النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٣٣ ٣٠١ سُوَّةُ الأَجْزَائِ وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أخرج يده من الكساء وأوماً بها إلى السماء وقال: ((اللهم هؤلاء أهلُ بيتي وخاصَّتي، فأذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيراً)) ثلاثَ مرَّات(١). وفي بعضٍ آخَرَ أنه عليه الصلاة والسلام ألقى عليهم كساءً فدكيّاً ثم وضع يده عليهم ثم قال: ((اللهمّ إنَّ هؤلاء أهلُ بيتي - وفي لفظ: آل محمد - فاجْعَلْ صلواتِكَ وبركاتك على آلِ محمدٍ كما جعلتها على آلِ إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ))(٢) . . وجاء في رواية أخرجها الطبرانيُّ عن أمِّ سلمة أنها قالت: فرفعتُ الكساء لأدخل معهم فجذبه وَّر من يدي وقال: ((إنك على خير))(٣). وفي أخرى رواها ابن مردويه عنها أنها قالت: ألستُ من أهل البيت؟ فقال ◌َله: (إنك إلى خيرٍ، إنك من أزواج النبيِّ ◌َليتر) (٤). وفي أخرى(٥) رواها الترمذيُّ وجماعةٌ عن عمر بن أبي سلمة ربيبِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام قال: قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبيَّ الله؟ قال: ((أنتِ على مكانك وإنك على خير))(٦). تحت الکساء، وقولِه عليه الصلاة وأخبارُ إدخاله وَّه عليّاً وفاطمةَ وابنيهما ◌َّ والسلام: ((اللهم هؤلاء أهلُ بيتي)) ودعائه لهم، وعدم إدخال أمِّ سلمة أكثرُ من أن تُحصى، وهي مخصّصةٌ لعموم أهل البيت بأيِّ معنّى كان البيتُ، فالمرادُ بهم مَن شملهم الكساءُ، ولا يدخل فيهم أزواجه وَلاته. = البيهقي ٢/ ١٥٠، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ١٩٨/٥. ووقع في مطبوع سنن الترمذي: هذا حديث حسن، وورد التصحيح عنه في تحفة الأشراف ١٣/ ١٢ . وفي الباب من حديث عائشة عند مسلم (٢٤٢٤). (١) أخرج هذه الرواية أحمد (٢٦٥٠٨) من حديث أم سلمة ر﴿تا. (٢) أخرج هذه الرواية أحمد (٢٦٧٤٦)، والطبراني (٢٦٦٤) و٢٣/ (٧٧٩). (٣) قطعة من الرواية السابقة عند أحمد والطبراني. (٤) الدر المنثور ١٩٨/٥. (٥) في الأصل و(م): وفي آخرها. (٦) سنن الترمذي (٣٢٠٥)، وفيه: ((وأنت على خير)). سُورَةُ الأُخْتَانِ ٣٠٢ الآية : ٣٣ وقد صرَّح بعدم دخولهنَّ من الشيعة عبد الله المشهديُّ، وقال: والمراد من البيت بيتُ النبوّة، ولا شكَّ أن أهل البيت لغةً شاملٌ للأزواج، بل للخدَّام من الإماء اللائي يسكنَّ في البيت أيضاً، وليس المراد هذا المعنى اللغويَّ بهذه السعة بالاتّفاق، فالمراد به آلُ العباء الذين خصَّصهم حديثُ الكساء. وقال أيضاً: إنَّ كون البيوت جمعاً في ((بيوتكنَّ)) وإفراد ((البيت)) في ((أهل البيت)) يدلُّ على أنَّ بيوتهنَّ غيرُ بيت النبيِّ بَّرِ. اهـ، وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وقيل: المراد بالبيت بيتُ السكنى وبيتُ النسب، وأهلُ ذلك أهلُ كلٍّ من البيتين. وقد سمعتَ ما قيل فيه، وفيه الجمعُ بين الحقيقة والمجاز. وقال بعض المحققين: المراد بالبيت بيتُ السُّكْنَى، وأهلُه - على ما يقتضيه سياقُ الآية وسباقُها، والأخبارُ التي لا تحصى كثرةً، ويشهد له العرفُ - مَن له مزيدُ اختصاصٍ به؛ إما بالسُّكْنَى فيه مع القيام بمصالحه، وتدبير شأنه، والاهتمام بأمره، وعدمٍ كون الساكن في معرض التبدُّل والتحوُّلِ بحكم العادة الجارية من بيعٍ وهبةٍ كالأزواج، أو بالسكنى فيه كذلك بدون ملاحظة القيام بالمصالح كالأولاد، أو بقرابةٍ من صاحبه تقضي بحسب العادة بالتردّد إليه والجلوس فيه من غير طلبٍ من صاحبه لذلك، أو بعدم المنع من ذلك كالأولاد(١) الذين لا يسكنونه، وكأولادهم وإن نزلوا، وكالأعمام وأولادِ الأعمام. وعلى هذا یحصلُ الجمع بين الأخبار، وقد سمعتَ بعضها کحديث الكساء، ولا دلالة فيه على الحصر، وكالحديث الحسن أنه وَّه اشتمل على العباس وبَنِيْه بملاءةٍ ثم قال: ((يا ربّ، هذا عمِّي وصنوُ أبي، وهؤلاء أهلُ بيتي، فاستُرْهم من النار کستري إياهم بملاءتي هذه» فأمَّنت أُسْكُفَّةُ البابِ وحوائطُ البيت، فقالت: آمين، ثلاثاً(٢). (١) في (م): فالأولاد، وهو تصحيف. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ (٥٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٨٥)، والبيهقي في الدلائل ٧١/٦ من حديث أبي أسيد الساعدي رظُه. قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن عثمان الوقاصي، وهو ممن سأل عنه عثمانُ الدارمي يحيى بنَ معين فقال: لا أعرفه. اهـ. وفي إسناده أيضاً: مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، ذكره البخاري في الضعفاء وذكر = الآية : ٣٣ ٣٠٣ سُوَّةُ الأَجْزَائِ وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام ضمَّ إلى أهل الكساء عليٍّ وفاطمةً والحسنين ظ ◌ُه بقيةَ بناته وأقاربه وأزواجه(١). وصحَّ عن أمِّ سلمة في بعضٍ آخر أنها قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أما أنا من أهل البيت؟ فقال: ((بلى إن شاء الله تعالى)(٢). وفي بعضٍ آخَر أيضاً أنها قالت له وَّهِ: ألستُ من أهلك؟ قال: ((بلى))، وأنه عليه الصلاة والسلام أدخلها الكساء بعد ما قضى دعاءه لهم (٣). وقد تكرَّر كما أشار إليه المحبُّ الطبريُّ(٤) مِنه ◌َّرَ الجمعُ وقولُ: ((هؤلاء أهلُ بيتي)) والدعاءُ في بيت أمِّ سلمة وبيتٍ فاطمة ﴿يا وغيرهما، وبه جمع بين اختلاف الروايات في هيئة الاجتماع، وما جلَّل ◌َّ به المجتمعين، وما دعا به لهم، وما أجاب به أمَّ سلمة. وعدمُ إدخالها في بعض المرَّات تحت الكساء ليس لأنها ليست من أهل البيت أصلاً، بل لظهورٍ أنها منهم، حيث كانت من الأزواج اللاتي يقتضي سياقُ الآية وسباقُها دخولهنَّ فيهم، بخلافٍ مَن أُدخلوا تحته ظُه، فإنه عليه الصلاة والسلام لو لم يُدْخِلْهم ويَقُلْ ما قال لتوهِّم عدمُ دخولهم في الآية لعدم اقتضاء سياقها وسباقها ذلك. وذكر ابن حجر على تقدير صحة بعض الروايات المختلفة الحملَ على أنَّ النزول كان مرَّتین. وقد أدخل وَّهُ بعضَ مَن لم يكن بينه وبينه قرابةٌ سببيةٌ ولا نسبيةٌ في أهل البيت توسُّعاً وتشبيهاً، كسلمان الفارسيِّ ◌َظُه حيث قال عليه الصلاة والسلام: ((سلمان منَّا أهلَ البيت))(٥)، وجاء في روايةٍ صحيحة أنَّ واثلة قال: وأنا من أهلك = له هذا الحديث، ثم قال: لا يتابع عليه. الميزان ٤٢٥/٣. اهـ. وحسن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٧٠! وأسكفَّة الباب: عتبته العليا أو السفلى. المصباح (الإسكاف). (١) لم نقف على هذه الرواية. (٢) أخرجه البغوي في شرح السنة (٣٩١٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. (٣) أخرجه أحمد (٢٦٥٥٠) وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف. (٤) في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ص٢٢. (٥) أخرجه ابن سعد ٨٢/٤-٨٣، و٣١٨/٧، والطبري ٣٩/١٩-٤٢، والطبراني في الكبير (٦٠٤٠)، والحاكم ٥٩٨/٣، والبيهقي في الدلائل ٤١٨/٣ من حديث عمرو بن عوف المزني ظله. وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: سنده ضعيف. سُورَةُ الآخْزَائِ ٣٠٤ الآية : ٣٣ يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((وأنت من أهلي)) فكان واثلة يقول: إنها لَمِنْ أَرْجی ما أرجو (١). والخبر الدالُّ بظاهره على أنَّ المراد بالبيت البيتُ النَّسَبيُّ، أعني خبر الحكيم الترمذيِّ ومَن معه عن ابن عباس، يجوزُ حملُ البيت فيه على بيت المدر، والحيوانُ ينقسم إلى روميٍّ وزنجيٍّ مثلاً كما ينقسم الإنسان إليهما، على أنَّ في رواته مَن وثَّقَه ابن معينٍ وضعَّفه غيرُه، والجرحُ مقدَّمٌ على التعديل(٢). وما روي عن زيد بن أرقم ظُه من نفي كون أزواجه وَّهِ أهل بيته، وكونِ أهلِ بيته أصلَه وعصبتَه الذين حُرموا الصدقة بعده عليه الصلاة والسلام، فالمرادُ بأهل البيت فيه أهلُ البيت الذين جعلهم رسول الله وَ ل﴿ ثاني الثقلين، لا أهلُ البيت بالمعنى الأعمِّ المراد في الآية، ويشهد لهذا ما في ((صحيح)) مسلم عن يزيد بن حَيَّن قال: انطلقتُ أنا وحُصينُ بنُ سَبْرةَ وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلمَّا جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيراً كثيراً، رأيتَ رسول الله ◌َّز، وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصلَّيتَ خلفه، لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً، حدِّثنا يا زيد بما سمعتَ من رسول الله وَ ل﴿. قال: يا ابن أخي، والله لقد كَبِرَتْ سنِّ وقَدُمَ عهدي ونسیتُ بعضَ الذي كنتُ أعي من رسول الله وَّار، فما حدَّثْتُكم فاقْبَلوا، وما لا، لا تكلِّفونيه. ثم قال: قام رسول الله وَّل﴿ يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدْعَى خمّاً، بين مكة والمدينة، فحَمِدَ الله تعالى وأثنى عليه ووعظ وذكَّر، ثم قال: ((أما بعدُ، ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأجيبَ، وإِنِّي تارٌ فيكم ثقلين: أوَّلُهما كتابُ الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) فحثَّ على كتاب الله ورَّب فيه، ثم قال: ((وأهلُ بيتي أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي)) ثلاثاً. فقال له حصين: ومَن أهلُ بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكنْ أهلُ بيته مَن حُرِمَ الصدقة بعده. قال: ومَن هم؟ قال: هم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ جعفر، وآلُ عباس، .. الحديث(٣). فإنَّ الاستدراك (١) أخرجه ابن حبان (٦٩٧٦). (٢) سلف الحديث قريباً، وذكرنا ثمة قول أبي حاتم: هذا حديث باطل. (٣) صحيح مسلم (٢٤٠٨): (٣٦)، وقد سلف تخريجه قريباً. الآية : ٣٣ ٣٠٥ سُورَةُ الأَجْزَابِ بعد جَعْلِه النساء من أهل بيته ◌َ﴿ ظاهرٌ في أنَّ الغرض بيانُ المراد بأهل البيت في الحديث الذي حدَّث به عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم فيه ثاني الثقلين، فلأهل البيت إطلاقان يدخل في أحدهما النساء ولا يدخلنَ في الآخر، وبهذا يحصل الجمعُ بين هذا الخبر والخبرِ السابق المتضمِّن نفيَه ◌ُه كونَ النساء من أهل البيت. وقال بعضهم: إنَّ ظاهر تعليله نفيَ كونِ النساء من (١) أهل البيت بقوله: وايم الله إنَّ المرأة تكونُ مع الرجل العَصْرَ من الدهر ثم يطلِّقها فترجع إلى أبيها وقومها. يقتضي أن لا يكنَّ من أهل البيت مطلقاً، فلعله أراد بقوله في الخبر السابق: نساؤه من أهل بيته: أَنِساؤُه .. إلخ؟ بهمزة الاستفهام الإنكاري، فيكون بمعنى: ليس نساؤه من أهل بيته، كما في معظم الروايات في غير ((صحيح مسلم))(٢)، ويكون رَُّه ممن يرى أنَّ نساءه عليه الصلاة والسلام لَسْنَ من أهل البيت أصلاً، ولا يلزمُنا أنْ نَدِينَ اللهَ تعالى برأيه، لاسيما وظاهرُ الآية معنا، وكذا العرفُ، وحينئذٍ يجوز أن يكون أهلُ البيت الذين هم أحدُ الثقلين بالمعنى الشامل للأزواج وغيرهنَّ من أصله وعصبته وَّه الذين حُرِموا الصدقة بعده، ولا يضرُّ في ذلك عدمُ استمرار بقاء الأزواج كما استمرَّ بقاءُ الآخرين مع الكتاب كما لا يخفى. اهـ. وأنت تعلم أنَّ ظاهر ما صحَّ من قوله ◌ِّهِ: ((إني تارك فيكم خليفتين - وفي رواية: ثقلين - كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ))(٣) يقتضي أنَّ النساء المطهَّرات غيرُ داخلاتٍ في أهل البيت الذين هم أحدُ الثقلين؛ لأنَّ عترة الرجل كما في ((الصِّحاح)) نسلُه ورَهْظُه الأدنَوْن(٤)، و((أهل بيتي)) في الحديث الظاهرُ أنه بيانٌ له أو بدلٌ منه (١) قوله: من، ليس في (م). (٢) ذكر ذلك النووي في شرح صحيح مسلم ١٥/ ١٨٠، قال: والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: نساؤه لسن من أهل بيته. ولم نقف على رواية بهذا اللفظ، بل قد جاء في بعض الروايات ما يخالفها، وهو قوله: بلى إن نساءه ... ، كما في سنن النسائي الكبرى (٨١١٩)، ومسند عبد بن حميد (٢٦٥)، وصحيح ابن خزيمة (٢٣٨٥)، وسنن البيهقي ١٤٨/٢ . (٣) سلف ٣٦٣/٤ و٣٢١/٧. (٤) الصحاح (عتر). سُوَّةُ الأَجْرَانِ ٣٠٦ الآية : ٣٣ بدلَ كلٍّ من كلٍّ، وعلى التقديرين يكون متَّحداً معه، فحيث لم تدخل النساء في الأول لم تدخل في الثاني. وفي ((النهاية)): أنَّ عترة النبيِّ وَّل بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولادُه وعليٍّ وأولادُه ◌ِّه، وقيل: عترتُه الأقربون والأبعدون منهم(١). اهـ. والذي رجَّحه القرطبيُّ أنهم مَن حرمت عليهم الزكاةُ(٢). وفي كون الأزواج المطهّرات كذلك خلافٌ؛ قال ابن حجر: والقول بتحريم الزكاة عليهنَّ ضعيفٌ وإن حَكَى ابن عبد البرِّ الإجماعَ عليه، فتأمل. ولا يَرِدُ على حَمْلِ أهل البيت في الآية على المعنى الأعمِّ ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبرانيُّ عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله وَله: ((نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ، وفي عليٍّ وفاطمةَ وحسنٍ وحسينٍ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)»(٣)، إذ لا دليلَ فيه على الحصر، والعددُ لا مفهومَ له، ولعل الاقتصارَ على مَن ذُكر صلوات الله تعالى وسلامه عليهم لأنهم أفضلُ مَن دخل في العموم، وهذا على تقدير صحة الحديث، والذي يغلب على ظنِّي أنه غيرُ صحيح(٤)؛ إذ لم أَعْهَدْ نحوَ هذا في الآيات منه ◌َّر في شيء من الأحاديث الصحيحة التي وقفتُ عليها في أسباب النزول. وبتفسير أهلِ البيت بمن له مزيدُ اختصاصٍ به على الوجه الذي سمعتَ يندفعُ ما ذكره المشهدي من شموله للخدَّام والإماء والعبيد الذين يسكنون البيت، فإنهم في معرض التبدُّل والتحوُّل بانتقالهم من ملكٍ إلى ملكٍ بنحو الهبة والبيع، وليس (١) النهاية (عتر). (٢) المفهم لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي ١٢٥/٣-١٢٦، ونقله المصنف عنه بواسطة المناوي في فيض القدير ١٤/٣ . (٣) الدر المنثور ١٩٨/٥، وينظر التعليق الذي بعده. (٤) هو كما قال، وقد روي هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً، فالمرفوع أخرجه البزار (٢٦١١ - كشف)، والطبري ١٠١/١٩-١٠٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٧/٩: فيه بكر بن يحيى بن زبان، وهو ضعيف. اهـ. وفيه أيضاً مندل بن علي وعطية العوفي وهما ضعيفان. والموقوف أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٧٣)، وفي الأوسط (٣٤٥٦) من طريق عطية عن أبي سعيد قوله. وهو ضعيفٌ أيضاً لضعف عطية. الآية : ٣٣ ٣٠٧ سُورَةُ الأَجْزَابِ لهم قيامٌ بمصالحه واهتمامٌ بأمره وتدبيرٌ لشأنه إلا حيث يؤمرون بذلك. ونَظْمُهم في سلك الأزواج، ودعوى أنَّ نسبة الجميع إلى البيت على حدٍّ واحدٍ، مما لا يرتضيه منصفٌ، ولا يقولُ به إلا متعسِّفٌ. وقال بعض المتأخّرين: إنَّ دخولهم في العموم مما لا بأس به عند أهل السنّة؛ لأنَّ الآية عندهم لا تدلُّ على العصمة، ولا حَجْرَ على رحمة الله عز وجل، ولأَجْل عينٍ ألفُ عينٍ تُكْرَمُ. وأمَّا أمرُ الجمع والإفراد فقد سمعت ما يتعلَّق به، والظاهر على هذا القول أن التعبير بضمير جمع المذكَّر في ((عنكم)) للتغليب، وذُكر أنَّ في ((عنكم)) عليه تغليبين: أحدُهما تغليبُ المذكَّر على المؤنَّث، وثانيهما تغليبُ المخاطَب على الغائب؛ إذ غيرُ الأزواج المطهّرات من أهل البيت لم يَجْرِ لهم ذكرٌ فيما قبلُ، ولم يخاطبوا بأمرٍ أو نهي