النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ٥٦
٤٤١
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وحسّنه: لمَّا أمرنا الله تعالى بالصلاة على نبيِّه وَّ لم نبلغ معرفةً فضلها، ولم ندرك
حقيقة مراد الله تعالى فيه، فأحلنا ذلك إلى الله عز وجل، فقلنا: اللهمَّ صلِّ أنت
على رسولك لأنك أعلمُ بما يليق به، وبما أردْتَه له وَّهِ. انتهى، ولعل ما ذكرناه
ألطفُ منه .
ومقتَضَى ظاهرٍ إرشادِهِ بَّه إياهم إلى طَلَبِ الصلاة عليه من الله تعالى شأنُه أنه
لا يَحصُلُ امتثالُ الأمر إلَّا بما فيه طَلَبُ ذلك منه عز وجل، ويكفي: اللهمَّ صلِّ
على محمدٍ، لأنه الذي اتَّفقتْ عليه الرواياتُ في بيان الكيفية، وكأنَّ خصوصية
الإنشاء لفظاً ومعنّى غيرُ لازمة، ولذا قال بعض مَن أوجبها في الصلاة وستعلمه إن
شاء الله تعالى: إنه كما يكفي: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، ولا يتعيَّن اللفظُ الوارد
خلافاً لبعضهم، يكفي: صلَّى الله على محمدٍ، على الأصحِّ، بخلاف: الصلاة على
رسول الله فإنه، لا يَجزي اتفاقاً؛ لأنه ليس فيه إسنادُ الصلاة إلى الله تعالى، فليس
في معنى الوارد.
وفي ((تحفة)) ابن حجر: يكفي: الصلاةُ على محمد، إنْ نوى بها الدعاء
فيما يظهر.
وقال النيسابوريُّ: لا يكفي: صلَّيْتُ على محمدٍ؛ لأنَّ مرتبةَ العبد تقصُرُ عن
ذلك، بل يَسأل ربَّه سبحانه أن يصلِّيَ عليه عليه الصلاة والسلام وحينئذٍ فالمصلِّي
عليه حقيقةً هو الله تعالى، وتسميةُ العبد مصلِّياً عليه مجازٌ عن سؤاله الصلاةَ من الله
تعالى عليه وَّةِ، فتأمَّلْه.
وذكروا أنَّ الإتيان بصيغة الطلب أفضلُ من الإتيان بصيغة الخبر، وأجيب عن
إطباق المحدِّثين على الإتيان بها بأنه مما أُمِرْنا به من تحديث الناس بما يعرفون؛ إذ
كُتُبُ الحديث يجتمع عند قراءتها أكثرُ العوامِّ، فخِيْفَ أن يفهموا من صيغة الطلب
أنَّ الصلاة عليه وَّه لم توجد من الله عز وجل بعدُ، وإلا لَمَا طلبنا حصولها له عليه
صلاةُ الله تعالى وسلامُه، فأُتي بصيغة يتبادر إلى أفهامهم منها الحصولُ، وهي مع
من آثاره: جزء في ذكر فضائل الصلاة على الرسول ◌َله، وفضائل أم المؤمنين خديجة،
=
وأحاديث الفطر، وغيرها. توفي سنة (٦٨٧هـ). فوات الوفيات ٣٢٨/٢، ومعجم المؤلفين
١٥٣/٢.

سُوَّةُ الأَجْزَانِ
٤٤٢
الآية : ٥٦
إبعادها إياهم من هذه الورطة متضمِّنةٌ للطلب الذي أمرنا به. انتهى، ولا يخفى
ضَعْفُه.
فالأَوْلَى أن يقال: إنَّ ذلك لأنَّ تصليتهم في الأغلب في أثناء الكلام الخبري،
نحو: قال النبي ◌َّ﴿ كذا، وفَعَلَ وَّهِ كذا، فأحبُّوا أن لا يَكْثُر الفصل، وأن لا يكون
الكلامُ على أسلوبين؛ لما في ذلك من الخروج عن الجادّة المعروفة؛ إذ قلَّما تجد
في الفصيح توسُّطَ جملةٍ دعائيةٍ إلا وهي خبريةٌ لفظاً، مع احتمال تشوُّشٍ ذهن
السامع وبطء فهمه، وحُسْنُ الإفهام مما تحصل مراعاتُه، فتدبَّر.
والظاهر أنه لا يحصل الامتثال بـ: اللهمَّ عظّمْ محمداً التعظيمَ اللائقَ به(١)،
ونحوِه مما ليس فيه مشتقٌّ من الصلاة كـ : صلِّ وصلَّى؛ فإنَّا لم نسمع أحداً عدَّ قائل
ذلك مصلِّياً عليه وَلِهِ، وذلك في غاية الظهور إذا كان («قولوا: اللهمَّ صلِّ على
محمدٍ)» تفسيراً لقوله تعالى: (صَلُواْ عَلَيْهِ).
﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾﴾ أي: وقولوا: السلام(٢) عليك أيها النبيُّ، ونحوَه،
وهذا ما عليه أكثر العلماء الأجلَّة. وفي معنى ((السلام عليك)) ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها: السلامةُ من النقائص والآفات لك ومعك، أي: مصاحِبةً وملازِمةً،
فيكون السلام مصدراً بمعنى السلامة، كاللَّذَاذ واللَّذَاذة(٣)، والمَلَام والملامة، ولِمَا
في السلام من الثناء عدِّي بـ ((على)) لا لاعتبارٍ معنى القضاء، أي: قضى الله تعالى
عليك السلام كما قيل؛ لأنَّ القضاء كالدعاء لا يتعدَّى بـ ((على)) للنفع، ولا لتضمُّنه
معنى الولاية والاستيلاء لبعده في هذا الوجه.
ثانيها: السلامُ مداومٌ على حِفْظِكَ ورعايتك ومتولِّ له وكفيلٌ به، ويكون السلام
هنا اسمَ الله تعالى، ومعناه على ما اختاره ابن فُورك وغيرُه من عدَّة أقوال: ذو
السلامةِ من كلِّ آفةٍ ونقيصةٍ ذاتاً وصفةً وفعلاً.
وقيل: إذا أريد بالسلام ما هو من أسمائه تعالى فالمراد: لا خَلَوْتَ من الخير
(١) قوله: به، ليس في (م).
(٢) في (م): والسلام.
(٣) هما مصدر لذَّه، أي: وجده لذيذاً.

