النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ٣٧
٣٢١
سُورَةُ الأُخْزَائِ
والقاضي أبي بكر بن العربي(١)، وغيرهم.
﴿وَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: تخاف من اعتراضهم، وقيل: أي: تستحي من قولهم:
إنَّ محمداً وَلّهِ تزوَّج زوجةً ابنه. والمرادُ بالناس الجنسُ والمنافقون، وهذا عطفٌ
على ما تقدَّم أو حالٌ.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾ في موضع الحال لا غير، والمعنى: والله تعالى
وحده أحقُّ أن تخشاه في كلِّ أمرٍ، فتفعل ما أباحه سبحانه لك وأذِنَ لك فيه،
والعتابُ عند مَن سمعتَ على قوله عليه الصلاة والسلام: ((أمسك))(٢) مع علمه بأنه
سيطلِّقها ويتزوَّجُها هو نَّهِ بعده، وهو عتابٌ على ترك الأَوْلَى، وكان الأَوْلَى في
مثل ذلك أن يصمُتَ عليه الصلاة والسلام، أو یفوّضَ الأمر إلى رأي زید
وأخرج جماعةٌ عن قتادة أنه وَلي كان يخفي إرادة طلاقها، ويخشى قالةً الناس
إن أمره بطلاقها، وأنه عليه الصلاة والسلام قال له: ((أمسك عليك زوجك واتق الله))
وهو يحبُّ طلاقها(٣). والعتابُ عليه على إظهار ما ينافي الإضمار.
وقد ردَّ ذلك القاضي عياض في ((الشفا)) وقال: لا تَسْتَرِبْ في تنزيه النبيِّ وَل
عن هذا الظاهر، وأنه يأمر زيداً بإمساكها وهو يحبُّ تطليقَه إياها كما ذكره جماعةٌ
من المفسرين، إلى آخر ما قال(٤).
وذكر بعضهم أنَّ إرادته وَّهِ طلاقَها وحبَّه إياه كان مجرَّدَ خطوره بباله الشريف
بعد العلم بأنه يريد مفارقتها، وليس هناك حسدٌ منه عليه الصلاة والسلام - وحاشاه - له
علیها، فلا محذورَ.
والأسلمُ ما ذكرناه عن زين العابدين ظه والجمهور، وحاصلُ العتاب: لِمَ
قلتَ: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتُك أنها ستكون من أزواجك، وهو مطابقٌ
= المالكي، صنف التصانيف في المذهب، وسكن مصر، توفي سنة (٣٤٤هـ). السير ٥٣٧/١٥.
وذكر القاضي عياض أن قول علي بن الحسين هو أصُّ ما ذُكر في تفسير الآية.
(١) في أحكام القرآن ١٥٣١/٣.
(٢) في (م): مع قوله عليه الصلاة والسلام ذلك مع أمسك.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ١١٧ .
(٤) الشفا ٢/ ٤٢٥ .

سُورَةُ الأَخْتَابِ
٣٢٢
الآية : ٣٧
للتلاوة؛ لأن الله تعالى أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام، ولم يُظْهِرْ
غيرَ تزويجها منه، فقال سبحانه: (زَوَّحْتَكَهَا) فلو كان المضمَرُ محبتَها وإرادةَ طلاقها
ونحوَ ذلك لأَظهَره جلَّ وعلا.
وللقُصَّاص في هذه القصة كلامٌ لا ينبغي أن يُجعل في حيز القبول:
منه ما أخرجه ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حَبَّان أنه وَّهِ جاء إلى
بيت زيدٍ فلم يجده، وعَرَضَتْ زينب عليه دخولَ البيت، فأبى أن يدخل وانصرف
راجعاً يتكلَّم بكلام لم تفهم منه، سوى: ((سبحان الله العظيم سبحان مصرِّف
القلوب)) فجاء زيد فأخبرته بما كان، فأتى رسولَ الله وَله فقال له: بلغني يا رسول الله
أنك جئتَ منزلي، فهلًا دخلتَ يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها. فقال
عليه الصلاة والسلام: ((أمسك عليك زوجك واتَّق الله)) فما استطاع زيدٌ إليها سبيلاً
بعدُ، ففارَقَها(١).
وفي تفسير علي بن إبراهيم أنه ◌َ﴿ أتى بيت زيد فرأى زينبَ جالسةً وَسْطَ
حجرتها تسحقُ طِيباً بفهرٍ لها، فلمَّا نظر إليها قال: ((سبحان خالق النور، تبارك الله
أحسن الخالقين)) فرجع، فجاء زيدٌ فأخبرته الخبر، فقال لها: لعلكِ وقعت في قلب
رسول الله وَله، فهل لك أن أطلِّقك حتى يتزوَّجك رسول الله عليه الصلاة والسلام؟
فقالت: أخشى أن تطلِّقني ولا يتزوَّجني. فجاء إلى رسول الله وَّل فقال له: أريد أن
أطلِّق زينب. فأجابه بما قَصَّ الله تعالى.
إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبّع.
وفي (شرح المواقف)) أنَّ هذه القصة مما يجب صيانةُ النبيِّ وَّر عن مثله، فإن
صحَّتْ فميلُ القلب غير مقدورٍ مع ما فيه من الابتلاء لهما(٢).
والظاهرُ أنَّ الله تعالى لمَّا أراد نَسْخَ تحريم زوجة المتبنَى أَوْحَى إليه عليه
الصلاة والسلام أن يتزوَّج زينب إذا طلَّقها زيد، فلم يبادر له وَّ﴾ مخافةَ طَعْنٍ
(١) طبقات ابن سعد ١٠١/٨، والمستدرك ٢٣/٤-٢٤، وهو مرسل، وفي إسناده الواقدي،
وهو متروك.
(٢) شرح المواقف للشريف علي بن محمد الجرجاني ٢٧٨/٨، ونقله المصنف عنه بواسطة
الشهاب في الحاشية ٧/ ١٧٣ .

الآية : ٣٧
٣٢٣
سُورَةُ الأَجْزَابِ
الأعداء، فعوتب عليه. وهو توجيهٌ وجيهٌ قاله الخفاجيُّ عليه الرحمةُ، ثم قال: إنَّ
القصة شبيهةٌ بقصة داود عليه السلام، لاسيما وقد كان النزولُ عن الزوجة في صدر
الهجرة جارياً بينهم من غير حرج فيه(١). انتهى.
وأَبْعَدَ بعضُهم فزعم أنَّ ((وتُخفي)) إلخ خطابٌ كسابقه من الله عز وجل، أو من
النبيِّ وَل﴿ لزيدٍ، فإنه أخفى الميلَ إليها وأظهر الرغبة عنها لمَّا وقع في قلبه أنَّ
النبيَّ ◌َّهِ يودّ أن تكون من نسائه.
هذا وفي قوله تعالى: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) وصولُ الفعل الرافعِ الضميرَ المتصل
إلى الضمير المجرور وهما لشخص واحد، فهو كقوله :
هون عليك.
(٢)
و :
دَعْ عنكِ نهباً صِيْحَ في حجراته (٣)
وذكروا في مثل هذا التركيب أنَّ ((على)) و((عن)) اسمان، ولا يجوز أن يكونا حرفين
لامتناع: فگِّر فیك، وأعنِّي بك، بل هذا مما تكون فيه النفس، أي: فگِّر في نفسك،
وأعنِّي(٤) بنفسك، والحقُّ عندي جوازُ ذلك التركيب مع حرفية ((على)) و((عن))(٥).
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: طلَّقها كما روي عن قتادة(٦)، وهو كنايةٌ عن
ذلك، مثل: لا حاجةَ لي فيك. ومعنى الوطر: الحاجة، وقيَّدها الراغب
بالمهمَّة(٧) .
(١) حاشية الشهاب ٧/ ١٧٣ .
(٢) سلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] وتمامه:
هون عليك فإن الأمور بكفّ الإله مقاديرها
(٣) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ص ٩٤، وسلف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ
إِلَيْكِ﴾، وعجزه: ولكن حديثاً ما حديث الرواحل. والحجرات: النواحي.
(٤) وقع في الأصل و(م) في هذا الموضع والذي قبله: وأعين، والمثبت من البحر ٢٣٥/٧،
والكلام منه.
(٥) سلف تفصيل هذه المسألة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ﴾.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٧/٢، والطبري ١١٨/١٩.
(٧) مفردات الراغب (وطر).

