النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ٤٣ ٣٦١ سُوَةُ الأَجْزَاءُ وتعقّب ما روي عنهما بأنَّ فيه تجوُّزاً من غير ضرورةٍ. وقد يقال: إنَّ التسبيح على حقيقته، لكن التسبيح بكرةً بالصلاة فيها، والتسبيح أصيلاً بالصلاة فيه، فتأمل. وجُوِّز أن يكون المراد بالذكر المأمور به تكثيرَ الطاعات والإقبالَ عليها، فإنَّ كلَّ طاعةٍ من جملة الذكر، ثم خصَّ من ذلك التسبيح بكرةً وأصيلاً، أي: الصلاة في جميع أوقاتها، أو صلاة الفجر والعصر، أو الفجر والعشاء، لفضل الصلاة على غيرها من الطاعات البدنية. ولا يخفى بعدُه. ﴿هُوَ اَلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ إلخ استئناف جارٍ مجرى التعليل لما قبله من الأمرين ﴿وَمَلَكَتُهُ﴾ عطفٌ على الضمير في ((يصلِّي)) لمكانِ الفصل المغني عن التأكيد بالمنفصل، لا على ((هو). والصلاةُ في المشهور - وروي ذلك عن ابن عباس - من الله تعالى رحمةٌ، ومن الملائكة استغفارٌ، ومن مؤمني الإنس والجنِّ دعاءٌ. ويَجُوز على رأي مَن يجوِّز استعمال اللفظ في معنيين أن يراد بالصلاة هنا المعنيان الأوَّلان، فيراد بها أولاً الرحمة، وثانياً الاستغفار. ومَن لا يجوِّز كأصحابنا يقول بعموم المجازِ، بأنْ يراد بالصلاة معنًى مجازيٌّ عامٌّ يكون كِلَا المعنيين فرداً حقيقيًّا له، وهو إمّا الاعتناء بما فيه خيرُ المخاطبين وصلاحُ أمرهم، فإنَّ كلَّ من الرحمة والاستغفار فردٌ حقيقيٍّ له، وهذا المجاز من الصلاة بمعنى الدعاء، وهو إما استعارةٌ لأنَّ الاعتناء يشبه الدعاء لمقارنةِ كلِّ منهما لإرادةِ الخير والأمرِ المحبوب، أو مجازٌ مرسلٌ لأنَّ الدعاء مسبَّبٌ عن الاعتناء. وإما الترخُّمُ والانعطاف المعنويُّ المأخوذ من الصلاة المعروفة المشتملة على الانعطاف الصوريِّ الذي هو الركوعُ والسجود، ولا ريبَ في أَنَّ استغفار الملائكة عليهم السلام ودعاءهم للمؤمنين ترخُّمٌ عليهم، وأمَّا أنَّ ذلك سببٌ للرحمة لكونهم مجابي الدعوة كما قيل ففيه بحثٌ، ورجّح جَعْلُ المعنى العامّ ما ذكر بأنه أقرب لِمَا بعدُ، فإنه نصَّ عليه فيه بقوله تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) فدلَّ على أن المراد بالصلاة الرحمة. سُؤَةُ الأَجْزَابِ ٣٦٢ الآية : ٤٣ واعتُرض بأنَّ ((رَحِمَ)) متعدٍّ، و((صلَّى)) قاصرٌ، فلا يحسنُ تفسيره به، وبأنه يستلزمُ جوازَ: رَحِمَ عليه، وبأنه تعالى غاير بينهما بقوله سبحانه: ﴿أُوْلَبِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] للعطف الظاهر في المغايرة. وأجيبَ بأنه ليس المراد بتفسير ((صلَّى)) بـ ((رحم)) إلا بيانَ أنَّ المعنى الموضوعَ له ((صلَّى)) هو الموضوعُ له «رَحِمَ)» مع قَطْع النظر عن معنى التعدِّي واللزوم، فإنَّ الرديفين قد يختلفان في ذلك وهو غيرُ ضارِّ، فزَعْمُ أنَّ ذلك لا يحسُنُ، وأنه يلزم جوازُ: رَحِمَ عليه، ليس في محلٌّه. على أنه يحسُنُ تعديةُ (صلَّى)) بـ ((على)) دون (رَحِمَ)) لِمَا في الأول من ظهور معنى التحتُّن والتعِّف. والعطفُ لأنَّ الصلاة رحمةٌ خاصةٌ، ويكفي هذا القَدْرُ من المغايرة. وقيل: إنَّ تعدُّد الفاعل صيَّر الفعل كالمتعدِّد، فكأنَّ الرحمة مرادٌ من لفظٍ، والاستغفارَ مرادٌ من آخر، فلا حاجة إلى القول بعموم المجاز، وليس هناك استعمالُ لفظٍ واحدٍ حقيقةً وحكماً في معنيين. وهو كما ترى. ومثلُه كونُ (ملائكته)) مبتدأً خبرُه محذوفٌ لدلالة ما قبلُ عليه، كأنه قيل: هو الذي يصلِّي عليكم وملائكته يصلُّون عليكم، فهناك لفظان حقيقةً، كلٌّ منهما بمعنَّى. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يزيدك علماً بأمر الصلاة. وسبب نزول الآية ما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر [عن مجاهد] قال: لمَّا نزلت: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَّبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) قال أبو بكر ◌َله: ما أنزل الله تعالى عليك خيراً إلا أَشْرَكَنا فيه. فنزلت: (هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَكَتُهُ)(١). ﴿لِيُخْرِحَّكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ أي: من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة. وقال الطبرسي: من الجهل بالله تعالى إلى معرفته عز وجل(٢)، فإنَّ الجهل أشبهُ شيءٍ بالظلمة، والمعرفةَ أشبه شيء بالنور. وقال ابن زيد: أي: من الضلالة إلى الهدى. وقال مقاتل: من الكفر إلى الإيمان. (١) الدر المنثور ٢٠٦/٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) مجمع البيان ٢٢/ ١٥٠. الآية : ٤٤ ٣٦٣ سُورَةُ الأَجْزَائِ وقيل: من النار إلى الجنة؛ حكاه الماوردي(١). وقيل: من القبور إلى البعث؛ حكاه أبو حيان(٢)، وليس بشيء. واللام متعلِّقةٌ بـ ((يصلِّي))، أي: يعتني بكم هو سبحانه وملائكته ليخرجكم، أو يترخَّمُ هو عز وجل وملائكته ليخرجكم بذلك من الظلمات إلى النور. ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، أي: كان سبحانه بكافَّةِ المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم كاملَ الرحمة، ولذا يَفْعَلُ بكم ما يَفْعَلُ بالذات وبالواسطة، أو: كان بكم رحيماً، على أنَّ المؤمنين مُظْهَرٌ وُضِعَ موضع المضْمَرِ مدحاً لهم وإشعاراً بعلَّةِ الرحمة. وقوله تعالى: ﴿فَمِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ﴾ بيانٌ للأحكام الآجلة لرحمته تعالى بهم بعد بيان آثارها العاجلة من الإخراج المذكور. والتحيةُ أن يقال: حيَّاك الله، أي: جعل لك حياةً، وذلك إخبارٌ، ثم يُجعل دعاءً، ويقال: حيًّا فلانٌ فلاناً تحيةً: إذا قال له ذلك. وأصلُ هذا اللفظ من الحياة، ثم جُعل كلُّ دعاءٍ تحيةً لكون جميعِه غيرَ خارجٍ عن حصول الحياة، أو سَبَبَ حياةٍ إما الدنيا أو الآخرة. وهو هنا مصدر مضافٌ إلى المفعول وقع مبتدأ، و(«سلام» مراداً به لفظه خبره، والمراد: ما يحييهم الله تعالى به ويقوله لهم يومَ يلقونه سبحانه ويدخلون دار كرامته: ((سلامٌ))، أي: هذا اللفظ. روي أن الله تعالى يقول: سلامٌ عليكم عبادي، أنا عنكم راضٍ فهل أنتم عنِّي راضون. فيقولون بأجمعهم: يا ربَّنا إنَّا راضون كلَّ الرضا. وورد أنَّ الله تعالى يقول: السلام عليكم مرحباً بعبادي المؤمنين الذين أَرْضَوْني في دار الدنيا باتِّباع أمري(٣) . وقيل: تحييهم الملائكة عليهم السلام بذلك إذا دخلوا الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ * سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]. (١) في النكت والعيون ٤١٠/٤. (٢) في البحر ٢٣٧/٧، وعنه نقل المصنف ما سلف من أقوال. (٣) ذكره أبو حيان في البحر ٧/ ٢٣٧ وعزاه للرقاشي. سُؤَةُ الأَجْزَائِ ٣٦٤ الآية : ٤٤ وقيل: تحييهم عند الخروج من القبور، فيسلِّمون عليهم ويبشِّرونهم بالجنة. وقيل: عند الموت؛ وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال: ربُّك يُقْرِتُك السلام(١). قيل: فعلى هذا الهاءُ في ((يلقونه)) كنايةٌ عن غيرِ مذكورٍ وهو ملكُ الموت. ولا ضرورةَ تدعو لذلك؛ إذ لا مانع من أن يكون الضمير لله تعالى عليه كما هو كذلك على الأقوال الأخر جميعها . ولقاء الله تعالى على ما أشار إليه الإمامُ(٢) عبارةٌ عن الإقبال عليه تعالى بالكلِّية بحيث لا يَعْرِضُ للشخص ما يشغلُه ويُلهيه، أو يوجبُ غفلتَه عنه عز وجل، ويكون ذلك عند دخول الجنة، وفيها، وعند البعث، وعند الموت. وقال الراغب: ملاقاةُ الله تعالى عبارةٌ عن القيامة وعن المصير إليه عز وجل(٣). وقال الطبرسي: هي ملاقاة ثوابه تعالى(٤). وهو غيرُ ظاهرٍ على جميع الأقوال السابقة، بل ظاهرٌ على بعضها كما لا يخفى. وعن قتادة في الآية: أنهم يومَ دخولهم الجنة يحيِّي بعضهم بعضاً بالسلام، أي: سَلِمْنا وسَلِمْتَ من كلِّ مخوفٍ. والتحية عليه - على ما قال الخفاجي - مصدرٌ مضافٌ للفاعل(٥). وفي ((البحر)): هي عليه مصدرٌ مضاف للمحيِّي والمحيَّى لا على جهة العمل؛ لأنَّ الضمير الواحد لا يكون فاعلاً مفعولاً، ولكنه كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أي: للحكم الذي جرى بينهم، وكذا يقال هنا : التحية الجاريةُ بينهم هي سلام(٦). وقول المحيِّي في ذلك اليوم: سلام، إخبارٌ لا دعاءٌ لأنه أبلغُ على ما قيل، فتدبر. (١) أخرجه المروزي في الجنائز وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ، كما في الدر المنثور ٢٠٦/٥. (٢) في تفسيره ٢٥/ ٢١٥. (٣) مفردات الراغب (لقى). (٤) مجمع البيان ٢٢/ ١٥١. (٥) حاشية الشهاب ٧/ ١٧٧ . (٦) البحر ٠٠٢٣٨/٧ الآية : ٤٥ ٣٦٥ سُورَةُ الأَجْزَاءُ وأحرى الأقوالِ بالقبول عندي أنَّ الله تعالى يسلّم عليهم يوم يلقونه إكراماً لهم وتعظيماً. ﴿وَأَعَدَّ لَمُمْ أَجْرَ كَرِيمًا ﴾﴾ أي: وهيَّأ عز وجل لهم ثواباً حسناً، والظاهرُ أنَّ التهيئة واقعةٌ قبل دخول الجنة والتحية، ولذا لم تُخرج الجملة مخرج ما قبلها، بأن یقال: وأَجْرُهم أجرٌ کریم، أي: ولھم أجرٌ کریم. وقيل: هي بعد الدخول والتحيةٍ، فالكلام بيانٌ لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيبَ بيانٍ آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك. ولعل إيثار الجملة الفعلية على الاسمية المناسبةِ لِمَا قبلها للمبالغة في الترغيب والتشويق إلى الموعود، ببيانِ أنَّ الأمر الذي هو المقصدُ الأقصى من بين سائر آثار الرحمة موجودٌ بالفعل مهيَّأ لهم مع ما فيه من مراعاة الفواصل. ﴿يََّيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾ على مَن بُعثْتَ إليهم، تراقبُ أحوالَهم وتشاهد أعمالهم، وتتحمَّل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائرٍ ما هم عليه من الهدى والضلال، وتؤدِّيها يومَ القيامة أداءً مقبولاً فيما لهم وما عليهم. وهو حالٌ مقدَّرةٌ وإن اعتبر الإرسال أمراً ممتدّاً؛ لاعتبار التحمُّل والأداء في الشهادة، والإرسالُ بذلك الاعتبارِ وإنْ قارَنَ التحمُّلَ إلَّا أنه غيرُ مقارنٍ للأداء وإن اعتُبر الامتداد. وقيل: بإطلاق الشهادة على التحمُّل فقط تكون الحالُ مقارنةً، والأحوالُ المذكورةُ بعدُ على اعتبارِ الامتداد مقارنةً. ولك أن لا تعتبره أصلاً، فتكون الأحوالُ كلّها مقدَّرةً. ثم إنَّ تحمُّل الشهادة على مَن عاصره وَّ﴿ واطّلع على عمله أمرٌ ظاهر، وأما تحمُّلُها على مَن بعده بأعيانهم فإنْ كان مراداً أيضاً ففيه خفاءٌ؛ لأنَّ ظاهر الأخبار أنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف أعمال من بعده بأعيانهم، روى أبو بكر وأنس وحذيفة وسمرة وأبو الدرداء عنه وَّهِ: ((ليَرِدنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ، حتى إذا رأيتُهم وعرفتُهم اخْتُلِجُوا دوني، فأقول: يا ربّ أصيحابي سُورَةُ الأَجْزَارَ ٣٦٦ الآية : ٤٥ أصيحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))(١). نعم قد يقال: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم بطاعاتٍ ومعاصٍ تقع بعده من أمته لكنْ لا يعلم أعيانَ الطائعين والعاصين، وبهذا يُجمع بين الحديث المذكور وحديثٍ عَرْضِ الأعمال عليه بَّرَ كلَّ أسبوعٍ أو أكثر أو أقلّ(٢) . وقيل: يجمع بأنه عليه الصلاة والسلام يعلم الأعيان أيضاً، إلا أنه نسي فقال: (أصيحابي))، ولتعظيم قبح ما أحدثوا قيل له: ((إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)). وقيل: يُعْرَضُ ما عدا الكفر. وهو كما ترى. وأما زَعْمُ أنَّ التحمُّل على مَن بعده إلى يوم القيامة لما أنه وَِّ حِيٍّ بروحه وجسده يسير حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت فمبنيٌّ على ما علمتَ حالَه، ولعل في هذين الخبرين ما يأباه كما لا يخفى على المتدبِّر. وأشار بعض السادة الصوفية إلى أن الله تعالى قد أطلعه وَله على أعمال العباد فنظر إليها، ولذلك أُطلق عليه عليه الصلاة والسلام: شاهد؛ قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز في مَثْتَويهِ : دَرْ نَظَرْ بودَشْ مقامات العباد زانْ سَبَب نامَشْ خُدَا شاهِدْ نِهَادُ (٣) فتأمَّل ولا تغفل. وقيل: المراد: شاهداً على جميع الأمم يوم القيامة بأنَّ أنبياءهم قد بلَّغوهم الرسالة ودَعَوهم إلى الله تعالى، وشهادتُه بذلك لِمَا علمه من كتابه المجيد. (١) أخرجه من حديث أنس أحمد (١٣٩٩١)، والبخاري (٦٥٨٢)، ومسلم (٢٣٠٤). وأخرجه من حديث حذيفة مسلم (٢٢٩٧). وأخرجه البخاري (٦٥٨٥) و(٦٥٨٦) من حديث أبي هريرة . وأخرجه أحمد (٣٦٣٩)، والبخاري (٦٥٧٥)، ومسلم (٢٢٩٧) من حديث ابن مسعود . وحديث الحوض من الأحاديث المتواترة، ينظر نظم المتواتر ص ١٥١، حیث ذکر الکتاني أنه روي من حديث (٥٧) صحابياً . (٢) أخرجه البزار (١٩٢٥) من حديث ابن مسعود له بلفظ: (( ... تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدتُ الله عليه، وما رأيت من شرِّ استغفرت الله لكم)). وأخرجه بهذا اللفظ ابن سعد ١٩٤/٢ عن بکر بن عبد الله المزني عن النبي پڼ مرسلاً . (٣) ومعناه: قد صارت في نظره مقاماتُ العباد، ولهذا السبب جُعل شاهداً عليه الصلاة والسلام. الآية : ٤٦ ٣٦٧ سُورَةُ الأَجْزَابِ وقيل: المراد: شاهداً بأنْ لا إله إلا الله. تنذر الكافرين والعاصين ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ تبشِّر الطائعين بالجنة ﴿وَنَذِيرًا بالنار. ولعموم الإنذار وخصوص التبشير قيل: ((مبشِّراً ونذيراً)) على صيغة المبالغة، دون: ومنذراً، مع أنَّ ظاهر عطفه على (مبشراً) يقتضي ذلك. وقدِّم التبشير لشرف المبشَّرين، ولأنه المقصود الأصليُّ إذ هو وَلِ رحمةٌ للعالمين، وكأنه لهذا جبر ما فاته من المبالغة بقوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللهِ﴾ أي: إلى الإقرار به سبحانه وبوحدانيته، وبسائر ما يجب الإيمان به من صفاته وأفعاله عز وجل، ولعل هذا هو مراد ابن عباس وقتادة من قولهما: أى: شهادة أن لا إله إلا الله. ﴿يإِذْنِهِ.﴾ أي: بتسهيله وتيسيره تعالى، وأُطلق الإذن على التسهيل مجازاً لما أنه من أسبابه، لاسيما الإذنُ من الله عز وجل، ولم يُحمل على حقيقته - وإنْ صح هنا أنْ يأذَنَ الله تعالى شأنه له عليه الصلاة والسلام حقيقةً في الدعوة - لأنه قد فُهم من قوله سبحانه: إنَّا أرسلناك داعياً، أنه و ﴿ مأذونٌ له في الدعوة. ومما ذُكر يعلم أنَّ ((بإذنه)) من متعلّقات ((داعياً))، وقيِّدت الدعوة بذلك إيذاناً بأنها أمرٌ صعبُ المنال، وخطبٌ في غاية الإعضال، لا يتأتَّی إلا بإمدادٍ من جناب قدسه، كيف لا وهو صرفٌ للوجوه عن القِبَلِ المعبودة، وإدخالٌ للأعناق في قلادةٍ غيرِ معهودة؟! وجوِّز رجوعُ القيد للجميع، والأولُ أظهر. ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾﴾ يستضيءُ به الضالَّون في ظلمات الجهل والغواية، ويُقتبسُ من نوره أنوارُ المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية، وهو تشبيهٌ إما مركّبٌ عقليٍّ أو تمثيل منتزَعٌ من عدة أمور أو مفرَّق. وبُولغ في الوصف بالإنارة لأنَّ من السُّرج ما لا يضيء إذا قلَّ سليطُهُ(١) ودقَّت فتيلتُه. وقال الزجَّاج: هو معطوفٌ على ((شاهداً)) بتقدير مضافٍ، أي: ذا سراجٍ (١) أي: زيته. القاموس (سلط). سُورَةُ الأَخْرَارَ ٣٦٨ الآية : ٤٧ منيرٍ(١). وقال الفرَّاء: إن شئتَ كان نصباً، على معنى: وتالياً سراجاً منيراً (٢). وعليهما السراج المنير: القرآن. وإذا فسِّر بذلك احتمل - على ما قيل - أن يعطف على كافٍ ((أرسلناك)) على معنى: أرسلناك والقرآن، إما على سبيل التبعية، وإما من باب: متقلِّداً سيفاً ورمحاً. وقيل: إنه على تقدير: تالياً سراجاً، يجوز هذا العطف، أي: إنَّا أرسلناك وتالياً سراجاً، كقوله تعالى: ﴿يَثْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] على أنه الجامع بين الأمرين على نحو: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ﴾ [الأنبياء: ٤٨] أي: أرسلنا بإرسالك تالياً. وجوّز أن يراد: وجعلناك تالياً. وقيل: يجوز أن يراد بذا سراج القرآن، وحينئذ يكون التقدير: إنَّا أرسلناك وأنزلنا عليك ذا سراج. وتعقّب بأنَّ جعل القرآن ذا سراج تعسُّفٌ. والحقُّ أنَّ كلَّ ما قيل كذلك. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ يقتضيه المقام ويستدعيه النظام، كأنه قيل: فراقبْ أحوالَ الناس وبشِّر المؤمنين. وجوِّز عطفُه على الخبر السابق عَظْفَ القصةِ على القصة. وقيل: هو معطوفٌ عليه، ويُجعل في معنى الأمر لأنه في معنى: ادعهم شاهداً ومبشِّراً ونذيراً .. إلخ وبشّر المؤمنين منهم: ﴿﴿ِأَنَّ لَهُم مِّنَ اَللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا ﴾ أي: عطاءً جزيلاً، وهو كما روي عن الحسن وقتادة: الجنة وما أوتوا فيها، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَانِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]. وقيل: المعنى: فضلاً على سائر الأمم في الرتبة والشرف، أو زيادةً على أجور أعمالهم بطريق التفضُّل والإحسان. أخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن(٣) قال: (١) معاني القرآن للزجاج ٢٣١/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٣٨/٧. (٢) نقله المصنف عن الفراء بواسطة أبي حيان في البحر ٢٣٨/٧، وقاله أيضاً الزجاج في معاني القرآن ٢٣١/٤. (٣) في الأصل و(م): ابن جرير وابن عكرمة عن الحسن، والمثبت من تفسير الطبري ١٢١/٢١، والدر المنثور ٢٠٧/٥، وعنه نقل المصنف. الآية : ٤٨ ٣٦٩ سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ لما نزل: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. قالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: (وَيَشْرِ اٌلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُ مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا). ﴿وَلَا نُطِعِ الْكُفِرِينَ وَالْمُنَّفِقِينَ﴾ نهيٌ عن مداراتهم في أمر الدعوة ولين الجانب في التبليغ والمسامحة في الإنذار، كَنَّى عن ذلك بالنهي عن طاعتهم مبالغةً في النهي والتنفير عن المنهيِّ عنه بنَظْمِه (١) في سلكها وتصويره بصورتها . وحَملَ غير واحدٍ النهي على التهييج والإلهاب، من حيث إنه وَّو لم يُطِعْهُم حتى يُنْهَى، وجَعَلَه بعضهم من باب: إياكِ أعني واسمعي يا جاره، فلا تغفل. ﴿وَدَعْ أَذَئُهُمْ﴾ أي: لا تُبالِ بإيذائهم إياك بسبب إنذارك إياهم، واصبر على ما ينالك منهم، قاله قتادة. فأذاهم مصدرٌ مضافٌ للفاعل. وقال أبو حيان: الظاهر أنه مصدرٌ مضافٌ للمفعول، لمَّا نُهي وَّر عن طاعتهم أمر بترك إيذائهم وعقوبتهم، ونُسخ منه ما يخصُّ الكافرين بآية السيف(٢). وروي نحوُه عن مجاهد والكلبي. والأوَّلُ أَوْلَى. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في كلِّ ما تأتي وتَذَرُ من الشؤون التي من جملتها هذا الشأنُ، فإنه عز وجل يكفيكهم (٣). ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾﴾ موكولاً إليه الأمورُ في كلِّ الأحوال، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحكم، وتأكيد استقلال الاعتراض التذييليّ. ولمَّا وُصِفَ بِّهَ بنعوتِ خمسةٍ قُوبل كلُّ واحدٍ منها بخطابٍ يناسبه، خلا أنه لم يذكر ما قابل الشاهد صريحاً وهو الأمرُ بالمراقبة، ثقةً بظهور دلالة ما قابل (٤) (١) في الأصل و(م): بنظمها، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٠٨/٧، والكلام منه. (٢) البحر ٢٣٨/٧. (٣) في الأصل و(م): ويكفيهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧/ ١٠٨، والكلام منه. (٤) قوله: ما قابل، ليس في (م)، وجاء بدلاً منها في تفسير أبي السعود: مقابل، وكلاهما صواب. سُورَةُ الأجْتَاب ٣٧٠ الآية : ٤٨ المبشِّرَ عليه، وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر آنفاً. وقوبل(١) النذير بالنهي عن مداراة الكافرين والمنافقين والمسامحة في إنذارهم، وقوبل الداعي بإذنه بالأمر بالتوكّل عليه من حيث إنه عبارةٌ عن الاستمداد منه تعالى والاستعانة به عز وجل، وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به تعالى، فإنَّ مَن أيَّده الله تعالى بالقوة القدسية ورشَّحه للنبوَّة وجعله برهاناً نيِراً يهدي الخلق من ظلمات الغيِّ إلى نور الرشاد حقيقٌ بأن يُكتفَى به تعالى عمَّن سواه. وجعل الزمخشريُّ(٢) مقابل الشاهد ((وبشر المؤمنين))، ومقابل الإعراض عن الكافرين والمنافقين المبشَر - أعني المؤمنين(٣) - وتكلّف في ذلك. وقال الطيبي طيّب الله تعالى ثراه(٤): نظير هذه الآية ما روى البخاريُّ والإمامُ أحمد عن عطاء بن يسار قال: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله وَّ﴿ في التوراة؟ قال: والله إنه الموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبيُّ إنَّا أرسلناك شاهداً ومبشِّراً ونذيراً، وحِرْزاً للمؤمنين، أنتَ عبدي ورسولي، سمَّيتُك المتوكّلَ، ليس بفظٌّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ في الأسواقِ، ولا يَدْفَعُ بالسيئةِ السيئةَ ولكنْ يعفو ويصفحُ، ولن يقبضه الله تعالى حتى يُقِيمَ به الملَّة العوجاء، ويفتحَ به أعيناً عُمْياً وآذاناً صُمّاً وقلوباً غُلْفاً(٥). وروى الدارمي نحوه عن عبد الله بن سلام(٦). فقوله: حرزاً للمؤمنين، مقابلٌ لقوله تعالى: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ،) فإنَّ دعوتِه ◌َِّهِ إنما حَصَلتْ فائدتُها فيمَن وقَّقه الله تعالى بتيسيره وتسهيله، فلذلك أَمِنوا من مكاره الدنيا وشدائد الآخرة، فكان صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه بهذا الاعتبار حرزاً لهم. (١) في الأصل و(م): وقابل، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٢) في الكشاف ٢٦٧/٣. (٣) قال الزمخشري: لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة. (٤) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٥) صحيح البخاري (٢١٢٥)، ومسند أحمد (٦٦٢٢)، وفيهما: وحرزاً للأمِّيين. ويعني بالأميين العرب. (٦) سنن الدارمي (٦). الآية : ٤٩ ٣٧١ سُورَةُ الأَجْزَانِ وقوله: سميتك