الآية : ٥٦
٤٤٣
سُورَةُ الأَجْزَانَ
والبركة وسَلِمْتَ من كلِّ مكروهٍ، لأنَّ اسم الله تعالى إذا ذُكر على شيءٍ أفاده ذلك.
وقيل: الكلامُ على هذا التقدير على حذف المضاف، أي: حِفْظُ الله تعالى
عليك، والمراد الدعاء بالحفظ.
وثالثها: الانقياد عليك، على أنَّ السلام من المسالمة وعدم المخالفة، والمرادُ
الدعاء بأن يصيِّر الله تعالى العباد منقادين مذعنين له عليه الصلاة والسلام ولشريعته،
وتعديتُه بـ ((على)) قيل: لِمَا فيه من الإقبال؛ فإنَّ مَن انقاد لشخصٍ وأذْعنَ له فقد أقبل
عليه. والأرجحُ عندي هو الوجه الأول.
وقيل: معنى ((سلِّموا تسليماً): انقادوا لأوامره وَ ل﴿ انقياداً، وهو غيرُ بعيدٍ، إلَّا
أنَّ ظواهر الأخبار والآثار تقتضي المعنى السابقَ، وكأنه لذلك ذهب إليه الأكثرون.
والجملة صيغةُ خبرِ معناها الدعاءُ بالسلامة، وطلبُها منه تعالى لنبيِّه وَلِّ.
واستشكل ذلك فيما إذا قال الله تعالى: السلامُ عليك أيُّها النبيُّ، أو نحوَه، بأنَّ
الدعاء لا يتصوَّر منه عز وجل؛ لأنه طلبٌ، وهو يتضمَّنُ طالباً ومطلوباً ومطلوباً منه
وهي أمور متغايرةٌ، فإنْ كان طلبه سبحانه السلامة لنبيِّه عليه الصلاة والسلام من
غيره تعالى فمُحاليتُه من أجلى البديهيات، وإن كان من ذاته عزَّ وجلَّ لزم أن يغاير
ذاته، والشيءُ لا يغاير ذاتَه ضرورةً. وهذا منشأ قول بعضهم: إنَّ في السلام منه
تعالى إشكالاً له شأنٌ، فينبغي الاعتناءُ به وعدمُ إهمال أمره، فقلَّ مَن يُدْرِكُ سرَّه.
وأجيب بأنَّ الطلب من باب الإرادات، والمريدُ كما يريد من غيره أن يفعل
شيئاً فكذلك يريد من نفسه أن يفعله هو، والطلبُ النفسيُّ وإن لم يكن الإرادةَ فهو
أخصُّ منها وهي كالجنس له، فكما يُعقل أنَّ المريد يريد من نفسه، فكذلك يطلب
منها؛ إذ لا فرق بين الطلب والإرادة. والحاصلُ أنَّ طلب الحقِّ جلَّ وعلا من ذاته
أمرٌ معقولٌ يعلمه كلُّ واحدٍ من نفسه، بدليل أنه يأمرها وينهاها، قال سبحانه: ﴿إِنَّ
النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوْءِ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ﴾
[النازعات: ٤٠] والأمر والنهي قسمان من الطلب، وقد تصوّرا من الإنسان لنفسه
بالنصِّ، فكذا بقيةُ أقسام الطلب وأنواعِه. وأوضحُ من هذا أنَّ الطلب منه تعالى
بمعنى الإرادة، وتعقُّلُ إرادةِ الشخص من ذاته شيئاً بناء على التغايُر الاعتباري ومثله
يكفي في هذا المقام.

سِوَرَةُ الأَجْزَابِ
٤٤٤
الآية : ٥٦
ومعنى: اللهمَّ سلِّم على النبيِّ: اللهمَّ قل: السلامُ على النبيِّ، على ما قيل.
وقيل: معناه: اللهمَّ أَوْجِدْ أو حقِّق السلامةَ له. وقيل: اللهمَّ سلِّمه من النقائص
والآفات.
وقال بعض المعاصرين: إنَّ ((السلام عليك)) ونحوَه من الله عز وجل لإنشاء
السلامة وإيجادِها بهذا اللفظ نظير ما قالوه في صيغ العقود، واختار أنَّ معنى اللهمَّ
سلِّم على النبيِّ: اللهمَّ أَوْجِدِ السلامةَ أو حقّقها له، دون: قل: السلام على النبيِّ،
تقليلاً للمسافة ف بّر.
وقد يكون سلام منه عزَّ وجل على أنبيائه عليهم السلام نحو قوله سبحانه:
﴿َسَلَمُ عَلَى نُوجِ فِى "ْمَلَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿سَلَمُّ عَلَى إِزَهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿سَلَمُ
عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠] تنبيهاً على أنه جلَّ شأنه جعلهم بحيث يُدْعَى
لھم ویُثْنَی علیھم.
ونصب ((تسليماً)) على أنه مصدرٌ مؤكِّد، وأَّد سبحانه التسليم ولم يؤكّد
الصلاة، قيل: لأنها مؤكّدةٌ بإعلامه تعالى أنه يصلِّي عليه وملائكته، ولا كذلك
التسليم، فحَسُنَ تأكيدُه بالمصدر إذ ليس ثَمَّ ما يقوم مقامه.
وإلى هذا يَؤُولُ قولُ ابن القيم: التأكيد فيهما(١) وإن اختلفت جهتُّه، فإنه تعالى
أخبر في الأول بصلاته وصلاةٍ ملائكته عليه مؤكّداً له بـ ((إنَّ»، وبالجمع المفيد
للعموم في الملائكة، وفي هذا من تعظيمه بَّهِ ما يوجبُ المبادرةَ إلى الصلاة عليه
من غير توقُّفٍ على الأمر موافقةً لله تعالى وملائكته في ذلك، وبهذا استُغني عن
تأكيد ((يصلِّي)) بمصدرٍ، ولمَّا خلا السلامُ عن هذا المعنى وجاء في حيِّز الأمر
المجرَّد حَسُنَ تأكيدُه بالمصدر تحقيقاً للمعنى، وإقامةً لتأكيد الفعل مقام تقريره،
وحينئذٍ حصل لك التكريرُ في الصلاة خبراً وطلباً، كذلك حصل لك التكرير في
السلام فعلاً ومصدراً. وأيضاً هي مقدّمةٌ عليه لفظاً، والتقديمُ يفيد الاهتمام، فحَسُنَ
تأكيدُ السلام لئلا يُتوهَّمَ قلَّةُ الاهتمام به لتأخّره.
(١) في حاشية (م): مبتدأ وخبر.

الآية : ٥٦
٤٤٥
سُوَّةُ الأَجْزَابِ
وقيل: إنَّ في الكلام الاحتباك (١)، والأصل: صلُّوا عليه تصليةً وسلِّموا عليه
تسليماً، فحذف ((عليه)) من إحدى الجملتين والمصدر من الأخرى.
وأضيفت الصلاةُ إلى الله تعالى وملائكته دون السلام وأُمر المؤمنون بهما،
قيل: لأنَّ للسلام معنيين: التحيةُ والانقيادُ، فأمرنا بهما لصخَتهما هنا، ولم يُضَفْ لله
سبحانه والملائكة لئلا يُتوهّم أنه في الله تعالى والملائكة بمعنى الانقياد المستحيل
في حقِّه تعالى وكذا في حقِّ الملائكة.
وقيل: الصلاة من الله سبحانه والملائكةِ متضمِّنةٌ للسلام بمعنى التحية الذي
لا يتصوَّر غيرُه، فكان في إضافة الصلاة إليه تعالى وإلى الملائكة استلزامٌ لوجود
السلام بهذا المعنى، وأمَّا الصلاةُ منَّا فهي وإن استلزمت التحيةَ أيضاً إلَّ أنَّا
مخاطبون بالانقياد وهي لا تستلزمُه، فاحتيج إلى التصريح به فينا لأنَّ الصلاة لا تغني
عن معنييه المتصوَّرين في حقّنا المطلوبَيْنِ منّا .
ثم قيل: وهذا أولى مما قبله؛ لأن ذلك يَرِدُ عليه قوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَ
إِنَّهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ﴿وَالْمَلَّكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَتِهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ ** سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣]
ولا يَرِدُ هذان على هذا. اهـ، وفيه بحثٌ.
وقال الشهاب الخفاجيُّ عليه الرحمة: قد لاح لي في ترك تأكيد السلام
وتخصيصه بالمؤمنين نكتةٌ سَرِيَّةٌ، وهي أنَّ السلام عليه عليه الصلاة والسلام تسليمُه
عمَّا يؤذيه، فلمَّا جاءت هذه الآيةُ عقيب ذكر ما يؤذي النبيَّ وََّ، والأذيةُ إنما هي
من البشر وقد صدرت منهم، فناسب التخصيص بهم والتأكيد(٢).
وربما يقال على بُعدٍ في ذلك: ، يمكن أن يكون سلامُ الله تعالى وملائكتِه
عليه عليه الصلاة والسلام معلوماً للمؤمنين قبل نزول الآية، فلم يُذكر: ويسلمون،
فيها لذلك، وأنَّ كونهم مأمورين بأنْ يسلِّموا عليه وَّه كان أيضاً معلوماً لهم ككيفية
السلام، ويؤذِنُ بهذه المعلومية ما ورد في عدَّةِ أخبارٍ أنهم قالوا عند نزول الآية:
(١) هو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
الإتقان ٢/ ٨٣١.
(٢) حاشية الشهاب ٧/ ١٨٤ .