سُدَةُ الأَخْتَانِ
٣٢٤
الآية : ٣٧
وقال أبو عبيدة (١): هو كالأَرَب(٢)، وأنشد للربيع بن ضبع:
لمَّا قضى من شبابنا وطراً(٣)
ودٌّعَنا قبل أن نودِّعه
ويفسر الأرب بالحاجة الشديدة المقتضية للاحتيال في دفعها، ويستعمل تارة في
الحاجة المفردة، وأخرى في الاحتيال وإن لم تكن حاجة.
وقال المبرِّد: هو الشهوةُ والمحبة؛ يقال: ما قضيتُ من لقائك وطراً، أي:
ما استمتعتُ منك حتى تنتهي نفسي، وأنشد:
وكيف ثوائي بالمدينة بعدما قضى وطراً منها جميل بنُ معمر (٤)
وعن ابن عباس تفسير الوطر هنا بالجماع، والمراد: لم يبق له بها حاجةٌ
الجماع وطلَّقها، وفي «البحر»(٥) نقلاً عن بعضهم: أنه رڅہ [مذ تزوّجها] لم يتمگّن
من الاستمتاع بها. ورَوَى أبو عصمة نوح بن أبي مريم بإسنادٍ رَفَعه إليها أنها قالت:
ما كنتُ أمتنعُ منه، غير أن الله عز وجل منعني منه. وروي أنه كان يتورَّم ذلك منه
حين يريد أن يقربها فيمتنع(٦).
قيل: ولا يخفى أنه على هذا يَحْسُنُ جدّاً جَعْلُ قضاء الوطر كنايةً عن الطلاق.
فتأمل.
وفي الكلام تقديرٌ، أي: فلمَّا قضى زيد منها وطراً وانقضت عِدَّتُها. وقيل: إن
قضاء الوطر يُشْعِرُ بانقضاء العِدَّة لأنَّ القضاء الفراغُ من الشيء على التمام، فكأنه
قيل: فلما قضى زيدٌ حاجته من نكاحها فطلَّقها وانقضت عِدَّتُها فلم يكن في قلبه
(١) في مجاز القرآن ١٣٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٠٨/٧-٢٠٩.
(٢) في الأصل و(م): كالأدب، وهو تصحيف، والمثبت من البحر ومجاز القرآن، وفيه:
(وطراً)) أي: أُرَباً وحاجة.
(٣) مجاز القرآن ١٣٨/٢، والبحر ٢٠٩/٧، وهو في نوادر أبي زيد ص ١٥٩ برواية:
فارقنا قبل أن نفارقه.
(٤) البحر ٢٠٩/٧، وسلف ص٢١ من هذا الجزء.
(٥) ٢٣٥/٧، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٦) نوادر الأصول ص ١٨٩، والبحر ٢٣٥/٧. ونوح بن أبي مريم قال عنه الحافظ في
التقريب: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع.

الآية : ٣٧
٣٢٥
سُورَةُ الأَخْزَارِ
ميلٌ إليها ولا وحشةٌ من فراقها ﴿زَوَّحْتَكَهَا﴾ أي: جعلناها زوجةً لك بلا واسطةٍ
عقدٍ أصالة أو وكالة، فقد صحَّ من حديث البخاريِّ والترمذيِّ أنها ◌ِؤُّها كانت تفخّرُ
على أزواج النبيِّ وَ ﴿ تقول: زوَّجكنَّ أهاليكنَّ وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع
سماوات(١).
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كانت تقولُ للنبيّ عليه الصلاة والسلام:
إنِّي لأَدِلُّ عليك بثلاثٍ ما من نسائك امرأةٌ تَدِلُّ بهنَّ: إنَّ جدِّي وجدَّك واحدٌ، وإِنِّي
أُنْكَحَكَ الله إياي من السماء، وإنَّ السفير لجبريلُ عليه السلام(٢).
ولعلها أرادت سفارتَه عليه السلام بين الله تعالى وبين رسوله وَله، وإلا فالسفيرُ
بينه عليه الصلاة والسلام وبينها كان زيداً؛ أخرج أحمد ومسلم والنسائيُّ وغيرهم
عن أنس قال: لمَّا انقضت عِدَّةُ زينب قال رسول الله وَّ لزيد: ((اذهب فاذكرها
عليَّ)) فانطلق قال: فلمَّا رأيتُها عظمَتْ في صدري، فقلت: يا زينب أبشري،
أرسلني رسول الله وس* يذكرك. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أوامر ربِّي. فقامت
إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله وَ﴿ ودخل عليها بغير إذن(٣).
ومن حديثٍ أخرجه الطبرانيُّ، والبيهقيُّ في ((سننه)) وابنُ عساكر من طريق ابن
زيد الأسديِّ عن مذكورٍ مولى زينب قالت: طلقني زيدٌ فَبَتَّ طلاقي، فلما انقضت
عدَّتي لم أشعر إلا والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قد دخل عليَّ وأنا مكشوفةُ الشعر،
فقلت: هذا من السماء، دخلتَ يا رسول الله بلا خطبةٍ ولا شهادة. فقال: ((الله
تعالى المزوِّج، وجبريل الشاهد)»(٤)، ولا يَخْفَى أنَّ هذا بظاهره يخالفُ ما تقدَّم من
الحديث، والمعوَّل على ذاك.
وقيل: المراد بـ ((زوَّجناكها)): أمرناك بتزوُّجها.
(١) صحيح البخاري (٧٤٢٠)، وسنن الترمذي (٣٢١٣).
(٢) تفسير الطبري ١١٨/١٩-١١٩.
(٣) مسند أحمد (١٣٠٢٥)، وصحيح مسلم (١٤٢٨). قوله: فلما رأيتها عظمت ... ، قال
النووي في شرح صحيح مسلم ٣٢٨/٩: معناه أنه هابها واستجلَّها من أجل إرادة النبي
تزوَّجَها .
(٤) المعجم الكبير ١٠٩/٢٤، وسنن البيهقي ١٣٦/٧، وتاريخ ابن عساكر ٣٥٧/١٩ و٢٣٠/٥٠.
وفي إسناده حفص بن سليمان، وهو متروك. والحسين بن أبي السَّري وهو ضعيف.

