النص المفهرس
صفحات 381-400
الآية : ٥٦ ٣٨١ ما أرضُ الجنة؟ قال: مرمرةٌ بيضاءُ من فضَّة، كأنَّها مرآة، قيل: ما نورُها؟ قال: ما رأيتَ الساعةَ التي قبل طلوع الشمس فذلك نورُها، إلَّا أنَّها ليس فيها شمسٌ ولا زمهرير. وذكر ابنُ عطيةَ نحوَ هذا، لكن لم يعزُهُ(١) . وتعقّبه أبو حيانَ(٢) بأنَّه يحتاج إلى نقلٍ صحيح، وكيف يكون ذلك وفي الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ حوراءَ من حُور الجنةِ لو ظهرت لأَضاءت منها الدُّنيا، أو نحوٌ من هذا(٣). ويمكن الجوابُ بأنَّ المرادَ تقريبُ الأمرِ لفهم السائلِ وإيضاحُ الحالِ بما یفهمه، أو بيانُ نورِها في نفسها، لا الأعمِّ منه وممَّا يحصل فيها من أنوار سكّانِها الحورِ العينِ وغيرِهم. نَعَم نورُها في نفسها أتمُّ من نور الدنيا قبل طلوع الشمس، كما يومىُ إليه ما أخرجه ابنُ ماجه (٤) عن أسامةَ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أَلَا هل مشمِّرٌ للجنة، فإنَّ الجنةَ لا خطرَ لها - أي: لا عِدلَ ولا مِثل - وهي وربّ الكعبةِ نورٌ يتلألأ .. )) الحديثَ. ويجوز حملُ الظلالِ جمع ظلِّ - هنا - على هذا المعنى، وجمعُه للتعدُّد الاعتباري. ويجوز حملُ الظلّ على العزّة والمناعة، فإنَّه قد يعبّر به عن ذلك، وبهذا فسَّر الراغبُ(٥) قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] وهو غيرُ معنى الوقايةِ عن مظانِّ الألم الذي ذكره الإِمام. ويجوز حملُه على أنَّه جمعُ ظُلَّة على الستورِ التي تكون فوقَ الرأس، من سقفٍ وشجرٍ ونحوِهما، ووجودُ ذلك في الجنة ممَّا لا شبهةَ فيه؛ فقد جاء في الكتاب (١) المحرر الوجيز ٤٥٩/٤. (٢) في البحر ٧/ ٣٤٢. (٣) أخرج البخاري (٢٧٩٦) عن أنس بن مالك ه، عن النبي وَله: (( ... ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً، ولَنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)). (٤) في سننه (٤٣٣٢). (٥) في المفردات (ظل). ٣٨٢ الآية : ٥٦ وصحَّ في السنة أنَّ فيها غرفاً(١)، وهي ظاهرةٌ فيما كان ذا سقف، بل صرَّح في بعض الأخبارِ بالسقف(٢)، وجاء فيها أيضاً ما هو ظاهرٌ في أنَّ فيها شجراً مرتفعاً يُظلُّ مَن تحته، وقد صحَّ من رواية الشيخينِ (٣) أنَّهَرَِّ قال: ((إنَّ في الجنة شجرةً يسير الراكبُ في ظلِّها مئةَ عامٍ لا يقطعها، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلِ تََّدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠])). وأخرج ابنُ أبي الدُّنيا عن ابن عباسِ أنَّه قال: الظلُّ الممدود: شجرةٌ في الجنة على ساق، قَدْرُ ما يسير الراكبُ المجدُّ في ظلِّها مئةَ عامٍ في كلِّ نواحيها، يخرج إليها أهلُ الجنةِ - أهلُ الغرفِ وغيرُهم - فيتحدَّثون في ظلِّهاَ .. الخبرَ. وابنُ الأثيرِ(٤) يقول: معنى ((في ظلِّها)): في ذَرَاها وناحيتها. وكأنَّ هذا لدفع أنَّها تظلُّ من الشمس أو نحوها. و ((الأرائك)) جمعُ: أَريكة، وهو السريرُ في قول، وقيل: الوسادة، حكاه الطَّبرسي(٥). وقال الزُّهري: كلُّ ما اُّكئ عليه فهو أَريكة. وقال ابنُ عباس: لا تكون أريكة حتى يكون السريرُ في الحَجَلة(٦)، فإن كان سريرٌ بغير حَجَلٍ لا تكون أريكة، وإن كانت حَجَلٌ بغير سريرٍ لم تكن أريكة، فالسريرُ والحَجَلةُ أريكة. وفي (حادي الأرواح))(٧): لا تكون أريكةٌ إلَّا أن يكونَ السريرُ في الحَجَلة، وأن يكونَ على السرير فِراش. وفي ((الصِّحاح)) (٨): الأريكة: سريرٌ منَجَّد مزيَّن في قُبَّة أو بيت. (١) أخرج الترمذي (١٩٨٤) عن علي ظه قال: قال النبي وَ ل 9: ((إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها وبطونُها من ظهورها ... )). (٢) سلف ٢٠/ ٨٥. (٣) صحيح البخاري (٣٢٥٢)، وصحيح مسلم (٢٨٢٦) من حديث أبي هريرة ◌ُه. (٤) في النهاية (ظلل). (٥) في مجمع البيان ٣٣/٢٣. (٦) الحجلة: ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس. المعجم الوسيط (حجل). (٧) ص ٢٧٨ . (٨) مادة (أرك). الآية : ٥٦ ٣٨٣ وقال الراغب(١): الأريكة: حجلةٌ على سرير، والجمع: أرائك، وتسميتُها بذلك إمَّا لكونها في الأرض متَّخذةً من أَراك، وهو شجرٌ معروف، أو لكونها مكاناً للإِقامة، مِن قولهم: أَرَكَ بالمكان أُروكاً. وأصلُ الأوركِ الإقامةُ على رعي الأَراك، ثم تجوِّز به في غيره من الإِقامات. وبالجملة إنَّ كلامَ الأكثرين يدلُّ على أنَّ السريرَ وحده لا يسمَّى أَريكة، نعم يقال للمتَّكئ على أريكة: متَّكئ على سرير، فلا منافاةً بين ما هنا وقولِه تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفٍَ﴾ [الطور: ٢٠] لجواز أن تكونَ السُّررُ في الحِجال، فتكون أرائك. ويجوز أن يقال: إنَّ أهل الجنةِ تارةً يتَّكئون على الأَرائك، وأخرى يتَّكئون على السُّرر التي ليست بأَرائك. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ورد في وصف سُرُرِهم، رزقنا الله تعالى وإياكم الجلوسَ على هاتيكَ الشُّرر، والاتكاءَ مع الأزواج على الأرائك. والظاهرُ أنَّ المرادَ بالأزواج أزواجُهم المؤمناتُ اللاتي كنَّ لهم في الدنيا . وقيل: أزواجُهم اللاتي زوَّجهم اللهُ تعالى إياهنَ من الحور العين. ويجوز فيما يظهر أنَّ يراد الأعمُّ من الصِّنفين ومن المؤمنات اللاتي مُتنَ ولم يتزوَّجن في الدنيا فزوَّجهن الله تعالى في الجنة مَن شاءَ من عباده، بل الأعمُّ من ذلك كلِّه ومن المؤمنات اللاتي تزوَّجن في الدنيا بأزواجٍ ماتوا كفاراً فأُدخلوا النارَ مخلَّدين فيها وأُدخلنَ الجنة، كامرأة فرعون، فقد جاء في الأخبار أنَّها تكون زوجةَ نبيِّنا وَلِ(٢). وجوِّز أن يكونَ المرادُ بأزواجهم أشكالَهم في الإحسان، وأمثالَهم في الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَجُ﴾ [ص: ٥٨] وقريبٌ منه ما قيل: المرادُ به أخلاؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. (١) في المفردات (أرك). (٢) أخرج ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٣٧، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٥٩ عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّه: ((يا عائشة علمت أن الله زوَّجني في الجنَّة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون)). قلت: هنيئاً لك يا رسول الله. وفي إسناده: يونس بن شعيب، قال عنه البخاري: منكر الحديث. ميزان الاعتدال ٤/ ٤٨١ . سُمَّا يَسْن ٣٨٤ الآية : ٥٧ وقيل: يجوز أن يرادَ به ما يعمُّ الأشكال والأخِلَّاءَ ومَن سمعتَ أولاً. وأنت تعلم بُعدَ إرادةٍ ذلك، وكذا إرادةُ الأَشكالِ أو الأخِلَّاء بالخصوص. ﴿لَهُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ﴾ بيانٌ لما يتمثَّعون به في الجنَّة من المآكلِ والمشارب، وما يتلذَّذون به من الملاذِّ الجسمانيةِ والرُّوحانية، بعد بيانِ ما لهم فيها من مجالس الأنس، ومحافلِ القدس، تكميلاً لبيان كيفيةِ ما هم فيه من الشُّغل والبهجة. كذا قیل. ويجوز أن يكونَ استئنافاً بيانيّاً وقع جوابَ سؤال نشأ مما يدلُّ عليه الكلامُ السابقُ من اشتغالهم بالأُنس، واتِّكائهم على الأَرائك، وعدم تعاطيهم أسبابَ المأكلِ والمشرب، فكأنَّه قيل: إذا كان حالُهم ما ذكر، فكيف يصنعون في أمر مأكلِهِم ؟ فأُجيب بقوله سبحانه: (لَمْ فِيهَا فَكِهَةٌ) وهو مشيرٌ إلى أنَّ لهم من المأكل ما لهم على أتمٍّ وجه. وأُفيد أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّه لا جوعَ هناك، وليس الأكلُ لدفع ألمِ الجوع، وإنَّما مأكولُهم فاكهةٌ ولو كان لحماً. والتنوينُ للتفخيم، أي: فاكهةٌ جليلةُ الشأن، وفي قوله سبحانه: (لَمْ فِيهَا فَكِهَةٌ) دون: يأكلون فيها فاكهة، إشارةٌ إلى كون زمامِ الاختيارِ بأيديهم، وکونھم مالکین قادرین، فإن شاؤوا أَكلوا، وإن شاؤوا أمسكوا . ﴿وَلَهُمْ مَّا يَذَّعُونَ ﴾﴾ أي: ما يدَّعون به لأنفسهم، أي: لهم كلُّ ما يطلبه أحدٌ لنفسه، لا أنَّهم يطلبون، فإنَّه حاصل، كما إذا سألك أحدٌ فقلت: لكَ ذلك، تعني: فلمَ تطلب؟ أو: لهم ما يطلبون بالفعل، على أنَّ هناك طلباً وإجابة؛ لأنَّ الغِبطة بالإِجابة توجب اللذَّةَ بالطلب، فإنَّه مرتبةٌ سَنِّة، لاسيَّما والمطلوبُ منه والمجيبُ هو الله تعالى، الملكُ الجليلُ جلَّ جلالُه وعمَّ نوالُه، فـ((يدعون)) من الدُّعاءِ بمعنى الطلب. وأصلُه: يَذْتَعِيُون، على وزن: يَفْتَعِلُون، سكِّنت الياءُ بعد أن أُلقيت حركتُها على ما قبلها، وحُذفت لسكونها وسكونِ الوارِ بعدها. وقيل: بل ضُمَّت العينُ لأجل واو الجمع ولم يُلقَ حركةُ الياءِ عليها، وإنَّما حُذفت استثقالاً، ثم حُذفت الآية : ٥٧ ٣٨٥ الياءُ لالتقاءِ الساكنين، فصار: يدتَعُون، فقُلبت التاءُ دالاً وأدغمت، وافْتَعَلَ بمعنى فَعَلَ الثلاثيّ كثير، ومنه: اشتوَى بمعنى شوى، واجتمل بمعنى: جَمَّلَ، أي: أَذاب الشّحم، قال لبید: فاشتوى ليلةَ ريحٍ واجتملُ(١) و(لهم) خبرٌ مقدَّم، و((ما)) مبتدأٌ مؤخّر، وهي موصولة، والجملةُ بعدها صِلَة، . والعائدُ محذوف، وهو إمَّا ضميرٌ مجرور، أو ضميرٌ منصوبٌ على الحذف والإيصال. وجوِّز أن تكونَ ((ما)) نكرةً موصوفة، وأن تكونَ مصدرية، فالمصدرُ حينئذٍ مبتدأ، وهو خلافُ الظاهر، والجملةُ عطفٌ على الجملة قبلَها، وعدمُ الاكتفاءِ بعطف ((ما)) على (فاكهة)) لئلا يتوهّمَ كونُها عبارةً عن توابع الفاكهةِ ومتمِّماتها . وجُوِّز أن يكونَ ((يدَّعون)) من الافتعال بمعنى التفاعُل، كـ : ارتموه بمعنى ترامَوه، أي: لهم ما يتداعَون، والمعنى: كلُّ ما يصحُّ أن يطلبَه أحدٌ من صاحبه فهو حاصلٌ لهم، أو: ما يطلبه بعضُهم من بعضٍ بالفعل؛ لما في ذلك من التحابّ. وأن يكونَ من الافتعال على ما سمعتَ أوَّلاً، إلّا أنَّ الادِّعاءَ بمعنى التمنِّي، قال أبو عبيدة (٢): العربُ تقول: ادَّع عليَّ ما شئت، بمعنى: تمنَّ عليّ، وتقول: فلانٌ في خيرِ ما ادَّعى، أي: تمنَّى، أي: لهم ما يتمنَّون. قال الزجَّاج(٣): وهو مأخوذٌ من الدُّعاء، أي: كلُّ ما يدَّعونه أهلُ الجنةِ يأتيهم. وقيل: افتعل بمعنى فَعَلَ، فـ ((يدَّعون)) بمعنى يَدْعُون، من الدُّعاءِ بمعناه المشهور، أي: لهم ما كان يدعون به اللهَ عزَّ وجلَّ في الدُّنيا من الجنَّة ودرجاتِها . (١) الديوان ص ١٧٨، وصدره: أو نَهَتْه فأتاه رزقُه. وقبله: وغلامٍ أرسلَتْهِ أمُّه بأَلُوكِ فبَذَلْنا ما سألْ والألوك: الرسالة. (٢) في مجاز القرآن ٢/ ١٦٤. (٣) في معاني القرآن ٢٩٢/٤. سٌ لا يَسْنَ ٣٨٦ الآية : ٥٨ وقوله تعالى: ﴿سَلَمٌ﴾ جوِّز أن يكونَ بدلاً من ((ما)» بدلَ بعضٍ من كلّ، ولزومُ الضميرِ غيرُ مسلَّم، وقولُه تعالى: ﴿قَوْلًا﴾ مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوف، والجملةُ صفةُ ((سلاماً))(١)، وقولُه تعالى: ﴿مِّن رَّبٍ زَحِيمٍ (@) صفة ((قولاً)) أي: سلامٌ يقال لهم قولاً من جهة ربِّ رحيم، أي: يسلّم عليهم من جهته تعالى بلا واسطة، تعظيماً لهم؛ فقد أَخرج ابنُ ماجه(٢) وجماعةٌ عن جابرٍ قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((بينا أهلُ الجنةِ في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسَهم، فإذا الربُّ قد أَشرف عليهم مِن فوقِهم، فقال: السلامُ عليكم يا أهل الجنة، وذلك قولُ اللهِ تعالى: (سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَّحِيمٍ) قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجبَ عنهم، ويبقى نورُه وبركتُه عليهم في ديارهم)). وقيل: بواسطة الملائكةِ عليهم السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَتِهِم مِّن كُلِّ بَابٍ *** سَلَمُّ عَلَيْكُ﴾ [الرعد: ٢٣] ورُوي ذلك عن ابن عبَّاس. وعلى الأوَّل الأكثرون. وأمَّا ما قيل: إنَّ ذلك سلامُ الملائكةِ على المؤمنين عند الموت، فليس بشيءٍ. والبدليةُ المذكورةُ مبنيّة على أنَّ ((ما)» عامَّة. وجُوِّز أن يكونَ بدلَ كلٍّ من كلّ، على تقدير أن يرادَ بها خاصّ، أو على ادِّعاء الاتِّحادِ تعظيماً. ولا بأسَ في إِبدال هذه النكرةِ منها على تقدير موصوليَّتِها؛ لأنَّها نكرةٌ موصوفةٌ بالجملة بعدها، على أنَّه يجوز أن يلتزمَ جوازُ إبدالِ النكرةِ من المعرفة مطلقاً من غيرِ قُبح. ويجوز أن يكونَ ((سلام)) خبرَ مبتدأ محذوف، والجملةُ بعده صفتُه، أي: هو - أو: ذلك - سلامٌ يقال قولاً من ربِّ رحيم، والضميرُ لـ ((ما))، وكذا الإِشارة. وجُوِّز أن يكونَ صفةً لـ ((مَا))، أي: لهم ما يدَّعون سالم، أو ذو سلامةٍ مما يُكره، و((قولاً)) مصدرٌ مؤكِّد لقوله تعالى: ((لهم ما يدعون سلام)) أي: عِدَةً من (١) كذا في الأصل و(م). وهي: سلام، كما في الآية. (٢) في سننه (١٨٤)، وفي إسناده الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو منكر الحديث. ٤ الآية : ٥٨ ٣٨٧ سُوَلايَسْ ربِّ رحيم. وهذه الوصفيةُ على تقدير كونِ ((ما)) نكرةً موصوفة، ولا يصحُّ على تقدير كونها موصولة؛ للتَّخالف تعريفاً وتنكيراً. وأن يكونَ خبراً لـ ((ما))، و((لهم)) متعلِّق به لبيان الجهة، كما يقال: لزيدِ الشرفُ متوفِّر، أي: ما يدَّعون سالمٌ لهم خالصٌ لا شوبَ فيه، ونصب ((قولاً)) على ما سمعتَ آنفاً، وفي ((الكشّاف)): الأَوجَه أن ينتصبَ على الاختصاص، وهو من محازّه(١). فيكون الكلامُ جملةً مفصولةً عمَّا سبق، ولا ضيرَ في نصب النكرةِ على ذلك. وجُوِّز أن يكونَ مبتدأً خبرُه محذوف، أي: ولهم سلامٌ يقال قولاً من ربِّ رحيم. وقدِّر الخبرُ مقدَّماً لتكونَ الجملةُ على أُسلوب أخواتِها، لا ليسوغَ الابتداءُ بالنكرة، فإنَّ النكرةَ موصوفةٌ بالجملة بعدَها. وظاهرُ كلامِهم تقديرُ العاطفِ أيضاً، ويمكن ألّا يقدَّر. وفصلُ الجملة - على ما قيل - لأنَّها كالتعليل لِمَا تضمَّنته الآيُّ قبلها؛ فإنَّ سلامَ الربِّ الرحيمِ منشأُ كلِّ تعظيمٍ وتكريم. وجُوِّز على تقدير كونِه مبتدأٌ تقديرُ الخبرِ المحذوف: عليهم. قال الإمام (٢): فيكون ذلك إخباراً من الله تعالى في الدُّنيا، كأنَّه سبحانه حكى لنا وقال جلَّ شأنُه: ((إن أصحاب الجنة في شغل)) ثم لمَّا كمَّل بيانَ حالِهم، قال: سلامٌ عليهم، وهذا كما قال سبحانه: ﴿سَلَمُّ عَلَى نُوجِ﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿وَسَلَمُّ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] فيكون جلَّ وعلا قد أَحسن إلى عباده المؤمنين كما أَحسن إلى عباده المرسَلين، ثم قال: وهذا وجهٌ مبتكرٌ جيِّد ما يدلُّ عليه منقول، أو نقول: تقديرُه: سلامٌ عليكم، ويكون هذا نوعاً من الالتفات، حيث قال تعالى لهم كذا وكذا، ثم قال سبحانه: ((سلام عليكم)). اهـ. ووجهُ الابتداءِ بـ ((سلام)) في مثل هذا التركيبٍ - موصوفاً كان أم لا - معروفٌ عند أَصاغر الطَّلبة. (١) الكشاف ٣٢٧/٣، وفيه: من مجازه، بدل: من محازه. (٢) في التفسير الكبير ٢٦/ ٩٤. سُلالسن ٣٨٨ الآية : ٥٩ وقرأ محمدُ بن كعبِ القُرَظي: ((سِلْمٌ)) بكسر السينِ وسكونِ اللام(١). ومعناه: سلام. وقال أبو الفضلِ الرازي: مسالمٌ لهم، أي: ذلك مسالم. وليس بذاك. وقرأ أُبيِّ وعبدُ الله وعيسى والغَنَوي: ((سلاماً))(٢) بالنَّصب على المصدر، أي: يسلّم عليهم سلاماً، أو على الحال من ضميرٍ (ما)) في الخبر، أو منها على القول بجواز مجيءِ الحالِ من المبتدأ، أي: ولهم مرادُهم خالصاً. ﴾ أي: انفرِدوا عن المؤمنين إلى مصيركم من ٥٩ ﴿وَأَمْتَلُواْ اْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ النَّار. وأَخرج عبد بنُ حُميدٍ وغيرُه عن قتادة: أي: اعتزلوا عن كلِّ خير. وعن الضخَّاك: لكلِّ كافرٍ بيتٌ من النار يكون فيه، لا يَرى ولا يُرى، أي: على خلافٍ ما للمؤمنين من الاجتماع مع مَن يحبُّون. ولعلَّ هذا بعد زمانٍ من أوَّل دخولِهم، فلا ينافي عتابَ بعضِهم بعضاً الواردَ في آياتٍ أُخَر، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِى النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ويحتمل أنَّه أَراد: لكلِّ صنفٍ كافر، كاليهود والنَّصارى. وجوَّز الإمامُ (٣) كونَ الأمرِ أمرَ تكوين، كما في ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] على معنى أنَّ اللهَ تعالى يقول لهم ذلك، فتظهرُ عليهم سيماءُ يُعرَفون بها، كما قال سبحانه: ﴿يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] ولا يخفى بُعدُه. والجملة عطفٌ إمَّا على الجملة السابقةِ المسوقةِ لبيان أحوالِ أصحابِ الجنة، من عطف القصةِ على القصَّة، فلا يضرُّ التخالفُ إنشائيةً وخبرية، وكأنَّ تغييرَ السبكِ التخييل كمالِ التباين بين الفريقين وحالَيهما . وإمَّا على مضمَرٍ ينساق إليه حكايةُ حالِ أصحابِ الجنة، كأنَّه قيل إثرَ بیانِ كونِهم في شُغلٍ عظيمِ الشأن وفوزِهم بنعيم مقيم يقصُّر عنه البيان: فليَقرُّوا بذلك عيناً، وامتازوا عنهم أيُّها المجرمون. قاله أبو السُّعود(٤). (١) المحتسب ٢١٤/٢، والبحر ٣٤٣/٧. (٢) البحر ٣٤٣/٧، ونسبها ابن خالويه ص ١٢٦ لأبي وعبد الله، وابن جني ٢١٥/٢ لعيسى. (٣) في التفسير الكبير ٢٦/ ٩٥. (٤) في إرشاد العقل السليم ٧/ ١٧٤ . الآية : ٥٩ ٣٨٩ سُوٌلا كس وقال الخَفاجي(١): يجوز أن يكونَ بتقدير: ويقال: ((امتازوا)) على أنَّه معطوفٌ على يقال المقدَّرِ العاملِ في ((قولاً))، وهو أقربُ وأقلُّ تكلُّفاً؛ لأنَّ حذفَ القولِ وقيامَ معمولِهِ مَقامَه كثير، حتى قيل فيه: هو البحرُ حَدِّثْ عنه ولا حرج. وفيه بحثٌ يظهر بأدنَى تأمُّل . وقيل: إنَّ المذكور من قوله تعالى: (إِنَّ أَضْحَبَ الْمِنَّةِ) إلى هنا تفصيلٌ للمجمَل السابق، أعني قولَه تعالى: (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وبُني عليه أنَّ المعطوفَ عليه متضمِّن لمعنى الطلب، على معنى: فَلْيَمْتَزِ المؤمنون عنكم يا أهلَ المحشرِ إلى الجنة، وامتازوا عنهم إلى النَّار. وتعقَّبه في ((الكشف)) بأنَّه ليس بظاهر؛ إذ بأحد الأمرَين غُنيةٌ عن الآخَر، ثم قال: والوجهُ أنَّ المقصودَ عطفُ جملةٍ قصّة أصحاب النار على جملة قصة أصحاب الجنة، وأُوثر هاهنا الطلبُ زيادةً للتهويل والتعنيف، ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ) وإنْ كان لابدَّ من التضمين، فالمعطوفُ أولى بأن يجعلَ في معنى الخبر، على معنى: وإنَّ المجرمين(٢) ممتازون منفردون. وفائدةُ العدولِ ما في الخطاب والطلبٍ من النُّكتة. اهـ. وما ذكره من حديث إِغناء أَحدِ الأمرين عن الآخَر سهل؛ لكون الأمرِ تقديريّاً، مع أنَّ الامتيازَ الأوَّل على وجه الإِكرام وتحقيقِ الوعد، والآخرَ على وجه الإِهانة وتعجيلِ الوعيد، فيفيد كلٌّ منهما ما لا يُفيده الآخَر. نعم قال العلامة أبو السُّعود في ذلك(٣): إنَّ اعتبار: فليمتز المؤمنون، وإضمارَه بمعزلٍ عن السَّداد؛ لما أنَّ المحكيَّ عنهم ليس مصيرَهم إلى ما ذُكر من الحال المَرْضِيَّةِ حتى يتسنَّی ترتیبُ الأمر المذكورِ عليه، بل إنَّما هو استقرارُهم عليها بالفعل، وكونُ ذلك تنزيلَ المترقّب منزلةَ الواقع لا يُجدي نفعاً؛ لأنَّ مناطَ الاعتبارِ والإضمارِ انسياقُ الأفهام إليه، وانصبابُ نظم الكلام عليه، فبعد التنزيلِ المذكورِ وإسقاطِ الترقُّب عن درجةً (١) في حاشيته ٢٤٨/٧. (٢) في الأصل و(م): المجرمون. والمثبت من حاشية الشهاب ٢٤٨/٧. (٣) في إرشاد العقل السليم ٧/ ١٧٤ . سُوٌلاَكَسَن ٣٩٠ الآية : ٦٠ الاعتبارِ يكون التصدِّي لإِضمار شيءٍ يتعلَّق به إخراجاً للنظم الكريم عن الجزالة بالمرَّة، والظاهرُ أنَّه لا فرقَ في هذا بين التضمينِ والإِضمار، والذي يغلب على الظنِّ أنَّ ما ذُكر لا يفيد أكثرَ من أولويَّة تقديرٍ: فليَقرُّوا عيناً، على تقدير: فلیمتازوا، فلْيُفهم. وقال بعضُ الأذكياء: يجوز أن يكونَ ((امتازوا)) فعلاً ماضياً، والضميرُ للمؤمنين، أي: انفرد المؤمنون عنكم بالفوزِ بالجنة ونعيمِها أيُّها المجرمون، ففيه تحسيرٌ لهم، والعطفُ حينئذٍ من عطف الفعليةِ الخبريةِ على الاسمية الخبرية، ولا منعَ منه. وتعقِّب بأنَّه - مع ما فيه من المخالفة للأسلوب المعروفِ من وقوعِ النِّداءِ مع الأمرِ نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] - قليلُ الجدوى، وما ذكره من التحسيرِ يكفي فيه ما قبلُ من ذِكر ما هم عليه من التنقُّم، وأيضاً المأثورُ يأبى عنه غايةَ الإِباء، وهو كالنَّصِّ في أنَّ ((امتازوا)) فعلُ أمر، ولا يكاد يخطر لقارئٍ ذلك. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّ ءَدَمَ أَن لَا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ﴾ من جُملة ما يقال لهم بطريق التقريعِ والإِلزام والتبكيتِ بين الأمرِ بالامتياز والأمرِ بمقاساة حرِّ جهنّم. والعهد: الوصيةُ والتقدُّم بأمرٍ فيه خيرٌ ومنفعة. والمراد به هاهنا ما كان منه تعالى على ألسنة الرُّسل عليهم السلام من الأوامر والنواهي، التي من جملتها قولُه تعالى: ﴿يَبِىّ ءَدَمَ لَا يَفْتِفَنَّكُ الشَّيْطَنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَّكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] وغيرُهما من الآيات الواردة في هذا المعنى. وقيل: هو الميثاقُ المأخوذُ عليهم في عالَم الذَّرّ، إذ قال سبحانه لهم: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقيل: هو ما نُصب لهم من الحُجَج العقليةِ والسَّمْعية الآمرةِ بعبادة الله تعالى الزاجرةِ عن عبادة غيرِهِ عزَّ وجلَّ، فكأنَّه استعارةٌ لإقامة البراهين، والمرادُ بعبادة الآية : ٦٠ ٣٩١ الشيطانِ طاعتُه فيما يوسوس به إليهم ويزيِّنه لهم، عبِّر عنها بالعبادة لزيادة التحذيرِ والتنفيرِ عنها، ولوقوعها في مقابلة عبادتِه عزَّ وجلَّ. وجوِّز أن يرادَ بها عبادةُ غيرِ اللهِ تعالى من الآلهة الباطلة، وإضافتُها إلى الشيطان لأنَّه الآمرُ بها والمزيِّن لها، فالتجوُّز في النسبة. وقرأ طلحةُ والهذيلُ بن شرحبيل الكوفيّ: ((إعهَدْ)) بكسر الهمزة(١). قاله صاحبُ (اللوامح))، وقال: هي لغةُ تميم. وهذا الكسرُ في النون والتاءِ أكثرُ من بين أحرفٍ المضارعة. وقال ابن عطية (٢): قرأ الهذيلُ وابن وثَّاب: ((ألم إِعِهَد)) بكسر الميم والهمزةٍ وفتحِ الهاء، وهي مِن كَسْرِ حرفِ المضارعةِ سوى الياء. ورُوي عن ابن وثَّاب: (ألم أَعهِد)) بكسر الهاء، ويقال: عهِد وعهَد. اهـ. ولعله أراد أنَّ كسرَ الميم يدلُّ على كسر الهمزة؛ لأنَّ حركةَ الميم هي الحركةُ التي نُقلت إليها من الهمزة، وَحُذفت الهمزةُ بعد نقلِ حركتها، لا أنَّ الميمَ مكسورةٌ والهمزةَ بعدها مكسورةٌ أيضاً متلفّظ بها . وقال الزمخشري(٣): قُرئ: ((إِعِهَد)) بكسر الهمزة، وباب فَعِل كلُّه يجوز في حروف مضارعتِهِ الكسرُ، إلَّا في الياء، و((أَعهِد)) بكسر الهاء، وقد جوَّز الزجَّاج(٤) أن يكونَ من باب: نَعِمَ ينعَم، وضَرَبَ يضرِب، و((أَحْهَد)) بإبدال العينِ وحدها حاءً مهملة، و((أَخَّد)) بإِبدالها مع إِبدال الهاءِ وإِدغامها، وهي لغةُ تميم، ومنه قولُهم: دخَّا محًا، أي: دَعْها معها . وما ذكره مِن قوله: إلّا في الياء، مبنيٌّ على بعض اللُّغات، وعن بعض كلبٍ أنَّهم يكسرون الياءَ أيضاً، فيقولون: بِعلَم، مثلاً، وقولُه في ((أحْهَد)) و((أخَّد»: لغةُ بني تميم. هو المشهور، وقيل: ((أحْهَد) لغةُ هُذيل، و((أَخَّد)» لغةُ بني تميم، (١) البحر ٣٤٣/٧، ونسبها ابن خالويه ص ١٢٥ ليحيى بن وثاب. (٢) في المحرر الوجيز ٤٥٩/٤ . (٣) في الكشاف ٣٢٧/٣. (٤) في معاني القرآن ٤/ ٢٩٢. سُلايَسْ} ٣٩٢ الآية : ٦١ وقولُهم: دحّا محًا. إمَّا يريدوا(١) به: دَعْ هذه القِربةَ مع هذه المرأة، أو: دَعْ هذه المرأةَ مع هذه القِربة. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ نُّبِينٌ ﴾﴾ أي: ظاهرُ العداوة، وهو تعليلٌ لوجوب الانتهاء. وقيل: تعليلٌ للنهي، وعداوةُ اللعينِ جاءت من قِبَل عداوتِهِ لاَدَمَ عليه السلام، والنداءُ بوصف البنوّةِ(٢) لآدمَ كالتمهيد لهذا التعليل، والتأكيدِ لعدم جريهم على مقتضی العلم، فهم والمنکِرون سواء. ﴿وَأَنِ أَعْبُدُونْ﴾ عطفٌ على ((أن لا تعبدوا الشيطان)) على أنَّ ((أنْ)) فيها مفسِّرة للعهد الذي فيه معنى القولِ دون حروفِهِ، أو مصدريةٌ حُذف عنها الجارّ، أي: أَلم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطانِ وفي عبادتي. وتقديمُ النهي على الأمر لمَا أنَّ حقَّ التخليةِ التقدُّمُ على التحلية. قيل: وليتَّصلَ به قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ ٦١ بناءً على أنَّ الإشارةَ إلى عبادته تعالى؛ لأنَّه المعروفُ في الصِّراط المستقيم. وجعل بعضُهم الإشارةَ إلى ما عُهد إليهم من ترك عبادةِ الشيطانِ وفعلِ عبادة اللّهِ عزَّ وجلَّ، ورجّح بأنَّ عبادته تعالى إذا لم تنفرد عن عبادة غيرِه سبحانه لا تسمَّى صراطاً مستقيماً، فتأمَّل. والجملةُ استئنافية؛ جيءَ بها لبيان المقتضي للعهد بعبادته تعالى، أو للعهد بشقّيه، والتنكيرُ للمبالغة والتعظيم، أي: هذا صراطٌ بليغٌ في استقامته، جامعٌ لكلِّ ما يجب أن يكونَ عليه، واصلٌ لمرتبةٍ يقصُر عنها التوصيفُ والتعريف؛ ولذا لم يقل: هذا الصِّراطُ المستقيم، أو: هذا هو الصراط المستقيم، وإنْ كان مفيداً للحصر. وجُوِّز أن يكونَ التنكيرُ للتبعيض، على معنى: هذا بعضُ الصُّرطِ المستقيمة، وهو للهضم من حقّه على الكلامِ المنصف، وفيه إِدماجُ التوبيخ، على معنى أنَّه لو كان بعضُ الصُّرطِ الموصوفةِ بالاستقامة لَكفى ذلك في انتهاجه، كيف وهو الأصلُ والعمدة ؟ كما قيل: (١) كذا في الأصل و(م)، والوجه: أن يريدوا. (٢) في (م): النبوة، وهو تصحيف. الآية : ٦٢ ٣٩٣ وأقولُ بعضُ الناسِ عنك كنايةً خوفَ الوُشاةِ وأنت كلُّ الناسِ(١) وفيه أنَّ المطلوبَ الاستقامة، والأمر دائرٌ معها، وقليلُها كثير. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِلًا كَثِيًّا﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتشديد التوبيخ وتأكيدِ التقريع ببيان عدمِ اتِّعاظهم بغيرهم، إثرَ بيانِ نقضِهم العهد، فالخطابُ لمتأخِّريهم، الذين من جملتهم كفارٌ خصُّوا بزيادة التوبيخِ والتقريعِ لتضاعف جناياتِهم. وإسنادُ الإضلالِ إلى ضمير الشيطانِ لأنَّه المباشرُ للإِغواء. والجِبِلُّ، قال الراغب(٢): الجماعةُ العظيمة، أُطلق عليهم تشبيهاً بالجبل في العِظَم. وعن الضخَّاك: أقلُّ الجِبِلّ - وهي الأمةُ العظيمة - عشرةُ آلاف. وفسّره بعضُهم بالجماعة، وبعضُ بالأمَّة بدون الوصف. وقيل: هو الطبعُ المخلوقُ عليه الذي لا ينتقل كأنَّه جَبَل. وهو هنا خلافُ الظاهر. وقرأ العربيان والهذيل: ((جُبْلاً)) بضمِّ الجيم وإِسكان الباء(٣). وقرأ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكسائيُّ بضمَّتين مع تخفيف اللام(٤). والحسن، وابنُ أبي إسحاق، والزهريُّ، وابن هُرمُز، وعبدُ الله بن عُبيد بن عمير، وحفصُ بن حميد بضمَّتين وتشديدِ اللام(٥). والأشهبُ العقيلي، واليماني، وحمادُ بن سلمةَ عن عاصمٍ بكسر الجيمِ وسكونِ الباء(٦). والأعمشُ بكسرتين وتخفيفِ اللام(٧). وقُرىء: (جِبَلاً)) بكسر الجيمِ وفتحِ الباءِ وتخفيفِ اللام، جمع: جِبْلَة، نحوه: فِطرة وفِطَر. وقرأ (١) قائله بهاء الدين زهير، وهو في ديوانه ص ١٨١ . (٢) انظر المفردات (جبل). (٣) التيسير صر.