المتوكّل .. إلخ، مقابلٌ لقوله: (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) فعُلم أنَّ قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) مناسبٌ لقوله تعالى: (وَسِرَاجًا مُّنِيرًاً) فإنَّ السراج مضيٌ في نفسه ومنوِّرٌ لغيره، فبكونه متوكِّلاً على الله تعالى يكون كاملاً في نفسه، فهو مناسبٌ لقوله: أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكّل، إلى قوله: يعفو ويصفح. وكونُه منيراً بفيض (١) الله تعالى عليه يكونُ مكمِّلاً لغيره، وهو مناسبٌ لقوله: حتى يقيم به الملَّة العوجاء .. إلخ. ثم قال: ويمكن أن ينزَّل المراتب على لسان أهل العرفان، فقوله تعالى: (إِنّاً أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا) هو مقام الشريعة ودعوة الناس إلى الإيمان وترك الكفر، ونتيجته (٢) الإعراضُ عمَّا سوى اللهِ تعالى، والأخذُ في السير والسلوكِ والالتجاءِ إلى حريم لطفه تعالى والتوُّل عليه عز وجل. وقوله سبحانه: (وَسِرَاجًا مُنِيرً) هو مقامُ الحقيقة، ونتيجتُه فناء السالك وقيامُه بقُّوميته تعالى. اهـ، ولا يَخْفَى تكلُّفُ ما قرَّره في الحديث، والله تعالى أعلمُ بمراده. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ ◌َلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ عودٌ إلى ذكر النساء، والنكاحُ هنا العقدُ بالاتّفاق، واختلفوا في مفهومه لغةً؛ فقيل: هو مشتركٌ بين الوطء والعقد اشتراكاً لفظياً. وقيل: حقيقةٌ في العقد مجازٌ في الوطء، وقيل بقَلْبِهِ، وقيل: هو مشتركٌ بينهما اشتراكاً معنويًّا، وهو من أفراد المشكك، وحقيقتُه الضمُّ والجمع كما في قوله : ضممتُ إلى صدري معظّر صدرها كما نكحت أمُّ الغلام صبيّها(٣) ونقل المبرِّدُ ذلك عن البصريين، وغلامُ ثعلب الشيخُ أبو عمر(٤) الزاهدُ عن الكوفيين. (١) في الأصل و(م): يفيض، والمثبت من حاشية الطيبي. (٢) في (م): ونتيجة، والمثبت من الأصل وحاشية الطيبي. (٣) سلف ٢٤٦/٤. (٤) في الأصل و(م): الشيخ عمرو، والصواب ما أثبتناه، وهو محمد بن عبد الواحد البغدادي المعروف بغلام ثعلب، لازم ثعلباً في العربية فأكثر عنه، من مصنفاته: = سُؤَدَّةُ الأَجْزَابِ ٣٧٢ الآية : ٤٩ ثم المتبادرُ من لفظ الضَّمِّ تعلُّقه بالأجسام لا الأقوال؛ لأنها أعراضٌ يتلاشى الأولُ منها قبل وجود الثاني فلا يصادفُ الثاني ما ينضمُّ إليه، وهذا يقتضي كونَه مجازاً في العقد. وإن اعتُبر الضم أعمّ من ضمِّ الجسم إلى الجسم والقولِ إلى القول، جاز أن يكون النكاح حقيقةً في كلٌّ من الوطء والعقد، وجاز أن يكون مجازاً على التفصيل المعروف في استعمال العامٌّ في كلِّ فردٍ من أفراده. واختار الراغب القول الثاني من الأقوال السابقة، وبالغ في عدم قبول الثالث، فقال: هو حقيقةٌ في العقد ثم استُعير للجماع، ومُحالٌ أن يكون في الأصل للجماع ثم استعیر للعقد؛ لأنَّ أسماء الجماع کلّھا کنایاتٌ؛ لاستقباحهم ذِكْرَه کاستقباح تعاطيه، ومحالٌ أن يستعير مَن لا يقصدُ فحشاً اسمَ ما يستفظعونه لِمَا يستحسنه(١). واختار الزمخشريُّ الثالثَ فقال: النكاح الوطء، وتسميةُ العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريقٌ له، ونظيره تسميةُ الخمر إثماً لأنها سببٌ في اقتراف الإثم، ولم يَرِدْ لفظُ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد؛ لأنه في حقِّ الوطء من باب التصريح به، ومن آداب القرآن الكنايةُ عنه بلفظ الملامسة والمماسّة والقربان والتغشِّي والإتيان(٢). وأراد - على ما قيل - أنه في العقد حقيقةٌ شرعيةٌ منسيٍّ فيه المعنى اللغوي. وبُحث في قوله: لم يَرِدْ لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد، بأنه في قوله تعالى: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بمعنى الوطء، وهذا ما عليه الجمهور، وخالف في ذلك ابن المسيب، وتمامُ الكلام في موضعه. والمسُّ في الأصل معروفٌ، وكنى به هنا عن الجماع، والعِدَّةُ هي الشيءُ المعدود، وعِدَّة المرأة المرادُ بها الأيام التي بانقضائها يحلَّ لها التزوُجُ، أي: يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتُم على المؤمنات وتزوَّ جتُموهنَّ ثم طلَّقتموهنَّ من قبل أن تجامعوهنَّ فما لكم عليهنَّ من عدَّةٍ بأيامٍ يتربَّصْنَ فيها بأنفسهنَّ تستوفون عددها، = الموضح، والساعات، ويوم وليلة، والشورى، وغيرها، توفي سنة (٣٤٥هـ). بغية الوعاة ١٦٤/١، وسير أعلام النبلاء ٥٠٨/١٥ . (١) مفردات الراغب (نکح)، وفيه: يستحسنونه، بدل: يستحسنه. (٢) الكشاف ٢٦٧/٣. الآية : ٤٩ ٣٧٣ سُوَرَّةُ الأَجْرَائِ على أنَّ تعتدُّون مطاوعُ عدَّ، يقال: عدَّ الدراهم فاعتدَّها، أي: استَوْفى عددَها، نحو قولك: كِلْتُّه فاكتَلْتُه، ووَزَنْتُه فاتَّزَنْتُه. أو تعدُّونها على أنَّ افتعل بمعنى فَعَلَ. وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أنَّ العدَّة حقُّ الأزواج، كما أَشْعَرَ به قولُه تعالى: (فَمَا لَكُمْ). واعتُرض بأنَّ المذكور في كتب الفروع كـ («الهداية» وغيرها أنها حقُّ الشرع، ولذا لا تسقط لو أسقطها الزوجُ، ولا يحلُّ لها الخروج ولو أَذِنَ لها، وتتداخل العدَّتان ولا تداخُلَ في حقِّ العبد، وحقُّ الولد أيضاً، ولذا قال ◌َّةِ: ((لا يحلُّ لا مرئ مؤمنٍ بالله واليوم الآخر أنْ يسقي ماءَه زرعَ غيره)»(١)، وفرَّعوا على ذلك أنهما لا يصدَّقان في إبطالها باتِّفاقهما على عدم الوطء. وأجيب بأنه ليس المراد أنها صِرْفُ حقّهم، بل أنَّ نفعها