النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٣٩ ١٢١ ﴿أُوْلَيْكَ﴾ الذي بَعُدَتْ منزلتهم في الشر ﴿فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣)﴾ لا يجديهم ما عَوَّلوا عليه نفعاً. وفي ذكر العذاب دون موضعه ما لا يخفى من المبالغة. ﴿قُلٌ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسِّعُه سبحانَه عليه تارةً، ويضيِّقه عليه أخرى، فلا تخشوا الفقر، وأنفقوا في سبيل الله تعالى، وتقرَّبوا لديه عزَّ وجلَّ بأموالكم، وتعرَّضوا لنفحاته جلَّ وعلا، فمساقُ الآية للوعظ والتزهيد في الدنيا، والحضِّ على التقرُّب إليه تعالى بالإنفاق، وهذا بخلاف مساقٍ نظيرها المتقدِّم، فإنَّه للردِّ على الكفرة كما سمعت. وأيضاً ما سبق عامّ، وما هنا خاصٌّ في البسط والتضييق لشخصٍ واحد باعتبار وقتين، كما يشعر به قوله تعالى هنا: ((له)) وعدمُ قوله هناك، والضمير وإن كان في موضعٍ من المبهم، إلّا أنَّ سبق النظير خالياً عن ذلك، وذكر هذا بعدُ مشتملاً عليه، كالقرينة على إرادة ما ذُكر، فلا تغفل. ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ﴾ يحتمل أنْ تكون ((ما)) شرطيةً في موضع نصب بـ ((أنفقتم))، وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ جواب الشرط. ويحتمل أنْ تكون بمعنى ((الذي)) في موضع رفع بالابتداء، والجملة بعدُ خبرُه، ودخلت الفاء لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط. و((من شيء)) تبيين على الاحتمالين. ومعنى ((يخلفه)): يعطي بدلَه وما يقوم مقامه عوضاً عنه، وذلك إمَّا في الدنيا بالمال، كما هو الظاهر، أو بالقناعة التي هي كنزٌ لا يفنى، كما قيل، وإمَّا في الآخرة بالثواب الذي كلُّ خلفٍ دونَه. وخصّه بعضهم بالآخرة، أخرج الفريابيُّ وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إذا كان لأحدكم شيءٌ فليقتصد، ولا يتأوَّل هذه الآية: (لَهُ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ)، فإنَّ الرزقَ مقسومٌ، ولعلَّ ما قُسِم له قليلٌ، وهو ينفقُ نفقة الموسع عليه. وأخرج مَن عدا الفريابي من المذكورين عنه أنه قال في الآية: أي: ما كان من خلفٍ فهو منه تعالى، وربَّما أنفقَ الإنسان مالَه كلَّه في الخير ولم يُخْلَفْ حتى يموت(١). (١) الأثران في الدر المنثور ٢٣٨/٥-٢٣٩. ١٢٢ الآية : ٣٩ ومثلها: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] يقول: ما آتاها من رزقٍ فمنه تعالى، وربما لم يرزقها حتى تموت. والأول أظهرُ؛ لأنَّ الآيةَ في الحثِّ على الإنفاق، وأنَّ البَسْطَ والقَدْرَ إذا كانا من عنده عزَّ وجلَّ فلا ينبغي لمن وُسِّع عليه أنْ يخاف الضيعةً بالإنفاق، ولا لمن قُدِرَ عليه زيادتها، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِنَ ﴾﴾ تذييلٌ يؤيِّد ذلك، كأنَّه قيل: فيرزقه من حيث لا يحتسب. وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((ما من يومٍ يصبحُ العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أَعْطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أَعْطِ ممسكاً تلفاً)(١). وأخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن جابر بن عبد الله عن النبيِ نَّ قال: ((كلَّ ما أنفقَ العبدُ نفقةً، فعلى الله تعالى خلفها ضامناً، إلَّا نفقةً في بنيانٍ أو معصية))(٢). وأخرج البخاريُّ وابن مردويه عن أبي هريرة أنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ((قال الله عزَّ وجلَّ: أَنْفِقْ يا ابنَ آدم أُنْفِقْ عليك))(٣). وأخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ المعونةَ تنزلُ من السماء على قَدْرِ المؤونة)»(٤). وفي حديثٍ طويل عن الزبير: ((قال الله تبارك وتعالى: أَنفق أُنفقْ عليك، وأوسع أوسع عليك، ولا تضيِّق أضيق عليك، ولا تصرَّ فأصرَّ عليك، ولا تخزن فأخزن عليك، إنَّ بابَ الرزق مفتوحٌ من فوق سبع سماوات، متواصلٌ إلى العرش، لا يُغلَقُ ليلاً ولا نهاراً، يُنزِل الله تعالى منه الرزق على كلِّ امرئٍ بقدر نيته وعطيته وصدقته ونفقته، فمن أكثر أُكْثِرَ له، ومن أقلَّ أُقِلَّ له، ومن أمسك أُمسِكَ عليه، (١) صحيح البخاري (١٤٤٢)، وصحيح مسلم (١٠١٠). وسلف ٣/ ٤٥٨. - (٢) شعب الإيمان (١٠٧١٢). (٣) صحيح البخاري (٧٤٩٦). (٤) نوادر الأصول ص١١٣، الأصل الثالث والسبعون. الآية : ٤٠ ١٢٣ يا زبير فكل وأطعم، ولا تُوكِ فیوکَی عليك، ولا تحصي فيحصَى عليك، ولا تقتِّر فيقتَّر عليك، ولا تعسِّر فيعسَّر عليك)). الحديث(١). ومعنى ((الرازقين)): الموصلين للرزق والموهبين له، فيطلق الرازقُ حقيقةً على الله عزَّ وجلَّ وعلى غيره، ويشعر بذلك: ﴿فَارْزُقُهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨]. نعم لا يُقَال لغيره سبحانه: رزَّاقٌ(٢)، فلا إشكال في قوله سبحانه: ((وهو خير الرازقين)). ووجه الأَخْيَرية في غاية الظهور. وقيل: إطلاقُ الرازق على غيره تعالى مجازٌ باعتبار أنَّه واسطةٌ في إيصال رزقه تعالى، فهو رازقٌ صورةً، فاستشكل أمرُ التفضيل بأنَّه لا بدَّ من مشاركة المفضَّل للمفضَّل عليه في