النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ٥٠
٤٠١
سُؤَدَّةُ الأَجْزَانِ
بلفظ الهبة إيجاباً وسلباً. ومعنى خلوص الإحلال المذكور له وَلفيه من دون المؤمنين
كونُه متحقِّقاً في حقّه غيرَ متحقِّقٍ في حقٌّهم؛ إذ لابد في الإحلال لهم من مهر
المثل.
وظاهر كلام العلامة ابن الهمام اعتبار لفظ الهبة حيث قال في ((الفتح)»: قد ورد
النكاح بلفظ الهبة. وساق الآية ثم قال: والأصلُ عدم الخصوصية حتى يقوم
دليلها، وقوله تعالى: (خَالِصَةٌ لَّكَ) يرجع إلى عدم المهر بقرينةٍ إعقابه بالتعليل
بنفي الحرج، فإنَّ الحرج ليس في ترك لفظٍ إلى غيره خصوصاً بالنسبة إلى أفصح
العرب، بل في لزوم المال، وبقرينةٍ وقوعه في مقابلة المؤتى أجورهنَّ، فصار
الحاصل: أحللنا لك الأزواج المؤتَى مهورَهنَّ والتي وهبتْ نفسها لك فلم تأخذ
مهراً خالصةً هذه الخصلةُ لك من دون المؤمنين، أمَّا هم فقد علمنا ما فرضنا عليهم
في أزواجهم .. إلخ من المهر وغيره. وأبدى صدرُ الشريعة جوازَ كونه متعلِّقاً
بـ ((أحللنا)) قيداً في إحلال أزواجه له وَله لإفادة عدم حلُّهنَّ لغيره ◌ََّ (١). انتهى.
وجوَّز بعضُهم كونَه قيداً في إحلال الإماء أيضاً لإفادة عدم حلِّ إمائه كأزواجه
لأحدٍ بعده عليه الصلاة والسلام، وبعضٍ آخَرُ كونَه قيداً لإحلال جميع ما تقدَّم على
القيود المذكورة، أي: خَلُصَ إحلالُ ما أحللنا لك من المذكورات على القيود
المذكورة خلوصاً(٢) من دون المؤمنين، فإنَّ إحلال الجميع على القيود المذكورة
غير متحقِّقٍ في حقّهم، بل المتحقِّقُ فيه إحلالُ بعض المعدود على الوجه المعهود،
واختاره الزمخشري(٣).
وأيًّا ما كان فقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِيْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيَّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُمْ﴾ اعتراضٌ بين المتعلّق والمتعلَّق، والأول على جميع الأوجه قوله سبحانه:
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ﴾ والثاني على الوجه الأخير - وهو تعلُّق («خالصة))
بجميع ما سلف من الإحلالات الأربع - قولُه تعالى: (خَالِصَةٌ) وهو مؤكِّدٌ معنى
اختصاصه عليه الصلاة والسلام بما اختصَّ به بأنَّ كلَّا من الاختصاص عن علم،
(١) فتح القدير ٣٤٧/٢.
(٢) في (م): خلوصها، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٣) في الكشاف ٢٦٨/٣.

سُوَرَّةُ الأَجْزَانِ
٤٠٢
الآية : ٥١
وأنَّ هذه الحظوة مما يليق بمنصب الرسالة فحسب، فالمعنى: إنَّ الله تعالى قد علم
ما ينبغي - من حيث الحكمةُ - فَرْضُه على المؤمنين في حقِّ الأزواج والإماء، وعلى
أيِّ حدٍّ وصِفَةٍ ينبغي أن يفرض عليهم، ففَرَضَه واختصَّك سبحانه بالتنزيه واختيار
ما هو أولى وأفضلُ في دنياك، حيث أَحَلَّ جل شأنه لك أجناس المنكوحات، وزاد
لك الواهبةَ نفسَها من غير عوضٍ لئلا يكون عليك ضِيقٌ في دينك.
وهو على الوجه الأول الذي ذكرناه - وهو تعلُّق ((خالصةً)) بالواهبة خاصةً - قولُه عز
وجل: (إِنَّا أَمْلَلْنَا) وهو الذي استظهره أبو حيان(١) وأَمْرُ الاعتراض عليه على(٢) حاله.
وبعضُهم يجعل المتعلَّق ((خالصةً)) على سائر الأوجه، والتعلُّقُ به باعتبار ما فيه
من معنى ثبوت الإحلال وحصولِهِ له ◌َلّ، لا باعتبارِ اختصاصه به عليه الصلاة
والسلام؛ لأنَّ مدار انتفاء الحرج هو الأولُ لا الثاني الذي هو عبارةٌ عن عدم ثبوته
لغيره وَلئية .
وقال ابن عطية: إن ((لكيلا)) إلخ متعلّقٌ بمحذوفٍ، أي: بَيِّنَّا هذا البيانَ وشَرَحْنا
هذا الشرحَ لئلا يكون عليك حرجٌ ويُظَنَّ بك أنك قد أثمتَ عند ربك عز وجل(٣).
فلا اعتراضَ على هذا، ولا يخلو عن اعتراضٍ، فتدبر ولا تغفل.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ أي: كثير المغفرة، فيغفرُ ما يشاء ممَّا يَعْسُر التحرُّزُ عنه
وغيرَه ﴿رَّحِيمًا ﴾﴾ أي: وافر الرحمة، ومن رحمته سبحانه أن وسّع الأمر في
مواقع الحرج.
﴿تُرْجِى مَن تَشَّهُ مِنْهُنَّ﴾ أي: تؤخّر مَن تشاء من نسائك وتتركُ مضاجعتها ﴿وَتُنْوِىّ
إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ وتضمُّ إليك مَن تشاء منهنَّ وتضاجعها، وروي هذا عن قتادة.
وعن ابن عباس والحسن: أي: تطلِّق مَن تشاء منهنَّ وتمسِكُ من تشاء.
وقال بعضهم: الإرجاء والإيواء لإطلاقهما يتناولان ما في التفسيرين، وما ذكر
فيهما فإِنَّما هو من باب التمثيل. ولا يخلو عن حُسْنٍ.
(١) في البحر ٧/ ٢٤٢.
(٢) في (م): في.
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٢/٤.

الآية : ٥١
٤٠٣
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وفي روايةٍ عن الحسن: أنَّ ضمير ((منهنَّ)) لنساء الأمة، والمعنى: تترك نكاحَ
مَن تشاء من نساء أمتك فلا تنكحُ، وتنكحُ منهنَّ مَن تشاء. وقال: كان ◌َّ إذا
خطب امرأةً لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتركها .
وعن زيد بن أسلم والطبري أنه للواهبات أنفسَهنَّ، أي: تقبلُ مَن تشاء من
المؤمنات اللاتي يَهَبْنَ أنفسهنَّ لك فتُؤويها إليك، وتترك مَن تشاء منهنَّ
فلا تقبلها(١).
وعن الشعبي ما يقتضيه؛ فقد أخرج ابن سعد والبيهقيُّ في ((السنن)) وغيرُهما عنه
قال: كنَّ نساءً وهينَ أنفسهنَّ لرسول الله وَّهِ، فدخل ببعضهنَّ وأرجأ بعضَهنَّ فلم
يُقْرَبْنَ حتى توفِّي عليه الصلاة والسلام ولم يُنْكَحْنَ بعده، منهنَّ أُمُّ شريكٍ، فذلك
قولُه تعالى: (ثُرْجِى مَن نَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءٍ)(٢).
ويشهد لِمَا تقدَّم من رجوعه إلى النساء ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم وغيرهم عن أبي رزين قال: همَّ رسول الله وَّر أن يطلِّق من نسائه فلمًّا
رأينَ ذلك أتينه فقلنَ: لا تُخْلِ سبيلنا وأنت في حلِّ فيما بيننا وبينك، افْرِضْ لنا من
نفسك ومالِكَ ما شئتَ. فأنزل الله تعالى الآيةَ، فأرجأ منهنَّ نسوةً، وكان ممن أرجأ
ميمونةُ وجويريةٌ وأمُّ حبيبةَ وصفيةُ وسودةُ، وكان ممن آوى عائشةُ وحفصةُ وأُّ سلمةً
وزينبُ رضي الله عنهنَّ أجمعين(٣).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: ((تُرْجِئُ)) بالهمز(٤)، وهو عند
الزجَّاج أجودُ(٥)، والمعنى واحد.
﴿وَمَنِ أَبْغَيْتَ﴾ أي: طلبتَ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: تجتَّبْتَ، وحُمِل هذا التجنُّبُ
على ما كان بطلاقٍ. و(مَن)) شرطيةٌ منصوبةٌ بما بعدها، وقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ
(١) تفسير الطبري ١٤٢/١٩-١٤٣.
(٢) طبقات ابن سعد ١٥٤/٨- ١٥٥ ٢٠١، وسنن البيهقي ٧/ ٥٥.
(٣) الدر المنثور ٢١١/٥، وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢٠، وتفسير الطبري ١٣٩/١٩
و ١٤٠ و١٤١.
(٤) التيسير ص١١٩، والنشر٤٠٦/١، وهي قراءة يعقوب من العشرة.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٣٣.

سُورَةُ الأَجْزَارِ
٤٠٤
الآية : ٥١
عَلَيْكَ﴾ جوابُها، أي: مَن طلبتها ممَّن طلَّقتَ فليس عليك إثمٌ في طلبها، أو
موصولةٌ والجملةُ خبرها، أي: والتي طلبتها لا جُناحَ عليك في طلبها، والمراد نفي
أن يكون عليه عليه الصلاة والسلام إثمٌ في إرجاع المطلّقة.
وقيل: (مَن)) موصولة معطوفةٌ على ((مَن تشاء)) الثاني، والمراد به غيرُ المطلّقة.
ومعنى ((فلا جناح عليك)): فلا إثم عليك في شيءٍ مما ذُكر من الإرجاء
والإيواء والابتغاء، والمراد تفويضُ ذلك إلى مشيئته وَله.
وقال بعضُهم: المراد به ما كان بتركٍ مضاجعةٍ بدون طلاق، والمقصود من
الآية بيانُ أنَّ لِهِ﴿ تركَ مضاجعةٍ مَن شاء مِن نسائه، ومضاجعةً مَن شاء منهنَّ،
أي: ممن لم يكن أرجأها وتَرَكَ مضاجعتها، والرجوعَ إلى مضاجعة مَن تَرَكَ
مضاجعتَها واعتزلها، فمن عزل هي المُرْجَأَة.
وأفاد صاحب ((الكشاف)) (١) أنَّ الآية متضمِّنةٌ قسمةً جامعةً لِمًا هو الفرض؛
لأنه وَ﴾ إمَّا أن يطلِّق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجَعَ أو تَرَكَ وقَسَمَ أو لم
يَقْسِم، وإذا طلَّق وعزل فإما أن يخلِّي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها، وانفهامُ
الطلاق والإمساك بأقسامه بواسطة إطلاق الإرجاء والإيواء في قوله تعالى: (تُرْجِى مَن
تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ) وانفهامُ ابتغاء المعزولة من قوله سبحانه: (وَمَنِ ابْنَغَيْتَ) إلخ، ومتى
فُهم أنْ لا جناحَ في ابتغاء المعزولة بالطلاق وردِّها إلى النكاح فُهم منه أنَّ رَفْعَ
النكاح في عدم ردِّها من طريق الأَوْلَى، ولقد أجاد فيما أفاد.
وجوَّز بعضهم أن يكون (مَن)) مبتدأ، وفي الكلام معطوفٌ وخبرٌ محذوفان،
أي: ومَن ابتغيت ممن عزلتَ ومَن لم تعزل سواء، وقوله سبحانه: (فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكَ) تأكيدٌ لذلك. ولا يخفى بعدُه وتعسُّفُه.
وقال الحسن: معنى ((ومَن ابتغيت)) إلخ: مَن مات من نسائك اللواتي عندك أو
خلَّيتَ سبيلها فلا جناح عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللتُ لك
فلا تزداد على عدَّةِ نسائك اللاتي عندك، كذا في ((البحر))(٢). وكأنه جعل ((مَن))
(١) ٢٦٩/٣.
(٢) ٢٤٣/٧.

الآية : ٥١
٤٠٥
سُوَّةُ الأَجْزَابَ
للبدل كالتي في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةَ﴾ [التوبة: ٣٨]
و (مَن عزلتَ)) شاملاً لمن ماتت ومَن طلِّقت، وكلاهما بعيد، وثانيهما أبعدُ من
أوَّلهما بكثيرٍ، ومثلُه اعتبارُ ما اعتبره من القيود، وبالجملة هو قولٌ تَبعُدُ نسبته إلى
الحسن، وأبعدُ من ذلك نسبته إلى ترجمان القرآن ابن عباس ﴿يا كما في ((الدر
المنثور)) (١).
﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُبُهُنَّ وَلَا يَحْزَ وَبَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي:
تفويضُ الأمر إلى مشيئتك أقربُ إلى قرَّة عيونهنَّ وسرورِهنَّ ورضاهنَّ جميعاً؛ لأنه
حُكْمٌ كلُّهنَّ فيه سواء، ثم إن سوَّيتَ بينهنَّ وَجَدْنَ ذلك تفضُّلاً منك، وإن رجَّحت
بعضهنَّ علمنَ أنه بحكم الله تعالى فتطمئنّ به نفوسهنَّ، وروي هذا عن قتادة،
والمراد بـ ((ما آتيتهن)) عليه: ما صنعتَ معهنَّ، فيتناول تَرْكَ المضاجعة والقَسْم.
وعن ابن عباس ومجاهد أنَّ المعنى: إنهن إذا علمن أنَّ لك ردَّهنَّ إلى فراشك
بعد ما اعتزلتهنَّ قَرَّتْ أعينهنَّ ولم يحزنَّ، ويرضينَ بما تفعلُه من التسوية والتفضيل،
لأنهنَّ يعلمن أنك لم تطلِّقْهنَّ، وظاهره جَعْلُ المشار إليه العِلْمَ بأنَّ له وَّهِ الإيواءَ.
وأظهر منه في ذلك قولُ الجبائي: ذلك العلمُ منهنَّ بأنك إذا عزلتَ واحدةً كان
لك أن تُؤويها بعد ذلك أدنى لسرورهنَّ وقرة أعينهنَّ.
وقال بعض الأجلَّة: كونُ الإشارة إلى التفويض أنسبُ لفظاً لأن ذلك للبعيد،
وكونُها إلى الإيواء أنسبُ معنّى لأن قرَّة عيونهنَّ بالذات إنما هي بالإيواء، فلا تغفل.
والأعيُنُ جمع قلَّةٍ، وأريدَ به هاهنا جمعُ الكثرة، وكأنَّ اختياره لأنه أوفقُ بكمية
الأزواج.
وقرأ ابن محيصن: (تُقِرَّ) من أَقَرَّ، وفاعلُه ضميره وَّهِ، و((أعينَهن)) بالنصب على
المفعولية(٢). وقرئ: (تُقَرَّ) مبنيًّا للمفعول، و((أعينُهن)) بالرفع نائب الفاعل(٣).
و((كلُّهن)) بالرفع في جميع ذلك، وهو توكيدٌ لنون (یرضین)).
(١) الدر المنثور ٢١٠/٥، وهو في تفسير الطبري ١٤٤/١٩، وإسناده ضعيف جدًّا.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والبحر ٢٤٣/٧.
(٣) البحر ٢٤٣/٧.

