النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ٦٩ ٤٨١ سُورَةُ الأَجَْائِ في موسى بعضُ الغلظة عليهم، فلمّا بلغه ذلك قال: ويحكم! إنه كان أخي، أَفَتَروْني أقتلُه؟ فلما أكثروا عليه قام فصلَّى ركعتين ثم دعا الله تعالى، فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدَّقوه(١). وقيل: ما نسبوه إليه عليه السلام من الزنى وحاشاه؛ روي أنَّ قارون أغرى مومسةً على قذفه عليه السلام بنفسها ودفع إليها مالاً عظيماً، فأقرَّت بالمصانعة الجاريةِ بينها وبين قارون، وفُعِلَ به ما فُعِلَ كما فصِّل في سورة القصص، ويُبْعِدُ هذا القولَ تبعيداً مّا جَمْعُ الموصول. وقيل: ما نَسبوا إليه من السحر والجنون. وقيل: ما حُكي عنهم في القرآن من قولهم: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَاً إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] وقولهم: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وقولهم: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَّ نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] إلى غير ذلك. ويمكن حملُ ((ما قالوا)) على جميع ما ذكر. ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ أي: كان ذا جاهٍ ومنزلةٍ عنده عز وجل، وفي معناه قولُ قطرب: كان رفيع القَدْرِ. ونحوُه قول ابن زيد: كان مقبولاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال: ((وجيهاً)): مستجاب الدعوة(٢). وزاد بعضهم: ما سأل شيئاً إلا أُعطي إلا الرؤيةَ في الدنيا. ولا يخفى أنَّ استجابة الدعوة من فروع رِفْعَةِ القَدْر. وقيل: وجاهتُه عليه السلام أنَّ الله تعالى كلَّمه ولقِّب: كليم الله. (١) أخرجه الحاكم ٥٧٨/٢-٥٧٩ من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ◌َّ﴾. ووقع في مطبوع الحاكم: آلف عندهم، بدل: أكفّ عنهم. وهذا الإسناد قال عنه ابن كثير عند تفسير الآية (٣٣) من سورة البقرة: هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور من تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والحاكم يروي بهذا الإسناد بعينه أشياء ويقول: على شرط البخاري. اهـ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (٢) الدر المنثور ٢٢٤/٥ . سُورَةُ الآخْتَائِ ٤٨٢ الآية : ٧٠ وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة: ((عبداً) من العبودة ((الله)) بلام الجرِّ(١)، فيكون ((عبداً)) خبر ((كان))، و((وجيهاً)) صفةً له، وهي قراءةٌ شاذةٌ، وفي صحة القراءة بالشواذِّ كلامٌ. قال ابن خالويه: صلَّيتُ خلف ابن شَتَبوذ في شهر رمضان فسمعته يقرأ: ((وكان عبداً لِلّه)) على قراءة ابن مسعود(٢). ولعل ابنَ شَنَبوذ ممن يرى صحة القراءة بها مطلقاً(٣)، ويحتَملُ مثلُ ذلك في ابن خالويه، وإلا فقد قال الطيبيُّ: قال صاحب ((الروضة)): وتصحُّ بالقراءة الشاذَّة إن لم يكن فيها تغييرُ معنّى ولا زيادةُ حرفٍ ولا نقصان. وهاهنا بين المعنيين بونٌ كما يشير إليه كلام الزمخشريِّ، ونحوُه عن ابن جنِّي(٤). ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في كلِّ ما تأتون وتَذَرون، لاسيما في ارتكابٍ ما يكرهُه تعالى فضلاً عما يؤذي رسولَه وحبيبه اَلل. ﴿وَقُولُواْ﴾ في كلِّ شأنٍ من الشؤون ﴿قَوْلاً سَدِيدًا ﴾﴾ قاصداً ومتوجُّهاً إلى هدف الحقِّ، مِن سَدَّ يَسِدُّ بكسر السين سَدَاداً بفتحها؛ يقال: سدَّد سهمه، إذا وجَّهه للغرض المرميِّ ولم يَعْدِلْ به عن سَمْتِه. والمراد على ما قيل: نهيُهم عن ضدِّ هذا القول، وهو القولُ الذي ليس بسديدٍ، ويدخل فيه ما صدر منهم في قصة زينب من القول الجائر عن العدل والقَصْدِ، وكذا كلُّ قولٍ يؤذيه عليه الصلاة والسلام. (١) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ١٨٥/٢، والكشاف ٢٧٦/٣، والبحر ٢٥٣/٧. والدر المصون ٩/ ١٤٥ . (٢) القراءات الشاذة ص ١٢٠ . (٣) قال السمين في الدر ٩/ ١٤٥: كان رحمه الله (يعني ابن شنبوذ) مولعاً بنقل الشاذ، وحكايته مع ابن مقلة الوزير وابن مجاهد في ذلك مشهورة. اهـ. وينظر ما ورد في ذلك في ترجمة ابن شنبوذ في معرفة القراء الكبار للذهبي ٢٧٦/١ . (٤) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. وكلام الزمخشري في الكشاف ٢٧٦/٣: قراءة العامة أوجه؛ لأنها مُفْصِحةٌ عن وجاهته عند الله، كقوله تعالى: ﴿عِنْدَ ذِى الْعَرَسُ مَكِينٍ﴾ وهذه ليست كذلك. ومثله كلام ابن جني في المحتسب ١٨٥/٢. الآية : ٧١ - ٧٢ ٤٨٣ سُؤَةُ الأَجْزَاب وعن مقاتلٍ وقتادةَ أنَّ المعنى: وقولوا قولاً سديداً في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام وزیدٍ وزینب. وعن ابن عباسٍ وعكرمةَ تخصيصُ القول السديد بـ : لا إله إلا الله. وقيل: هو ما يوافق ظاهرهُ باطنَه. وقيل: ما فيه إصلاحٌ. ولعل ما أشرنا إليه هو الأَوْلى. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ بالقبول والإثابة عليها، على ما روي عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: إصلاحُ الأعمال التوفيقُ في المجيء بها صالحةً مَرْضِيَّةً. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ويجعلها مكفَّرةً باستقامتكم في القول والعمل. ﴿وَمَن يُطِعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي التي من جملتها ما تضمَّنَتْه هذه الآيات ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ في الدارين ﴿فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه، ولا تُبْلَغُ غايتُه. قال في ((الكشاف)): وهذه الآية يعني ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله)) إلى آخرها مقرِّرةٌ للَّتي قبلها، بُنيت تلك على النهي عمَّا يؤذي رسولَ الله وَّر، وهذه على الأمر باتِّقاء الله تعالى في حفظ اللسان، ليترادف عليهم النهيُّ والأمر، مع إتباعِ النهي ما يتضمَّنُ الوعيدَ من قصة موسى عليه السلام؛ لأنَّ وصفه بوجاهته عند الله تعالى متضمِّنٌ أنه تعالى انتقم له ممن آذاه، وإتباعِ الأمر الوعدَ البليغَ، فَيَقْوَى الصارفُ عن الأذى والداعي إلى تركه(١). انتهى فلا تغفل. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالِْبَالِ فَأَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ لمَّا بَيَّن جلَّ شأنُه عظمَ شأن طاعة الله تعالى ورسوله وَّ ببيانِ مآلِ الخارجين عنها من العذاب الأليم، ومَنَالِ المُراعين لها من الفوز العظيم، عقّب ذلك عظمَ شأن ما يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها بطريق التمثيل، مع الإيذان بأنَّ ما صَدَرَ عنهم من الطاعة وتَرْكِها صَدَرَ عنهم بعد القبول والالتزام من غير جبرٍ هناك ولا إبرام، وعبَّر عنها بالأمانة - وهي في الأصل مصدرٌ كالأمن والأمان - تنبيهاً على أنها حقوقٌ مَرْعيةٌ أودعها الله تعالى المكلَّفين وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقِيها (١) الكشاف ٢٧٦/٣. سُورَةُ الأَجْزَائِ ٤٨٤ الآية : ٧٢ بحسن الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، وعبَّر عن اعتبارها بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السماوات وغيرها من حيث الخصوصيات بالعرض عليهنَّ لإظهار مزيد الاعتناء بأمرها والرغبةِ في قبولهنَّ لها، وعن عدم استعدادهنَّ لقبولها ومنافاتها لِمَا هنَّ عليه بالإباء والإشفاق منها لتهويلٍ أمرها وتربية فخامتها، وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة، والمعنى أنَّ تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلِّفت هاتيك الأجرامُ العظام التي هي مَثَلُ في القوة والشدّة مراعاتها، وكانت ذاتَ شعورٍ وإدراك، لأَبَيْنَ قبولَها وخِفْنَ منها، لكن صرف الكلام عن سَنَنه بتصوير المفروض بصورة المحقّق لزيادةٍ تحقيق المعنى المقصود وتوضيحه . ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ﴾ أي: هذا الجنسُ، نحو: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّ، لَكَنُورٌ﴾ [العاديات: ٦] و: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيْفَ﴾ [العلق: ٦] وحَمْلُه إياها إمَّا باعتبارها بالإضافة إلى استعداده، أو بتكليفه إياها يومَ الميثاق، أي: تكلَّفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة، وهو إما عبارةٌ عن قبولها بموجب استعداده الفطريِّ، أو عن القبول القوليٍّ يوم الميثاق. وتخصيص الإنسان بالذكر مع أنَّ الجنَّ مكلَّفون أيضاً، وكذا الملائكةُ عليهم السلام وإن لم يكن في ذلك كلفةٌ عليهم لِمَا أنه ليس فيه ما يخالفُ طباعهم، لأنَّ الكلام معه . ، اعتراضٌ وسِّط بين الحمل وغايته؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما تحمَّل، والتأكيد لمظِنَّةِ التردُّد، أي: إنه كان مُفْرِطاً في الظلم مبالغاً في الجهل، أي: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة أو قبولِهم السابق، دون مَن عَدَاهم من الذين لم يبدِّلوا فطرةَ الله تعالى تبديلاً، ويكفي في صدق الحكم على الجنس بشيءٍ وجوده في بعض أفراده، فضلاً عن وجوده في غالبها . وإلى الفريق الأول أشير بقوله تعالى: الآية : ٧٣ ٤٨٥ سِوَةُ الأَجْزَاءِ ﴿لَيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ﴾ أي: حملها الإنسان ليعذِّبَ الله تعالى بعضَ أفراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة، على أنَّ اللام للعاقبة فإنَّ التعذيب وإن لم يكن غرضاً من الحمل لكنْ لمَّا ترتَّب عليه بالنسبة إلى بعض أفراده