النص المفهرس

صفحات 221-240

الآية : ٢٩
٢٢١
سُو ◌َالأَفَظِل
وقيل: معنى ((يتلون كتاب الله)): يتَّبعونَه، فيعملونَ بما فيه. وكأنَّه جعلَ ((يتلو))
من تلاه إذا تبِعَه، أو حملَ التلاوةَ المعروفة على العمل؛ لأنَّها ليس فيها كثيرُ نفعٍ
دونه، وقد ورد: ربَّ قارئٍ للقرآن والقرآنُ يلعنه (١) .
ويشعرُ كلامُ بعضهم باختيار المعنى المتبادر، حيث قال: إنَّه تعالى لمَّا ذكرَ
الخشية، وهي عمل القلب، ذكرَ بعدها عملَ اللسان والجوارح والعبادةَ الماليّة.
وجُوِّزَ أنْ يُرَاد بكتاب الله تعالى جنسُ كتبه عزَّ وجلَّ الصادقُ على التوراة
والإنجيل وغيرهما، فيكونُ ثناءً على المصدِّقين من الأمم بعد اقتصاص حال
المكذِّبين بقوله تعالى: ((وإن يكذبوك)) إلخ، والمضارعُ لحكاية الحال الماضية،
والمقصودُ من الثناء عليهم وبيانِ ما لهم حثّ هذه الأمة على اتّباعهم، وأنْ يفعلُوا
نحوَ ما فعلوا .
والوجهُ الأوَّل أَوْجَهُ كما لا يخفى، وعليه الجمهور.
﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ أي: مسرِّين ومعلنين، أو:
في سرِّ وعلانية، والمراد: ينفقون كيفما اتفق، من غير قصدٍ إليهما .
وقيل: السرُّ في الإنفاق المَسْنُون، والعلانيةُ في الإنفاق المفروض.
وفي كون الإنفاق ممَّا رُزقوا إشارةٌ إلى أنَّهم لم يسرفوا، ولم يبسطوا أيديهم كلَّ
البسط، ومقامُ التمدُّح مشعرٌ بأنَّهم تحرَّوا الحلالَ الطيِّبَ. وقيل: جيء بـ (من))
لذلك.
والمعتزلة يخصُّون الرزقَ بالحلال، وهو أنسبُ بإسناد الفعلِ إلى ضمير
العظمة، ومن لا يخصُّه بالحلال يقول: هو للتعظيم والحثِّ على الإنفاق.
﴿يَرْجُونَ﴾ بما أتوا من الطاعات ﴿تِجَرَةً﴾ أي: معاملةً مع الله تعالى لنيل
ربح الثواب، على أنَّ التجارةَ مجازٌ عمَّا ذُكر والقرينة حاليَّةٌ، كما قال بعض
الأجلَّة.
(١) أورده الغزالي في الإحياء ٢٧٤/١ من قول أنس بن مالك نظـ

سُؤَالأَفَظلم
٢٢٢
الآية : ٣٠
وقوله تعالى: ﴿لَّنْ تَبُّورَ ﴾﴾ أي: لن تكسُد، وقيل: لن تهلِك بالخسران،
صفةُ ((تجارة))، وترشيحٌ للمجاز. وجملة ((يرجون)) إلخ - على ما قال الفراء
وأبو البقاء - خبرُ ((إنَّ»(١).
وفي إخباره تعالى عنهم بذلك إشارةٌ إلى أنَّهم لا يقطعون بنَفاق تجارتهم، بل
يأتون ما أتوا من الطاعات وقلوبهم وجلةٌ أنْ لا يقبلَ منهم.
وجَعَل بعضُهم التجارة مجازاً عن تحصيل الثواب بالطاعة، وأمر الترشيح على
حاله، وإليه ذهب أبو السعود، ثم قال: والإخبار برجائهم من أكرم الأكرمين عِدَةٌ
قطعيَّةٌ بحصولٍ مرجوّهم(٢).
وظاهر ما رُوي عن قتادة من تفسيره التجارةَ بالجنَّة: أنَّها مجازٌ عن الربح،
وفَسَّر («لن تبور» بـ : لن تبید، وهو كما ترى.
وقوله تعالى: ﴿لِيُوْفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ متعلِّقٌ عند بعضٍ بما دلَّ عليه ((لن)) تعلُّقَ
(بنعمة ربك)) في قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْتَ بِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] بما دلَّ عليه
((ما))، لا بالحرف، إذ لا يتعلَّقُ الجارُّ به على المشهور، أي: ينتفي الكساد عنها،
وتنفق عند الله تعالى؛ ليوفيهم أجورَ أعمالهم ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهٍ﴾ على ذلك من
خزائن رحمته ما يشاء، وعن أبي وائل: زيادتُه تعالى إيَّهم بتشفيعهم فيمن أحسنَ
إليهم. وقال الضخَّاك: بتفسيح القلوب. وفي الحديث: بتضعيفِ حسناتهم (٣)،
وقيل: بالنظر إلى وجهه تعالى الكريم.
والظاهر أنَّ ((من فضله)) راجعٌ لما عنده، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ توفيته (٤) أجورهم
(١) معاني القرآن للفراء ٣٦٩/٢، وإملاء ما من به الرحمن ٢٠١/٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٧/ ١٥٢.
(٣) البحر المحيط ٣١٣/٧، وكذا ذكر ذلك الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٤٧٢، وقال: وهو
مأثور. ولعلَّه يريد بذلك ما أخرجه الترمذي (٢٩١٠)، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله الخطر:
((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الَمّ﴾ حرف، بل
ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) في (م): توفية.