وفائدتها عائدةٌ عليهم؛ لأنها لصيانة مياههم والأنسابِ الراجعة إليهم، فلا ينافي أن يكون للشرع والولد حقٌّ فيها يمنعُ إسقاطها، ولو فرض أنها صِرْفُ حقٌّهم يجوز أن يقال: إنَّ عدم سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أنَّ كلَّ حقِّ للعبد إذا أسقطه العبدُ سقط، وليس كذلك فإنَّ بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه، كالإرث وحقِّ الرجوع بالهبةِ وخيارِ الرؤية، ثم إنَّ في الاستدلال بالحديث على أنها حقُّ الولد تأمُّلاً كما لا يخفى. وتخصيصُ المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن شأنُه أن يتخيَّر لنطفته ولا ينكحَ إلا مؤمنةً، وحاصلُه أنه لبيان الأحرى والأليقِ بعد ما فصّل في ((البقرة)) نكاح الكتابيات. وفائدة المجيء بـ (ثم)) مع أنَّ الحكم ثابتٌ لمن تزوَّج امرأةً وطلَّقها على الفور كثبوتِهِ لمن تزوَّجها وطلَّقها بعد مدةٍ مديدةٍ إزاحةُ ما عسى يتوهّم أنَّ تراخي الطلاق له دخلٌ في إيجاب العِدَّة لاحتمال الملاقاة والجماع سرّاً كما أن له دخلاً في النسب. ويمكن أن تكون الإشارة إلى التراخي الرُّتْبي، فإنَّ الطلاق وإن كان مباحاً (١) أخرجه أحمد (١٦٩٩٠)، وأبو داود (٢١٥٩)، والترمذي (١١٣١) من حديث رويفع بن ثابت څه. قال الترمذي: حديث حسن. سُوَّةُ الأَخْزَابِ ٣٧٤ الآية : ٤٩ لا كراهة فيه - على ما قيل - لقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] غيرُ محبوبٍ كالنكاح، من حيث إنه يؤدِّي إلى قطع الوصلة وحلٌّ قيدِ العصمة المؤدِّي لقلَّة التّناسُلِ الذي به تكثُر الأمة، ولهذا ورد كما أخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والطبرانيُّ وابن عديٍّ عن ابن عمر ﴿ما مرفوعاً: (أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق))(١)، ورواه البيهقيُّ مرسلاً بدون ابن عمر(٢). بل قال العلامة ابن الهمام: الأصحُّ حَظْرُه وكراهتُه إلا لحاجةٍ؛ لما فيه من كفران نعمة النكاح، وللأخبار الدالّة على ذلك، ويُحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات، أعني أوقات تحقّق الحاجة المبيحة، وهو ظاهرٌ في روايةٍ لأبي داود: ((ما أحلَّ الله شيئاً أبغضَ إليه من الطلاق))(٣)، والفعلُ لا عموم له في الأزمان، والحاجةُ المبيحة الكِبْرُ والريبةُ مثلاً، وعدُّوا من المبيح عدمَ اشتهائها بحيث يعجزُ أو يتضرّر بإكراهه نفسَه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير وطءٍ أو قَسْمِ (٤). وأمّا ما روي عن الحسن السبط وظ ◌ُبه، وكان قيل له في كثرة تزوُّجه وطلاقه، فقال: أحبُّ الغَناء فقد قال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللّهُ كُلَّا مِّنِ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فهو رأيٌ منه إن كان على ظاهره، وكلُّ ما نُقل عن طلاق الصحابة فمحملُه وجودُ الحاجة(٥) . وظاهرُ الآية يقتضي عدمَ وجوب العِدَّة بمجرَّدِ الخلوة؛ لأنه سبحانه نفی فیها (١) سنن أبي داود (٢١٧٨)، وسنن ابن ماجه (٢٠١٨)، والكامل لابن عدي ٤/ ١٦٣٠ و٦/ ٢٤٥٣، والمستدرك ١٩٦/٢، وسلف ٢٩٣/٣. (٢) سنن البيهقي الكبرى ٣٢٢/٧، وهو عند أبي داود (٢١٧٧)، وبه أعِلَّ المرفوع كما ذكر الحافظ في الفتح ٣٥٦/٩، وقال في التلخيص الحبير ٢٠٥/٣: رجح أبو حاتم والدار قطني والبيهقي المرسل. (٣) سنن أبي داود (٢١٧٧)، وهو بهذا اللفظ مرسل، وقد سلف الكلام عليه في التعليق السابق. (٤) فتح القدير لابن الهمام ٢٢/٣. وقوله: مع عدم رضاها ... ، أي: إذا كان قادراً على طول غيرها ورضيت بإقامتها في عصمته بلا وطوٍ أو بلا قَسْمٍ فيُكره طلاقه لها، فإن لم ترضَ بذلك أبيح. (٥) فتح القدير ٢٢/٣. الآية : ٤٩ ٣٧٥ سُؤَدَّةُ الأَجْزَابِ وجوبَ العدَّة إذا طلِّقت قبل الجماع، والخلوةُ ليست جماعاً، وهي عندنا إذا كانت صحيحةً على الوجه المبيَّن في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدَّة فتجب فيه العدَّةُ احتياطاً لتوهُّم الشغل نظراً إلى التَّمكُّن الحقيقيّ، بل قالوا: هو مثله في جميع أحكامه سوى عشرةٍ نظمها أفضلُ مَن عاصرناه من الفقهاء، الشيخ محمد الأمين الشامي الشهير بابن عابدين بقوله: مطالبةٌ بالوطء إحصان تحليلٌ وخلوتُه كالوطء في غير عشرة وتحريمُ بنتٍّ عقدُ بكرٍ وتغسيلُ(١) وفيٌ وإرثٌّ رجعةٌ فَقْدُ عِنَّةٍ وظاهرُ قولهم بوجوب العدَّة فيها أنها واجبةٌ قضاءً وديانةً. وفي ((الفتح)): قال العتابيُّ: تكلَّمَ مشايخنا في العدَّة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبةٌ ظاهراً أو حقيقةً، فقيل: لو تزوَّجت وهي متيقِّنةٌ بعدم الدخول حلَّ لها ديانةً لا قضاء(٢). اهـ، ولم يتعقّبه بشيء. وذكره سعدي چلبي في ((حواشي البيضاوي)) وقال: ينبغي أن يكون التعويلُ على هذا القول. وتعقَّب ذلك الشهاب الخفاجيُّ بأنه وإن نقله فقهاؤنا فقد صرَّحوا بأنه لا يعوَّل عليه(٣)، ونحن لم نَرَ هذا التصريح فليتتبع. ثم لا يخفى أنَّ عدم وجوب العدَّة في الطلاق بعد الخلوة مما يعدُّ منطوقاً صريحاً في الآية إذا فسِّر المسُّ بالجماع، وليس من باب المفهوم حتى يقال: إنَّا لا نقول به کما یتومّم، فلا بد لإثبات وجوب العدَّة في ذلك من دلیل. ومن الناس مَن حمل المسَّ فيها على الخلوة إطلاقاً لاسم المسبَّب على السبب؛ إذ المسُّ مسبَّبٌ عن الخلوة عادةً. واعتُرض بأنه لم يشتهر المسُّ بمعنى الخلوة، ولا قرينةَ في الكلام على إرادته منه. وأيضاً يلزمُ عليه أنه لو طلَّقها وقد وطئها بحضرة الناس عدمُ وجوب العدَّة؛ (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٢١. (٢) فتح القدير لابن الهمام ٢/ ٤٤٧. (٣) حاشية الشهاب ١٧٨/٧ . سُوَّةُ الأَجْزَاءُ ٣٧٦ الآية : ٤٩ لأنه قد طلَّقها قبل الخلوة. وأجيبَ عن هذا بأنَّ وجوب العدَّة في ذلك بالإجماع، وبأنَّ العدَّة إذا وجبت في الطلاق بمجرَّد الخلوة كانت واجبةً فيه بالجماع من باب أولى، وكيف لا تجب به ووجوبُها بالخلوة لاحتمال وقوعه فيها لا لذاتها؟ وقيل: إنَّ المسَّ لمَّا لم يُرَدْ ظاهرُه - وإلا لَزِمَتِ العدَّةُ فيما لو طلَّقها بعد أن مسَّها بيده في غير خلوةٍ، مع أنها لا تلزمُ في ذلك بلا خلافٍ - عُلِمَ أنه كُنِيَ به عن معنّى آخرَ من لوازم الاتصال، فهو الجماعُ وما في معناه من الخلوة الصحيحة. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ عدمَ صحةِ إرادة ظاهره لا يوجبُ إرادةَ ما يعمُّ الجماعَ والخلوة، لمَ لا يجوز إرادةُ الجماع، ويرجِّحها شهرة الكناية بذلك ونحوِه عن الجماع، وإطلاقُه عليه إمَّا من إطلاق اسم السبب على المسبَّب، أو من إطلاق اسم المطلَقِ على أخصَّ بخصوصه، وهو الأَوْجَهُ على ما ذكره العلامة ابن الهمام(١) . وبالجملة: القولُ بأنَّ ظاهر الآية يقتضي عدمَ وجوب العدَّة بمجرَّد الخلوة قولٌ متينٌ وحقٌّ مُبِينٌ، فتأمل. وفي ((البحر)) لأبي حيان: الظاهر أنَّ المطلّقة إذا راجعها زوجُها قبل أن تنقضي عدَّتُها ثم فارقها قبل أن يمسَّها لا تُتُمُّ عدَّتَها من الطلقة الأولى [ولا تستقبل عدَّةً] لأنها مطلَّقةٌ قبل الدخول بها، وبه قال داود. وقال عطاء وجماعة: تمضي في عَّتها عن طلاقها الأول، وهو أحدُ قولي الشافعي. وقال مالك: لا تبني على العدَّة من الطلاق الأول وتستأنفُ العدَّة من يوم طلَّقها الطلاق الثاني، وهو قولُ جمهور فقهاء الأمصار. والظاهر أيضاً أنها لو كانت بائناً غير مبتوتةٍ فتزوَّجها في العدَّة ثم طلَّقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داود ليس عليها عدَّةٌ؛ لا بقيةُ عدَّةِ الطلاق الأول، ولا استئنافُ عدَّةٍّ للثاني، ولها نصفُ المهر؛ وقال الحسن وعطاءٌ وعكرمةُ وابن شهابٍ ومالكٌ والشافعيُّ وعثمان البتيُّ وزُفَرُ: لها نصف الصَّداق وتتمُّ بقية العدَّة (١) في فتح القدير ٤٤٥/٢. الآية : ٤٩ معد ٣٧٧ سُورَةُ الأَجْزَاءِ الأولى. وقال الثوريُّ والأوزاعيُّ وأبو حنيفة وأبو يوسف: لها مهرٌ كاملٌ للنكاح الثاني وعدَّةٌ مستقبلةٌ، جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه(١). اهـ. وفيه أيضاً: الظاهر أنَّ الطلاق لا يكون إلا بعد العقد، فلا يصحُّ طلاقُ مَن لم يَعْقِدْ عليها، وهو قولُ الجمهور من الصحابة والتابعين. وقالت طائفةٌ كثيرةٌ منهم مالك: يصحُّ ذلك(٢). وعَنَى بطلاقٍ مَن لم يَعْقِدْ عليها قولَ الرجل: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فهي طالق. أو: إن تزوَّجتُ فلانةً فهي طالق. وقد أخرج جماعة عن ابن عباس څًا أنه سئل عن ذلك فقال: هو ليس بشيء. فقيل له: إن ابن مسعود كان يقول: إنْ طلَّق ما لم ينكح فهو جائز. فقال: أخطأ في هذا، وتلا الآية. وفي بعض الروايات أنه قال: رَحِمَ الله تعالى أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال لقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا طلَّقتم المؤمنات ثم نكحتُموهن، ولكنْ إنما قال: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُقَ طَلَقْتُمُوهُنَّ)(٣). وفي ((الدر المنثور)) عدةُ أحاديثَ مرفوعةٍ ناطقةٍ بأنْ لا طلاقَ قبل نكاح(٤). والمذكورُ في فروعنا أنَّ ذلك من باب التعليق، وشرطُه الملكُ أو الإضافةُ إليه، فإذا قال: إنْ نكحتُ امرأةً فهي طالقٌ. أو: إن نكحتُكِ فأنت طالق، وكلُّ امرأةٍ أنكحُها فهي طالق، يقع الطلاق إذا نكح؛ لأنَّ ذلك تعليقٌ، وفيه إضافةٌ إلى الملك، ويكفي معنى الشرط إلا في المعيَّنة باسم ونسب، كما إذا قال: فلانة بنتُ فلانٍ التي أتزوَّجها فهي طالق، أو بإشارةٍ في الحاضرة، كما لو قال: هذ المرأة التي أتزوجها (١) البحر ٧/ ٢٤٠، وما سلف بين حاصرتين منه، ومثله في الاستذكار لابن عبد البر ١٠٦/١٨، وتفسير القرطبي ١٧٦/١٧. وتحرف في مطبوع البحر: أبو يوسف، إلى: أبو يونس، والمثبت موافق لما في الاستذكار وتفسير القرطبي. (٢) البحر ٧/ ٢٤٠، وينظر كلام مالك وغيره من الأئمة في الإشراف ٤/ ١٨٥، والاستذكار ١١٤/١٨. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٤٦٨)، والطبراني في الكبير (٩٦٣٥)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ١٧/١١-١٨. (٤) الدر المنثور ٢٠٨/٥، وينظر تفصيل هذه المسألة في تفسير القرطبي ١١٠/١٠-١١١، و ١٧ / ١٧٥ - ١٧٦ . سُورَةُ الأَجْزَاءُ ٣٧٨ الآية : ٤٩ طالقٌ، فإنها لا تطلقُ في الصورتين لتعريفها، فلغا الوصفُ بـ : التي أتزوَّجها، فصار كأنه قال: فلانة بنت فلان أو هذه المرأةُ طالقٌ، وهي أجنبيةٌ ولم توجد الإضافةُ إلى الملك، فلا يقع الطلاق إذا تزوَّجها، فتدبّر. وقرىء: ((تماسُوهن)) بضم التاء وألفٍ بعد الميم(١). وعن ابن كثير وغيره من أهل مكة: ((تعتدُونها)) بتخفيف الدال، ونقلها عن ابن كثير ابنُ خالويه(٢)، وأبو الفضل الرازي في ((اللوامح)) (٣) عنه وعن أهل مكة. وقال ابن عطية: روى ابن أبي بزَّة عن ابن كثير أنه قرأ بتخفيف الدال من العدوان، كأنه قال: فما لكم عِدَّةٌ تُلزمونها عدواناً وظلماً لهنَّ، والقراءةُ الأولى أشهر عنه، وتخفيفُ الدال وهمٌّ من ابن أبي بزَّةَ(٤). اهـ. وليس بوهم إذ قد