النص المفهرس

صفحات 61-80

الآية : ١٥
٦١
سُورَةٌ لَكَبًا
والمسكن اسم مكان، أي: في محلِّ سكناهم، وهو كالدار يطلَقُ على المأوى
للجميع، وإن كان قطراً واسعاً، كما تسمى الدنيا داراً.
وقال أبو حيَّان: ينبغي أن يحمل على المصدر، أي: في سكناهم؛ لأن كلَّ
أحدٍ له مسكنٌ، وقد أُفرد في هذه القراءة، وجَعْلُ المفردِ بمعنى الجمع، كما في
قوله :
كُلوا في بعض بطنكم تَعِفُّوا (١)
و قوله :
قد عضَّ أعناقَهم جلدُ الجواميسِ(٢)
يختصُ بالضرورة عند سيبويه(٣). انتهى(٤).
وبما ذكرنا لا تبقى حاجة إليه كما لا يخفى.
واسم ذلك المكان مَأْرِب، كمنزل، وهي من بلاد اليمن، بينها وبين صنعاء
مسیرةُ ثلاث.
وقرأ الكسائيُّ والأعمش وعلقمة: ((مسكِنهم)) بكسر الكاف(٥) على خلاف
القياس، كمسجِد ومَطْلِعٍ، لأنَّ ما ضُمَّت عينُ مضارعِهِ أو فتحت قياسُ المَفْعَل منه
زماناً ومكاناً ومصدراً الفتحُ لا غير.
(١) عجزه:
فإنَّ زمانكم زمن خميص
وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعلم قائلها. وسلف ٣٩٩/١.
(٢) صدره:
الواردون وتيمٌ في ذرا سبأٍ
وهو لجرير، وهو في ديوانه ٣٠/١، وسلف ٤١١/١٩.
(٣) انظر الكتاب ٢١٠/١.
(٤) البحر المحيط ٢٦٩/٧.
(٥) المحرر الوجيز ٤١٣/٤، والبحر المحيط ٢٦٩/٧. وقراءة الكسائي في التيسير ص ١٨٠،
والنشر ٣٥٠/٢. وهي قراءة خلف من العشرة.

٦٢
الآية : ١٥
وقال أبو الحسن (١): كسر الكاف لغة فاشيةٌ، وهي لغةُ الناس اليوم، والفتحُ لغةُ
الحجاز، وهي اليوم قليلة. وقال الفراء(٢): هي لغةٌ يمانيةٌ فصيحة.
وقرأ الجمهور: ((مساكنهم)) جمعاً (٣)، أي: في مواضع سكناهم.
﴿ءَايَّةٌ﴾ أي: علامةٌ دالَّةٌ - بملاحظة أخواتها السابقة واللاحقة - على وجود
الصانع المختار، وأنَّه سبحانه قادرٌ على ما يشاء من الأمور العجيبة، مُجَازٍ للمحسن
والمسيء، وهي اسم ((كان))، وقوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدلٌ منها، على ما أشار إليه
الفرَّاء (٤)، وصرَّح به مكِّي(٥) وغيره.
وقال الزجَّاج: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي جنَّتان(٦).
ولا يشترط في البدل المطابقة إفراداً وغيره، وكذا الخبر إذا كان غيرَ
مشتقٌّ، ولم يمنع المعنى من اتحاده مع المبتدأ، ولعلَّ وجه توحيد الآية هنا
مثلُه في قوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُرْ ءَايَةٌ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولا حاجةَ إلى
اعتبار مضافٍ مفردٍ محذوفٍ هو البدل أو الخبر في الحقيقة، أي: قصة
جَنَّتين.
وذهب ابن عطية (٧) - بعد أن ضعَّفَ وجه البدلية، ولم يذكر الجهة - إلى أنَّ
(جنََّان)) مبتدأُ خبرُه قوله تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾.
ولا يظهر، لأنَّه نكرةٌ لا مسوِّغَ للابتداء بها، إلّا إن اعتقد أنَّ ثَمَّ صفةً
(١) هو الأخفش سعيد بن مسعدة، وذكر قوله الفارسي في الحجة ١٤/٦ .
(٢) في معاني القرآن له ٣٥٧/٢.
(٣) هي قراءة أبي بكر عن عاصم، ونافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبي عمرو، وأبي جعفر،
ويعقوب. انظر التيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٥٠/٢.
(٤) في معاني القرآن له ٣٥٨/٢.
(٥) في مشكل إعراب القرآن ٥٨٥/٢ .
(٦) انظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٨/٤.
(٧) في المحرر الوجيز ٤/ ٤١٣ .

الآية : ١٥
٦٣
سُوَلاَ تَبًا
محذوفةً، أي: جنَّتان لهم، أو: جنَّتان عظيمتان، وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام
متفلِّتاً عما قبلَه.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((جنَّتين)) بالنصب على المدح(١). وقال أبو حيان: على أنَّ
(آية)) اسمُ ((كان))، و((جنَّتين)) الخبر(٢).
وأيَّاما كان، فالمراد بالجنَّتين - على ما روي عن قتادة - جماعتان من البساتين؛
جماعةٌ عن يمين بلدهم، وجماعةٌ عن شماله، وإطلاقُ الجنَّة على كلِّ جماعةٍ؛ لأنَّها
لتقارب أفرادها وتضامِّها كأنَّها جنّةٌ واحدةٌ، كما تكون بلادُ الريف العامرة وبساتينُها .
وقيل: أريد بستانًا كلّ رجلٍ منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال سبحانه:
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنََّيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ﴾ [الكهف: ٣٢]، قيل: ولم تجمع؛ لئلا يلزمَ أنَّ لكلِّ
مسكنٍ رجلٍ جنةً واحدةً لمقابلة الجمع بالجمع. ورُدَّ بأنَّ قوله تعالى: (عَنْ يَمِينٍ
وَشِمَالٍ) يدفعُ ذلك؛ لأنَّه بالنظر إلى كلِّ مسكنٍ، إلَّا أنها لو جُمعت أَوهم أنَّ لكلِّ
مسكنٍ جناتٍ عن يمينٍ، وجناتٍ عن شمال، وهذا لا محذورَ فيه، إلَّا أنْ يُدَّعَى أنَّه
مخالفٌ للواقع.
ثَّ إنَّه قيل: إنَّ ((في)) فيما سبق بمعنى ((عند))، فإنَّ المساكن محفوفةٌ بالجنَّتين
لا ظرفٌ لهما .
وقيل: لا حاجةَ إلى هذا، فإنَّ القريبَ من الشيء قد يجعل فيه مبالغةً في شدَّة
القرب.
ولكلٍّ وجهةٌ، لكن أنت تعلمُ أنَّه إذا أُرِيدَ بالمساكن أو المسكن ما يصلحُ أنْ
يكونَ ظرفاً لبلدهم المحفوفة بالجنَّتين أو لمحلِّ كلٌّ منهم المحفوفة بهما = لم يحتج
إلى التأويل أصلاً، فلا تَغْفُل.
﴿كُوْ مِن رِّزْقِ رَيْكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ بتقدير قولٍ، أي: قال لهم
نبُّهم: ((كلوا)) إلخ.
(١) المحرر الوجيز ٤١٣/٤، والبحر المحيط ٢٧٠/٧.
(٢) البحر المحيط ٧/ ٢٧٠.