سُوَّةُ الأَجْزَائِ
٤٤٦
الآية : ٥٦
يا رسولَ الله، قد علمنا كيف نسلِّم عليك(١). وعَنَوا بذلك ـ على ما قيل - ما في
التشهُّد من السلام، فلما أُخبروا بصلاة الله تعالى وملائكته عليه وَّه في الآية مجرَّدَةً
عن ذكر السلام، وأُردف ذلك بالأمر بالصلاة، كان مَظِنَّةَ عدم الاعتناء بأمر السلام،
أو أنه نسخ طلبه منهم، فأمروا به مؤكّداً دفعاً لتوهُّم ذلك، والله تعالى أعلم بحقيقة
الحال.
والأمرُ في الآية عند الأكثرين للوجوب، بل ذكر بعضهم إجماعَ الأئمة والعلماء
عليه، ودعوى محمد بن جرير الطبريِّ(٢) أنه للندب بالإجماع مردودةٌ، أو مؤوَّلةٌ
بالحمل على ما زاد على مرَّةٍ واحدةٍ في العمر، فقد قال القرطبي المفسِّر: لا خلافَ
في وجوب الصلاة في العمر مرَّةً(٣) .
وتفصيلُ الكلام في أمرها بعد إلغاء القول بنَدْبِها أنَّ العلماء اختلفوا فيها،
فقيل: واجبةٌ مرةً في العمر ككلمةِ التوحيد؛ لأن الأمر مطلقٌ لا يقتضي تكراراً
والماهيةُ تحصلُ بمرَّةٍ، وعليه جمهورُ الأمة؛ منهم أبو حنيفة ومالكٌ وغيرهما .
وقيل: واجبةٌ في التشهُّد مطلقاً .
وقيل: واجبةٌ في مطلق الصلاة. وتفرَّد بعضُ الحنابلة بتعيُّن دعاء الافتتاح بها .
وقيل: يجب الإكثارُ منها من غير تعيينٍ بعددٍ، وحُكي ذلك عن القاضي
أبي بكر بن بكير (٤).
(١) سلف ص٤٣٩ من هذا الجزء من حديث أبي سعيد الخدري ظذاته.
(٢) كما في الشفا للقاضي عياض ٢/ ١٤٠ والمواهب اللدنية مع شرح الزرقاني ٣٣١/٦، ولم
نقف عليه في تفسيره.
(٣) تفسير القرطبي ٢١٥/١٧، وسبقه ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٥٧٢.
(٤) محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي البغدادي المالكي الفقيه الثقة، صاحب
التأليف الجليلة التي منها أحكام القرآن، والرضاع، تفقه بإسماعيل القاضي، وتوفي سنة
(٣٥٠هـ). وقيل: اسمه أحمد بن محمد بن بكير، وقيل: محمد بن بكير لا غير. نسيم
الرياض في شرح شفا القاضي عياض ٤٤٥/٣، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣٢٩/٦.
وذكر كلامه القاضي عياض في الشفا ٢/ ١٤١، والقسطلاني في المواهب اللدنية مع شرح
الزرقاني ٣٢٩/٦.

الآية : ٥٦
٤٤٧
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وقيل: تجبُ في كلِّ مجلسٍ مرةً وإن تكرَّر ذِكْرُ وَّةِ مراراً.
وقيل : تجبُ في كلِّ دعاء.
وقيل: تجبُ كلَّما ذُكر عليه الصلاة والسلام، وبه قال جمعٌ من الحنفية منهم
الطحاويُّ، وعبارته: تجبُ كلَّما سَمِعَ ذِكْرَه من غيره أو ذَكَرَه بنفسه. وجمعٌ من
الشافعية منهم الإمام الحليميُّ(١)، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، والشيخُ
أبو حامد الإسفرايني(٢). وجمعٌ من المالكية منهم الظُّرْطُوشي(٣) وابن العربي(٤)
والفاكهاني(٥). وبعضُ الحنابلة.
قيل: وهو مبنيٌّ على القول الضعيف في الأصول أنَّ الأمر المطلق يفيد
التكرار. وليس كذلك، بل له أدلةٌ أخرى كالأحاديث التي فيها الدعاءُ بالرَّغم
والإبعاد والشقاء(٦)، والوصفُ بالبخل والجفاء، وغيرُ ذلك ممَّا يقتضي الوعيدَ،
وهو عند الأكثر من علامات الوجوب.
(١) في المنهاج في شعب الإيمان ١٤٣/٢، ونقله المصنف عنه وعن الطحاوي بواسطة
القسطلاني في المواهب اللدنية مع شرح الزرقاني ٣٢٩/٦.
(٢) أحمد بن أبي طاهر، شيخ الشافعية ببغداد، من تلامذته أبو الحسن الماوردي، والفقيه سليم
الرازي، وأبو الحسن المحاملي، وغيرهم، وعدَّه بعضهم مجدِّد المئة الرابعة، توفي سنة
(٤٠٦ هـ). السير ١٧ / ١٩٣.
(٣) أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف الفهري الأندلسي، العلّامة الزاهد، شيخ المالكية،
وطُرْطُوشة هي آخر حدِّ المسلمين من شمالي الأندلس، لازم القاضي أبا الوليد الباجي
بسَرَقَسْطة، وسمع ببغداد من أبي عبد الله الدامغاني وأبي عبد الله الحميدي وغيرهما،
وتخرَّج به أئمة، توفي بالإسكندرية سنة (٥٢٠هـ). السير ٤٩٠/١٩.
(٤) ذكر عنه ابن حجر في الفتح ١٥٣/١١، والقسطلاني في المواهب مع شرح الزرقاني ٣٢٩/٦
قوله: إنه الأحوط. اهـ. وقال هو في أحكام القرآن ١٥٧٢/٣: الصلاة على النبي متّر فرض
في العمر مرة بلا خلاف.
(٥) أبو حفص عمر بن أبي اليُمْنِ عليٍّ اللخمي الإسكندري، تاج الدين، عالم في الفقه
والأصول والعربية، له: رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام في الحديث، وشرح رسالة
ابن أبي زيد القيرواني في فقه المالكية، والفجر المنير في الصلاة على البشير النذير، توفي
سنة (٧٣٤هـ). شجرة النور الزكية ١/ ٢٠٤، والأعلام ٥٦/٥.
(٦) ينظر ما ورد في ذلك من أحاديث في الشفا ٢/ ١٧٧- ١٨١، والمواهب اللدنية مع شرح
الزرقاني ٣٢٩/٦-٣٣٠.