الآية : ٣٠
٢٢٣
سُؤ ◌َالا فَظِل
كالواجب؛ لكونه جزاءً لهم بوعده سبحانه، ويجوزُ أنْ يكون راجعاً إليهما .
أو متعلّقٌ بمقدَّرٍ يدلُّ عليه ما قبله، وهو ما عَدَّ من أفعالهم المرضيَّة، أي:
فعلوا ذلك ليوفيهم أجورهم .. إلخ. وُجُوِّزَ تعلُّقُه بما قبلَه على التنازع، وصنیعُ
أبي البقاء(١) يشعرُ باختيار تعلَّقه بـ ((يرجون))، وجَعَلَ اللام عليه لام الصيرورة.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لا مانعَ من جعلها لام العلة، كما هو الشائع الكثير، ولا يظهرُ
للعدول عنه وجه .
ووَجَّه ذلك الطيبيُّ بأنَّ غَرَضُم فيما فعلوا لم يكن سوى تجارةٍ غيرٍ كاسدة؛ لأنَّ
صلة الموصول هنا علَّةٌ وإيذانٌ بتحقُّق الخبر، ولمَّا أدى ذلك إلى أنْ وقَّاهم الله تعالى
أجورَهم أتى باللام، وإنَّما لم يذهب إليه بعضُ الأجلَّة، كالزمخشريِّ؛ لأنَّ هذه اللام
لا توجدُ إلَّا فيما يترتَّب الثاني - الذي هو مدخولها - على الأول، ولا يكون مطلوباً،
نحو قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ ﴾﴾ تعليلٌ لما قبلَه من التوفية والزيادة
عند الكثير، أي: غفورٌ لفَرَطَات المطيعين، شكورٌ لطاعاتهم، أي: مجازيهم عليها
أكملَ الجزاء، فيوفِّ هؤلاءِ أجورهم، ویزیدهم من فضله.
وجُوِّزَ أنْ يكون خبراً بعد خبر، والعائد محذوفٌ، أي: لهم.
وجُوِّزَ أن يكون هو الخبر بتقدير العائد، وجملة ((يرجون)) حالٌ من ضمير
(أنفقوا)) بناءً على أنَّ القيدَ المتعقِّب لأمورٍ متعددة يختصُّ بالأخير، كما هو مذهب
أبي حنيفة ظ له، أو على أنَّ رجاءَ التجارة النافقة أوفقُ بالإنفاق، أو من مقدَّرٍ،
أي: فعلوا جميعَ ذلك راجين، واستظهره الطيبيُّ، والجملةُ عليه معترضةٌ، فلا يَرِدُ
أنَّ فيه الفصلَ بين المبتدأ وخبره بأجنبيٍّ.
وجُوِّزَ أن يكون حالاً من ضمير ((الذين)) على سبيل التنازع، ولم يشتهر التنازعُ
في الحال. وأنا لا أرى فيه بأساً.
(١) في الإملاء ٤/ ٢٢٠.

سُوَالأَفَظلم
٢٢٤
الآية : ٣١
واستظهرَ بعض المعاصرين جعلَ الجملة المذكورة حالاً من ضمير ((أنفقوا))؛
لقربه وشدَّة الملاءمة بين الإنفاق ورجاء تجارة لها نَفَاق، ولا يبعدُ أنْ يكون قد
حذف فيما تقدَّم نظيرها لدلالتها عليه، وجَعَلَ ((ليوفيهم)، متنازعاً فيه للأفعال الثلاثة
المتعاطفة، أو جعلَ الجملة حالاً من مقدَّرٍ كما سمعت آنفاً، و((ليوفيهم)) متعلِّقاً
بـ (يرجون))، وجملة ((إنه غفور شكور)) خبرُ المبتدأ، والرابطُ محذوف، وفي جملة
(يرجون)) إلخ احتمالُ الاستعارة التمثيلية، ولو على بُعْدٍ. ولم أرَ من أشارَ إليه،
فتدبّر.
﴿وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِنَبِ﴾ وهو القرآن، و(من)) للتبيين، إذ القرآن أخصُّ
من ((الذي أوحينا)) مفهوماً وإن اتحدًا ذاتاً. أو جنسُ الكتاب، و((من)) للتبعيض، إذ
المراد من (الذي أوحينا)) هو القرآن، وهو بعض جنس الكتاب. وقيل: هو اللوح،
و((من)) للابتداء.
﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ إذا كان المراد الحصر، فهو من قَصْرِ المسندِ إليه على المسند
لا العكس؛ لعدم استقامة المعنى إلا أن يقصد المبالغة، قاله الخفاجيّ(١).
والمتبادر الشائع في أمثاله قصرُ المسند على المسند إليه، وهو هاهنا - إن لم
تقصد المبالغة - قصرٌ إضافيٍّ بالنسبة إلى ما يفتريه أهلُ الكتاب وينسبونَه إلى الله
تعالى.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهُ﴾ أي: لِمَا تقدَّمه من الكتب السماويَّة، ونصب ((مصدقاً))
على الحالية، والعامل فيه مقدَّرٌ يُفهم من مضمون الجملة قبله، أي: أحقِّقُه مصدّقاً،
وهو حال مؤكِّدَةٌ؛ لأنَّ حقِّيَّته تستلزمُ موافقته للكتب الإلهيَّة المتقدِّمةِ عليه بالزمان في
العقائد وأصول الأحكام، واللام للتقوية.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ بَصِبْرٌ ﴾﴾ محيطٌ ببواطن أمورهم وظواهرها، فلو كان
في أحوالك ما ينافي النبوَّة لم يوحِ إليك مثلَ هذا الحقِّ المعجز الذي هو عيار(٢)
(١) في حاشيته ٢٢٦/٧.
(٢) مصدر عايَرْتُ المكاييلَ والموازين: إذا قايَسْتَها بغيرها ليعلم صحتها، وهو مجاز مرسل يعلم
=

الآية : ٣٢
٢٢٥
سُوَالأَفَظ
على سائر الكتب. وتقديم ((الخبير)) للتنبيه على أنَّ العمدةَ هي الأمور الروحانيَّة،
وإلى ذلك أشار ◌َ ﴿ بقوله: ((إنَّ الله لا ينظرُ إلى أعمالكم، وإنَّما ينظرُ إلى
قلوبكم))(١) .
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ﴾ أي: القرآن، كما عليه الجمهور، والعطف ــ قيل - على
((الذي أوحينا))، وقيل: على ((أوحينا)) بإقامة الظاهر مقام الضمير العائد على
الموصول، واستُظهِر ذلك بالقرب وتوافق الجملتين، أي: ثم أعطيناه من غير كدِّ
وتعبٍ في طلبه ﴿الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم - كما قال ابن عباس وغيره - أمَّةُ
محمد ◌َ﴿، فإنَّ الله تعالى اصطفاهم على سائر الأُمم، وجعلهم أُمَّةً وسطاً؛ ليكونوا
شهداء على الناس، وخصّهم بالانتماء إلى أكرم رسله وأفضلهم عليهم الصلاة
والسلام.
و (ثمَّ)) للتراخي الرتبيّ، فإنَّ إيحاءَ الكتاب إليه ◌َّرِ أشرفُ من الإيراث
المذكور، فإنَّه(٢) كالعلَّة له، وبه تحقّقت نبوَّته عليه الصلاة والسلام التي هي منبعُ
كلِّ خيرٍ، وليست للتراخي الزمانيّ، إذ زمانُ إيحائه إليه عليه الصلاة والسلام هو
زمانُ إيراثه، وإعطاؤه أمَّتَه بمعنى تخصيصه بهم، وجعلِه كتابَهم الذي إليه يرجعون،
وبالعمل بما فيه ينتفعون.
وإذا أُريد بإيراثه إيَّهم إيراتُه منه وَّهِ، وجعلُهم منتفعين به، فاهمين ما فيه
بالذات كالعلماء، أو بالواسطة كغيرهم بعده عليه الصلاة والسلام؛ فهي للتراخي
الزمانيّ، والتعبيرُ عن ذلك بالماضي لتحقُّقه.
= به صحة غيره منها، فما وافقه فهو صحيح من عند الله، وما خالفه فليس منه، بل هو محرَّف
مبدل. حاشية الشهاب ٢٢٦/٧ .
(١) لم أقف عليه بهذا السياق. والذي أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٦٤): (٣٣) عن
أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم،
ولكن ينظر إلى قلوبكم)).
وأخرجه مسلم أيضاً برقم (٢٥٦٤): (٣٤) بلفظ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،
ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
(٢) في (م): كأنه.