٦٤
الآية : ١٦
وفي ((مجمع البيان)) قيل: إنَّ مساكنَهم كانت ثلاثة عشر قريةً، في كلِّ قريةٍ نبيٌّ
يدعوهم إلى الله عزَّ وجلَّ، يقول: ((كلوا من رزق ربكم)) إلخ(١).
وقيل: ليس هناك قولٌ حقيقةً، وإنَّما هو قولٌ بلسان الحال.
﴿بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ ﴾﴾ أي: هذه البلدةُ التي فيها رزقُكم بلدةٌ طيِّبَةٌ،
وربُّكم الذي رزقكم وطلبَ شكركم ربُّ غفورٌ فَرَطاتٍ من يشكره، والجملةُ استئنافٌ
للتصريح بموجب الشكر.
ومعنى ((طيِّبةٌ)): زكيَّةٌ مستلذَّة. يروى أنَّها كانت لطيفةَ الهواء، حسنةَ التربة،
لا تَحدث فيها عاهةٌ، ولا يكونُ فيها هامَّةٌ، حتى إنَّ الغريبَ إذا حلَّها وفي ثيابه قملٌ
أو براغیثُ ماتت.
وقيل: المراد بطيبها صِحَّةُ هوائها، وعذوبةُ مائها، ووفورُ نزهتها، وأنَّه ليس
فيها حَرٍّ يؤذي في الصيف، ولا بردٌ يؤذي في الشتاء.
وقرأ رويسٌ بنصب ((بلدة)) وجميع ما بعدها (٢)، وذلك على المدح والوصفية.
وقال أحمد بن يحيى: بتقدير: اسكنوا بلدةً طيبة، واعبدوا ربًّا غفوراً.
ومن الاتفاقات النادرة أنَّ لفظ ((بلدة طيبة)) بحساب الجُمَّل، واعتبارِ هاء
التأنيث بأربع مئة - كما ذهب إليه كثيرٌ من الأدباء - وقعَ تاريخاً لفتح القسطنطينية(٣)،
وكانت نزهةً بلاد الروم.
﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: عن الشكر كما يقتضيه المقام، ويدخل فيه الإعراضُ عن
الإيمان؛ لأنَّه أعظم الكفر والكفران.
وقال أبو حيَّان: أعرضوا عمَّا جاء به إليهم أنبياؤهم الثلاثة عشر، حيث دعوهم
إلى الله تعالى، وذكَّروهم نعمَه سبحانه، فكذَّبوهم وقالوا: ما نعرفُ الله نعمةً(٤).
(١) مجمع البيان ١٩٨/٢٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٤١٤/٤، والبحر المحيط ٢٧٠/٧.
(٣) أي: سنة (٨٥٧هـ).
(٤) البحر المحيط ٧/ ٢٧٠.

الآية : ١٦
٦٥
﴿فَرْسَلْنَا عَلَيَّهِمْ سَيْلَ الْعَرِ﴾ أي: الصعب، من عَرمَ الرجل، مثلَّث الراء، فهو
عارمٌ وعَرِم، إذا شَرِس خلقُه وصَعُبَ، وفي معناه ما جاء في روايةٍ عن ابن عباس
من تفسيره بالشدید.
وإضافةُ السيل إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، ومن أبَاها من النحاة قال:
التقدير: سيلَ الأمرِ العَرِمِ.
وقيل: ((العرم): المطر الشديد، والإضافة على ظاهرها.
وقيل: هو اسمٌ للجُرَذ الذي نَقَبَ عليهم سدَّهم، فصار سبباً لتسلَّطِ السيل عليهم،
وهو الفأر الأعمى الذي يقال له: الخُلْد، وإضافة السيل إليه لأدنى ملابسة.
وقال ابن جبير: العَرِمِ: المُسَنَّاة، بلسان الحبشة. وقال الأخفش: هو بهذا
المعنى عربيّ.
وقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة: العرم في لغة اليمن جمع عَرِمة، وهي كلُّ
ما بُنيَ أو سُنِّم ليُمسِكَ الماء، ويقال لذلك البناء بلغة الحجاز المسنَّة، والإضافةُ
كما في سابقه، والملابسة في هذا أقوى.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل: هو اسمُ الوادي الذي كان يأتي
السيلُ منه وبُنيَ السدُّ فيه، ووجه إضافة السيل إليه ظاهرٌ.
وقرأ عروة (١) بن الورد - فيما حكى ابن خالويه -: ((العَرْم)) بإسكان الراء
تخفيفاً(٢)، کقولهم في الگپد: الكبد.
رويَ أنَّ بلقیس لمَّا ملکت اقتتلَ قومُها على ماء وادیھم، فتركت ملکها وسكنت
قصرها، وراودوها على أن ترجع، فأبت، فقالوا: لتَرْجِعِنَّ أو لنقتلنَّك، فقالت
لهم: أنتم لا عقولَ لكم ولا تطيعوني، فقالوا: نطيعك، فرجعت إلى واديهم،
وكانوا إذا مُطِروا أتاهم السيلُ من مسيرة ثلاثة أيام، فأمَرت فسدَّ ما بين الجبلين
(١) في الأصل و(م): عزرة، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢١، والبحر المحيط ٢٧١/٧.