سُوَّةُ الأَجْزَاءُ
٤٠٦
الآية : ٥١
وقرأ أبو أناس(١) جُوَيَّة بن عائذ: ((كلَّهن)) بالنصب(٢) تأكيداً لضميره في
(آتيتهن)) قال ابن جنيٌّ: وهذه القراءةُ راجعةٌ إلى معنى قراءة العامة ((كلُّهن)) بضمِّ
اللام، وذلك أنَّ رضاهنَّ كلِّهنَّ بما أُوتينَ على انفرادهنَّ واجتماعهنَّ، فالمعنيان إذن
واحدٌ إلَّا أنَّ للرفع معنًى، وذلك أن فيه إصراحاً من اللفظ بأنْ يرضين كلُّهن،
والإصراحُ في القراءة الشاذة إنما هو في إتيانهنَّ، وإن كان محصول الحال
فيهما واحداً مع التأويل(٣). انتهى.
وقال الطيبي: في توكيد الفاعل دون المفعول إظهارٌ لكمال الرضا منهنَّ وإن لم
يكن الإيتاء كاملاً سويًّا، وفي توكيد المفعول إظهارُ أنهنَّ مع كمال الإيتاء غيرُ
كاملاتٍ في الرضا، والأولُ أبلغُ في المدح لأنَّ فيه معنى التتميم، وذلك أن المؤكِّد
يرفعُ إيهامَ التجوُّز عن المؤكَّد(٤). انتهى فتأمل.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾ خطابٌ له وَلّهِ ولأزواجه المطهَّرات على سبيل
التغليب، والمراد بما في القلوب عامٌّ، ويدخل فيه ما يكون في قلوبهنَّ من الرضا
بما دبّر الله تعالى في حقٌّهنَّ من تفويض الأمر إليه وَ ه ومقابل ذلك، وما في قلبه
الشريف عليه الصلاة والسلام من الميل إلى بعضهنَّ دون بعض، والكلامُ بعثٌ على
الاجتهاد في تحسين ما في القلوب، ولعل اعتباره وَّةٍ في الخطاب لتطبيب قلوبهنَّ.
وفي ((الكشاف)): أنَّ هذا وَعيدٌ لمن لم يَرْضَ منهنَّ بما دَبَّر الله تعالى من ذلك
وفوَّضَ سبحانه إلى مشيئة رسوله عليه الصلاة والسلام، وبعثٌ على تواطُؤْ قلوبهنَّ
والتصافي بينهنَّ، والتوافُقِ على طلب رضا رسول الله وَّه وطِيْبِ نفسِه الكريمة(٥).
(١) في الأصل و(م): إياس، والصواب ما أثبتناه بالنون وضم الهمزة كما في طبقات القراء لابن
الجزري ١٩٩/١، وقال في ترجمته: جُوية بن عاتك، ويقال: ابن عائذ الأسدي الكوفي،
روى القراءة عن عاصم، وذكر الداني أن له اختياراً في القراءة.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢٠، والمحتسب ١٨٢/٢، والبحر ٢٤٤/٧.
(٣) المحتسب ١٨٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الطيبي في حاشيته على الكشاف عند تفسير
هذه الآية.
(٤) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٥) الكشاف ٢٦٩/٣.

الآية : ٥١
٤٠٧
سُوَرَةُ الأَجْزَابِ
والظاهرُ أنه غيرُ قائلٍ بدخوله وَّه في الخطاب، وحينئذٍ فإمَّا أن يقول: إنه عام
لهنَّ ولسائر المؤمنين، وإمَّا أن يقول بأنه خاصٌّ بهنَّ، ولعله ظاهرُ كلامه، وعليه
لا يظهر وجه (١) التذكير. وربَّما يقال على الأول: إنَّ المقام غيرُ ظاهرٍ في اقتضاء
دخول سائر المؤمنين في الخطاب.
وقال ابن عطية: الإشارةُ بذلك هاهنا إلى ما في قلب رسول الله وَله من محبة
شخصٍ دون شخصٍ، ويدخل في المعنى المؤمنون(٢).
وربما يتخيَّل أنَّ الخطاب لجميع المكلَّفين، والكلامُ بعثٌ على تحسين ما في
القلوب في شأن ما دَبَّر الله تعالى لرسوله وَ ليز في أمر أزواجه ونفي الخواطر
الرديئة، بأن يُظنَّ أنَّ ذاك هو الذي تقتضيه الحكمةُ، وأنه دليلٌ على كمال
المحبوبية، ولا يُتَوهَّمَ خلافُه، فإنَّ بعض الملحدين طعنوا كالنصارى في كثرة
تزوُّجه عليه الصلاة والسلام، وكونِه في أمر النساء على حالٍ لم يُبَحْ لأمته، من
حِلُّ جَمْعِ ما فوق الأربع وعدمِ التقيُّد بالقَسْم لهنَّ مثلاً، وزعموا أنَّ في ذلك دليلاً
على غلبة القوة الشهوية فيه عليه الصلاة والسلام، وذلك مُنافٍ لتقدُّس النفس
الذي هو من شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فجزموا والعياذُ بالله تعالى بنفي
نبوَّته، وأنَّ ما فعله وَ ل﴿ لم يكن منه تعالى، بل ليس ذلك إلا منه عليه الصلاة
والسلام.
ولا يخفى أن قائلي ذلك على كفرهم جَهَلةٌ بمراتب الكمال، صمِّ عن سماع
آثاره عليه الصلاة والسلام، ومَن سَبَرَ الأخبار عَلِمَ أنه وِّ أكملُ الأنبياء على
الإطلاق؛ لغاية كمالٍ بَشَرِيَّتِهِ ومَلَكيَّته، وآثارُ الكمال الأول تزوُّجُ ما فوق الأربع
والطوافُ عليهنَّ كلِّهنَّ في الليلة الواحدة، وآثارُ الكمال الثاني أنه عليه الصلاة
والسلام كثيراً ما كان يبيتُ ويصبحُ لا يأكل ولا يشرب، وهو على غايةٍ من القوة
وعدم الاكتراث بترك ذلك، وليس لأحدٍ من الأنبياء عليهم السلام اجتماعُ هذين
الكمالين حَسبَ اجتماعهما فيه عليه الصلاة والسلام.
(١) في (م): وجهه، وهو تصحيف.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٣/٤.

