النص المفهرس
صفحات 401-420
الآية : ٦٦ ٤٠١ سُبَلاَيَسْ والشَّهادة. وروى عبدُ الرحمن بن محمدِ بنِ طلحةً عن أبيه عن جدِّه طلحةً أنَّه قرأ: (ولِتُكُلِّمَنا أَيديهم ولِتشهدَ)) بلام كي والنَّصب، على معنى: لتكليم الأَيدي إيَّانا ولشهادة الأَرجُلِ نختم على أَفواههم(١). ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ بيان أنَّهم اليومَ في قبضة القدرةِ ومستحقُّون للعذاب، إلَّا أنه عزَّ وجلَّ لم يشأ ذلك لحكمته جلَّ وعلا الباهرة. والطمسُ: إزالةُ الأثرِ بالمحو، والمعنى: لو نشاء الطمسَ على أَعينهم وإزالةَ ضوئها وصورتِها بالكلِّية بحيث تعود ممسوحةً، لَطمسنا عليها وأَذهبنا أثرَها . وجوِّز أن يرادَ بالطمس إذهابُ الضوءِ من غير إذهاب العضوِ وأثرِهِ، أي: ولو نشاء لأَعميناهم. وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ وإنْ كان المعنى على المُضيّ؛ لإفادة أنَّ عدمَ الطمسِ على أَعينهم لاستمرار عدمِ المشيئة، فإنَّ المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ المضيِّ ليس بنصٍّ في إِفادة انتفاءِ استمرارِ الفعل، بل قد يُفيد استمرارَ انتفائه. وقولُه تعالى: ﴿فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَطَ﴾ عطفٌ على ((لطمسنا)) على الفرْض. و((الصراط)) منصوبٌ بنزع الخافض، أي: فأرادوا الاستباقَ إلى الطريق الواضح المألوفِ لهم ﴿فَنَّى يُبْصِرُونَ ﴾﴾ أي: فكيف يُبصرون ذلك الطريقَ وجهةً السلوك. والمقصودُ إنكارُ إِبصارِهم. وحاصلُه: لو نشاءُ لأَذهبنا أحداقَهم وأبصارَهم، فلو أَرادوا الاستباقَ وسلوكَ الطريقِ الذي اعتادوا سلوكه لا يقدرون عليه ولا يُبصرونه. وتأويلُ ((استبقوا» بـ: أَرادوا الاستباقَ، ممَّا ذهب إليه البعض. وقيل: لا حاجةَ لتأويله؛ فإنَّ الأَعمى يجوز شروعُه في السِّباق. ونُصبَ ((الصراط)» بنزع الخافض، ولم يُنصَب على الظرفية لأنَّه كالطريق مكانٌ مختصّ، ومثلُه لا ينتصبُ على الظرفية. وجوِّز كونُه مفعولاً به؛ لتضمين ((استبقوا)» معنى ابتدَروا. ونقل عن ((الأساس)) في قسم الحقيقة: ((استبقوا الصراط)): ابتدروه. قال في ((الكشف)): فعليه لا تضمين. وادَّعى بعضُهم توهُّمَ دعوى أنَّ ذلك معنّی (١) الكشاف ٣٢٨/٣، والبحر ٣٤٤/٧، وقراءة طلحة في المحتسب ٢١٦/٢. سٌ لايَسْن ٤٠٢ الآية : ٦٦ حقيقيّ، وصاحبُ ((الأساس)) إنَّما ذكره في آخر قسم المجاز(١)، والمعنى: لو شئنا لَفعلنا ما فعلنا في أعينهم، فلو أرادوا الاستباقَ مبتدرين الطريق، لا يُبصرون. وقيل: يجوز كونُه مفعولاً به، على أنَّ ((استبَقوا)) بمعنى سبقوا، ويُجعل الطريقُ مسبوقاً على التجوُّز في النِّسبة، أو الاستعارة المكنيّة، أو على أنَّه بمعنى: جاوَزوا. قال في ((القاموس))(٢): استبق الصِّراط: جاوَزه. وظاهرُه أنَّه حقيقةٌ في ذلك. وقال غيرُ واحد: هو مجاز، والعلاقةُ اللزوم، والمعنى: ولو نشاءُ لَفعلنا ما فعلنا في أعينهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصِّراطَ الذي اعتادوا المشيَ فيه، لَعجزوا ولم يعرفوا طريقاً، يعني أنَّهم لا يقدرون إلَّا على سلوك الطريقِ المعتاد، دونَ ما وراءه من سائر الطُرقِ والمسالك، كما ترى العميانَ يهتدون فيما أَلِفوا وضربوا به من المقاصدِ دونَ غيرِها . وذهب ابن الطَّراوة إلى أنَّ الصراطَ والطريقَ وما أَشبههما من الظُروف المكانيةِ ليست مختصَّة، فيجوز انتصابها على الظرفية، وهذا خلافُ ما صرَّح به سيبويه، وجعل انتصابَها على الظرفية من الشُّذوذ، وأَنشد: لَذْنٌ بهزِّ الكفِّ يَعِل متنُه فيه كما عسل الطريقَ الثعلبُ (٣) والمعنى في الآيةِ لو انتصب على الظرفيَّة: لو نشاءُ لَفعلنا ما فعلنا في أعينهم، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوفِ كما كان ذلك هِجِّيراهم، لم يستطيعوا . وحملُ الأَعينِ على ما هو الظاهرُ منها، أعني الأعضاءَ المعروفة، والصِّراطِ على الطريق المحسوس، هو المرويُّ عن الحسنِ وقتادة. وعن ابن عباسٍ حملُ الأَعينِ على البصائر، والصِّراطِ على الطريق المعقول. أخرج ابن جَريرٍ (٤) وجماعةٌ (١) مادة (سبق). (٢) مادة (سبق). (٣) الكتاب ٣٥/١-٣٦. وسلف البيت عند تفسير الآية (١٦) من سورة الأعراف. (٤) في تفسيره ١٩/ ٤٧٤. الآية : ٦٧ ٤٠٣ عنه أنَّه قال: (وَلَوْ نَشَآءُ لَظَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) أَعميناهم وأَضللناهم عن الهُدى، (فَأَّ يُبْصِرُونَ) فكيف يهتدون. وهو خلافُ الظاهر. وقرأ عيسى: ((فاستَبِقوا)) على الأمر(١)، وهو على إضمار القول، أي: فيقال لهم: استبِقوا، وهو أمرُ تعجيز؛ إذ لا يُمكنهم الاستباقُ مع طمس الأَعين. ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَهُمْ﴾ أي: لحوَّلنا صورَهم إلى صورٍ أخرى قبيحة. عن ابن عبّاس: أي: لَمسخناهم قردةً وخنازير. وقيل: لَمسخناهم حجارة. ورُوي ذلك عن أبي صالح. ويُعلم من هذا الخلافِ أنَّ في مسخ الحيَوانِ المخصوصِ لا يُشترط بقاءُ الصورةِ الحيوانية. وسمَّى بعضُهم قلبَ الحيوانِ جماداً رَسخاً، وقلبَه نباتاً فسخاً، وخصَّ المسخَ بقلبه حيواناً آخَر. ومفعولُ المشيئةِ على قياس السَّابق، أي: ولو نشاءُ مسخّهم على مكانتهم لَمسخناهم ﴿عَلَى مَكَاتِهِمْ﴾ أي: مكانِهم، كالمَقامة والمَقام. وأخرج ابن جَريرٍ (٢) وابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عباسٍ أنَّه قال في معنى الآية: لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقال الحسنُ وقتادةُ وجماعة: المعنى: لو نشاء لأَقعدناهم وأزمنَّاهم، وجعلناهم كُسْحاً لا يقومون. وقرأ الحسنُ وأبو بكر: ((مَكَاناتِهِمْ)) بالجمع؛ لتعدُّدهم (٣). ﴿فَمَا أُسْتَطَعُواْ﴾ لذلك ﴿مُضِيًّا﴾ أي: ذهاباً إلى مقاصدهم ﴿وَلَا يَزْجِعُونَ ٦٧ قيل: هو عطفٌ على ((مُضيًّا)) المفعولِ بهِ لـ ((استطاعوا))، وهو من باب: تسمعُ بالمُعيديِّ خيرٌ من أن تراه. فيكون التقدير: فما استطاعوا مُضيّاً ولا رجوعاً، وإلَّا فمفعولُ ((استطاعوا)) لا يكون جملة. والتعبيرُ بذلك دون الاسمِ الصَّريح، قيل: (١) القراءات الشاذة ص ١٢٦، والبحر ٣٤٤/٧. (٢) في تفسيره ١٩/ ٤٧٧-٤٧٨. (٣) قراءة أبي بكر في التيسير ص ١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢. ٤٠٤ الآية : ٦٧ للفواصل، مع الإِيماء إلى مغايرة الرجوع للمُضِي، بناءً على ما قال الإِمام(١) من أنَّه أهونُ من المُضي؛ لأنَّه ينبئُ عن سلوك الطريقِ من قبل، والمضيُّ لا ينبىُ عنه. وقيل: لذلك مع الإِيماءِ إلى استمرارِ النفي، نظراً إلى ظاهرِ اللفظ، ويكون هناك ترقٌّ من جهتين إذا لوحظ ما أَوما إليه الإِمام. وقيل: له مع الإِيماء إلى أنَّ الرجوعَ المنفيَّ ما كان عن إرادةٍ واختيار، فإنَّ اعتبارَهما في الفعل المسندِ إلى الفاعل أقربُ إلى التبادُر من اعتبارهما في المصدر. واقتصر بعضُهم في النُّكتة على رعاية الفواصل. والإِمامُ يَعدُّ الاقتصارَ على رعاية الفواصلِ في بيان نكتةِ العدولِ عن الظاهر تقصيراً . وقيل: هو عطفٌ على جملة: ((ما استطاعوا))، والمراد: ولا يَرجعون عن تكذيبهم؛ لمَا أنَّه قد طُبع على قلوبهم. وقيل: هو عطفٌ على ما ذُكر، إلَّا أنَّ المعنى: ولا يرجعون إلى ما كانوا عليه قبلَ المسخ. وليس بالبعيد. وعلى القولَين المرادُ بالمضيِّ الذهابُ عن المكان، ونفيُّ استطاعتِّهِ مُغٍ عن نفي استطاعةِ الرُّجوع. وأيَّاما كان، فالظاهرُ أنَّ هذا وكذا ما قبلَه لو كان لكان في الدُّنيا. وقال ابنُ سلام: هذا التوعُد كلُّه يومَ القيامة. وهو خلافُ الظاهر، ولا يكاد يصحُّ على بعض الأَقوال. وأصلُ ((مُضيًّا)»: مُضُوْي، اجتمعت الواوُ ساكنةً مع الياءِ فَقُلبت ياءً، كما هو القاعدة، وأُدغمت الياءُ في الياء، وقُلبت ضمةُ الضادِ كسرةً لتخفَّ وتناسبَ الياء. وقرأ أبو حَيوَة، وأحمدُ بن جُبير الأنطاكيُّ عن الكِسائي: ((مِضِيّاً)) بكسر الميم(٢)؛ إِتباعاً لحركة الضاد، كالعُِيّ، بضمِّ العين، والعِتِيّ، بكسرها. وقُرئ: ((مَضِيّاً)) بفتح الميم(٣)، فيكون من المصادرِ التي جاءت على فَعيل، (١) في التفسير الكبير ١٠٣/٢٦. (٢) البحر المحيط ٣٤٤/٧-٣٤٥. (٣) البحر المحيط ٣٤٤/٧-٣٤٥. الآية : ٦٨ - ٦٩ ٤٠٥ سُنَ ؤُيَسْ كالرَّسيم والوَجيف والصَّهِيّ، بفتح الصادِ المهملةِ بعدها همزةٌ مكسورةٌ ثم ياءٌ مشدّدة، مصدر: صأَى الدِّيكُ أو الفرخ: إذا صاح. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ أي: نُطِلْ عُمرَه ﴿نُنَكِسْهُ فِ الْمَلْقِ﴾ نقلُبه فيه، فلايزال يتزايد ضعفُه وانتقاصُ بنيتِهِ وقواه، عكس ما كان عليه بدء (١) أمرِهِ. وفيه تشبيهُ التنكيس المعنويِّ بالتنكيس الحسيِّ، واستعارةُ الحسِّيِّ له. وعن سفيانَ أنَّ التنكيسَ في سِنِّ ثمانين سَنَة. والحقُّ أنَّ زمانَ ابتداءِ الضَّعف وانتقاصِ البنيةِ مختلف؛ لاختلاف الأمزجةِ والعوارض كما لا يخفى. والكلامُ عطفٌ على قوله تعالى: (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا) إلخ عطفَ العلَّةِ على المعلول؛ لأنَّه كالشاهد لذلك. وقرأ جمعٌ من السبعة: ((تَنْكُسِه)) مخفَّفاً، من الإِنكاس(٢). ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: أَيرون ذلك فلا يعقلون أنَّ مَن قَدَرَ على ذلك يقدر على ما ذُكر من الطّمس والمسخ، وأنَّ عدمَ إِيقاعهما لعدم تعلَّق مشيئِه تعالى بهما . وقرأ نافع، وابنُ ذَكوان، وأبو عمرٍو في رواية عيَّاش: ((تعقلون)) بتاءٍ الخطاب(٣)؛ لجري الخطاب قبله. ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ﴾ بتعليم الكتابِ المشتملِ على هذا البيانِ والتلخيصِ في أَمر المبدأ والمعاد ﴿الشِّعْرَ﴾ إذ لا يخفى على مَن به أَدنى مُسكةٍ أنَّ هذا الكتابَ الحكيم المتضمِّن لجميع المنافع الدينيةِ والدنيويةِ على أسلوبٍ أَفحمَ كل مِنطيقٍ يباين الشِّعرَ ولا مِثلَ الثُّريا للثّرى، أَمَّا لفظاً فلعدم وزنِهِ وتَقْفِيَتِهِ، وأما معنَى فلأنَّ الشعرَ تخيُّلات مرغِّبة أو منقِّرة أو نحوُ ذلك، وهو مقرُّ الأكاذيب، ولذا قيل: أَعذبُه أَكذبُه، والقرآنُ چِگم وعقائد وشرائع. والمرادُ من نفي تعليمِهِ وَّه بتعليم الكتابِ الشِّعرَ نفيُ أن يكونَ القرآنُ شِعراً على (١) قوله: بدء، مرفوع بكان، أومنصوب على الظرفية. حاشية الشهاب ٧/ ٢٥٠. (٢) التيسير ص ١٨٥، والنشر ٣٥٥/٢. وقرأ عاصم وحمزة بالتشديد. (٣) التيسير ص ١٨٥، والنشر ٢٥٧/٢، عن نافع وابن ذكوان، والكلام من البحر ٣٤٥/٧. الآية : ٦٩ ٤٠٦ سبيل الكناية؛ لأنَّ ما علّمه الله تعالى هو القرآن، وإذا لم يكن المعلّم شعراً، لم يكن القرآنُ شعراً ألبَّة . وفيه أنَّه عليه الصلاة والسلام ليس بشاعرٍ إِدماجاً، وليس هناك كنايةٌ تلويحيةٌ كما قيل، وهذا ردٌّ لمَا كانوا يقولونه من أنَّ القرآنَ شعرٌ والنبيَّ وَّر