سُورَةُ الأَجْزَاب
٣٢٦
الآية : ٣٨
وقرأ عليٍّ وابناه ريحانتا رسول الله مَ﴿ الحسنُ والحسينُ، وابنُه محمد بن
الحنفية وجعفر الصادق ﴿ أجمعين: ((زوجتكها)) بتاء الضمير للمتكلِّم وحده (١).
﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ أي: ضِيْقٌ، وقيل: إثم. وفسَّره بهما بعضُهم
كالطبرسيِّ(٢) بناءً على جواز استعمال المشترك في معنييه مطلقاً كما ذهب إليه
الشافعية، أو في النفي كما ذهب إليه العلامةُ ابن الهمام من الحنفية.
﴿فِيْ أَزْوَجِ﴾ أي: في حقِّ تزوُّجِ أزواج ﴿أَدْعِيَّيِهِمْ﴾ الذين تبنَّوهم ﴿إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ
وَطَرَأْ﴾ أي: إذا طلَّقهنَّ الأدعياء وَانقضت عِدَّتُهنَّ، فإنَّ لهم في رسول الله أسوةً
حسنةً.
واستُدلَّ بهذا على أنَّ ما ثبت له وََّ من الأحكام فهو (٣) ثابتٌ لأمته، إلا ما عُلم
أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام بدليل، وتمامُ الكلام في المسألة مذكور في
الأصول. والمراد بالحكم ها هنا على ما سمعت أولاً مطلقُ تزوُّج زوجات
الأدعیاء، وهو ۔ علی ما قيل - ظاهرٌ.
﴿وَكَانَ أَمْرُ الَّهِ﴾ أي: ما يريد تكوينَه من الأمور، أو مأمورُه الحاصلُ بـ ((كُنْ))
﴿مَفْعُولًا (®﴾ مكوَّناً لا محالة، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لما قبله من تزويج
زینب ٹا.
﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِّ مِنْ حَجْ﴾ أي: ما صحَّ وما استقام في الحكمة أن يكون له
حرجٌ ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَّهْ﴾ أي: قَسَمَ لِه ◌ِوَّهِ وقدَّر، من قولهم: فَرَضَ له في الديوان
كذا، ومنه فروض العساكر لِمَا يقطعه السلطان لهم ويرسم به .
وقال قتادة: أي: فيما أحلَّ له. وقال الحسن: فيما خصَّه به من صحة النكاح
بلا صَداقٍ. وقال الضحاك: من الزيادة على الأربع.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: سنَّ الله تعالى ذلك سنةً، فهو مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ من
لفظه، والجملةُ مؤكِّدةٌ لِمَا قبلها من نفي الحرج. وذهب الزمخشريُّ إلى أنه اسمٌ
(١) الكشاف ٢٦٣/٣، والمحرر الوجيز ٢٨٧/٤، والبحر ٢٣٥/٧.
(٢) في مجمع البيان ٢٢/ ١٤٧ .
(٣) قوله: فهو، ليس في (م).

الآية : ٣٨
٣٢٧
سُوَرَّةُ الأَجْزَابَ
موضوعٌ موضعَ المصدر، كقولهم: ترباً وجندلاً، أي: رغماً وهواناً وخيبةً (١).
وكأنه لم تَثْبُتْ عنده مصدريتُه.
وقيل: منصوب بتقديرِ: الْزَمْ، ونحوِهِ. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون نصباً
على الإغراء، كأنه قيل: فعليه سنَّة الله(٢). وتعقّبه أبو حيان بأنه ليس بجيِّدٍ؛ لأن
عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه، وأيضاً تقدير: فعليه سنَّة الله، بضمير الغائب
لا يجوزُ إذ لا يُغْرَى غائبٌ، وقولهم: عليه رجلاً لَّيْسَني، مؤوَّلٌ وهو مع ذلك نادر(٣).
واعتُرض بأنَّ قوله: لأنَّ عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه، ممنوعٌ، وهو
خلافُ ما يفهم من كتب النحو، وبأنَّ ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلَّمٌ، لكن
یمکن توجيهه هاهنا کما لا يخفى.
ثم قيل: إنَّ ظاهر كلام ابن عطية يشعر بأنَّ النصب بتقدير: الزم، قَسيمٌ للنصب
على الإغراء(٤)، ولیس کذلك بل هو قِسْمُ منه. اهـ فتدبّر.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْ﴾ أي: مضوا ﴿مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبلك من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام حيث لم يُحرِّج جلَّ شأنه عليهم في الإقدام على ما أحلَّ لهم،
ووسَّع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت
لداود عليه السلام مئةُ امرأةٍ وثلاثُ مئة سُرِّيَّة، ولسليمان عليه السلام ثلاثُ مئة
امرأةٍ وسبع مئة سرِّيَّة(٥) .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظيٍّ أنه كان له عليه السلام ألف
امرأة (٦)، والظاهر أنه عنى بالمرأة ما يقابل السُّرِّيَّة، ويحتمل أنه أراد بها الأعمَّ
فیوافق ما قبله.
(١) الكشاف ٢٦٤/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٣٨٨/٤.
(٣) البحر ٢٣٦/٧.
(٤) حيث قال: ((سنَّة)) نصب على إضمار فعل تقديره الزم أو نحوه، أو على الإغراء، كأنه
قيل ...
(٥) الكشاف ٢٦٤/٣، وليس في هذا نصٌّ صحيح يُرجَع إليه، وإنما هو من الإسرائيليات وأقوال
أهل الكتاب.
(٦) طبقات ابن سعد ٢٠٢/٨.

سُوَّةُ الأَجْزَادَ
٣٢٨
الآية : ٣٨
يُروى أنَّ اليهود قاتلهم الله تعالى عابوه - وحاشاه من العيب وَّهو - بكثرة النكاح
وكثرة الأزواج، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: (سُنَّةَ اللَّهِ) الآية.
وقيل: إنه جلَّ وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداود عليه السلام من تزوُّجه
امرأة أوريا. وأخرج ذلك ابن المنذر والطبرانيُّ عن ابن جُريج، واسم تلك
الامرأة عنده اليسية(١)، وهذا مما لا يلتفت إليه، والقصةُ عند المحققين لا أصل
لها .
﴿وَكَانَ أَمْرُ الَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (٣٨)﴾ أي: عن قَدَرٍ، أو: ذا قَدَرٍ، ووصفُه بـ ((مقدورٍ)
نحوُ وصفِ الظلِّ بالظليل، والليل بالأَلْيَل، في قولهم: ظلٌّ ظليلٌ وليلٌ أَلْيَلُ، في
قَصْدِ التأکید.
والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهورُ للقضاء، وهو: الإرادة الأزلية
المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه. وجوِّز كونُه بالمعنى المشهور له، وهو: إيجاد
الأشياء على قدرٍ مخصوصٍ وكميةٍ معيَّنةٍ من وجوه المصلحة وغيرها. والمعنى
الأولُ أظهر، والقضاء والقدر يُستعمل كلٌّ منهما بمعنى الآخر.
وفسِّر الأمرُ بنحوٍ ما فسِّر به فيما سبق. وجوِّز أن يراد به الأمرُ الذي هو واحدُ
الأوامر من غير تأويل، ويراد أن اتِّباع أمرِ الله تعالى المنزلِ على أنبيائه عليهم
السلام والعملَ بموجبه لازمٌ مقضيٍّ في نفسه أو هو كالمقضيِّ في لزوم اتِّباعه،
ولا يخفى تكلُّفه.
وظاهرُ كلامِ الإمام(٢) اختيارُ أنَّ الأمر واحدُ الأمور، وفرَّق بين القضاء والقدر
بما لم نقف عليه لغيره، فقال ما حاصله: القضاء ما يكون مقصوداً له تعالى في
الأصل، والقَدَرُ ما يكون تابعاً، والخيرُ كلُّه بقضاء، وما في العالَم من الضرر بقَدَرٍ
كالزنى والقتل.
ثم بنى على ذلك لطيفةً: وهو أنه لمَّا قال سبحانه: (زَوَّجْتَكَهَا) ذيَّله بـ : أمراً
(١) المعجم الكبير ٢٤/(١١٩)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٠٣/٥. واسمها عند
الطبراني: اليسيع، وفي الدر: اليسعية.
(٢) هو الرازي في تفسيره ٢٥/ ٢١٣.