الآية : ٣٢
٢٢٦
وجُوِّزَ أن يكون معنى ((أَوْرَثْنَا الكتاب)): حَكَمْنا بإيرائه وقدَّرناه، على أنَّه مجازٌ،
من إطلاق السبب على المسبَّب، فتكون ((ثمَّ)) للتراخي الرُّتْبِيّ، وإلَّا فزمانُ الحكم
سابقٌ على زمان الإيحاء، ووجه التعبير بالماضي عليه ظاهر.
وفي ((شرح الرضي) أنَّ (ثمَّ)) قد تجيء في عطف الجمل خاصَّةً؛ لاستبعاد
مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلَها وعدم مناسبته له، كما في قوله تعالى:
﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُرْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَهِ﴾ [هود: ٣] فإنَّ بين توبة العباد وهي انقطاعُ العبد إليه
تعالى بالكليَّة وبينَ طلب المغفرة بَوناً بعيداً، وهذا المعنى فرعُ التراخي
ومجازه. اهـ.
وابن الشيخ جعل ما هنا كما في هذه الآية، وجَوَّزَ أنْ يكون ((ثم أورثنا)) إلخ
متَّصلاً بما سبق من قوله تعالى: (إِنَّ أَزْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ
فِيَهَا نَذِيرٌ) والمراد: ثمَّ أورثنا الكتاب من الأمم السالفة، وأعطيناه بعدهم الذين
اصطفيناهم من الأمَّة المحمديَّة، و((الكتاب)) القرآن، كما قيل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُرٍ
اُلْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦].
وقيل: لا يحتاج إلى اعتبار ذلك، ويجعل المعنى: ثمَّ أَخَّرنا القرآن عن الأمم
السالفة، وأعطيناه هذه الأمّة، ووجه النظم أنَّه تعالى قدَّم إرساله في كلِّ أمَّةٍ
رسولاً، وعقّبه بما ينبئ أنَّ تلك الأمم تفرَّقت حزبين، حزب كذَّبوا الرسل وما أُنزِلَ
معهم، وهم المشارُ إليهم بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَِّلِهِمْ جَمَتَهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَغِنَتِ وَيِالزُّيُرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥] وحِزْبٌ صدَّقوهم، وتَلَوا كتابَ الله
تعالى، وعملوا بمقتضاه، وهم المشارُ إليهم بقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ
اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ) إلخ، وبعد أنْ أثنى سبحانه على التَّلِين لكتبه، العاملين بشرائعه
من بين المكذِّبين بها من سائر الأمم، جاء بما يختصُّ برسوله وَطِّ من قوله سبحانه:
(وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ) إلخ استطراداً معترضاً، ثم أخبر سبحانه بإيرائه هذا
الكتاب الكريم هذه الأمَّةَ بعد إعطاء تلك الأمم الزُّبُر والكتابَ المنير، وعلى هذا
يكون المضيُّ(١) في ((أورثنا)) على ظاهره، و(ثمَّ)) للتراخي في الإخبار، أو للتراخي
(١) في (م): المعنى. وهو تصحيف.

الآية : ٣٢
٢٢٧
سُؤَلاَ فَظِل
في الرتبة إيذاناً بفضل هذا الكتاب على سائر الكتب، وفضلٍ هذه الأمة على سائر
الأمم، وفي هذا الوجه حَمْلُ الكتاب في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ
اللَّهِ) على الجنس، وجَعْلُ الآية ثناءً على الأمم المصدِّقین بعد اقتصاص حال
المكذِّبين منهم، فإنْ دُفِع ما فيه فهو من الحسن بمكان.
وجُوَّزَ أن يكون عطفاً على (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ)، وإذا كان إيراثُ
الكتاب سابقاً على تلاوته، فالمُضيِّ(١) على ظاهره، و((ثم)) للتفاوت الرتبيّ، أو
للتراخي في الإخبار، و((الذي أوحينا)) إلخ اعتراضٌ لبيان كيفيَّة الإيراث؛ لأنَّه إذا
صدَّقها بمطابقته لها في العقائد والأصول كان كأنَّه هي، وكأنَّه انتقل إليهم ممن
سلف، وهو كما ترى.
وجُوِّز على هذا وما قبله أنْ يُراد بالكتاب الجنس، ولا يخفى أنَّ إرادةَ القرآن
هو الظاهر.
وقيل: المراد بالمصطفين علماءُ الأمَّة من الصحابة ومَنْ بعدهم ممَّن يسيرُ
بسيرتهم، وإيراثُهم القرآن جعلُهم فاهمين معناه، واقفين على حقائقه ودقائقه، أمناءً
على أسراره.
وروى الإماميَّةُ عن الصادق والباقر ◌َّهَا أنَّهما قالا: هي لنا خاصَّةً، وإِيَّانا عنى،
أرادا أنَّ أهلَ البيت أو الأئمة منهم هم المصطفون الذين أورثوا الكتاب، واختار هذا
الطبرسيُّ الإماميُّ، قال في تفسيره ((مجمع البيان)): وهذا أقرب الأقوال؛ لأنَّهم أحقُّ
الناس بوصف الاصطفاء والاجتباء، وإيراث علم الأنبياء عليهم السلام(٢).
وربما يستأنسُ له بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إني تاركٌ فيكم الثقلين؛
كتابَ الله تعالى، وعترتي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))(٣).
وحملُهم على علماء الأمة أولى من هذا التخصيص، ويدخلُ فيهم علماء أهل
(١) في (م): فالمعنى، وهو تصحيف.
(٢) مجمع البيان ٢٤٣/٢٢.
(٣) سلف ٣٢١/٧ و٣٠٥/٢١.