نقله عنه جماعةٌ غيره. وخرّج ذلك على أنَّ ((تعتدُونها)) من الاعتداء بمعنى الظلم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنِكُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾ [البقرة: ٢٣١] والمراد: تعتدون فيها، كقوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً قليل سوى طعنِ الدراك نوافلُه(٥) أي: شهدنا فيه، فحذف حرف الجرِّ ووصل الفعل بالضمير. وقال أبو حيان: إن الاعتداء يتعدَّى بـ ((على))، فالمراد: تعتدون عليهنَّ فيها، ونظيره في حذفٍ ((على)) قولُه: تحنُّ فتبدي ما بها من صبابةٍ وأُخفي الذي لولا الأُسى لقضاني(٦) فإنه أراد: لقَضَى عليّ. (١) التيسير ص ٨١، والنشر ٢٢٨/٢، وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. (٢) في القراءات الشاذة ص ١٢٠، والكلام من البحر ٧/ ٢٤٠. (٣) كما في البحر ٧/ ٢٤٠. (٤) المحرر الوجيز ٣٩٠/٤. (٥) البيت لرجل من بني عامر، وسلف ٢٨٤/١ و٥٣١/١١ وهذا التخريج للقراءة هو للزمخشري في الكشاف ٢٦٧/٣. (٦) البحر ٧/ ٢٤٠، والبيت عزاه المبرد في الكامل ٤٦/١ لأعرابي من بني كلاب، وقال البغدادي في شرح شواهد المغني ٢٣٠/٣: واعلم أن لعروة بن حزام العذري قصيدة غرامية = الآية : ٤٩ ٣٧٩ سُوَّةُ الأَجْزَابِ وجوِّز أن يكون ذلك على إبدال أحد الدالين بالتاء، وقيل عليه: إنه تخريجٌ غير صحيح لأنَّ عدَّ يَعُدُّ من باب نصر كما في كتب اللغة، فلا وجهَ لفتح التاء لو كانت مبدلةً من الدال، فالظاهرُ حملُه على حذف إحدى الدالين تخفيفاً. وقرأ الحسن بإسكان العين كغيره وتشديدِ الدال جمعاً بين الساكنين(١). ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: فأعطوهنَّ المتعةَ، وهي في المشهور درعٌ - أي: قميص - وخمارٌ وهو ما تغطّي به المرأة رأسها، ومِلْحَفةٌ وهي ما تلتحفُ به من قرنها إلى قدمها، ولعلها ما يقال له: إزارٌ، اليوم. وهذا على ما في ((البدائع)) أدنى ما تُكْسَى به المرأة وتتستَّر عند الخروج(٢). ويفهم من كلام فخر الإسلام والفاضل البرجندي أنه يُعتبر عرفُ كلِّ بلدةٍ فيما تُكسى به المرأة عند الخروج. والمفتَى به الأشبهُ بالفقه قولُ الخصاف(٣): إنها تُعتبر بحالهما، فإن كانا غنيَّين فلها الأعلى من الثياب، أو فقيرين فالأدنى، أو مختلفين فالوسط. وتجب لمطلَّقةٍ قبل الوطء والخلوة عند معتبرها لم يسمَّ لها في النكاح تسميةً صحيحةً من كلِّ وجهٍ مهرٌ، ولا تزيد على نصفِ مهر المثل، ولا تنقصُ عن خمسة دراهم، فإن ساوت النصف فهي الواجبة، وإن كان النصف أقلَّ منها فالواجبُ الأقلُّ إلّا أن ينقص عن خمسة دراهم فيكمل لها الخمسة. وفي ((البدائع)): لو دفع لها قيمة = على هذا الوزن والروي، وقد زعم العيني أن البيت من هذه القصيدة، وتبعه السيوطي وغيره، وعندي ثلاث نسخ من ديوان عروة المذكور، وقد راجعت الثلاث فلم أجده في واحدة منهن. وقوله: الأُسى بضم الهمزة جمع أسوة، وهي التأسي والاقتداء بالغير، وما يتأسى به الحزين ويتعزَّى. (١) البحر ٢٤٠/٧. (٢) بدائع الصنائع ٥٤٥/٣ . (٣) أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني الفقيه الحنفي المحدث، له كتاب الحيل، وكتاب الشروط الكبير، وأدب القاضي، وغيرها، ويذكر عنه زهد وورع، وأنه كان يأكل من صنعته، توفي ببغداد سنة (٢٦١ هـ). سير أعلام النبلاء ١٢٣/١٣. وكلامه وكذا كلام فخر الإسلام والبرجندي في حاشية ابن عابدين ١١٠/٣-١١١. سُورَةُ الأَجْزَابِ ٣٨٠ الآية : ٤٩ المتعة أُجبرت على القبول(١). فمعنى الآية على ما سمعتَ وكان الأمر للوجوب: فمتّعوهن إن لم یکن مفروضاً لهنَّ في النكاح، وروي هذا عن ابن عباس. وأما المفروضُ لها فيه إذا طلِّقت قبل المسِّ فالواجبُ لها نصفُ المفروض لا غير، وأما المتعة فهي على ما في ((المبسوط)) و(المحيط)) وغيرهما من المعتبرات مستحبةٌ، وعلى ما في بعض نسخ القدوري ومشى عليه صاحب ((الدرر)) غير مستحبَّةٍ أيضاً، والأرجحُ أنها مستحبّةٌ، وفي قول الشافعي القديم أنها واجبةٌ كما في صورة عدم الفرض(٢). وجوِّز أن تبقى الآيةُ على ظاهرها، ويكونَ المراد ذِكْرُ حكم المطلّقة قبل المسِّ سواءٌ فرض لها في النكاح أم لم يفرض، ويراد بالمتعة العطاء مطلقاً فيعمُّ نصفَ المفروض والمتعةَ المعروفة في الفقه، ويكون الأمر للوجوب أيضاً، أو يراد بالمتعة معناها المعروفُ ويحمل الأمر على ما يشمل الوجوب والندب. وادَّعى سعيد بن المسيب كما أخرج عبد بن حميد أنَّ الآية منسرحةٌ بآية ((البقرة): ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَيَصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [الآية: ٢٣٧] قال: فصار لها نصفُ الصَّداق ولا متاع لها(٣). وأنكر الحسن وأبو العالية النسخَ وقالا: لها نصفُ الصَّداق ولها المتاع. وجاء في رواية أخرى أخرجها عبد بن حميد عن الحسن أيضاً أنَّ لكلِّ مطلَّقةٍ متاعاً، دَخَلَ بها أم لم يدخل بها، فَرَضَ لها أو لم يَفْرِضْ(٤). وظاهرُه دعوى الوجوب في الكلِّ، وهو خلافُ ما عندنا، وقد علمتَ الحكم في صورتين، وهو في الصورتين الباقيتين الاستحباب، وأما دعوى النسخ فلا يَخْفَى ما فيها. والظاهرُ أنَّ الفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، وقيل: فصيحة، أي: إذا كان كما ذكر فمتّعوهنَّ. (١) بدائع الصنائع ٥٤٦/٣. (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١١١. (٣) الدر المنثور ٢٠٧/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٩٦/٤-٢٩٧ و١٢٩/١٩. (٤) الدر المنثور ٢٠٧/٥.