سُؤَةُ الأَجْزَابِ
٤٤٨
الآية : ٥٦
واعترض هذا القول كثيرون بأنه مخالفٌ للإجماع المنعقِدِ قَبْلَ قائله؛ إذ لم
يُعرف عن صحابيٍّ ولا تابعيٍّ، وبأنه يلزمُ على عمومه أنْ لا يتفرَّغ السامعُ لعبادةٍ
أخرى، وأنها تجبُ على المؤذِّن وسامِعِه والقارئ المارِّ بذكره، والمتلفّظِ بكلمتي
الشهادة، وفيه من الحرج ما جاءت الشريعةُ السَّمْحَةُ بخلافه. وبأنَّ الثناء على الله
تعالى كلما ذُكر أحقُّ بالوجوب، ولم يقولوا به. وبأنه لا يُحفظ عن صحابيٍّ أنه
قال: يا رسول الله صلى الله عليك. وبأنَّ تلك الأحاديثَ المحتجّ بها للوجوب
خرِّجَتْ مخرجَ المبالغة في تأكّد ذلك وطلبِهِ، وفي حقٌّ من اعتاد تَرْكَ الصلاة ديدناً .
ويمكن التفصِّي عن جميع ذلك:
أمَّا الأول: فلأنَّ القائلين بالوجوب من أئمة النقل، فكيف يسعُهم خَرْقُ
الإجماع؟ على أنه لا يكفي في الردِّ عليهم كونُه لم يُحفظ عن صحابيٍّ أو تابعيٍّ،
وإنما يتم الردُّ إنْ حُفِظَ إجماعٌ مصرٌِّ بعدم الوجوب كذلك، وأنَّى به.
وأما الثاني: فممنوعٌ، بل يُمْكِنُ التفرُّغُ لعباداتٍ أُخَر.
وأما الثالث: فللقائلين بالوجوب التزامُه، وليس فيه حرج.
وأما الرابع: فلأنَّ جمعاً صرَّحوا بالوجوب في حقِّه تعالى أيضاً.
وأما الخامس: فلأنه ورد في عدَّة طرقٍ عن عدَّةٍ من الصحابة أنهم لمَّا قالوا:
یا رسول الله، قالوا: صلَّی الله علیك(١).
وأما السادس: فلأنَّ حمل الأحاديث على ما ذُكر لا يكفي إلَّا مع بيانِ سنده،
ولم يبيِّنوه.
ثم القائلون بالوجوب كما ذُكِرَ أكثرُهم على أنَّ ذلك فرضُ عينٍ على كلِّ فردٍ
فردٍ، وبعضُهم على أنه فرضُ كفايةٍ. واختلفوا أيضاً: هل يتكرَّر الوجوبُ بتكرُّر
ذكره وَلي في المجلس الواحد؟ وفي بعض شروح ((الهداية)): يكفي مرةً على
الصحيح(٢).
(١) ينظر حديث أم بُجيد عند أبي داود (١٦٦٧)، وحديث عامر الرام أخي الخُضْر (حي من
محارب بن خصفة) عند أبي داود أيضاً (٣٠٨٩)، وحديث البهزي عند النسائي ١٨٢/٥.
(٢) فتح القدير لابن الهمام ٢٢٤/١، دون قوله: على الصحيح.

الآية : ٥٦
٤٤٩
سُورَةُ الأَجْتَانِ
وقال صاحب ((المجتبى))(١): يتكرَّر، وفي تكرُّرٍ ذكر الله تعالى لا يتكرَّر.
وفرَّق هو وغيرُه بينهما بما فيه نظر. ويمكنُ الفرقُ بأنَّ حقوق الله تعالى مبنيةٌ على
المسامحة والتوسِعَةٍ، وحقوق العباد مبنيةٌ على المشاحَّة والتضييق ما أمكن.
والقولُ بأنها أيضاً حقُّ الله تعالى لأمره بها سبحانه ناشئٍّ من عدم فهم المراد
بحقِّه تعالى.
وقيل: إنها تجب في القعود آخر الصلاة بين التشهُّد وسلام التحلّل، وهذا هو
مذهبُ الشافعيِّ الذي صحَّ عنه. ونَقْلُ الإسنوي أنَّ له قولاً آخرَ: أنها سنَّةٌ في
الصلاة، لم يعتبره أجلَّةُ أصحابه. ووافقه على ذلك جماعةٌ من الصحابة والتابعين
مِن بعدهم وفقهاء الأمصار:
فمن الصحابة ابنُ مسعود، فقد صحَّ عنه أنه قال: يتشهَّد الرجل في الصلاة، ثم
يصلِّي على النبيِّ وَّجُز، ثم يدعو لنفسه(٢). وأبو مسعود البدريُّ وابن عمر، فقد صحّ
عنهما أنه لا تكون صلاةٌ إلا بقراءةٍ وتشهُّدٍ وصلاةٍ على النبيِّ وََّ(٣)، فإن نسيتَ من
ذلك شيئاً فاسجد سجدتين بعد السلام.
ومن التابعين الشعبيُّ، فقد صحَّ عنه: كنَّا نعلَّم التشهُّد، فإذا قال: وأنَّ محمداً
عبده ورسوله، يحمدُ ربَّه ويثني عليه، ثم يصلِّي على النبيِّ وَّ، ثم يسأل
حاجته(٤). وأخرج البيهقيُّ عنه: مَن لم يصلِّ على النبيِّ وَّهَ في التشهُّدِ فليُعِدْ
(١) هو مختار بن محمود الزاهدي الغزميني، أبو الرجاء نجم الدين، المتوفى سنة (٦٥٨هـ)،
وكتابه المجتبى شّرَح به مختصر القدوري في الفقه. الجواهر المضية ٣/ ٤٦٠، والأعلام ٧/
١٩٣. وينظر كلامه في فتح القدير لابن الهمام ٢٢٤/١.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٧/١، والحاكم ٢٦٨/١ وصححه، وصححه أيضاً ابن حجر في
الفتح ٣٢١/٢، وقال فيه أيضاً ١٦٤/١١: وهذا أقوى شيء يحتج به للشافعي.
(٣) خبر ابن عمر أخرجه عنه المَعْمَري (هو الحسن بن علي بن شبيب البغدادي) بسند جيد
كما ذكر الحافظ في الفتح ١٦٤/١١. وخبر أبي مسعود أخرجه عنه الدارقطني في السنن
(١٣٤٤) و(١٣٤٥) موقوفاً عليه، وأخرجه أيضاً (١٣٤٣) عنه مرفوعاً، والموقوف والمرفوع
كلاهما من طريق جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر عن أبي مسعود، وجابر ضعيف كما ذكر
الدارقطني إثر الحديث (١٣٤٣). وقال ابن الهمام في فتح القدير ٢٢٣/١: وهذا ضعف
بجابر الجعفي مع أنه قد اختُلف عليه في رفعه ووقفه. اهـ. وسيأتي مزيد كلام عليه قريباً.
(٤) لم نقف عليه عن الشعبي، وأخرجه الطبري في تهذيب الآثار (الجزء المفقود) ص ٢٦٠ عن

سُوَّةُ الأَجْزَاءِ
٤٥٠
الآية : ٥٦
صلاته. أو قال: لا تُجزِئُ صلاتُه(١).
والإمام أبو جعفر محمد الباقر، فقد روى البيهقيُّ عنه نحوَ ما ذكر عن
الشعبيّ(٢)، وصوَّبه الدار قطنيُّ(٣).
ومحمد بن كعب القرظيُّ ومقاتلٌ، بل قال الحافظ ابن حجر: لم أر عن أحدٍ
من الصحابة والتابعين التصريحَ بعدم الوجوب، إلا ما نُقل عن إبراهيم النخعي،
وهذا يشعرُ بأنَّ غيره كان قائلاً بالوجوب (٤).
ومن فقهاء الأمصار أحمد؛ فإنه جاء عنه روايتان، والظاهرُ أنَّ رواية الوجوب
هي الأخيرة؛ فإنه قال: كنتُ أتهيَّبُ ذلك، ثم تبيَّنْتُ فإذا الصلاةُ على النبيِّ وَله
واجبةٌ(٥).
= مطرف بن عبد الله. قال الحافظ في الفتح ١٦٤/١١: أخرجه الطبري بسند صحيح عن
مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو من كبار التابعين.
(١) أخرجه البيهقي في الخلافيات بسند قوي كما ذكر الحافظ في الفتح ١٦٤/١١، وهو في
مختصر خلافيات البيهقي لأحمد بن فرح الإشبيلي ٢١٩/٢، وأورده البيهقي في السنن
الکبری ٣٧٩/٢ دون إسناد.
(٢) السنن الكبرى ٣٧٩/٢، ومختصر خلافيات البيهقي ٢١٩/٢-٢٢٠، وقد أورده من طريق
الحجاج بن أرطاة عن أبي جعفر، والحجاج قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق كثير
الخطأ والتدليس.
(٣) أي: صوَّب كونه من كلام أبي جعفر، كما نقل القاضي عياض في الشفا ٢/ ١٤٧، حيث
قال: وفي حديث أبي جعفر عن أبي مسعود عن النبي ◌َّهِ: ((مَن صلَّى صلاة لم يصلِّ فيها
عليَّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه)) قال الدارقطني: الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن
علي بن الحسين. اهـ.
قلنا: ونقل أيضاً كلام القاضي عياض القرطبيُّ في تفسيره ٢٢١/١٧، والقسطلانيُّ في
المواهب مع شرح الزرقاني ٣٣٤/٦. والذي ذكره الدارقطني في العلل ١٩٨/٦ أن الصواب
وقفه على أبي مسعود، وهو مع ذلك ضعيف؛ لأنه من رواية جابر الجعفي عن أبي جعفر
الباقر عنه. وجابر ضعيف، وقد سلف قريباً تخريجه والكلام على إسناده مرفوعاً وموقوفاً.
(٤) فتح الباري ١٦٥/١١ .
(٥) ذكره عن أحمد أبو زرعة الدمشقي في مسائله كما في المغني لابن قدامة ١٢٩/٢، والقول
البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع لشمس الدين السخاوي ص٢٧. قال ابن قدامة:
فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا.