تَرتُّبَ الأغراض على الأفعال المعلّقة بها أُبرز في معرض الغرض، أي: كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذِّب الله تعالى هؤلاء من أفراده؛ لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلِّية . وإلى الفريق الثاني أُشيرَ بقوله سبحانه: ﴿وَيَتَوَبَ اَللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: كان عاقبة حمله لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده، أي: يقبل توبتهم لعدم خَلْجِهم ربقةً الطاعة عن رقابهم بالمرة، وتلافيهم لِمَا فرط منهم من فرطاتٍ قلَّما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلَّته، وتدارُكِهم لها بالتوبة والإنابة. والالتفاتُ إلى الاسم الجليل أولاً لتهويل الخطب وتربيةِ المهابة، والإظهارُ في موضع الإضمار ثانياً لإبراز مزيدِ الاعتناء بأمر المؤمنين توفيةً لكلٍّ من مقامي الوعيد والوعد حقَّه، كذا قال بعضُ الأجلَّةُ(١) في تفسير الآية. ووراء ذلك أقوال؛ فقيل: ((الأمانة)): الطاعة لأنها لازمةُ الوجود كما أنَّ الأمانة لازمةُ الأداء، والكلامُ تقريرُ الوعد الكريم الذي ينبئُّ عنه قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) بجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعةً إلى ذلك، بأنَّ مَن قام بحقوقٍ مثلِ هذا الأمرِ العظيمِ الشأنِ وراعاه فهو جديرٌ بأنْ يفوز بخير الدارين. وتعقِّب بأنَّ جعْلَ الأمانة التي شأنُها أن تكون من جهته تعالى عبارةً عن الطاعة التي هي من أفعال المكلَّفين التابعة للتكليف بمعزلٍ عن التقريب، وأنَّ حَمْلَ الكلام على التقرير بالوجه الذي قرِّر يأباه وصفُ الإنسان بالظلم والجهل أولاً، وتعليلُ الحمل بتعذيب فريقٍ والتوبةٍ على فريق ثانياً. وقد يقال: مراد ذلك القائل أنَّ الأمانة هي الطاعة من حيث أمرُه عز وجل بها، وأن قوله تعالى: (إِنَُّ كَانَ) إلخ على معنى: إنه كان كذلك إنْ لم يُراعِ حقَّها، فتأمل. (١) هو أبو السعود في تفسيره ١١٨/٧-١١٩. سُوَّةُ الأَجْزَاءُ ٤٨٦ الآية : ٧٣ وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنَّ الأمانة الفرائض(١). ورَوَى نحوه عن سعيد بن جبير(٢). وهو غيرُ ما ذكر أوَّلاً، بناءً على أنَّ التكليفات الشرعيةَ مرادٌ بها المعنى المصدريُّ دون اسم المفعول. وقيل: الصلاة، فقد روي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان إذا دخل وقتُ الصلاة اصفرَّ وجهه الشريف وتغيَّر لونه، فسئل عن ذلك فقال: إنه دخل عليَّ وقتُ أمانةٍ عَرَضَها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال فأَبيْنَ أن يَحمِلْنَها وأشفَقْنَ منها وقد حملتُها أنا مع ضعفي، فلا أدري كيف أؤديها(٣). وحكى السفيري أنها الغسل من الجنابة(٤). وقيل: الصلاةُ والصيامُ والغُسْلُ من الجنابة، فقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله وَلٍ: «الأمانةُ ثلاثٌ: الصلاةُ، والصيامُ، والغسل من الجنابة))(٥). وفي روايةٍ عن السدِّي والضحاك: أنها أمانات الناس المعروفةُ، والوفاءُ بالعهود. وقيل: هي أن لا تغشَّ مؤمناً ولا معاهَداً في شيءٍ قليلٍ ولا كثيرٍ . وقيل: هي كلمةُ التوحيد؛ لأنها المدارُ الأعظم للتكليفات الشرعية. وقيل: هي الأعضاء والقُوَى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في ((الورع))، والحكيم الترمذيُّ عن عبد الله بن عمرو ها قال: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فَرْجَه ثم قال: هذه أمانتي عندك فلا تضعها إلا في حقٌّها، فالفرجُ أمانةٌ والسمعُ أمانةٌ والبصر أمانة (٦). (١) تفسير الطبري ١٩٧/١٩، وأخرجه أيضاً ابن الأنباري في الأضداد ص٣٨٩-٣٩٠. (٢) تفسير الطبري ١٩٧/١٩ . (٣) ذكره الماوردي في أدب الدنيا والدين ص ٨٠، والغزالي في الإحياء ١/ ١٥١. (٤) أخرجه أبو داود إثر الحديث (٤٢٩)، والطبري ٢٠٠/١٩ عن أبي الدرداء دائه قوله. (٥) الدر المنثور ٢٢٥/٥-٢٢٦، وهو في تفسير عبد الرزاق ١٢٥/٢. (٦) الدر المنثور ٢٢٦/٥، وهو في نوادر الأصول ص٢٩٦، ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا (٢٧٥). الآية : ٧٣ ٤٨٧ سُؤَّةُ الأَجْزَارِ ولا يخفى أنَّ تفسير الأمانة في الآية بالأعضاء مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه، والخبر المذكورُ إن صحَّ لا يدلُّ عليه. ومثلُه بل دونه بكثيرٍ أنها حروف التهجِّي، ولا يكاد يقول به إلا أطفال المكاتب. وأقرب الأقوال المذكورة للقبول القولُ بأنها الفرائض، أي: مِن فعلٍ وتركٍ، وتخصيصُ شيء منها بالذكر في خبرٍ إنْ صَّ لا يدلُّ على أنه الأمانة في الآية لا غيره، وكم يُخصُّ بعض أفراد العامِّ بالذكر لنكتّةٍ. وقال أبو حيان: الظاهرُ أنها كلُّ ما يؤتمنُ عليه مِن أمرٍ ونهيٍ وشأنٍ دينٍ ودنيا(١). ويعمُّ هذا المعنى جميعَ ما تقدَّم. وفيها أقوالٌ أُخر ستأتي إن شاء الله تعالى. واختلفت كلمات الذاهبين إلى أنها الفرائض في تحقيق ما بعدُ؛ فقيل: الكلام على حذف مضافٍ، والتقدير: إنَّا عرضنا الأمانةَ على أهل السماوات .. إلخ. وحُكي ذلك عن الجبائيٌّ، وليس بشيء. وقيل: الكلام على ظاهره، وكذا العَرْضُ والإباء، وذلك أنه عز وجل خلق السماوات والأرض والجبال فهماً وتمييزاً، فخيِّرت في الحمل فأبتْ، ورُوي ذلك عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن جريج قال: بلغني أنَّ الله تعالى لمَّا خلق السماوات والأرضَ والجبالَ قال: إني فارضٌ فريضةً وخالقٌ جنةً وناراً، وثواباً لمن أطاعني، وعقاباً لمن عصاني. فقالت السماوات: خلقتني فسخَّرْتَ فيَّ الشمسَ والقمر والنجومَ والسحابَ والريحَ، فأنا مسخّرةٌ على ما خلقتني لا أتحمَّلُ فريضةً، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً. ونحوَ ذلك قالت الأرضُ والجبال(٢). ويُعلم مما ذُكر أنَّ الإباء لم يكن معصيةً؛ لأنه لم يكن هناك تكلیفٌ بل تخييرٌ، وأما كونُها استحقرتْ أنفسها عن أن تكون محلَّ الأمانة فلا ينفي عنهنَّ العصيان بالإباء لو كان هناك تكليف بالحمل. (١) البحر ٢٥٣/٧، بزيادة: والشرع كله أمانة، وهو قول الجمهور. (٢) الدر المنثور ٢٢٥/٥، وهو في الأضداد لابن الأنباري ص ٣٩٠. سُؤَدَّةُالأَجْزَابِ ٤٨٨ الآية : ٧٣ وقيل: لا حذف، والكلام من باب التمثيل على ما سمعتَ أولاً. وذهب كثيرٌ إلى أنَّ المراد بحملها التزامُ القيام بها، وبالإنسان آدمُ عليه السلام، واختلف في حمله إياها: هل كان بعد عَرْضِها عليه أو بدونه؟ فقيل: كان بعد العرض؛ فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم [عن أبي حازم قال:] إنَّ الله تعالى عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت، ثم التي تليها فأبت، حتى فرغ منها، ثم الأرضين، ثم الجبال، ثم عَرَضَها على آدم عليه السلام، فقال: نعم بين أذني وعاتقي، الخبر(١). وقيل: بدونه؛ قال ابن الجوزي: لمَّا خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح مثِّلت له الأمانة بصخرةٍ، ثم قال للسماوات: احملي هذه. فأبت وقالت: إلهي لا طاقة لي بها. وقال سبحانه للأرض: احمليها. فقالت: لا طاقة لي بها. وقال تعالى للجبال: احمليها. فقالت: لا طاقة لي بها. فأقبل آدم عليه السلام فحرَّكها بيده وقال: لو شئتَ لحملتُها. فحملها حتى بلغت حقويه، ثم وضعها على عاتقه، فلمّا أهوى ليضعها نودي من جانب العزّ: يا آدم مكانك لا تضعها فهذه الأمانة قد بقيت في عنقك وعنق أولادك إلى يوم القيامة، ولكم عليها ثوابٌ في حملها وعقابٌ في تركها(٢). وهذا ظاهرٌ في أنَّ الحمل على حقيقته، وفي أنَّ العرض على السماوات والأرض والجبال كان بمسمع من آدم عليه السلام، وإلى هذا ذهب ابن الأنباري. وفي بعض الآثار ما يدلُّ على أنَّ العرض عليهنَّ قبل خلقه عليه السلام؛ أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لمَّا خلق الله تعالى السماوات والأرض عرض عليهنَّ الأمانة فلم يقبلنها، فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه فقال: يا ربّ وما هي؟ قال سبحانه: هي إن أحسنتَ أجرْتُكَ وإن أسأت عذَّبتك. قال: فقد (١) الدر المنثور ٢٢٥/٥، وهو في تفسير الطبري ٢٠٢/١٩، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) لم نقف عليه عند ابن الجوزي، وأخرجه النقاش كما في تفسير البغوي ٣/ ٥٤٧، والحكيم الترمذي كما في تفسير القرطبي ٢٤٩/١٧ -٢٥٠ عن ابن مسعود ربه موقوفاً، وفي إسناده السري بن إسماعيل، وهو متروك كما ذكر الحافظ في التقريب. الآية : ٧٣ ٤٨٩ سُوَرَّةُ الأَجْزَاءُ تحمَّلت يا ربّ. فما كان بين أن تحمَّلها إلى أن أُخرج إلا قَدْرُ ما بين الظهر والعصر(١). وكأني بك تختار من هذه الأقوال أنَّ العرض على تقديرٍ كونه بعد إعطاء الفهم والتمييز كان بمسمع من آدم عليه السلام، وأنه بعد أن سمع الإباء حملته الغيرةُ على الحمل، وربما يفضي بك هذا إلى اختيار القول بأنه حمل الأمانة بدون عرضها عليه كما هو ظاهر الآية، وبه يتأكَّد وَصْفُه بما وُصِفَ، لكنِّي لا أظنك تقول بصحة حديثٍ تمثّلِ الأمانة بصخرةٍ وإن قلتَ بصحة تمثّلِ المعاني بصور الأجسام كما ورد في حدیث ذبح الموت وغيره. وأنا لا أميلُ إلى القول بأنَّ المراد بالإنسان آدمُ عليه السلام وإن كان أولَ أفراد الجنس ومبدأ سلسلتها؛ لمكانٍ (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)؛ فإنه يَبْعدُ غايةَ البعد وصف صفيٍّ الله عز وجل بنصِّ ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَ مَادَمَ﴾ [آل عمران: ٣٣] بمزيد الظلم والجهل. وكونُ المعنى: كان ظلوماً جهولاً بزعم الملائكة عليهم السلام، قولٌ بارد. وحَملُه على معنى: كان ظلوماً لنفسه حيث حَمَّلها على ضَعْفِه ما أبت الأجسامُ القوية حَمْلَه، جهولاً بقَدْرِ ما دخل فيه أو بعاقبةٍ ما تحمَّل، لا يُزيل البعدَ. ولا أستحسنُ كونَ المراد: كان من شأنه لو خُلِّي ونفسَه ذلك، كما قيل: ذا عمَّةٍ فلعلَّةٍ لا يَظْلِمُ(٢) والظلمُ من شیم النفوس فإن تجد إلَّا على القول بإرادة الجنس. وإخراجُ الكلام مخرج الاستخدام على نحوٍ ما قالوا في: عندي درهم ونصفُه، بعيدٌ لفظاً ومعنّى. وقيل: المراد بالأمانة مطلقُ الانقياد الشاملُ للطبيعيِّ والاختياري، وبعَرْضِها استدعاؤه الذي يعمُّ طلب الفعل من المختار وإرادةَ صدوره من غيره، وبحملها الخيانةُ فيها والامتناعُ عن أدائها، ومنه قولُهم: حامل الأمانة ومحتملُها، لمن لا يؤديها فتبرأَ ذمَّتُه، وأنشدوا : (١) الدر المنثور ٢٢٥/٥، وأخرجه أيضاً الواحدي في الوسيط ٣/ ٤٨٥، وروي نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري ١٩٧/١٩، وابن الأنباري في الأضداد ص٣٨٨-٣٨٩. (٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٥٣/٤، وسلف ١٢/ ١٧١ . سُورَةُ الأَجْزَابِ ٤٩٠ الآية : ٧٣ إذا أنت لم تبرح تؤدِّي أمانةً وتحملُ أخرى أخرجتك الودائعُ(١) فيكون الإباء امتناعاً من الخيانة وإتياناً بالمراد، فالمعنى: إنَّ هذه الأجرامَ مع عظمها وقوَّتها أَبيْنَ الخيانة لأمانتنا، وأتين بما أمرناهنَّ به لقوله تعالى: ﴿أَنْنَا طَِّعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وخانها الإنسان حيث لم يأت بما أمرناه به، إنه كان ظلوماً جهولاً. ولا يخفى بعدُه، ولم نَرَ في المأثور ما يؤيِّده. نعم إنَّ العوامَ يقولون: إنَّ الأرض لا تخونُ الأمانة، حتى إنهم جرت عادتُهم في بلادنا أنهم إذا أرادوا دَفْنَ ميتٍ في مكانٍ ولم يتيسَّر لهم وضعوه في قبرٍ وقالوا حين الوضع مخاطبين الأرض: هذا أمانةٌ عندك كذا شهراً، أو كذا سنةً، وحَثَوا التراب عليه وانصرفوا، فإذا نبشوا القبر قبل مضيٍّ المدة وجدوه كما وضعوه لم يتغيّر منه شيءٌ، فيخرجونه ويدفنونه حيث أرادوا، وإذا بقي حتى تمضي المدة التي عيَّنوها وجدوه متغيِّراً، وهذا أمرٌ تواتّرَ نقلُه لنا، وهو ممَّا يستبعده العقل، وإلى نحو هذا ذهب أبو إسحاق الزجَّاج(٢)، إلا أنه قال: عَرْضُ الأمانة: وَضْعُ شواهد الوحدانية في المصنوعات، ونقله عنه أبو حيان(٣)، وذكر البيت المارَّ آنفاً، لكنه تعقَبه بأنَّ الحمل فيه ليس نصًّا في الخيانة(٤). وقيل: المراد بالأمانة العقلُ أو التكليف، وبعرضها عليهنَّ اعتبارُها بالإضافة إلى استعدادهنَّ، وبإبائهنَّ الإباءُ الطبيعيُّ الذي هو عدمُ اللياقة والاستعداد لها، (١) البيت لبيهس العذري كما في المؤتلف والمختلف للآمدي ص٨٦، واللسان (فرح)، ودون نسبة في السيرة النبوية لابن هشام ٥٠٢/١، والعين ٢١٣/٣، والأضداد لابن الأنباري ص١٩٧، والصحاح (فرح)، والبحر ٢٥٤/٧، واللسان (حمل)، وجاء في جميع هذه المصادر عدا البحر: أفرحتك، بدل: أخرجتك. ومعنى أفرحتك: أثقلتك. قال صاحب اللسان: أراد بقوله: تحمل أخرى، أي: تخونها ولا تؤديها، يدل على ذلك قوله: أفرحتك الودائع، أي: أثقلتك الأمانات التي تخونها . (٢) في معاني القرآن ٢٣٨/٤، وفيه: كلُّ مَن خان الأمانة فقد احتملها، فالسماوات والأرض والجبال أبَيْنَ أن يحملن الأمانة وأدينها، وأداؤها طاعة الله فيما أمر به والعملُ به وتركُ المعصية. (٣) كذا ذكر المصنف، والصواب أن أبا حيان في البحر ٧/ ٢٥٤ قد نقل ذلك عن ابن إسحاق، ولیس عن أبي إسحاق. (٤) البحر ٧ /٢٥٤. الآية : ٧٣ ٤٩١ سُورَةُ الأَجْتَابِ وبحمل الإنسان قابليتُه واستعدادُه لها، وكونه ظلوماً جهولاً لِمَا غلب عليه من القوَّة الغَضَبيةِ الداعيةِ للظلم، والشَّهْوِيَّةِ الداعيةِ للجهل بعواقب الأمور. قيل: وعليه ينتظمُ قوله تعالى: (إِنَُّ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) مع ما قبله على أنه علَّته باعتبارِ حمل العقل عليه بمعنى إيداعه فيه لأجل إصلاح ما فيه من القوَّتين المحتاجتين إلى سلطان العقل الحاكم عليهما، فكأنه قيل: حَمَّلناه ذلك لِمَا فيه من القوى المحتاجة لقَهْرِه وضبطه. وكذا إذا أريد التكليفُ؛ فإنَّ معظم المقصود منه تعديلُ تلك القوى، وگَسْرُ سَوْرَتها، ومن هنا قيل: إنه أقربُ للتحقيق. وقيل: الأمانة تجلِّياتُه عزَّ وجلَّ بأسمائه الحسنى وصفاتِه تعالى العليا، وعرضُها عليهنَّ وإباؤهن وحملُ الإنسان كالمذكور آنفاً، وقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) تعليلٌ للحمل مشارٌ به إلى قوة استعداده، وقوله سبحانه: (لِيُعَذِّبَ) تعليلٌ للعَرْضِ على معنى: عرضنا ذلك لتَظْهَر تجلِّاتُنا الجلاليةُ والجمالية. ويشير إلى هذا قولُ العلّامة الطيبيِّ عليه الرحمة: إنَّ الله تعالى خَلَقَ الخَلْقَ ليكون مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فحاملُ معنى الكبرياءِ والعظمة السماواتُ والأرض والجبال من حيث كونُها عاجزةً عن حمل سائر الصفات لعدم استعدادها لقبولها، ولذلك أَبَيْنَ أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان لقوة استعداده واقتداره لكونه ظلوماً جهولاً، فاختُصَّ لذلك من بين سائر المخلوقات بقبول تجلِّ القهَّارية والتوابيَّة والمغفرة، وشاركها بقبول تجلِّ الرحمة وله النصيبُ الأوفر منها لقوة استعداده واقتداره(١). وهو مشرب صوفي كما لا يخفى. وأنا أختار كونَ الأمانة كلَّ ما يؤتَمنُ عليه ويُطْلَبُ حفظُه ورعايته، ولها أفرادٌ كثيرة متفاوتةٌ في جلالة القَدْرِ، وأنَّ عَرْضَها على تلك الأجرام كان على وجه التخيير لهنَّ في حملها لا الإلزام، وأنهنَّ خوطبن في ذلك وعَقَلْنَ الخطابَ، واللهُ عز وجل قادرٌ على أن يخلق في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاتِ الكائنات الحياةَ والعلمَ كما خلقهما سبحانه في ذوي الألباب، بل ذهب الفلاسفةُ إلى القول بثبوت النفوس والحركة الإرادية للأفلاك، بل قال بعضهم نحوَ ذلك في الكواكب، وأثبت الحركة (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. سُورَةُ الأَجْزَائِ ٤٩٢ الآية : ٧٣ الإرادية، ونفى القواسِرَ هناك، وأنَّ المراد بالإنسان الجنسُ، وأنَّ قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) في موضع التعليل للحمل. ووصف الجنس بصيغتي المبالغة لكثرة الأفراد المنَّصفة بالظلم والجهل منه، وإن لم يكونا فيها على وجه المبالغة، بل لا يخلو فردٌ من الأفراد عن الاتِّصاف بظلم ما وجهلٍ ما، ولا يجب في وصف الجنس بصيغة المبالغة تحقُّقُ تلك الصفة في الأفراد كلَّا أو بعضاً على وجه لمبالغة، نعم إنْ تحقَّقَ ذلك فهو زيادةُ خير، كما فيما نحن فيه؛ فإنَّ أكثر أفراد الإنسان في غاية الظلم ونهاية الجهل. ولعل المراد بظلوم جهول: من شأنه الظلمُ والجهلُ. وأنَّ قوله تعالى: (لِعَذِّبَ) إلخ متعلُّقٌ بـ ((عَرضْنا)) على أنه تعليلٌ له. وفي الكلام التفاتٌ لا يخفى، وتقديمُ التعذيب لأنه أوفقُ بصفتي الظلم والجهل. وقيل: لأنَّ الأمانة من حُكْمِها اللازم أنَّ خائنها یضمَّنُ، وليس من حكمها أنَّ حافظها يؤجَرُ. ومقابلةُ التعذيب بالتوبة دون الإثابةِ أو الرحمةِ للإشارة إلى أنَّ في المؤمنين والمؤمنات مَن يَصْدُر منه ما يصحُّ أن يعذَّبَ عليه ومع ذلك لا يعذَّب، وفيه إشعارٌ بأنه لا يعذَّب على كلِّ ظلم وجهلٍ، وفي هذا من إدخال السرور على المؤمنين والكآبة على أضدادهم ما فيه. وأيضاً أن ذلك أوفقُ بظاهر قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). وقيل: لم يعبّر(١) بالإثابة لأنها عُلمت من قوله سبحانه: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) فعبّر بما ذكر للتنبيه على أنَّ ذلك بمحض الفضل. وهو كما ترى. وقيل: إنَّ ذاك لأنَّ التذييل متكفِّلٌ بإفادة رحمتهم وإثابتهم. وقرأ الحسن كما ذكر صاحب ((اللوامح)): (ويتوبُ)) بالرفع على الاستئناف(٢). (١) في (م): يعتبر. (٢) البحر ٧/ ٢٥٥، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢١، وأبو حيان في البحر ٧/ ٢٥٤ عن الأعمش. سُورَةُ الأَجْزَاب ٤٩٣ التفسير الإشاري (١ -٧٣) ﴾﴾ أي: مبالغاً في المغفرة والرحمة، حيث تاب ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا على المؤمنين والمؤمنات، وغفر لهم فرطاتهم، وأثابهم بالفوز العظيم على طاعاتهم، نسأل الله تعالى أن يتوب علينا ويغفر لنا ويثيبنا بالفوز العظيم، إنه جلَّ جلاله وعمَّ نوالُه غفورٌ رحيم . ومن باب الإشارة في آيات من هذه السورة الكريمة: ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى عظم شأن التقوى، وكذا شأنُ كلِّ أمرٍ ونهي يتعلَّقان به عليه الصلاة والسلام، وفيه أيضاً إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي محبةُ أعداء الله عز وجل حيث نهى عن طاعتهم، وهما كالمتلازمين. ﴿َّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفٍِ﴾ لأنَّ موقعه في البدن موقعَ الرئيس في المملكة، والحكمةُ تقتضي وحدةً الرئيس، وفي الخبر: ((إذا بويع خليفتان فاقتلوا أحدهما))(١). وقيل: إن ذاك لتُشْعِرَ وحدتُه في بدن الإنسان الذي هو العالَمُ الأصغر المنطوي فيه العالمُ الأكبر بوحدة الله سبحانه في الوجود، وينبغي أن يُعلم أن للقلب عندهم كما قال الصدر القونويُّ إطلاقين : الأول: إطلاقُه على اللحم الصنوبريِّ الشكلِ المعروفِ عند الخاصَّة والعامة. والثاني: إطلاقُه على الحقيقة الجامعة بين الأوصاف