سُالأَنَظِل
٢٢٨
الآية : ٣٢
البيت دخولاً أوَّليّاً، ففي بيتهم نزلَ الكتاب، ولن يفترقا حتى يردا الحوض يومَ
الحساب. وإذا كانت الإضافة في ((عبادنا)) للتشريف، واختصَّ ((العباد)» بمؤمني هذه
الأمَّة، وكانت ((من)) للتبعيض، كان حملُ المصطفين على العلماء كالمُتَعَيِّن.
وعن الجبَّائيّ أنَّهم الأنبياءُ عليهم السلام، اختارهم الله تعالى وحَبَاهم برسالته
وكتبه، وعليه يكونُ تعريفُ ((الكتاب)) للجنس، والعطف على قوله تعالى: (وَالَّذِىّ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ) و((ثم)» للتراخي في الإخبار؛ أخبر سبحانه أوَّلاً
عمَّا أوتَه نبيُّنَا بَّهِ، وهو متضمِّنٌ للإخبار بإيتائه عليه الصلاة والسلام الكتابَ على
أكمل وجهٍ، ثمَّ أخبر سبحانه بتوريثٍ إخوانه الأنبياء عليهم السلام وإيتائهم الكتب.
وممَّا يَرِدُ عليه أنَّ إيتاءَ الأنبياء عليهم السلام الكتبَ قد عُلِم قبلُ من قوله
تعالى: (فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جََّتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيَِّتِ وَيِالزُّيْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ).
وعن أبي مسلم أنَّهم المصطفونَ المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ مَادَمَ
وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وهو دون ما قبله.
وأيّاً ما كان، فالموصول مفعولٌ أول لـ ((أورثنا))، و((الكتاب)) مفعولٌ ثانٍ له،
قُدِّمَ لشرفه والاعتناء به وعدم اللبس، و((من)) للبيان أو للتبعيض.
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الفاء للتفصيل، لا للتعليل كما قيل، وضمير الجمع
على ما سمعتَ أوَّلاً في تفسير الموصول للموصول. والظالم لنفسه من قَصَّر في
العمل بالكتاب، وأسرفَ على نفسه، وهو صادقٌ على من ظَلَم غيرَه؛ لأنَّه بذلك
ظالمٌ لنفسه، والمشهور مقابلته بالظالم لغيره، واللام للتقوية.
﴿وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾ يتردّدُ بين العمل به ومخالفته، فيعمل تارةً، ويخالفُ أخرى،
وأصلُ معنى الاقتصاد التوسُّط في الأمر.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾ متقدِّمٌ إلى ثواب الله تعالى وجثَّته (١) ﴿بِالْخَيْرَتِ﴾ أي: بسبب
الخيرات، أي: الأعمال الصالحة. وقيل: سابقٌ على الظالم لنفسه والمقتصدِ في
الدرجات بسبب الخيرات. وقيل: أي: محرزٌ الفضلَ بسببها .
(١) قوله: وجنته. ليس في الأصل.

الآية : ٣٢
٢٢٩
سُؤَادَةَ فَظلم
﴿ يإِذْنِ اَللَّهِ﴾ أي: بتيسيره تعالى وتوفيقه عزَّ وجلَّ، وفيه تنبيهٌ على عِزَّةٍ منال هذه
الرتبة وصعوبة مأخذها، وفُسِّر بمن غلبت طاعتُه معاصيه، وكَثُر عملُه بكتاب الله
تعالى.
وما ذُكر في تفسير الثلاثة ممَّا يشير إليه كلام الحسن، فقد رُوي عنه أنَّه قال:
الظالمُ من خَقَّت حسناتُه، والمقتصدُ من استوت، والسابق من رجحت.
ووراء ذلك أقوالٌ كثيرةٌ، فقال معاذ: الظالمُ لنفسه الذي ماتَ على كبيرةٍ لم
يَتُب منها، والمقتصدُ من مات على صغيرةٍ ولم يصب كبيرةً لم يتب منها، والسابق
من مات تائباً من كبيرةٍ أو صغيرة، أو لم يصب ذلك.
وقيل: الظالمُ لنفسه العاصي المسرف، والمقتصدُ مُتَّقي الكبائر، والسابقُ.
المتَّقي على الإطلاق.
وقيل: الأوَّلُ المقصِّر في العمل، والثاني العاملُ بالكتاب في أغلب الأوقات،
ولم يَخْلُ عن تخليط، والثالث السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار.
وقيل: الأوَّلان كما ذكر، والثالث المداومُ على إقامة مواجب الكتاب علماً
وعملاً وتعليماً.
وقيل: الأول مَن أسلم بعد الفتح، والثاني من أسلم قبله، والثالث من أسلم
قبل الهجرة.
وقيل: هم من لا يبالي من أين ينال، ومَن قُوْتُه من الحلال، ومَن يكتفي من
الدنيا بالبلاغ.
وقيل: من همُّه الدنيا، ومن همُّه العقبى، ومن همُّه المولى.
وقيل: طالبُ النجاة، وطالبُ الدرجات، وطالب المناجاة.
وقيل: تاركُ الزَّلَّة، وتارك الغفلَة، وتارك العلاقة.
وقيل: من شغلَه معاشُه عن معاده، ومن شُغْلُه بهما، ومن شغلَه معادُه عن
معاشه .

سُالأَفَظلم
٢٣٠
الآية : ٣٢
وقيل: من يأتي بالفرائض خوفاً من النار، ومن يأتي بها خوفاً منها ورضى
واحتساباً، ومن يأتي بها رضَى واحتساباً فقط.
وقيل: الغافلُ عن الوقت والجماعة، والمحافظ على الوقت دون الجماعة،
والمحافظ عليهما .
وقيل: من غلبت شهوتُه عقلَه، ومن تساويا، ومن غلبَ عقلُه شهوته.
وقيل: من لا ينهى عن المنكر ويأتيه، ومن ينهى عن المنكر ويأتيه، ومن يأمر
بالمعروف ویأتیه.
وقيل: ذو الجور، وذو العدل، وذو الفضل.
وقيل: ساكنُ البادية، والحاضرة، والمجاهد.
وقيل: من كان ظاهره خيراً من باطنه، ومن استوى باطنه وظاهره، ومن باطنُه
خيرٌ من ظاهره.
وقيل: التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والتالي العالمُ غيرُ
العامل، والتالي العالم العامل.
وقيل: الجاهل، والمتعلِّم، والعالم.
وقيل: من خالفَ الأوامر وارتكبَ المناهي، ومن اجتهدَ في أداء التكاليف وإن
لم يوقّق لذلك، ومن لم يخالف تكاليفَ الله تعالى.
ورَوى بعضُ الإماميَّة عن ميسر بن عبد العزيز عن جعفر الصادق رض ◌ُه: الظالمُ
لنفسه منَّا مَنْ لا يعرفُ حقَّ الإمام، والمقتصدُ العارفُ بحقِّ الإمام، والسابق هو الإمام.
وعن زياد بن المنذر عن أبي جعفرٍ ◌ُه: الظالمُ لنفسه منَّا من عمل صالحاً
وآخرَ سيِّئاً، والمقتصدُ المتعبِّدُ المجتهدُ، والسابقُ بالخيرات عليٍّ والحسن
والحسين ﴿، ومن قُتِل من آل محمد شهيداً.
وقيل: هم الموحِّدُ بلسانه الذي تخالفُه جوارحُه، والموحِّدُ الذي يمنعُ جوارحه
بالتكليف، والموحِّدُ الذي ينسيه التوحيدُ غيرَ التوحيد.