الآية : ٣٩
٣٢٩
سُورَةُ الأَجْزَابِ
مفعولاً (١)، لكونه مقصوداً أصليّاً وخيراً مقضيّاً، ولمَّا قال جل شأنه: (سُنَّةَ اللَّهِ
فِى الَّذِينَ خَلَوْأ) إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال
سبحانه: (قَدَرًا مَّقْدُورًا) لكون الافتتان شرّاً غير مقصودٍ أصليٍّ من خَلْقِ المكلّف.
وفيه ما فيه.
والجملة اعتراضٌ وسِّط بين الموصولين الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى
تقرير نفي الحرج وتحقيقه.
﴿الَّذِينَ يُلِّفُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ((الذين خلوا))، أو هو في محلِّ رفعٍ أو
نصبٍ، على إضمارِ(هم)) أو على المدح.
وقرأ عبد الله: (بلَّغوا)) فعلاً ماضياً. وقرأ أبيٍّ: ((رسالة)) على التوحيد(٢)؛ لجعل
الرسالات المتعدِّدةِ لاتِّفاقها في الأصول وكونها من الله تعالى بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ
وإن اختلفت أحكامُها .
﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه تعالى في كلِّ ما يأتون ويذرون، لاسيما في أمر تبليغ
الرسالة.
﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ﴾ في وَصْفِهم بقَصْرِهم الخشيةَ على الله تعالى تعریضُ
بما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من الاحتراز عن لائمة الناس، من حيث إن
إخوانه المرسلين لم تكن سيرتُهم التي ينبغي الاقتداءُ بها ذلك، وهذا كالتأكيد لِمَا
تقدَّم من التصريح في قوله سبحانه: (وَغَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ).
وتوهَّم بعضهم أنَّ منشأ التعريض توصيفُ الأنبياء بتبليغ الرسالات، وحَمَلَ
الخشية على الخشية في أمر التبليغ لوقوعها في سياقه، وفيه ما لا يخفى.
﴿وَكَفَ بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ أي: كافياً للمخاوف، أو محاسباً على الكبائر
والصغائر من أفعال القلب والجوارح، فلا ينبغي أن يُخشَى غيرُه، والإظهار في
مقام الإضمار لِمَا في هذا الاسم الجليل ما ليس في الضمير.
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير الرازي: ((وكان أمر الله مفعولاً))، وهو الموافق للفظ
الآية.
(٢) القراءتان في البحر ٢٣٦/٧، والثانية في القراءات الشاذة ص ١١٩.
:

سُؤَّةُ الأَجْزَائِيّ
٣٣٠
الآية : ٣٩
واستدلَّ بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السلام مطلقاً،
وخَصَّ ذلك بعضُ الشيعة في تبليغ الرسالة، وجعلوا ما وقع منه وَّر في هذه
القصة المشارَ إليه بقوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ) - بناءً على أنَّ
الخشية فيه بمعنى الخوف، لا على أنَّ المراد الاستحياءُ من قول الناس: تَزوَّجَ
زوجةً ابنه كما قاله ابن فورك ـ من الثَّقِيَّة الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة،
ولا فَرْقَ عندهم بين خوف المقالة القبيحة وإساءة الظنِّ، وبين خوف المضارِّ، في
أنَّ كلَّا يبيح التقيَّةَ فيما لا يتعلَّق بالتبليغ، ولهم في التقية كلامٌ طويل، وهي
لأغراضهم ظلٌّ ظليل.
والمتتبِّعُ لكتب الفِرَقِ يعرفُ أنْ قد وقع فيها إفراطٌ وتفريطٌ، وصوابٌ وتخليطٌ،
وأنَّ أهل السنَّة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط، وهو الطريقُ الأسلمُ
الأمينُ سالكُه من الخطأ والغلط. أما الإفراط فللشيعة حيث جوَّزوا - بل أوجبوا
على ما حكي عنهم - إظهارَ الكفر لأدنى مخافةٍ أو طمع، وأما التفريطُ فللخوارج
والزيدية حيث لا يجوِّزون في مقابلةِ الدِّين مراعاةَ العِرْضِ وحِفْظِ النفس والمالِ
أصلاً.
وللخوارج تشديداتٌ عجيبةٌ في هذا الباب، وقد سبُّوا وطعنوا بريدةَ الأسلميَّ
أحدَ أصحاب رسول الله وَّه بسبب أنه رَظُه كان يحافظ فرسه في صلاته خوفاً من
أن يهرب.
ومذهب أهل السنَّة أنَّ التقية: وهي محافظةُ النفس أو العرضِ أو المالِ من نحو
الأعداء بإظهارٍ محظورٍ دينيٍّ، مشروعةٌ في الجملة، وقسموا العدو إلى قسمين:
الأول: مَن كانت عداوتُه مبنيَّةً على اختلاف الدِّين کالمسلم والكافر، ويلحق به
مَن كانت عداوتُه لاختلاف المذهب اختلافاً يجرُّ إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين
أصحابَ المذهب الآخر، كأهل السنَّة والشيعة.
والثاني: مَن كانت عداوتُه مبنيَّةً على أغراضٍ دنيويةٍ كالمال والمرأة.
وعلى هذا تكون التقية أيضاً قسمين:
أمَّا الأول: فالتقيةُ ممَّن كانت عداوته مبنيةً على اختلاف الدِّين حقيقةً أو

الآية : ٣٩
٣٣١
سُورَةُ الأَجْزَائِ
حكماً، وقد ذكروا في ذلك أنَّ مَن يدّعي الإيمان إذا وقع في محلٌّ لا يمكن أن
يُظهِرَ دينه وما هو عليه لتعرُّض المخالفين، وجَبَ عليه أن يهاجر إلى محلٌّ يقدِرُ فيه
على الإظهار، ولا يجوزُ له أن يسكن هنالك ويكتمَ دينه بعذرِ الاستضعاف
فأرضُ الله واسعةٌ. نعم إن كان له عذرٌ غيرُ ذلك کالعمى والحبس، وتخويفٍ
المخالف له بقتله أو قتلٍ ولده أو أبيه أو أمِّه على أيِّ وجهٍ كان القتلُ تخويفاً يُظَنُّ
معه وقوعُ ما خوّف به، جاز له السكنى والموافقةُ بقَدْرِ الضرورة، ووجب عليه
السعيُ في الحيلة للخروج. وإن لم يكن التخويفُ كذلك، كالتخويف بفواتِ المنفعة
أو بلحوق المشقَّة التي يمكِنُه تحمُّلُها، كالحبس مع القوت، والضربِ القليل الغير
المهلك، لا يجوز له الموافقةُ، وإن ترتَّب على ذلك موتُه كان شهيداً.
وأما الثاني: فالتقيةُ ممَّن كانت عداوتُه مبنيّةً على أغراضٍ دنيوية، وقد اختلف
العلماء في وجوب الهجرة وعدمِه فيه، فقال بعضهم: تجب الهجرة لوجوب حفظ
المال والعِرْضِ.
وقال جمع: لا تجب، إذ الهجرةُ عن ذلك المقام مصلحةٌ من المصالح
الدنيوية، ولا يعود بتركها نقصانٌ في الدین؛ إذ العدوُّ المؤمن کیفما كان لا یتعرض
لعدوّه الضعيف المؤمن مِثْلِه بالسوء من حيث هو مؤمن.
وقال بعض الأجلَّة على طريق المحاكمة: الحقُّ أنَّ الهجرة هاهنا قد تجب
أيضاً، وذلك إذا خاف هلاكَ نفسه أو أقاربه، أو الإفراط في هتك حرمته. وقال:
إنها مع وجوبها ليست عبادةً، إذ التحقيقُ أنه ليس كلُّ واجبٍ عبادةً يثاب عليها، فإنَّ
الأكل عند شدة المجاعة، والاحترازَ عن المضرَّات المعلومة أو المظنونة في
المرض، وعن تناول السمومات في حال الصحة، وما أشبه ذلك، أمورٌ واجبةٌ
ولا يثاب فاعلُها عليها. اهـ، وفيه بحث.
وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من زُبُرِ العلماء الأعلام، ولعل لنا عودةً إن
شاء الله تعالى لذكرِ شيءٍ من ذلك، والله تعالى الهادي لسلوك أقوم المسالك.
بقي لنا فيما يتعلَّق بالآية شيءٌ، وهو ما قيل: إنه سبحانه وَصَفَ المرسلين
الخالينَ عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا يَخشَوْنَ أحداً إلا الله، وقد أخبر عز وجل