١٨٤، والنشر ٣٥٥/٢ عن العربيين - وهما نافع وأبو عمرو - والكلام من البحر ٣٤٤/٧. (٤) التيسير ص ١٨٤، والنشر ٣٥٥/٢. وقرأ بها أيضاً خلف، ورويس راوية يعقوب. (٥) المحتسب ٢١٦/٢، والبحر ٣٤٤/٧. (٦) البحر ٣٤٤/٧، ونسبه ابن جني ٢١٦/٢ للأشهب، وابن خالويه ص ١٢٥ لحماد بن سلمة عن عاصم. (٧) البحر ٣٤٤/٧، وانظر القراءات الشاذة ص ١٢٥. سُلاَ يَسْ} ٣٩٤ الآية : ٦٣ - ٦٥ أميرُ المؤمنين عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وبعضُ الخراسانيين: ((چِيلاً)) بكسر الجيم بعدَها ياءٌ آخرُ الحروف(١)، واحدُ: الأجيال، وهو الصِّنف من الناس، كالعرب والرُّوم. عطفٌ على مقدَّر يقتضيه المقام، أي: أكتتم تشاهدون ﴿أَفْلَمْ تَكُونُواْ تَّعْقِلُونَ (٢)﴾ آثارَ عقوباتِهم فلم تكونوا تعقلون أنَّها لضلالهم، أو: فلم تكونوا تعقلون شيئاً أصلاً حتى ترتدعوا عمَّا كانوا عليه كيلا يحيقَ بكم العذابُ الأليم. وقرأ طلحةُ، وعيسى، وعاصمٌ في رواية عبدٍ بن حُميد عنه بياءِ الغَيبة، فالضميرُ -(٢) للجِيِلّ(٢). استئناف یخاطبون به بعد وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (®) تمامِ التوبيخِ والتقريع، والإلزام والتبكيت، عند إِشرافهم على شفير جهنّم، أي: هذه التي ترونها جهنمُ التي لم تزالوا توعَدون بدخولها على ألسنة الرسلِ عليهم السلام والمبلِّغين عنهم بمقابلة عبادةِ الشيطان. ﴿أَصْلَوْهَا الْيَّوْمَ﴾ أمرُ تحقيرٍ وإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ﴾ إلخ [الدخان: ٤٩]. أي: قاسُوا حرَّها في هذا اليوم الذي لم تستعدُّوا له. وقال أبو مسلم: أي: صيروا صَلَاها، أي: وَقودَها. وقال الطبرسي(٣): الزموا العذابَ بها. وأصل الصَّلاء: اللزوم، ومنه المصلِّي الذي يجيء في أَثَر السابق؛ للزومه أَثَرَه. ﴿بِمَا كُنُمْ تَكْفُرُونَ ﴾﴾ بسبب كفرِكم المستمرِّ في الدنيا، فالباءُ للسببية، و (ما)) مصدرية، واحتمالُ كونِها موصولةً بعيد. ﴿الْتَّ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ﴾ كنايةٌ عن منعهم من التكلُّم، ولا مانعَ من أن يكونَ هناك ختمٌ على أَفواههم حقيقة. (١) البحر ٧/ ٣٤٤. (٢) البحر ٣٤٤/٧، وليس فيه رواية عبد بن حميد عن عاصم. (٣) في مجمع البيان ٣٥/٢٣. ٣٩٥ الآية : ٦٥ وجُوِّز أن يكونَ الختمُ مستعاراً لمعنى المنع، بأن يشبَّه إِحداث حالةٍ في أفواههم مانعةٍ من التكلُّم بالختم الحقيقيّ، ثم يستعار له الختمُ ويشتقَّ منه نختم، فالاستعارةُ تبعية، أي: اليومَ نمنع أفواهَهم من الكلام منعاً شبيهاً بالختم. والأوَّل أولی في نظري. ﴿ وَتُكَلِّمُنَّآ أَيْدِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ أي: بالذي استمرُّوا على كسبه في الدُّنيا. وكأنَّ الجارَّ والمجرورَ قد تنازع فيه (تُكلِّم)) و((تَشهد))، ولعلَّ المعنى والله تعالى أعلم: تكلِّمنا أيديهم بالذي استمرُّوا على عملِهِ ولم يتوبوا عنه، وتُخبرنا به وتقول: إنَّهم فعلوا بنا وبواسطتنا كذا وكذا، وتَشهد عليهم أَرجلُهم بذلك. ونسبةُ التكليم إلى الأيدي دون الشهادةِ لمزيد اختصاصِها بمباشرة الأعمال، حتى إنَّها كَثُرَ نسبةُ العملِ إليها بطريق الفاعلية، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ اَلْمَرُهُ مَا فَذَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] وقولِه جلَّ وعلا: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] إلى غير ذلك، ولا كذلك الأَرجل، فكانت الشهادةُ أنسبَ بها؛ لِمَا أنَّها لم تُضَف إليها الأعمال، فكانت كالأَجنبية، وكان التكليمُ أنسب بالأيدي؛ لكثرة مباشرتِها الأعمالَ وإِضافتِها إليها، فكأنَّها هي العاملة، هذا مع ما في جمع التكليمِ مع الختم على الأفواه المرادِ منه المنعُ من التكلُّم مِن الحسن . وكأنَّه سبحانه لمّا صدَّر آيةَ النُّور - وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْبِنَتُهُمْ وَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُهُمْ﴾ [الآية: ٢٤] - بالشَّهادة، وذكر جلَّ وعلا الأعضاءَ من الأعالي إلى الأسافل، أَسندها إلى الجميع ولم يخصَّ سبحانه الأيديَ بالتكليم؛ لوقوعها بين الشُّهود، مع أنَّ ما يصدر منها شهادةٌ أيضاً في الحقيقة؛ فإنَّ كونَها عاملةً ليس على الحقيقة، بل هي آلة، والعاملُ هو الإنسانُ حقيقة، وكان اعتبارُ الشهادةِ من المصدر هناك أَوفقَ بالمقام؛ لسبق قصَّةِ الإفكِ وما يتعلَّق بها، ولذا نصَّ فيها على الألسنة ولم ينصَّ هاهنا عليها، بل الآيةُ ساكتةٌ عن الإفصاح بأمرها من الشَّهادة وعدمِها، ٣٩٦ الآية : ٦٥ والختمُ على الأَفواه ليس بعدم شهادتِها؛ إذ المرادُ منه منعُ المحدَّث عنهم عن التكلُّم بألسنتهم، وهو أمرٌ وراءَ تكلُّم الألسنةِ أنفسِها وشهادتِها، بأن يُجعلَ فيها علمٌ وإرادةٌ وقدرة على