سُورَةٌ شَيًا
٦٦
الآية : ١٦
بِمُسَنَّاةٍ، بالصخر والقار، وحبست الماء من وراء السَّدِّ، وجَعلت له أبواباً بعضُها
فوق بعض، وبَنَتْ من دونه بركةً منها اثنا عشر مخرجاً على عدَةِ أنهارِهم، وكان
الماء يخرجُ لهم بالسويَّة إلى أنْ كان من شأنها مع سليمان عليه السلام ما كان.
وقيل: الذي بنى لهم السدَّ هو حِمْيَر أبو القبائل اليمنيَّة.
وقيل: بناه لقمان الأكبر ابن عاد، ورصفَ أحجاره بالرصاص والحديد، وكان
فرسخاً في فرسخ.
ولم يزالوا في أرغدٍ عيشٍ، وأخصب أرض، حتى إنَّ المرأةَ تخرجُ وعلى رأسها
المِكْتَلُ، فتعمل بيديها وتسير، فيمتلئ المكتلُ ممَّا يتساقط من أشجار بساتينهم، إلى
أن أعرضوا عن الشكر، وكذَّبوا الأنبياء عليهم السلام، فسلَّط الله تعالى على سدِّهم
الخُلْدَ، توالد (١) فيه فخرقه، فأرسلَ سبحانه سيلاً عظيماً، فحمل السدَّ وذهب
بالجنان وكثيرٍ من الناس.
وقيل: إنَّه أذهب السدَّ، فاختلَّ أمرُ قسمة الماء ووصوله إلى جنانهم، فيبست
وهلکت.
وكان ذلك السيلُ - على ما قيل - في ملك ذي الأذعار بن حسان في الفترة بين
نبيِّنَا وَّةٍ وعيسى عليه السلام.
وفيه بحثٌ على تقدير القول بأنَّ الإعراض كان عمَّا جاءهم به أنبياؤهم (٢)
الثلاثة عشر، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى عن قريب.
﴿وَّلْنَهُمْ بِحَنََّهِمْ﴾ أي: أذهبنا جنَّتَيهم، وآتينا بدلها ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ﴾ أي:
ثمرٍ ﴿خط﴾ أي: حامضٍ أو مرٌّ.
وعن ابن عباس: الخمط: الأراك. ويقال لثمره مطلقاً أو إذا اسودَّ وبلغ:
البربر(٣).
(١) في (م): فوالد.
(٢) في (م): جاءهم من أنبيائهم.
(٣) كذا في الأصل و(م). ولعل الصواب: البرير، وهو ثمر الأراك عامة. وقيل: البرير الأول،
أي: أول ما يظهر من ثمر الأراك، وهو حلو. انظر تاج العروس (برر).

الآية : ١٦
٦٧
سُوٌلانيا
وقيل: شجر الغضا، ولا أعلم هل له ثمرٌ أم لا؟
وقال أبو عبيدة: كلُّ شجرةٍ مُرَّةٍ ذات شوك(١).
وقال ابن الأعرابيّ: هو ثمرُ شجرةٍ على صورة الخشخاش، لا يُنتفع به،
وتسمَّى تلك الشجرة - على ما قيل - بـ : فَسْوة الضَّبُع.
وهو على الأول: صفةٌ لـ ((أُكُل))، والأمر في ذلك ظاهر.
وعلى الأخير: عطفُ بيانٍ على مذهب الكوفيين المجوِّزين له في النكرات.
وقيل : بدل.
وعلى ما بينهما: الكلام على حذف مضاف، أي: أكلٍ أكلٍ خمطٍ، وذلك
المضاف بدلٌ من «أكلٍ))، أو عطف بيان عليه، ولمَّا حذف أقيم المضاف إليه
مقامَه، وأعرب بإعرابه، كما في ((البحر))(٢).
وقيل: هو بتقدير: أکل ذي خمط.
وقيل: هو بدل، من باب: يعجبني القمر فلكُه. وهو كما ترى.
ومُنع جَعْلُه وصفاً من غير ضربٍ من التأويل؛ لأنَّ الثمر لا يوصفُ بالشجر،
لا لأنَّ الوصفَ بالأسماء الجامدة لا يطَّرد، وإن جاء منه شيء، نحو: مررتُ بقاعٍ
عَرْفج(٣). فتأمَّل.
وقرأ أبو عمرو: ((أكلٍ خمط)) بالإضافة (٤)، وهو من باب: ثوبٍ خزٍّ. وقرأ ابن
كثير: ((أكْلٍ)) بسكون الكاف والتنوين(٥).
(١) انظر مجاز القرآن ٢/ ١٤٧.
(٢) ٢٧١/٧.
(٣) القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام. والعرفج: نبات، وقول
العرب: مررت بقاع عرفج كله، معناه: مررت بقاعٍ خشنٍ كلّه، وإنما قدّر بخشن لأن العرفج
شاٌّ، والشوك خشن المسّ. ينظر شرح المشكل من شعر المتنبي ص٤٦.
(٤) التيسير ص ١٨٠، والنشر ٢/ ٣٥٠، وهي قراءة يعقوب من العشرة.
(٥) وهي قراءة نافع أيضاً. انظر التيسير ص٨٣، ١٨٠، والنشر ٢١٦/٢.

٦٨
الآية : ١٦
﴿وَثّلِ﴾ ضربٌ من الطّرفاء، على ما قاله أبو حنيفة اللغويُّ في كتاب ((النبات))
له. وعن ابن عباس تفسيره بالطرفاء. ونقل الطبرسيُّ قولاً أنَّه السَّمُر (١).
وهو عطفٌ على ((أكل))، ولم يجوّز الزمخشريُّ (٢) عطفه على ((خَمْطٍ)) معلِّلاً بأنَّ
الأثل لا ثمرَ له. والأطباء كداود الأنطاكيّ(٣) وغيره يذْكرون له ثمراً كالحِمَّص،
ينكسرُ عن حبِّ صغار، ملتصق بعضه ببعض، ويفسِّرون الأثل بالعظيم من الطَّرفاء.
ويقولون في الطَّرفاء: هو برِّيٌّ لا ثمر له، وبستانيٌّ له ثمر. لكن قال الخفاجيّ(٤):
لا يعتمد على الكتب الطبية في مثل ذلك. وفي القلب منه شيءٌ، ونحن قد حقّقنا
أنَّ للأثل ثمراً، وكذا لصنف من الطرفاء، إلّا أنَّ ثمرهما لا يؤكل، ولعلَّ مراد
النافي نفي ثمرةٍ تؤكّل، والأطباء يعدُّون ما تخرجه الشجر غيرَ الورق ونحوه ثمرةً،
أُكلت أم لا .
ومثله في العطف على ذلك (٥) قولُه تعالى: ﴿وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
وحكى الفضيلُ(٦) بن إبراهيم أنَّه قُرئ: ((أثلاً وشيئاً)) بالنصب عطفاً على
«جنّین).
والسدر: شجر النَّبِقِ. وقال الأزهريُّ: السدر سدران؛ سدرٌ لا ينتفعُ به
ولا يَصلحُ ورقهُ للغَسول، وله ثمرةٌ عفصةٌ لا تؤكل، وهو الذي يسمى الضَّال،
وسدرٌ ينبتُ على الماء، وثمره النَّبِقِ، وورقه غَسولٌ يشبه شجر العنَّب(٧). انتهى.
(١) السمرة، بضمُّ الميم: من شجر الطلح، والجمع سَمُرٌ وسَمُرات. اللسان (سمر).
(٢) في الكشاف ٢٨٥/٣.
(٣) في كتابه تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب ٣٧/١.
(٤) في حاشيته ١٩٨/٧ .
(٥) بعدها في (م): في.
(٦) كذا في الأصل و(م). والذي في القراءات الشاذة ص١٢١، والبحر المحيط ٧/ ٢٧١ - وعنه
نقل المصنف -: الفضل. ولعله الفضل بن إبراهيم النحوي الكوفي، روى القراءة عن
الكسائي، وروى القراءة عنه عبيد الله بن محمد بن أحمد الأملي. غاية النهاية ٨/٢.
(٧) تهذيب اللغة ٣٥٣/١٢.