سُورَةُ الأَجْزَاءُ
٤٠٨
الآية : ٥١
ولتكثيره(١) النساء حكمةٌ دينيةٌ جليلةٌ أيضاً، وهي نشرُ أحكام شرعيةٍ لا تكاد
تُعلم إلا بواسطتهنَّ، مع تشييد أمر نبؤَّته، فإنَّ النساء لا يكذْنَ يحفّظْنَ سرًّا، وهنَّ
أعلم الناس بخفايا أزواجهن، فلو وقف نساؤه عليه الصلاة والسلام على أمرٍ خفيّ
منه يخلُّ بمنصب النبوّة لأَظْهرنَه، وكيف يُتُصوَّرُ إخفاؤه بينهنَّ مع كثرتهنَّ، وكلُّ سرِّ
جاوز الاثنين شاع.
وفي عدم إيجاب القَسْم عليه عليه الصلاة والسلام تأكيدٌ لذلك كما لا يخفى
على المُنْصِف.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مبالغاً في العلم، فيعلم كلَّ ما يُبْدَى ويُخْفَى ﴿َلِيمًا
مبالغاً في الحلم، فلا يعجل سبحانه بمقابلة مَن يفعل خلافَ ما يحبَّ حسبما يقتضيه
فعلُه من عتابٍ أو عقاب، أو فيصفحُ عمَّا يغلب على القلب من الميول ونحوِها.
هذا وفي ((البحر))(٢): اتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل
بين أزواجه المطهَّرات في القسمة حتى مات، ولم يستعمل شيئاً مما أبيح له ضبطاً
لنفسه وأَخذاً بالأفضل، غيرَ ما جرى لسودة، فإنها وهبتْ ليلتها لعائشة وقالت:
لا تطلِّقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أنه قال: لم يُعلم أنَّ رسول الله وَلّ أرجأ
منهنَّ شيئاً ولا عَزَلَه بعد ما خيِّرِنَ فاخْتَرْنِهِ(٣) .
وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائيُّ وغيرُهم عن عائشةً: أنَّ رسول الله عليه
الصلاة والسلام كان يستأذنُ في يوم المرأة منَّا بعد أن أنزلت هذه الآية (ثُرْجِى مَن
تَشَّهُ مِنْهُنَّ) فقيل لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إليَّ فإنِّي
لا أريد أن أُؤْثِرَ عليك أحداً (٤). فتأمَّله مع حكاية الاتّفاق السابق، والله تعالى
الموفِّق.
(١) في (م): ولتكثره.
(٢) ٢٤٤/٧.
(٣) الدر المنثور ٢١١/٥.
(٤) صحيح البخاري (٤٧٨٩)، وصحيح مسلم (١٤٧٦)، وسنن أبي داود (٢١٢٦)، وسنن
النسائي الكبرى (٨٨٨٧).

الآية : ٥٢
٤٠٩
سُوَّةُ الأَجْزَائِ
﴿لَا يَحِلُ لَكَ الْنِسَاءُ﴾ بالياء لأنَّ تأنيث الجمع غير حقيقيٍّ، وقد وقع بِفَضْلٍ (١)
أيضاً، والمراد بالنساء الجنسُ الشامل للواحدة، ولم يؤتَ بمفردٍ لأنه لا مفرد له من
لفظه، والمرأةُ شاملةٌ للجارية وليست بمرادةٍ، واختصاصُ النساء بالحرائر بحكم
العرف. وقرأ البصريان بالتاء الفوقية(٢)، وسَهْلٌ أبو حاتم(٣) يخيِّر فيهما، وأيًّا
ما كان(٤) فالمراد: يَحْرُمُ عليك نكاحُ النساء.
﴿مِنْ بَعْدُ﴾ قيل: أي: من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم؛ أخرج ابن سعد
عن عكرمة قال: لمَّا خيَّ رسول الله وَ ◌ّ أزواجه اخْتَرْنه، فأنزل الله تعالى: (لَا يَحِلُ
لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ) هؤلاء التسع اللاتي اخترنك، أي: لقد حَرُمَ عليك تزوُّجُ
غيرهنّ(٥).
وأخرج أبو داود في ((ناسخه)) وابن مردويه والبيهقي في ((سننه)) عن أنس قال:
لمَّا خَيَّرهنَّ فاخْتَرْنَ الله تعالى ورسوله وَل﴿ قَصَرَه عليهنَّ، فقال سبحانه: (لَا يَحِلُ لَكَ
النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)(٦).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية: حبسه الله تعالى عليهنَّ
كما حبسهنَّ عليه عليه الصلاة والسلام(٧) .
وقدَّر بعضهم المضاف إليه المحذوفَ اختياراً، أي: من بعد اختيارهنَّ اللهَ
تعالى ورسوله؛ وقال الإمام: هو أولى (٨)، وكأنَّ ذلك لكونه أدلَّ على أنَّ التحريم
كان كرامةً لهنَّ وشكراً على حسن صنيعهنَّ.
(١) في الأصل: الفصل.
(٢) التيسير ص١٧٩، والنشر ٣٤٩/٢.
(٣) في (م): وأبو حاتم، وهو تصحيف، وأبو حاتم هو سهل بن محمد بن عثمان السجستاني.
(٤) في (م): وأيا كان ما كان.
(٥) طبقات ابن سعد ٢٠٠/٨-٢٠١، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢١٢/٥، ووقع في
الأصل و(م) والدر: تزويج غيرهن، والمثبت من الطبقات.
(٦) الدر المنثور ٢١٢/٥، وهو في سنن البيهقي الكبرى ٥٣/٧.
(٧) الدر المنثور ٢١٢/٥.
(٨) تفسير الرازي ٢٢٢/٢٥.

سُؤَةُ الأَجْزَانَ
٤١٠
الآية : ٥٢
وجوَّز آخر أن يكون التقدير: من بعد اليوم، ومآله تحريم مَن عدا اللاتي اخترنه
عليه الصلاة والسلام.
وحكى في ((البحر)) عن ابن عباس وقتادة قالا: لمَّا خُيِّرنَ فاخْتَرْنَ الله تعالى
ورسوله ﴿ جازاهنَّ أنْ حَظَرَ عليه النساءَ غيرَهُنَّ وتبديلَهنَّ، ونسخ سبحانه بذلك
ما أباحه له قبلُ من التوسعة في جميع النساء(١).
وحَكَى أيضاً عن مجاهد وابن جبير أنَّ المعنى: من بعد إباحة النساء على
العموم(٢).
وقيل: التقدير: من بعد التسع، على معنى أنَّ هذا العدد - مع قَطْع النظر عن
خصوصية المعدود - نصابُهُ وَ﴿ من الأزواج كما أنَّ الأربع نصابُ أمته منهنَّ،
فالمعنى: لا يحل لك الزيادةُ على التسع ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ أصله: تتبدَّل، فخفّف
بحذف إحدى التاءين، أي: ولا يحلُّ لك أن تستبدل ﴿بِنَّ مِنْ أَزْفَجِ﴾ بأن تطلِّق
واحدةً منهنَّ وتنكحَ بدلها أخرى. ففي الآية حكمان: حرمةُ الزيادة، وحرمة
الاستبدال. وظاهره أنه يحلُّ له عليه الصلاة والسلام نكاحُ امرأةٍ أخرى على تقديرٍ
أن تموت واحدة من التسع.
وإذا كان المراد من الآية تحريم مَن عدا اللَّاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام
أفادت الآيةُ أنه لو ماتت واحدةٌ منهنَّ لم يحلَّ له نكاحُ أخرى، وكلام ابن عباس
السابق ظاهرٌ في ذلك جداً، وكأنَّ قوله تعالى: (وَلَا أَنْ تَّبَدَّلَ) إلخ عليه لدفع توقُّم
أنَّ المحرَّم ليس إلا أن يَرُعْهنَّ بَّهِ بواحدةٍ من الضرائر.
وفي روايةٍ أخرى عن عكرمةَ أنَّ المعنى: لا يحلُّ لك النساء من بعد هؤلاء
(١) البحر ٢٤٤/٧.
(٢) البحر ٧/ ٢٤٤، ولهذا الخبر تتمة لم يذكرها المصنف، وهي كما في البحر: ولا يحل لك
النساء غير المسلمات من يهودية ولا نصرانية. وبنحوه أخرجه عن مجاهد سعيد بن منصور
وابن أبي شيبة وغيرهما كما في الدر المنثور ٢١٢/٥، ولفظه: ((لا تحلُّ لك النساء من بعد»
يهوديات ولا نصرانيات، لا ينبغي أن يكنَّ أمهات المؤمنين. وتعقبه النحاس في الناسخ
والمنسوخ ٥٩١/٢ بقوله: وهذا القول يبعد؛ لأنه يقدِّره: من بعد المسلمات، ولم يجر
للمسلمات ذکر.