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٣٣٢
الآية : ٤٠
عن موسى عليه السلام بأنه قال: ﴿إِنَّنَا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥] وهل خوفُ
ذلك إلا خشيةُ غيرِ الله تعالى، فما وجهُ الجمع؟
قلت: أجيب بأنَّ الخشية أخصُّ من الخوف؛ قال الراغب: الخشية خوفٌ
يَشُوبُه تعظيمٌ، وأكثرُ ما يكون ذلك عن علم بما يُخْشَى منه، وذكر في ذلك عدَّةً
آياتٍ منها هذه الآية (١). ونفيُ الخاصِّ لا يستلزم نفيَ العامِّ، فقد يجتمعُ مع إثباته.
وهذا أولى ممَّا قيل في الجواب من أن الخشية أخصُّ من الخوف لأنها الخوفُ
الشديد، والمنفيُّ في الآية هاهنا هو ذلك، لا مطلقُ الخوف المثبَتِ فيما حُكي عن
موسى عليه السلام.
وأجاب آخر بأنَّ المراد بالخشية المنفية الخوفُ الذي يحدُثُ بعد الفكر والنظر،
وليس من العوارض الطبيعية البشرية، والخوفُ المثبَتُ هو الخوفُ العارض بحسب
البشرية بادي الرأي، وكم قد عَرَضَ مثلُه لموسى عليه السلام ولغيره من إخوانه،
وهو ممَّا لا نَقْصَ فيه كما لا يَخْفَى على كامل. وهو جوابٌ حسن.
وقيل: إنَّ موسى عليه السلام إنما خاف أن يَعْجَلَ فرعونُ عليه بما يَحُولُ بينه
وبين إتمام الدعوة وإظهارِ المعجزة، فلا يحصُّلُ المقصودُ من البعثة، فهو خوفٌ لله
عز وجل، والمراد بما نُفي عن المرسلين هو الخوفُ عنه سبحانه، بمعنى أن يخاف
غيره جل وعلا فيخلَّ بطاعته أو يقدِمَ على معصيته، وأين هذا من ذاك؟ فتأمَّل
تولَّى الله تعالى هُدَاك.
﴿َّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ ردِّ لمنشأً خشيتهِنَّهِ الناس المعاتَبِ عليها
بقوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَنَةٌ) وهو قولُهم: إنَّ محمداً عليه الصلاة
والسلام تزوَّج زوجةَ ابنه زيدٍ، بنفي كون زيدٍ ابنَه الذي يَحْرُمُ نكاحُ زوجته وَِّ على
أبلغ وجه كما ستعرفه قريباً إن شاء الله تعالى.
والرجال جمعُ رجل بضمِّ الجيم كما هو المشهورُ وسكونِه، وهو على ما في
((القاموس)): الذَّكَر إذا احتلم وشبَّ، أو هو رجلٌ ساعةً يولد(٢). وفي بعض ظواهر
(١) مفردات الراغب (خشي).
(٢) القاموس (رجل).

الآية : ٤٠
٣٣٣
سِوَةُ الأَخْتَامِ
الآيات والأخبار ما هو مؤيّدٌ للثاني، نحو قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّنَّا تَّرَكَ
الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ﴾
[النساء: ١٢]، ونحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((فلأَوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ))(١). والبحث
الذي ذكره بعضُ أجلَّة المتأخّرين فيما ذُكر من الأمثلة لا يدفع كونَ الظاهر منها
ذلك عند المنصف.
وقد يُذكر لتأييد الأول قولُه تعالى: ﴿اٌلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْنِسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾
[النساء: ٩٨] فإنَّ ((الرجال)» فيه للبالغين، وفيه بحثٌ، نعم ظاهرُ كلام
الزمخشريٌّ(٢) - وهو إمامٌ له قدمٌ راسخةٌ في اللغة وغيرِها من العلوم العربية - يدلُّ
على أنَّ الرجل هو الذَّكَرُ البالغ.
وأيَّاما كان فإضافةُ ((رجال)) إلى ضمير المخاطبين باعتبارِ الوِلَاد، فإنْ أريدَ
بالرجال الذكورُ البالغون، فالمعنى: ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من أبنائكم أيها الناس
الذكورِ البالغين الذين ولدتُموهم، وإن أريد بهم الذكور مطلقاً فالمعنى: ما كان
محمدٌ أبا أحدٍ من أبنائكم الذين ولدتموهم مطلقاً كباراً كانوا أو صغاراً.
والأبُ حقيقةٌ لغويةٌ في الوالد على ما يُفهم من كلام كثيرٍ من اللُّغويين، والمرادُ
بالأبوّة المنفيةِ هنا الأبوَّةُ الحقيقيةُ الشرعيةُ التي يترتَّب عليها أحكامُ الأبوَّة الحقيقيةِ
اللغوية من الإرث ووجوب النفقة، وحرمة المصاهرة سواء كانت بالولادة أو
بالرضاع أو بتبنِّي مَن يولَد مثلُه لمثله وهو مجهولُ النسب، فحيث نُفي كونُه ◌ِو
أبا أحدٍ من رجالهم بأيِّ طريقٍ كانت الأبوَّة - ومن المعلوم أن زيداً أحدٌ من
رجالهم - تحقَّق نفيُ كونه عليه الصلاة والسلام أباً له مطلقاً :
أما كونه ◌َ ل﴿ ليس أباً له بالولادة فمما لا نزاع فيه، ولم يَتَوهَّم أحدٌ خلافَه،
ومثلُه كونُه عليه الصلاة والسلام ليس أباً له بالرضاع.
وأمَّا كونه وَله ليس أباً له بالتبنِّي مع تحقُّق تبنِيه عليه الصلاة والسلام، فلأنَّ
الأبوَّة بالتبنِّي التي نُفيت(٣) إنما هي الأبوَّةُ الحقيقية الشرعية، وما كان من التبنِّي
(١) أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥) من حديث ابن عباس
(٢) في الكشاف ٢٦٤/٣.
(٣) في الأصل: تعينت.