الآية : ٣٢
٢٣١
سُؤُالأَفَظلم
وقيل: من يدخلُ الجنَّة بالشفاعة، ومن يدخلُها بفضل الله تعالى، ومن يدخلها
بغير حساب.
وقيل: من أوتي كتابه من وراء ظهره، ومن أوتي كتابه بشماله، ومن أوتي كتابه
بیمینه .
وقيل: الكافر مطلقاً، والفاسقُ، والمؤمنُ التقيُّ. وفي معناه ما جاءَ في رواية
عن ابن عباس وقتادة وعكرمة: الظالمُ لنفسه أصحابُ المشأمة، والمقتصدُ أصحاب
الميمنة، والسابق بالخيرات السابقون المقربون.
والظاهر أن هؤلاء ومن قال نحوَ قولهم يجعلون ضمير ((منهم)) للعباد،
لا للموصول، ولا شكَّ أنَّ منهم الكافر وغيره. وكون العباد المضاف إلى الله تعالى
مخصوصاً بالمؤمنين ليس بمطَّرد، وإنَّما يكون كذلك إذا قصد بالإضافة التشريف.
والقولُ برجوع الضمير للموصول، والتزامُ كون الاصطفاء بحسب الفطرة = تعسُّفٌ
کما لا يخفى.
وقيل في تفسير الثلاثة غير ما ذكر، وذكرَ في ((التحرير)) ثلاثةً وأربعين قولاً في
ذلك، ومن تتبَّع التفاسيرَ وجدها أكثرَ من ذلك، لكن لا يجدُ في أكثرها كثيرَ
تفاوت، والذي يعضدُه معظمُ الروايات والآثار أنَّ الأصناف الثلاثة من أهل الجنة،
فلا ينبغي أنْ يُلتفتَ إلى تفسير الظالم بالكافر إلَّا بتأويل كافرِ النعمة، وإرادة
العاصي منه.
أخرج الإمام أحمد والطيالسيُّ وعبدُ بن حميد وابنُ جرير وابنُ المنذر وابن
أبي حاتم وابنُ مردويه والبيهقيُّ والترمذيُّ وحسَّنه عن أبي سعيد الخدريِّ عن
النبيِّ وَّرُ أنَّه قال في هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ) إلى (بِالْخَيْرَتِ): ((هؤلاء كلُّهم
بمنزلةٍ واحدةٍ، وكلَّهم في الجثّة))(١)، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وكلهم)) إلخ
عطفٌ تفسيريٌّ.
(١) الدر المنثور ٢٥١/٥، وأحمد (١١٧٤٥)، والطيالسي (٢٣٥٠)، والطبري في تفسيره
٣٧٦/١٩، والبيهقي في البعث (٦١)، والترمذي في سننه (٣٢٢٥).
=

٢٣٢
الآية : ٣٢
وأخرج الطبرانيُّ وابن مردويه(١) في ((البعث)) عن أسامة بن زيد أنَّه قال في
الآية: قال رسول الله وَله: ((كلُّهم من هذه الأمَّة، وكلُّهم في الجنة))(٢).
وأخرج ابنُ النجار عن أنس أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((سابقُنا سابق، ومقتصدنا ناجِ،
وظالمنا مغفورٌ له))(٣).
وأخرج العقيليُّ وابن مردويه والبيهقيُّ عن عمر بن الخطاب مرفوعاً
نحوه(٤).
وأخرج الإمامُ أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
والطبرانيُّ والحاكم وابنُ مردويه والبيهقيُّ عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول الله وَّ
يقول: ((قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
لَنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)، فأمَّا الذين سبقوا فأولئك
يدخلونَ الجنَّة بغير حساب، وأمَّا الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبونَ حساباً
يسيراً، وأمَّا الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسونَ في طول المحشر، ثمَّ هم الذين
يتلقَّاهم الله تعالى برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ
= قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ.
وفي إسناده مبهمان؛ رجلٌ من ثقيف عن رجل من كنانة، فهو ضعيف.
(١) كذا في الأصل و(م). والصواب - كما في الدر المنثور ٢٥١/٥، وعنه نقل المصنف -:
البيهقي.
(٢) الطبراني في الكبير (٤١٠)، والبيهقي في البعث (٦٣) و(٦٤).
(٣) الدر المنثور ٢٥٢/٥.
(٤) الدر المنثور ٢٥٢/٥، وهو عند العقيلي في الضعفاء ٤٤٣/٣، والواحدي في الوسيط ٥٠٥/٣،
والبغوي في تفسيره ٣/ ٥٧١ من طريق الفضل بن عميرة عن ميمون بن سياه عن أبي عثمان
النهدي عن عمر مرفوعاً. والفضل بن عميرة ضعيف. قال البغوي بعد ذكره: قال أبو قلابة:
فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجَّب منه. وأخرجه البيهقي في البعث (٦٥) من طريق
ميمون بن سياه عن عمر به به. قال البيهقي: فيه إرسال بين ميمون بن سياه وبين عمر ظ
.
وأخرجه سعيد بن منصور (٢٣٠٨) عن عمر موقوفاً. وانظر تخريج أحاديث الكشاف لابن
حجر ص١٣٩ .