الآية : ٥٢
٤١١
سُؤَةُ الأَخْتَانِ
اللاتي سمَّى الله تعالى لك في قوله سبحانه: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ)
الآيةَ، فلا يحلُّ له وَّهِ ما وراء الأجناس الأربعة كالأعرابياتِ والغرائب، ويحلُّ له
منها ما شاء، وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسَّنه وغيرهما عن ابن عباس ما هو
ظاهر في ذلك، حيث قال في الخبر: وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ) إلى
قوله سبحانه: (خَالِصَةٌ لَّكَ) وحرَّم ما سوى ذلك من أصناف النساء(١).
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد ((المسند)) وابن جرير وابن المنذر والضياء
في ((المختارة)) وغيرُهم عن زياد قال: قلتُ لأبيٍّ بن كعب ◌َُّه: أرأيتَ لو أنَّ
أزواج النبيِّ عليه الصلاة والسلام مِثْنَ، أما يحلُّ له أن يتزوَّج؟ قال: وما يمنعُه من
ذلك؟ قلت: قولُه تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ الِسَاءُ مِنْ بَعْدُ) فقال: إنما أحلَّ له ضرباً من
النساء ووصف له صفةً فقال سبحانه: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ) إلى قوله
تعالى: (وَأَمْأَةً مُؤْمِنَةً) إلخ، ثم قال تبارك وتعالى: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِسَآءُ) من بعد هذه
الصفة(٢).
وعلى هذا القول قال الطيبي: يكون قوله سبحانه: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ) إلخ تأكيداً
لما قبله من تحريم غيرٍ ما نصَّ عليه من الأجناس الأربعة (٣)، وكأنَّ ضمير ((بهن))
عليه(٤) للأجناس المذكورة في قوله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ)
الآية، والمعنى: لا يحلُّ لك أن تترك هذه الأجناس وتعدل عنها إلى أجناسٍ
غيرِها .
وقال شيخ الإسلام أبو السعود عليه الرحمة بعد ما حكى القولَ المذكور: يأباه
قولُه تعالى: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ) إلخ فإنَّ معنى إحلالِ الأجناس المذكورة إحلالُ
نكاحهنَّ، فيكون [معنى] التبدُّل بهنَّ إحلالَ نكاح غيرهنَّ بدلَ إحلال نكاحهنَّ،
(١) الدر المنثور ٢١١/٥، وهو في سنن الترمذي (٣٢١٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٩٢٢)،
وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٢) مسند أحمد (٢١٢٠٨)، وتفسير الطبري ١٤٧/١٩-١٤٨، والأحاديث المختارة (١١٧١)
و(١١٧٢)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢١١/٥، وعنه نقل المصنف.
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٤) قوله: عليه، ليس في (م).

سُوَّةُ الأَجْزَارِ
٤١٢
الآية : ٥٢
وذلك إنما يتصوَّر بالنسخ الذي هو ليس من الوظائف البشرية(١). انتهى فتأمل
ولا تغفل.
وقيل: ((ولا أنْ تبدَّلَ)) من البدل الذي كان في الجاهلية، كان يقول الرجل
للرجل: بادلني بامرأتك وأُبادلك بامرأتي، فينزل كلُّ واحدٍ منهما عن امرأته للآخر،
وروي نحوُه عن ابن زيد(٢).
وأنكر هذا القول الطبريُ(٣) وغيره في معنى الآية، وقالوا(٤): ما فعلت العربُ
ذاك قظُّ، وما روي من حديث عيينة بن حصن أنه قال لرسول الله وَ الچو حين دخل
عليه بغير استئذان وعنده عائشة: مَن هذه الحميراء؟ فقال: ((عائشة)) فقال عيينة:
يا رسول الله إن شئت نزلتُ لك عن سيدة نساء العرب جمالاً ونسباً(٥). فليس
بتبديلٍ ولا أراد ذلك، وإنما احتقر عائشة رضيّا لأنها كانت إذ ذاك صبيةً.
و ((مِن)) مزيد لتأكيد الاستغراق، فيشمل النهيُ تبدُّلَ الكلِّ والبعض. وقولُه
تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ﴾ في موضع الحال من(٦) فاعل ((تبدل))، والتقدير:
مفروضاً إعجابُك بهنَّ، وحاصله: ولا تبذَّل بهنَّ من أزواج على كلِّ حال.
وظاهرُ كلامٍ بعضهم(٧) أنه لا يجوز أن يكون حالاً من مفعوله، أعني أزواجاً،
وعلَّل ذلك بتوغّله في التنكير. وتعقِّب بأنه مخالفٌ لكلام النحاة، فإنهم جوَّزوا
الحال من النكرة إذا وقعت منفيةً؛ لأنها تستغرقُ حينئذٍ فيزول إبهامُها كما صرح به
الرضي.
(١) تفسير أبي السعود ١١١/٧، ومابين حاصرتين منه.
(٢) أخرجه الطبري ١٩/ ١٥٢ .
(٣) في تفسيره ١٥٣/١٩، وأنكره أيضاً النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٩٢/٢، وابن عطية في
المحرر الوجيز ٣٩٤/٤.
(٤) القائل هو ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٤/٤، والكلام من البحر ٢٤٤/٧.
(٥) أخرجه البزار (٢٢٥١ - كشف)، والدارقطني (٣٥١٣) من حديث أبي هريرة ﴿ته. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٢/٧: فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.
(٦) قوله: من، ساقط من (م).
(٧) هو الزمخشري في الكشاف ٢٧٠/٣، وتبعه في ذلك البيضاوي في تفسيره مع حاشية
الشهاب ٧/ ١٨١ .

الآية : ٥٢
٤١٣
سُؤَّةُ الأَجْزَابِ
وقيل: إنَّ التنكير مانعٌ من الحالية هاهنا لأنَّ الحال تقاس بالصفة، والواوُ مانعةٌ
من الوصفية فَتَمْنَعُ من الحالية. ومُنع لزومُ القياس، مع أنَّ الزمخشريَّ وغيره جوَّزوا
دخول الواو على الصفة لتأكيد لصوقها .
وقيل في عدم جواز ذلك: إنَّ ذا الحال إذا كان نكرةً يجب تقديمها، ولم تقدَّم
هاهنا. وتعقّب بأنَّ ذلك غير مسلَّم في الجملة المقرونة بالواو لكونه بصورة العاطف.
واستظهر صاحب ((الكشف)) الجواز، وذكر أنَّ المعنى في الحالين لا يتفاوتُ
كثير تفاوتٍ؛ لأنه إذا تقيَّد الفعل لزم تقيُّد متعلّقاته، وإنما الاختلافُ في الأصالة
والتبعية.
وضميرُ ((حسنهنَّ)» للأزواج، والمراد بهنَّ مَن يُفْرَضْنَ بدلاً من أزواجه اللاتي
في عصمته عليه الصلاة والسلام، فتسميتهنَّ أزواجاً باعتبارٍ ما يعرِضُ مآلاً، وهذا
بناء على أنَّ باء البدل في ((بهن)) داخلةٌ على المتروك دون المأخوذ، فلو اعتُبرت
داخلةً على المأخوذ كان الضمير للنساء لا للأزواج.
وممَّن أعجبه وَِّ حُسْنُهنَّ - على ما قيل - أسماء بنت عميس الخثعمية امرأةٌ
جعفر بن أبي طالب بعد وفاته څ﴾(١).
وفي قوله سبحانه: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) على ما نُقل عن ابن عطية (٢) دليلٌ
على جواز أن ينظر الرجل إلى مَن يريد زواجها، وفي الأخبار أدلةٌ على ذلك(٣)،
وتفصيلُ الأقوال فيه في كتب الفروع.
واختلف في أنَّ الآية الدالة على عدم حلِّ النساء له وَ يؤ هل هي محكمة أم لا؟
فعن أبيِّ بن كعب وجماعةٍ منهم الحسن وابن سيرين واختاره الطبريُّ واستظهره
أبو حيان أنها محكمة (٤).
(١) ذكره البغوي ٥٣٩/٣ عن ابن عباس، وضعفه ابن العربي في أحكام القرآن ١٥٥٨/٣.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٩٤/٤، ونقل ذلك عنه أبو حيان في البحر ٧/ ٢٤٤، وعنه نقل
المصنف.
(٣) ينظر حديث أبي هريرة عند مسلم (١٤٢٤)، وحديث أنس عند أحمد (١٨١٣٧)، والترمذي
(١٠٨٧)، وينظر كذلك تفصيل هذه المسألة في تفسير القرطبي ١٩٩/١٧ .
(٤) تفسير الطبري ١٥٠/١٩، والبحر ٢٤٤/٧، والكلام منه.