والشؤون الربانية، وبين الخصائص والأحوال الكونية، الروحانيةِ منها والطبيعيةٍ، وهي تنشأ من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة بين الصفات والحقائق الإلهية والكونية، وما يشتمل عليه هذان الأصلان من الأخلاق والصفات اللازمة، وما يتولَّد من بينهما بعد الارتياض والتزكية، وظهورُ ذلك مما ذكر ظهور السواد بين العَفْص والزاج والماء، وهذا هو القلبُ الذي أخبر عنه الحقُّ على لسان نبيِّه ◌َلّه بقوله سبحانه: ((ما وسعني أرضي (١) أخرجه مسلم (١٨٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري ته بلفظ: (( ... فاقتلوا الآخرَ منهما)). سُؤَدَّةُ الأَخْتَانِ ٤٩٤ التفسير الإشاري (١-٧٣) ولا سمائي ووسعني قلبُ عبدي المؤمن التقيِّ النقيِّ الوادِع)»(١)، وهو محلُّ نظر الحقِّ، ومنصّةُ تجلِيه، ومهبطُ أمره، ومنزلُ تدلِيه. واللحمُ الصنوبريُّ أحقر من حيث صورتُه أن يكون محلَّ سرِّه جلَّ وعلا، فضلاً عن أن يسعه سبحانه ويكونَ مطمح نظره الأعلى ومستواه. وادَّعَوا أنَّ تسمية ذلك الصنوبريِّ الشكل بالقلب على سبيل المجاز باعتبار تسمية الصفة والحامل باسم الموصوف والمحمول. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَيْكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ فيه أنَّ الحقائق لا تنقلب، وأنَّ في القرابة النَّسَبية خواصُ لا تكون في القرابة السببية، فأين الأزواج من الأمهات، والأدعياءُ من الأبناء؟ فالأمَّهات أصولٌ ولا كذلك الأزواج، والأبناءُ فروعٌ ولا كذلك الأدعياء، ومن هنا قيل: الولد سرُّ أبيه، وقد أورده الشمس الفناري في ((مصباح الأنس))(٢) حديثاً بصيغة الجزم من غير عزوٍ ولا سندٍ، ولا يصحُّ ذلك عند المحدِّثين(٣). وهو إشارة إلى الأوصاف والأخلاق والكمالات التي يحصِّلها الولد بالسراية من والده لا بواسطة توجّه القلب إلى حضرة الغيب الإلهي وعالَمِ المعاني، فإنه باعتبارِ ذلك قد تحصل للولد أوصافٌ وأخلاقٌ على خلاف حال والده، ومنه يظهر سرُّ ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْنِ﴾ [الروم: ١٩]. ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَأْ ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ آلِدِينِ وَمَوَِّيَكُمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ الدِّين نوعاً من الأبوَّة، ولهذا قد يقع به التوارُثُ. ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأنه عليه الصلاة والسلام يحبُّ لهم فوق ما يحبُّون لها، ويسلك بهم المسلك الذي يوصلهم إلى الحياة الأبدية. (١) حديث موضوع كما قال ابن تيمية. المصنوع في معرفة الحديث الموضوع للملا علي القاري ص١٦٤ . (٢) مصباح الأنس بين المعقول والمشهود في شرح مفتاح غيب الجمع والوجود، لشمس الدين محمد بن حمزة الفناري، المتوفّى سنة (٨٣٤هـ)، شَرَح فيه مفتاح الغيب في التصوف لصدر الدين محمد بن إسحاق القونوي، المتوفى سنة (٦٧٣هـ). كشف الظنون ١٧٦٨/٢ . (٣) حديث: الولد سر أبيه، ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص٤٥٣ وقال: لا أصل له. التفسير الإشاري (١ -٧٣) ٤٩٥ سُورَةُ الأَجْزَانِ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ التَِّيْنَ مِشَقَّهُمْ﴾ أي: في الأزل إذ كانوا أعياناً ثابتةً، أو يوم الميثاق إذ صار لهم نوعُ تعيُّنٍ. ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمٌ﴾ سؤالَ تشريفٍ لا تعنيفٍ، والصدق على ما قالوا: أن لا يكون في أحوالك شوبٌ، ولا في أعمالك عيبٌ، ولا في اعتقادك رَيْبٌ. ومن أماراته وجود الإخلاص من غير ملاحظةِ المخلوق، وتصفيةُ الأحوال من غير مداخلةِ إعجابٍ، وسلامةُ القول من المعاريض، والتباعُدُ عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامةُ التبرِّي من الحول والقوة، بل الخروجُ من الوجود المجازيِّ شوقاً إلى الوجود الحقيقيّ. ﴿ََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَمَتَكُمْ جُوٌ﴾ إلخ طبَّق بعضُهم ما تضمَّنته الآيات من قصة الأحزاب على ما في الأنفس، ولا يخفى حالُه، ومن غريب ما رأيتُ أنَّ الشيخ محيي الدين قدَّس الله سره قسّم الأولياء إلى أقسام، وجَعَلَ منهم قسماً يقال لهم: اليثربيون، وقال: هم قومٌ من الأولياء لا مقام لهم كما لسائر الأولياء، وجَعَلَ قول المنافقين: ((يا أهل يثرب لا مقام لكم)) إشارةً إلى ذلك، وکم قولٍ غريب لهذا الشيخ غفر الله تعالی له. ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةُ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ لأنه عليه الصلاة والسلام أكملُ الخلق على الإطلاق، وأَخْظَى الناسِ بإشراق أنوار أخلاقه عليه الذين(١) يرجون الله تعالى واليوم الآخر ويذكرونه عز وجل كثيراً لصقالة قلوبهم وقوةٍ استعدادها الإشراق الأنوار وظهور الآثار. ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ أي: رجال كاملون. وقولُ بعضهم: أي: متصرِّفون في الموجودات تصرُّفَ الذكور في الإناث. كلامٌ بشعٌ تنقبض منه - ككثيرٍ من كلام المتصوّفة - قلوبُ المقتفين للسلف الصالح. ﴿بَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَعَالَيْنَ أُمَتِّمْكُنَّ وَأُسَرِّعْكُنَّ سَرَاعًا جِيلًا﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى أنَّ حبَّ الدنيا وزينتها يكون سبباً لمفارقة (١) قوله: الذين، هو خبر قوله: وأحظى ... سُوَّةُ الأَجْزَابِ ٤٩٦ التفسير الإشاري (١-٧٣) رسول الله وَله والبعدِ عن حضرته الشريفة، وأنَّ محبته عليه الصلاة والسلام تكونُ سبباً للأجر العظيم. ﴿َفِسَآءَ التَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى تفاؤُتِ قبح المعاصي وحُسْنٍ الطاعات باعتبارِ الأشخاص، ومثلُ ذلك تفاوتُها باعتبار الأماكن والأزمان. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ إشارةٌ إلى مقام التسليم وأنه اللائقُ بالمؤمنين، وهذا حكمٌ مستمرٌّ على الأمة إلى يوم القيامة، فلا ينبغي لأحدٍ بلغه شيءٌ عن الله عز وجل وعن رسوله وَّر أن يختار لنفسه خلافَه؛ لإشعارِ ذلك باتِّهام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. ولعل الإشارة في الآيات بعدُ ظاهرةٌ لمن له أدنى التفاتٍ، بيد أنهم أطالوا الكلام في الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآيةَ، فلنذكر بعضاً من ذلك فنقول: قال الشيخ محيي الدين قدِّس سرّه في ((بُلْغة الغوَّاص)): إنَّ الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض فأَبَيْنَ أن يحملنها هي السعةُ لمعرفة الله تعالى، فلم يوجد في السماوات والأرض قبولٌ لِمَا قَبِلَه الإنسان بهذا التأليف الصوريِّ، إذ هو ثمرةٌ العالَم، فهو يرى نفسه في العالم ويرى ربَّه سبحانه بالعالم الذي هو نفسه من حيث هو كلُّ العالم، فلذلك اتَّسع لِمَا لم يَسَعْه العالَمُ، ولذلك خصَّه سبحانه بالسعة حيث أخبر جل شأنه أنه لم يَسَعْه سماواتُه ولا أرضه ووسعه قلبُ المؤمن من نوع الإنسان. انتهى. وكأنه أراد بكونه وَسِعَ الحقَّ سبحانه كونَه مظهراً جامعاً للأسماء والصفات على وجهٍ لا ينافي تنزيهَ الحقِّ جل جلاله، وهذا قريبٌ مما ذكرناه في التفسير وقلنا: إنه مشربٌ صوفيٍّ کما لا يخفى. وقال آخر: هي عبارةٌ عن الفيض الإلهيّ بلا واسطةٍ، وحملُه خاصٌّ بالإنسان لأنَّ نسبته مع المخلوقات كنسبة القلب مع الشخص، فالعالَمُ شخصٌ وقلبُه الإنسان، فكما أنَّ القلب حاملٌ للروح بلا واسطةٍ، وتسري منه بواسطة العروق والشرايين ونحوِها إلى سائر البدن، كذلك الإنسانُ حاملٌ للفيض الإلهي ـرَّةُ الأَخْتَابِ ٤٩٧ التفسير الإشاري (١-٧٣) بلا واسطةٍ، ويسري منه إلى ظاهر الكون وباطنه بواسطة ظاهره وباطنه من أعمال البدن والروح، فظاهرُ العالَم وباطنُه معموران بظاهر الإنسان وباطنه، وهذا سرُّ الخلافة. ومعنى كونه ظلوماً أنه ظالمٌ لنفسه حيث استعدَّ لأنْ يحمل أمراً عظيماً، وكونُه جهولاً أنه جاهلٌ بها حيث لم يعرف حقيقتَها، ولم يدرك منها سوى الصورةِ الحيوانية المتصفةِ بالصفات البهيمية من الأكل والشرب والنكاح، وهاتان الصفتان في حقِّ حاملي الأمانة ومؤدِّي حقٌّها من حيث إنهما صارتا سبباً لحمل الأمانة صفتا مدح، وفي حقِّ الخائنين صفتا ذمّ، والشيءُ قد يكون ذمًّا في حقِّ شخصٍ ومدحاً في حقِّ آخر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه الاستمدادُ في فهم كلامه العزيز الجليل. انتهى بعون الله تعالى الجزء الحادي والعشرون من روح المعاني ويليه إن شاء الله الجزء الثاني والعشرون ويبدأ بسورة سبأ فهرس الموضوعات سُورَةُ لقعمَّان ٥ آية رقم (١- ٢) ٨ آیة رقم (٣) ٨ آية رقم (٤) ٩ آية رقم (٥) آية رقم (٦) ١٠ ٤١ آية رقم (٧) ٤٢ آية رقم (٨) ٤٣ آية رقم (٩) ٤٣ آية رقم (١٠) ٤٥ آية رقم (١١) ٤٦ آية رقم (١٢) ٥١ آية رقم (١٣) ٥٣ آية رقم (١٤) آیة رقم (١٥) ٥٦ ٥٩ آیة رقم (١٦) ٦٢ آية رقم (١٧) ٦٣ آیة رقم (١٨) ٦٥ آية رقم (١٩) ٠ ٧ ٥٠٠ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٧٠ آية رقم (٢٠) ٧٤ آية رقم (٢١) آیة رقم (٢٢) ٧٦ آية رقم (٢٣) ٧٧ آية رقم (٢٤) ٧٧ آیة رقم (٢٥) ٧٨ آية رقم (٢٦) ٧٩ آية رقم (٢٧) ٨٨ آية رقم (٢٨) ٨٩ آية رقم (٢٩) ٩٣ آية رقم (٣٠) ٩٦ آية رقم (٣١) ٩٧ آية رقم (٣٢) ١٠٠ آية رقم (٣٣) ١٠٤ آية رقم (٣٤) ١١٥ التفسير الإشاري ٠ ١١٩ سُورَةُ الْتَجَدَة ١٢٢ آية رقم (١- ٢) آية رقم (٣) ١٢٩ آية رقم (٤) ١٣٠ آية رقم (٦) ١٣٦ آية رقم (٧) ١٣٦ ١٣٨ آية رقم (٨) ١٢٣ آية رقم (٥)