شاعر، وغرضُهم من ذلك أنَّ ما جاء به عليه الصلاة والسلام من القرآن افتراءٌ وتخيُّل، وحاشاه ثمَّ حاشاه من ذلك. ﴿وَمَا يَكْبَغِى لَهُ﴾ اعتراضٌ لتقرير ما أُدمج، أي: لا يليقُ ولا يصلح له ◌ِّ الشِّعر؛ لأنَّه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظِ والوزن، ولأنَّ أحسنَه المبالغةُ والمجازفة، والإغراقُ في الوصف، وأكثرُه تحسينُ ما ليس بحسنٍ وتقبيحُ ما ليس بقبيح، وكلُّ ذلك يستدعي الكذب، أو يحاكيه الكذبُ، وجَلَّ جنابُ الشارعِ عن ذلك، کذا قيل. وقال ابنُ الحاجب: أي: لا يستقيم عقلاً أن يقولَ بَّهِ الشِّعر؛ لأنَّه لو كان ممَّن يقوله، لَتطرَّقت التُّهَمة عند كثيرٍ من الناس في أنَّ ما جاء به من قِبَل نفسِهِ، وأنَّه من تلك القوَّة الشِّعرية؛ ولذا عقَّب هذا بقوله تعالى: (وَيَجِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ) لأنَّه إذا انتفت الرِّيبة، لم يبقَ إلَّ المعاندة، فيحقُّ القولُ عليهم. وتعقِّب بأنَّ الإعجازَ(١) يرفع التُّهَمة، وإلَّا فكونُه عليه الصلاة والسلام في المرتبة العُليا من الفصاحة والبلاغةِ في النَّثر ليس بأضعفَ من قول الشِّعر في كونه مَظِنَّةَ تطرُّق التُّهَمة، بل ربَّما يتخيَّل أنَّه أعظمُ من قول الشِّعر في ذلك، فلو كانت عِلَّةُ منعِه عليه الصلاة والسلام من الشِّعر ما ذكر، لَزِمَ أن يمنعَ من الكلام الفصيحِ البليغ سدّاً لباب الرِّيبة، ودحضاً للشُّبهة، وإِعظاماً للحجَّة، فحيث لم يكن اكتفاء بالإعجاز، وأنَّ التهمةَ والرَّيب معه ممَّا لا ينبغي أن يصدرَ من عاقل؛ ولذا نفى الرَّيبَ مع أنَّه وقع = عُلِم أنَّ العلَّةَ في أنَّه عليه الصلاة والسلام لا ينبغي له الشِّعرُ شيءٌ آخر. (١) في (م): الإيجاز. الآية : ٦٩ ٤٠٧ سُو ◌َلايَسْ واختار هذا ابنُ عطية (١)، وجعل العِلَّةَ ما في قول الشِّعر من التخييل والتزويقٍ للقول. وهو قريبٌ مما سمعتَ أولاً، وهو الذي ينبغي أن يعوَّلَ عليه، وفي الآية - عليه - دلالةٌ على غضاضة الشِّعر، وهي ظاهرةٌ في أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يُعطّ طبيعةٌ شِعرية، اعتناءً بشأنه، ورفعاً لقَدْرِهِ، وتبعيداً له وَّ من أن يكونَ فيه مبدأ لما يُخِلُّ بمنصبه في الجملة. وإنما لم يُعطَّ وَّهِ القدرةَ على الشِّعر مع حفظه عن إِنشائه؛ لأنَّ ذلك سلبُ القدرةِ عليه في الإِبعاد عمَّا يُخِلُّ بمنصبه الجليلِ وَّهِ، ونظيرُ ما ذكرنا العِصمةُ والحفظ. ويُفهَم من كلام ((المواهب اللَّدُنْيَّة)) أنَّ من الناس مَن ذهب إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام كان له قدرةٌ على الشِّعر، إلَّا أنه يَحرُم عليه أن يَشعر. وليس بذاك. نعم القولُ بحرمة إِنشاء الشعرِ مقبول، ومعناه ــ على القول السابقِ على ما قيل - حرمةُ التوصُّل إليه. وقد يقال: لا حاجةً إلى التأويل، وحرمةُ الشيءٍ تجامع عدمَ القدرةِ عليه . وهل عدُ الشعرِ خاصٌّ به عليه الصلاة والسلام أو عامٌّ لنوع الأَنبياء ؟ قال بعضُهم: هو عامّ؛ لهذه الآية، إذ لا يظهرُ للخصوص نُكتة. وقيل: يجوز أن يكونَ خاصّاً، والنكتةُ زيادةُ التكريم؛ لمَا أنَّ مقامَهُ وَّهِ فوقَ مقامِ الأنبياءِ عليهم السلام، ويكون الثابتُ لهم الحفظَ عن الإِنشاء مع ثبوت القدرةِ عليه، وإن صحَّ خبرُ إنشاءٍ آدَمَ عليه السلام يومَ قتلٍ ولدِه: ووجهُ الأرضِ مغبّرِّ قبيحُ تغيَّرت البلادُ ومَن عليها وقلَّ بَشاشةُ الوجهِ الصَّبيحِ(٢) تغيَّر كلُّ ذي طعمٍ ولونٍ اتَّضح أمرُ الخصوص، وعُلِم أنْ لا حفظَ من الإِنشاء أيضاً. ولعلَّ الحفظَ حينئذٍ ممَّا فيه ما يَشين ويُخلُّ بمنصب النبوّة مطلقاً . (١) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٦٢. (٢) ذكرهما الزمخشري في الكشاف ٦٠٨/١، وقال: هذا كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر. اهـ. سُ لاَيَسْ ٤٠٨ الآية : ٦٩ والنُّكتةُ في الخصوص ظاهرةٌ على ما نُقل عن ابن الحاجب؛ لأنَّ أعظمَ معجزاتِه عليه الصلاة والسلام القرآن، فربَّما تحصل التُّهمَةُ فيه لو قال وَّةِ الشِّعر، ولا كذلك(١) معجزاتُ الأنبياءِ عليهم السلام، فتأمَّل. وأيَّاما كان، لا يَرِدَ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال يومَ حُنين وهو على بغلته البيضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارث آخذٌ بزمامها، ولم يبقَ معه عليه الصلاة والسلام من الناس إلَّا قليل(٢): ((أنا النبيُّ لا كَذِبْ(٣) أنا ابنُ عبد المطلِّبْ)) لأنَّا لا نسلِّم أنه شِعر، فقد عرَّفوه بأنَّه الكلامُ المقفَّى الموزونُ على سبيل القصد، وهذا ممَّا اتَّفق له عليه الصلاة والسلام من غير قَصْدٍ لوزنه، ومثلُه يقع كثيراً في الكلام المنثور، ولا يسمَّى شِعراً، ولا قائلُه شاعراً. ولا يُتوقَّم من انتسابه وَّهِ فيه إلى جدِّه دون أبيه دليلُ القصد؛ لأنَّ النسبةَ إلى الجدِّ شائعة، ولأنَّه هو الذي قام بتربيته، حيث توفّي أبوه عليه الصلاة والسلام وهو حَمْل، فحين وُلد قام بأمره فوقَ ما يقوم الوالدُ بأمر الولد، ولأنَّه كان مشهوراً بينهم بالصِّدق والشرفِ والعزَّة؛ فلذا خصَّه بالذِّكر ليكونَ كالدليل على ما قبل، أو كمانعِ آخَرَ من الانهزام، ولأنَّ كثيراً من الناس كانوا يَدْعونه عليه الصلاة والسلام بابن عبدِ المطلب، ومنه حديثُ ضِمامٍ بن ثَعلبة(٤): أيُّكم ابنُ عبدِ المطلب؟ على أنَّ منهم مَن لم يعدَّ الرَّجَزَ مطلقاً - وأصلُه ما كان على: مستفعلن، ستّ مراتٍ - شعراً؛ ولذا يسمَّى قائلُه راجزاً لا شاعراً. وعن الخليل(٥) أنَّ المشطورَ منه، وهو ما حُذف نصفُه فبقي وزنُه: مستفعلن، ثلاثَ مرَّات، والمنهوكَ - وهو ما حُذف (١) في (م): وكذلك. (٢) في هامش الأصل: نحو مئة أو اثني عشر أو عشرة. اهـ منه. والخبر سلف ٢٧٦/١٠. (٣) جاء في هامش الأصل: فيه إشارة إلى استحالة الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، فكأنه قال: أنا النبي والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن أن الذي وعدني الله تعالى من النصر حق، فلا يجوز علي الفرار، ثم أشار عليه الصلاة والسلام إلى أنه لا يليق به من حيث نسبه الجليل الفرار أيضاً، تدبر. اهـ منه. (٤) أخرجه مسلم (١٢)، وسلف ١٠٩/٦ . (٥) في كتاب العين ٦٤/٦. الآية : ٦٩ ٤٠٩ سُب ◌ُ يَسْنَ ثُلثاه فبقي وزنُه: مستفعلن، مرَّتين - ليسا بشِعرٍ. وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّ المجزوء - وهو ما حُذف من كلِّ مصراع منه جزءٌ فبقي وزنُه: مستفعلن، أربعَ مرَّات - كذلك، فقولُهُ وَلَى: ((أنا النبيُّ لا كَذِب)»، إن كان نصفَ بيت، فهو مجزوء، فليس بشعرٍ على هذه الرِّواية، وإنْ فُرِض أنَّ هناك قصداً وإن كان بيتاً تاماً، فهو منهوك، فليس بشعرٍ أيضاً على الرِّواية الأولى، وكونه ليس بشعر ، على قول مَن لا يرى الرَّجزَ مطلقاً شعراً - ظاهر. وجاء في بعض الرِّوايات أنَّه عليه الصلاة والسلام حرَّك الباءَ من: كَذِب والمطّلب(١)، فلا يكون ذلك موزوناً، فكونُه ليس بشعرٍ أَظهرُ وأظهر. والقولُ بأنَّ ضميرَ ((له)) للقرآن المعلوم من السِّياق، أي: وما يصحُّ للقرآن أن يكونَ شعراً، فيجوز صدورُ الشعرِ عنه وٍَّ ولا يُحتاج إلى توجيه، ليس بشيء؛ فإنَّه يكفي في نفي الشِّعر عنه عليه الصلاة والسلام قولُه سبحانه: (وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ) مع أنَّ الظاهرَ عودُ الضميرِ عليه عليه الصلاة والسلام. وأَوْلى التوجيهاتِ إخراجُ ذلك من الشِّعر بانتفاءِ القصد، وبذلك يخرج ما وقع في القرآن من نظائرِه منه. وقد ذكرنا لك فيما مرَّ كثيراً منها. وليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَّهِ لا ينبغي له التكلُّم بشعرٍ قاله بعضُ الشعراء والتمثُّلُ به، وفي الأَخبار ما يدلُّ على وقوع التكلُّم بالبيت مثَّزناً نادراً، كما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام أَنشد بيتَ ابنِ رواحة: يَبيت يُجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجعُ وإنشادُه إِيَّاه كذلك مذكورٌ في ((البحر))(٢). ورُوي أنَّهُ وَِّ أصاب إصبعَه الشريفةَ حجرٌ في بعض غزواتِه، فدَمِيت، فتمثَّل بقول الوليد بن المغيرةِ - على ما قاله ابنُ هشامٍ في ((السيرة))(٣) - أو ابنٍ رواحةً على (١) ينظر ما قيل في ذلك في أحكام القرآن لابن العربي ١٦٠٢/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠٥/٣. (٢) ٣٤٥/٧. (٣) ٤٧٦/١، ونسبه فيه للوليد بن الوليد بن المغيرة. سُوَلاَ يَسْن) ٤١٠ الآية : ٦٩ ما صحَّحه ابنُ الجوزي(١): وفي سبيل اللهِ ما لقيتٍ ما أنتِ إلَّا إِصبحٌ دَميتِ وقيل: هو له عليه الصلاةُ والسلام، والكلامُ فيه كالكلام في قوله وَلّ: ((أنا النبيّ)) إلخ، إلَّا أنَّ هذا يحتمل أن يكونَ مشطوراً إذا كان كلٌّ من شطرَيه بيتاً. وعلى (٢) وقوع التكلُّم بالبيت غيرَ متَّزنٍ مع إِحراز المعنى كثيراً، كما رُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام أَنشد: ستُبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزوِّد بالأخبار فقال أبو بكر ظُله: ليس هكذا يا رسولَ الله، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنِّي واللهِ ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي)»(٣). وفي خبرٍ أَخرجه أحمدُ وابنُ أبي شيبةً عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَلِ إذا استراث الخبرَ تمثَّل ببيت طَرَفة: ويأتيكَ مَن لم تزوِّد بالأخبار (٤) وأخرج ابنُ سعدٍ وابنُ أبي حاتم عن الحسن أنَّه ◌َّه كان يتمثَّل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيبٍ للمرء ناهيا فقال أبو بكر: أَشهد أنَّك رسولُ الله، ما علَّمك الشِّعرَ وما ينبغي لك(٥). (١) في المنتظم ٣٢٠/٣. والحديث في صحيح البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦) من حديث جُندب البَجَلي ظُه، دون نسبة للبيت. (٢) عطف على قوله: على وقوع التكلم بالبيت متزناً ... (٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٤٥/٢-١٤٦، والطبري ١٩/ ٤٨٠ من حديث عائشة ـ والبيت لطرفة، وهو في ديوانه ص ٤١. (٤) مسند أحمد (٢٤٠٢٣)، ومصنف ابن أبي شيبة ٧١٢/٨، والرواية فيهما: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. أي: على الجادة. ومعنى: استراث: استبطأ . (٥) طبقات ابن سعد ٣٨٢/١-٣٨٣. وصدر البيت: معُميرةً ودِّعْ إن تجهَّزت غاديا. وهو لسحيم عبد بني الحسحاس كما في شرح المفصل ٩٣/٨، والخزانة ٢٦٧/١. الآية : ٦٩ ٤١١ سُوٌَّلاَ يَسْ وأخرج ابنُ سعد(١) عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد أنَّ النبيَّ وَّ قال للعباس بن مِرداس: أرأيتَ قولَك: أَتجعل نهبي ونهبَ العُبَي ـدِ بين الأقرع وعُيينة فقال له أبو بكر رَبُّه: بأبي أنت وأمِّ يا رسولَ الله، ما أنتَ بشاعرٍ ولا راوية، ولا ينبغي لك، إنَّما قال: بين عُيينةَ والأَقرعِ. ورُوي أنَّه قيل له عليه الصلاة والسلام: مَن أَشعرُ الناس؟ فقال: الذي يقول: ألم تَرَياني كلَّما جئتُ طارقاً وجدتُ بها وإن لم تطيَّب طِيبًا (٢) وأخرج البيهقيُّ في ((سننه)) بسندٍ فيه مجهولٌ عن عائشةَ قالت: ما جمع رسولُ اللهِوَلَه بيتَ شعرٍ قطّ، إلَّا بيتاً واحداً: يقال لشيءٍ كان إلَّا تحقَّق تفاءلْ بما تھوی یَكُنْ فَلَقَلَّما قالت عائشة: ولم يقل: تحقَّقًا؛ لئلا يُعربَه فيصيرَ شعراً(٣). ثم إنَّه عليه الصلاة والسلام مع هذا لم يكن يحبُّ الشِّعر، ففي مسند أحمدَ بن حنبلٍ عن عائشةَ قالت: كان أبغض الحديثِ إليهِ وَّ الشِّعر(٤). وفي الصَّحيحين وغيرِهما عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((لأَن يمتلىءَ جوفُ أحدِكم قيحاً خيرٌ له من أن يمتلىءَ شِعراً))(٥). وهذا ظاهرٌ في ذمّ الإِكثار منه، وما رُوي عن الخليل أنَّه قال: كان الشِّعرُ أحبَّ إلى رسول اللهِ وَّ ه من كثيرٍ من الكلام(٦)، منافٍ لما سمعتَ عن المسند، ولعلَّ الجمعَ بالتفصيل بين شِعرٍ وشِعر. (١) في الطبقات ٤/ ٢٧٢. وفي (م): ابن سعيد، وهو خطأ. (٢) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦١/٤، والبيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ص٤١ . وأصله : وجدت بها طيباً وإن لم تطيب (٣) سنن البيهقي ٤٣/٧ . (٤) هو بعض الحديث السالف عند عبد الرزاق ٢/ ١٤٥، والطبري ١٩/ ٤٨٠. (٥) سلف ٣٣١/١٩. (٦) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٢٩/٣ وزاد: ولكن كان لا يتأتى له. ٤١٢ الآية : ٧٠ وقد تقدَّم الكلامُ في الشِّعر مفصَّلاً في سورة الشعراء، فتذكَّر. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما القرآنُ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي: عِظةٌ من الله عزَّ وجلَّ وإرشادٌ الثقلين، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] ﴿وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ٦٩ أي: كتابٌ سماويٌّ ظاهرٌ أنَّه ليس من كلام البشر؛ لما فيه من الإِعجاز الذي أَلقم مَن تصدَّى للمعارضة الحَجَرَ. وَلَيُنذِرَ﴾ أي: القرآنُ، أو الرسولُ عليه الصلاة والسلام، ويؤيِّده قراءةُ نافعِ وابنٍ عامر: (لِتُنذرَ)) بتاء الخطاب(١). وقرأ اليمانيُّ: ((لِيُنْذَرَ)) مبنيًّاً للمفعول(٢)، ونقلها ابنُ خالويه(٣) عن الجحدريّ، وقال عن أبي السمَّال واليمانيِّ أنَّهما قرأا: (لِيَنْذَرَ)) بفتح الياءِ والذال، مضارعٍ: نَذِرَ بالشيء، بكسر الذال: إذا عَلِمَ به. ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي: عاقلاً، كما أَخرج ذلك ابنُ جَرير والبيهقيُّ في («شُعب الإيمان)) عن الضخَّاك (٤). وفيه استعارةٌ مصرِّحةٌ بتشبيه العقلِ بالحياة. أو مؤمناً، بقرينة مقابلتِه بالكافرين. وفيه أيضاً استعارةٌ مصرِّحة؛ لتشبيه الإيمانِ بالحياة. ويجوز كونُه مجازاً مرسلاً؛ لأنَّه سببٌ للحياة الحقيقيةِ الأَبدية. والمضيُّ في ((كان)) باعتبار ما في علمه عزَّ وجلَّ؛ لتحقَّقه. وقيل: ((كان)) بمعنى (يكون)). وقيل: في الكلام مجازُ المشارفة، ونزِّلت منزلَة المضيّ. وهو كما ترى. وتخصيصُ الإِنذار به لأنَّه المنتفِعُ بذلك. ﴿وَبَحِقَ الْقَوْلُ﴾ أي: تجب كلمةُ العذاب ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ الموسومين بهذا الوسم، المصرِّين على الكفر. وفي إِيرادهم بمقابلة ((مَن كان حيّاً)) إشعارٌ بأنّهم لخلوِّهم عن آثار الحياةِ وأحكامِها - كالمعرفة - أمواتٌ في الحقيقة. وجوِّز أن يكونَ في الكلام استعارة مكنيةٌ قريتُها استعارةٌ أخرى. (١) التيسير ص ١٨٥، والنشر ٣٥٥/٢. (٢) البحر ٣٤٦/٧. (٣) في القراءات الشاذة ص ١٢٦ . (٤) تفسير الطبري ١٩/ ٤٨١، والشعب ١٥٩/٤. ٤١٣ الآية : ٧١ وكأنّه جيءَ بقوله سبحانه: ((لينذر ... )) إلخ رجوعاً إلى ما بُدئ به السورةُ من قوله عزَّ وجلَّ: (لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ) ولو نظرتَ إلى هذا التخلّصِ من حديث المعادِ إلى حديث القرآنِ والإِنذار، لَقضيتَ العجبَ من حُسن موقعِه. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ﴾ الهمزةُ للإِنكار والتعجيب، والواوُ للعطف على جملةٍ مَنفيَّةٍ مقدَّرة مستتبعةٍ للمعطوف، أي: ألم يتفكّروا؟ أو: ألم يلاحظوا؟ أو: أَلم يعلموا علماً يقينيّاً مشابهاً للمعاينة؟ وزعم بعضُهم أنَّ هذا عطفٌ على قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوَأْ كُمْ أَهْلَكّنَا) إلخ، والأوَّل للحثِّ على التوحيد بالتحذير من النِّقم، وهذا بالتذكير بالنِّعم المشارِ إليها بقوله تعالى: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ أي: لأَجلهم وانتفاعِهم ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينًا﴾ أي: مما تولَّينا إحداثَه بالذَّات من غير مدخلٍ لغيرنا فيه، لا خلقاً ولا كسباً. والكلامُ استعارةٌ تمثيليةٌ فيما ذُكر. وجوِّز أن يكونَ قد كنى عن الإِيجاد بعمل الأيدي فيمن له ذلك، ثم بعد الشُّيوع أُريد به ما أُريد مجازاً متفرِّعاً على الكناية . وقال بعضُهم: المرادُ بالعمل الإِحداث، وبالأيدي القدرةُ، مجازاً، وأُوثرت صيغةُ التعظيم والأيدي