سُوَّةُ الأَجْزَاءِ
٤١٤
الآية : ٥٢
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأمِّ سلمة ◌ً والضحاك عليه
الرحمة أنها منسوخةٌ. وروي ذلك عن عائشة ﴿ّا؛ أخرج أبو داود في ((ناسخه))
والترمذيُّ وصححه والنسائيُّ والحاكم وصححه أيضاً وابنُ المنذر وغيرُهم عنها
قالت: لم يمت رسول الله وَلهم حتى أحلَّ الله تعالى له أن يتزوَّج من النساء ما شاء
إلا ذات محرم لقوله سبحانه: (ثُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٌ)(١). وهذا
ظاهرٌ في أنَّ الناسخ قولُه تعالى: (تْجِى) إلخ، وهو مبنيٌّ على أنَّ المعنى: تطلِّق مَن
تشاء وتُمسك مَن تشاء، ووجهُ النسخ به على هذا التفسير أنه يدُّ بعمومه على أنه
أبيح له وَّرِ الطلاقُ والإمساكُ لكلِّ مَن يريد، فيدلُّ على أنَّ له تطليقَ منكوحاته
ونكاحَ مَن يريد من غيرهنَّ؛ إذ ليس المراد بالإمساك إمساكَ مَن سبق نكاحُه فقط؛
لعموم ((مَن تشاء))، وقولُه سبحانه: (وَتُنْوِىّ) ليس مقيَّداً بـ ((منهن))؛ كذا قال
الخفاجي(٢)، وفي القلب منه شيءٌ.
ولا بدَّ على القول بأنَّ النسخ بذلك من القول بتأخّر نزوله عن نزول الآية
المنسوخة؛ إذ لا يمكن النسخُ مع التقدُّم، وهو ظاهرٌ، ولا يعكِّر التقدُّم في
المصحف لأنَّ ترتيبه ليس على حسب النزول.
وقال بعضهم: إن الناسخ السنَّة، ويغلبُ على الظنِّ أنها كانت فِعْلَه عليه الصلاة
والسلام؛ أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
عبد الله بن شداد أنه قال في قوله تعالى: (وَلَّ أَنْ تَّبَدَّلَ) إلخ: ذلك لو طلقهنَّ لم
(١) سنن الترمذي (٣٢١٦)، وسنن النسائي (المجتبى) ٥٦/٦، والمستدرك ٤٣٧/٢، وهو عند
أحمد (٢٤١٣٧)، والحميدي (٢٣٣)، وابن أبي شيبة ٢٦٩/٤- ٢٧٠، والطبري ١٥٤/١٩،
والطحاوي في شرح المشكل (٥٢١). وضعفه ابن العربي في أحكام القرآن ١٥٥٩/٣. وقد
نقله المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٢١٢/٥، وقوله: إلا ذات محرم لقوله ... ،
ليس من حديث عائشة، وإنما ورد ذلك في حديث أم سلمة ﴿يا، ولعل ذكره في حديث
عائشة وهم من السيوطي رحمه الله. وحديث أم سلمة أخرجه الطحاوي في شرح المشكل
(٥٢٤)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٨٧/٢، وإسناده ضعيف أيضاً. وقد استدلَّ
بالحديث الأول - وهو حديث عائشة - على أن الآية منسوخة بالسنة، وبالثاني على أنها
منسوخة بالقرآن. ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٨٥/٢، وتفسير القرطبي ١٩٦/١٧.
(٢) في الحاشية ١٨١/٧- ١٨٢.

الآية : ٥٣
٤١٥
سُوَةُ الأَخْزَابَِّ
يحلَّ له أن يستبدل، وقد كان ينكحُ بعد ما نزلت هذه الآيةُ ما شاء، ونزلت وتحته
تسعُ نسوةٍ ثم تزوَّج بعدُ أُمَّ حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية بنت الحارث
(
والظاهر على القول بأنَّ الآية نزلت كرامةً للمختارات، وتطييباً لخواطرهنَّ،
وشكراً لحسن صنيعهنَّ، عدمُ النسخ، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكْ﴾ استثناءٌ من ((النساء))، متصلٌ بناءً على أصل
اللغة لتناوله عليه الحرائر والإماء، ومنقطعٌ بناءً على العرف لاختصاصه فيه
بالحرائر، (وَلَا أَنْ تَبَذَّلَ بِنَّ مِنْ أَزْوَج) كالصريح فيه.
وقال ابن عطية: إنَّ (ما)) إنْ كانت موصولةً واقعةٌ على الجنس، فهو استثناءٌ من
الجنس مختارٌ فيه الرفع على البدل من ((النساء)»، ويجوز النصبُ على الاستثناء،
وإن كانت مصدرية فهي في موضع نصبٍ لأنه استثناءٌ من غير الجنس الأول(٢).
انتهى، وليس بجيِّد لأنه قال: والتقديرُ: إلا ملكَ اليمين، وملك بمعنى مملوك(٣)،
فإذا كان بمعنى مملوك لم يصحَّ الجزم بأنه ليس من الجنس، وأيضاً لا يتحثَّم
النصب وإن فرضنا أنه من غير الجنس حقيقةً، بل أهل الحجاز ينصبون وبنو تميم
يُندِلون.
وأيًّا ما كان فالظاهرُ حِلُّ المملوكة له وَلِّ سواء كانت مما أفاء الله تعالى عليه
أم لا .
﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ زَّقِبًا ﴾﴾ أي: راقباً، أو: مراقباً، والمراد: كان
حافظاً ومطَّلعاً على كلِّ شيءٍ فاحذروا تجاوُزَ حدوده سبحانه، وتَخِطِّيَ حلاله إلى
حرامه عز وجل.
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ شروعٌ في بيان
بعض الحقوق على الناس المتعلّقة به وَ ل﴾ وهو عند نسائه، والحقوق المتعلّقة بهنَّ
رضي الله عنهنَّ، ومناسبةُ ذلك لِمَا تقدَّم ظاهرةٌ.
(١) الدر المنثور ٢١٢/٥، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٠.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٤/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٤٥/٧.
(٣) المصدر السابق، والكلام من البحر ٢٤٥/٧.