الآية : ١٦
٦٩
سُورَةٌ لَكَبًا
واختلف في المراد هنا، فقيل: الثاني، ووصف بـ ((قليل)) لفظاً ومعنى، أو
معنى فقط، وذلك إذا كان نعتاً لـ ((شيء)» المبيَّن به؛ لأنَّ ثمره ممَّا يطيبُ أكله،
فجُعل قليلاً فيما بُدِّلوا به؛ لأنَّه لو كثر كان نعمةً لا نقمة، وإنَّما أوتوه تذكيراً للنِّعم
الزائلة؛ لتكون حسرةً عليهم.
وقيل: المراد به الأول حتماً؛ لأنَّه الأنسبُ بالمقام، ولم يذكر نكتة الوصف
بالقليل عليه .
ويمكن أن يقال في الوصف به مطلقاً: إنَّ السدر له شأنٌ عند العرب، ولذا
نصَّ الله تعالى على وجوده في الجنة، والبستانيُّ منه لا يخفى نفعه، والبريُّ
يَستظِلُّ به أبناء السبيل، ويأنسون به، ولهم فيه منافع أخرى، ويُستَأنسُ لعلوٍّ شأنه
بما أخرجه أبو داود في ((سننه))، والضياء في ((المختارة))، عن عبد الله بن حُبْشِيٍّ
قال: قال رسول الله وَّ: ((من قطع سِدْرَةً صوَّبَ اللهُ رأسَه في النار))(١).
وبما أخرجه البيهقيُّ عن أبي جعفر قال: قال رسول الله وَّه لعليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه في مرض موته: ((اخرج يا عليّ، فقل عن الله لا عن رسول الله: لعنَ الله
من يقطعُ السدر))(٢).
وفي معناهما عدَّةُ أخبار لها عدَّة طرق، والكلُّ فيما أرى محمولٌ على ما إذا
کان القطعُ عبثاً، ولو کان السِّدر في ملكه.
وقيل في ذلك: مخصوصٌ بسدر المدينة، وإنَّما نهي عن قطعه ليكون أنساً وظلّاً
لمن يهاجر إليها .
وقيل: بسدر الفلاة ليستظلَّ به أبناء السبيل والحيوان ..
(١) سنن أبي داود (٥٢٣٩)، والمختارة للضياء ٢٣٧/٩، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى
(٨٥٥٧).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ١٤٠-١٤١، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في المصنف (١٩٧٥٧).
وهو حديث مرسل، وأبو جعفر هو الباقر محمد بن علي بن الحسين.

سُورَةُ نَنُبًا
٧٠
الآية : ١٧
وقيل: بسدر مكَّة؛ لأنَّها حرمٌ(١).
وقيل: بما إذا كان في ملك الغير، وكان القطع بغير حقِّ.
والكلُّ كما ترى، وأيّاً ما كان، ففي التنصيص عليه ما يشيرُ إلى أنَّ له شأناً،
فلمَّا ذَكر سبحانه ما آل إليه حالُ أولئك المعرضين، وما بُدِّلوا بجَّتيهم، أتى جلَّ
وعلا بما يتضمَّن الإيذانَ بحقارة ما عُوِّضوا به، وهو ممَّا له شأنٌ عند العرب، أعني
السدر وقلَّته، والإيذانُ بالقلَّة ظاهرٌ، وأما الإيذانُ بالحقارة فمن ذكر ((شيءٍ»،
والعدولِ عن أن يقال: وسدر قليل، مع أنَّه الأخصرُ الأوفق بما قبلَه، ففيه إشارةٌ
إلى غاية انعكاس الحال، حيث أومأ الكلام إلى أنَّهم لم يؤتوا بعد إذهاب جنتيهم
شيئاً ممَّا لجنسه شأنٌ عند العرب إلَّا السدر، وما أوتوه من هذا الجنس حقيرٌ قليل.
وتسمية البدل جثّين مع أنَّه ما سمعت؛ للمشاكلة والتهُّم.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من التبديل، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد
رتبته في الفظاعة، أو إلى مصدر قوله تعالى: ﴿جَزَيْتَهُمْ﴾، كما قيل في قوله
سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾ [البقرة: ١٤٣] ومحلُّه على الأول النصبُ على
أنَّه مفعولٌ ثانٍ، وعلى الثاني النصبُ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ للفعل المذكور.
والتقديم للتعظيم والتهويل، وقيل: للتخصيص، أي: ذلك التبديل جزيناهم
لا غيره، أو ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لا جزاءً آخر.
﴿بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي: بسبب كفرانهم النعمة، حيث نزعناها منهم، ووضعنا مكانها
ضدَّها .
وقيل: بسبب كفرهم بالرسل الثلاثة عشر الذين بعثوا إليهم.
واستشكل هذا مع القول بأنَّ السيل العرم كان زمنَ الفترة؛ بأنَّ الجمهورَ قالوا:
(١) وجاء في حديث عبد الله بن حُبْشيّ السالف قريباً في رواية الطبراني في الأوسط (٢٤٤١)
زيادة: ((يعني من سدر الحرم)).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٤/٣: ورجاله ثقات.