أصل الفعل حقيقةً لا صورة. وأجاب الآمديُّ بأنَّ المعنى: خيرُ من تسمَّى بهذا الاسم وأطلق عليه حقيقةً أو مجازاً، وهو ضربٌ من عموم المجاز. ﴿وَبَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَميعًا﴾ أي: المستكبرين والمستضعفين، أو الفريقين وما كانوا يعبدون من دون الله عزَّ وجلَّ. و((يوم)) ظرفٌ لمضمرٍ متقدِّم، أي: واذكر يوم، أو متأخر، أي: ويوم نحشرهم جميعاً ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ﴾ إلى آخره، يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال. وظاهرُ العطف بـ ((ثم)) يقتضي أنَّ القولَ للملائكة متراخٍ عن الحشر، وفي الآثار ما يشهدُ له، فقد روي أنَّ الخلقَ بعد أن يُحشَروا يبقون قياماً في الموقف سبع آلاف سنة لا يُكَلَّمون(٣)، حتى يَشفع في فصل القضاء نبيُّنَا وَِّ، فلعلَّه عند ذلك يقول سبحانه وتعالى للملائكة عليهم السلام: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾﴾ تقريعاً للمشركين وتبكيتاً وإقناطاً لهم عمَّا علَّقوا به أطماعَهم الفارغة من شفاعة الملائكة (١) نوادر الأصول ص١٥١، الأصل السادس عشر والمئة، ومعنى: ولا توكٍ فيوكى عليك. قال الفيومي في المصباح المنير (الوكاء): الوكاء: حبل يُشَدُّ به رأس القِرْبة. وأوكيتُ السِّقاء: شددت فمه بالوکاء. (٢) في الأصل و(م): رازق. والتصويب من النسخة النعمانية. (٣) لم نقف عليه. سُوْدَلاَ سَبًا ١٢٤ الآية : ٤١ عليهم السلام؛ لعلمه سبحانه بما تُجيب به على نهج قوله تعالى لعيسى عليه السلام: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ المُخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنٍ﴾ [المائدة: ١١٦]، وتخصيصُهم بالذكر لأنَّهم أشرفُ شركاء المشركين الذين لا كتاب لهم، والصالحون عادةً للخطاب. وعبادتهم مبدأ الشرك بناءً على ما نقل ابنُ الورديِّ في ((تاريخه)) من أنَّ سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب أنَّ عمرو بن لحي مرَّ بقومٍ بالشام، فرآهم يعبدون الأصنام، فسألهم، فقالوا له: هذه أربابٌ نتخذها على شكل الهياكل العلويَّة، فنستنصر بها ونستسقي، فتبعَهم، وأتى بصنم معه إلى الحجاز، وَسَّول للعرب فعبدوه، واستمرَّت عبادةُ الأصنام فيهم إلى أن جاءَ الإسلام، وحدثت عبادةُ عيسى عليه السلام بعد ذلك بزمانٍ كثير. فبظهور قصورهم عن رتبة المعبوديَّة وتنزُّههم عن عبادتهم، يظهر حال سائر الشركاء بطريق الأولوية . و((هؤلاء» مبتدأ، و(كانوا يعبدون)) خبره، و((إياكم)) مفعول ((يعبدون)) قُدِّم للفاصلة، مع أنَّه أهمّ لأمر التقريع. واستدلَّ بتقديمه على جواز تقديم خبر ((كان)) - إذا كان جملةً - عليها، كما ذهب إليه ابن السرَّاج، فإنَّ تقديمَ المعمول مؤذِنٌ بجواز تقديم العامل. وتعقّبه أبو حيان بأنَّ هذه القاعدة ليست مطّردة، ثم قال: والأولى منعُ ذلك، إلّا أن يدلَّ على جوازه سماعٌ من العرب(١). وقرأ جمهور القراء: ((نحشرهم))، ((ثم نقول)) بالنون في الفعلين(٢). ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنَّه قيل: فماذا تقول الملائكة حينئذ؟ فقيل: تقول منزِّهين(٣) عن ذلك: ﴿سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على التحقُّق، أي: أنت الذي نواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم، كأنَّهم بيَّنوا بذلك براءتهم من الرضى بعبادتهم، ثم أضربوا عن ذلك، ونفوا أنَّهم (١) البحر المحيط ٧/ ٢٨٧. (٢) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٥٧/٢. وقرأ حفص ويعقوب بالياء. (٣) كذا في الأصل و(م)، وجاء في تفسير أبي السعود ٥/ ١٣٧ - والكلام منه -: متنزهين. : الآية : ٤٢ ١٢٥ سُورَةُ نُبًا عبدوهم حقيقةً بقولهم: ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ﴾ أي: الشياطين، كما روي عن مجاهد، حيث كانوا يطيعونَهم فيما يسوِّلون(١) لهم من عبادة غير الله تعالى. وقيل: صَوَّرت الشياطينُ لهم صور قومٍ من الجنِّ، وقالوا: هذه صورُ الملائكة فاعبدوها. فعبدوها . وقيل: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عُبِدت فيُعْبَدون بعبادتها . وقيل: أرادوا أنَّهم عبدوا شيئاً تخيَّلوه صادقاً على الجنِّ، لا صادقاً علينا، فهم يعبدونَ الجنَّ حقيقةً دوننا . وقال ابن عطية: يجوزُ أن يكونَ في الأمم الكافرة مَن عَبَد الجنَّ، وفي القرآن آياتٌ يظهر منها أنَّ الجنَّ عُبِدت، في سورة الأنعام وغيرها(٢). ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾﴾ الضمير الثاني للجنِّ، والأول للمشركين، والأكثر على ظاهره؛ لأنَّ من المشركين من لم يؤمن بهم وعبدهم اتِّباعاً لقومه، كأبي طالب، أو الأكثر بمعنى الكلِّ، واختار في ((البحر)) الأولَ؛ لأنَّ كونه بمعنى الكلِّ ليس حقيقةً، وقال: إنَّهم لم يدَّعوا الإحاطة، إذ يكون في الكفار من لم يُطْلِعِ اللهُ تعالى الملائكةَ عليهم السلام عليهم، أو أنَّهم حكموا على الأكثر بإيمانهم بالجنِّ؛ لأنَّ الإيمان من أعمال القلب، فلم يذكروا الاطلاع على عمل جميع قلوبهم؛ لأنَّ ذلك لله عزَّ وجلَّ(٣). وجُوِّزَ أن يكون الضمير الأول للإنس، فالأكثر على ظاهره، أي: غالبهم مصدِّقون أنَّهم آلهة، وقيل: مصدِّقون أنَّهم بنات الله ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبَّ﴾ [الصافات: ١٥٨] وقيل: مصدِّقون أنَّهم ملائكة. ﴿فَلْيَوْمَ لَا يَعْلِكُ بَعْضُكُرْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ من جملة ما يقال للملائكة عليهم السلام عند جوابھم بالتبرُّؤ عمَّا نَسب إلیھم المشركون؛ یخاطبون بذلك على رؤوس (١) في الأصل: يسولوه. (٢) المحرر الوجيز ٤٢٤/٤، والمراد قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُواْ لِتَِّ شُرَّكَةَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمّ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَتٍِ بِغَيْرِ عِلَّمْ﴾ [الآية: ١٠٠]. (٣) البحر المحيط ٢٨٧/٧. ١٢٦ الآية : ٤٢ الأشهاد؛ إظهاراً لعجزهم وقصورهم عن زاعمي عبادتهم، وتنصيصاً على ما يوجب خيبةَ رجائهم بالكلية. وقيل: للكفار، وليس بذاك. والفاء لترتيب الإخبار بما بعدها على جواب الملائكة عليهم السلام، ونسبةُ عدم النفع والضرِّ إلى البعض المبهم للمبالغة فيما هو المقصود، الذي هو بيان عدم نفع الملائكة للعبدَة بنظمه في سلك عدم نفع العبدَة لهم، كأنَّ نفعَ الملائكة لعبدتهم في الاستحالة والانتفاء كنفع العبدة لهم. والتعرُّضُ لعدم الضرِّ - مع أنه لا بحث عنه - لتعميم العجز، أو لحمل عدم النفع على تقدير العبادة، وعدم الضرِّ على تقدير تركها. وقيل: لأنَّ المراد دفعُ الضرِّ، على حذف المضاف. وفيه بُعْدٌ. والمراد بـ ((اليوم)) يوم القيامة، وتقييد الحكم به - مع ثبوته على الإطلاق - لانعقاد رجاء المشركين على تحقّق النفع يومئذٍ. ﴿وَتَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٧﴾ عطفٌ على ((نقول للملائكة)). وقيل: على ((لا يملك)). وتُعقِّبَ بأنَّه ممَّا يقال يوم القيامة خطاباً للملائكة مترتِّباً على جوابهم المحكي، وهذا حكايةٌ لرسول الله وَِّ لمَا سيقال للعبدة يومئذٍ إثرَ حكاية ما سيقال للملائكة عليهم السلام. وأجيب بأنَّ ذلك ليس بمانعٍ. فتدبر. ووقع الموصول هنا وصفاً للمضاف إليه، وفي ((السجدة)) في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ [الآية: ٢٠] صفة للمضاف، فقال أبو حيان: لأنَّهم ثمت كانوا ملابسين للعذاب، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَرَدُواْ أَنْ يَخْرُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] فوصف لهم ثمت ما لابَسوه، وهنا لم يكونوا ملابسين له، بل ذلك أول ما رأوا النار عقب الحشر، فوصف لهم ما عاينوه (١). وكون الموصول هنا نعتاً للمضاف على أنَّ تأنيثَه مكتسَبٌ لتتحد الآيتان = تكلُّفٌ سمج. (١) البحر المحيط ٧/ ٢٨٧. الآية : ٤٣ - ٤٤ ١٢٧ سُورَلاَ شَبًا ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَِّاتٍ﴾ بيانٌ لبعضٍ آخر من كفرهم، أي: إذا تتلى عليهم بلسان الرسول - * آياتنا الناطقةُ بحقِّيَّة التوحيد وبطلان الشرك ﴿قَالُواْ مَا هَذَا﴾ يعنون رسولَ اللهِ وَّ التالي للآيات، والإشارةُ للتحقير - قائلَهم الله تعالى - ﴿إِلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُرْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ◌َبَآؤُّكُمْ﴾ فيجعلَكم من أتباعه من غير أن يكون له دينٌ إلهيٍّ، وإضافة الآباء إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم؛ لتحريك عِرْق العصبيَّة منهم، مبالغةً في تقريرهم على الشرك، وتنفيرهم عن التوحيد. ﴿وَقَالُواْ مَا هَذَا﴾ يعنونَ القرآن المتلوَّ، والإشارةُ كالإشارة السابقة ﴿إِلَّ إِنٌَّ﴾ أي: كلامٌ مصروفٌ عن وجهه، لا مصداق له في الواقع ﴿مُفْتَى﴾ بإسناده إلى الله عز وجل. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ﴾ أي: لأمر النبوّة التي معها من خوارق العادة ما معها، أو للإسلام المفرِّق بين المرء وزوجه وولده، أو القرآن الذي تتأثَّر به النفوس، على أنَّ العطف لاختلاف العنوان، بأنْ يُرَاد بالأول معناه، وبالثاني نظمُه المعجز ﴿لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ من غير تدبُّرٍ ولا تأمُّل فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ ظاهرٌ سحريَّته. وفي ذكر ((قال)) ثانياً، والتصريح بذكر الكفرة، وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه(١)، وما في ((لمَّا)) من المسارعة إلى البتِّ بهذا القول الباطل = إنكارٌ عظيمٌ له وتعجيب(٢) بليغٌ منه. وجُوِّزَ أن تكون كلُّ جملةٍ صدرت من قومٍ من الكفرة. ﴿وَمَآ ءَانَيْنَهُم﴾ أي: أهل مكَّة ﴿مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ تقتضي صحَّة الإشراك ليعذروا فيه، فهو كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] وقوله سبحانه: ﴿أَمَّ ◌َانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] وإلى هذا ذهب ابن زيد. (١) قوله: وما في اللامين ... ، يعني به مجيء القائلين والمقول فيه معرَّفين، الأول - وهو ((الذين كفروا)) - بالموصولية، والثاني - وهو ((للحق)) - بأل العهدية المساوية للموصولية في العهد، فلذا قال: في اللامين، تغليباً. حاشية الشهاب ٢٠٩/٧. (٢) في الأصل و(م): وتعجب، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٠٦/٧، وتفسير أبي السعود ١٣٨/٧ . الآية : ٤٤ ١٢٨ وقال السُّدّيّ: المعنى: ما آتيناهم كتباً يدرسونها فيعلموا بدراستها بطلانَ ما جئتَ به. ويرجعُ إلى الأول، والمقصود نفي أن يكون لهم دليلٌ على صحّة ما هم عليه من الشرك. و((من)) صلة، وجمع الكتب إشارة ــ على ما قيل - إلى أنَّه لشدَّة بطلانه واستحالة إثباتهِ بدليلٍ سمعيٍّ أو عقليٍّ يحتاج إلى تكرُّر الأدلة وقوَّتها، فكيف يُدَّعى ما تواترت الأدلَّة النّيِّرة على خلافه. وقرأ أبو حيوة: (يَدَّرِسُونَها)) بفتح الدال وشدِّها وكسر الراء (١)، مضارع ادَّرس افتعل من الدرس، ومعناه: يتدارسونها، وعنه أيضاً: ((يُدَرِّسونها)) من التدريس(٢)، وهو تكرير الدرس، أو من دَرَسَ الكتاب مخففاً، ودَرَّس الكتب - مشدّداً - التضعيفُ فيه باعتبار الجمع. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ ﴾﴾ أي: وما أرسلنا إليهم قبلَك نذيراً يدعوهم إلی الشرك، وینذرهم بالعقاب علی ترکه، وقد بان من قبلُ أنْ لا وجه له بوجهٍ من الوجوه، فمن أين ذهبوا هذا المذهب الزائغ؟! وفيه من التهكم والتجهيل ما لا يخفى. ويجوزُ أن يراد أنَّهم أمُّّون كانوا في فترةٍ، لا عذرَ لهم في الشرك، ولا في عدم الاستجابة لك، كأهل الكتاب الذين لهم كتبٌ ودينٌ يأبون تركَه ويحتجُّون على عدم المتابعة بأنَّ نبيَّهم حذَّرهم تركَ دينه، مع أنَّ بيِّنُ البطلان؛ لثبوت أمرٍ من قبله باتِّباعه وتبشیر الکتب به. وذكر ابنُ عطية أنَّ الأرضَ لم تخلُ من داعٍ إلى توحيد الله تعالى، فالمراد نفي إرسال نذيرٍ يختصُّ بهؤلاء ويشافههم، وقد كان عند العرب كثيرٌ من نذارة إسماعيلَ عليه السلام، والله تعالى يقول: ﴿إِنَُّ، كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا﴾ [مريم: ٥٤] ولكن لم يتجرَّد للنذارة وقاتلَ عليها إلَّا محمَّدٌ ◌َِ(٣). اهـ. (١) المحتسب ١٩٥/٢، والمحرر الوجيز ٤٢٤/٥، والبحر المحيط ٢٨٩/٧. (٢) البحر المحيط ٢٨٩/٧. (٣) المحرر الوجيز ٤٢٤/٤. الآية : ٤٥ ١٢٩ ثمَّ إِنَّه تعالى هدَّدهم بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَّلِهِمْ﴾ من الأمم المتقدِّمة والقرون الخالية بما كذَّبوا ﴿وَمَا بَلَغُواْ﴾ أي: أهل مكَّة ﴿مِعْشَارَ﴾ أي: عشر ﴿مَآ ءَنْيْنَهُمْ﴾ وقال قومٌ: المعشار: عُشْرُ العشر، ولم يرتضه ابنُ عطيَّةَ(١). وقال الماورديُّ(٢): المراد المبالغة في التقليل، أي: ما بلغوا أقلَّ قليلٍ ممَّا آتينا أولئك المكذِّبين من طول الأعمار وقوة الأجسام وكثرة الأموال. ﴿فَكَذَّبُواْ﴾ أي: أولئك المكذِّبون ﴿رُسُلِىٌ﴾ الذين أرسلتُهم إليهم ﴿فَكَفَ كَانَ تَكِبرِ ﴾﴾ أي: إنكاري لهم بالتدمير، فليحذر هؤلاء من مثل ذلك. والفاء الأولى سبيّة، و((كذب)) الأول تَنزَّلَ(٣) منزلةَ اللازم، أي: فعل الذين من قبلهم التكذيبَ وأقدموا عليه، ونظيرُ ذلك أن يقول القائل: أَقْدَمَ فلانٌ على الكفر، فكفر بمحمدٍ وَ﴾. ومن هنا قالوا: إنَّ ((كذبوا رسلي)) عطفٌ على ((كذب الذين)) عطفَ المقيَّد على المطلق، وهو تفسيرُ معنّى، و((ما بَلَغوا)) اعتراض، والفاء الثانية فصیحةٌ، فيكون المعنى: فحین کذَّبوا رسلي جاءهم إنکاري بالتدمیر، فکیف کان نكيري لهم. وجعل التدمير إنكاراً تنزيلاً للفعل منزلة القول، كما في قوله: ونَشْتمُ بالأفعال لا بالتكلُّمِ(٤) أو على نحو: تحيةُ بَيْنِهِم ضربٌ وجيعُ(٥ وجَوَّز بعضُهم أن تكون صيغة التفعيل في: ((كذب الذين)) للتكثير، وفي ((كذبوا)) للتعدية، والمكذِّب فيهما واحد، أي أنَّهم أكثروا الكذب وأَلِفُوه فصار سجيَّةً لهم، حتى اجترؤوا على تكذيب الرسل، وعلى الوجهين لا تكرار. (١) في المحرر الوجيز ٤٢٤/٤. (٢) في النكت والعيون ٤/ ٤٥٥ . (٣) لفظة: تنزل. من (م)، وليست في الأصل. (٤) عجز بيت لمعبد بن علقمة، وسلف ٢٧٦/٧. (٥) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب، وسلف ٥/ ٦٤ . الآية : ٤٦ ١٣٠ وجُوِّز أن يكون (كذَّبوا رسلي)) منعطفاً على ((ما بَلَغوا)) من تتمَّة الاعتراض، والضمير لأهل مّة، يعني هؤلاء لم يبلغوا معشار ما آتينا أولئك المكذِّبين الأوَّلين، وفضَلوهم في التكذيب؛ لأنَّ تكذيبَهم لخاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام . تكذيبٌ لجميع الرسل عليهم السلام من وجهين، وعليه لا يُتَوَهَّم تكرارٌ كما لا يخفى. وكون جملة ((ما بَلَغوا)) معترضةً هو الظاهر، وجعلُ ((وكذب الذين من قبلهم)) تمهيداً؛ لئلا تكون تلك الجملة كذلك، يدفعه: ((فكيف كان نكير»؛ لأنَّ معناه للمكذِّبين الأولين ألبتة، فلا التئام دون القول بكونها معترضة. وإرجاع ضمير ((بَلَغوا)) إلى أهل مكَّة، والضمير المنصوب في ((آتيناهم)) إلى ((الذين من قبلهم))، وبيان الموصول بما سمعت، هو المرويُّ عن ابن عباس وقتادة وابن زید. وقيل: الضمير الأول للذين من قبلهم، والضمير الثاني لأهل مكّة، أي: وما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى. وقيل: الضميران للذين من قبلهم، أي: كذبوا وما بلغوا في شكر النعمة ومقابلة المنَّة عشر ما آتيناهم من النعم والإحسان إليهم. واستظهر ذلك أبو حيان معلِّلاً له بتناسق الضمائر، حيث جعل ضمير ((فكذبوا)) للذين من قبلهم(١)، فلا تغفل. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِفُكُمْ بِوَحِدَةٍ﴾ أي: ما أرشدكم وأنصح لكم إلَّا بخصلةٍ واحدةٍ، وهي - على ما قال قتادة - ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ على أنَّه في تأويل مصدر بدلٌ منها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي قيامكم، أو مفعولٌ لفعلٍ محذوف، أي: أعني قيامكم. (١) البحر المحيط ٢٨٩/٧- ٢٩٠. الآية : ٤٦ ١٣١ وجَوَّز الزمخشريُّ كونَه عطف بيان لـ ((واحدة))(١). واعترض بأن ((أن تقوموا)) معرفة؛ لتقديره بـ : قيامكم، وعطف البيان يشترطُ فيه عند البصريين أن يكون معرفةٌ من معرفة، وهو عند الكوفيين يتبعُ ما قبلَه في التعريف والتنكير، والتخالف ممَّا لم یذهب إليه ذاهب. والظاهر أنَّ الزمخشريَّ ذاهبٌ إلى جواز التخالف، وقد صرَّح ابنُ مالك في ((التسهيل)) بنسبة ذلك إليه(٢)، وهو من مجتهدي علماء العربية، وجُوِّزَ أن يكون قد عبَّر بعطف البيان وأراد البدل لتآخيهما، وهذا إمام الصناعة سيبويه يسمِّي التوكيدَ صفةً، وعطفَ البيان صفةً(٣)، ثمَّ إنَّ كون المصدر المسبوك معرفةً أو مؤوَّلاً بها دائماً غيرُ مسلّم. والقيام مجازٌ عن الجدِّ والاجتهاد. وقيل: هو على حقيقته، والمراد القيام عن مجلس رسول الله وَل﴾. وليس بذاك، وقد رُوي نفيُ إرادته عن ابن جريج. أي: إن تجدُّوا وتجتهدوا في الأمر بإخلاص لوجه الله تعالى ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي: متفرِّقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإنَّ في الازدحام على الأغلب تهويشَ الخاطر، والمنعَ من الفكر، وتخليطَ الكلام، وقلَّة الإنصاف(٤)، كما هو مشاهدٌ في الدروس التي يجتمعُ فيها الجماعة، فإنَّه لا يكاد يوقف فيها على تحقيق. وفي تقديم ((مثنى)) إيذانٌ بأنَّه أوثق وأقرب إلى الاطمئنان. وفي (البحر))(٥): قدّم لأنَّ طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرةٍ واحدةٍ، فإذا انقدحَ الحقُّ بين الاثنين فكّر كلُّ واحدٍ منهما بعد ذلك، فيزيدُ بصيرةً، وشاع الفتح بين الاثنین. (١) الكشاف ٣/ ٢٩٤. (٢) التسهيل ص ١٧٥، وشرحه لابن مالك ٣٢٦/٣. (٣) انظر الأول في الكتاب ٣٥١/٢، ٣٥٩، ٣٧٨، ٣٧٩، ٣٨١، ٣٨٥، ٣٩١، والثاني فيه ١٩٢/٢. (٤) في الأصل: الإنصات. والمثبت من (م) والبحر ٢٩٠/٧. (٥) ٢٩١/٧. سُورَةُ نَها ١٣٢ الآية : ٤٦ ﴿ثُمَّ ثَنَّفَكَّرُواْ﴾ في أمرِهِ وَّهِ وما جاء به لتعلموا حقِّيَّته. والوقف عند أبي حاتم هنا، وقوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُ مِّنْ جِنَّةٍ﴾ استئنافٌ مسوقٌ من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمُّل؛ بأنَّ مثل هذا الأمر العظيم الذي تحتَه ملكُ الدنيا والآخرة لا يتصدَّى لادّعائه إلَّ مجنونٌ لا يبالي بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان، وظهور عجزه، أو مؤيَّدٌ من عند الله تعالى، مرشَحٌ للنبوَّة، واثقٌ بحجّته وبرهانه، وإذ قد علمتم أنَّه عليه الصلاة والسلام أرجحُ الناس عقلاً، وأصدقُهم قولاً، وأزكاهم نفساً، وأفضلُهم علماً، وأحسنُهم عملاً، وأجمعُهم للكمالات البشرية = وجبَ أنْ تصدِّقوه في دعواه، فكيف وقد انضمَّ إلى ذلك معجزاتٌ تخرُّ لها صمُّ الجبال. والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بـ ((صاحبكم)) للإيماء إلى أنَّ حاله وَلِّ مشهورٌ بينهم؛ لأنَّه نشأ بين أظهرهم معروفاً بما ذكرنا . وجُوِّزَ أن يكون متعلِّقاً بما قبله، والوقفُ على ((جِنَّة)) على أنَّه معمولٌ(١) لفعل: علم، مقدَّر لدلالة التفكّر عليه؛ لكونه طريق العلم، أي: ((ثم تتفكروا)) فتعلموا (ما بصاحبكم من جِنَّة)). أو معمولٌ لـ ((تتفكّروا)) على أنَّ التفكّر مجازٌ عن العلم، أو معمول له بدون ارتكاب تجوُّزٍ؛ بناءً على ما ذهب إليه ابنُ مالك في ((التسهيل)) من أنَّ ((تفكّر)» یعلَّق حملاً على أفعال القلوب(٢). وجُوِّزَ أن يكون هناك تضمينٌ، أي: ثمَّ تتفكروا عالمين ما بصاحبكم من جِنَّة. وقال ابن عطية(٣): هو عند سيبويه جوابُ ما ينزل منزلةَ القسم؛ لأنَّ ((تفكّر)) من الأفعال التي تعطي التمييز(٤) كـ ((تبيَّن))، وتكون الفكرة على هذا في آيات الله تعالى والإيمان به. اهـ. وهو كما ترى. و((ما)) مطلقاً نافية، والباء بمعنى ((في))، و((من)) صلة. (١) في (م): مفعول. (٢) شرح التسهيل لابن مالك ٨٩/٢. (٣) في المحرر الوجيز ٤٢٥/٤، وذكره عنه أيضاً أبو حيان في البحر ٧/ ٢٩١. (٤) في المحرر الوجيز: التي تعطي التحقيق، والمذكور موافق لما في البحر. الآية : ٤٧ ١٣٣ سُوَالأُ سَبًا وقيل: ((ما)) للاستفهام الإنكاريّ، و((من)) بيانيَّة، وجُوِّزَ أنْ تكون صلةً أيضاً. وفيه تطويلُ المسافة، وطيُّها أولى. ﴾﴾ هو عذابُ الآخرة، فإِنَّه وَهُ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ : مبعوثٌ في نَسَم الساعة(١)، وجاء: ((بعثتُ أنا والساعة كهاتين))، وضمَّ عليه الصلاة والسلام الوسطى والسبابة على المشهور(٢). ﴿قُلْ مَا سَأَلْئُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: مهما سألتكم من نفعٍ على تبليغ الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمراد نفيُ السؤال رأساً، كقولك لصاحبك: إن أعطيتني شيئاً فخذه. وأنت تعلمُ أنَّه لم يعطِك شيئاً. فـ (ما)) شرطية مفعول ((سألتكم))، وهو المرويُّ عن قتادة. وقيل: هي موصولة، والعائد محذوف، و((من)) للبيان، ودخلت الفاء في الخبر لتضمّنها معنى الشرط، أي: الذي سألتكموه من الأجر فهو لكم وثمرته تعودُ إليكم، وهو - على ما روي عن ابن عباس رضيًّا - إشارةٌ إلى المودَّة في القربى في قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْتَلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] وكونُ ذلك لهم على القول بأنَّ المراد بالقربى قرباهم ظاهر، وأما على القول بأنَّ المراد بها قرباه عليه الصلاة والسلام، فلأنَّ قرباه وَّر قرباهم أيضاً، أو هو إشارةٌ إلى ذلك وإلى ما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَيِّهِ، سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٥٧] وظاهرٌ أنَّ اتخاذ السبيل إليه تعالى منفعتُهم الكبرى. وجوز كون ((ما)) نافيةً، و((من)) صلة، وقوله سبحانه: ((فهو لكم)) جواب شرط مقدَّر، أي: فإذا لم أسألكم فهو لكم. وهو خلافُ الظاهر. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ يؤيِّدُ إرادةَ نفي السؤال رأساً. (١) يشير إلى حديث أبي جبيرة ظ ◌ُبه مرفوعاً: ((بعثتُ في نسم الساعة)) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٠٩ : أخرجه البزار بإسناد حسن من حديث أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، وأخرجه الحسن بن سفيان، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية [٤/ ١٦١]. ومعنى: نَسَم الساعة. هو من النسيم أول هبوب الريح الضعيفة، أي: بُعثت في أول أشراط الساعة. النهاية (نسم). (٢) سلف عند تفسير الآية (١٨٧) من سورة الأعراف. سُورَلاَ سَبًا ١٣٤ الآية : ٤٨ وقُرئ: ((إن أجريْ)) بسكون الياء(١). ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾﴾ أي: مُطَّلِعٌ، فيعلم سبحانه صدقي وخلوصَ نيَّتِّي. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِالِْ﴾ قال السُّدِّيُّ وقتادة: بالوحي، وفي روايةٍ أخرى عن قتادة: بالقرآن، والمآلُ واحد. وأصلُ القذف: الرميُّ بدفع شديدٍ، وهو هنا مجازٌ عن الإلقاء. والباء زائدة، أي: إنَّ ربي يلقي الوحي وينزلُه على قلب من يَجتبيه من عباده سبحانه. وقيل: القذف مُضَمَّنٌ معنى الرمي، فالباء ليست زائدة. وجُوِّز أن يراد بالحقِّ مقابل الباطل، والباء للملابسة، والمقذوف محذوف، والمعنى: إنَّ ربِّي يلقي ما يلقي إلى أنبيائه عليهم السلام من الوحي بالحقِّ لا بالباطل. وعن ابن عباس: إنَّ المعنى يقذف الباطلَ بالحقِّ، أي: يورده عليه حتى يبطلَه عزَّ وجلَّ ويزيلَه، والحقُّ مقابل الباطل، والباء مثلها في قولك: قتلته بالضرب. وفي الكلام استعارةٌ مصرّحةٌ تبعيّة، والمستعار منه حسِّيٍّ، والمستعار له عقليّ. وجُوِّزَ أن تكون الاستعارة مكنيَّة. وقيل: المعنى: يرمي بالحقِّ إلى أقطار الآفاق، على أنَّ ذلك مجازٌ عن إشاعته، فيكون الكلام وعداً بإظهار الإسلام وإفشائه. وفيه من الاستعارة ما فيه. خبرٌ ثانٍ، أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو سبحانه علَّامُ ﴿عَلَّمُ الْغُبِ هَـ الغيوب، أو صفةٌ محمولةٌ على محلٌّ ((إنَّ) مع اسمها، كما جوَّزهُ الكثير من النحاة، وإنْ منعَه سيبويه، أو بدلٌ من ضمير ((يقذف))، ولا يلزم خلوُّ جملة الخبر من العائد؛ لأنَّ المبدل منه ليس في نيَّة الطرح من كلِّ الوجوه. وقال الكسائيُّ: هو نعتٌ لذلك الضمير، ومذهبُه جوازُ نعت المضمر الغائب. (١) هي قراءة شعبة عن عاصم، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، ويعقوب وخلف. انظر التيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٥١/٢. الآية : ٤٩ ١٣٥ سُورَلٌ سَبًا وقرأ عيسى وزيدُ بن عليٍّ وابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة وأبو حيوة وحرب عن طلحة: ((عَلَّمَ)) بالنصب(١)، فقال الزمخشريُّ: صفة لـ ((ربِّي))(٢). وقال أبو الفضل الرازي وابن عطية(٣): بدل. وقال الحوفي: بدلٌ أو صفة. وقيل: نصب على المدح. وقرأ ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائيُّ: ((الغِيوب)) بالكسر كالبيوت، والباقون بالضم كالعشور، وهو فيهما جمع (٤). وقرئ بالفتح كصبور على أنه مفرد للمبالغة (٥). ﴿قُلْ جَآءَ الَْقُّ﴾ أي: الإسلامُ والتوحيد، أو القرآن. وقيل: السيف؛ لأنَّ ظهورَ الحقِّ به. وهو كما ترى. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ﴾ أي: الكفر والشرك ﴿وَمَا يُعِيدُ ﴾﴾ أي: ذهبَ واضمحلّ بحيثُ لم يبقَ له أثرٌ، مأخوذٌ من هلاك الحيّ، فإنَّه إذا هلك لم يبق له إبداءٌ، أي: فعلُ أمرٍ ابتداءً، ولا إعادة، أي: فِعْلُه ثانياً، كما يقال: لا يأكل ولا يشرب، أي: ميت، فالكلام كنايةٌ عما ذكر، أو مجازٌ متفرٌِّ على الكناية، وأنشدوا لعبيدٍ بن الأبرص: فاليوم لا يبدي ولا يعيدُ(٦) - - أقفرَ من أهله عبيدُ (١) البحر المحيط ٢٩٢/٧. وهي في القراءات الشاذة ص ١٢٢، والمحرر الوجيز ٤٢٥/٤ عن عيسى وابن أبي إسحاق. (٢) الكشاف ٢٩٥/٣. (٣) في المحرر الوجيز ٤٢٥/٤، والكلام من البحر ٢٩٢/٧. (٤) قراءة أبي بكر وحمزة في التيسير ص ١٠١، والنشر ٢٢٦/٢. وقراءة الكسائي وابن ذكوان المتواترة عنهما كقراءة الجمهور. (٥) انظر الكشاف ٢٩٥/٣، وتفسير القرطبي ٣٣٢/١٧، والبحر المحيط ٢٩٢/٧. (٦) البيت في الأغاني ٨٨/٢٢ وفيه: فليس يبدي ولا يعيد وذكر محققه أن في بعض النسخ: فاليوم لا يبدي ولا يعيد سُوْلَا نَبًا ١٣٦ الآية : ٥٠ وقال جماعةٌ: الباطل: إبليس، وإطلاقه عليه لأنه مبدؤه ومنشؤه، ولا كناية في الكلام عليه، والمعنى: لا ينشئ خلقاً ولا يعيد، أو: لا يُبْدِئُ خيراً لأهله ولا يعيد، أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقيل: هو الصنم، والمعنى ما سمعت. وعن أبي سليمان أنَّ المعنى: إنَّ الصنمَ لا يبتدئ من عنده كلاماً فيجاب، ولا يردُّ ما جاء من الحقِّ بحجّة. و ((ما)) على جميع ذلك نافية، وقيل: هي على ما عدا القول الأوَّل للاستفهام الإنكاريّ، منتصبةٌ بما بعدها، أي: أيَّ شيءٍ يبدئ الباطل، وأيَّ شيء يعيد؟ وماله النفي. والكلام مجُوِّزَ أن يكون تكميلاً لما تقدَّم، وأن يكون من باب العكس والطرد، وأن يكون تذييلاً مقرِّراً لذلك، فتأمل. ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ عن الحقِّ ﴿فَإِنََّا أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌ﴾ أي: عائداً ضررُ ذلك ووباله عليها، فإنَّها الكاسبةُ للشرور والأمَّارةُ بالسوء ﴿وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ﴾ إلى الحقِّ ﴿فَبِمَا يُوجِىّ إِلَّ رَبٍِّ﴾ فإنَّ الاهتداءَ بهدايته تعالى وتوفيقه عزَّ وجلَّ. و ((ما)) موصولةٌ أو مصدريَّة، وكان الظاهر: وإن اهتديتُ فلها، كقوله تعالى: ﴿مِّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، أو: إن ضللتُ فإنما أضلُّ بنفسي، ليظهر التقابل، لكنَّه عدلَ عن ذلك اكتفاءً بالتقابل بحسب المعنى؛ لأنَّ الكلام عليه أجمع، فإنَّ كلَّ ضررٍ فهو من النفس وبسببها، وعليها وبالُه. وقد دلَّ لفظُ ((على)) في القرينة الأولى على معنى اللام في الثانية، والباء في الثانية على معنى السببيَّة في الأولى، فكأنَّه قيل: قل: إنْ ضللتُ فإنما أضلُّ بسبب نفسي على نفسي، وإن اهتديتُ فإنَّما اهتدي لنفسي بهداية الله تعالى وتوفيقه سبحانه. وعبَّر عن هذا بـ ((ما يوحي إليَّ ربي)) لأنه لازمه. = ثم قال: والرواية التي معنا أصوب، لأن الأبيات من مخلع البسيط، أما المصراع الوارد في تلك النسخ فمن الرجز. اهـ. وأورده البغدادي في الخزانة ١١٨/٢ بمثل رواية المصنف. الآية : ٥١ ١٣٧ سُوالانبياء وجَعْلُ ((على)) للتعليل - وإن ظهر عليه التقابل - ارتكابٌ لخلاف الظاهر من غير نكتة. وجُوِّزَ أن يكون معنى القرينة الأولى: قل إن ضللتُ فإنَّما أضلُّ عليَّ لا على غيري. ولا يظهرُ عليه أمر التقابل مطلقاً . والحكم - على ما قال الزمخشريُّ(١) - عامٌّ، وإنما أمر ◌َِّ أنْ يسندَه إلى نفسه؛ لأنَّ الرسولَ إذا دخل تحته مع جلالة محلّه وسداد طريقته، كان غيره أولى به. وقال الإمام: أي: إن ضلال نفسي كضلالكم؛ لأنه صادرٌ من نفسي ووباله عليها، وأما اهتدائي فليس كاهتدائكم بالنظر والاستدلال، وإنمَّا هو بالوحي المنير(٢). فيكون مجموع الحکمین عنده مختصًّا به عليه الصلاة والسلام، وفيما ذكره دلالة - على ما قال الطيبي - على أنَّ دليل النقل أعلى وأفحم(٣) من دليل العقل. وفيه بحث. وقرأ الحسن وابن وثَّاب وعبد الرحمن المقري: ((ضَلِلت)) بكسر اللام، و (أضَلُّ)) بفتح الضاد، وهي لغة تميم. وكسر عبد الرحمن همزة ((إِضل))(٤). وقُرئ: ((رَبِّيَ)) بفتح الياء(٥) . ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾﴾ فلا يخفى عليه سبحانه قولُ كلٍّ من المهتدي والضالّ وفعلُه، وإنْ بالغَ في إخفائهما، فيجازِي كلّاً بما يليق به(٦). ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ فَزِعُواْ﴾ أي: اعتراهم انقباضٌ ونِفَارٌ من الأمر المهول المخيف. والخطاب في ((ترى)) للنبيِّ وَِّ، أو لكلِّ من تصحُّ منه الرؤية. ومفعول ((ترى)) محذوفٌ، أي: الكفار، أو فزعَهم، أو هو ((إذا على التجوُّز، (١) في الكشاف ٢٩٦/٣. (٢) تفسير الرازي ٢٧١/٢٥ . (٣) في (م): وأفخم. (٤) البحر المحيط ٧/ ٢٩٢. (٥) هي قراءة أبي عمرو ونافع وأبي جعفر. انظر التيسير ص ١٨٢، والنشر ٣٥١/٢. (٦) لفظة: به. ليست في (م). الآية : ٥١ ١٣٨ إذ المراد برؤية الزمان رؤيةُ ما فيه، أو هو متروٌ؛ لتنزيل الفعل منزلةَ اللازم، أي: لو تقع منك رؤية، وجواب ((لو)) محذوف، أي: لرأيتَ أمراً هائلاً. وهذا الفزع - على ما أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد - يومَ القيامة(١)، والظاهرُ عليه أنَّه فزعُ البعث، وهو مرويٌّ عن الحسن. وأخرج ابنُ المنذر وغيره عن قتادة أنَّه في الدنيا عند الموت، حين عاينوا الملائكةَ عليهم السلام(٢) . وأخرج عبد بن حميد عن الضخَّاك أنَّه يومُ بدر(٣). فقيل: هو فزع الحرب. وعن السُّدِّيِّ وابن زيد: فزع ضرب أعناقهم ومعاينة العذاب. وقيل: في آخر الزمان حين يظهر المهدي ويَبعث إلى السفيانيِّ جنداً فيهزمهم، ثم يسير السفيانيُّ إليه، حتى إذا كان ببيداء من الأرض خُسِف به وبمن معه، فلا ينجو منهم إلَّا المخبر عنهم، فالفزعُ فزع ما يصيبهم يومئذٍ. ﴿فَلَا فَوْنَ﴾ فلا يفوتون اللهَ عزَّ وجلَّ بهربٍ أو نحوه عمَّا يريد سبحانه بهم. ﴿وَأُخِذُواْ مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾﴾ من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إذا خُسِف بهم. والمراد بذكر قرب المكان سرعةُ نزول العذاب بهم، والاستهانة بهم وبهلاكهم، وإلَّا فلا قرب ولا بُعْدَ بالنسبة إلى الله عزَّ وجلَّ. والجملة عطفٌ على (فَزعوا)) على ما ذهب إليه جماعة، قال في ((الكشف)): وكأنَّ فائدة التأخير أنْ يقدّر: فلا فوت، ثانياً؛ إمَّا تأكيداً، وإما أنَّ أحدهما غير الآخر تنبيهاً على أنَّ عدمَ الفوت سببٌ للأخذ، وأنَّ الأخذ سببٌ لتحقُّقه وجوداً. وفيه مبالغة حسنة. (١) الدر المنثور ٢٤٠/٥. (٢) الدر المنثور ٢٤٠/٥، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم أيضاً. وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٣٣ . (٣) الدر المنثور ٢٤٠/٥. الآية : ٥٢ ١٣٩ وقيل: على ((لا فوت)) على معنى: فلم يفوتوا وأخذوا، واختاره ابن جنِّي معترضاً على ما تقدَّمَ بأنَّه لا يراد: ولو ترى وقتَ فزعهم وأخذِهم، وإنما المراد: ولو ترى إذ فزعوا ولم يفوتوا وأخذوا(١). وبما نُقل عن ((الكشف)) يتحصَّل الجواب عنه . وجُوِّزَ كونها حالاً من فاعل ((فَزعوا))، أو من خبر ((لا)) المقدَّر، وهو ((لهم))، بتقدیر ((قد)) أو بدونه. والفاء في ((فلا فوت)) قيل: إنْ كانت سببيَّةً فهي داخلةٌ على المسبّب؛ لأنَّ عدمَ فوتهم من فزعهم وتحيُّرهم، وإنْ كانت تعليليَّة فهي تدخل على السبب؛ لترتُّب ذكره على ذكر المسبّب، وإذا عطف ((أخذوا)) عليه أو جعل حالاً من الخبر يكون هو المقصود بالتفريع. وقرأ عبد الرحمن مولى بني هاشم عن أبيه وطلحة: ((فلا فوتٌ وأخذٌ)) مصدرين منوَّنين(٢). وقرأ أبيّ: ((فلا فوتَ)) مبنياً، و((أخذٌ)) مصدراً منوَّناً (٣). وإذا رفع ((أخذ)) كان خبرَ مبتدأ محذوف، أي: وحالهم أخذٌّ، أو مبتدأٌ خبره محذوف، أي: وهناك أخذٌ، وإلى ذلك ذهب أبو حيان(٤)، وقال الزمخشريُّ: قرئ «وأخذٌ» بالرفع، على أنَّه معطوفٌ على محلِّ ((لا فوت))، ومعناه: فلا فوت هناك وهناك أخذ(٥). ﴿وَقَالُوَاْ ءَمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالله عزَّ وجلَّ، على ما أخرجه جمعٌ عن مجاهد(٦). (١) المحتسب ١٩٦/٢. (٢) البحر المحيط ٢٩٣/٧، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢٢ عن عبد الرحمن فقط . (٣) البحر المحيط ٢٩٣/٧. (٤) في البحر ٢٩٣/٧. (٥) الكشاف ٢٩٦/٣. (٦) الدر المنثور ٢٤١/٥ وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣١٤/١٩. سُوَلاَ لَكَبًا ١٤٠ الآية : ٥٢ وقالت فرقة: أي: بمحمد بَّهِ، وقد مرَّ ذكره في قوله سبحانه: ﴿مَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وقيل: الضمير للعذاب. وقيل: للبعث. ورُجِّحَ رجوعه إلى محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ الإيمان به وَّهِ شاملٌ للإيمان بالله عزَّ وجلَّ وبما ذُكر من العذاب والبعث. ﴿وَأَّ لَمُمُ التَّنَاؤُشُ﴾ التناوش: التناول، كما قال الراغب (١)، ورويّ عن مجاهد. وقال الزمخشريُّ: هو تناولٌ سهلٌ لشيءٍ قريب، يقال: ناشَهُ يَنُوشُه، وتَنَاوشَه القومُ، وتناوشوا في الحرب: ناش بعضُهم بعضاً بالسلاح(٢). وقال الراجز: فهي تنوشُ الحوضَ نوشاً من عَلَا نوشاً به تَقْطَعُ أجوازَ الفلا(٣) وإبقاؤه على عمومه أولى، أي: من أين لهم أن يتناولوا الإيمان ﴿مِن تَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ فإنَّه في حيِّز التكليف، وهم منه بمعزلٍ بعيد. ونقل في ((البحر)) (٤) عن ابن عباس تفسير ((التناوش)) بالرجوع، أي: من أين لهم الرجوعُ إلى الدنيا، وأنشد ابن الأنباريّ: (١) في المفردات (نوش). (٢) الكشاف ٢٩٦/٣. (٣) هو في مجاز القرآن ٢/ ١٥٠ (البيت الأول منه)، ولسان العرب (نوش) منسوباً لغيلان بن حريث. ونسب في الصحاح ولسان العرب (علا) لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص٢١٠. وورد دون نسبة في معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٥، وإصلاح المنطق ص ٢٦٦، وأدب الكاتب ص ٥٠٣، والكامل ١٤٣٣/٣، وتفسير الطبري ٣١٥/١٩-٣١٦، والمنصف لابن جني ١٢٤/١. وقال البطيلوسي في الاقتضاب ص ٤٢٧: لا أعلم لمن هذا الرجز. وذكر سيبويه البيت الأول منه في الكتاب ٤٥٣/٣. قال البغدادي في خزانة الأدب ٤٣٩/٩: وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعلم قائلها . (٤) ٢٩٣/٧.