سُورَةُ الأَجْزَائِ
٣٣٤
الآية : ٤٠
لا يستتبعها لتوقُّفها شرعاً على شرائط، منها كونُ المتبثَّى مجهول النسب، وذلك
منتفٍ في زيدٍ، فقد كان معروفَ النسب فيما بينهم، وقد تقدَّم لك أنه ابن حارثة.
وتعميمُ نفي أبوَّتِهِ وَّهِ لأحدٍ من رجالهم بحيث شمل نفي الأبوَّة بالولادة والأبوّةِ
بالرضاع والأبوَّةِ بالتبِّي، مع أنه لا كلامَ في انتفاء الأوليين وإنما الكلام في انتفاء
الأخيرة فقط، إذ هي التي يزعمها مَن يقول: تزوَّج محمدٌ عليه الصلاة والسلام
زوجةَ ابنه = للمبالغة في نفي الأبوَّة بالتبنِّي التي زَعَموا ترتُّبَ أحكام الأبوَّة الحقيقية
عليها بنَظْمِ ما خَفِيَ في ◌ِلْكِ ما لا خَفاءَ فيه أصلاً .
ولعل هذا هو السرُّ في قوله سبحانه: (مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ) دون:
ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من الرجال، أو: ما كان محمدٌ أبا أحدٍ منكم، ولعله لهذا
أيضاً صرَّح بنفي أبوَّتِهِ وَ ﴿ لأحدٍ من رجالهم، ليعلم منه نفيُ بنوَّةِ أحدٍ من رجالهم
له عليه الصلاة والسلام، ولم يعكس الحالَ بأن يصرِّحَ بنفي بنوَّةِ أحدٍ من رجالهم له
عليه الصلاة والسلام ليعلم نفي أبوَّته وَّرِ لأحدٍ من رجالهم، ويؤتَى بما بعدُ على
وجهٍ ينتظمُ مع ما قبل.
وبحَمْلِ الأبوَّة المنفيَّة على الأبوَّة الحقيقية الشرعية ينحلُّ إشكالٌ في الآية، وهو
أنَّ سياقَها لنفي أبوَّته عليه الصلاة والسلام لزيدٍ ليردَّ به على مَن يعترض على
النبيِّ ◌َ﴿ بتزوُّجه مطلَّقْتَه، فإنْ أريدَ بالأبوَّة الأبوَّةُ الحقيقيةُ اللغويةُ - وهي ما يكون
بالولادة - لم تلائم السياقَ، ولم يحصل بها الردُّ المذكور مع أنه هو المقصود؛ إذ
لم يكن أحدٌ يزعم ويتوهّم أنه وَّ كان أبا زيدٍ بالولادة، وإنْ أريد بها الأبوَّةُ
المجازيَّة التي تحقَّقُ بالتبِّي ونحوه فنفيُها غيرُ صحيحٍ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام
كان أباً لزيدٍ مجازاً لتبنِّيه إياه، ولم يزل زيدٌ يُدْعَى بابنِ محمدٍ مَّو حتى نزل قوله
تعالى: (آدْعُوهُمْ لَّبَآِهِمْ) فدعَوْه حينئذٍ بابنٍ حارثة.
ووجهُ انحلاله بما ذكرنا من أنَّ المراد بالأبوَّة الأبوَّةُ الحقيقيةُ الشرعيةُ: أنَّ هذه
الأبوَّة تكون بالولادة وبالرضاع والتبنِّي بشَرْطِه، وهي بأنواعها غيرُ متحقِّقةٍ في زيد،
أما عدمُ تحقُّقها بالنوعين الأوَّلين فظاهرٌ، وأمَّا عدمُ تحقُّقها بالنوع الأخير فلأنَّ
التبنِّيَ وإنْ وقع إلَّا أنَّ شرطَه الذي به يستتبع الأبوَّة الحقيقيةَ الشرعيةَ مفقودٌ
کما علمتَ.

الآية : ٤٠
٣٣٥
سُورَةُ الأَجْزَانِ
وبجَعْل إضافة الرجال إلى ضمير المخاطبين باعتبار الولاء(١) يندفعُ استشكالُ
النفي المذكور بأنه عليه الصلاة والسلام قد ولد له عدَّةُ ذكورٍ فكيف يصحُّ النفي؟
لأنَّ مَن ولد له عليه الصلاة والسلام ليس مضافاً للمخاطبين باعتبار الولادة، بل هو
مضافٌ إليه * باعتباره.
ومَن خصَّ الرجال بالبالغين قال: لا ينتقضُ العمومُ بذلك؛ لأنَّ جميع مَن ولد
له عليه الصلاة والسلام مات صغيراً ولم يبلغ مَبْلَغَ الرجال.
وقيل: لا إشكالَ في ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن له ابنٌ يومَ نزولِ
الآية؛ لأنَّ السورة مدنيةٌ نزلت على ما نُقِلَ عن ابن الأثير في تاريخ ((الكامل)) السنة
الخامسة من الهجرة(٢)، وفيها تزوَّج رسول الله وَّل بزينب، ومَن ولد له ◌ُّێ من
الذكور ممن عَدَا إبراهيم فإنما ولد بمكة قبل الهجرة وتُوفِّي فيها، وإبراهيم وإن ولد
بالمدينة لكنْ وُلد السنةَ الثامنة من الهجرة، فلم يكن مولوداً يومَ النزول بل بعدَه،
وهو كما ترى.
وكما استشكل النفيُ بما ذكر استشكل بالحسن والحسين ◌ًا، فقد كان
النبيُّ وَ ﴿ أباً لهما حقيقةً شرعيةً، ولم يَرْتَضِ بعضُهم هنا الجوابَ
بخروجهما بالإضافة لأنَّ لهما نسبةً إلى المخاطبين باعتبار الولادة لدخول عليٍّ
كرم الله تعالى وجهه فيهم وهما ولداه، وارتضاه آخر، بناءً على أنَّ الإضافة
للاختصاص باعتبار الولادة، ولا اختصاصَ للحسنين بعليٍّ ﴿ه باعتبارها، لِمَا
أنهما وَلَدا رسولِ اللهِ وَّ﴾ أيضاً لكن بالواسطة. فإنْ قُبِلَ هذا فذاك، وإلَّا
فالجوابُ :
یومَ النزول كذلك،
أمَّا ما قيل من أنَّ المراد بالرجال البالغون، ولم يكونا شـ
فإنَّ الحسن ﴿ه ولد السنة الثالثة من الهجرة، والحسين ﴿به السنةَ الرابعةَ منها
لخمسٍ خَلَوْنَ من شعبان، وقد علقتْ به أمُّه عقبَ ولادة أخيه بخمسين ليلةً أو أقل،
وكان النزولُ بعد ولادتهما على ما سمعتَ آنفاً.
(١) في (م): الولادة.
(٢) الكامل ١٧٧/٢ .

