النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ٧
٢١
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يحدِّثكم بأمرٍ مستغربٍ عجيب.
وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿ّ: ((ينبيكم)) بإبدال الهمزة ياءً محضةً(١)، وحُكي عنه:
(يُنْبِكم)) بالهمز من أنبأ(٢).
﴿إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ((إذا)) شرطيَّةٌ، وجوابها محذوفٌ
لدلالة ما بعده عليه، أي: تبعثون، أو: تحشرون، وهو العامل في ((إذا)) على قول
الجمهور، والجملة الشرطية بتمامها معمولةٌ لـ ((ينبئكم))؛ لأنَّه في معنى: يقول لكم:
إذا مُزِقتم كلَّ ممزَّقٍ تبعثون، ثم أَّد ذلك بقوله تعالى: ((إنَّكم لفي خلقٍ جديد)).
وجُوِّز أن يكون ((إنكم لفي خلقٍ جديد)) معمولاً لـ ((ينبئكم))، وهو معلَّقٌ، ولولا اللام
في خبر ((إنَّ) لكانت مفتوحة، والجملة سدَّت مسدّ المفعولين، والشرطيَّةُ على هذا
اعتراضٌ، وقد مَنَعَ قومٌ التعليقَ في باب أَعْلَمَ، والصحيح جوازُه، وعليه قوله:
حذارِ فقد نُبِّئت إنَّك لَلَّذي
ستُجْزَى بما تَسعى فتسعد أو تَشْقَى (٣)
وجُوِّزَ أنْ تكون ((إذا)) لمحضِ الظرفيَّة، فعاملها الذي دلَّ عليه ما بعدُ يقدَّرُ
مقدَّماً، أي: تبعثون أو تحشرون إذا مُزِقْتُم، ولا يجوز أن يكون العامل ((يدلُّكم)) أو
(ينبئكم))؛ لعدم المقارنة، ولا ((مزّقتم))؛ لأنَّ ((إذا)) مضافة إليه، والمضاف إليه
لا يعمل في المضاف، ولا ((خلقٍ)) ولا ((جديد)»؛ لأنَّ ((إنَّ» لها الصدر، فلا يعملُ
ما بعدَها فيما قبلها .
وقال الزَّجَّاجُ: ((إذا)) في موضع النصب بـ (مُزِّقتم))، وهي بمنزلة (مَنْ)) الشرطية،
يعملُ فيها الذي يليها (٤).
(١) البحر المحيط ٢٥٩/٧.
(٢) حكاها أبو حيان في البحر المحيط ٢٥٩/٧ عن الزمخشري، وفي مطبوع الكشاف ٣/ ٢٨٠ :
وقرأ زيد بن علي رظُه: ينبيكم!
(٣) أورده العيني في شرح الشواهد ٤٤٧/٢، وأبو حيان في البحر ٢٥٩/٧، والسمين في الدر
المصون ١٥٥/٩ دون نسبة.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٤١/٤، وفيه: ((إن)) بدل ((من))، وينظر تفصيل هذه المسألة في مغني
اللبيب ص ١٣٠ -١٣١.

٢٢
الآية : ٧
وقال السجاوندي: العاملُ محذوف، وما بعدها إنَّما يعملُ فيها إذا كان مجزوماً
بها، وهو مخصوصٌ بالضرورة، نحو:
وإذا تُصْبْكَ خصاصةٌ فتجمَّلٍ (١)
فلا يُخَرَّج عليه القرآن، فإذا لم تَجْزم كانت مضافةً إلى ما بعدها، والمضاف
إليه لا يعملُ في المضاف.
وقال أبو حيان: الصحيح أنَّ العامل فيها فعلُ الشرط كسائر أدوات الشرط(٢).
وتمام الكلام على ذلك في كتب النحو.
و((ممزّق)) مصدر جاء على زنة اسم المفعول، كمُسرَّح في قوله:
فلا يعِيّاً بهنَّ ولا اجتلابًا(٣)
ألم تعلم مُسَرَّحيَ القوافي
وتمزيقُ الشيء: تخريقه وجعله قِطَعاً قِطَعاً، ومنه قوله:
إذا كنتُ مأكولاً فكن خير آكل وإلَّا فأدركني ولمَّا أُمَزَّقِ(٤)
والمرادُ: إذا متُّم وفُرِّقت أجسادكم كلَّ تفريقٍ بحيث صرتم رفاتاً وتراباً .
ونصب ((كل)) على المصدريَّة، وجُوِّز أنْ يكون اسم مكان، فنصب ((كل)) على
الظرفية؛ لأنَّ لها حكم ما تضاف إليه، أي: إذا فُرْقَتْ أجسادُكم في كلِّ مكانٍ، من
القبور وبطون الطير والسباع، وما ذهبت به السيول كلَّ مذهبٍ، وما نسفته الرياح
فطرحتهُ كلَّ مُطّرح.
و((جديد)) فعيل بمعنى فاعل عند البصريين، مِنْ جَدَّ الشيءُ إذا صار جديداً،
(١) هو عجز بيت لعبد قيس بن خفاف كما في الأصمعيات ص ٢٣٠، والمفضليات ص٣٨٥،
وصدره :
واستغن ما أغناك ربُّك بالغنى
(٢) البحر المحيط ٢٥٩/٧.
(٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٢/ ٦٥١، والمقتضب ٧٥/١، و١٢٥/٢، والخصائص ٣٦٧/١
و٢٩٤/٣، والجمل في النحو للزجاجي ص١١٦، والكشاف ٣/ ٢٨٠، وصدره في الديوان:
ألم تُخْبَر بِمَسْرَحِيَ القوافي.
(٤) البيت للممزَّق العبديّ، كما في الأصمعيات ص١٦٦، والبيان والتبيين للجاحظ ٣٧٥/١.

الآية : ٨
٢٣
وبمعنى مفعول عند الكوفيين، من جدَّه إذا قطعه، ثمَّ شاع في كلِّ جديد وإن لم يكن
مقطوعاً، كالبناء.
والسبب في الخلاف أنَّهم رأوا العرب لا يؤنثونه، ويقولون: ملحفةٌ جديد،
لا : جديدة، فذهب الكوفيون إلى أنَّه بمعنى مفعول، والبصريون إلى خلافه،
وقالوا: ترك التأنيث لتأويله بشيءٍ جديد، أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول، كذا
قیل.
﴾ أي: جنون
﴿أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِّبًا﴾ فيما يُنسَبُ إليه من أمر البعث ﴿أَمَ
يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه. واستدلَّ به أبو عمرو الجاحظ(١) على ما ذهب إليه
من أنَّ صدقَ الخبر مطابقتُه للواقع مع الاعتقاد، وكذبه عدمُها معه، وغيرهما ليس
بصدقٍ ولا كذب، وذلك أنَّ الكفارَ - وهم عقلاءُ من أهل اللسان عارفونَ
باللغة - حصروا إخبارَ النبيِّ وَّر بالبعث في الافتراء والإخبار حال الجِنة، على
سبيل منع الخلو بالمعنى الأعم، ولا شكَّ أنَّ المراد بالثاني غيرُ الكذب؛ لأنَّه
قسيمُه، وغيرُ الصدق؛ لأنَّهم اعتقدوا عدمه، وأيضاً لا دلالة لقولهم: ((أم به جِنَّة))
على معنى: أم صدق، بوجهٍ من الوجوه، فيجب أنْ يكون بعضُ الخبر ما ليسَ
بصادقٍ ولا كاذب؛ ليكون ذلك منه بزعمهم، وإن كان صادقاً في نفس الأمر.
وتوضيحُه أنَّ ظاهر كلامهم هذا يدلُّ على طلب تعيين أحد حالَي
النبيِّ ◌َّه ـ المستويين في اعتقاد المتكلّم - حين الإخبار بالبعث، وهو يستلزمُ تعيين
أحدٍ حالتي(٢) الخبر، والاستفهام هاهنا للتقرير، فيفيد ثبوتَ أحد الحالين للخبر،
ولا شكَّ أنَّ ثبوت أحدهما لا يثبتُ الواسطة ما لم يعتبر تنافيهما(٣)، وكذا
تنافيهما في الجمع لا يُثبتها، بل لا بدَّ من تنافيهما في الارتفاع، يعني أنَّ خبره عليه
الصلاة والسلام بالبعث لا يخلو عن أحد الأمرين المتنافيين، فيكون المراد بالثاني
(١) الصواب أن الجاحظ: أبو عثمان، واسمه عمرو. وقد تبع المصنف في هذا الوهم
الخفاجيَّ. انظر حاشيته ١٩١/٧ .
(٢) في (م): حالي.
(٣) في الأصل: تنافيها.

٢٤
الآية : ٨
ما هو منافٍ وقسيمٌ للأول، ومعلومٌ أنَّه غيرُ الصدق، فليس الصدقُ عبارةً عن مطابقة
الواقع فقط، والكذب عن عدم المطابقة له، كما يقول الجمهور، أو عن مطابقة
الاعتقاد له وعدم مطابقته له، كما يقول النظّام، فيكونان عبارتين عن
مطابقتهما وعدم مطابقتهما، وتَثبتُ الواسطة.
وأجيبَ بأنَّ معنى ((أم به جِنَّةٌ)): أم لم يفتر، فعبَّر عن عدم الافتراء بالجِنَّة؛ لأنَّ
المجنون يلزمُه أن لا افتراءَ له؛ لأنَّه - كما دل عليه نقل الأئمة واستعمال
العرب - الكذبُ عن عمد، ولا عمدَ للمجنون، فالثاني ليس قسيماً للكذب، بل
لما هو أخصُّ منه، أعني الافتراء، فيكون ذلك حصراً للخبر الكاذب بزعمهم في
نوعيه: الكذب عن عمد، والكذب لا عن عمد، ولو سُلِّم أنَّ الافتراء بمعنى
الكذب مطلقاً، فالمعنى: أَقَصَدَ الافتراءَ - أي: الكذب - أم لم يقصد، بل كذب
بلا قصدٍ لما به من الجِنَّة.
وقيل: المعنى: أفترى أم لم يفتر، بل به جنونٌ، وكلام المجنون ليس بخبر؛
لأنَّه لا قصدَ له يُعتَدُّ به ولا شعور، فيكون مرادهم حصره في كونه خبراً كاذباً، أو
ليس بخبر، فلا يثبتُ خبرٌ لا يكون صادقاً ولا كاذباً. ونوقش فيه كما لا يخفى على
من راجع كتب المعاني.
بقي هاهنا بحثٌ، وهو أنَّ الطيبيَّ أشارَ إلى أنَّ مبنى الاستدلال كون ((أم))
متَّصلةً. واعترضه بأنَّ الظاهرَ كونُها منقطعةً؛ أمَّا لفظاً، فلاختلاف مدخول الهمزة
و(أم)، وأمَّا معنّى: فلأنَّ الكفرة المعاندين لمَّا أَخْرَجوا قولهم: ((هل ندُّكم على
رجلٍ ينبئكم)) مخرجَ الطنز(١) والسخرية، متجاهلين برسول الله مَّ ه وبكلامه من
إثبات الحشر والنشر، وعقّبوه بقولهم: ((أفترى على الله كذباً)) = أَضْرَبُوا عنه إلى
ما هو أبلغُ منه ترقّياً من الأهون إلى الأغلظ، من نسبة الجنون إليه، وحاشاه وَّ،
فكأنَّهم قالوا: دعوا حديثَ الافتراء، فإن هاهنا ما هو أطمُّ منه؛ لأنَّ العاقلَ كيف
يحدِّثُ بإنشاء خلقٍ جديد بعد الرفات(٢) والتراب؟! ولمَّا كان التعويلُ على ما بعد
(١) أي: السخرية. القاموس (طنز).
(٢) في الأصل: الوفات!؟

الآية : ٨
٢٥
سُورَةٌ تَتَبًا
الإضراب من إثبات الجنون، أوقعَ الإضراب الثاني في كلامه تعالى ردّاً لقولهم،
ونفياً للجنون عنه، صلوات الله تعالى وسلامه عليه، وإثباتاً له فيهم، إلى آخر
ما قال.
ولم يرتضِ ذلك صاحب ((الكشف)) فقال: في كلام ((الكشاف)) إشارةٌ إلى أنَّ
(أم) متصلة، وفائدةُ العدول عن الفعل في جُنّ: إيماءٌ إلى أنَّ الثابتَ هو ذلك
الشق، كأنَّه قيل: أَعَنِ افتراءِ هذا الكذب العُجاب أم جنونٍ؟ والتقابل لأنَّ المجنونَ
لا افتراء له، فالاستدلال على الانقطاع بتخالف العديلين ساقط؛ وأمَّا الترقِّي من
الاتصال [فحاصل](١) أيضاً - على ما لوَّحَ إليه - بوجهٍ ألطف. اهـ.
وأنت تعلم أنَّ ظاهر الاستدلال يقتضي الاتِّصال، لكن قال الخفاجيُّ: إنَّ كون
الاستدلال مبنيًّا على الاتصال غيرُ مسلَّمٍ، فتأمَّل(٢).
والظاهر: ((أفترى على الله كذباً أم به جِنَّةٌ)) من قول بعضهم لبعض.
وفي ((البحر))(٣): يحتملُ أنْ يكون من كلام السامع المجيب لمن قال: ((هل
ندلُّكم)) رَدَّدَ بين شيئين، ولم يجزم بأحدهما لما في كلٍّ من الفظاعة.
﴿بَلِ اٌلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالشَّلَلِ الْبَعِدِ ﴾﴾ إبطالٌ من جهته تعالی
لما قالوا بقسيميه، وإثباتُ ما هو أشدُّ وأفظعُ لهم، ولذا وضع ((الذين لا يؤمنون))
موضعَ الضمير توبيخاً لهم، وايماءً إلى سبب الحكم بما بعده، كأنَّه قيل: ليس الأمر
كما زعموا، بل هم في كمال اختلال العقل، وغاية الصَّلال عن الفهم والإدراك الذي
هو الجنون حقيقةً، وفيما يؤدِّي إليه ذلك من العذاب؛ حيث أنكروا حكمةَ الله تعالى
في خلق العالم، وكذَّبوه عزَّ وجلَّ في وعده ووعيده، وتعرَّضوا لسخطه سبحانه.
وتقديم العذاب على ما يوجبُه ويستتبعه؛ للمسارعة إلى بيان ما يسوءهم ويفتُّ
في أعضادهم، والإشعارِ بغاية سرعة ترتُّبه عليه، كأنَّه يسابقه فيسبقه. ووصف
(١) زيادة يقتضيها السياق، وفي حاشية الشهاب: والترقي المذكور حاصلٌ مع الاتصال أيضاً.
(٢) حاشية الشهاب ٧/ ١٩٢.
(٣) ٢٦٠/٧.

٢٦
الآية : ٩
الضلال بالبعيد الذي هو وصفُ الضالِّ للمبالغة؛ لأنَّ ضلالهم إذا كان بعيداً في
نفسه، فکیف بهم أنفسِهم؟!
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضَِّ إِن ◌َّشَأْ
نَخِْفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُشْقِطْ عَيْهِمْ كِنَفَّا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قيل: هو استئنافٌ مسوقٌ
لتذكيرهم بما يعاينون ممَّا يدلُّ على كمال قدرته عزَّ وجلَّ، وتنبيههم على ما يحتمل
أنْ يقعَ من الأمور الهائلة في ذلك؛ إزاحةً لاستحالتهم الإحياء، حتى قالوا ما قالوا
فيمن أخبرهم به، وتهديداً على ما اجترؤوا عليه.
والمعنى: أَعَمُوا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض، ولم
يتفكّروا أنَّهم أشدُّ خلقاً أم هي؟ وأنَّا ((إن نشأ نخسف بهم الأرض)) كما خسفناها
بقارون، ((أو نسقط عليهم كسفاً)) أي: قطعاً ((من السماء)) كما أسقطنا على أصحاب
الأيكة؛ لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات.
وهو تفسيرٌ ملائمٌ للمقام، إلَّا أنَّ ربطَ قوله تعالى: ((إن نشأ)) إلخ بما قبله
بالطريق الذي ذكره بعيدٌ.
وفي ((البحر)) أنَّه تعالى وَقَفهم في ذلك على قدرته الباهرة، وحَذَّرهم إحاطة
السماء والأرض بهم، وكأنَّ ثَمَّ حالاً محذوفةً، أي: أفلا يرون إلى ما يحيطُ بهم
من سماءٍ وأرضٍ مقهوراً(١) تحتَ قدرتنا، نتصرَّفُ فيه كما نريد؟ ((إنْ نشأ نخسف
بهم الأرض)) إلخ. أو: أفلم(٢) ينظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم محيطاً بهم،
وهم مقهورون فيما بينه؟ ((إن نشأ)) إلخ. ولا يخلو عن شيء.
وقال العلّامة أبو السعود: إنَّ قوله تعالى: ((أفلم يروا)) إلخ استئنافٌ مسوقٌ
التهويل ما اجترؤوا عليه من تكذيبٍ آيات الله تعالى، واستعظامٍ ما قالوا في حقّه
عليه الصلاة والسلام، وأنَّه من العظائم الموجبة لنزول أشدِّ العقاب، وحلولِ أفظع
العذاب من غير رَيْثٍ وتأخير. وقوله تعالى: ((إن نشأ)) إلخ بيانٌ لما ينبئ عنه ذكر
(١) في الأصل، والبحر المحيط ٧/ ٢٦٠: مقهور. والمثبت من (م).
(٢) في الأصل و(م): فلم، والمثبت من البحر.

الآية : ٩
٢٧
سُوٌَّلا ◌َكَبًا
إحاطتهما بهم من المحذور المتوقّع من جهتهما، وفيه تنبيهٌ على أنَّه لم يبقَ من
أسباب وقوعه إلَّا تعلُّقُ المشيئة به، أي: فعلوا ما فعلوا من المنكر الهائل المستتبع
للعقوبة، فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم من جميع جوانبهم، بحيثُ لا مفرَّ لهم عنه
ولا محيص؟ ((إنْ نشأ)) جرياً على موجب جناياتهم ((نخسف)) إلخ(١).
ولا يخفى أنَّ فيه بُعْداً وضعفَ ربطٍ بالنسبة إلى ما سمعت أوَّلاً، مع أنَّ ما بَعْدُ
ليس فيه كثيرُ ملاءَمةٍ لما قبلَه عليه. ويخطر لي أنَّ قوله تعالى: ((أفلم يروا)) مسوقٌ
التذكيرهم بأظهر شيءٍ لهم - بحيث إنهم يعاينونه أينما التفتوا، ولا يغيبُ عن
أبصارهم حيثما ذهبوا - يدلُّ على كمال قدرته عزَّ وجلَّ؛ إزاحةً لمَا دعاهم إلى ذلك
الاستهزاء والوقيعة بسيِّد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، من زعمهم قصورَ
قدرته تعالى عن البعث والإحياء؛ ضرورةَ أنَّ من قَدِرَ على خلق تلك الأجرام
العظام لا يعجزُه إعادةُ أجسامٍ هي كَلا شيءٍ بالنسبة إلى تلك الأجرام، كما قال
سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ الْتَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]
وفيه من التنبيه على مزيد جهلهم المشارِ إليه بالضلال البعيد ما فيه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر ممَّا بين أيديهم وما خلفهم من
السماء والأرض ﴿لَيَّةً﴾ أي: لدلالةً واضحةً على كمال قدرة الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه
لا يعجزه البعث بعد الموت وتفرُّقِ الأجزاءِ المحاطة بهما. ﴿لَكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾﴾
أي: راجعٍ إلى ربِّه تعالى، مطيع له جلَّ شأنه؛ لأنَّ المنيبَ لا يخلو من النظر في
آيات الله عزَّ وجلَّ والتفكّر فيها = كالتعليل لِمَا يُشعر به قوله سبحانه: ((أفلم
يروا)) إلخ من الحثِّ على الاستدلال بذلك على ما يزيحُ إنكارهم البعثَ. وفيه
تعريضٌ بأنَّهم مُعْرِضون عن ربِّهم سبحانه، غيرُ مطيعين له جلَّ وعلا، وتَخلُّصٌ إلى
ذكر المنيبين إليه تعالى على قول، وقوله تعالى: ((إنْ نشأ)) كالاعتراض جيء به
لتأكيد تقصيرهم، والتنبيهِ على أنَّهم بلغوا فيه مبلغاً يستحقُّون به في الدنيا - فضلاً
عن الأخرى - نزولَ أشدِّ العقاب، وحلولَ أفظع العذاب، وأنَّه لم يبق من أسباب
ذلك إلَّا تعلُّق المشيئة به، إلَّا أنَّها لم تتعلَّق لحكمة.
(١) تفسير أبي السعود ١٢٣/٧.

٢٨
الآية : ١٠
وظَنِّي أنه حسن، وتحتملُ الآية غير ذلك، والله تعالى أعلمُ بأسرار كتابه.
وقيل: إنَّ ((ذلك)) إشارةٌ إلى مصدر ((يروا))، وهو الرؤية، وذُكِّرَ لتأويله بالنظر،
والمراد به الفكر.
وقيل: إشارةٌ إلى ما تُليَ من الوحي الناطق بما ذكر.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن وثَّاب وعيسى والأعمش وابنُ مصرِّف: ((يشأ))
و((يخسف)) و((يسقط)) بالياء فيهنَّ، وأدغمَ الكسائيُّ الفاء في الباء في: ((يخسف
بهم»(١) .
قال أبو عليّ: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ الباء أضعف في الصوت من الفاء،
فلا تدغم فيها، وإن كانت الباء تدغم في الفاء نحو: اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم
الباء في الميم، نحو: اضرب مالكاً، ولا تدغم الميم في الباء، نحو: اضمم
بك(٢)؛ لأنَّ الباء انحطّت عن الميم بفقد الغنَّة التي فيها.
وقال الزمخشريُّ: قرأ الكسائيُّ: ((يخسف بهم)) بالإدغام، وليست بقوية(٣).
وأنت تعلم أنَّ القراءةَ سنَّةٌ مثَّبعة، ويوجد فيها الفصيحُ والأفصح، وذلك من
تيسير الله تعالى القرآنَ للذكر، وما أدغم الكسائيُّ إلَّا عن سماع، فلا التفاتَ إلى
قول أبي عليٍّ ولا الزمخشريّ.
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً﴾ أي: آتيناه لحسن إنابته وصحَّة توبته فضلاً، أي:
نعمةً وإحساناً .
وقيل: فضلاً وزيادةً على سائر الأنبياء المتقدِّمين عليه، أو أنبياء بني إسرائيل،
أو على من عدا نبينا وَّر؛ لأنَّه ما من فضيلةٍ في أحدٍ من الأنبياء عليهم السلام
إلا وقد أوتيَ عليه الصلاة والسلام مثلها بالفعل، أو تمكَّن منها فلم يختر إظهارَها.
(١) البحر المحيط ٧/ ٢٦٠. وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٤٩/٢.
وهي قراءة خلف من العشرة.
(٢) في الحجة لأبي علي الفارسي ٩/٦: اضمم بكراً.
(٣) الكشاف ٢٨١/٣.

الآية : ١٠
٢٩
سُورَةٌ سَبًا
أو على الأنبياء مطلقاً، وقد يكون في المفضول ما ليس في غيره، وقد انفردَ
عليه السلام بما ذُكر هاهنا .
وقيل: أو على سائر الناس، فيندرجُ فيه النبوّة والكتاب والملك والصوتُ
الحسن .
وتُعقِّبَ بأنَّه إن أريد أنَّ كلّ منها فضلٌ لا يوجد في سائر الناس، فعدمُ مِثْلٍ
ملكِه وصوته محلُّ شبهةٍ، وإن أريد المجموع من حيث هو، ففيه أنَّه غيرُ موجودٍ في
الأنبياء أيضاً، فلا وجه لتخصيصه بهذا الوجه.
وأنا أرى الفضلَ لتفسير الفضل بالإحسان. وتنكيرُه للتفخيم، و((منَّا)) أي:
بلا واسطةٍ، لتأكيد فخامته الذاتيّة بفخامته الإضافيَّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ
مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وتقديمه على المفعول الصريح؛ للاهتمام بالمقدَّم،
والتشويق إلى المؤشّر؛ ليتمگَّن في النفس عند وروده فضل تمكُّن.
وذكر شؤون داود وسليمان عليهما السلام هنا لمناسبة ذكر المنيب في قوله
تعالى: (إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) كما أشرنا إليه.
وقال أبو حيَّان: مناسبةُ قصَّتيهما عليهما السلام لما قبلها هي أنَّ أولئك الكفّار
أَنكروا البعثَ لاستحالته في زعمهم، فأُخبروا بوقوع ما هو مستحيلٌ في العادة ممَّا
لا يمكنهم إنكارُه، إذ طفحَت ببعضه أخبارهم وأشعارهم(١).
وقيل: ذكر سبحانه نعمتَه عليهما احتجاجاً على ما منحَ نبيَّنَا وَيهِ، كأنَّه قيل:
لا تستبعدوا هذا، فقد تفضَّلنا على عبيدنا قديماً بكذا وكذا، فلمَّا فرغَ التمثيلُ له
عليه الصلاة والسلام رجعَ التمثيلُ لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتوّ.
﴿يَجِبَالُ أَوِّبِ مَعَدُ﴾ أي: سبِّحي معه، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد،
وأخرجه ابنُ جرير عن أبي ميسرة، إلّا أنه قال: معناه ذلك بلغة الحبشة(٢).
(١) البحر المحيط ٧/ ٢٦٢.
(٢) تفسير الطبري ١٩/ ٢٢٠.
.
:

٣٠
الآية : ١٠
والظاهرُ أنَّه عربيٍّ من التأويب، والمراد: رَجِّعي معه التسبيح، وردِّديه.
وقال ابنُ عطية: إن أصلَ ماضيه: آب، وضُعِّفَ للمبالغة(١).
وتعقّبه في ((البحر)) بقوله: ويظهر أنَّ التضعيفَ للتعدية؛ لأنَّ آبَ بمعنى رجع
لازمٌ صلته اللام(٢)، فعُدِّيَ بالتضعيف، إذ شرحوه بقولهم: رجِّعي معه التسبيح(٣).
يُروى أنَّه عليه السلام كان إذا سَبَّح سبَّحت الجبالُ مثل تسبيحه بصوتٍ يُسمَع
منها، ولا يعجزُ الله عزَّ وجلَّ أن يجعلَها بحيثُ تسبِّح بصوتٍ يُسمَع، وقد سبَّح
الحصَى في كفّ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وسُمِع تسبيحُه، وكذا في كفِّ
أبي بكرٍ عُه(٤). ولا يبعدُ على هذا أن يقال: إنَّه تعالى خَلَق فيها الفهمَ أوَّلاً،
فناداها كما يُنادَى أولو الفهم وأَمَرَها .
وقال بعضهم: إنَّه سبحانه نَزَّلَ الجبالَ منزلةَ العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا
وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا؛ إشعاراً بأنَّه ما من حيوانٍ وجمادٍ إلَّا وهو
منقادٌ لمشيئته تعالى، غيرُ ممتنعٍ على إرادته سبحانه، ودلالةً على عزَّة الربوبيَّة
وكبرياء الألوهيَّة، حيث نادى الجبال وأمرَها .
وقيل: المراد بتأويبها حملُها إِيَّاه على التسبيح إذا تأمَّل ما فيها. وفيه مع كونه
خلاف المأثور أنَّ ((معه)) يأباه، وأيضاً لا اختصاص له عليه السلام بتأويب الجبال
بهذا المعنى، حتى يُفَضَّل به، أو يكون معجزةً له.
وقيل: كان عليه السلام ينوحُ على ذَنْبِه بترجيعٍ وتحزين، وكانت الجبالُ
تسعدُه بأصدائها. وفيه أنَّ الصدى ليس بصوتِ الجبالَ حقيقةً، وإنَّما هو من آثار
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٤٠٧.
(٢) العبارة في البحر ٧/ ٢٦٢: وينظر أن التضعيف للتعدية، وليس للمبالغة؛ إذ اصله آبَ، وهو
لازم بمعنى رجع اللازم .. ، ففي عبارة المصنف تحريف، ومما يدل على ذلك أن آب
بمعنى رجع يتعدى بـ ((إلى)) وليس باللام. ينظر غريب الحديث لابن قتيبة ١٢١/٢، واللسان
والتاج (أوب)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف ص١١ .
(٣) سلف ٢/ ٢٥٤.

الآية : ١٠
٣١
صوتٍ المتكلِّم على ما قام عليه البرهان، والله تعالى نادى الجبال، وأمرها أن
تُؤَوِّبَ معه، وأيضاً أيُّ اختصاصٍ له عليه السلام بذلك، ولصوت كلِّ أحدٍ صدّى
عند الجبال؟
وعن الحسن أنَّ معنى ((أوِّبي معه)): سيري معه أينَ سار. والتأويب سيرُ النهار،
كأنَّ الإنسان يسيرُ الليل، ثم يُرَجِّعُ السيرَ بالنهار، أي: يردِّده. ومن ذلك قول
تميم بن مقبل :
لحقنا بحيٍّ أوَّبوا السيرَ بعدما دَفعنا شعاعَ الشمسِ والطَّرفُ يجنحُ(١)
وقول آخر :
يومان يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ ويومُ سيرٍ إلى الأعداء تأويبٍ(٢)
وأورد عليه أنَّ الجبالَ أوتادُ الأرض، ولم ينقل سيرُها مع داود عليه السلام أو
غيره.
وقيل: المعنى: تصرَّفي معه على ما يتصرَّف فيه، فكانت إذا سبَّح سبَّحت، وإذا
ناح ناحت، وإذا قرأ الزبور قرأت.
وتُعقِّبَ بأَنَّه لم يعرف التأويبُ بمعنى التصرُّف في لغة العرب.
وقيل: المعنى: ارجعي إلى مراده فيما يريد؛ من حفرٍ، واستنباطِ أعينٍ،
واستخراج معدن، ووضع طريق.
والجملةُ معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ، أي: قولنا: يا جبال، على أنَّه بدل من ((فضلاً))
بدلَ كلٍّ من كلٍّ، أو بدلَ اشتمال، أو: قلنا: يا جبال، على أنَّه بدلٌ من ((آتينا)).
وجُوِّزَ كونُه بدلاً من ((فضلاً)) بناءً على أنَّه يجوز إبدال الجملة من المفرد، وجَوَّزّ
(١) هو في ذيل ديوان تميم بن أبيّ بن مقبل رقم (١٤)، وغريب القرآن لابن قتيبة ص٣٥٣.
(٢) البيت لسلامة بن جندل، وهو في ديوانه ص٩٤ والمفضليات ص ١٢٠، وخزانة الأدب
٢٧/٤. قال البغدادي: المقامة بالفتح: المجلس، وروى أبو عمرو بالضم بمعنى الإقامة.
والأندية: الأفنية، والندي والنادي: المجلس ... وتأويب: صفة سير، وهو السرعة في
السير والإمعان فيه.

٣٢
الآية : ١٠
أبو حيان الاستئناف(١)، وليس بذاك.
وقرأ ابنُ عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق: ((أُوْبِي)) بضمِّ الهمزة وسكون
الواو (٢)، أمرٌ من الأَوْب، وهو الرجوع، وفرَّقَ بينهما الراغبُ بأنَّ الأَوْبَ لا يُقال
إلّا في الحيوان الذي له إرادة، والرجوع يقال فيه وفي غيره(٣).
والمعنى على هذه القراءة عند الجمهور: ارجعي معه في التسبيح، وأمرُ الجبال
كأمر الواحدة المؤنثة؛ لأنَّ جمع ما لا يعقل يجوزُ فيه ذلك، ومنه: يا خيل الله
اركبي، وكذا: ﴿مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وقد جاء ذلك في جمع من يعقل من
المؤنَّث، قال الشاعر:
تركنا الخيل والنعمَ المقدَّی
وقلنا للنساء بها أقيمي(٤)
لكن هذا قليل.
﴿وَالطَّيْرِّ﴾ بالنصب، وهو عند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعلٍ تقديره: وسخّرنا
له الطير، وحكى أبو عبيدة عنه أنَّ ذاك بالعطف على ((فضلاً))(٥)، ولا حاجةَ إلى
الإضمار؛ لأنَّ إيتاءها إِيَّه عليه السلام تسخيرُها له. وذكر الطيبيُّ أنَّ ذلك كقوله:
علفُها تبناً وماءً باردا(٦)
وقال الكسائيُّ بالعطف أيضاً، إلَّا أنَّه قدَّر مضافاً، أي: وتسبيح الطير.
ولا يُحتاج إليه.
وقال سيبويه: ((الطير)) معطوفٌ على محلِّ ((جبال))(٧) نحو قوله:
(١) البحر المحيط ٧/ ٢٦٢.
(٢) القراءات الشاذة ص١٢١، والبحر المحيط ٢٦٣/٧.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن (أوب).
(٤) البيت لم يعرف قائله، وسلف ١٤/ ١٨٣.
(٥) مجاز القرآن ١٤٣/٢ .
(٦) عجز بيت لا يعرف قائله، وسلف ٣/ ٣٦٠ و٢٩١/٥.
(٧) كذا قال، وسيبويه في الكتاب قد نقل هذا عن الخليل، ثم نقل عنه اختيار الرفع في مثل هذه
المسألة. ينظر الكتاب ١٨٦/٢-١٨٧، والبحر ٢٦٣/٧.

الآية : ١٠
٣٣
ألا يا زيدُ والضحاكَ سِيرًا(١)
بنصب الضَّحاك، ومنعه بعضُ النحويين؛ للزوم دخول ((يا)) على المنادى
المعرَّف بـ ((أل))، والمجيزُ يقول: رُبَّ شيءٍ يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً.
وقال الزَّجَّاج: هو منصوبٌ على أنَّه مفعول معه(٢).
وتعقّبه أبو حيان بأنَّه لا يجوز؛ لأن قبله ((معه))، ولا يقتضي [الفعل] اثنين من
المفعول معه إلَّا على البدل أو العطف، فكما لا يجوز: جاء زيدٌ مع عمرو مع
زينب، إلَّا بالعطف، كذلك هذا(٣).
وقال الخفاجيُّ: لا يأباه ((معه)) سواءٌ تعلَّق بـ ((أوِّبي)) على أنَّه ظرفٌ لغوٌ، أو
مُجُعِل حالاً؛ لأنهما معمولان متغايران، إذ الظرفُ والحال غيرُ المفعول معه، وكلٌّ
منها بابٌ على حدة، وإنَّما الموهم لذلك لفظ المعيَّة، فما اعترض به أبو حيَّان غيرُ
متوجّه وإنْ تُنَّ كذلك، وأقبحُ من الذنب الاعتذارُ؛ حيث أُجيبَ بأنَّه يجوزُ أن
يُقال: حُذفت واوُ العطف من قوله تعالى: ((والطير)) استثقالاً لاجتماع الواوين، أو
اعتبر تعلُّق الثاني بعد تعلُّق الأوَّل(٤).
وقرأ السلميُّ وابنُ هرمز وأبو يحيى وأبو نوفل ويعقوب وابنُ أبي عبلة وجماعةٌ
من أهل المدينة وعاصم في رواية: ((والطيرُ)) بالرفع(٥)، وخُرِّجَ على أنَّه معطوفٌ
(١) أورده أبو بكر ابن الأنباريُّ في الأضداد ص٥٣، وابن فارس في مقاييس اللغة ٢١٦/٢،
والهروي في الأزهية ص١٦٥، وابن السيد البطليوسي في الحلل ص١٩٦، وابن
يعيش في شرح المفصل ١٢٩/١ دون نسبة. قال ابن يعيش: يروى برفع الضحاك
ونصبه .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٤٣/٤.
(٣) البحر المحيط ٢٦٣/٧، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) حاشية الشهاب ٧/ ١٩٣.
(٥) البحر المحيط ٢٦٣/٧، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢١ عن الأعرج
وعبد الوارث عن أبي عمرو. وذكر القرطبي في تفسيره ٢٦٢/١٧ أنها قراءة ابن أبي إسحاق،
ونصر عن عاصم، وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك.
H

٣٤
الآية : ١١
على ((جبال)) باعتبار لفظه، وحركتُه لعروضها تشبه حركة الإعراب، ويُغتفرُ في التابع
ما لا يُغتفرُ في المتبوع.
وقيل: معطوف على الضمير المستتر في ((أوِّبي))، وَسوَّغَ ذلك الفصلُ
بالظرف.
وقيل: هو بتقدير: ولتؤوب الطيرُ، نظيرُ ما قيل في قوله تعالى: ﴿أَشْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]
وقيل: هو مرفوعٌ بالابتداء، والخبر محذوف، أي: والطير تؤوب.
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾ وجعلناه في يده كالشمع والعجين يصرِّفه كما يشاء من
غير نارٍ ولا ضربٍ مطرقة، قاله السُّدِّيُّ وغيره.
وقيل: جعلناه بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إِيَّاه ليِّناً كالشمع بالنسبة إلى قوى
سائر البشر.
﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ﴾((أن)) مصدريَّة، وهي على إسقاط حرف الجرِّ، أي: ألنّا له
الحديد لعمل سابغات، أو: وأمرناه بعمل سابغاتٍ. والأوَّل أولى.
وأجاز الحوفيُّ وغيرُه أن تكون مفسِّرةً، ولمَّا كان شرطُ المفسِّرة أن يتقدّمها
معنى القول دون حروفه، و((ألنَّا)) ليس فيه ذلك، قَدَّر بعضهم قبلها فعلاً محذوفاً فيه
معنى القول؛ ليصحَّ كونها مفسِّرةً، أي: وأمرناه أن اعمل، أي: أي اعمل.
وأورد عليه أنَّ حذف المفسَّر لم يعهد.
والسابغات: الدروع، وأصله صفةٌ من السبوغ، وهو التمام والكمال، فغلب
على الدروع كالأبطح، قال الشاعر:
= قال ابن الجزري في النشر ٣٤٩/٢: انفرد ابن مهران عن هبة الله بن جعفر عن أصحابه عن
روح [راوية يعقوب] برفع الراء من ((والطير))، وهي رواية زيد عن يعقوب، ووردت عن
عاصم وأبي عمرو. اهـ.
وقراءة عاصم وأبي عمرو المشهورة عنهما بالنصب كقراءة الجمهور.

الآية : ١١
٣٥
سُوٌلاَ نُبًا
تقي المنونَ لَدَى استيفاءِ آجالٍ(١)
لا سابغاتٍ ولا جاواءً باسلةٌ
ويقال: سوابغ أيضاً، كما في قوله:
سوابغُ بيضٌ لا تُخَرِّقُها الثَّبلُ(٢)
عليها أسودٌ ضارياتٌ لَبوسُهم
فلا حاجةً إلى تقدير موصوف، أي: دروعاً سابغات.
ولا يَرِدُ هذا نقضاً على ما قيل: إنَّ الصفة ما لم تكن مختصَّةً بالموصوف،
کحائض، لا يحذفُ موصوفها .
وقرئ: ((صابغات)) بإبدال السين صاداً لأجل الغين(٣).
﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ السرد(٤) في الأصل - كما قال الراغب -: خَرْزُ ما يخشن
ويغلظُ، قال الشماخ:
فظلَّت سراعاً خيلُنا في بيوتكم كما تابعتْ سردَ العِنان الخوارزُ
واستعير لنظم الحديد(٥).
وفي ((البحر)): هو إتباعُ الشيء بالشيء من جنسه، ويقال للدرع: مسرودة؛ لأنَّه
توبع فيها الحَلَق بالحَلَق، قال الشاعر:
داودُ أو صَنَعُ السوابغِ تُبَّعُ
وعليهما مسرودتانِ قضاهُما
ولصانعها: سَرَّاد، وزرَّاد بإبدال السين زاياً (٦).
(١) هو في شرح قطر الندى لابن هشام ص ٢٨١ بتحقيق محيي الدين عبد الحميد، وشرح
الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان ٨/٢ دون نسبة. وجأواء: الجيش العظيم.
(٢) هو لزهير بن أبي سلمى كما في ديوانه ص١٠٣ .
(٣) الكشاف ٢٨٢/٣، والبحر المحيط ٢٦٣/٧، وحاشية الشهاب ١٩٣/٧.
(٤) بعدها في (م): نسج.
(٥) مفردات الراغب (سرد) دون ذكر البيت، وهو في ديوان الشماخ ص١٩٤، وصدره فيه:
شككن بأحساء الذِّنَابِ على هُدِّى
وذكره بمثل رواية المصنف القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦٥، لكن فيه: تباعاً. بدل: سراعاً.
(٦) البحر ٢٥٥/٧، والبيت سلف ١٦٩/٧.

سُالانباء
٣٦
الآية : ١١
وفسّره هنا غيرُ واحدٍ بالنسج، وقال: المعنى: اقتصد في نسج الدروع بحيثُ
تتناسبُ حلقها. وابنُ عباس - فيما أخرجه عنه ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
من طرقٍ - بالحلق(١)، أي: اجعل حلقها على مقادير متناسبة.
وقال ابن زيد: لا تعملها صغيرةً فتضعف، فلا يقوى الدرع على الدفاع،
ولا كبيرةً فيُنال صاحبُها من خلالها.
وجاء في روايةٍ أخرى عن ابن عباس تفسيرُها بالمسامير، وروي ذلك عن قتادة
ومجاهد، أي: قَدِّر مساميرَها فلا تعملها دقاقاً ولا غلاظاً، أي: اجعلها على مقدارٍ
معيَّنٍ دَّةً وغيرها، مناسبة للثقب الذي ميِّئ لها في الحلقة، فإنَّها إن كانت دقيقةً
اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها، وإن كانت غليظةً خرقت طرف الحلقة الموضوعة
فيه، فلا تمسك أيضاً.
ويبعِدُ هذا أنَّ إلانةَ الحديد له عليه السلام بحيث كان كالشمع والعجين يغني
عن التسمير، فإنَّه بعد جمع الحَلَق وإدخال بعضِه في بعض يزال انفصال طرفي كلِّ
حلقةٍ بمزج الطرفين، كما يمزج طرفًا حلقة من شمع أو عجين، والإحكامُ بذلك أتُّ
من الإحكام بالتسمير، بل لا يبقى معه حاجةٌ إلى التسمير أصلاً، فلعلَّه إنْ صَّ
مبنيٌّ على أنَّه عليه السلام كان يعملُ الحَلَقَ من غير مزجٍ لطرفي كلٍّ، فيسمِّر
للإحكام بعد إدخال بعضه في بعض، ويظهر ذلك على التفسير الثاني لقوله تعالى:
(ألنَّا له الحديد))، إذ غايةُ القوَّة كسرُ الحديد كما يريد من غير آلةٍ، دون وصل بعضه
ببعض، ولا يعارضُ ذلك ما نُقِل عن البقاعيِّ أنَّه قال: أخبرنا بعضُ من رأى
ما نسب إلى داود عليه السلام من الدروع أنَّه بغير مسامير(٢)، فإنَّه نقلٌ عن مجهولٍ،
فلا يلتفتُ لمثلِه.
وقيل: معنى «قدِّر في السّرْد»: لا تصرف جمیعَ أوقاتك فیه، بل مقدار ما يحصل
به القوت، وأمَّا الباقي فاصرفه إلى العبادة؛ قيل: وهو الأنسب بالأمر الآتي.
(١) الدر المنثور ٢٢٧/٥، وأخرجه الطبري ٢٢٤/١٩.
(٢) نظم الدرر ٤٥٩/١٥ .

الآية : ١١
٣٧
سُورَةٌ سَبًا
وحكي أنَّه عليه السلام أوَّل من صنعَ الدرع حَلَقاً، وكانت قبلُ صفائح، وروي
ذلك عن قتادة.
وعن مقاتل أنَّه عليه السلام حين ملك على بني إسرائيل يخرجُ متنكِّراً فيسألُ
الناس عن حالِهِ، فعرضَ له مَلَكٌ في صورة إنسانٍ، فسأله، فقال: نِعْمَ
العبدُ لولا خَلَّةٌ فيه، فقال: وما هي؟ قال: يُرزق من بيت المال، ولو أكلَ من
عمل يده تمَّتْ فضائله، فدعا الله تعالى أن يعلِّمَه صنعةً، ويسهِّلها عليه، فعلَّمه
صنعةً الدروع، وألانَ له الحديد، فأثرى، وكان ينفقُ ثلثَ المال في مصالح
المسلمين، وكان يَفرُغُ من الدرع في بعض يومٍ، أو في بعض ليل، وثمنها ألف
درهم.
وأخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) وابن أبي حاتم عن ابن شوذب
قال: كان داود عليه السلام يرفعُ في كلِّ يومٍ درعاً، فيبيعها بستَّة آلاف درهم؛ ألفان
له ولأهله، وأربعة آلاف يطعمُ بها بني إسرائيل الخبز الحُوَّارَى(١).
وقيل: كان يبيعُ الدرع بأربعة آلاف، فينفقُ منها على نفسه وعياله، ويتصدَّق
على الفقراء.
وفي ((مجمع البيان)) عن الصادق به أنَّه عمل ثلاث مئة وستين درعاً فباعها
بثلاث مئة وستين ألف درهم، فاستغنى عن بيت المال(٢).
﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً﴾ خطابٌ لداود وآله عليهم السلام، وهم وإنْ لم يَجْرِ لهم
ذكرٌ، يفهمون - على ما قال الخفاجيُّ - التزاماً من ذكره(٣). وجُوِّزَ أنْ يكون خطاباً
له عليه السلام خاصَّةً على سبيل التعظيم.
(١) الدر المنثور ٢٢٧/٥، وهو في نوادر الأصول ١١٢/١، والحُوَّاری بالضم وتشديد الواو
وراءٍ مفتوحة: ما حوِّر من الطعام، أي: بيض. والخبز الحوَّارى للذي نخل مرة بعد مرة.
الصحاح والنهاية (حور).
(٢) مجمع البيان ١٨٩/٢٢.
(٣) حاشية الخفاجي ١٩٣/٧ -١٩٤.

سُورَانَكَبًا
٣٨
الآية : ١٢
وأيَّاً ما كان، فالظاهرُ أنه أمرٌ بالعمل الصالح مطلقاً، وليس هو على الوجه
الثاني أمراً بعمل الدروع خاليةً من عيب.
﴿إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾﴾ فأجازيكم به، وهو تعليلٌ للأمر، أو لوجوب
الامتثال به على وجه الترغيب والترهيب.
﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ﴾ أي: وسخَّرنا له الريح، وقيل: ((لسليمان)) عطف على ((له)) في
(ألنَّا له الحديد))، و((الريح)) عطف على ((الحديد))، وإلانةُ الريح عبارةٌ عن تسخيرها .
وقرأ أبو بكر: ((الرِّيْحُ)) بالرفع(١) على أنَّه مبتدأ، و((لسليمان)) خبرُه، والكلام
على تقدير مضاف، أي: ولسليمان تسخيرُ الريح. وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّه مبتدأ،
ومتعلَّق الجارِّ كونٌ خاصٌّ، هو الخبر، وليس هناك مضافٌ مقدَّر، أي: ولسليمان
الريحُ مسخّرةٌ.
وعندي أنَّ الجملةَ على القراءتين معطوفةٌ على قوله تعالى: ((ولقد آتينا داودَ منَّا
فضلاً)) إلخ عطف القصّة على القصّة.
وقال ابنُ الشيخ: العطفُ على القراءة الأولى على ((ألنًّا له الحديد))، وكلتا
الجملتين فعليَّةٌ، وعلى القراءة الثانية العطفُ على اسميَّة مقدَّرة دلَّت عليها تلك
الجملة الفعليّة، لا عليها؛ للتخالف، فكأنَّه قيل: ما ذكرنا لداود، ولسليمان الريح؛
فإنَّها كانت له كالمملوك المختصِّ بالمالك، يأمرُها بما يريد، ويسيرُ عليها
حيثما يشاء. ثم قال: وإنَّما لم يقل: ومع سليمان الريح؛ لأنَّ حركتها ليست بحركة
سليمان، بل هي تتحرك بنفسها، وتحركُ سليمان وجنوده بحركتها، وتسيرُ بهم حيث
شاء، وهذا على خلاف تأويب الجبال، فإنَّه كان تبعاً لتأويب داود عليه السلام،
فلذا جيء هناك بـ «معه)).
وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وخالد بن إلياس: ((الرياحُ)) بالرفع جمعاً (٢).
(١) التيسير ص ١٨٠، والنشر ٣٤٩/٢.
(٢) البحر المحيط ٢٦٤/٧، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢١ عن أبي حيوة
فقط .

الآية : ١٢
٣٩
سُورَةٌ نَكيا
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: جريُها بالغداة مسيرة شهر، وجريُها بالعشيِّ
كذلك، والجملة إمَّا مستأنفةٌ، أو حالٌ من ((الريح))، ولا بدَّ من تقدير مضاف في
الخبر؛ لأنَّ الغدوَّ والرواحَ ليسا (١) نفس الشهر، وإنَّما يكونان فيه، ولا حاجةً إلى
تقديرٍ في المبتدأ كما فعل مكِّيٍّ، حيث قال: أي: مسير غدوِّها مسيرة شهر، ومسير
رواحها كذلك(٢)؛ لما لا يخفى.
وقال ابنُ الحاجب في ((أماليه)): الفائدةُ في إعادة لفظ الشهر الإعلامُ بمقدار
زمن الغدوِّ وزمن الرواح، والألفاظ التي تأتي مبيِّنةً للمقادير لا يحسنُ فيها
الإضمار، ألا ترى أنَّك تقول: زنةُ هذا مثقال، وزنةُ هذا مثقال، فلا يحسن
الإضمار، كما لا يحسنُ في التمييز، وأيضاً فإنَّه لو أضمر، فالضمير إنَّما يكونُ
لما تقدَّم باعتبار خصوصيَّته، فإذا لم يكن له بذلك الاعتبار وجب العدول إلى
الظاهر، ألا ترى أنَّك إذا أكرمتَ رجلاً وكسوتَ ذلك الرجل بخصوصه لكانت
العبارة: أكرمتُ رجلاً وكسوتُه، ولو أكرمتَ رجلاً وكسوتَ رجلاً آخر لكانت
العبارة: أكرمتُ رجلاً وكسوتُ رجلاً، فتبيَّن أنَّه ليس من وضع الظاهر موضع
الضمير(٣)، كذا في ((حواشي الطيبي)) عليه الرحمة.
ولا يخفى أنَّ ما ذكره مبنيٌّ على ما هو الغالب، وإلَّا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا
يُعَتَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ﴾ [فاطر: ١١]، ولم يقتصر على الإعلام بزمن الغدوِّ
ليقاس عليه زمن الرواح؛ لأنَّ الريح كثيراً ما تسكنُ أو تضعفُ حركتُها بالعشيِّ،
فدُفِعَ بالتنصيص على بيان زمن الرواح توقُّمُ اختلاف الزمانين.
قال قتادة: كانت الريح تقطعُ به عليه السلام في الغدوِّ إلى الزوال مسيرةً شهرٍ،
وفي الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر.
وأخرجَ أحمد في ((الزهد)) عن الحسن أنَّه قال في الآية: كان سليمانُ عليه
(١) في (م): ليس.
(٢) مشكل إعراب القرآن ٢ / ٥٨٤.
(٣) أمالي ابن الحاجب ٢٧٢/١.

سُوٌَّلاَ مَنُبًا
٤٠
الآية : ١٢
السلام يغدو من بيت المقدس، فيَقيلُ بإصطخر، ثم يروحُ من إصطخر، فَيَقيلُ بقلعة
خراسان (١).
وقد ذُكر حديثُ هذه الريح في بعض الأشعار القديمة، قال وهب - ونقلَه عنه
في ((البحر)): وجدتُ أبياتاً منقورةً في صخرةٍ بأرض كَسْكَر(٢) لبعضٍ أصحاب
سليمان عليه السلام وهي:
نروحُ من الأوطان من أرضٍ تدمرٍ
ونحن ولا حولٌ سوی حول ربِّنا
مسيرةً شهرٍ والغدوُّ لآخرٍ
إذا نحنُ رحنا کان ریثُ رواچِنا
بنصرٍ ابن داودَ النبيِّ المطهّرِ
أناسٌ شَرَوا لله طوعاً نفوسَهم
وإن نُسِبوا يوماً فمن خير معشرٍ
لهم في معالي الدين فضلٌ ورفعةٌ
مبادرةً عن شهرها لم تُقَصِّرٍ
متى تُركبُ الريحُ المطيعةُ أسرعت
متى رَفرفتْ من فوقهم لم تُنَفَّرٍ(٣)
تظلُّهم طيرٌ صفوفٌ عليهم
وذكر أيضاً له أنَّه عليه السلام كان مستقرُّه تدمر، وأنَّ الجنَّ قد بنتها له
بالصُّفَّاح(٤) والعمد والرخام الأبيض والأشقر، وقال: وفيه يقول النابغة:
قم في البريَّة فاصددها(٥) عن الفَنَدِ
إلَّا سليمانَ إذ قال الإلهُ له
يبنونَ تدمرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ (٦)
وجيِّشِ الجنَّ إنِّي قد أذنتُ لهم
انتھی .
(١) الدر المنثور ٢٢٧/٥. وإصطخر: مدينة بفارس. معجم البلدان ٢١١/١.
(٢) في مطبوع البحر المحيط ٧/ ٢٦٤: يشكر. وكسكر مكان بالعراق. انظر معجم البلدان ٤/ ٤٦١.
(٣) البحر المحيط ٧/ ٢٦٤. وفي مطبوعه اختلاف يسير في الأبيات.
(٤) الصُّفَّاح بالضم والتشديد: الحجر العريض. الصحاح (صفح).
(٥) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر المحيط، ووقع في ديوان النابغة، وتفسير القرطبي
٢٦٧/١٧، وخزانة الأدب ٤٠٥/٣: فاحددها. وكذا وقع في تفسير الآلوسي أيضاً ٤٨٩/١٢،
وذکر ثمة البيت الأول.
(٦) ديوان النابغة ص٣٣. وفيه وفي تفسير الثعلبي ٧٤/٨، والقرطبي ١٧/ ٢٦٧: وخيِّس.
بدل: وجيِّش. ومعنى خيِّس: ذلل. القاموس (خيس). وقال عبد القادر البغدادي في