الآية : ١٧
٧١
سُورَةُ شيًا
لا نبيَّ بين نبيِّنا وعيسى عليهما الصلاة والسلام، ومن الناس من قال:
بينهما صلى الله تعالى عليهما وسلم أربعةُ أنبياء؛ ثلاثةٌ من بني إسرائيل، وواحدٌ من
العرب، وهو خالد العبسيّ، وهو قد بُعِثَ لقومه، وبنو إسرائيل لم يبعثوا للعرب.
وأجيب بأنَّ ما كان زمنَ الفترة هو السيلُ العرم لا غير، والرسلُ الثلاثة عشر
هم جملةٌ من كان في قومهم من سبأ بن يشجب إلى أن أهلكهم الله تعالى أجمعين،
فتأمَّل ولا تغفُل.
﴿وَهَلْ تُجَرِيّ إِلَّا الْكَفُورَ (٣)﴾ أي: ما نجازي مثلَ هذا الجزاء الشديد
المستأصِل إلَّا المبالغَ في الكفران، أو الكفر، فلا يتوجَّه على الحصر إشكالُ أنَّ
المؤمنَ قد يعاقب في العاجل.
وفي ((الكشف)): لا يَرِهُ(١) أنَّ المؤمنَ أيضاً يعاقبُ، فإنَّه ليس بعقابٍ على
الحقيقة، بل تمحيصٌ، ولأنَّه أريدَ المعاقبة بجميع ما يفعله من السوء، ولا كذلك
للمؤمن، ولا مانع من أن يكونَ الجزاءُ عامّاً في كلِّ مُكَافَأَةٍ، وأريد به المعاقبةُ
مطلقاً من غير تقييدٍ بما سبق لقرينة: ((جزيناهم بما كفروا))؛ لتعيين المعاقبة فيه، بل
قال الزمخشريُّ(٢): هو الوجهُ الصحيح، وذلك لعدم الإضمار، ولأنَّ التذييل هكذا
آكدُ وأسدُّ موقعاً. ولا يتوجَّه الإشكالُ لما في ((الكشف)).
وقرأ الجمهورُ: (يُجَازَى)) بضمِّ الياء وفتح الزاي مبنيّاً للمفعول، ((الكفورُ))
بالرفع على النيابة عن الفاعل(٣).
وقرئ: ((يُجازِي)) بضمِّ الياء وكسر الزاي مبنيّاً للفاعل، وهو ضميرُه تعالى
وحده، ((الكفورَ» بالنصب على المفعوليَّة(٤).
(١) في (م): لا يراد.
(٢) في الكشاف ٢٨٥/٣.
(٣) هي قراءة نافع، وشعبة عن عاصم، وابن عامر، وابن كثير، وأبي عمرو، وأبي جعفر. انظر
التیسیر ص١٨١، والنشر ٣٥٠/٢.
(٤) المحتسب ١٨٩/٢ ونقل عن أبي حاتم نسبتها لقتادة وابن وثاب والنخعي.

سُو الانتهاء
٧٢
الآية : ١٧
وقرأ مسلم بن جندب: ((يُجْزَى)) مبنيّاً للمفعول، ((الكفورُ)) بالرفع على
النيابة(١).
والمُجَازاة - على ما سمعتَ عن الزمخشريِّ - المكافأة، لكن قال الخفاجيُّ: لم
تَرِد في القرآن إلَّا مع العقاب، بخلاف الجزاء، فإنَّه عامٌّ، وقد يخصُّ بالخير(٢).
وعن أبي إسحاق(٣): تقول: جزيتُ الرجل في الخير، وجازيته في الشرِّ. وفي
معناه قول مجاهد: يقال في العقوبة: يُجَازَى، وفي المثوبة: يُجْزَى.
وقال بعضُ الأجلَّة: ينبغي أن يكون أبو إسحاق قد أراد أنَّك اذا أرسلتَ
الفعلين ولم تُعدِّهما إلى المفعول الثاني كانا كذلك، وأمَّا إذا ذكرته، فيستعملُ كلِّ
منهما في الخير والشر.
ويَرِدُ على ما ذكر ((جزيناهم بما كفروا))، وكذا: ((وهل يُجْزَى)) في قراءة مسلم،
إذ الجزاء في ذلك مستعملٌ في الشرِّ مع عدم ذكر المفعول الثاني، وقوله:
جَزى بنوه أبَا الغيلان عن كبرٍ وحسنِ فعلٍ كما يُجْزَى سِنِمَّارُ(٤)
وقال الراغب: يقال: جزيته وجازيته، ولم يجئ في القرآن إلَّا جزى دون
جازى، وذلك لأنَّ المجازاةَ المكافأة، وهي مقابلةُ نعمةٍ بنعمة هي كفؤها،
ونعمةُ الله عزَّ وجلَّ تتعالى عن ذلك، ولهذا لا يستعملُ لفظ المكافأة فيه سبحانه
وتعالى(٥).
وفيه غفلةٌ عمَّا هنا، إلَّا أنْ يقال: أراد أنَّه لم يجئ في القرآن ((جازى)) فيما هو
نعمةٌ مسنداً إليه تعالى، فإنَّه لم يخطر لي مجيءُ ذلك فيه، والله تعالى أعلم.
(١) القراءات الشاذة ص١٢١، والمحتسب ١٨٨/٢، والبحر المحيط ٢٧١/٧.
(٢) حاشية الشهاب ١٩٨/٧ .
(٣) هو الزجاج، وكلامه في المحرر الوجيز ٤١٥/٤.
(٤) نسبه الأصفهاني في الأغاني ٢/ ١٤٥ لسليط بن سعد. وانظر خزانة الأدب ٢٩٣/١. وهو
من شواهد ابن عقيل، الشاهد ١٥٣ .
(٥) المفردات (جزى).

الآية : ١٨
٧٣
سُوٌ لاشكبا
ويحسنُ عندي قول أبي حيان: أكثرُ ما يُستعمل الجزاء في الخير والمجازاةُ في
الشّرّ، لكن في تقييدهما قد يقع كلٌّ منهما موقعَ الآخر(١).
وفي قوله سبحانه: ((جزيناهم بما كفروا)) دون: جازيناهم بما كفروا، على
الوجه الثاني في اسم الإشارة ما يحكي تمتُّعَ القوم بما يسرُّ، ووقوعَهم بعده
فيما يسيء ويضرّ. ويمكن أن تكونَ نكتةُ التعبير بـ ((جزى)) الأكثر استعمالاً في
الخير، ويجوز أنْ يكون التعبيرُ بذاك أولاً، وبـ ((نجازي)» ثانياً؛ ليكون كلٌّ أوفقَ
بعلَّته، وهذا جارٍ على كلا الوجهين في الإشارة، فتدبّر جدّاً.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيِّنَ الْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فَِهَا فُرَى ظَاهِرَةً﴾ إلى آخره، عطفٌ
بمجموعه على مجموع ما قبله عطفَ القصّة على القصّة، وهو حكايةٌ لما أوتوا من
النعم في مسايرهم ومتاجرهم، وما فعلُوا بها من الكفران، وما حاقَ بهم بسبب
ذلك، وما قبلُ كان حكايةً لما أوتوا من النعم في مساكنهم ومحلِّ إقامتهم،
وما فَعلوا بها، وما فُعِلَ بهم.
والمراد بالقرى التي بورك فيها قرى الشام، وذلك بكثرة أشجارها وأثمارها،
والتوسعة على أهلها .
وعن ابن عباس: هي قرى بيت المقدس.
وعن مجاهد: هي السَّراوية(٢).
وعن وهب: قرى صنعاء.
وقال ابن جبير: قرى مأرب.
(١) البحر المحيط ٢٧١/٧.
(٢) كذا في الأصل و(م). ووقع في مطبوع تفسير مجاهد ٢/ ٢٢٥: الشراة، وفي البحر المحيط
٢٧١/٧: السرواي، وفي تفسير الطبري ٢٦٢/١٩: السروات. ولعلها الصواب، فالطبري
رحمه الله أوردها في سياق تفسيره ((قرى ظاهرة)) بـ : قرى عربية. والسراة كما في القاموس
(سرى): أعلى كل شيء، وسراة مضافة إلى بَجيلة، وزهران، وعنز، والحجر .... مواضع
معروفة.