سُورَةُ الآخْتَانِ
٣٣٦
الآية : ٤٠
وأمّا ما قيل من أنَّ المراد بالأب في الآية الأبُ الصلب، ومعلومٌ أنّه وٍَّ لم
یکن أباهما كذلك، فتدبّر.
وقيل: ليس المراد من الآية سوى نفي أبوَّته وَل﴿ لأحدٍ من الرجال بالتبنِّي؛
لتنتفي أبوَّته عليه الصلاة والسلام لزيدِ التي يزعمها المعترضُ كما يدلُّ عليه سوقُ
الآية الكريمة، فكأنه قيل: ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم كما زعمتُم، حيث
قلتُم: إنه أبو زيدٍ لتبنِّيه إياه. وهي ساكتةٌ عن نفي أبوَّته وَّ لأحدٍ بالولادة أو
بالرضاع، وعن إثباتها، فلا سؤال بمن ولد له وَلا﴿ من الذكور، ولا بالحسنين
،
ولا جواب. وإلى اختيار هذا يميلُ كلام أبي حيان (١)، والله تعالى أعلم.
واستدلَّ بعض الشافعية بهذه الآية على أنه لا يجوز أن يقال للنبيّ عليه الصلاة
والسلام: أبو المؤمنين، حكاه صاحب ((الروضة)) ثم قال: ونصَّ الشافعيُّ عليه
الرحمةُ على أنه يجوز أن يقال له وَّر: أبو المؤمنين، أي: في الحرمة ونحوِها (٢).
وقال الراغب(٣) بعد أن قال: الأب: الوالد، ما نصُّه: ويسمَّى كلُّ مَن كان
سبباً في إيجاد شيءٍ أو إصلاحه أو ظهوره أباً، ولذلك سمِّ النبيُّ وَّ أبا المؤمنين،
قال الله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ، أُمَّهَدُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وفي
بعض القراءات: ((وهو أبٌّ لهم))(٤). وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعليّ
كرم الله تعالى وجهه: ((أنا وأنتَ أَبَوا هذه الأمَّة))(٥)، وإلى هذا أشار ◌َّه بقوله:
(كلَّ سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يومَ القيامة إلَّا سببي ونسبي))(٦). اهـ. فلا تغفل.
وعلى جواز الإطلاق قالوا: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ﴾ استدراكٌ من
نفي كونه عليه الصلاة والسلام أبا أحدٍ من رجالهم على وجهٍ يقتضي حرمة
المصاهرة ونحوها إلى إثباتِ كونه ◌َ﴾ أباً لكلِّ واحدٍ من الأمة فيما يَرْجعُ إلى
(١) في البحر ٢٣٦/٧.
(٢) روضة الطالبين ٧/ ١٢ .
(٣) في مفرداته (أبا).
(٤) سلفت عند تفسير الآية السادسة من هذه السورة.
(٥) لم نقف عليه مسنداً.
(٦) سلف ١٨ / ١٤٤.

الآية : ٤٠
٣٣٧
سُوَرَّةُ الأَجْزَابَ
وجوب التوقير والتعظيم له وَلثر، ووجوب الشفقةِ والنصيحة لهم عليه عليه الصلاة
والسلام، فإنَّ كلَّ رسولٍ أبٌّ لأمته فيما يرجعُ إلى ذلك، وحاصلُه أنه استدراك من
نفي الأبوَّة الحقيقية الشرعية التي يترتَّب عليها حرمةُ المصاهرة ونحوها إلى إثبات
الأبوَّة المجازيَّةِ اللغوية التي هي من شأن الرسول عليه الصلاة والسلام، وتقتضي
التوقير من جانبهم والشفقةً من جانبه وَله.
وقيل في توجيه الاستدراك أيضاً: إنه لمَّا نُفِيتْ أبوَّتُهُ وَلِهِ لأحدٍ من رجالهم مع
اشتهارِ أنَّ كلَّ رسولٍ أبٌّ لأمته، ولذا قيل: إنَّ لوطاً عليه السلام عَنَى بقوله:
﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] المؤمناتِ من أمَّته، يُتَوهَّم نفيُ رسالته وَه
بناءً على توهُّم التلازم بين الأبوَّة والرسالة، فاستدرك بإثبات الرسالة تنبيهاً على أنَّ
الأبوَّة المنفيَّةَ شيءٌ والمثبتةَ للرسول شيءٌ آخَرُ.
وأمَّا قوله سبحانه: ﴿وَنَاتَمَ النَّبِيِنِّ﴾ فقد قيل: إنه جيءَ به ليشير إلى كمال
نُصْحِه وشفقته وَّهِ، فيفيد أنَّ أبوَّته عليه الصلاة والسلام للأمة المشار إليها بقوله
تعالى: (وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ) أبوَّةٌ كاملةٌ فوق أبوَّة سائر الرسل عليهم السلام لأممهم،
وذلك لأنَّ الرسول الذي يكون بعده رسولٌ ربما لا يبلُغُ في الشفقة غايتَها وفي
النصيحة نهايتها اتِّكالاً على مَن يأتي بعده، كالوالد الحقيقيِّ إذا علم أنَّ لولده بعده
مَن يقومُ مقامه.
وقيل: إنه جيء به للإشارة إلى امتدادٍ تلك الأبوَّةِ المشارِ إليها بما قبلُ إلى يوم
القيامة، فكأنه قيل: ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكُم بحيث تَثْبُتُ بينه وبينه حرمةُ
المصاهرة، ولكنْ كان أبا كلِّ واحدٍ منكم وأبا أبنائكم وأبناءِ أبنائكم وهكذا إلى يوم
القيامة، بحيث يجب له عليكم وعلى مَن تناسَلَ منكم احترامُه وتوقيرُه، ويجبُ عليه
لكم ولمن تناسَلَ منكم الشفقةُ والنصحُ الكامل.
وقيل: إنه جيءَ به لدفع ما يُتوهّم من قوله تعالى: (مِّن رِّجَالِكُمْ) من أنّهَ وَّلـ
يكون أبا أحدٍ من رجاله الذين ولدوا منه عليه الصلاة والسلام، بأنْ يولَدَ له ذکرٌ
فيعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال، وذلك لأنَّ كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين
يدلُّ على أنه لا يعيش له ولدٌ ذكر حتى يبلغ؛ لأنه لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبيّاً،
فلا يكون هو ﴿ خاتَمَ النبيين، ويرادُ بالأبِ عليه الأبُ الصُّلبُ؛ لئلا يُعترض

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٣٣٨
الآية : ٤٠
بالحسنين ، ودليلُ الشرطية ما رواه إبراهيم السدِّي(١) عن أنس قال: كان
إبراهيم - يعني ابنَ النبيِّ ◌َّ - قد ملأ المهد، ولو بقي لكان نبيّاً، لكن لم يَبْقَ لأنَّ
نبيَّكم آخِرُ الأنبياء عليهم السلام(٢) .
وجاء نحوُه في روايات أُخَرَ؛ أخرج البخاريُّ من طريق محمد بن بشر عن
إسماعيل بن أبي خالد قال: قلتُ لعبد الله بن أبي أَوْفَى: رأيتَ إبراهيم ابنّ
النبيِّ وَّرَ؟ قال: مات صغيراً، ولو قُضي بعد محمد بَّه نبيِّ عاش ابنه إبراهيم،
ولكن لا نبيَّ بعده(٣).
وأخرج أحمد عن وكيع عن إسماعيل: سمعتُ ابن أبي أَوْفَى يقول: لو كان بعد
النبيِّ نبيٌّ ما مات ابنه [إبراهيم] (٤) .
وأخرج ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس: لمَّا مات إبراهيم ابنُ النبيِّ وَّـه
صلَّى عليه وقال: ((إنَّ له مرضعاً في الجنة، ولو عاش لكان صدِّيقاً نبيًّاً، ولو عاش
لأعتقت أخواله من القِبْطِ، وما استُرِقَّ قِبْطيٌّ))(٥) وفي سنده: أبو شيبة إبراهيم بن
عثمان الواسطي، وهو - على ما قال القسطلانيُّ - ضعيفٌ(٦). ومن طريقه أخرجه
ابن منده في ((المعرفة)) وقال: إنه غريب(٧) .
وكأنَّ النوويّ لم يقف على هذا الخبر المرفوع أو نحوِه، أو وقف عليه ولم
يصحَّ عنده، فقال في ((تهذيب الأسماء واللغات)): وأمَّا ما روي عن بعض
(١) كذا ذكر المصنف، وهو سبق قلم منه رحمه الله، والصواب: إسماعيل السدي.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب على هامش الإصابة ١١٦/١، وابن منده كما في فتح
الباري ٥٧٩/١٠، وهو في مسند أحمد (١٢٣٥٨) بلفظ: لو عاش إبراهيم ابن النبي ◌َّر
لكان صدِّيقاً نبيًّا. وينظر الإصابة ١/ ١٥٢، والمقاصد الحسنة ص٣٤٥.
(٣) صحيح البخاري (٦١٩٤).
(٤) مسند أحمد (١٩١٠٩)، وما بين حاصرتين منه.
(٥) سنن ابن ماجه (١٥١١)، وإسناده ضعيف جدّاً - كما سيرد - دون قوله: ((إن له مرضعاً في
◌ُ.
الجنة)) فقد أخرجه البخاري (١٣٨٢) من حديث البراء ـ
(٦) وقال ابن حجر في التقريب: إبراهيم بن عثمان العبسي أبو شيبة الكوفي قاضي واسط،
مشهور بكنيته: متروك الحديث.
(٧) المقاصد الحسنة ص ٣٤٤.