الآية : ٥٦
٤٥١
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وإسحاق بن راهويه، فقد قال في آخر الروايتين عنه: إذا تركها عمداً بطلتْ
صلاتُه، أو سهواً رجوتُ أن تُجْزِئَه(١).
وهو قولٌ عند المالكية اختاره ابن العربي(٢) منهم، ولعله لازمٌ للقائلين بوجوبها
كلما ذُكر ◌َّ﴿ لتقدُّم ذكره في التشهُّد، إلا أنَّ وجوبها بعد التشهُّد لذلك لا يستلزمُ
كونها شرطاً لصحة الصلاة، إلا أنه يَرِدُ على القائلين بأنَّ الشافعي ◌َهِ شذَّ في قوله
بالوجوب.
﴿ُ على ذلك فمذكورٌ في ((الأمِ)(٣)، وقد استَدَلَّ له أصحابه بعدَّة
وأما دليله
أحاديثَ منها الصحيحُ ومنها الضعيفُ، وأَلَّفوا الرسائل في الانتصار له والردِّ على
مَن شنَّع عليه، كابن جرير وابن المنذر والخطابيِّ والطحاويِّ وغيرهم (٤). وأنا أرى
التشنيعَ على مثل هذا الإمام شنيعاً، والتعصُّبَ مع قلَّة التّبُّعِ أمراً فظيعاً (٥).
والكلام في السلام كالكلام في الصلاة، وقد صرَّح ابن فارس اللغويُّ(٦)
بأنهما سيَّان في الفرضية لأنَّ كلَّ منهما مأمورٌ به في الآية، والأمر للوجوب حقيقةً
إلا إذا ورد ما يصرفه عنه.
وأفضل الكيفيات في الصلاة عليه وآ له ما علَّمه رسول الله عليه الصلاة والسلام
لأصحابه بعد سؤالهم إياه؛ لأنه لا يختار ◌َّلفه لنفسه إلا الأشرف والأفضل، ومن
(١) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص٢٨.
(٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٥٧٢.
(٣) ١٠١/١-١٠٢.
(٤) ينظر كلام هؤلاء الأئمة في مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢١٩/١، ومعالم السنن
للخطابي ٢٢٧/١، والشفا ١٤٢/٢-١٤٥، وفتح الباري ١٦٤/١١، والمواهب اللدنية مع
شرحه ٣٣٢/٩.
(٥) لا يليق بالمصنف رحمه الله نسبة هؤلاء الأئمة الكبار إلى قلَّة التتبُّع أو إلى التعصب،
خصوصاً وأن منهم من هو من أصحاب الشافعي كالخطابي رحمه الله، وقد نبَّه على ذلك
القاضي عياض عند نقله لكلامه في الشفا ٢/ ١٤٥. وكذلك ابن المنذر كما ذكر السخاوي
في القول البديع ص٢٩ حيث قال: وقال بعدم الوجوب ابن المنذر أيضاً، وهو معدود من
الشافعية.
(٦) هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا صاحب كتاب مجمل اللغة.

سُورَةُ الأَجْزَائِ
٤٥٢
الآية : ٥٦
هنا قال النوويُّ في ((الروضة)) (١): لو حلف ليصلِّينَّ على النبيِّ وَّهِ أفضلَ الصلاة لم
يبرَّ إلا بتلك الكيفية. ووجَّهه السبكي بأنَّ مَن أتى بها فقد صلَّى الصلاة المطلوبة
بيقينٍ، وكان له الخير الوارد في أحاديث الصلاة كذلك.
ونقل الرافعيُّ عن المَرْوَزيِّ(٢) أنه يبرُّ بـ: اللهمَّ صلِّ على محمد وآلِ محمدٍ
كلَّما ذكره الذاكرون وكلَّما سها عن ذكره الغافلون(٣) .
وقال القاضي حسين: طريقُ البرِّ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ كما هو أهلُه
ومستحقُّه.
واختار البارزي أنَّ الأفضل: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ أفضلَ
صلواتك وعَدَدَ معلوماتك.
وقال الكمال ابن الهمام(٤): كلُّ ما ذكر من الكيفيات موجودٌ في: اللهمَّ صلِّ
أبداً أفضلَ صلواتك على سيدنا عبدِك ونبيِّك ورسولك محمدٍ وآله، وسلِّم عليه
تسليماً، وزده شرفاً وتكريماً، وأنزله المنزل المقرَّبَ عندك يوم القيامة. واختار ابن
حجر الهيتميُّ غيرَ ذلك(٥).
ونقل ابنُ عرفة عن ابن عبد السلام(٦) أنه لا بدَّ في السلام عليه وَّ أنْ يزيد
(١) كما في فتح الباري ١٦٦/١١، والمواهب اللدنية مع شرحه ٣٤٤/٦، وعنه نقل المصنف.
(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد صاحب أبي العباس بن سريج وأكبر تلامذته، اشتغل
ببغداد فترة، وصنف التصانيف، وانتهت إليه رئاسة المذهب، ثم تحول إلى مصر وتوفي
بها سنة (٣٤٠هـ). السير ٤٢٩/١٥، والكلام من فتح الباري ١٦٧/١١، والمواهب مع
شرحه ٣٤٤/٦.
(٣) في الأصل و(م): كلما ذكرك الذاكرون، وكلما سها عنه الغافلون، والمثبت من روضة
الطالبين ٦٥/١١، وفتح الباري ١٦٧/١١، والمواهب مع شرحه ٣٤٤/٦.
(٤) كما في الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص١٤، وعنه نقل المصنف.
(٥) لم نقف على هذا الاختيار لابن حجر.
(٦) هو محمد بن عبد السلام، أبو عبد الله الهواري التونسي قاضيها، الفقيه المالكي الحافظ
المتبحر في العلوم العقلية والنقلية، له شرح على مختصر ابن الحاجب، وهو شيخ الإمام
محمد بن عرفة، توفي سنة (٧٤٩هـ). شجرة النور الزكية ٢١٠/١، وشرح المواهب الزرقاني
٣٣٤/٦.