سُوَلا ◌َتَباء
٧٤
الآية : ١٨
والمعوَّل عليه الأول، حتى قال ابن عطية: إنَّ إجماعَ المفسِّرين عليه(١).
ومعنى ((ظاهرة)» على ما روي عن قتادة: متواصلة يقرب بعضها من بعض،
بحيث يظهر لمن في بعضها ما في مقابلته من الأخرى، وهذا يقتضي القرب
الشديد، لكن سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما قيل في مقدار ما بين كلِّ قريتين.
وقال المبرِّد: ((ظاهرة)): مرتفعة، أي: على الآكام والطّراب، وهي أشرفُ
القرى.
وقيل: ((ظاهرة)): معروفة، يقال: هذا أمرٌ ظاهر، أي: معروف، وتعرف القرية
لحسنها، ورعايةِ أهلها المارينَ عليها .
وقيل: ((ظاهرة)): موضوعة على الطرق؛ ليسهل سيرُ السابلة فيها .
وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أنَّ معنى ((ظاهرة)): خارجة عن المدن، فهي
عبارةٌ عن القرى الصغار التي في ظواهر المدن.
كأنَّه فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن.
وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي، ومنه قولهم: نزلنا بظاهر البلد
الفلاني، أي: خارجاً عنه، ومنه قول الشاعر:
قريشِ البطاح لا قريشِ الظواهِر (٢)
فلو شهدتني من قريشٍ عصابةٌ
يعني الخارجين(٣) من بطحاء مكة.
ويقال للساكنين خارج البلد: أهل الضواحي، وأهل البوادي أيضاً.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّرِّ﴾ أي: جعلنا نسبةَ بعضها إلى بعضٍ على مقدارٍ معيَّنٍ من
السير، قيل: مَنْ سار من قريةٍ صباحاً وصلَ إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة،
(١) المحرر الوجيز ٤١٥/٤ .
(٢) هو لذكوان مولى عمر بن الخطاب كما في الطبقات الكبرى لابن سعد ٧١/١، وتاريخ
دمشق ٧/ ٣٢٢، والوافي بالوفيات ١٤/ ٤١ .
(٣) في (م): يعني أن الخارجين، والمثبت من الأصل والمحرر الوجيز ٤١٦/٤.

الآية : ١٩
٧٥
سُوَلا ◌َبًا
ومَنْ سارَ بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب، فلا يحتاج لحمل زادٍ،
ولا مبيتٍ في أرضٍ خاليةٍ، ولا يخافُ من عدوٍّ ونحوه.
وقيل: کان بین کلِّ قریتین میل.
وقال الضحاك: مقادير المراحل، كانت القرى على مقاديرها، وهذا هو الأوفق
بمعنى ((ظاهرة)) على ما سمعت عن قتادة، وكذا بقوله سبحانه: ﴿سِيرُواْ فِيهَا﴾ فإنَّه
مؤذِنٌ بشدّة القرب، حتى كأنَّهم لم يخرجوا من نفس القرى.
والظاهر أن ((سيروا)) أمرٌ منه عزَّ وجلَّ على لسان نبيٍّ أو نحوه، وهو بتقدير
القول، أي: قلنا لهم: سيروا في تلك القرى ﴿لَيَالِىَ وَأَيَّامًا﴾ أي: متى شئتم من ليل
ونهار ﴿ءَامِنِينَ ﴾﴾ من كلِّ ما تكرهونَه لا يختلفُ الأمنُ فيها باختلاف الأوقات.
وقدَّم الليالي لأنها مظنَّةُ الخوف من مغتال، وإن قيل: الليل أخفى للويل(١)، أو
لأنَّها سابقةٌ على الأيام.
أو قلنا: سيروا فيها آمنين، وإن تطاولت مدَّةُ سفركم وامتدَّت لياليَ وأياماً
كثيرة؛ قال قتادة: كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان، ولو وَجَدَ الرجلُ قاتل
أبيه لم يَهِجْهُ.
أو: سيروا فيها لياليكم وأيَّامكم، أي: مدَّة أعماركم، لا تلقونَ فيها إلَّا
الأمن، وقُدِّمت الليالي لسبقها.
وأيَّاما كان، فقد علم فائدةُ ذكر الليالي والأيام، وإن كان السيرُ لا يخلو عنهما.
وجُوِّزَ أن لا يكون هناك قولٌ حقيقةً، وإنَّما نُزَّل تمكينُهم من السير المذكور
وتسوية مباديه وأسبابه منزلةَ القول لهم وأمرِهم بذلك، والأمر على الوجهين للإباحة.
﴿فَقَالُواْ رَبََّا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ لمَّا طالت بهم مدَّة النعمة بَطروا، وملُّوا، وآثروا
الذي هو أدنى على الذي هو خير، كما فعل بنو إسرائيل، وقالوا: لو كانت متاجرنا
أبعدَ كان ما نجلبه منها أشهى وأغلى، فطلبوا تبديلَ اتصال العمران، وفصلَ
(١) مجمع الأمثال ٢/ ١٩٣.

سُلاَ نُبًا
٧٦
الآية : ١٩
المفاوز والقفار، وفي ضمن ذلك إظهارُ القادرين منهم على قطعها بركوب الرواحل
وتزوّد الأزواد الفخرَ والكِبْرَ على الفقراء العاجزين عن ذلك، فعجّل الله تعالى لهم
الإجابة بتخريب القرى المتوسّطة، وجعلها بَلْقَعاً لا يُسمع فيها داعٍ ولا مجيب.
والظاهر أنَّهم قالوا ذلك بلسان القال، وجَوَّزَ الإمام أن يكونوا قالوا: ((باعِد))
بلسان الحال، أي: فلمَّا كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور
من ديارهم(١).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام: (بَعِّد)) بتشديد العين فعل طلب(٢).
وابن عباس وابن الحنفيّة وعمرو بن فائد(٣): ((ربُّنا)) رفعاً، ((بَعَّدَ)) بالتشديد فعلاً
ماضياً (٤).
وابن عباس وابن الحنفيَّة أيضاً وأبو رجاء والحسن ويعقوب وزيد بن عليّ
وأبو صالح وابن أبي ليلى والكلبيّ ومحمد بن عليّ وسلام وأبو حيوة: ((ربُّنًا)) رفعاً،
و ((باعد)» طلباً من المفاعلة(٥).
وابن الحنفية أيضاً وسعيد بن أبي الحسن - أخو الحسن - وسفيان بن حسين
وابن السميفع: (ربَّنا)) بالنصب ((بَعُدَ)) بضمِّ العين فعلاً ماضياً، ((بينَ)) بالنصب، إلَّا
سعيداً منهم فإنَّه يضمُّ النون، ويجعلُ ((بينُ)) فاعلاً(٦)، ومَن نَصَبَ فالفاعل عنده
ضميرٌ يعود على ((السير).
(١) تفسير الرازي ٢٥٢/٢٥-٢٥٣.
(٢) التيسير ص١٨١، والنشر ٣٥٠/٢.
(٣) في الأصل و(م): قائد، والمثبت هو الصواب.
(٤) المحتسب ١٨٩/٢، والمحرر الوجيز ٤١٦/٤، والبحر المحيط ٢٧٢/٧. وزاد ابن جني
وابن عطية نسبتها لابن يعمر.
(٥) كذا ذكر المصنف، والصواب أن ((باعد)) على هذه القراءة فعلٌ ماضٍ مفتوح العين. كما في
النشر ٣٥٠/٢ عن يعقوب. ومثله في المحتسب ١٨٩/٢، والمحرر الوجيز ٤١٦/٤،
والبحر ٧/ ٢٧٢-٢٧٣، كما أن المصنف نفسه سيذكر قريباً أن مَن رفع ((ربنا)) لا يكون الفعل
عنده إلا ماضياً.
(٦) المحرر الوجيز ٤١٦/٤، والبحر المحيط ٢٧٣/٧.

الآية : ١٩
٧٧
ومن نصبَ ((ربَّنا)) جعله منادى، فإنْ جاء بعده طلبٌ كان ذلك أشَراً وبَطَراً،
وفاعِلْ بمعنى فَعِّلْ، وإن جاءَ فعلاً ماضياً كان ذلك شكوى من مسافة ما بين قراهم
مع قصرها؛ لتجاوزهم في الترقُّه والتنُّم، أو شكوى ممَّا حلَّ بهم من بُعْدِ الأسفار
التي طلبوها بعدَ وقوعها، أو دعاءً بلفظ الخبر.
ومَن رفع ((ربُّنا)) فلا يكون الفعل عنده إلَّا ماضياً، والجملة خبريّةٌ متضمِّنةٌ
للشكوى، علی ما قيل.
ونصبُ ((بين)) بعد كلِّ فعلٍ متعدٍّ في إحدى القراءات ماضياً كان أو طلباً - عند
أبي حيان(١) - على أنَّه مفعولٌ به، وأيَّدَ ذلك بقراءة الرفع، أو على الظرفيَّة، والفعلُ
منزَّل منزلةَ اللازم، أو متعدٍّ مفعولُه محذوف، أي: السير، وهو أسهلُ من إخراج
الظرف الغيرِ المتصرِّف عن ظرفيته.
وقرئ: ((بوعد)) مبنيًّا للمفعول(٢). وقرأ ابن يعمر: ((سفرنا)) بالإفراد(٣).
﴿وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث عرَّضوها للسخط والعذاب، حين بطروا النعمة
وغمطوها .
﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ﴾ جمع: أحدوثة، وهي ما يُتَحدَّث به على سبيل التلهِّي
والاستغراب، لا جمع حديث على خلاف القياس.
وجعلهم نفسَ الأحاديث؛ إمَّا على المبالغة، أو تقدير المضاف، أي:
جعلناهم بحيث(٤) يتحدَّثُ الناس بهم، متعجِّبين من أحوالهم، ومعتبرين بعاقبتهم
ومآکھم.
وقيل: المراد: لم يبق منهم إلَّا الحديثُ عنهم، ولو بقيَ منهم طائفةٌ لم يكونوا
أحاديث.
(١) في البحر ٢٧٣/٧ .
(٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٨١ عن أبي معاذ.
(٣) القراءات الشاذة ص١٢١، والبحر المحيط ٢٧٣/٧.
(٤) في (م): بحديث.

سُورَةٌ سيا
٧٨
الآية : ١٩
﴿ وَمَزَّقْتَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: فَرَّقناهم كلَّ تفريق، على أن الممزَّق مصدر، أو: كلَّ
مطرح ومكان تفريق، على أنَّه اسم مكان.
وفي التعبير بالتمزيق الخاصِّ بتفريق المثَّصل وخرقه من تهويل الأمر والدلالةِ
على شدة التأثير والإيلام ما لا يخفى، أي: مزَّقناهم تمزيقاً لا غايةَ وراءه، بحيث
يُضْرَب مثلاً في كلِّ فُرقةٍ ليس بعدها وصال.
وعن ابن سلام أنَّ المراد: جعلناهم تراباً تذروه الرياح. وهو أوفق بالتمزيق، إلَّا
أنَّ جميعَ أجلَّة المفسرين على خلافه، وأنَّ المراد بتمزيقهم تفريقهم بالتباعد. وقد
تقدَّم لك غيرَ بعيد حديثُ كيفية تفرُّقهم في جواب رسول الله وَّ لفروة بن مسيك.
وفي ((الكشاف)) (١): لحقَ غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد
بعمان .
وفي ((التحرير)): وقع منهم قضاعة بمكّة، وأسد بالبحرين، وخزاعة بتهامة.
وظاهرُ الآية أنَّ ذلك كان بعد إرسال السيل العرم، وفي ((البحر)): أنَّ في
الحديث أنَّ سبأ أبو عشرة قبائل، فلمَّا جاء السيل على مأرب تيامن منها ستةُ قبائل،
وتشاءمت أربعة(٢).
وزعم بعضُهم أنَّ تفرُّقَهم كان قبيل مجيء السيل.
قال عبد الملك في (شرح قصيدة ابن عبدون)): إنَّ أرض سبأ من اليمن كانت
العمارةُ فيها أزيد من مسيرة شهرين للراكبِ المُجِدِّ، وكان أهلها يقتبسون النار
بعضهم من بعضٍ مسيرةً أربعة أشهر، فمزِّقوا كلَّ ممزّقٍ، وكان أول من خرج من
اليمن في أول الأمر عمرو بن عامر مُزَيْقِيًا(٣)، وكان سبب خروجه أنّه كانت له
زوجةٌ كاهنةٌ يقال لها: طريفة الخير، وكانت رأت في منامها أنَّ سحابةً غشيت
(١) ٢٨٦/٣.
(٢) البحر المحيط ٢٧٣/٧. وهو حديث فروة بن مسيك السالف.
(٣) ولقِّب عمرو بذلك لأنه كان يلبسُ كلَّ يوم حلتين ويمزقهما بالعشي، يكره العود فيهما،
ويأنف أن يلبسهما غيره. القاموس (مزق).

الآية : ١٩
٧٩
سُورَةٌ تَنُبًا
أرضَهم، فأرعدت وأبرقت، ثمَّ صَعَقت فأحرقت كلَّ ما وقعت عليه، ففزعت طريفةُ
لذلك فزعاً شديداً، وأتت الملك عَمْراً وهي تقول: ما رأيت كاليوم أزال عني
النوم، رأيتُ غيماً أرعدَ وأبرقَ، وزمجرَ وأصعقَ، فما وقع على شيءٍ إلَّا أحرقَ.
فلما رأى ما داخَلَها من الفزع سكّنها، ثمَّ إن عَمْراً دخل على حديقةٍ له ومعه
جاريتان من جواريه، فبلغ ذلك طريفة، فخرجت إليه، وخرجَ معها وصيفٌ لها
اسمه سنان، فلمّا برزت من بيتها عرض لها ثلاث مَنَاجد منتصباتٍ على أرجلهنَّ،
واضعاتٍ أيديهنَّ على أعينهنَّ - وهي دوابُّ تشبه اليرابيع - فقعدت إلى الأرض
واضعةً يديها على عينيها، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرني، فلمَّا
ذهبت أخبرها فانطلقت مسرعةً، فلمَّا عارضها الخليج الذي في حديقة عمرو وَثَبَتْ
من الماء سلحفاةٌ فوقعت على الطريق على ظهرها، وجعلت تروم الانقلاب
فلا تستطيع، وتستعينُ بذنبها، فتحثو التراب على بطنها من جنباته، وتقذفُ بالبول
على بطنها قذفاً، فلمَّا رأتَها طريفة جلست إلى الأرض، فلمَّا عادت السلحفاة إلى
الماء مضت طريفة إلى أن دخلت على عمرو، وذلك حين انتصف النهار، في ساعة
شديدٍ حرُّها، فإذا الشجرُ يتكافأ(١) من غير ريح، فلمَّا رآها استحيى منها، وأمر
الجاريتين بالانصراف إلى ناحية، ثم قال لها: يا طريفة، فكهنت وقالت: والنورِ
والظلماءِ والأرضِ والسماءِ إنَّ الشجر لهالكٌ، وليعودنَّ الماء كما كان في الزمن
السالك. قال عمرو: من أخبرك بهذا؟ قالت: أخبرتني المناجد بسنين شدائد،
يقطع فيها الولد الوالد. قال: ما تقولين؟ قالت: أقول قولَ الندمان لهيفاً، لقد
رأيتُ سلحفاة تجرفُ الترابَ جرفاً، وتقذفُ بالبول قذفاً، فدخلْتُ الحديقةَ، فإذا
الشجرُ من غير ريحِ يتكفّأ. قال: ما ترين في ذلك؟ قالت: هي داهيةٌ دهياء من أمورٍ
جسيمةٍ ومصايب عظيمة. قال: وما هو، ويلك؟ قالت: أجل، وإنَّ فيه الويل،
وما لك فيه من نيل، وإنَّ الويلَ فيما يجيء به السيل. فألقي عمرو عن فراشه وقال:
ما هذا يا طريفة؟ قالت: خطبٌ جليلٌ، وحزنٌ طويلٌ، وخلف قليل. قال:
(١) كذا في الأصل و(م). وفي مروج الذهب ٣٨٠/٣: يتكفّأ. ولعلها الصواب كما ستأتي
قريباً .

سُاَلانيا
٨٠
الآية : ١٩
وما علامةُ ما تذكرين؟ قالت: اذهب إلى السدِّ، فإذا رأيت جُرَذاً يُكثر بيديه في السدِّ
الحفرَ، ويقلبُ برجليه من أَجَلِّ الصخر (١)، فاعلم أنَّ الغمر غمر، وأنَّه قد وقع
الأمر. قال: وما الذي تذكرين؟ قالت: وعدٌ من الله تعالى نزل، وباطلٌ بطلَ،
ونكالٌ بنا نكلَ، فبغيرك يا عمرو يكون الثَّكَل. فانطلق عمرو، فإذا الجُرَذ يقلبُ
برجليه صخرةً ما يقلُّها خمسونَ رجلاً، فرجع وهو يقول:
أبصرتُ أمراً عادني منه أَلَمْ
وهاجَ لي من هوله بَرُْ السَّقَمْ
من جُرَذٍ كفحل خنزير الأَجِّمْ
أو كبش صرم من أفاويق الغَنَمْ
يسحبُ قطراً من جلاميد العَرَمْ
له مخاليبٌ وأنيابٌ قضمْ
ما فاته سحلاً من الصخر قَصَمْ
فقالت طريفة: وإنَّ من علامة ذلك الذي ذكرتُه لك أنْ تجلسَ فتأمر بزجاجةٍ،
فتوضع بين يديك، فإنَّ الريحَ يملؤها من تراب البطحاء من سهل الوادي وحَزْنِه،
وقد علمتَ أنَّ الجنان مظلَّلة لا يدخلها شمسٌ ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجةٍ
فوضعت بين يديه، ولم تمكث إلّا قليلاً حتى امتلأت من التراب، فأخبرها بذلك،
وقال لها: متى يكون ذلك الخراب الذي يحدث في السَّدِّ؟ قالت له: فيما بيني
وبينك سبع سنين. قال: ففي أيِّها يكون؟ قالت: لا يعلم بذلك إلَّا الله تعالى، ولو
علمه أحد لعلمتُه، وإنَّه لا تأتي عليّ ليلةٌ فيما بيني وبين السبع سنين إلَّا ظننتُ
هلاكه في غدها أو في مسائها .
ثم رأى عمرو في منامه سيلَ العرم. وقيل له: إنَّ آية ذلك أن ترى الحصباء قد
ظهرت في سعف النخل، فنظر إليها فوجدَ الحصباء قد ظهرت فيها، فعلم أنَّه واقعٌ،
(١) في مروج الذهب ٣٨٢/٣: من الجبل الصخر.