الآية : ٤٠
٣٣٩
سُورَةُ الأَجْزَابِ
المتقدِّمين: لو عاش إبراهيم لكان نبيّاً، فباطلٌ وجسارةٌ على الكلام على المغيَّات،
ومجازفةٌ وهجومٌ على عظيم [من الزلَّات](١).
ومثله ابنُ عبد البر فقد قال في ((التمهيد))(٢): لا أدري ما هذا، فقد وَلَد نوحٌ
عليه السلام غيرَ نبيٍّ، ولو لم يلد النبيُّ إلَّ نبيّاً لكان كلُّ أحدٍ نبيّاً؛ لأنهم من نوح
عليه السلام.
وأنا أقول: لا يُظنُّ بالصحابيِّ الهجوم على الإخبار عن مثل هذا الأمر بالظنّ،
فالظاهر أنه لم يُخبِر إلا عن توقيفٍ من رسول الله وَله، وإذا صحَّ حديثُ ابن
عباس ﴿ المرفوعُ(٣) ارتفعَ الخصامُ، لكن الظاهر أنَّ هذا الأمر في إبراهيم خاصةً
بأنْ يكون قد سَبَقَ في علم الله تعالى أنه لو عاش لجعله جلَّ وعلا نبيّاً، لا لكونه
ابنَ النبيِّ وَّ بل لأمرٍ هو جلَّ شأنُه به أعلم، والله أعلمُ حيث يجعل رسالتَه،
وحينئذٍ يَرِدُ على الشرطية السابقة - أعني قوله: لأنه لو بلغ لكان منصبه أن يكون
نبيًّا - منعٌ ظاهرٌ، والدليلُ الذي سيق فيما سبق لا يثبتُها؛ لمَا أنَّ ظاهره الخصوصُ،
فيجوز أن يبلغ ولدٌ ذَكَرٌ له عليه الصلاة والسلام غيرَ إبراهيم ولا يكون نبيّاً؛ لعدم
أهليته للنبوَّة في عِلْمِ الله تعالى لو عاش.
وقول بعض الأفاضل: ليس مَبْنَى تلك الشرطية على اللزوم العقليِّ والقياس
المنطقيِّ، بل على مقتضَى الحكمة الإلهية، وهي أنَّ الله سبحانه أكرم بعض الرسل
عليهم السلام بجعل أولادهم أنبياءَ كالخليل عليه السلام، ونبيُّنَا وَّرِ أكرمُهم عليه
وأفضلُهم عنده، فلو عاش أولاده اقتضى تشريفُ الله تعالى له وأفضليتُه عنده
ذلك = ليس بشيءٍ؛ لأنَّا نقول: لا يلزم من إكرام الله تعالى بعضَ رسله عليهم
السلام بنبوَّةِ الأولاد، وكونِ نبيِّنَا وَ له أكرمَهم وأفضلَهم، اقتضاءُ التشريف والأفضليةِ
(١) تهذيب الأسماء واللغات ١٠٣/١، وما بين حاصرتين منه، وذكره عن النووي أيضاً الحافظ
ابن حجر في الإصابة ١٥٣/١، وفتح الباري ٥٧٩/١٠، والسخاوي في المقاصد الحسنة
ص ٣٤٤.
(٢) كذا ذكر المصنف، ومثله في الإصابة ١/ ١٥٢، والمقاصد الحسنة ص ٣٤٤، ولم نقف عليه
في التمهيد، وعزاه ابن حجر نفسه في الفتح ٥٧٩/١٠ للاستيعاب، وهو فيه (على هامش
الإصابة) ١/ ١١٧.
(٣) ولم يصحَّ كما سلف قريباً.

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٣٤٠
الآية : ٤٠
نبوَّةً أولاده لو عاشوا وبلغوا، ليقال: إن حكمة كونه عليه الصلاة والسلام خاتم
النبيين لكونها أجلَّ وأعظم مَنعَتْ من أن يعيشوا فينبّؤوا، ألا ترى أنَّ الله تعالى أكرم
بعض الرسل بجعل بعض أقاربهم في حياتهم وبعد مماتهم أنبياءَ مُعِينين لهم
ومؤيِّدين لشريعتهم، غيرَ مخالفين لها في أصلٍ أو فرعٍ، كموسى عليه السلام؟ ونبيُّنا
عليه الصلاة والسلام أكرمُهم وأفضلُهم، ولم يُجعل له ذلك.
فإن قيل: إنه عوِّضَ رَّهِ عنه بأن جَعَلَ جلَّ شأنُه له من أقاربه وأهلٍ بيته علماءَ
أجلاء كأنبياء بني إسرائيل، كعليٍّ كرم الله تعالى وجهه كما يرشد إليه قوله والقول
له ◌ُه: ((أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبيَّ بعدي))(١).
قلنا: فلمَ لا يجوزُ أن يُبقيَ سبحانه له عليه الصلاة والسلام أولاداً ذكوراً بالغين
ويعوِّضَه عن نبوَّتهم التي منعت عنها حكمةُ الخاتمية نحوَ ما عوَّضه عن نبوَّة بعض
أقاربه التي منعت عنها تلك الحكمةُ، وذلك أقربُ لمقتضى التشريف كما لا يخفى.
وقيل: الملازمةُ مستفادةٌ من الآية، لأنه لولاها لم يكن للاستدراك معنًى؛ إذ
(لكنْ)) تتوسّط بين متقابلين، فلابدَّ من منافاة بنوَّتهم له عليه الصلاة والسلام لكونه
خاتم النبيين، وهو إنما يكون باستلزام بنوَّتِهم نبوَّتَهم، ولا يقدحُ فيه قوله تعالى:
(َّسُولَ اللَّهِ) كما يُتوهّم، لأنه لو سلِّم رسالتهم لكانت إما في عصره وَّهِ وهي تُنافي
رسالته، أو بعده وهي تُنافي خاتميته. اهـ.
وفيه أنَّ الملازمة في قوله: ولولا ذلك لم يكن للاستدراك معنًى، ممنوعةٌ،
والدليلُ المذكور لم يثبِتْها؛ لجوازٍ أن يكون معنى الاستدراك ما ذكرناه أولاً، على
أنَّ فیما ذكره بعدُ ما لا يخفى.
وقيل في توجيه الاستدراك: إنه لمَّا كان عدم النسل من الذكور يُفهم منه أنه
لا يبقى حُكْمُهُ وَّ﴿ ولا يدومُ ذِكْرُه، استُدرِكَ بما ذُكر. وهو كما ترى.
وقال بعض المتأخّرين: يجوز أن لا يكون الاستدراكُ بـ ((لكن)) هنا بمعنى رفعٍ
التومُّم الناشىء من أول الكلام، کما في قولك: ما زيدٌ کریم لکنه شجاع، بل
بمعنى أن يَثْبُتَ لِمَا بعدها حكمٌ مخالفٌ لِمَا قبلها، نحو: ما هذا ساكنٌ لكنه
(١) أخرجه البخاري (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص