَار - بفتح العينِ وهو أُنثى - الزَّندُ السفلى، ويُسحق
الأولُ على الثاني، وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فتنقدح النارُ بإذن اللهِ تعالى.
وكونُ المرخ بمنزلة الذَّكرِ والعَفارِ بمنزله الأُنثى هو ما ذكره الزَّمخشريُّ(١) وغيره،
واللفظُ كالشاهد له، وعكس الجوهريّ(٢).
وعن ابن عباسٍ والكلبيّ: في كلِّ شجرٍ نارٌ إلَّا العُنَّاب. قيل: ولذا يُتَّخذ منه
مِدَقُّ القصَّارين، وأنشد الخفاجيُّ لنفسه(٣) :
أيا شجرَ العَّاب ناركِ أَوقدتْ بقلبي وما العنَّابُ من شجر النارِ
واشتهر العمومُ وعدمُ الاستثناء، ففي المثَل: في كلِّ شجرٍ نار، واستمجد
المَرْغُ والعَفار، أي: استكثرا من النار، من: مجَّدت الإِبلُ: إذا وقعت في مرعّى
واسعٍ كثير، ومنه: رجلٌ ماجد، أي: مِفضال.
واختار بعضُهم حملَ الشجرِ الأخضرِ على الجنس، وما يُذكر من المرخ
والعَفارِ من باب التمثيل، وخُصَّا لكونهما أسرعَ وَرْياً وأكثرَ ناراً، كما يُرشد إليه
المثل، ومن إِرسال المثل: المرُ والعَفارُ لا يلدان غيرَ النار.
﴿فَإِذَا أَنْتُم ◌ِنْهُ تُوقِدُونَ ®﴾ كالتأكيد لِمَا قبله والتحقيقِ له، أي: فإذا أنتم من
ذلك الشجرِ الأخضرِ توقدون النار، لا تشكُّون في أنَّها نارٌ حقيقةً تخرج منه وليست
كنار الحُبَاحب(٤)، وأَشار سبحانه بقوله تعالى: ((الذي ... )) إلخ إلى أنَّ مَن قَدَرَ
على إِحداث النارِ من الشجر الأخضرِ مع ما فيه من المائية المضادَّةِ لها بكيفيته،
فإنَّ الماءَ باردٌ رطبٌ والنارَ حارَّة يابسة، كان جلَّ وعلا أَقدرَ على إِعادة الغَضاضةِ
إلی ما كان غضّاً فيبس وبَلِي.
(١) في الكشاف ٣٣٢/٣.
(٢) في الصحاح (مرخ).
(٣) في حاشيته ٢٥٥/٧.
(٤) رجل بخيل كان لا يوقد إلا ناراً ضعيفة مخافة الضيفان. ينظر ما سيأتي عند تفسير قوله
تعالى: ﴿فَلْمُورِيَّتِ قَدْحًا ﴾﴾.

سٌ ايس
٤٢٦
الآية : ٨١
ثم إنَّ هذه النارَ يخلقها اللهُ تعالى عند سحق إِحدى الشَّجرتين على الأخرى،
لا أنَّ هناك ناراً كامنةً تخرج بالسَّحق، و((من الشجر)» لا يصلح دليلاً لذلك، و: في
كلِّ شجرٍ نارٌ، من مسامحات العرب، فلا تغفُل، وإياكَ واعتقادَ الكُمون.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلخ استئنافٌ مسوقٌ من
جهته تعالى لتحقيق مضمونِ الجوابِ الذي أمر وَّر أن يخاطبَهم به ويُلزمَهم الحبّة.
والهمزةُ للإِنكار والنفي، والواوُ للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: أليس الذي
أَنشأها أوَّلَ مرة، وليس الذي جعل لكم من الشَّجر الأخضرِ ناراً، وليس الذي خلق
السماواتِ والأرضَ مع كبر جِرمهما وعِظَم شأنِهما ﴿يِقَدِرٍ عَلَ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾
في الصّغر والحقارةِ بالنّسبة إليهما؟ على أنَّ المرادَ بـ ((مثلهم)»: هم وأمثالُهم، أو
على أنَّ المرادَ به هم أنفسُهم بطريق الكناية، كما في: مِثلُك يفعل كذا. وقال
بعضُهم: مِثلَهم في أصول الذاتِ وصفاتِها، وهو المعاد. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى
تفصيلُ الكلامِ في هذا المقام.
وزعم جماعةٌ من المفسِّرين عودَ ضميرٍ (مثلهم)) للسَّماوات والأرض؛
لشمولهما لمَن فيهما من العقلاء، فلذا كان ضميرُ العقلاءِ تغليباً، والمقصودُ بالكلام
دفعُ توهُّمٍ قدَمِ العالَم المقتضي لعدم إِمكان إِعادته، وهو تكلّف ومخالفٌ للظاهر،
والمشركون لا يقولون بقِدَم العالَم فيما يظهر.
وتعقّب أيضاً بأنَّ قدمَ العالمٍ لو فُرض مع قدم النوعِ الإنسانيِّ وعدمٍ تناهي
أفرادِه في جانب المبدأ لا يأبى الحشرَ الجسماني؛ إذ هوَ بالنّسبة إلى المكلَّفين،
وهم متناهون. وزَعُمُ أنَّ ما ثبت قِدَمُه استحال عدمُه، غيرُ تامّ كما قرِّر في محلِّه،
فلا تغفل.
وقرأ الجحدريّ، وابنُ أبي إسحاق، والأعرج، وسلام، ويعقوبُ في رواية (١):
(يَقْدِرُ)) بفتح الياءِ وسكونِ القاف، فعلاً مضارعاً.
لَ﴾ جوابٌ من جهته تعالى، وتصريحٌ بما أَفاده الاستفهامُ الإنكاريُّ من
(١) هي رواية رويس كما في النشر ٣٥٥/٢. والكلام من البحر ٣٤٨/٧.

الآية : ٨٢
٤٢٧
سُ الأسْن
تقرير ما بعد النفي من القدرة على الخلق، وإِيذانٌ بتعيُّنه للجواب، نطقوا به أو
تلعثموا فيه مخافةً الالتزام.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ عطفٌ على ما يفيده الإِيجاب، أي:
بلى هو سبحانه قادرٌ على ذلك، وهو جلَّ وعلا المبالغُ في الخلق والعلمِ كيفاً
وكمّاً.
وقرأ الحسنُ والجحدريُّ وزيدُ بن عليٍّ ومالكُ بن دينار: ((الخالقُ)) بزِنَة
الفاعل(١).
﴿إِنَّمَّ أَمْرُهُ﴾ أي: شأنُه - تعالى شأنُه ـ في الإِيجاد. وجوِّز فيه أن يرادَ
الأمرُ القولي، فيوافق قولَه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] ويراد به
القولُ النافذ.
﴿إِذَا أَرَدَ شَيْئًا﴾ أي: إِيجادَ شيءٍ من الأشياء ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ﴾ أي: اوجَد
﴿فَيَكُونُ ٨﴾ أي: فهو يكون ويوجّد.
والظاهرُ أنَّ هناك قولاً لفظيّاً هو لفظُ ((كن))، وإليه ذهب معظمُ السَّلف،
وشؤونُ اللهِ تعالى وراءَ ما تصل إليه الأفهام، فدعْ عنك الكلامَ والخِصام.
وقيل: ليس هناك قولٌ لفظيّ؛ لئلا يلزمَ التسلسل، ويجوز أن يكونَ هناك قولٌ
نفسيّ، وقولُه للشيءِ تعلَّقه به. وفيه ما يأباه السلفُ غايةَ الإِباء.
وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّه لا قول أصلاً، وإنَّما المرادُ تمثيلٌ لتأثير قدرتِه تعالى
في مراده بأمر الآمِرِ المطاعِ للمأمور المطيعِ في سرعة حصولِ المأمورِ به من غير
امتناعٍ وتوقّفٍ على شيء.
وقرأ ابن عامرٍ والكِسائي: ((فيكونَ» بالنَّصب(٢) عطفاً على ((يقولَ))، وجوِّز كونُه
منصوباً في جواب الأمر، وأَباه بعضُهم؛ لعدم كونِهِ أمراً حقيقةً، وفيه بحث.
(١) البحر ٣٤٩/٧، والقراءات الشاذة ص ١٢٦ ولم يذكر زيد بن علي.
(٢) التيسير ص ١٣٧، والنشر ٢٢٠/٢.

سُوٌلاسم
٤٢٨
الآية : ٨٣
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوْتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ تنزيهٌ له عزَّ وجلَّ ممَّا وصفوه به تعالى،
وتعجيبٌ عمَّا قالوا في شأنه عزَّ شأنُه. والفاءُ جزائية، أي: إذا عُلِم ذلك فسبحان.
أو سببية؛ لأنَّ ما قبلُ سببٌ لتنزيهه سبحانه.
والملكوتُ مبالغةٌ في الملك، كالرَّحَموت والرَّهَبوت، فهو الملكُ التامّ. وفي
تعليق ((سبحان)) بما في حيِّزه إيماءٌ إلى أنَّ كونَه تعالى مالكاً للملك كلِّه قادراً على
كلِّ شيءٍ مقتضٍ للتسبيح.
وفسِّر الملكوتُ أيضاً بعالَم الأمرِ والغيب، فتخصيصُه بالذُكر قيل: لاختصاص
التصرُّفِ فيه به تعالى من غيرِ واسطة، بخلاف عالَم الشَّهادة.
وقرأ طلحةُ والأعمش: ((مَلَكَةُ)) على وزن شَجَرةٍ (١)، أي: بيده ضبطُ كلِّ شيءٍ.
وقُرئ: (مَمْلَكَةُ» على وزن مَفْعَلة. وقُرئ: ((ملْكُ))(٢).
﴿وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ ﴾﴾ لا إلى غيره تعالى. وهذا وعدٌ للمقرِّين ووعيدٌ للمنكرين،
فالخطابُ عامٌّ للمؤمنين والمشركين. وقيل: هو وعيدٌ فقط، على أنَّ الخطابَ
للمشركين لا غير، توبيخاً لهم؛ ولذا عُدل عن مقتضَى الظاهر، وهو: وإليه يرجع
الأمرُ كلُّه، ففيه دلالةٌ على أنَّهم استحقُّوا غضباً عظيماً.
وقرأ زيدُ بن عليّ: (تَرجِعون)) مبنيّاً للفاعل(٣).
هذا ما لُخِّص من كلامهم في هذه الآياتِ الكريمة، وفيها دلالةٌ واضحةٌ على
المعاد الجسماني، وإيماءٌ إلى دفع بعضٍ الشُّبه عنه، وهذه المسألةُ من مهمَّات
مسائل الدِّين، وحيث إنَّ هذه السورةَ الكريمةَ قد تضمَّنت من أمره ما لَه (٤) كانت عند
أَجِلَّة العلماءِ الصدورِ قلبَ القرآن، لا بأسَ بأن يُذكرَ في إتمام الكلامِ فيها ما للعلماء
في تحقيق أمرِ ذلك، فأقول طالباً من الله عزَّ وجلَّ التوفيقَ إلى القول المقبول:
(١) المحتسب ٢١٧/٢، والبحر ٣٤٩/٧، وانظر القراءات الشاذة ص ١٢٦.
(٢) البحر ٣٤٩/٧.
(٣) البحر ٣٤٩/٧.
(٤) أي: ما لأَجْلِهِ.

الآية : ٨٣
٤٢٩
سٌ لاَ يَسْ
إِعلم أوَّلاً أنَّ المسلمين اختلفوا في أنَّ الإنسانَ ما هو، فقيل: هو هذا الهيكلُ
المحسوسُ مع أجزاءٍ ساريةٍ فيه سريانَ ماءِ الوردِ في الورد، والنارِ في الفحم، وهي
جسمٌ لطيفٌ نورانيٌّ مخالفٌ بالحقيقة والماهية للأجسام التي منها ائتلف هذا الهيكلُ
وإنْ كان - لسَريانه فيه - يُشبهه صورةً، ولا نعلم حقيقةَ هذا الجسم، وهو الروحُ
المشارُ إليها بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى﴾ [الإسراء: ٨٥] عند معظم السلفِ
الصالح، وبينه وبين البدنِ علاقةٌ يعبَّر عنها بالرُّوحِ الحَيواني، وهو بخارٌ لطيفٌ إذا
فسد وخرج عن الصَّلاحية لأن يكونَ علاقة، تخرج الروحُ عن البدن خروجاً
اضطراريّاً وتزول الحياة، ومادام باقياً على الوجه الذي يصلُح به لأن يكون علاقة،
تبقى الروحُ والحياة. وهذا الجسمُ المعبّر عنه بالرُّوح - على ما قال الإِمامُ القرطبيُّ
في ((التذكرة)) (١) - ممَّا له أولٌ وليس له آخِر، بمعنى أنَّه لا يفنَى وإنْ فارق البدنَ
المحسوس. وذَكَرَ فيها أنَّ مَن قال: إنَّه يفنى، فهو ملحد.
وقيل: هو هذا الهيكلُ المحسوسُ مع النفس الناطقةِ التي هي جوهرٌ مجرَّد، بل
هو الإنسانُ حقيقةً على ما صرَّح به بعضُهم. وإلى إِثبات هذا الجوهرِ ذهب
الحليميّ، والغزالي(٢)، والرَّاغب(٣)، وأبو زيدِ الدَّبوسي، ومَعمرٌ من قدماءِ
المعتزلة، وجمهورُ متأخّري الإمامية، وكثيرٌ من الصوفية. وهو الروحُ الأَمرية،
وليست داخلةَ البدنِ ولا خارجةً عنه، فنسبتُها إليه نسبةَ اللهِ سبحانه وتعالى إلى
العالَم، وهي بعد حدوثها الزمانيِّ عندهم لا تفنَى أيضاً. وردًّ هذا المذهبَ ابنُ
القيِّم في كتاب ((الرُّوح)) بما لا مزيدَ عليه(٤).
وكما اختلفوا في ذلك اختلفوا في أنَّ البدنَ هل يتفرَّق بعد الموتِ فقط أم
يتفرَّق وتعدم ذاتُه؟ بكلِّ قال بعض. ولعلَّ مَن قال بالثاني استثنى عَجْبَ الذَّنَب؛
لصحَّة خبرِ استثنائه من البِلى(٥).
(١) ص ١٢٤.
(٢) انظر الاقتصاد في الاعتقاد ص ٢٠٠.
(٣) انظر المفردات (روح).
(٤) انظر ص٢٠٨ فما بعد.
(٥) سلف عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الأعراف.

سُ الويس
٤٣٠
الآية : ٨٣
وكلُّ هؤلاء المختلفين اتَّفقوا على القولِ بالحشر الجسماني، إلَّا أنَّ منهم مَن قال
بالحشر الجسمانيّ فقط، بمعنى أنَّه لا يُحشر إلَّا جسم، إذ ليس وراءَ الجسمِ عندهم
جوهرٌ مجرَّد يسمَّى بالنفس النَّاطقة. ومنهم مَن قال بالحشر الجسمانيِّ والحشر
الرُّوحاني معاً، بمعنى أنَّه يحشر الجسمُ متعلّقاً به أمرٌ ليس بجسمِ هو النفسُ الناطقة.
وكلٌّ من أصحاب هذين القولَين منهم مَن يقول بأنَّ البدنَ إذا تفرَّق تُجمَّع
أجزاؤه يومَ القيامةِ للحشر، وتقوم فيها الرُّوح أو تتعلَّق كما في الدنيا، بل القيامُ أو
التعلَّق هناك أتمّ؛ إذ لا انقطاعَ له أصلاً بعد تحقُّقه، فالحشرُ عند هؤلاء بجمع
الأجزاءِ المتفرِّقة وعودِ قيام الرُّوح أو تعلُّقِها إليها، والمرادُ بالأَجزاء الأجزاءُ
الأصلية، وهي أجزاءُ البدنِ حالَ نفخِ الرُّوحِ فيه في الدنيا، لا الذرَّة التي أُخذ عليها
العهدُ يوم ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] كما قيل، واللهُ تعالى قادرٌ على حفظها
من التحلُّل والتبدُّل، وكذا على حفظها من أن تكونَ أجزاءً بدن آخر وإن تفرَّقت في
أقطار الأرضِ واختلطت بالعناصر.
وقيل: يجوز أن تكونَ الأجزاءُ الأصليةُ يقبضها المَلَكُ بإذن الله تعالى عند
حضورِ الموت، فلا يتعلَّق بها الأكل، ولا تختلط بالتُّراب، ولا يحصل منها نماءُ
نباتٍ أو حَيّوان. وهو مجرَّد احتمالٍ لا دليل عليه، بل مخالفٌ لقوله سبحانه: (قَالَ
مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْبِيَهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَنَّةٍ) فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ
المحشورَ أجزاءٌ رميمةٌ مخلوطةٌ بالتراب.
ويجوز أن تكونَ الأجزاءُ الأصليةُ هي الأجزاءَ الترابيةَ التي يَنثرها المَلَكُ في
الرَّحم على المَنِيِّ كما ورد في الحديث الصَّحيح(١)، وهو لا ينثر تراباً واحداً
مرتین.
ويُحشر البدنُ بعد الجمع على أكمل حالاتِهِ، كما يُشير إليه قولُه عليه الصلاة
(١) أخرج ابن جرير في تفسيره ١٨٦/٥-١٨٧ عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب
النبي 98: (( ... فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه فيخلطه في المضغة ... )). وأورده الحكيم
الترمذي في نوادر الأصول ص٧١ باللفظ المذكور أعلاه. وقول المصنف: في الحديث
الصحيح. فیه نظر.

الآية : ٨٣
٤٣١
والسلام: ((يُحشر الناسُ حفاةً عراةً غُرْلاً))(١) ثم يزاد في أجساد أهلِ الجنة، فيكون
أحدُهم كآدمَ عليه السلام طولاً وعرضاً. وكذا يزاد في أجساد أهلِ النار - خلافاً
للمعتزلة - حتى إنَّ سِنَّ أحدِهم لتكون كجبلِ أُحد. وجاء كلٌّ من الزِّيادتين في
الحديث(٢). فالمقطوعُ أو المجذوعُ مثلاً لا يُحشر إلَّا كاملاً كما كان قبل القطع أو
الجذع، ومن خُلق في الدنيا بأربع أَيدٍ مثلاً، يُحشر على ما هو المعتادُ المعروفُ في
بني نوعِه، وكذا مَن خُلق بلا يدٍ أو رجلٍ مثلاً. والقولُ بأنَّه يلزم تعذيبُ جسدٍ لم
يعصٍ وتَركُ تعذيبٍ جسدٍ عَصَى ناشىءٌ عن غفلةٍ عظيمة؛ إذ المعذَّب إنَّما هو
الروح، وهو الذي عصى، ولا يُعقل العصيانُ والتعذيبُ لنفس الجسد، وحَرُه بالنار
ليس تعذيباً له نفسه، وإلَّا لَكان حرقُ الخشبِ تعذيباً له، بل هو وسيلةٌ إلى تعذيب
الرُّوح، وهذا كما لو جُعل شخصٌ في صُندوق حديدٍ مثلاً ووُضع في النار، أو لُفَّ
في ثوبٍ وضُرب بالسِّياط حتى تخرَّق الثوب، فالرُّوح بمنزلة هذا الشخص، والجسدُ
بمنزلة الصُّندوقِ أو الثَّوب.
وعلى القول بأنَّ لكلِّ شيءٍ حياةً لائقةً به، لا يلزم التعذيبُ أيضاً؛ إذ ليس كلُّ
حيٍّ تؤلمه النار، واعتُبر ذلك بالسَّمَند(٣) وبالنَّعامة، وكذا بخَزَنة جهنمَ وحيَّاتِها
وعقاريِها، والعياذُ بالله عزَّ وجلَّ.
ومنهم مَن يقول: إنَّ البدنَ يعدم، لا أنَّه تتفرَّق أجزاؤه فقط ثم يُعاد للحشر
بعينه .
ومنهم مَن يقول: يُعدم ثم يُخلق يومَ القيامةِ مثلُه، فتقوم فيه الرُّوحُ أو تتعلَّق به.
واستُدلَّ للقول الأوَّلِ بقوله تعالى: (قَالَ مَن يُخِ الْمِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ تُجِيهَا
الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مَتَّقُ) فإِنَّه ظاهرٌ في أنَّ العظامَ لا تعدم ذواتُها في الخارج، ولا يكاد
(١) سلف عند تفسير الآية (٩٤) من سورة الأنعام.
(٢) سلف ٨٨/٦.
(٣) السمند أو السمندل: طائر يأكل البيش - وهو نبت بأرض الصين يؤكل وهو أخضر - ومن
عجيب أمره استلذاذه بالنار ومکثه فيها. حياة الحيوان للدميري٢/ ٣٣ .

◌ُلايس
٤٣٢
الآية : ٨٣
يُفهَم من الرَّميم أكثرُ من تفرُّق الأجزاء، وكأنَّ المنكرين استبعدوا جمعَها، فأُشير
إلى دفع استبعادِهم بأنَّ الإِنشاء أَبعدُ وقد وقع، ثم دُفع ما عسى يتوهّم من أنَّ
اختلاطَ الأجزاءِ بعد تفرُّقها وعودِها إلى عناصرها يوجب عدمَ تميُّزها فلا يتيسَّر
جمعُها، بقوله سبحانه: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ثم أُشير إلى دفع ما يتوهّم من أنَّ
الإِنشاءَ كان تدريجياً نُقلت فيه الأجزاءُ من حالةٍ إلى حالةٍ حتى حصل استعدادُها
للحياة ومناسبتُها للرُّوح، ولا كذلك ما يكون يومَ القيامة، فلا مناسبةً بين الأجزاءِ
التي تُجمع وبين الرُّوح والحياةِ، فلا يلزمُ من صحَّة الإنشاءِ صحَّةُ الحشر، بقوله
تعالى: (الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) وحيث كان هذا معروفاً بينهم
يشاهده الكبيرُ والصغيرُ منهم، أَشار سبحانه إلى الدَّفع به، وإلَّا فإنشاؤه تعالى
لما يكون بالتولُّد من الحيَوان كالفأرِ والذُّباب دافعٌ لذلك.
ومن الناس مَن زعم أنَّ ما يكون قُبيل الساعةِ من الزَّلازل وإِنزال مطرٍ كمنيٍّ
الرِّجال ونحوِ ذلك لتحصيل استعدادٍ الرُّوح في تلك الأجزاء. وهو ممَّا لا يُحتاج
إلى التزامه. وكذا استدلَّ لذلك القولِ بما أَرشد إليه إبراهيمُ عليه السلام حين قال:
﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْقَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] وبقوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ الإِنسَنُ أَلَّنْ أَجْمَعَ
عِظَامَهُ * بَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ نَُّّوْىَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣-٤] إلى غير ذلك من الآيات، وفي
الأخبار ما يقتضيه أيضاً.
واستُدلَّ لدعوى أنَّ البدنَ يعدم ذاتاً في القول الثاني بقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ورُدَّ
بأنَّه يجوز أن يكونَ التفرقُ هلاكاً، بل قال بعضُ المحقّقين: إنَّ معنى الآية: كلُّ
شيءٍ ليس بموجودٍ في الحال في حدِّ نفسِهِ إلَّا ذاتَ الواجبِ تعالى، بناءً على أنَّ
وجودّ الممكنِ مستفادٌ من الغير، فلا وجودَ فيه مع قطع النظر عن الغير، بخلاف
وجودِ الواجبٍ تعالى، فإنَّه من ذاته سبحانه، بل عينُ ذاتِه. ويقال نظيرُ ذلك في
الآية الثانيةِ لو سُلِّمَ دخولُ البدنِ في عمومِ (مَن)).
واستدلَّ لدعوى أنَّه يُخلق يومَ القيامةِ مثلُه في القول الثالثِ بقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمُّ بَلَى) وأُجيب بأنَّ المرادَ مِثْلُهم

الآية : ٨٣
٤٣٣
سٌ لاكس
في الصِّغَر والقَمْأةِ على ما سمعتَ فيما تقدَّم، ولا يراد أنَّه تعالى قادرٌ على أن يخلقَ
يومَ القيامةِ مثلَ أبدانِهم التي كانت في الدنيا ويُعيدَ أرواحَهم إليها؛ إذ لا يكاد يُفهَم
هذا من الآية.
ولا داعيَ لالتزام القولِ بأنَّ الحشرَ بخلق مثلِ البدنِ السابقِ وإنْ قيل بأنَّ ذلك
البدنَ تعدم ذاتُه في الخارج. ومن الناس مَن توهَّم وجوبَ التزامِه إنْ قيل بذلك؛
لاستحالة إِعادةِ المعدوم.
واستدلَّ على الاستحالة بأنَّه لو أُعيد، لزم تخلَّلُ العدم بين الشيءٍ ونفسِه، وهو
محال.
ورُدَّ بناءً على أنَّ الوقتَ ليس من المشخَّصات المعتبرةِ في الوجود بأنَّا لا نسلِّم
أنَّ التخلُّل ها هنا محال؛ لأنَّ معناه أنَّه كان موجوداً زماناً ثم زال عنه الوجودُ في
زمانٍ آخَر، ثم اتَّصف بالوجود في الزمان الثالث، وهو في الحقيقة تخلُّل العدم
وقطعُ الاتصالِ بين زمانَي الوجود، ولا استحالةَ فيه؛ لوجود الطَّرفين المتغايرين
بالذَّات، إنَّما المحالُ تخلَّلُ العدمِ بين ذات الشيءِ ونفسِه بمعنى قطعِ الاتّصال بين
الشيءٍ ونفسِه، بأن يكونَ الشيءُ موجوداً ولم يكن نفسُه موجوداً ثمَ يوجد نفسُه،
وها هنا ليس كذلك، فإنَّ الشيءَ وجد مع نفسه في الزمان الأوَّل، ثم اتَّصف مع
نفسه بالعدم في الزمان الآخَر، ثم اتَّصف بالوجود مع نفسِه في الزمانِ الثالث، فلم
يتحقَّق قطعُ الاتصالِ بين الشيءِ ونفسِه في زمانٍ من الأزمنة، وهل هذا إلَّا كلُبس
شخصٍ ثوباً معيَّناً ثم خلعِه ثم لُبسِه؟!
واستدلَّ أيضاً بأنَّه لو جاز إِعادةُ المعدومِ بعينه، لَجاز إِعادته مع مثلِه من كلِّ
وجه، واللازمُ باطل؛ لأنَّ المتماثلين إمَّا أَنْ يكونَ أحدُهما معاداً دون الآخَر،
وذلك باطلٌ مستلزمٌ للتحكّم والترجيحِ بلا مرجِّح، وإمَّا أن يكونا معادين، وهو
أيضاً باطلٌ مستلزمٌ لاتِّحاد الاثنين، وإمَّا أَلَّا يكونَ شيءٌ منهما معاداً، وهو أيضاً
باطلٌ مستلزمٌ خلافَ المفروض، إذ قد فُرض كونُ أحدِهما معاداً، وفيه أنَّه لا يتمُّ
إلَّا بِثبات فقدان الذاتِ وبطلانِ الهُويةِ فيما بين الوجودَين السابقِ واللاحق؛ فإنَّه
مدارُ لزومِ التحكّم.

٤٣٤
الآية : ٨٣
ويجوز أن يقال: الشيءُ إذا عدم في الخارج، بقي في نفس الأمرِ بحسب
وجودِه الذُّهني، فيحفظ وحدته الشخصيةَ بحسَب ذلك الوجود، كما لو كان متميِّزاً
ثابتاً في العدم ثبوتاً منفكّاً عن الوجود الخارجيّ، كما ذهب إليه المعتزلةُ
وموافقوهم، وزعم أنَّ وحدتَه الشخصيةَ غيرُ محفوظةٍ في الذِّهن؛ إذ لا وحدة بدون
الوجود، ولا وجودَ بدون التشخّص، سواءٌ كان وجوداً خارجياً أو ذهنيّاً، والهويةُ
الذهنيةُ إنَّما تكون موجودةَ في الذِّهن بمشخّصاتها الذِّهنية، وهي بتلك المشخّصات
ليست هويةً خارجية، وإلَّا لزم اتِّصافُ الهويةِ الخارجيةِ بالعوارض المختصَّةِ
بالوجود الذهنيّ، وهو ضروريُّ البطلان، بل بشرط تجريدِها عنها، وقولُهم
باتِّحادها معها بمعنى أنَّها بعد التجريدِ عينُها فليست إيَّاها مطلقاً بالفعل = يتَّجه عليه
أنَّه ليس معنى تجريدِ الهويَّة عن مشخَّصاتها جعلَها خاليةً عنها في الواقع، بل معناه
قطعُ النظرِ عنها وعدمُ اعتبارها، ولا يلزم من عدم اعتبارِها اعتبارُ عدمِها، فضلاً
عن عدمها في الواقع، وقطعُ النظرِ لا يمنع من الاتِّحاد في الواقع.
والقولُ بأنَّ قولنا: هذا معاد، وهذا مبدأُ قضيةٍ شخصيةٍ خارجيةٍ يتوقَّف صدقُها
على وجود الموضوع في الخارج، لا ذهنيةٌ يكفي في صدقها وجودُ الموضوعِ في
الذِّهن فقط، فلا بدَّ من انحفاظ الوحدةِ في الخارج ولا يكفي انحفاظُها في
الدُّهن = ینَّجه علیه أنَّ صدقَ الحکم الذهنيّ کافٍ في اندفاع التحكّم، فتدبّر.
وقيل: كما أنَّ المعدومَ موجودٌ في الذِّهن، كذلك المبتدأُ المفروضُ موجودٌ فيه
أيضاً، فليست نسبةُ الموجودِ الثاني إلى المعدوم السابقِ أولى من نسبته إلى المبتدأ
المفروض.
وتعقّب بأنَّ فيه بحثاً، أمَّا على مذهب الفلاسفة؛ فلأنَّ صورةَ المعدومِ السابقِ
مرتسمةٌ في القُوى المنطبعةِ للأَفلاك عندهم، بناءً على أنَّ صورَ جميعِ الحوادثِ
الجسمانيةِ منطبعةٌ فيها بزعمهم، فله صورةٌ خياليةٌ جزئيةٌ محفوظةُ الوحدةِ الشخصيةِ
بعد عدمِه، بخلاف المستأنف، فإنَّه ليس له تلك الصورةُ قبل وجودِه بصورته
الجزئيَّة، فإذا وجد بتلك الصورةِ الجزئية كان معاداً، وإذا وجد بالصُّورة الكلّيةِ كان
مستأنفاً.

الآية : ٨٣
٤٣٥
سٌالأنس
وأمَّا على مذهب الأشاعرةِ من المتكلِّمين؛ فلأنَّ للمعدوم أيضاً صورةً جزئيةً
حاصلةً بتعلُّق صفةٍ البصرِ من الموجد تعالى شأنُه، وليس تلك الصورةُ للمستأنف
وجودُه؛ فإنَّها وإن كانت جزئيةً حقيقيةً أيضاً، إلَّا أنَّها لم تترتَّب على تعلُّق صفةٍ
البصر، ولاشكَّ أنَّ المترتّب على تعلُّق صفةِ البصر أكملُ من غير المترتّب عليه،
فبين الصُّورتين تمايزٌ واضح، وإذا انحفظ وحدةُ الموجودِ الخارجيّ بالصورة الجزئيةِ
الخياليةِ لنا، فانحفاظُها بالصُّورة الجزئيةِ الحاصلةِ له سبحانه بواسطة تعلَّقِ البصرِ
بالطريق الأَولى. والقولُ بأنَّ نسبةَ الصورةِ الخياليةِ وما هو بمنزلتها إلى كلٍّ من
المعاد والمستأنفِ سواءٌ أيضاً، فتكون الوحدةُ المحفوظةُ نوعيةً لا شخصية = يلزم
عليه ألّا تكونَ الصورةُ الخياليةُ جزئية، بل كلِّيّة، وهو خلافُ ما صرَّحوا.
واستدلَّ أيضاً بأنَّه لو جاز إعادةُ المعدوم بعينه، لما حصل القطعُ بحدوث
شيء؛ إذ يجوز أن يكونَ لكلِّ ما نعتقده حادثاً وجودٌ سابقٌ يعدم تارةً ويعاد أخرى،
واللازمُ باطلٌ باتِّفاق العقلاء.
وتعقِّب بأنَّ التجويزَ العقليَّ لا يُنكَرِ، إلّا أنَّ الأصلَ عدمُ الوجودِ السابق، وبه
يحصل نوعٌ من العلم، ولعلَّ ذلك من قَبِيل ◌ِلمِنا بأنَّ جبلَ أُحدٍ لا ينقلب ذهباً مع
تجويز العقلِ انقلابَه، وبالجملة أدلَّةُ استحالةِ إعادةِ المعدومِ غيرُ سليمةٍ من القوادح،
كما لا يخفى على مَن راجع المطوَّلاتِ من كتب الكلام، وقد أُشير فيما تقدَّم من
الآيات إلى دفع شبهةٍ عدم انحفاظ الوحدةِ الشخصيةِ بقوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ).
والذي يترجَّح من هذه المذاهبِ أنَّ الحشرَ بجمع الأجزاءِ الأصليةِ الباقيةِ من
أوَّل العُمرِ إلى آخره، وهي إما أجزاءٌ عنصريةٌ أكثرُها ترجع إلى التُّراب وتختلط به
كما تختلط سائرُ الأجزاءِ بعناصرها، أو أجزاءٌ ترابيةٌ فقط على ما سمعتَ فيما تقدَّم
غيرَ بعيد، وهذا هو الذي ينبغي أن يعوَّلَ عليه؛ إذ حديثُ العناصرِ الأربعةِ وترُّبُ
البدنِ منها - لا سيَّما حديثُ عنصرِ النارِ - لم يصحَّ فيه شيءٌ من الشارعِّ، ولم
يُذكّر في كتب السَّلف، بل هو شيءٌ ولع فيه الفلاسفة، على أنَّ أصحابَ الفلسفةِ
الجديدةِ نسمعهم ينكرون كرةً النارِ التي قال بها المتقدِّمون، فالأجزاءُ الأصليةُ بعد

سُورَةُ يَسْ
٤٣٦
الآية : ٨٣
أن تتفرَّقَ وتصيرَ تراباً يجمعها اللهُ تعالى حيث كانت، وهو سبحانه بها عليم ﴿أَلَ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الخَيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وهذا إن ضُمَّ إليه القولُ بإعادة الصورة، التي هي جزءٌ جوهريٌّ من الجسم عند
القائلين بتركُبه منها ومن الهَيُولى، أو العوارضِ المختصَّةِ بالأنواع، التي هي جزءٌ
من أفراد النَّوع، كالصُّورة النوعيةِ الجوهريَّة، كما هو مذهبُ النافين لتركُّب الجسمِ
من الهَيُولى والصورةِ من المتكلِّمين = يتوقَّف القولُ به على جواز إعادةِ المعدوم.
وإذا لم يضَّ إليه ذلك، بل اكتُفي بالقول بجمع الأجزاءِ الأصليةِ العنصرية،
وتشكِيلها بشكلٍ مثل الشكلِ الأول، وتحليتِها بعوارضَ مشابهةٍ للعوارض
السابقة = لم يتوقَّف القولُ به على ذلك أصلاً، والمغايرةُ في الشكل وعدمُ اتِّحاد
العوارضِ بالذات مما لا يضرُّ في كون المحشورِ هو المبدأَ شرعاً وعرفاً، ولا يَلزم
على ذلك التناسخُ المصطلحُ كما لا يخفى.
وفي ((أبكار الأفكار))(١) للآمديِّ بعد التفصيلِ المشبَع بذكر الآياتِ والأحاديثِ
الدالّة على وقوع المعادِ الجسمانيّ: والأدَّةُ السمعيةُ في ذلك لا يحويها كتاب،
ولا يَحصرها خطاب، وكلُّها ظاهرةٌ في الدَّلالة على حشر الأجسادِ ونشرها، مع
إِمكان ذلك في نفسه، فلا يجوز تركُها من غير دليل، لكن هل الإعادةُ للأجسام
بإِيجادها بعد عدمِها، أو بتأليف أجزائها بعد تفرُّقها؟ فقد اختلف فيه، والحقُّ
إمكانُ كلِّ واحدٍ من الأمرين، والسمعُ موجبٌ لأحدهما من غير تعيين.
وبتقدير أن تكونَ الإِعادةُ للأجسام بتأليف أجزائها بعد تفرُّقها، فهل تجب إعادةٌ
عينٍ ما تقضَّى ومضى من التأليفات في الدنيا، أو أنَّ اللهَ تعالى يجوز أن يؤلِّفَها
بتأليفٍ آخَر؟ فذهب أبو هاشم إلى المنع من إِعادتها بتأليفٍ آخَر، مصيراً منه إلى أنَّ
جواهرَ الأشخاصِ متماثلة، وإنما يتميَّز كلُّ واحدٍ من الأجزاءِ بتعيينه وتأليفِه
الخاصّ، فإذا لم يَعُد ذلك التأليفُ الخاصُّ به، فذلك الشخصُ لا يكون هو العائدَ
بل غيرَه، وهو مخالفٌ حينئذٍ لما ورد به السمعُ من حشر أجسادِ الناسِ على
(١) ٤/ ٢٦٧.

الآية : ٨٣
٤٣٧
صورهم، ومذهبُ مَن عداه من أهل الحقِّ أنَّ كلَّ واحدٍ من الأمرين جائزٌ عقلاً،
ولا دليلَ على التعيين من سمعِ وغيرِهِ، وما قيل من أنَّ تعيُّن كلِّ شخصٍ إنَّما هو
بخصوص تأليفِه غيرُ مسلَّم، بَل جاز أن يكونَ بلونه أو بعضٍ آخَرَ مع التأليف.
ومذهبُ أبي هاشمٍ أنَّه لا تجب إعادةُ غيرِ التأليف من الأعراض، فما هو جوابُه عن
غير التأليفِ فهو جوابٌ لنا في التأليف، وما ورد من حشر الناسِ على صورهم ليس
فيه ما يدلُّ على إعادة عينٍ ما تقضَّى من التأليف، ولا مانعَ أن تكونَ الإعادةُ بمثل
ذلك التألیف لا عینِه. اهـ.
وزعم الإمامُ إجماعَ المسلمين على المعاد بجمع الأجزاءِ بعد افتراقِها، وليس
بذاك؛ لما سمعتَ من الخلاف في كيفيَّته، وهو مذكورٌ في ((المواقف)»(١) وغيرِهِ.
ومسألةُ إعادةِ الأعراضِ أكثرُ خلافاً من مسألة إِعادة الجواهر، فذهب معظمُ
أهلِ الحقِّ إلى جواز إِعادتها مطلقاً، حتى إنَّ منهم مَن جوَّز إعادتَها في غير
محالّها. والمعتزلةُ اتفقوا على جواز إِعادة ما كان منها - على أُصولهم - باقياً غيرَ
متولِّد، واختلفوا في جواز إِعادة ما لا بقاءً له، كالحرارة والأَصواتِ والإِرادات،
فذهب الأكثرون منهم إلى المنع من إِعادتها، وجوَّزها الأقلّون كالبلخيّ وغيرِه.
وذهب إلى عدم جواز إِعادة المعدوم مطلقاً من المسلمين أبو الحسن البصريُّ
وبعضُ الكرَّامية. ومن الناس مَن خصَّ المنعَ فيما عدم ذاتاً ووجوداً، وجوَّز
فيما عدم وجوداً.
وإلى القول بالمعاد الجسمانيّ ذهب اليهودُ والنصارى، على ما نصَّ عليه
الدَّوانيُّ، لكن ذكر الإمامُ في ((المحصّل))(٢) أنَّ سائرَ الأنبياءِ سوى نبيِّنا وَلِ﴾ لم
يقولوا إلَّا بالمعاد الرُّوحاني.
وقال المحقّق الطوسيُّ في تلخيصه: أما الأنبياءُ المتقدِّمون على نبيِّنا وَّر،
فالظاهرُ من كلام أممهِم أنَّ موسى عليه السلام لم يذكر المعادَ البدنيّ، ولا أُنزل
(١) ٢٨٩/٨ (شرح المواقف لعلي بن محمد الجرجاني).
(٢) واسمه: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين. كشف الظنون
١٦١٤/٢.

سِ الأَسْن
٤٣٨
الآية : ٨٣
عليه في التوراة، لكن جاء ذلك في كتب الأنبياءِ الذين جاؤوا بعده، كحزقيل
وشعيا عليهما السلام؛ ولذا أقرَّ اليهودُ به.
وأمَّا الإنجيل، فالأَظهرُ أنَّ المذكورَ فيه المعادُ الرُّوحاني، وهو مخالفٌ
لما سمعتَ عن الإِمام، ويخالفهما ما قاله حجَّةُ الإسلام الغزاليُّ في كتابه الموسومِ
بـ ((المضنون به على غيرِ أهلِه))(١) من أنَّ في التوراة أنَّ أهل الجنةِ يمكثون في النعيم
خمسةَ عشرَ ألفَ سنةٍ ثم يصيرون ملائكة، وأنَّ أهلَ النارِ يمكثون بها كذا وأَزيدَ ثم
يصيرون شياطين، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ موسى عليه السلام ذكر المعادَ الجسمانيَّ ونزل
عليه في الثَّوراة.
والحقُّ أنَّ الأناجيلَ مملوءةٌ مما يدلُّ ظاهراً على أنَّ الإنسانَ يُحشَر نفساً
وجسماً، وأمَّا التوراة، فليس ما ذُكر فيها على سبيل التَّصريح، على ما نقل لي
بعضُ المطّلعين من مسلمي أهلِ الكتابِ على ذلك.
وأَنكره الفلاسفةُ الإلهيُّون، وقالوا بالمعاد الروحانيِّ فقط. وهذا الإنكارُ مبنيًّ
إمَّا على زعم استحالةِ إعادةٍ المعدوم، وفيه ما فيه، أو على استحالة عدمٍ تناهي
الأَبعاد، فإنَّ منهم مَن قال: الإنسانُ قديمٌ بالنوع، والنفوسُ الناطقةُ غيرُ متناهيةٍ
كالأبدان، فلو قيل بالحشر الجسمانيّ، يلزم اجتماعُ الأبدانِ الغير المتناهيةِ في
الوجود؛ إذ لا بدَّ لكلِّ نفسٍ من بدنٍ مستقلّ، فيلزم بُعدٌ غيرُ متناهٍ لتجتمعَ فيه تلك
الأبدانُ الغيرُ المتناهية. وقال بعضُهم: إنَّ الإنسانَ أفرادُه غيرُ متناهية، والعناصرُ
متناهية، فأَجزاؤها لا تفي بتلك الأبدان، فكيف تُحشَر؟ وتعقّب بأنَّ القِدَم النوعيَّ
للإنسان وعدمَ التناهي لأفراده مما لا يتمُّ لهم عليه برهان.
وقال ابنُ الكمال: بناءُ استحالةِ الحشرِ الجسمانيّ على استحالة عدم تناهي
الأبعادِ وهمٌّ سبق إليه وهمُ بعضٍ أَجِلَّة الناظرين، وليس الأمرُ كما توهّم، فإنَّ حشرَ
الأجسادِ اللازمَ على تقدير وقوعِ المعادِ الجسمانيّ هو حشرُ المكلَّفين من المطيع
المستحقُّ للثواب والعاصي المستحقِّ للعقاب، لا حشرُ جميع أفرادِ البشرِ مكلَّفاً
(١) ص ١٠٨ (مجموعة رسائله ج٤).

الآية : ٨٣
٤٣٩
سُوَ لاَ يَسْن)
كان أو غيرَه، فإنَّه ليس من ضروريَّات الدِّين؛ لأنَّ الأخبارَ فيه لم تصل إلى حدٍّ
التواتر، ولم ينعقدْ عليه الإِجماع، وقد نبَّه عليه المحقّق الطوسيُّ في ((التجريد)»
حيث قال: والسمعُ دلَّ عليه، ويتأوَّل في المكلَّف بالتفريق.
وقال الشارح: يعني لا إِشكالَ في غير المكلَّفين، فإنَّه يجوز أن ينعدمَ بالكلِّية
ولا يعاد، وأمَّا بالنسبة إلى المكلَّفين، فإنَّه يتأوَّل العدم بتفريق الأجزاء.
وفي ((تلخيص المحضَّل)) أيضاً حيث قال(١): وقال القائلون بإِمكان إعادةٍ
المعدوم: إنَّ اللهَ تعالى يُعدم المكلَّفين ثم يُعيدهم.
ونبَّه على ذلك أيضاً الآمديُّ في ((أبكار الأفكار))(٢) حيث قرَّر الخلافَ في
إعادة المكلَّف، ولا خفاءَ في أنَّ عدمَ تناهي جميعٍ أفرادِ البشر لا يستلزم عدمَ تناهي
المكلَّفين منهم ليحتاجَ أمرُ حشرِهم إلى الأبعاد الغيرِ المتناهية. اهـ.
والحقُّ الطعنُ في قولهم بالقِدَم النوعيِّ وعدمٍ تناهي أفرادِ الإنسان، وبرهانُ
التطبيقِ متكفِّل عندنا بإبطال الغيرِ المتناهي، اجتمعت أجزاؤه في الوجود أم لم
تجتمع، ترثَّبت أم لم تترتَّب. وأما قصرُ الحشرِ على المكلَّفين دون غيرِهم من
المجانينِ والصِّغار والذين لم تبلغْهم الدعوةُ ونحوِهم، فليس بشيءٍ، والأخبارُ في
ذلك كثيرة، ولعلها من قبيل المتواترِ المعنويّ، على أنَّها لو لم تكن كذلك، لاداعيَ
إلى عدم اعتبارِها والقولِ بخلاف ما تدُّل عليه كما لا يخفى.
وذهب القدماءُ من الفلاسفة الطبيعيين إلى عدم ثبوتٍ شيءٍ من الحشر
الجسمانيّ والحشرِ الرُّوحاني، ويُحكَى ذلك عن التناسخيةِ ماعدا اليهود، والتناسخُ
عندهم غیرُ مستمرّ، بل يقع للنفس الواحدة ثلاثَ مراتٍ على ما قيل.
وحُكي عن جالينوس التوقُّفُ في أمر الحشر، فإنَّه قال: لم يتبيَّن لي أنَّ النفسَ
هل هي المزاجُ الذي ينعدم عند الموتِ فيستحيل إِعادتُها، أو هي جوهرٌ باقٍ بعد
فسادٍ البنية ڤيُمكن المعاد؟
(١) يعني الطوسي، والمحصل للرازي كما سلف قريباً.
(٢) انظر ٢٦٧/٤.
٠٠.

سٌ لايَسْن
٤٤٠
الآية : ٨٣
والمشركون في شكِّ منه مريب؛ ولذا ترى كلامَهم مضطرباً فيه، والمسلمون
مُجمِعون على وقوعه، إلّا أنَّهم مختلفون كما سمعتَ في كيفيَّته، وكذا هم مختلفون
في وجوبه سمعاً أو عقلاً، فأهلُ السنَّةِ على وجوبه سمعاً مطلقاً، والمعتزلةُ على أنَّه
للمكلَّفين واجبٌ عقلاً؛ لوجوب الثوابٍ على الطاعة والعقابِ على المعصيةِ
عندهم، وكلٌّ من الأمرين يتوقَّف على الحشر. وفيه نظر، والله تعالى أعلم.
وقد اشتملت هذه السورةُ الكريمةُ على تقرير مطالبَ عَليَّة، وتضمَّنت أدلةً
جليلةً جلية، ألا ترى أنَّه تعالى أَقسم على كونه وَ﴿ أكملَ الرُّسل، وأنَّ طريقَه
أوضحُ السُّبل، وأَشار سبحانه إلى أنَّ المقصودَ ما ذُكر بقوله تعالى:
(لتنذر ... )) إلخ، ثم بيَّنْه إِجمالاً أنَّه اتِّباعُ الذِّكر وخشيةُ الرحمنِ بالغيب، وتمَّمه
يضرب المثل، مدمجاً فيه التحريضَ على التمسُّك بحبل الكتابِ والمنزلِ عليه،
وتفضيلَهما على الكتب والرُّسل، والتنبيهَ عليه ثانياً بأنَّه عبادةُ مَن إليه الرُّجعى
وحده.
ثم أخذ في بيان المقدِّمات بذكرِ الآيات، وأُوثر منها الواضحات، الدالَّةُ على
العلم والقدرةِ والحكمةِ والرحمة، وضمِّن فيه أنَّ العبادةَ شكرُ المنعم، وتلقّي النعمةِ
بالصَّرف في رضاه، والحذرِ من الرُّكون إلى مَن سواه، ثم في بيان المتمِّم بذكر
الوعد والوعيدِ بما يُنال في المعاد، وأُدرج فيه حديثُ مَن سلك ومَن ترك، وذكر
غايتهما، ولخّص فيه أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو عبادةُ اللهِ تعالى بالإِخلاص عن
شائبتَي الهوى والرِّياء، حيث قدِّم على الأمر بعبادته تعالى التجنُّب عن عبادةٍ
الشيطان، وضمِّن فيه أنَّ أساسَها التوحيد، وكما أنَّه ذكر الآيات لئلا يكونَ الكلامُ
خطابيّاً في المقدِّمات، ختم بالبرهان على الإعادة؛ ليكونَ على منواله في
المتمِّمات.
وجَعَلَ سبحانه ختامَ الخاتمةِ أنَّه عزَّ وجلَّ لا يتعاظمه شيءٌ، ولا ينقص خزائنَه
عطاء، وأنَّه لا يخرج عن مَلَكته مَن قرَّبه قبولٌ أو بعَّده إِباء، تحقيقاً لكلِّ ما سلف
على الوجه الأتمّ. ولمَّا كان كلاماً صادراً عن مقام العظمةِ والجلال، وجب أن
يُراعَى فيه نكتةُ الالتفاتِ في قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ليكونَ إِجمالاً لتوضيح