التكلُّم، فتتكلّم هي وتشهد بما تشهد، وأصحابُها مختومٌ على أَفواههم لا يتكلَّمون. ومنه يُعلم أنَّ آيَةَ ((النورِ)) ليس فيها ما هو نصٌّ في عدم الختم على الأفواه. نعم الظاهرُ هناك أن لا ختمَ، وهنا أن لا شهادةً من الأَلسنة. وعلى هذا الظاهرِ يجوز أن يكونَ المحدَّث عنه في الآيتين واحداً، بأن يختمَ على أفواههم وتنطقَ أيديهم وأرجلُهم أولاً، ثم يرفع الختمُ وتشهد ألسنتُهم، إمّا مع تجدُّد ما يكون من الأيدي والأرجل، أو مع عدمِهِ والاكتفاءِ بما كان قبلُ منهما، وذلك إمَّا في مقامٍ واحدٍ من مقامات يومِ القيامة، أو في مقامين. وليس في كلٍّ من الآيتين ما يدلُّ على الحصر ونفي شهادةٍ غيرِ ما ذكر من الأَعضاء، فلا منافاةَ بينهما وبين قولِه تعالى: ﴿حََّ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠] فيجوز أن يكونَ هناك شهادةُ السمعِ والأبصارِ والألسنةِ والأيدي والأرجل وسائرِ الأعضاء، كما يُشعر بهذا ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿وَجُلُهُمْ﴾(١) في آية ((السَّجدة))، لكن لم يُذكَر بعضٌ من ذلك في بعضٍ من الآيات، اكتفاءً بذِكره في البعض الآخَرِ منها، أو دلالتهِ عليه بوجه. ويجوز أن يكونَ المحدَّثُ عنه في كلِّ طائفةٌ من الناس، وقد جعل بعضُهم المحدَّثَ عنه في آية («السجدةِ)) قومَ ثمود، وحمل أعداء اللهِ عليهم بقوله تعالى بعدُ: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [فصلت: ٢٥] ولا يَبعد أن يكونَ المحدَّث عنه في آية النورِ أصحابَ الإفكِ من المنافقين والذين يرمون المحصَنات. ثم إنَّ آيَةَ ((السجدة) ظاهرةٌ في أنَّ الشهادةَ عند المجيءِ إلى النار، وآيةُ ((النورِ)) ليس فيها ما يدلُّ على ذلك. وأمَّا هذه الآيةُ، فيُشعر كلامُ البعضِ بأنَّ الختمَ (١) في الأصل و(م): ((والجلود))، والصواب ما أثبتناه. الآية : ٦٥ ٣٩٧ سُوَ لاَيَسْن والشهادةَ فيها بعد خطابٍ المحدَّث عنهم بقوله تعالى: (هَذِهِ، جَهَنَّمُ أَلَِّ كُمْ تُوعَدُونَ * أَضْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) فيكون ذلك عند المجيء إلى النار أيضاً. قال في ((إرشاد العقلِ السليم)): إنَّ قولَه تعالى: (الْتَوْمَ نَخْتِمُ) إلخ التفاتٌ إلى الغَيبة؛ للإيذان بأنَّ ذِكرَ أحوالِهِم القبيحةِ استدعى أن يُعرَضَ عنهم وتُحكَى أحوالُهم الفظيعةُ لغيرهم، مع ما فيه من الإِيماء إلى أنَّ ذلك من مقتضيات الختم؛ لأنَّ الخطابَ لتلقِّي الجواب، وقد انقطع بالكلِّية(١). لكن قال في موضع آخر: إنَّ الشهادةَ تتحقَّق في موقف الحساب، لا بعد تمامٍ السؤالِ والجوابِ وسَوقِهم إلى النار(٢). والأخبارُ ظاهرةٌ في ذلك: أخرج ابن جَریرٍ وابنُ أبي حاتمٍ عن أبي موسى الأشعريِّ من حديثٍ: يُدعَى الكافرُ والمنافقُ للحساب، فيَعرضّ ربُّه عليه عمله، فيجحدُ ويقول: أي ربّ، وعزَّتِك لقد كتب عليَّ هذا المَلَكُ ما لم أَعمل، فيقول له المَلَك: أما عملتَ كذا في يومٍ كذا في مكانٍ كذا؟ فيقول: لا وعزَّتِك أي ربِّ ما عملته. فإذا فعل ذلك، خُتِم على فيه. فإِنِّي أَحْسَبُ أوَّل ما تنطق منه فخذُه اليمنى، ثم تلا: (الْيَوْمَ تَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَِّهِمْ) الآيةَ(٣). وفي حديثٍ أَخرجه مسلمٌ والترمذيُّ والبيهقيُّ عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ مرفوعاً: (إنَّه يلقى العبدُ ربَّه، فيقول اللهُ تعالى له: أي فُلْ، أَلم أُكرِمْك ... )) إلى أن قال ◌َّ: (فيقول: آمنتُ بك وبكتابك وبرسولك، وصلَّيت وصُمت وتصدَّقت، ويُثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: أَلا نبعث شاهدَنا عليك؟ فيفكّر في نفسه: مَن الذي يشهد عليّ، فيُختم على فِيْهِ، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذُّه ولحمُه وعظامُه بعمله ... ))(٤). (١) إرشاد العقل السليم ٧/ ١٧٦ . (٢) إشاد العقل السليم ٩/٨. (٣) الدر المنثور ٢٦٧/٥، وتفسير الطبري ٤٧٢/١٩-٤٧٣. (٤) الدر المنثور ٢٦٧/٥، وهو في صحيح مسلم (٢٩٦٨)، وشعب الإيمان ١/ ٢٥٠ من حديث أبي هريرة له. ولم نقف عليه من حديث أبي سعيد بهذا اللفظ. وقوله: ((أي فُل)) بضم الفاء وإسكان اللام، معناه: يا فلان. شرح النووي لصحيح مسلم ١٠٣/١٨. سُوٌ لاَيَسْن ٣٩٨ الآية : ٦٥ وفي بعض الأَخبارِ ما يدلُّ على أنَّ العبدَ يطلب شاهداً منه، فيُختم على فيه؛ أَخرج أحمد، ومسلم، وابنُ أبي الدنيا - واللفظُ له - عن أنسٍ في قوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ) قال: كنَّا عند النبيِّ وََّ، فضحك حتى بدت نواجذُه، قال: ((أَتدرون ممَّ ضحكت؟)) قلنا: لا، يا رسولَ الله. قال: ((من مخاطبة العبدِ ربَّه، يقول: يا ربّ، أَلم تُجرْني من الظّلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إنَّي لا أُجيز عليَّ إلَّا شاهداً مني، فيقول: كفى بنفسك عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً. فيُختم على فيه، ويقال لأَركانه: انطقي، فتنطق بأَعماله، ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لَكُنَّ وسحقاً، فعنكنَّ كنت أُناضل))(١). والجمعُ بالتزام القولِ بالتعدُّد - فتارةً يكون ذلك عند الحساب، وأُخرى عند النَّار - والقولُ باختلاف أحوالِ الناسِ فيما ذكر، وما تقدَّم في حديث أبي موسى من أنَّ الفخذَ اليمنى أوَّلُ ما تنطق على ما يَحْسَبُ = جزم به الحَسَن. وأَخرج أحمدُ (٢) وجماعةٌ عن عقبةَ بنِ عامرٍ أنَّه سمع رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((إِنَّ أولَ عظمٍ من الإنسان يتكلّم يوم يُختَم على الأَفواه فَخِذُه من الرِّجل الشِّمال)». ثم الظاهرُ أنَّ التكلُّم والشهادةَ بنطقٍ حقيقة، وذلك بعد إِعطاء الله تعالى الأعضاءَ حياةً وعلماً وقدرة، فيُردُّ بذلك على مَن زعم أنَّ البيِّنةَ المخصوصةَ شرطٌ فيما ذكر. وإسنادُ الختم إليه تعالى دونَ ما بعد، قيل: لئلا يحتملَ الجبرَ على الشهادةِ والكلام، فدلَّ علَى أنَّ ذلك باختيار الأعضاءِ المذكورةِ بعد إِقدار اللهِ تعالى، فإنَّه أدلُّ على تفضيح المحدّث عنهم. وهل يشهد كلُّ عضوٍ بما فعل به أو يشهدُ بذلك وبما فعل بغيره؟ فيه خلاف، والثاني أَبلغُ في التفظيع(٣). (١) صحيح مسلم (٢٩٦٩)، ولم نقف عليه عند الإمام أحمد، وهو عند النسائي في السنن الکبری (١١٥٨٩). (٢) في مسنده (١٧٣٧٤). (٣) في الأصل: التفضيح. الآية : ٦٥ ٣٩٩ والعلمُ بالمشهود به يحتمل أن يكونَ حصولُه بخلق اللهِ تعالى إيّاه في ذلك الوقتِ ولا يكون حاصلاً في الدنيا، ويحتمل أن يكونَ حصولُه في الدُّنيا، بأن تكونَ الأعضاءُ قد خلق الله تعالى فيها الإدراك، فهي تدرك الأفعالَ كما يدركها الفاعل، فإذا كان يومُ القيامة، ردَّ اللهُ تعالى لها ما كان، وجعلها مستحضرةً لِمَا عملته أولاً، وأَنطقها نطقاً يفقهه المشهودُ عليه. وهذا نحوُ ما قالوا من تسبيح جميعِ الأَشياءِ بلسان القال، والله تعالى على كلِّ شيءٍ قدير، والعقلُ لا يُحيل ذلك، وليس هو بأبعدَ من خلق اللهِ تعالى فيها العلمَ والإرادة والقدرةَ حتى تنطقَ يومَ القيامة، فمَن یؤمن بهذا فليؤمن بذلك. والتشبُّت بذيل الاستبعادِ يجرُّ إلى إِنكار الحشرِ بالكلِّية والعياذُ بالله تعالى، أو تأويلِه بما أوَّله به الباطنية، الذين قتلُ واحدٍ منهم - كما قال حجَّةُ الإسلام الغزاليّ - أفضلُ من قتل مئةٍ كافر، وعلى هذا تكون الآيةُ من مؤيِّدات القولِ بالتسبيح القاليِّ للجمادات ونحوها. وعلى الاحتمال الأوَّلِ يؤيَّد القولُ بجواز شهادةِ الشاهدِ إذا حصل عنده العلمُ الذي يقطع به بأيِّ وجهٍ حصل، وإنْ لم يشهد ذلك ولا حضره. وقد أَفاد الشيخُ الأكبر قدِّس سرُّه في تفسيره المسمَّى بـ ((إيجاز البيانِ في ترجمة القرآن)) أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسًَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يفيد جوازَ ذلك. وذكر فيه أنَّ الشاهدَ يأثم إنْ لم يشهد بعلمه. ولا يخفَى عليك ما للفقهاءِ في المسألة من الكلام. وكأنَّ الشهادةَ على الاحتمال الثاني بعدَ الاستشهاد، بأن يقالَ للأركان: ألم يَفعل كذا؟ فتقول: بلى فَعَلَ. ويمكن أن تكونَ بعد أن تؤمرَ الأركانُ بالشَّهادة، بأن يقالَ لها: اشهدي بما فعلوا، فتشهد معدِّدةً أفعالَهم. وهذا إمّا بأن تذكرَ جمیعَ أفعالِهم من المعاصي وغيرِها غيرَ مميِّزٍ المعصيةَ عن غيرها، وكونُ ذلك شهادةً عليهم باعتبار الواقعِ لتضمّنها ضررَهم بذِكر ما هو معصيةٌ في نفس الأَمر. وإمّا بأن تذكرَ المعاصي فقط، وهذا يحتاج إلى التزام القولِ بأنَّ الأركانَ تميِّز في الدُّنيا ما كان سٌلايَسْن ٤٠٠ الآية : ٦٥ معصيةً من الأفعال ممَّا لم يكن كذلك، ولا أظنُّك تقول به، ولم أسمع أنَّ أحداً يدَّعيه. وذهب بعضُهم إلى أنَّ تكليمَ الأركانِ وشهادتَها دلالتُها على أفعالها وظهورُ آثارِ المعاصي عليها، بأن يبدلَ اللهُ تعالى هيئاتِها بأخرى يفهم منها أهلُ الحشر ويستدلُّون بها على ما صدر منهم، فجُعلت الدَّلالةُ الحاليةُ بمنزلة المقاليةِ مجازاً. وفيه أنَّه لا يُصار إلى المجاز مع إِمكان الحقيقة، لا سيَّما وما يأتي في سورة (حم) السجدة من قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] ظاهرٌ جدّاً في النُّطق القالي، والأخبارُ أظهرُ وأظهر. نعم يهون على هذا القولِ أمرُ الاستبعاد، ولا يكاد يَترك لأجله الظواهرَ العلماءُ الأَمجاد. هذا والآيةُ كالظّاهرة في تكليف الكفارِ بالفروع؛ إذ لو لم يكونوا مكلَّفين بها لا فائدةَ في شهادة الأعضاءِ بما كسبوا، وإِتمامُ الحجَّةِ عليهم بها وتخصيصُ ما كسبوا بالكفر ممَّا لا يكاد يُلتفت إليه، ولا أظنُّ أنَّ أحداً يقول به، بل ربَّما يُدَّعى تخصيصُه بما سوى الكفر، بناءً على أنَّه من أفعال القلبِ دون الأعضاءِ التي تشهد، لكنَّ الذي يترجَّح في نظري العموم. وشهادتُها به إمّا بشهادتها بما يدلُّ عليه من الأَفعال البدنيةِ والأقوالِ اللِّسانية، أو بالعلم الضروريِّ الذي يخلقه اللهُ تعالى لها ذلك اليوم، أو بالعلم الحاصلِ لها بخلق اللهِ تعالى في الدنيا، فتعلمه بواسطة الأفعالِ والأقوالِ الدالّة عليه، أو بطريقٍ آخَرَ يعلمه الله تعالی. وهي ظاهرةٌ في أنَّ الحشرَ يكون بأجزاءِ البدنِ الأصلية، لا ببدنٍ آخَرَ ليس فيه الأجزاءُ الأصليةُ للبدن الذي كان في الدنيا؛ إذ أركانُ ذلك البدنِ لم تكن الأعمالُ السيئةُ معمولةً بها، فلا يَحسُن الشهادةُ بها منها، فلْيُحفَظ. وقُرىء: ((يُختَم)) مبنيّاً للمفعول، و((تتكلّم أيديهم)) بتاءين. وقُرئ: ((ولْتكلِّمْنا أيديهم ولْتَشهدْ أَرجُلُهم)» بلام الأَمر، على أنَّ اللهَ تعالى يأمر الأعضاءَ بالكلام