الآية : ٥٦
٤٥٣
سُورَةُ الأَجْزَاءِ
(تسليماً))، كأن يقول: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وسَلِّمْ تسليماً، أو صلى الله عليه وسلم
تسليماً. وكأنه أخذ بظاهر ما في الآية، وليس أَخْذاً صحيحاً كما يظهر بأدنى تأمُّلٍ.
ونقل عن جمع من الصحابة ومَن بعدهم أنَّ كيفية الصلاة عليه ول﴿ لا يوقَفُ
فيها مع المنصوص، وأنَّ مَن رزقه الله تعالى بياناً فأبان عن المعاني بالألفاظ
الفصيحة المباني، الصريحةِ المعاني، مما يُعْرِبُ عن كمال شرفه ◌ِّله وعظيم
حرمته، فله ذلك.
واحتجّ له بما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ماجه وابن مردويه عن
ابن مسعود ◌ُه قال: إذا صلَّيتُم على النبيِّ وَّهِ فَأَخْسِنوا الصلاةَ عليه، فإنكم
لا تدرون لعل ذلك يُعْرَضُ عليه. قالوا: فعلِّمنا؟ قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك
ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمدٍ عبدِك
ورسولك إمام الخير وقائدِ الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه
به الأوَّلون والآخرون، اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيدٌ(١).
وفي قوله سبحانه: (صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) رمزٌ خفيٍّ فيما أرى إلى مطلوبية
تحسين الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، حيث أتى به كلاماً يصلح أن يكون
شطراً من البحر الكامل فتدبَّرْه فإنِّي أظنُّ أنه نفيس.
واستدلَّ النوويُّ رحمه الله تعالى بالآية على كراهة إفراد الصلاة عن السلام
وعَكْسِه، لورود الأمر بهما معاً فيها، ووافقه على ذلك بعضُهم.
واعتُرضَ بأنَّ أحاديث التعليم تؤذِنُ بتقدُّم تعليم التسليم على تعليم الصلاة،
فيكون قد أُفرِدَ التسليم مرةً قبل الصلاة في التشهُّد.
وردّ بأنَّ الإفراد في ذلك الزمن لا حجة فيه لأنه لم يقع منه عليه الصلاة
والسلام قصداً، كيف والآيةُ ناصَّةٌ عليهما؟ وإنما يحتمل أنه علَّمهم السلام وظَنَّ
أنهم يعلمون الصلاة فسكت عن تعليمهم إياها، فلما سألوه أجابهم وَ طهر لذلك، وهو
كما ترى.
(١) مصنف عبد الرزاق (٣١٠٩)، وسنن ابن ماجه (٩٠٦).

سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ
٤٥٤
الآية : ٥٦
وذكر العلّامةُ ابن حجر الهيتمي أنَّ الحق أنَّ المراد بالكراهة خلافُ الأَوْلَى؛ إذ
لم يوجد مقتضيها من النهي المخصوص.
ونقل الحمويُّ(١) من أصحابنا عن ((منية المفتي))(٢) أنه لا يُكْرَه عندنا إفرادُ
أحدهما عن الآخر، ثم قال نقلاً عن العلّامة ميرك(٣): وهذا الخلافُ في حقِّ
نبينا وَّهُ، وأمَّا غيرُه من الأنبياء عليهم السلام فلا خلافَ في عدم كراهة الإفراد
لأحدٍ من العلماء، ومَن ادَّعى ذلك فعليه أن يُؤْرِدَ نقلاً صريحاً، ولا يجد إليه
سبيلاً. انتھی.
وصرَّح بعضهم أنَّ الكراهة عند مَن يقول بها إنما هي في الإفراد لفظاً، وأمَّا
الإفرادُ خطًّا كما وقع في ((الأمّ))(٤) فلا كراهةَ فيه.
وعندي أنَّ الاستدلال بالآية على كراهة الإفراد حَسْبَما سمعت في غاية
الضعف؛ إذ قصارى ما تدلُّ عليه أن كلًّا من الصلاة والتسليم مأمور به مطلقاً،
ولا تدلُّ على الأمر بالإتيان بهما في زمانٍ واحد، كأنْ يؤتَى بهما مجموعَيْنِ معطوفاً
أحدُهما على الآخر، فَمَنْ صلَّى بكرةً وسلَّم عشيًّا مثلاً فقد امتثل الأمر، فإنها نظير
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الْضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ﴾ [البقرة: ١١٠] و: ﴿أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: ٤١ و٤٢] إلى غير ذلك من الأوامر المتعاطفة.
نعم دَرَجَ أكثر السلف على الجمع بينهما، فلا أَسْتَحْسِنُ العدولَ عنه، مع ما في
ذكر السلام بعد الصلاة من السلامة من توهّم لا يكادُ يَعْرِضُ إلا للأذهان السقيمة
كما لا يخفى.
(١) أحمد بن محمد مكي، أبو العباس شهاب الدين الحسيني الحنفي، المصري، الحموي
الأصل، من مصنفاته: كشف الرمز عن خبايا الكنز، والدر النفيس في مناقب الشافعي،
وإتحاف الأذكياء بتحقيق عصمة الأنبياء، وغيرها كثير، توفي سنة (١٠٩٨ هـ). هدية العارفين
١٦٤/١، والأعلام ٢٣٩/١. وكلامه من كتاب غمز عيون البصائر في شرح الأشباه
والنظائر لابن نجيم ١٥/١.
(٢) في فروع الحنفية ليوسف بن أبي سعيد السجستاني. كشف الظنون ٢/ ١٨٨٧.
(٣) في شرحه على الشمائل كما ذكر الحموي.
(٤) ينظر الأم ١٧٩/٧ - ١٨٠.

الآية : ٥٦
٤٥٥
سُوَرَةُ الأَجْرَابَ
وفي دخوله وَّر في الخطاب بـ ((يا أيها الذين آمنوا)) هنا خلافٌ، فقال بعضهم
بالدخول، وقد صرَّح بعضُ أجلَّة الشافعية بوجوب الصلاة عليه بَّ في صلاته،
وذكر أنه وَ﴿ كان يصلِّي على نفسه خارجها كما هو ظاهرُ أحاديثَ، كقوله ◌َّ حين
ضلَّت ناقتُه وتكلّم منافقٌ فيها: ((إنَّ رجلاً من المنافقين شمت أنْ ضلَّتْ ناقةُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم))(١). وقولِه حين عَرَضَ على المسلمين ردَّ ما أخذه
من أبي العاص زوج ابنته زينبَ قبل إسلامه: ((وإنَّ زينب بنتَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم سألتني)) الحديث(٢)، فذكر التصلية والتسليم على نفسه بعد ذِكْرِه،
واحتمالُ أنَّ ذلك في الحديثين من الراوي بعيدٌ جدًّا. اهـ.
وتوقّف بعضهم في دخوله من حيث إنَّ قرينة سياق ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ
بُيُوتَ النَِّ﴾ إلى هنا ظاهرةٌ في اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين دونه وَّةِ. ونُظر فيه
بأنَّ ما قبل هذه الآية صريحٌ في اختصاصه بالمؤمنين، وأمَّا هي فلا قرينةً فيها على
الاختصاص.
وأنت تعلم أنَّ للأصوليين في دخوله ◌َّله في نحو هذه الصيغة أقوالاً: عدمه
مطلقاً، وهو شاذٌ. ودخولُه مطلقاً، وهو الأصح على ما قال جمعٌ. والدخولُ
إلا فيما صدِّر بأمره بالتبليغ، نحو: ((قل يا أيها الذين آمنوا)).
وأنا أعوِّل على الدخول إلَّا إذا وُجدتْ قرينةٌ على عدم الدخول سواءٌ كانت
الأمرَ بالتبليغ أوْ لا، وهاهنا السباق والسياق قرينتان على عدم الدخول فيما يظهر.
وعبَّر بـ ((الذين آمنوا)) دون الناس الشامل للكفار؛ قيل: إشارةً إلى أنَّ الصلاة
عليه وَله من أجلِّ الوسائل وأنفعِها، والكافرُ لا وسيلةً له فلم يؤتَ بلفظٍ يشملُه،
ومخاطبةُ الكفّار بالفروعِ على القول بها بالنسبة لعقابهم عليها في الآخرة فحسب،
على أنَّ محلّ تكليفهم بها حيث أُجمع عليها، ومن ثَمَّ استُثني من مخاطبتهم بها
(١) أخرجه ضمن خبر طويل ابن شبة في تاريخ المدينة ٣٥٤/١ من طريق موسى بن عقبة عن
الزهري. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٦٠ عن عروة وموسى بن عقبة. وليس في تاريخ
المدينة: صلى الله عليه وسلم.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ١٧٤/٤ عن موسى بن عقبة.

سُورَةُ الأُخْتَابِ
٤٥٦
الآية : ٥٦
معاملتُهم الفاسدةُ ونحوُها. ولعل الأَوْلَى أنَّ التعبير بذلك لِمَا ذكر مع اقتضاء
السیاق له.
وفي نداء المؤمنين بهذا الأسلوب من حثّهم على امتثال الأمر ما لا يخفى.
والأمر بالصلاة والتسليم من خواصِ هذه الأمة، فلم تؤمر أمةٌ غيرُها بالصلاة
والتسليم على نبيِّها .
وكان ذلك على ما نُقل عن أبي ذرِّ الهرويِّ(١) في السنة الثانية من الهجرة.
وقيل: كان في ليلة الإسراء. وأنت تعلم أنَّ الآية مدنية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهدٍ أنها لمَّا نزلت قال أبو بكر:
ما أنزل الله عليك خيراً إلا أَشْرَكَنا فيه. فنزلت: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ
وَمَكَبِكَتُهُ﴾ (٢) [الأحزاب: ٤٣]. وحكمةُ تغايُرِ أسلوبي الآيتين ظاهرةٌ على المتأمِّل.
والصلاة منَّا على الأنبياء ما عدا نبيِّنا عليه وعليهم الصلاة والسلام جائزةٌ
بلا كراهةٍ، فقد جاء بسندٍ صحيح على ما قاله المجد اللغويُ(٣): ((إذا صلَّيتم على
المرسلين فصلُّوا عليّ معهم فإِنِّي رسولٌ من المرسلين)»(٤)، وفي لفظ: ((إذا سلَّمتم
عليَّ فسلِّموا على المرسلين))(٥). وللأول طريقٌ أخرى إسنادُها حسنٌ جيّدٌ لكنَّه
(٦)
مرسل(٦).
وأخرج عبد الرزاق والقاضي إسماعيل وابنُ مردويه والبيهقيُّ في ((شعب
(١) كما في فتح الباري ٥٣٤/٨.
(٢) سلف ص٤٣ من هذا الجزء.
(٣) هو الإمام اللغوي الشهير أبو طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزآبادي،
صاحب القاموس، وقد ذكر قوله السخاوي في القول البديع ص٦١.
(٤) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، وأبو يعلى الصابوني في فوائده من حديث أنس. ينظر
القول البديع ص٦١، وكنز العمال ٥٠٧/١. وورد في تاريخ ابن معين برواية الدوري ٢/ ١٧١
بلفظ: ((إذا صلَّيتم عليَّ فصلَّوا على المرسلين))، وقال يحيى: إنما هو عن قتادة مرسل.
(٥) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٩٢)، وابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير
في آخر تفسير سورة الصافات من طريق قتادة عن أنس. وأخرجه الطبري ٦٦١/١٩ عن
قتادة مرسلاً.
(٦) القول البديع ص٦١، وعزاه السخاوي لابن أبي عاصم عن قتادة.

الآية : ٥٦
٤٥٧
سُورَةُ الأَجْزَانَ
الإيمان)) عن أبي هريرة ◌َبه أنَّ رسول الله ◌ِّهِ قال: ((صلُّوا على أنبياء الله ورسله
فإنَّ الله تعالى بعثهم كما بعثني)) (١)، وهو وإنْ جاء من طرقٍ ضعيفةٍ يُعْمَلُ به في مثل
هذا المطلب كما لا يخفى.
وأما ما حكي عن مالكٍ من أنه لا يُصلَّى على غير نبيِّنا وَلّهِ من الأنبياء(٢)،
فأوَّلَه أصحابُه بأنَّ معناه أنَّا لم نتعبَّدْ بالصلاة عليهم كما تُعبِّدْنا بالصلاة عليه ◌ََّ(٣).
والصلاةُ على الملائكة قيل: لا يُعرف فيها نصٌّ، وإنما تؤخذ من حديث
أبي هريرة المذكور آنفاً إذا ثبت أنَّ الله تعالى سمَّاهم رسلاً (٤).
وأما الصلاةُ على غير الأنبياء والملائكةِ عليهم السلام فقد اضطربت فيها أقوالُ
العلماء؛ فقيل: تجوزُ مطلقاً؛ قال القاضي عياض: وعليه عامَّةُ أهل العلم (٥).
واستُدِلَّ له بقوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وبما صحَّ
من قوله وَله: ((اللهمَّ صلِّ على آل أبي أَوْفَى))(٦).
وقولِه عليه الصلاة والسلام وقد رفع يديه: ((اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك
على آل سعد بن عبادة))(٧).
(١) مصنف عبد الرزاق (٣١١٨)، وفضل الصلاة على النبي وَّة للقاضي إسماعيل بن إسحاق
(٤٥)، وشعب الإيمان (١٣١)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢١٩/٥. قال
السخاوي في القول البديع ص ٦١: في سنده موسى بن عبيدة، وهو وإن كان ضعيفاً فحديثه
يستأنس به.
(٢) قال القاضي عياض في الشفا ٢/ ١٨٧: ((وجدت بخط بعض شيوخي: مذهب مالك أنه
لا يجوز أن يصلَّى على أحد من الأنبياء سوى محمدٍ ◌َّ﴾. وهذا غير معروف من مذهبه،
وقد قال مالك في المبسوط ليحيى بن إسحاق: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا
أن نتعدَّی ما أمرنا به)».
(٣) القول البديع للسخاوي ص٦٣ .
(٤) فتح الباري ١١/ ١٧٠، والقول البديع ص٦٣ .
(٥) الشفا ١٨٦/٢، وشرح الشفا للخفاجي ٥٠٤/٣، وعبارة القاضي: عامة أهل العلم متفقون
على جواز الصلاة على غير النبي ◌َّار. اهـ. ولفظة ((غير) ساقطة من مطبوع الشفا.
(٦) أخرجه أحمد (١٩١١١)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨) من حديث عبد الله بن
أبي أوفى
(٧) أخرجه أحمد (١٥٤٧٦)، وأبو داود (٥١٨٥) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن

سورة الأخَْانِ
٤٥٨
الآية : ٥٦
وصحَّح ابن حبان خبرَ أنَّ امرأةً قالت للنبيِّ وَِّ: صلِّ عليّ وعلى زوجي.
ففعل(١).
وفي خبر مسلم: ((إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلَّى الله عليك وعلى
جسدك))(٢)، وبه يُردُّ على الخفاجي قولُه في ((شرح الشفا)»: صلاةُ الملائكة على
الأمة لا تكونُ إلا بتبعِيَّتَهَ وَلِ(٣).
وقيل: لا تجوزُ مطلقاً.
وقيل: لا تجوز استقلالاً وتجوز تبعاً فيما ورد فيه النصُّ كالآل، أو أُلحق به
كالأصحاب. واختاره القرطبيّ(٤) وغيره.
وقيل: تجوز تبعاً مطلقاً ولا تجوز استقلالاً، ونسب إلى أبي حنيفة وجمعٍ.
وفي (تنوير الأبصار)): ولا يصلَّى على غير الأنبياء والملائكة إلا بطريق التبع(٥).
وهو محتمِلٌ لكراهة الصلاة بدون تبعٍ تحريماً، ولكراهتها تنزيهاً، ولكونها خلافَ
الأَوْلَى، لكن ذكر البيري(٦) من الحنفية: مَن صلَّى على غيرهم أثم وكُرِهَ، وهو
الصحيح. وفي روايةٍ عن أحمد كراهةُ ذلك استقلالاً. ومذهبُ الشافعية أنه خلافُ
الأَوْلی.
وقال اللقاني: قال القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحقّقون وأميلُ إليه ما قاله
مالكٌ وسفيان واختاره غيرُ واحدٍ من الفقهاء والمتكلِّمين: أنه يجب تخصيصُ
النبيِّ ◌َّه وسائرِ الأنبياء بالصلاة والتسليم كما يختصُ الله سبحانه عند ذكره
= زرارة عن قيس بن سعد، عن النبي ◌َّ ر. ومحمد بن عبد الرحمن لم يثبت له سماع من
قيس بن عبادة.
(١) صحيح ابن حبان (٩١٦) من حديث جابر ﴿به، وهو عند أحمد (١٤٢٤٥).
(٢) صحيح مسلم (٢٨٧٢) من حديث أبي هريرة ه.
(٣) نسيم الرياض في شرح شفا القاضي عياض لشهاب الدين الخفاجي ٤٤٣/٣.
(٤) هو أبو العباس القرطبي في المفهم، كما ذكر الحافظ في الفتح ١١/ ١٧٠ .
(٥) تنوير الأبصار للتمرتاشي مع شرحه الدر المختار للحصكفي ٢/ ٥٢١.
(٦) في خطبة شرح الأشباه كما في حاشية ابن عابدين ٦/ ٧٥٣، والبيري هو إبراهيم بن حسين بن
أحمد بن محمد بن أحمد بن بيري مفتي مكة، له مؤلفات ورسائل كثيرة، منها: حاشية على
الأشباه والنظائر سماها: عمدة ذوي الأبصار، توفي سنة (١٠٩٩ هـ). خلاصة الأثر ١٩/١.