مجموعة؛ تعظيماً لشأن الأثر، وأنَّه أمرٌ عجيب، وصنعٌ غريب. وليس بذاك. وقيل: الأيدي مجازٌ عن الملائكة المأمورين بمباشرة الأَعمالِ حَسبما يريده عزَّ وجلَّ في عالَم الكونِ والفساد، كملائكة التَّصوير، وملائكةِ نفخ الأَرواحِ في الأبدان بعد إِكمال تصويرِها، ونحوِهم. ولا يخفى ما فيه. ونحوُه ما قيل: الأَيدي مجازٌ عن الأسماء، فإنَّ كلَّ أثرٍ في العالَم بواسطة اسم خاصٌّ من أسمائه عزَّ وجلَّ. وأنت تعلم أنَّ الآيةَ من المتشابه عند السَّلف، وهم لا يجعلون اليدَ مضافةً إليه تعالى بمعنى القدرة، أُفردت، كـ: ﴿يَدُ اَلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] أو ثنِّيت، كـ: خَلَقْتُ بِبَدَىٌ﴾ [ص: ٧٥] أو جُمعت، كما هنا، بل يُثبتون اليدَ له عزَّ وجلَّ كما أَثبتها سُوٌمَ اكَسَن ٤١٤ الآية : ٧٢ لنفسه مع التنزيهِ الناطقِ به قولُه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىٌْ﴾ [الشورى: ١١] وارتضاه كثيرٌ ممَّن وقَّقه الله تعالى من الخلق، ولا أرى الطاعنين عليهم إلَّا جَهَلة. ﴿أَنْعَامًا﴾ مفعولُ ((خلقنا))، وأخِّر عن الجارّين المتعلِّقَين به اعتناءً بالمقدَّم، وتشويقاً إلى المؤخّر، وجمعاً بينه وبين ما يتعلَّق به من أحكامه المتفرِّعةِ عليه. والمرادُ بالأنعام الأزواجُ الثمانية، وخصّها بالذِّكر لِمَا فيها من بدائع الفطرةِ وكثرةٍ المنافع، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِّقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. ﴿فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ﴾﴾ أي: متملِّكون لها بتمليكنا إيّاها لهم. والفاءُ قيل: للتفريع على مقدَّر، أي: خلقنا لهم أنعاماً وملَّكناها لهم، فهم بسبب ذلك مالكون لها. وقيل: للتفريع على خَلْقِها لهم. وفيه خفاء. وجوِّز أن يكونَ الملكُ بمعنى القدرةِ والقهر، من: مَلَكتُ العجينَ: إذا أَجدتَ عَجْنَه، ومنه قولُ الربيع بن منيع الفزاريِّ وقد سئل عن حالِه بعد إذ كبر: أَملك رأسَ البعيرِ إنْ نفرا (١) أَصبحتُ لا أحملُ السلاحَ ولا والأوَّل أظهر؛ ليكونَ ما بعدُ تأسيساً لا تأكيداً. وأيًّاما كان، فلها متعلَّق بـ ((مالِكون))، واللامُ مقوِّية للعمل، وقدِّم لرعاية الفواصلِ مع الاهتمام. وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدَّلالة على استقرار مالكيَّتِهم لها واستمرارِها . ﴿وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ﴾ أي: وصيّرناها سهلةً غيرَ مستعصيةٍ عليهم في شيءٍ ممَّا يريدون بها، حتى الذبحُ حسبما ينطق به قولُه تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ﴾ فإنَّ الفاءَ فيه لتفريع أحكامِ التذليلِ عليه وتفصيلها، أي: فبعضٌ منها مركوبُهم. فرَكوب: فَعول بمعنى مفعول، كحَصور وحَلوب وقَذوع(٢)، وهو ممَّا لا ينقاس. وقرأ أُبيِّ وعائشة: ((رَكوبتُهم)) بالتاءِ(٣)، وهي فَعولةٌ بمعنى مفعولة، كحَلوبة، (١) سلف عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الكهف. (٢) في (م): وقزوع، والمثبت من الأصل، وهو موافق لِمَا في البحر ٧/ ٣٤٧، والكلام منه. (٣) القراءات الشاذة ص ١٢٦، والمحتسب ٢١٦/٢، والبحر ٣٤٧/٧. ولم يذكر ابن خالويه أُبيّاً . الآية : ٧٣ ٤١٥ وقيل: جمعُ: رَكوب. وتعقِّب بأنَّه لم يُسمع فَعولة - بفتح الفاءِ - في الجموع، ولا في أسمائها . وقرأ الحسنُ والأعمشُ وأبو البرهسم: ((رُكوبُهم)) بضمِّ الراءِ وبغير تاء(١)، وهو مصدر، كالقُعود والدُّخول، فإمَّا أن يؤوَّل بالمفعول، أو يقدَّرَ مضافٌ في الكلام، إمَّا في جانب المسندِ إليه، أي: ذو رُكوبهم، أو في جانب المسند، أي: فمن منافعها رُکوبھم. ﴿وَمِنْهَا يَأْكُونَ ﴾ أي: وبعضٌ منها يأكلون لحمَه. والتبعيضُ هنا باعتبار الأَجزاء، وفيما قبلُ باعتبار الجزئيَّات، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها. وغيِّر الأسلوب؛ لأنَّ الأكلَ عامٌّ في الأنعام جميعِها، وكثيرٌ مستمرّ، بخلاف الرُّكوب. کذا قیل. وقيل: الفعلُ موضوعٌ موضعَ المصدرِ - وهو بمعنى المفعولِ - للفاصلة. ﴿وَْ فِيهَا﴾ أي: في الأَنعام بكِلَا قِسمَيها ﴿مَنَفِعُ﴾ غير الرُّكوبِ والأكل، كالجلود والأصوافِ والأوبارِ وغيرِها، وكالحراثة بالثِّيران ﴿وَمَشَارِبٌّ﴾ جمعُ: مَشرب، مصدرٌ بمعنى المفعول. والمرادُ به اللبن، وخصَّ مع دخولِه في المنافع لشرفه واعتناءِ العربِ به، وجُمع باعتبار أصنافِه، ولا ريبَ في تعدُّدها. وتعمیمُ المشاربِ للزُّبد والسَّمن والجبنِ والأَقِطِ لا يصحُّ إلَّ بالتغليب أو التجوُّز؛ لأنها غيرُ مشروبة، ولا حاجةً إليه مع دخولها في المنافع. وجوِّز أن تكونَ المشاربُ جمعَ: مشربٍ، موضعِ الشُّرب، قال الإِمام(٢): وهو الآنية، فإنَّ من الجلود يتّخذ أواني الشُّرب من القِرَب ونحوِها. وقال الخَفاجي(٣): إذا كان موضعاً، فالمشاربُ هي نفسُها؛ لقوله سبحانه: ((فيها)) فإنَّها مقرُّه. ولعلَّه أَظهرُ من قول الإمام. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٦، والمحتسب ٢١٦/٢، والبحر ٣٤٧/٧، ولم يذكر أبا البرهسم إلا أبو حيان. (٢) في التفسير الكبير ١٠٦/٢٦ . (٣) في حاشيته ٧/ ٢٥٢. ٤١٦ الآية : ٧٤ - ٧٥ أي: أيُشاهدون(١) هذه النِّعمَ فلا يشكرون المنعِمَ بها ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ويخصُّونه سبحانه بالعبادة. ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: متجاوزين اللهَ تعالى الذي رأوا منه تلك القدرةَ الباهرة، والنِّعمَ الظاهرة، وعلموا أنَّه سبحانه المتفرِّدُ بها ﴿ءَالِهَةٌ﴾ من الأصنام، وأَشركوها به عزَّ وجلَّ في العبادة ﴿لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿٢﴾ رجاءَ أن يُنصَروا، أو: لأجل أن يُنصَروا من جهتهم فيما نزل بهم وأَصابهم من الشَّدائد، أو يَشفعوا لهم في الآخرة. وقولُه تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ إلخ استئنافٌ سيقَ لبيان بطلانِ رأيهم، وخيبةٍ رجائهم، وانعكاسٍ تدبيرهم، أي: لا تقدر آلهتُهم على نصرهم. وقولُ ابنِ عطية(٢): يحتمل أن يكونَ ضميرُ (يستطيعون)) للمشركين، وضميرُ ((نصرهم) للأصنام، ليس بشيءٍ أصلاً . ﴿وَهُمْ﴾ أي: أولئك المتَّخِذون المشركون ﴿لَمْ﴾ أي: لآلهتهم ﴿جُنْدٌ تُحْضَرُونَ ﴾ أي: معدُّون لحفظهم والذبِّ عنهم في الدنيا. أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ المنذر عن الحسنِ وقتادة. وقيل: المعنى: أنَّ المشركين جندٌ لآلهتهم في الدنيا محضَرون للَّار في الآخرة. وجاءَ ذلك في روايةٍ أَخرجها ابنُ أبي حاتمٍ عن الحسن. واختار بعضُ الأَجِلَّة أنَّ المعنى: والمشركون لآلهتهم جندٌ محضرون يومَ القيامة إِثْرَهم في النار، وجعلهم جنداً من باب التهكّم والاستهزاء. وكذلك لامُ (لهم، الدالّة على النفع. وقيل: ((هم) للآلهة، وضميرُ (لهم)) للمشركين، أي: وإنَّ الآلهةَ معدُّون محضَرون لعذاب أولئك المشركين يومَ القيامة؛ لأنَّهم يُجعلون وَقودَ النار، أو: محضَرون عند حسابٍ الكَفَرة؛ إظهاراً لعجزهم، وإِقناطاً للمشركين عن شفاعتهم. (١) في (م): يشاهدون، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. (٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٤٦٣. الآية : ٧٦ ٤١٧ وجعلُهم جنداً والتعبيرُ باللام في الوجهَين على ما مرَّ آنفاً، واختلافُ مراجعٍ الضمائرِ في الآية ليس من التفكيكِ المحظور. والواوُ في قوله سبحانه: ((وهم .. )) إلخ - على جميع ما مرَّ - إمَّا عاطفة، أو حاليّة، إلَّا أنَّ الحالَ مقدَّرة في بعض الأَوجُه كما لا يخفى. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَلَ يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ﴾ فصيحة، أي: إذا كان هذا حالَهم مع ربِّهم عزَّ وجلَّ، فلا تحزنْ بسبب قولهم عليك: هو شاعر، أو: إذا كان حالُهم يومَ القيامةِ ما سمعت، فلا تحزنْ بسبب قولِهم على الله سبحانه: إنَّ له شركاء، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، أو عليك: هو شاعر، أو على اللهِ تعالى وعليك ما لا يَليق بشأنه عزَّ وجلَّ وشأنِك. والاقتصارُ في بيان قولِهِم عليه وَّهِ بأنَّه - وحاشاه - شاعر؛ لأنَّه الأَوفقُ بما تقدَّم من قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُ) وقد يعمُّ فيشمل جميعَ ما لا يَليق بشأنه عليه الصلاة والسلام من الأقوال. وتفسيرُ الشرطِ الذي أَفصحت عنه الفاءُ بما ذكرنا أوَّلاً هو المناسبُ لمَا رُوي عن الحسن وقتادةً في معنى قولِه تعالى: (وَهُمْ لَمْ جُنُّدٌ تُحْضَرُونَ) وبما ذكرنا ثانياً هو المناسبُ لمَا ذكر بعدُ في معنى ذلك. وقيل: التقديرُ على الأوَّل: إذا كانوا في هذه المرتبةِ من سَخافة العقول، حيث انَّخذوا رجاءَ النصرِ آلهةً من دون اللهِ عزَّ وجلَّ لا يقدرون على نصرهم والذَّبِّ عنهم، بل هم يذبُّون عن تلك الآلهة، فلا تَحزَّن بسبب قولِهم عليك ما قالوا. ولعل الأوَّلَ أَوْلى. وأيّاً ما كان، فالنهيُ وإنْ كان بحسب الظاهرِ متوجّهاً إلى قولهم، لكنَّه في الحقيقة كما أشرنا إليه متوجّه إلى رسول اللهِ وَّهِ، والمرادُ نهيُه عليه الصلاة والسلام عن التأثُّر من الحزن بطريق الكنايةِ على أَبلغ وجهٍ وآكَدِه كما لا يخفَى. وقرأ نافع: ((فلا يُخْزِنكَ)) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي(١)، من: أَحزن المنقولِ من حَزَنَ اللازم، وجاء: حَزَنَه وآحزنه. (١) التيسير ص ٩١-٩٢، والنشر ٢٤٤/٢. سُ الَيَسْن ٤١٨ الآية : ٧٦ تعليلٌ صريحٌ للنَّهي بطريق الاستئنافِ بعد ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٨) تعليله بطريق الإِشعار، بناءً على التقدير الثاني في الشرط، فإنَّ العلم بما ذُكر مجازٌ عن مجازاتهم عليه، أو كنايةٌ عنها للزومها إِيَّه؛ إذ عِلمُ الملكِ القادرِ الحكيمِ بما جرى من عدوّه الذي تقتضي الحكمةُ الانتقامَ منه مقتضٍ لمجازاته والانتقام منه. وهو على التقدير الأوَّل قيل: استئنافٌ بيانيٍّ وقع جوابَ سؤالٍ مقدَّر، كأنَّهَ قيل: يا ربّ، فإذا كان حالُهم معك ومع نبيِّك ذلك، فماذا تصنعُ بهم؟ فقيل: ((إنا نعلم ... » إلخ، أي: نجازبهم بجميع جنایاتھم. وقيل: هو تعليلٌ لترتيب النَّهي على الشَّرط. فتأمَّل. و (ما)) موصولة، والعائدُ محذوف، أي: نعلم الذي يُسرُّونه من العقائد الزائغةِ والعداوةٍ لك ونحو ذلك، والذي يُعلنونه من كلمات الإِشراك والتكذيب ونحوها. وجُوِّز أن تكونَ مصدرية، أي: نعلم إسرارَهم وإِعلانهم، والمفعولُ محذوف، أو الفعلان منزَّلان منزلةَ اللازم، والمتبادرُ الأوَّل، وهو الأَوْلى. وتقديمُ السرِّ على العلن لبيان إِحاطة علمِه سبحانه، بحيث إنَّ عِلْمَ السرِّ عنده تعالى كأنَّه أقدمُ من علم العَلَن. وقيل: لأنَّ مرتبةَ السرِّ متقدّمة على مرتبة العلن؛ إذ ما من شيءٍ يُعْلَنُ إلَّا وهو أو مَبَاديه مضمَرٌ في القلب قبل ذلك، فتعلُّق علمِه تعالى بحالته الأولى متقدِّم على تعلُّقه بحالته الثانيةِ حقيقة. وقيل: للإِشارة إلى الاهتمام بإِصلاح الباطن، فإنَّه مِلاكُ الأمر، ولأنه محلُّ الاشتباه المحتاج للبيان. وشاع أنَّ الوقفَ على ((قولهم)) متعيّن، وقيل: ليس به؛ لأنَّه جوِّز في («إنا نعلم ... )) إلخ كونُه مقولَ القول، على أنَّ ذلك من باب الإِلهاب والتعريض، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] أو على أنَّ المراد: فلا يَحزُنك قولُهم على سبيل السُّخرية والاستهزاء: إنَّا نعلم ... إلخ. ومنه يُعلم أنَّه لو قرأ قارئٍّ: أنَّا نعلم، بالفتح، وجعل ذلك بدلاً من ((قولهم)) لا تنتقضُ صلاتُه، ولا يكفر لو اعتقد ما يُعطيه من المعنى، كما لو جعله تعليلاً الآية : ٧٧ ٤١٩ على حذف حرفِ التعليل. والحقُّ أنَّ مثلَ هذا التوجيهِ لا بأسَ بقَبوله في دَرءِ الكفر، وأمَّا أمرُ الوقف، فالذي ينبغي أن يقالَ فيه: إنَّه على ((قولهم)) كالمتعيّن. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن تُعْلِفَةٍ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان بطلانِ إِنكارهم البعثَ بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديقَ به، كما أنَّ ما سبق مسوقٌ لبيان بطلانِ إشراكهم بالله عزَّ وجلَّ بعد ما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيدَ والإسلام. وقيل: إنَّه تسليةٌ له عليه الصلاة والسلام، كقوله تعالى: (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُوُ) وذلك بتهوين ما يقولونه بالنّسبة إلى إِنكارهم الحشر. وليس بشيء. والهمزةُ للإِنكار والتعجيب(١)، والواوُ للعطف على جملةٍ مقدَّرة هي مستتبعةٌ للمعطوف، كما مرَّ في قوله تعالى: ((أو لم يروا ... )) إلخ، أي: أَلم يتفكّر الإنسانُ ولم يعلمْ أنَّا خلقناه من نطفة؟ أو هي عينُ تلك الجملة، أُعيدت تأكيداً للَّكير السابق، وتمهيداً لإِنكار ما هو أحقُّ منه بالإِنكار؛ لمَا أنَّ المنكَر [هاهنا] عدمُ(٢) علمِهم بما يتعلَّق بخلق أنفسِهم. ولا ريبَ في أنَّ علمَ الإنسانِ بأحوال نفسِه أهمّ، وإِحاطتَه بها أَسهل وأتمّ، فالإِنكار والتعجيبُ من الإِخلال بذلك [أَدْخَلُ]، كأنَّه قيل: أَلم يعلموا خلقَه تعالى لأسباب معايشِهم ولم يعلموا خلقَه تعالى لأنفُسهم أيضاً، مع كون العلمِ بذلك في غاية الظهورِ ونهايةِ الأهمية. ويشير كلامُ بعضِ الأجِلَّةِ إلى أنَّ العطفَ على ((أو لم يروا)» السابق، والجامعُ ابتناءُ كلٌّ منهما على التعكيس، فإنَّه تعالى خلق للإِنسان ما خلق ليشكر، فكفر وجحد المنعِمَ والنِّعم، وخَلَقه سبحانه من نطفةٍ قذرةٍ ليكونَ منقاداً متذلِّلاً، فطغى وتكبَّر وخاصم. وإيرادُ ((الإنسانِ) موردَ الضمير؛ لأنَّ مدارَ الإنكارِ متعلّق بأحواله من حیث هو إنسان. وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ﴾ أي: مبالغٌ في الخصومة والجدالِ الباطل ﴿ُبِينٌ ﴾ ظاهرٌ متجاهرٌ في ذلك، عطفٌ على الجملة المنفيةِ داخلٌ في حيِّز (١) في الأصل و(م): والتعجب، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧/ ١٨٠، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): عين، والمثبت من تفسير أبي السعود، وما بين حاصرتين منه. سُمَالايَسْن ٤٢٠ الآية : ٧٧ الإنكارِ والتعجيب، كأنَّه قيل: أَولم يرَ أنَّا خلقناه من أخسٌ الأشياءِ وأمهنِها ففاجأ خصومتنا في أمرٍ يشهد بصحّته مبدأ فطرتِه شهادةً بيِّنة؟ وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدَّلالة على استقراره في الخصومة واستمرارِه عليها. وفي ((الحواشي الخَفاجية))(١) أنَّ تعقيبَ الإنكارِ بالفاء و((إذا)) الفجائيةِ على ما يقتضي خلافَه مقوّ للتعجيب. والمرادُ بالإِنسان الجنس. والخصيمُ إنَّما هو الكافرُ المنكِر للبعث مطلقاً. نعم نزلت الآيةُ في كافرٍ مخصوص، أَخرج جماعةٌ منهم الضياءُ في (المختارة)) عن ابن عباسٍ قال: جاء العاص بنُ وائلٍ إلى رسول اللهِ وَله بعظم حائل، ففتَّه بيده، فقال: يا محمد، أيُحيي الله تعالى هذا بعد ما أَرَمّ؟ قال: ((نعم يبعث الله تعالى هذا، ثم يُميتك ثم يحييك ثم يُدخلك نارَ جهنّم)) فنزلت الآيات: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ) إلى آخر السُّورة(٢). وفي رواية ابنٍ مردويه عنه أنَّ الجائيَ القائلَ ذلك أُبيُّ بن خلف، وهو الذي قتله رسولُ اللهِ وَ﴿ يومَ أُحدٍ بالحربة. ورُوي ذلك عن أبي مالكٍ ومجاهدٍ وقتادةَ والسُّديِّ وعكرمةَ وغيرِهم، كما في ((الدرِّ المنثور))(٣). وفي روايةٍ أخرى عن الحَبر أنَّه أبو جهل بنُ هشام. وفي أُخرى عنه أيضاً أنَّه عبدُ اللهِ بن أبيّ(٤). وتعقَّب ذلك أبو حيَّان(٥) بأنَّ نسبةَ ذلك إلى ابن عباسٍ ﴿هَا وهم؛ لأنَّ السورةَ والآيةَ مكِّية بإِجماع، ولأنَّ عبدَ الله بنَ أُبيِّ لم يجاهر قطُ هذه المجاهرة. وحَكَى (١) ٢٥٣/٧. (٢) الدر المنثور٥/ ٢٦٩، وأخرجه الحاكم ٤٢٩/٢، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وهو من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿، وأخرجه ابن جرير ٤٨٧/١٩ عن سعيد بن جبير. (٣) ٢٦٩/٥ -٢٧٠. (٤) أخرجه الطبري ١٩ / ٤٨٧، وإسناده ضعيف، وفي متنه نكارة كما سيرد. (٥) في البحر ٣٤٨/٧.