الآية : ٣٢
٢٣٣
إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾)) الآية [فاطر: ٣٤]. قال البيهقيُّ: إذا كثرت الروايات في
حديثٍ ظهر أنَّ للحديث أصلاً(١).
والأخبار في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكر كفاية.
وقُدِّمَ الظالم لنفسه لكثرة الظالمين لأنفسهم، وعُقِّبَ بالمقتصد لقلَّة المقتصدين
بالنسبة إليهم، وأُخِّر السابقُ؛ لأنَّ السابقين أقلُّ من القليل؛ قاله الزمخشريُّ (٢).
وحكى الطبرسيُّ أنَّ هذا الترتيبَ على مقامات الناس، فإنَّ أحوال العباد
ثلاث: معصيةٌ، ثم توبةٌ، ثم قربةٌ، فإذا عصى العبد فهو ظالم، فإذا تاب فهو
مقتصد، فإذا صحَّت توبتُه وكثرت مجاهدتُه فهو سابق(٣).
وقيل: قُدِّمَ الظالمُ لئلا ييأس من رحمة الله تعالى، وأخِّر السابق لئلا يعجب
بعمله، فتعيَّنَ توسيطُ المقتصد.
وقال قطب الدين: النكتةُ في تقديم الظالم أنَّه أقربُ الثلاثة إلى بداية حال العبد قبل
اصطفائه بإيراث الكتاب، فإذا باشره الاصطفاء فمن العباد من يتأثَّر قليلاً وهو الظالم
لنفسه، ومنهم من يتأثَّر وسطاً وهو المقتصد، ومنهم من يتأثَّر تأثّراً تامًّا وهو السابق.
وقريبٌ منه ما قيل: إنَّ الاصطفاء مشكّكٌ تتفاوت مراتبه، وأوَّلها ما يكون
للمؤمن الظالم لنفسه، وفوقه ما يكونُ للمقتصد، وفوق الفوق ما يكون للسابق
بالخيرات، فجاء الترتيبُ كالترقِّي في المراتب.
وقيل: أخِّر السابقُ لتعدُّد ما يتعلَّق به، فلو قُدِّم أو وسِّطَ لَبَعُد في الجملة ما بين
الأقسام المتعاطفة، ولمَّا كان الاقتصادُ كالنسبة بين الظلم والسبق اقتضى ذلك تقديم
الظالم وتأخير المقتصد؛ ليكون المقتصدُ بين الظالم والسابق لفظاً، كما هو
بينهما معنى.
(١) الدر المنثور ٢٥١/٥، وأحمد (٢١٦٩٧) و(٢٧٥٠٥)، والطبري ٣٧٥/١٩، والحاكم ٤٢٦/٢،
والبيهقي في البعث (٦٢). وهو ضعيف، وانظر تتمة الكلام عليه في مسند الإمام أحمد.
(٢) في الكشاف ٣٠٩/٣.
(٣) مجمع البيان ٢٤٥/٢٢.

سُوَالأَفَظلم
٢٣٤
الآية : ٣٣
وقد يقال: رتبت هذه الثلاثة هذا الترتيب ليوافق حالُّهم في الذكر بالنسبة إلى .
ما وعدوا به من الجنات في قوله سبحانه: ((جنات عدن)) الآية حالَهم في الحشر
عند تحقّق الوعد، فأخّر السابق الداخل في الجنان أوَّلاً ليتَّصل ذكره بذكر الجنات
الموعودِ بها، وذكرَ قبلَه المقتصد، وجعل السابق فاصلاً بينه وبين الجنات؛ لأنَّه
إنَّما يدخلُها بعدَه، فيكون فاصلاً بينه وبينها في الدخول، وذكرَ قبلهما الظالم
لنفسه؛ لأنَّه إنما يدخلُها ويتَّصل بها بعدَ دخولهما، فتأخير السابق في المعنى
تقدیم، وتقديمُ الظالم في المعنى تأخير.
ويحتملُ ذلك أوجهاً أخرى تظهر بالتأمُّل، فتأمَّل.
وقرأ أبو عمران الجونيّ، وعمر بن أبي شجاع، ويعقوب في رواية، والقزَّاز
عن أبي عمرو: ((سبَّاق)) بصيغة المبالغة(١).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما تقدَّم مِن الإيراث والاصطفاء ﴿هُوَ الْفَضْلُ اُلْكَبِيرُ
من الله عزَّ وجلَّ، لا دخل للكسب فيه.
﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ ويؤيِّده قراءة الجحدريِّ
وهارون عن عاصم: ((جناتٍ)) بالنصب على الاشتغال(٢)، أي: يدخلون جنات عدن
يدخلونَها، واحتمال جرِّه بدلاً من الخيرات بعيدٌ، وفيه الفصل بين البدل والمبدل
منه بأجنبيٍّ، فلا يلتفتُ إليه.
وضمير الجمع للذين اصطفينا، أو الثلاثة.
وقال الزمخشريُّ(٣): ((ذلك)) إشارةٌ إلى السبق بالخيرات، و((جنات عدن)» بدلٌ
من ((الفضل)) الذي هو السبق، ولمَّا كان السبقُ بالخيرات سبباً لنيل الثواب جُعِلَ
نفسَ الثواب؛ إقامةً للسبب مقام المسبَّب، ثمَّ أُبدِل منه. وضمير الجمع للسابق؛
لأنَّ القصدَ إلى الجنس.
(١) البحر المحيط ٣١٣/٧، وهي في القراءات الشاذة ص ١٢٤ عن أبي عمران الجوني فقط.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٣١٤، وهي في القراءات الشاذة ص ١٢٣ عن الجحدري فقط.
(٣) في الكشاف ٣٠٩/٣.

الآية : ٣٣
٢٣٥
سُؤُالأَنَظلم
فَخَصَّ الوعدَ بالقِسْمِ الأخير؛ مراعاةً لمذهب الاعتزال، وهو على ما سمعت
للأقسام الثلاثة، وذلك هو الأظهرُ في النظم الجليل؛ ليطابقه قوله تعالى بَعْدُ:
(وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّرَ)، وليناسبَ حديث التعظيم والاختصاص المُدْمَج في
قوله سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ)، وإلّا فأيُّ تعظيم في ذلك الذكر بعد أن لُزَّ أكثر
المصطفين في قَرن الكافرين، وليناسبَ ذكرُ الغفور بعدُ حالَ الظالم والمقتصد،
والشكور حالَ السابق، ولتعسُّف ما ذكره من الإعراب وبعدِه عن الذوق، وكيف
لا يكون الأظهرَ وقد فسَّره كذلك أفضلُ الرسل ومن أنزل عليه هذا الكتاب المبين،
على ما مرَّ آنفاً، وإليه ذهبَ الكثيرُ من أصحابه الفخام ونجوم الهداية بين
الأنام ﴿ه، وعَدَّ منهم في ((البحر)): عمر وعثمان وابن مسعود وأبا الدرداء
(١) .
وأبا سعيد وعائشة
وقد أخرج سعيد بن منصور، والبيهقيُّ في ((البعث)) عن البراء بن عازب أنَّه قال
بعدَ أن قرأ الآية: أشهدُ على الله تعالى أنَّه يدخلهم الجنَّة جميعاً (٢).
وأخرج غيرُ واحدٍ عن كعب أنَّه قرأ الآيةَ إلى ((لغوب))، فقال: دخلوها وربٍّ
الكعبة، وفي لفظ: كلهم في الجنَّة، ألا ترى على أثره: (وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ
جَهَنَّمَ)(٣).
نعم إن أُريد بالظالم لنفسه الكافر يتعذّرُ رجوعُ الضمير إلى ما ذُكر، ويتعيَّن
رجوعه إلى السابق، أو(٤) إليه وإلى المقتصد؛ لأنَّ المرادَ بهما الجنس، لكن
لا ينبغي أنْ يُرادَ بعد هاتيك الأخبار.
وقرأ زرُّ بن حُبَيش والزهريُّ: ((جنةُ عدن)) بالإفراد والرفع(٥).
(١) البحر ٣١٤/٧.
(٢) الدر المنثور ٥/ ٢٥٢، وأخرجه البيهقي في البعث (٦٧).
(٣) الدر المنثور ٢٥٢/٥، ونسبه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي.
وأخرجه البيهقي في البعث (٧٠).
(٥) البحر المحيط ٣١٤/٧، والقراءة في المحرر الوجيز ٤/ ٤٤٠ عن زر بن حبيش فقط.
(٤) في (م): و.

٢٣٦
الآية : ٣٣
وقرأ أبو عمرو: ((يُدْخَلونها)) بالبناء للمفعول، ورويت عن ابن كثير(١).
وقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ خبرٌ ثانٍ لـ ((جنات))، أو حال مقدَّرة. وقيل: إنَّها
لقرب الوقوع بعد الدخول تعدُّ مقارِنةً.
وقرئ: ((يَحْلَون)) بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام(٢)، مِن حَلِيَت
المرأةُ، فهي حالِيَة: إذا لبست الحَلْيَ، ويقال: جِيْدٌ حَالٍ، إذا كان عليه الحَلْيُ.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع: سوار، على ما في ((الإرشاد)(٣)، وفي ((القاموس)):
السوار ككتاب وغراب: القُلْبُ، كالأُسوار بالضمِّ، جمعه: أسْوِرةٌ وأساوِرُ وأساوِرةٌ
وسورٌ وسُؤُور(٤). اهـ. وإطلاقُ الجمع على جمع الجمع كثيرٌ، فلا مخالفة، وسوارُ
المرأة معرَّب، كما قال الراغب(٥)، وأصله: دسْتِواره.
و (من)) للتبعيض، أي: يحلّون بعضَ أساور، كأنَّه بعضٌ له امتياز وتفوُّقٌ على
سائر الأبعاض.
وجُوِّزَ أن تكون للبيان؛ لما أنَّ ذِكر التحلية مما ينبئ عن الحَلْي المبهم.
وقيل: زائدةٌ، بناءً على ما يرى الأخفش من جواز زيادتها في الإثبات.
وقيل: نعتٌ لمفعولٍ محذوف لـ ((يُحَلَّون))، وإنه بمعنى: يلبسون.
و ((من)) في قوله تعالى: ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ بيانيَّةٌ.
﴿وَلُؤْلُؤٌ﴾ عطفٌ على محلِّ ((من أساور))، أي: ويحلّون فيها لؤلؤاً.
أخرجَ الترمذيُّ والحاكم وصححه، والبيهقيُّ في («البعث» عن أبي سعيد
(١) المحرر الوجيز ٤٤٠/٤، والبحر المحيط ٣١٤/٧. وقراءة أبي عمرو في التيسير ص ١٨٢،
والنشر ٢٥٢/٢. وقراءة ابن كثير المتواترة عنه كقراءة الجمهور.
(٢) الكشاف ٣١٠/٣، والبحر المحيط ٣١٤/٧.
(٣) تفسير أبي السعود ٧/ ١٥٣ .
(٤) القاموس (سور).
(٥) في المفردات (سور).

الآية : ٣٣
٢٣٧
سُؤَادَةَ فَظِل
الخدريِّ أنَّ النبيَّ ◌َ له تلا الآية فقال: ((إنَّ عليهم التيجان، إنَّ أدنى لؤلؤةٍ منها
لتضيء ما بين المشرق والمغرب))(١).
وقيل: عطف على المفعول المحذوف، أو منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يدلُّ عليه
(يُحلَّون)) أي: ويؤتون لؤلؤاً.
وقرأ جمعٌ من السبعة: ((ولؤلؤٍ)) بالجرِّ عطفاً على ((ذهبٍ))(٢)، أي: يُحَلَّون فيها
بعضَ أساور من مجموع ذهبٍ ولؤلؤ، بأنْ تُنظَم حبَّاتُ ذهبٍ مع حبَّاتٍ لؤلؤ،
ويُتَّخَذَ من ذلك سوارٌ كما هو معهودٌ اليوم في بلادنا، أو بأن يرضَّعَ الذهبُ باللؤلؤ،
كما يرضَّع ببعضٍ الأحجار.
وقيل: أي: من ذهبٍ في صفاء اللؤلؤ. وفيه ما فيه من الكدر.
ولعلَّ من يقول بأنَّه لا اشتراكَ بين ذهب الدنيا ولؤلئها وذهب الآخرة ولؤلئها
إلّا بالاسم لا يَلتزمُ النظمَ ولا الترصيع، كما لا يخفى.
وقُرِئ: ((لولؤاً)) بتخفيف الهمزة الأولى (٣).
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ ﴾﴾ أي: إبريسمٌ محضٍّ، كما في ((مجمع البيان))(٤).
وقال الراغب: ما رَقَّ من الثياب(٥) .
(١) الدر المنثور ٢٥٣/٥، وسنن الترمذي (٢٥٦٢) - دون ذكر تلاوة الآية - من طريق رشدين بن
سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ، وقال: هذا
حدیث غریب لا نعرفه إلا من حديث رشدین.
وأخرجه الحاكم ٤٢٦/٢-٤٢٧ من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث به،
وأخرجه البيهقي في البعث (٣٣٠) من طريق الحاكم، وتعقب الذهبي الحاكم في تصحيحه
بقوله: درَّاج صاحب عجائب.
وأخرجه الإمام أحمد (١١٧١٦) عن الحسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة عن دراج به
دون ذكر تلاوة الآية أيضاً. وضعف محققو المسند إسناده لضعف ابن لهيعة ودراج، وانظر
تمام الكلام عليه ثمة.
(٢) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي من السبعة، وقرأ بها أيضاً
يعقوب وخلف من العشرة. انظر التيسير ص ١٥٦، والنشر ٣٢٦/٢.
(٣) هي قراءة شعبة وأبي جعفر. انظر التيسير ص ١٥٦، والنشر ٣٩٠/١-٣٩١، ٣٩٤.
(٤) ٢٤٥/٢٢.
(٥) المفردات (حرر).