سُؤَّةُ الأَجْزَارَ
٤١٦
الآية : ٥٣
والآيةُ عند الأكثرين نزلت يوم تزوَّج عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش؛
أخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاريُّ ومسلم والنسائي وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ((سنته)) من طرقٍ عن أنس قال: لمَّا
تزوَّج رسول الله وَله زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدَّثون، وإذا
هو كأنه يتهيَّأ للقيام فلم يقوموا، فلمَّا رأى ذلك قام، فلمَّا قام قام مَن قام وقعد
ثلاثة نفر، فجاء النبيُّ وَّهِ ليدخل فإذا القومُ جلوسٌ، ثم إنهم قاموا فانطلقتُ فجئتُ
فأخبرتُ النبيَّ وَّ﴿ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبتُ أدخل فألقى
الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّيّ)
الآية(١).
والنهيُ للتحريم، وقولُه سبحانه: ﴿إِلَّ أَن يُؤْذَنَ﴾ بتقديرٍ باء المصاحبة
استثناءٌ مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، أي: لا تدخلوها في حالٍ من الأحوال إلا حالَ
کونكم مصحوبین بالإذن.
وجوَّز أبو حيان كونَه بتقديرِ باء السببية(٢)، فيكون الاستثناء من أعمِّ الأسباب،
أي: لا تدخلوها بسببٍ من الأسباب إلا بسبب الإذن.
وذهب الزمخشريُ(٣) إلى أنه استثناءٌ من أعمِّ الأوقات، أي: لا تدخلوها في
وقت من الأوقات إلا وقتَ أن يؤذن لكم. وأوْردَ عليه أبو حيان أنَّ الوقوع موقع
الظرف مختصٍّ بالمصدر الصريح دون المؤوَّل، فلا يقال: أتيتُكَ أن يصيح الديكُ،
وإنما يقال: أتيتك صياحَ الديك(٤). ولا يخفى أنَّ القول بالاختصاص أحدُ قولين
النحاة في المسألة، نعم إنه الأشهر، والزمخشريُّ إمامٌ في العربية لا يعترض عليه
بمثل هذه المخالفة.
(١) مسند أحمد (١٢٠٢٣)، وصحيح البخاري (٤٧٩١)، وصحيح مسلم (١٤٢٨)، وسنن
النسائي الكبرى (١١٣٥٦)، وتفسير الطبري ١٦٢/١٩، وسنن البيهقي ٨٧/٧، ونقله
المصنف عن الدر المنثور ٢١٣/٥.
(٢) البحر ٢٤٦/٧.
(٣) في الكشاف ٣/ ٢٧٠.
(٤) البحر ٢٤٦/٧.

الاية : ٥٣
٤١٧
سُورَةُ الأَخْتَابِ
وزعم بعضهم أنَّ الوقت مقدَّرٌ في نظم الكلام، فيكون محذوفاً حَذْفَ حرف
الجرِّ، وأنَّ هذا ليس من باب وقوع المصدر موقع الظرف.
وأجاز بعض الأجلَّة كون ذلك استثناءً من أعمِّ الأحوال بلا تقدير الباء، بل
باعتبارِ أنَّ المصدر مؤوَّلٌ باسم المفعول، أي: لا تدخلوها إلا مأذوناً لكم،
والمصدر المسبوك قد يؤوَّل بمعنى المفعول، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا
الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧]: إنَّ المعنى: ما كان هذا القرآن مفترى، فمن قال:
كونُ المصدر بمعنى المفعول غيرُ معروفٍ في المؤوَّل، لم يُصِبْ.
وقيل: فيما ذكر مخالفةٌ لقول النحاة: المصدر المسبوكُ معرفةٌ دائماً كما صرَّح
به في (المغني)). وتعقّبه الخفاجيُّ بأنَّ الحقِّ أنه سطحي، وأنه قد يكون نكرةً، وذكر
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ) إلخ(١).
وقوله سبحانه: ﴿إِلَى لَعَارِ﴾ متعلِّقٌ بـ ((يؤذَنَ))، وعدِّي بـ ((إلى)) مع أنه يتعدّى
بـ ((في)) فيقال: أُذن له في كذا، لتضمينه معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ينبغي أن
يدخلوا على طعامٍ بغير دعوةٍ وإن تحقَّق الإذنُ الصَّريح في دخول البيت، فإنَّ كلَّ
إذن ليس بدعوة.
وقيل: يجوز أن يكون قد تنازع فيه الفعلان ((تدخلوا)) و((يؤذن))، وهو
مما لا بأس به.
وقوله تعالى: ﴿غَيّرَ نَظِرِينَ إِنَّلَهُ﴾ أي: غير منتظرين نضجَه وبلوغه، تقول: أَنَى
الطعامُ يَأْني إنّى كَقَلَى يَقْلي قِلَى: إذا نضج وبلغ؛ قاله الزجَّاجِ(٢). وقال مكي:
(إناه) ظرفُ زمانٍ مقلوبُ ((آن)) التي بمعنى الحين، فقُلبت النون قبل الألف وغيِّرت
الهمزة إلى الكسرة، أي: غير ناظرين آنّه، أي: حينَه(٣)، والمراد حين إدراكه
ونضجه، أو حين أَكْلِهِ. حالٌ من فاعل («تدخلوا))، وهو حال مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال
كما سمعتَ في ((أن يؤذن لكم))، وإذا جُعل ذلك حالاً فهي حالٌ مترادفة، فكأنه
(١) حاشية الشهاب ٧/ ١٨٢، وينظر المغني لابن هشام ص ٥٩٠.
(٢) في معاني القرآن ٢٣٤/٤.
(٣) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٢/ ٥٨٠.

سُورَةُ الأَجْزَاءِ
٤١٨
الآية : ٥٣
قيل: لا تدخلوا في حالٍ من الأحوال إلا مصحوبين بالإذن غيرَ ناظرين. والظاهر
أنها حالٌ مقدَّرةٌ، ويحتمل أن تكون مقارنةً.
والزمخشري بعد أن جعل ما تقدَّم نصباً على الظرفية جعل هذا حالاً أيضاً،
لكنه قال بعدُ: وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت
النبيِّ إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غيرَ ناظرين(١).
وتعقّبه أبو حيان(٢) بأنه لا يجوز على مذهب الجمهور من أنه لا يقع بعد ((إلا))
في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفةُ المستثنى منه، ثم قال: وأجاز
الأخفش والكسائي ذلك في الحال، أجازا (٣): ما ذهب القوم إلا يومَ الجمعة
راحلين عنَّا، فيجوز ما قاله الزمخشريُّ عليه.
ولا يخفى على المتأمِّل في كلام الزمخشريِّ أنه بعيدٌ بمراحل عن جَعْلِ الآية
الكريمة كالمثال المذكور؛ لأنه على التأخير والتقديم، وكلامُه آبٍ عن اعتبار ذلك
في الآية، نعم لو اقتصر على جعل ((غير ناظرين)) حالاً من ضمير ((تدخلوا)) لأمكن
أن يقال: إن مراده: لا تدخلوا غير ناظرين إلا أن يؤذن لكم، ويكون المعنى أنَّ
دخولهم غير ناظرين إناه مشروطٌ بالإذن، وأما دخولُهم ناظرين فممنوعٌ مطلقاً بطريق
الأولى ثم قدّم المستثنى وأخّر الحال.
وتعقّبه بعضهم بأنَّ فيه استثناءً شيئين - وهما الظرف والحال - بأداةٍ واحدةٍ، وقد
قال ابن مالك في ((التسهيل)): لا يستثنَى بأداةٍ واحدةٍ دون عطفٍ شيئان(٤). وظاهره
عدمُ جواز ذلك سواءٌ كان الاستثناء مفرَّغاً أم لا، وسواءٌ كان الشيئان ممَّا يَعمل
فيهما العاملُ المتقدِّم أم لا، فلا يجوز: قام القوم إلَّا زيداً عَمْراً، ولا: ما قام
القوم إلا زيداً عمراً، أو: إلا زيدٌ عمرو، ولا: ما قام إلا خالدٌ بكرٌ، ولا:
ما أعطيتُ أحداً شيئاً إلا عَمْراً دانقاً، ولا: ما أعطيتُ إلا عمراً دانقاً، ولا: ما أخذ
أحدٌ شيئاً إلا زيدٌ درهماً، ولا: ما أخذ أحدٌ إلا زيدٌ درهماً. والكلام في هذه
(١) الكشاف ٣/ ٢٧٠.
(٢) في البحر ٢٤٦/٧.
(٣) في الأصل و(م): أجاز، والمثبت من البحر.
(٤) التسهيل ص١٠٣ .

الآية : ٥٣
٤١٩
سِوَرَةُ الأَجْزَابِ
المسألة وما يصحُّ من هذه التراكيب وما لا يصحُّ، وإذا صحَّ فعلى أيِّ وجهٍ يصحُ،
طويلٌ عريضٌ.
والذي أميلُ إلیه تقییدُ إطلاقهم: لا يستثنَى بأداةٍ واحدةٍ دون عطفٍ شيئان،
بما إذا كان الشيئان لا يعمل فيهما العامل السابقُ قبل الاستثناء، فلا يجوز: ما قام
إلا زيدٌ إلا بكرٌ مثلاً؛ إذ لا يكون للفعل فاعلان دون عطفٍ، ولا: ما ضربتُ إلَّا
زيداً عَمْراً مثلاً؛ إذ لا يكون لـ : ضَرَب مفعولان دون عطفٍ أيضاً، وأرى جوازَ
نحوٍ: ما أعطيتُ أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً، ونحو: ما ضَرَبَ إلا زيدٌ عمراً، من
غير حاجةٍ إلى التزامٍ إبدالِ اسمين من اسمين نظير قوله:
ولمَّا قَرَغْنا النبع بالنبع بعضَه
ببعضٍ أبتْ عيدانُه أن تَكَسَّرا(١)
في الأول، وإضمارٍ فعلٍ ناصبٍ لعمرو دلَّ عليه المذكور في الثاني. وما ذكره
ابن مالك في الاحتجاج على الشَّبَه بالعطف، حيث قال: كما لا يقدَّر بعد حرف
العطف معطوفان كذلك لا يقدَّر بعد حرف الاستثناء مستثنيان، لا يتمُّ علينا، فإنَّا
نقول في العطف بالجواز في مثل: ما ضرب زيدٌ عمراً وبكرٌ خالداً، قطعاً، فنحوُ:
ما أعطيت أحداً شيئاً إلا زيداً دانقاً، كذلك.
وقوله: إنَّ الاستثناء في حكم جملةٍ مستأنفة؛ لأن معنى: جاء القوم إلا زيداً:
جاء القومُ ما منهم زيدٌ، وهو - على ما قيل - يقتضي أنْ لا يعملَ ما قبلَ (إلا))
فيما بعدها في مثل ما ذكر؛ لأنها بمثابة ((ما))، وليس ذلك من الصور
المستثناة = ليس بشيء كما لا يخفى.
وما في ((أمالي الكافية)) من أنه لا بدَّ في المستثنى المفرَّغ من تقدير عامٌّ، فلو
استعمل بعد ((إلا)) شيئان، فإمَّا أن لا يقدَّر عامٌّ أصلاً وهو يخالف حكمَ الباب، أو
يقدَّر عامَّان وهو يؤدِّي إلى أمرٍ خارجٍ عن القياس من غير ثبتٍ، ولو جاز في الاثنين
جاز فيما فوقهما وهو ظاهرُ البطلان، أو يقدَّر لأحدهما دون الآخر، وهو يؤدِّي إلى
(١) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٧١. وعزاه العسكري في جمهرة الأمثال ٢/ ٣٠٠
لزفر بن الحارث، وقال: النبع: شجر تُنَّخذ منه القِسِيُّ، ومن أمثالهم: النبع يقرع بعضه
بعضاً، ويضرب مثلاً للرجل الشديد يلقى رجلاً مثله في الشدة.

سُوَّةُ الأَخْتَابِ
٤٢٠
الآية : ٥٣
اللبس فيما قُصِدَ = تعقَّبه الحديثي(١) بأنَّ لقائلِ أن يختار الثالث، ويقولَ: العامُّ
لا يقدَّر إلا للَّذي يلي ((إلا)) منهما؛ لأنه المستثنى المفرَّغُ ظاهراً، فلا يحصل اللبس
أصلاً .
وأبو حيان قدَّر في الآية محذوفاً، وجَعَل ((غير ناظرين)) حالاً من الضمير فيه،
والتقدير: ادخلوا غير ناظرين(٢)، وهو الذي يقتضيه كلامُ ابن مالكٍ حيث أَوْجَبَ
في نحو: ما ضرب إلا زيدٌ عمراً، جَعْلَ عمراً مفعولاً لمحذوفٍ دلَّ عليه المذكور،
والجملةُ مستأنفةٌ استئنافاً بيانيًّا وقعت جواباً لسؤالٍ نشأ من الجملة الأولى، كأنه
لما قيل: ما ضرب إلا زيدٌ، سأل سائل: مَن ضرب؟ فقيل: ضرب عمراً.
وذكر العلّامة تقيُّ الدين السبكيُّ عليه الرحمة في رسالته المسماة بـ ((الحلم
والأناه في إعراب: غير ناظرين إناه)) وفيها يقول الصلاح الصفدي:
أطولَ ظلًّا من القنـة
يا طالب النحو في زمانٍ
عليك بالحلم والأناة (٣)
وما تحلَّى منه بعِقْدٍ
أنَّ الظاهر أنَّ الزمخشريَّ ما قال ذلك إلا تفسيرَ معنّى، والمستثنى في الحقيقة
هو المصدر المتعلِّق به الظرفُ والحالُ، فكأنه قيل: لا تدخلوا إلا دخولاً مصحوباً
بكذا، ثم قال: ولستُ أقول بتقدير مصدرٍ هو عاملٌ فيهما، فإنَّ العمل للفعل
المفرَّغ، وإنما أردتُ شرح المعنى. ومثل هذا الإعراب هو الذي نختاره في قوله
تعالى: ﴿وَمَا أُخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ﴾
[آل عمران: ١٩] أي: إلا اختلافاً من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، فـ ((من بعد
(١) هو: الحسن بن محمد، ركن الدين، أبو محمد العلوي الحسيني الأستراباذي، عالم
الموصل ومدرس الشافعية، من مصنفاته: شرح كافية ابن الحاجب، وشرح الحاوي الصغير
القزويني، وشرح الفصيح الثعلب، توفي سنة (٧١٥هـ). الوافي بالوفيات ٥٤/١٢، وهدية
العارفين ٢٨٣/١، وكشف الظنون ١٣٧٦/٢.
(٢) البحر ٢٤٦/٧.
(٣) أعيان العصر وأعوان النصر لصلاح الدين الصفدي ٤٣٠/٣، وفيه: وما تحلَّى منها ... ،
وتقي الدين السبكي هو علي بن عبد الكافي المحدث الفقيه المفسِّر الأصولي الأديب،
قاضي القضاة، أبو الحسن الأنصاري الخزرجي الشافعي الأشعري، صاحب التصانيف،
المتوفى سنة (٧٥٦هـ).