الآية : ٥٦
٤٥٩
سُورَةُ الأَجْزَابِ
بالتقديس والتنزيه، ويُذكر مَن سواهم بالغفران والرضا، كما قال تعالى: ﴿رَضِى
اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِآلْإِيمَنِ﴾ [الحشر: ١٠] وأيضاً فهو أمرٌ لم يكن معروفاً في الصدر الأول، وإنما أحدثه
الرافضةُ في بعض الأئمة، والتشبُّهُ بأهل البدع منهيٌّ عنه، فتجب مخالفتُهم(١).
انتهى. ولا يخفى أنَّ كراهة التشبُّهِ بأهل البدع مقرَّرةٌ عندنا أيضاً، لكن لا مطلقاً بل
في المذموم وفيما قُصد به التشبُّه بهم، فلا تغفل.
وجاء عن عمر بن عبد العزيز بسندٍ حسنٍ أو صحيح أنه كتب لعامله: إنَّ ناساً
من القُصَّاص قد أَحْدَثوا في الصلاة على حلفائهم ومواليهم عدلَ صلاتهم على
النبيِّ ◌َّ﴿، فإذا جاءك كتابي هذا فَمُرْهُم أن تكون صلاتُهم على النبيين خاصةً،
ودعاؤهم للمسلمين عامةً، ويَدَعوا ما سوى ذلك(٢).
وصحَّ عن ابن عباس أنه قال: لا تنبغي الصلاةُ من أحدٍ على أحدٍ إلَّا على
النبيِّ ◌ََّ. وفي روايةٍ عنه: ما أَعْلَم الصلاةَ تنبغي على أحدٍ من أحدٍ إلا على
النبيِّ وََّ، ولكن يُدْعَى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار(٣). وكلاهما يحتملُ
الكراهةَ والحرمة.
واستدلَّ المانعون بأنَّ لفظ الصلاة صار شعاراً لعظم الأنبياء وتوقيرهم، فلا تقال
لغيرهم استقلالاً وإن صحَّ، كما لا يقال: محمدٌ عزَّ وجلَّ، وإن كان عليه الصلاة
والسلام عزيزاً جليلاً؛ لأنَّ هذا الثناءَ صار شعاراً لله تعالى فلا يشارك فيه غيره.
وأجابوا عمَّا مرَّ بأنه صدر من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام،
ولهما أن يخصَّا مَن شاءا بما شاءا، وليس ذلك لغيرهما إلا بإذنهما، ولم يثبت
عنهما إذنٌّ في ذلك.
ومن ثَمَّ قال أبو اليمن بنُ عساكر: له وَّرِ أنْ يصلِّي على غيره مطلقاً لأنه حقُّه
(١) الشفا للقاضي عياض ٢/ ١٩١-١٩٢، والكلام من حاشية ابن عابدين ٧٥٣/٦.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٦٨/١٣، والقاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي (٧٦).
وحسن إسناده الحافظ في الفتح ٥٣٤/٨.
(٣) تنظر الروايتان في مصنف عبد الرزاق (٣١١٩)، ومصنف ابن أبي شيبة ٥١٩/٢، وفضل
الصلاة على النبي (٧٥). وصحح إسناده الحافظ في الفتح ٥٣٤/٨.

سُوَّةُ الأَجْزَاءَ
٤٦٠
الآية : ٥٦
ومنصبُه، فله التصرُّفُ فيه كيف شاء، بخلافٍ أمته؛ إذ ليس لهم أن يُؤْثِروا غيره بما هو
له. لكن نازع فيه صاحب ((المعتمد)) من الشافعية(١) بأنه لا دليل على الخصوصية.
وحمل البيهقيُّ القولَ بالمنع على ما إذا جُعل ذلك تعظيماً وتحيةً، وبالجواز
على ما(٢) إذا كان دعاءً وتبرُّكاً(٣).
واختار بعض الحنابلة(٤) أنَّ الصلاة على الآل مشروعةٌ تبعاً وجائزةٌ استقلالاً،
وعلى الملائكة وأهل الطاعة عموماً جائزةٌ أيضاً، وعلى معيَّنِ شخصٍ أو جماعةٍ
مكروهةٌ، ولو قيل بتحريمها لم يَبعدْ سيما إذا جُعل ذلك شعاراً له وحده دون
مُساويه ومَن هو خيرٌ منه، كما تفعل الرافضة بعليٍّ کرم الله تعالی وجهه. ولا بأس
بها أحياناً كما صلَّى عليه الصلاة والسلام على المرأة وزوجِها، وكما وَرَدَ عن عليٍّ
من صلاته على عمر(٥) ﴿ّ لمَّا دخل عليه وهو مسجّى(٦). ثم قال: وبهذا التفصيل
(١) المعتمد في فروع الشافعية لأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المتوفى سنة (٥٠٧هـ) وهو
كالشرح لحلية العلماء المعروف بالمستظهري. كشف الظنون ١٧٣٣/٢، وكلام صاحب
المعتمد في القول البديع ص٦٤ .
(٢) في (م): عليها، بدل: على ما.
(٣) شعب الإيمان ٢١٩/٢، والقول البديع ص ٦٤ - ٦٥.
(٤) هو ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام
ص٤٨١، وينظر القول البديع ص ٦٥ .
(٥) في الأصل و(م): وكما صلى عليه الصلاة والسلام على عليٍّ وعمر، والمثبت من القول
البديع، وهو الصواب.
(٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣٦٩/٣ -٣٧٠، وعمر بن شَبَّة في تاريخ المدينة ٩٣٧/٣ -
٩٣٨، والحاكم ٩٣/٣-٩٤، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٣٤٩)
من طريق سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أن عليًّا
دخل على عمر وهو مُسَجَّى فقال: صلَّى الله عليك، ثم قال: ما من أحد أحبّ إليَّ أن
ألقى الله بما في صحيفته من هذا المسجّى. زاد الخطيب: قال سفيان: قيل لجعفر: أليس
قيل: لا يصلَّى على أحد إلا على النبي ◌َّ؟ قال: هكذا سمعت.
وأخرجه ابن سعد ٣/ ٣٧٠، وابن أبي شيبة ٣٧/١٢-٣٨ من طرق أخرى عن جعفر بن
محمد عن أبيه مرسلاً، وليس فيه: صلى الله عليك.
قال الدارقطني في العلل ٨٩/٣: أَغْربَ ابن عيينة في هذا الحديث في إسناده ومتنه: فأما في
إسناده فإنه وصله عن جابر عن علي. وأما في متنه فإنه قال: إن عليًّا دخل على عمر وهو
=