سُوَالأَّفَظِل
٢٣٨
الآية : ٣٤
وتغيير الأسلوب، حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريراً، قيل: للإيذان بأنَّ ثبوتَ
اللباس لهم أمرٌ محقَّق غنيٌّ عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنَّما المحتاج
إلى البيان أنَّ لباسَهم ماذا، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنَّها ليست من اللوازم
الضروريَّة، ولذا لا يلزم العدلُ بين الزوجات فيها، فجعل بيان تحليتهم مقصوداً(١)
بالذات، ولعلَّ هذا هو الباعث على تقديم التحلية على بيان حال اللباس.
وقيل: إنَّ ذلك للدلالة على أنَّ الحرير ثيابُهم المعتادةُ مع المحافظة على هيئة
الفواصل. وليس بذاك.
﴿وَقَالُواْ﴾ أي: ويقولون، وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقُّق: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾ حزن تقلُّب القلب، وخوف العاقبة، على ما روي عن
القاسم بن محمد.
وقال أبو الدرداء: حزن أهوالِ القيامة، وما يصيبُ من ظَلَم نفسَه هنالك.
وأخرج الحاكم وصحَّحه وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس: حزن
النار(٢).
وقال الضحاك: حزنَ الموت، يقولونَ ذلك إذا ذُبح الموت.
وقال مقاتل: حزن الانتقال، يقولون ذلك إذا استقرُّوا فيها .
وقال قتادة: حزن أنْ لا تُتَقَبَّلَ أعمالهم.
وقال الكلبيُّ: خوف الشيطان.
وقال سمرة بن جندب: حزن معيشة الدنيا، الخبز ونحوه.
وعن ابن عباس: حزن الآفات والأعراض.
وقيل: حزن كراء الدار.
(١) في (م): مقصوراً.
(٢) المستدرك ٢/ ٤٢٧، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٣٧٧/١٩.

الآية : ٣٥
٢٣٩
سُوَالأَ فَظِلى
والأولى أنْ يُرَاد جنسُ الحزن المنتظِم لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة،
وكلُّ ما سمعتَ من باب التمثيل، وقد تقدَّم في الحديث: ((إنَّ الذين ظلموا أنفسهم
هم الذين يقولون)) أي: بعد أن يتلقَّاهم الله تعالى برحمته: ((الحمد لله الذي أذهب
عنا الحزن)) إلخ(١). فلا تغفل.
وقرئ: ((الحُزْن)) بضمِّ الحاء وسكون الزاي، ذكره جناح بن حبيش(٢).
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للمذنبين ﴿شَكُورُ ®﴾ للمطيعين.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أنه قال في ذلك: غَفَرَ لنا العظيمَ من
ذنوبنا، وشكر لنا القليلَ من أعمالنا(٣).
وفي ((الكشاف)): ذِكْرُ الشكور دليلٌ على أنَّ القومَ كثيرو الحسنات(٤). وكان
عليه أن يقول: وذِكْرُ الغفور دليلٌ على أنهم كثيرو الفرطَات، فينطبقُ على الفرق،
ولا ينفكُّ النظم، ولكن مَنَعَهُ المذهبُ.
﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي: دار الإقامة التي لا انتقالَ عنها أبداً وهي الجنة
﴿مِن فَضْلِهِ﴾ من إنعامه سبحانه وتفضُّله وكرمه، فإنَّ العملَ وإن كان سبباً لدخول
الجنة في الجملة، لكن سبيَّته بفضل الله عزَّ وجلَّ أيضاً، إذ ليس هناك استحقاقٌ
ذاتيٌّ، ومَن علم أنَّ العمل متناهٍ زائلٌ، وثوابَ الجنة دائمٌ لا يزول، لم يشكّ في
أنَّ الله تعالى ما أحلَّ من أحلَّ دارَ الإقامة إلَّا من محض فضله سبحانه.
وقال الزمخشريُّ: أي: من إعطائه(٥) تعالى وإفضاله، من قولهم: لفلانٍ فضولٌ
على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضُّلُ؛ لأنَّ الثوابَ بمنزلة الأجر
المُستحَقِّ، والتفضُّل كالتبرع. وفيه من الاعتزال ما فيه.
(١) سلف ص٢٣٢-٢٣٣ من هذا الجزء.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والبحر المحيط ٣١٤/٧.
(٣) الدر المنثور ٢٥٣/٥.
(٤) الكشاف ٣/ ٣١٠.
(٥) في الكشاف ٣١٠/٣: عطائه.

٢٤٠
الآية : ٣٦
﴿لَا يَمَسُنَا فِيَهَا نَصَبٌّ﴾ أي: تعبٌ ﴿وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ كلالٌ وفتورٌ،
وهو نتيجةُ النَّصَب، وضمُّه إليه وتكريرُ الفعل المنفيِّ للمبالغة في بيان انتفاء كلِّ
منهما، كذا قال جمعٌ من الأجلَّة.
وقال بعضهم: النَّصَبُ: التعبُ الجسمانيُّ، واللُّغوب: التعبُ النفسانيُّ.
وأخرج ابن جرير عن قتادة أنَّه فسَّر النَّصَبَ بالوجع(١)، والكلام من باب:
لا ترى الضبَّ بها ينجحر (٢)
والجملةُ حالٌ من أحد مفعولي ((أحلَّ».
وقرأ عليٍّ - كرَّم الله تعالى وجهه - والسلميُّ: (لَغُوب)) بفتح اللام(٣).
قال الفرَّاء: هو ما يُلْغَب(٤) به، كالفَطور والسَّحور(٥).
وجاز أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوف، أي: لا يمسُّنا فيها لُغوبٌ لَغوبٌ، نحو:
شعرٌ شاعرٌ، كأنَّه وصف اللُّغوب بأنه قد لَغِبَ، أي: أَغَْى وتَعِبَ.
وقال صاحب ((اللوامح)): يجوز أن يكون مصدراً كالقَبول، وإن شئتَ جعلتَه
صفةً لمضمرٍ، أي: أمرٌ لَغوب.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ﴾ أي: لا يُحكم عليهم بموتٍ ثانٍ
﴿فَيَمُوتُوا﴾ ليستريحوا بذلك من عذابها بالكليّة. وإنما فسِّر ((لا يُقْضَى)) بما ذُكر
دون: لا يموتون؛ لئلّا يلغو: ((فيموتوا))، ويحتاج إلى تأويله بـ : يستريحوا.
ونصب ((يموتوا)) في جواب النفي بإضمار ((أن))، والمراد انتفاءُ المسبَّب لانتفاء
السبب، أي: ما يكون حكمٌ بالموت، فكيف يكون الموت؟!
(١) تفسير الطبري ١٩/ ٣٨١.
(٢) سلف ٨٨/٤.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٢٤، والمحتسب ٢٠٠/٢، والبحر المحيط ٣١٥/٧. وزاد ابن
خالويه نسبتها لسعيد بن جبير.
(٤) في (م): يغب.
(٥) معاني القرآن للفراء ٣٧٠/٢.