أو غيرهما فيه، وأمرُ التعليل عليه ظاهرٌ وإن لم يكن كظهوره على القول بأنَّ المراد بأهل البيت الأزواجُ المطهّرات فقط. واعتذر المشهديُّ عن وقوع جملة ((إنما يريد الله)) إلخ في البين بأنَّ مثله واقعٌ في القرآن الكريم، فقد قال تعالى شأنه: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا ◌ُلَ﴾ النور: ٥٤]، ثم قال سبحانه بعد تمام الآية: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [النور: ٥٦] فعطف ((أقيموا)) على ((أطيعوا)) مع وقوع الفصل الكثير بينهما. وفيه أنه وقع بعد ((أقيموا الصلاة)) إلخ ((وأطيعوا الرسول))، فلو كان العطف على ما ذَكَر لزم عطفُ ((أطيعوا)) على ((أطيعوا)) وهو كما ترى. سلَّمنا أنْ لا فسادَ في ذلك، إلا أنَّ مثل هذا الفصل ليس في محلٌّ النزاع؛ فإنه فصلٌ بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبيِّ من حيث الإعراب، وهو لا ينافي البلاغةَ، وما نحن فيه على ما ذهبوا إليه فصلٌ بأجنبيٍّ باعتبار موارد الآيات اللاحقة والسابقة، وإنكارُ منافاته للبلاغةِ القرآنيةِ مكابرةٌ لا تَخْفَى. ومما يَضْحكُ منه الصبيان أنه قال بعدُ: إنَّ بين الآيات مغايرةً إنشائيةً وخبريةً؛ لأنَّ آية التطهير جملةٌ ندائية وخبرية، وما قبلها وما بعدها من الأمر والنهي جُمَلٌ إنشائية، وعطفُ الإنشائية على الخبرية لا يجوز، ولعمري إنه أشبهُ كلامٍ من حيث سُوَّةُ الأُخْزَان ٣٠٨ الآية : ٣٣ الغلط بقول بعض عوامٌ الأعجام: خسن وخسين دختران(١) مغاوية ﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ، مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. ثم إن الشيعة استدلَّوا بالآية - بعد قولهم بتخصيص أهل البيت فيها بمن سمعت، وجَعْلِ ((ليذهب)) مفعولاً به لـ ((يريد)»، وتفسيرٍ ((الرجس)) بالذنوب ــ على العصمة، فذهبوا إلى أنَّ عليّاً وفاطمة والحسنين ظَه معصومون من الذنوب عصمتَه بَّ منها . وتعقّبه بعض أجلَّة المتأخِّرين بأنه لو فُرض تعيُّن كلِّ ما ذهبوا إليه لا تسلّم دلالتها على العصمة، بل لها دلالةٌ على عدمها؛ إذ لا يقال في حقِّ مَن هو طاهرٌ: إنِّي أريد أن أطهِّره، ضرورةَ امتناعٍ تحصيل الحاصل، وغايةٌ ما في الباب أنَّ كون أولئك الأشخاص ﴿ محفوظين من الرجس والذنوب بعد تعلَّق الإرادة بإذهاب رِجْسِهِم يَتْبُتُ بالآية، ولكنَّ هذا أيضاً على أصول أهل السنَّة لا على أصول الشيعة؛ لأنَّ وقوع مراده تعالى غيرُ لازم عندهم لإرادته عز وجل مطلقاً. وبالجملة: لو كانت إفادة معنى العصمة مقصودةً لقيل هكذا: إنَّ الله أَذْهَبَ عنكم الرِّجْسَ أهلَ البيت وطهّركم تطهيراً. وأيضاً لو كانت مفيدةً للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لاسيما الحاضرين في غزوة بدرٍ قاطبةً معصومين؛ لقوله تعالى فيهم: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] بل لعل هذا أفيدُ لِمَا فيه من قوله سبحانه: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ، عَلَيَّكُمْ) فإنَّ وقوع هذا الإتمام لا يتصوَّر بدون الحفظ عن المعاصي وشرِّ الشيطان. اهـ. وقرَّر الطبرسيُّ(٢) وجهَ الاستدلال بها على العصمة بأنَّ ((إنما)) لفظةٌ محقِّقةٌ لِمَا أُثبِتَ بعدها نافيةٌ لِمَا لم يُثْبَتْ، فإذا قيل: إنما لك عندي درهم، أفاد أنه ليس للمخاطب عنده سوى درهم، فتفيد الآية تحقَّقَ الإرادة ونفيَ غيرها، والإرادة لا تخلو من أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يَتْبعُها التطهير وإذهابُ الرجس، ولا(٣) يجوزُ أن تكون الإرادةَ المحضةً لأنه سبحانه وتعالى قد أراد من كلِّ (١) دُخْتَر بالفارسية تعني: الابنة أو الآنسة أو البكر. المعجم الذهبي ص٢٥٧. (٢) في مجمع البيان ١٣٩/٢. (٣) في الأصل و(م): لا، والمثبت من مجمع البيان. الآية : ٣٣ ٣٠٩ سُؤَدَّةُ الأَجْزَابِ مكلّفٍ ذلك بالإرادة المحضة، فلا اختصاصَ لها بأهلِ البيت دون سائر المكلَّفين، ولأنَّ هذا القولَ يقتضي المدح والتعظيم لهم بلا ريبٍ، ولا مدحَ في الإرادة المجرّدة، فتعيَّن إرادةُ الإرادة بالمعنى الثاني، وقد علم أنَّ مَن عدا أهل الكساء غيرُ مرادٍ فتختصُّ العصمة بهم. اهـ، وهو كما ترى. على أنه قد ورد في كتب الشيعة ما يدلُّ على عدم عصمة الأمير كرم الله وجهه، وهو أفضلُ مَن ضمَّه الكساءُ بعد رسول الله وَّ ر، ففي ((نهج البلاغة)) أنه كرم الله وجهه قال لأصحابه: لا تكفُّوا عن مقالةٍ بحقٍّ أو مشورةٍ بعدلٍ، فإِنِّي لستُ بفوقَ أنْ أُخْطِئ، ولا آمَنُ من ذلك في فِعْلي، إلا أن يلقي الله تعالى في نفسي ما هو أملك به منِّي. وفيه أيضاً: كان كرَّم الله تعالى وجهه يقول في دعائه: اللهم اغفر لي ما تقرَّبْتُ به إليك وخالفَه قلبي . وقَصْدُ التعليم كما في بعض الأدعية النبوية بعيدٌ، كذا قيل فتدبَّر ولا تغفل. وفسَّر بعض أهل السنَّة الإرادة هاهنا بالمحبة، قالوا: لأنه لو أريدَ بها الإرادةُ التي يتحقَّق عندها الفعل لكان كلٌّ من أهل البيت إلى يوم القيامة محفوظاً من كلِّ ذنبٍ، والمشاهَدُ خلافُه. والتخصيصُ بأهل الكساء وسائرِ الأئمة الاثني عشر كما ذهب إليه الإمامية المدَّعون عصمتَهم مما لا يقومُ عليه دليلٌ عندنا. والمدُ جاء من جهة الاعتناء بشأنهم وإفادتهم محبةَ الله تعالى لهم هذا الأمرَ الجليلَ الشأنِ، ومخاطبته سبحانه إياهم بذلك، وجَعْله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. وقد يستدلُّ على كون الإرادة هاهنا بالمعنى المذكور دون المعنى المشهور الذي يتحقَّقُ عنده الفعل بأنه وَله قال حين أَدخل عليّاً وفاطمة والحسنين ﴿مّ تحت الكساء: ((اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، فأذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً)) فإنه أيُّ حاجةٍ للدعاء لو كان ذلك مراداً بالإرادة بالمعنى المشهور، وهل هو إلا دعاء بحصولِ واجبٍ الحصول؟ واستدلَّ بهذا بعضهم على عدم نزول الآية في حقهم، وإنما أدخلهم وَّق في أهل البيت المذكور في الآية بدعائه الشريف عليه الصلاة والسلام. ولا يخلو جميعُ ما ذکر عن بحث. سُورَةُ الأَجْزَائِ ٣١٠ الآية : ٣٣ والذي يظهرُ لي أن المراد بأهل البيت مَن لهم مزيدُ علاقةٍ بِهِ وَّر، ونسبة قوية قريبة إليه عليه الصلاة والسلام، بحيث لا يَقْبُحُ عُرْفاً اجتماعُهم وسكناهم معه وَّ في بيتٍ واحد، ويدخل في ذلك أزواجُه والأربعةُ أهلُ الكساء، وعليٍّ كرم الله وجهه مع ما لَه من القرابة من رسول الله وَل﴿ قد نشأ في بيته وحِجْرِه عليه الصلاة والسلام فلم يفارقه، وعامله كولده صغيراً وصاهره وآخاه كبيراً، والإرادة على معناها الحقيقيِّ المستتبع للفعل. والآيةُ لا تقومُ دليلاً على عصمة أهل بيته صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلَّم الموجودين حين نزولها وغيرهم، ولا على حِفْظھم من الذنوب على ما يقوله أهل السنَّة، لا لاحتمال أن يكون المرادُ توجيهَ الأمر والنهي أو نحوِه لإذهاب الرجس والتطهيرٍ، بأن يُجعل المفعول به لـ ((يريد)) محذوفاً، ويُجعل ((ليذهب)) و((يطهِّر)) في موضع المفعول له، وإن لم يكن فيه بأسٌ وذهب إليه مَن ذهب، بل لأنَّ المعنى حسبما ينساق إليه الذهنُ ويقتضيه وقوعُ الجملة موقع التعليل للنهي والأمر: نهاكم الله تعالى وأمركم لأنه عز وجل يريد بنَهْيِكم وأَمْرِكم إذهابَ الرجس عنكم وتطهيرَكم، وفي ذلك غايةُ المصلحة لكم، ولا يريد بذلك امتحانكم وتكليفكم بلا منفعةٍ تعود إليكم. وهو على معنى الشرط، أي: يريد بنهيكم وأمركم ليذهب عنكم الرجسَ ويطهِّركم إن انتهيتم وائتمرتُم، ضرورةَ أنَّ أسلوب الآية نحوُ أسلوب قول القائل لجماعةٍ عَلِمَ أنهم إذا شربوا الماء أَذهب عنهم عطشهم لا محالةَ: يريد الله سبحانه بالماء ليُذْهِبَ عنكم العطش، فإنه على معنى: يريد سبحانه بالماء إذهابَ العطش عنكم إن شربتُموه، فيكون المراد إذهابَ العطش بشرط شرب المخاطبين الماء، لا الإذهابَ مطلقاً. فمفادُ التركيب في المثال تحقُّق إذهاب العطش بعد الشرب، وفيما نحن فيه إذهابُ الرجس والتطهيرُ بعد الانتهاء والائتمار؛ لأن المراد الإذهابُ المذكورُ بشرطهما، فهو متحقِّقُ الوقوع بعد تحقُّق الشرط، وتحقُّقه غيرُ معلومٍ إذ هو أمرٌ اختياريٌّ وليس متعلق الإرادة. والمراد بالرجس الذنب، وبإذهابه إزالةُ مباديه بتهذيب النفس، وجَعْلٍ قُواها - كالقوة الشَّهْوانية والقوةِ الغَضبية - بحيث لا ينشأ عنها ما ينشأ من الذنوب كالزنى وقتل النفس التي حرَّم الله تعالى وغيرهما، لا إزالةُ نفسِ الذنب بعد تحقُّقه الآية : ٣٣ ٣١١ سُورَةُ الأَجْزَانَ في الخارج وصدورِهِ من الشخص؛ إذ هو غيرُ معقولٍ إلا على معنى مَحْوِه من صحائف الأعمال وعدم المؤاخذة علیه، وإرادةُ ذلك كما ترى. وكأنَّ مآل الإذهاب التخليةُ، ومآلَ التطهير التحليةُ بالحاء المهملة، والآيةُ متضمِّنةٌ الوعدَ منه عز وجل لأهل بيتٍ نبيِّهِ وَ ﴿ بأنهم إن ينتهوا عما يَنْهَى عنه ويأتمروا بما يأمرهم به يُذهب عنهم لا محالةَ مبادي ما يستهجن، ويحلِّيهم أجلَّ تحليةٍ بما يُستحسن، وفيه إيماءٌ إلى قبول أعمالهم وترتُّبِ الآثار الجميلة عليها قطعاً، ويكون هذا خصوصيةً لهم ومزيَّةً على مَن عَدَاهم، من حيث إن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يُقْطَع لهم بحصول ذلك. ولذا نجد عبَّاد أهل البيت أتمَّ حالاً من سائر العبَّاد المشاركين لهم في العبادة الظاهرة، وأحسنَ أخلاقاً وأزكى نفساً، وإليهم تنتهي سلاسل الطرائق التي مبناها - كما لا يخفى على سالكيها - التخليةُ والتحليةُ اللتان هما جناحان للطيران إلى حظائر القدس والوقوفِ على أوكار الأنس، حتى ذهب قومٌ إلى أنَّ القطب في كلِّ عصرٍ لا يكون إلا منهم، خلافاً للأستاذ أبي العباس المُرْسِي حيث ذهب كما نقل عنه تلميذُه التاج بنُ عطاءِ الله إلى أنه قد يكون من غيرهم. ورأيتُ في مكتوبات الإمام الفاروقيّ الربانيِّ مجدِّدِ الألف الثاني قدِّس سرُّه ما حاصله: أنَّ القُطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين، ثم إنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم، حتى انتهت النوبةُ إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدِّس سرُّه النورانيُّ، فنال مرتبةَ القطبية على سبيل الأصالة، فلما ◌ُرج بروحه القدسية إلى أعلى علِّيين نال مَن نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه، فإذا جاء المهدي ينالُها أصالةً كما نالها غيرُه من الأئمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين(١). اهـ. وهذا ممَّا لا سبيل إلى معرفته والوقوفِ على حقِّيته إلَّا بالكشف، وأنَّى لي به. والذي يغلبُ على ظنِّي أنَّ القطب قد يكون من غيرهم، لكنَّ قطب الأقطاب لا يكون إلا منهم؛ لأنهم أزكى الناسِ أصلاً وأوفرُهم فضلاً، وأنَّ مَن ينالُ هذه (١) ينظر مكتوبات الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي ١٨٤/٣ -١٨٦. سُورَةُ الأَجْزَانِ ٣١٢ الآية : ٣٤ الرتبة منهم لا ينالها إلَّا على سبيل الأصالة دون النيابة والوكالةٍ، وأنا لا أعقلُ النيابة في ذلك المقام، وإن عقلتُ قلت: كلُّ قطبٍ في كلِّ عصرٍ نائبٌ عن نبيِّنا عليه من الله تعالى أفضلُ الصلاة وأكملُ السلام، ولا بِذْعَ في نيابة الأقطاب بعده عنه وَّ* كما نابت عنه الأنبياء قبله، فهو عليه الصلاة والسلام الكاملُ المكمِّل للخليقة، والواسطةُ في الإفاضة عليهم على الحقيقة، وكلُّ مَن تقدَّمه عصراً من الأنبياء وتأخّر عنه من الأقطاب والأولياء نوَّابٌ عنه ومستمدُّون منه، وأقول: إنَّ السيد الشيخ عبد القادر قدِّس سرُّه وغَمَرَنا برُّه قد نال ما نال من القطبية بواسطة جدِّه عليه الصلاة والسلام على أتمٍّ وجهٍ وأكملِ حالٍ، فقد كان ◌َُّه من أجلَّةٍ أهل البيت، حَسَنِيّاً من جهة الأب، حُسينيّاً من جهة الأم، لم يُصِبْه نقصُ لو أنَّ، وعَسى، وليت، ولا ينكِرُ ذلك إلا زنديقٌ، أو رافضيٍّ ينكر صحبةَ الصدِّيق، وأرى أنَّ قوله أفلتْ شموسُ الأوَّلین وشمسُنا أبداً على فلكِ العُلا لا تَغْرُبُ لا يدلُّ على أنَّ مَن ينالُ القطبيةَ بعده من أهل البيت الذين عنصرُهم وعنصرُه واحدٌ نائبٌ عنه ليس له فيضٌ إلا منه، بل غايةُ ما يدلُّ عليه ويومئُ إليه استمرارُ ظهور أمره وانتشارٍ صيته وشهرةٍ طريقته وعموم فيضه لمن استفاض - على الوجه المعروف عند أهله - منه، وذلك مما لا يكاد ينكَر، وأظهرُ من الشمس والقمر. هذا ما عندي في الكلام على الآية الكريمة، المتضمِّنةِ لفضيلةٍ لأهل البيت عظيمة، ويُعلم منه وجهُ التعبير بـ (يريد)) على صيغة المضارع، ووجهُ تقديم إذهاب الرجس على التطهير، ووجهُ دعائه و # لأهل الكساء بإذهاب الرجس، من غير حاجةٍ إلى القول بأنَّ ذلك طلبٌ للدوام كما قيل في قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُوا) ونحوه، ولا يُؤْرَدُ عليه كثيرٌ مما يُؤْرَدُ على غيره، ومع هذا لمسلكِ الذهنِ اتساعٌ، ولا حَجْرَ على فضل الله عز وجل، فلا مانعَ مِن أن يوفِّق أحداً لِمَا هو أحسنُ من هذا وأجلُّ، فتدبّر ذاك والله سبحانه يتولَّى هُداك. ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: اذكُرْنَ للناس بطريقِ العِظَةِ والتذكير. وقيل: أي: تذكَّرْنَ ولا تَنْسَيْنَ ما يُتْلَى في بیوتِكُنّ. الآية : ٣٤ ٣١٣ سُورَةُ الأَجْزَابِ ﴿مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ هي السنَّة على ما أخرج ابن جرير وغيرُه عن قتادة (١)، وفسِّرت بنصائحه وَلَيهِ. وعن عطاءٍ عن ابن عباس أنه كان في المصحف بدل ((الحكمة)): السنَّة؛ حكاه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (٢) في أوائل تفسيره ((مفاتيح الأسرار)). وقال جمع: المراد بالآيات والحكمة القرآن، وهو أوفقُ بقوله سبحانه: (يتلى))، أي: اذكرن ما يتلى من الكتاب الجامع بين كونه آيات الله تعالى البيِّنةَ الدالَّةَ على صدق النبوّة بأوجُهِ شتَّى وكونِه حكمةً منطويةً على فنون العلوم والشرائع. وهذا تذكيرٌ بما أنعم عليهنَّ حيث جَعَلهنَّ أهلَ بيت النبوَّة ومَهْبِط الوحي، وما شاهدن من برحاء الوحي ممَّا يوجبُ قوَّةَ الإيمان والحرصَ على الطاعة، وفيه حثٍّ على الانتهاء والائتمار فيما كلِّفْتَه. وقيل: هذا أمرٌ بتكميل الغير بعد الأمر بما فيه كمالهُنَّ، ويُعلم منه وجهُ توسيطٍ ((إنما يريد)) إلخ في البَيْنِ. والتعرُّضُ للتلاوة في البيوت دون النزول فيها - مع أنها الأنسبُ لكونها مهبط الوحي - لعمومها لجميع الآيات، ووقوعِها في كلِّ البيوت، وتكرُّرِها الموجبِ لتمكُّنهنَّ من الذكر والتذكير، بخلاف النزول. وقيل: إنَّ ذلك لرعاية الحكمة بناءً على أنَّ المراد بها السنَّةُ، فإنها لم تنزل نزولَ القرآن. وتعقّب بأنها لم تُثْلَ أيضاً تلاوته. وعدمُ تعيين التالي لتعمَّ تلاوةَ جبريل وتلاوةَ النبيِّ عليهما الصلاة والسلام وتلاوتَهنَّ وتلاوةَ غيرهنَّ تعليماً وتعلُّماً. (١) تفسير الطبري ١٠٨/١٩. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١٦/٢ بلفظ: القرآن والسنة، وهو كذلك في صحيح البخاري تعليقاً قبل الحديث (٤٧٨٦). (٢) أبو الفتح شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف، ويلقَّب بالأفضل، وكان متهماً بالميل إلى أهل البدع، وقال تاج الدين السبكي: لم أقف في شيء من تصانيفه على ما نسب إليه. من مصنفاته: الملل والنحل، ومفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار، ونهاية الإقدام في علم الكلام، وغيرها، توفي سنة (٥٤٩هـ). سير أعلام النبلاء ٢٨٦/٢٠، ولسان الميزان ٢٦٣/٥، والأعلام ٢١٥/٦ . سُورَةُ الأَجْزَاب ٣١٤ الآية : ٣٥ وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿يَا: (تُتْلَى)) بتاء التأنيث(١). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبيرًا (﴿٤﴾ يعلم ويدبِّر ما يَصْلُح في الدين، ولذلك فَعَلَ ما فَعَلَ من الأمر والنهي، أو يعلم مَن يَصْلُح للنبؤَّة ومَن يستأهل أن يكون من أهل بيته. وقيل: يعلم الحكمة، حيث أنزل كتابه جامعاً بين الوصفين. وجوَّز بعضهم أن يكون اللطيف ناظراً للآيات لدقة إعجازها، والخبير للحكمة لمناسبتها للخبرة. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ أي: الداخلينَ في السلم المنقادين لحكم الله تعالى، أو المفوِّضين أمرَهم الله عزَّ وجل من الذكور والإناث. ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ المصدِّقين بما يجب أن يصدَّق به من الفريقين. ﴿وَالْقَئِنِينَ وَاَلْقَِنَتِ﴾ المداوِمينَ على الطاعات القائمين بها. ﴿وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ﴾ في أقوالهم التي يجب الصدقُ فيها، وقيل: في القول والعمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال: أي: في إيمانهم(٢). ﴿وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ﴾ على المكاره، وعلى العبادات، وعن المعاصي. ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَتِ﴾ المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. وقيل: الذين لا يعرفون مَن عن أيمانهم وشمائلهم إذا كانوا في الصلاة. ﴿وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ﴾ بما يَحْسُنُ التصدُّقُ به من فرضٍ وغيره. ﴿وَالصَِّمِينَ وَالصَِّّمَتِ﴾ الصومَ المشروع فرضاً كان أو نفلاً. وعن عكرمة الاقتصار على صوم رمضان. وقيل: مَن تصدَّق في كلِّ أسبوعٍ بدرهم فهو من المتصدِّقين، ومَن صام البيضَ من كلِّ شهرٍ فهو من الصائمين. ﴿وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاْخَفِظَاتِ﴾ عمَّا لا يَرْضَى به الله تعالى. (١) البحر ٢٣٢/٧. (٢) الدر المنثور ٢٠٠/٥. الآية : ٣٥ ٣١٥ سُورَةُ الأَجْزَابِ ﴿ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ بالألسنة والقلوب، ومدارُ الكثرة العرفُ عند جمع. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابنُ أبي حاتم عن مجاهدٍ قال: لا يُكتب الرجل من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً (١). وأخرج أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه وغيرهم عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ رسول الله وَل﴿ قال: ((إذا أيقظ الرجلُ امرأته من الليل فصلَّيا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات))(٢). وقيل: المراد بذكر الله تعالى ذكرُ آلائه سبحانه ونعمِه، وروي ذلك عن عكرمة، ومآلُ هذا إلى الشكر، وهو خلافُ الظاهر. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بسبب كَسْبِهِم ما ذكر من الصفات ﴿مَّغْفِرَةُ﴾ لِمَا اقترفوا من الصغائر لأنهنَّ مكفَّراتٌ بالأعمال الصالحة كما ورد ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٥) على ما عملوا من الطاعات. والآيةُ وعدٌ للأزواج المطهّرات وغيرهنَّ ممن اتَّصَفَتْ بهذه الصفات؛ أخرج أحمد والنسائيُّ وغيرهما عن أمِّ سلمة ر﴿ّا قالت: قلت للنبيِّ وَّه: ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يَرُعْني منه وَِّ ذات يوم إلا نداءه على المنبر وهو يقول: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ) إلى آخر الآية(٣). وضمير ((ما لنا)) للنساء على العموم، ففي روايةٍ أخرى رواها النسائيُّ وجماعةٌ عنها أيضاً أنها قالت: قلتُ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام: ما لي أسمعُ الرجالَ يُذكرون في القرآن والنساءَ لا يذكرن؟ فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ) الآية (٤). (١) الدر المنثور ٥/ ٢٠٠، وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١٧ . (٢) سنن أبي داود (١٣٠٩) و(١٤٥١)، وسنن النسائي الكبرى (١٣١٢) و(١١٣٤٢)، وسنن ابن ماجه (١٣٣٥). وهو من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة پا. (٣) مسند أحمد (٢٦٥٧٥)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٤١). (٤) سنن النسائي الكبرى (١١٣٤٠). سُورَةُ الأَجْزَاب ٣١٦ الآية : ٣٥ وفي بعض الآثار ما يدلُّ على أنَّ القائل غيرُها؛ أخرج الترمذيُّ وحسَّنه، والطبرانيُّ وعبد بن حميد وآخرون عن أمّ عمارة الأنصارية أنها أتت النبيَّ وَّه فقالت: ما أرى كلَّ شيءٍ إلا للرجال، وما أرى النساء يُذْكَرْنَ بشيءٍ؟ فنزلت هذه الآية: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ) إلخ(١). وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: دخل نساءٌ على نساء النبيِّ ◌َّ فقلن: قد ذَكَر كنَّ الله تعالى في القرآن وما يذكرنا بشيءٍ، أما فينا ما يُذْكَر؟ فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ) الآية(٢). وفي روايةٍ أخرى عنه أنه قال: لمَّا ذُكر أزواج النبيِّ نَّ قال النساء: لو كان فينا خيرٌ لِذُكِرْنا. فأنزل الله تعالى الآية(٣). ولا مانع أن يكون كلُّ ذلك. وعَظْفُ الإناث على الذكور كالمسلمات على المسلمين والمؤمنات على المؤمنين ضروريٌّ؛ لأنَّ تغاير الذَّوات المشترِكة في الحكم يستلزمُ العطفَ ما لم يُقْصَدِ السَّردُ على طريق التعديد. وعطفُ الزوجين أعني مجموعَ كلِّ مذكَّرٍ ومؤنَّثٍ - كعَظْفِ مجموع المؤمنين والمؤمنات على مجموع المسلمين والمسلمات - غيرُ لازم، وإنما ارتُكب هاهنا للدلالة على أنَّ مدار إعدادٍ ما أُعِدَّ لهم جَمْعُهم بين هذه النعوت الجميلة. وذكر الفروج متعلّقاً للحفظ لكونها مركَبَ الشهوة الغالبة، وذكر الاسم الجليل متعلّقاً للذكر لأنه الاسم الأعظم المشعِرُ بجميع الصفات الجليلة، وحذف متعلّق كلٍّ من ((الحافظات)) و((الذاكرات)) لدلالة ما تقدَّم عليه. وجعل الذكر آخر الصفات لعمومه وشرفه ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وتذكيرُ الضمير في ((أعدَّ الله لهم)) لتغليب الذكور على الإناث، وإلا فالظاهرُ: لهم ولهنَّ. ولله تعالى درُّ التنزيل؛ أشار في أول الآية وآخرها إلى أفضلية الذكور على الإناث. (١) سنن الترمذي (٣٢١١)، والمعجم الكبير ٢٥/ (٥١)، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٢٠٠/٥. (٢) تفسير الطبري ١٠٩/١٩-١١٠. (٣) أخرجه ابن سعد ١٩٩/٨ - ٢٠٠. الآية : ٣٦ ٣١٧ سُوَّةُ الأَجْزَابِ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: ما صحَّ وما استقام لرجلٍ ولا امرأةٍ من المؤمنين ﴿إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا﴾ أي: قضى رسولُ الله ◌َّل، وذكر الله تعالى لتعظيم أمره بالإشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلةٍ من الله تعالى بحيث تعدُّ أوامره أوامرَ الله عز وجل، أو للإشعار بأنَّ ما يفعله وَلَه إنما يفعله بأمره لأنه لا ينطق عن الهوى، فالنظم إما من قبيل ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] أو من قبيل ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوءُ﴾ [التوبة: ٦٢]. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه عليه الصلاة والسلام، واختيارَهم تلواً لاختياره. و ((الخيرة)) مصدرٌ من تخيَّر، كالطَّيَرة مصدر من تَطيَّر، ولم يَجِئ على ما قيل مصدرٌ بهذه الزنة غيرُهما. وقيل: هي صفةٌ مشبَّهةٌ، وفسِّرت بالمتخيّر. و((من أمرهم)» متعلِّقٌ بها أو بمحذوفٍ وقع حالاً منها . وجمع الضمير في ((لهم)) رعايةً للمعنى؛ لوقوع ((مؤمن)) و((مؤمنة)) في سياق النفي، والنكرةُ الواقعةُ في سياقه تعمُّ، وكان من حقِّه - على ما في ((الكشاف)) - توحيدُه، كما تقول: ما جاءني من امرأةٍ ولا رجلٍ إلا كان من شأنه كذا(١). وتعقَّبه أبو حيان بأنَّ هذا عطفٌ بالواو، والتوحيدُ في العطف بـ : أو، نحو: مَن جاءك مِن شريفٍ أو وضيعٍ أَكْرِمْه، فلا يجوزُ إفراد الضمير في ذاك إلا بتأويل الحذف(٢). وجمعه في ((أمرهم)) مع أنه للرسول وَّل، أوْ له ولله عز وجل، للتعظيم على ما قيل. وقال بعضُ الأجلَّة: لم يظهر عندي امتناعُ أن يكون عائداً على ما عاد عليه الأول، على أن يكون المعنى: ناشئة من أمرهم، أي: دواعيهم السائقة إلى اختيارٍ خلافٍ ما أمر الله ورسوله وَل﴿، أو يكون المعنى: الاختيار في شيء من أمرهم، أي: أمورهم التي يعنُونها. ويرجَّح عوده على ما ذكر بعدم التفكيك. (١) الكشاف ٣/ ٢٦٢. (٢) أي أن مثل قوله: ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا، لا يجوز إلا على تأويل: ما جاءني من رجل إلا كان من شأنه كذا. البحر ٢٣٤/٧. سُورَةُ الأَجَْائِ ٣١٨ الآية : ٣٦ وردَّ بأنَّ ذاك قليلُ الجدوى، ضرورةَ أنَّ الخيرة ناشئةٌ من دواعيهم أو واقعةٌ في أمورهم، وهو بيِّنٌ مستغنٍ عن البيان، بخلاف ما إذا كان المعنى: بدل أمره الذي قضاه عليه الصلاة والسلام، أو متجاوزين عن أمره، لتأكيده وتقريره للنفي، وهذا هو المانعُ من عوده إلى ما عاد عليه الأول. والحقُّ أنه لا مانعَ من ذلك على أن يكون المعنى: ما كان للمؤمنين أن يكون لهم اختيارٌ في شيءٍ من أمورهم إذا قضى الله ورسوله لهم أمراً، ولا نسلِّم أنَّ ما عُدَّ مانعاً مانعٌ، فتدبر. ولعل الفائدة في العدول عن الظاهر في الضمير الأول على ما قال الطيبي الإيذانُ بأنه كما لا يصحُّ لكلِّ فردٍ فردٍ من المؤمنين أن يكون لهم الخيرةُ، كذلك لا يصحُّ أن يجتمعوا ويتفقوا على كلمةٍ واحدةٍ؛ لأن تأثير الجماعة واتفاقهم أقوى من تأثير الواحد(١). ويستفاد منه فائدةُ الجمع في الضمير الثاني على تقدير عوده على ما عاد عليه الأول، وكذا وجهُ إفراد الأمر إذا أُمْعِنَ النظر. وقرأ الحِرْميَّان والعربيان وأبو عمرو(٢) وأبو جعفر وشيبة والأعرج وعيسى: (تكون)) بتاء التأنيث، والوجهُ ظاهرٌ. ووجهُ القراءة بالياء - وهي قراءةُ الكوفيين والحسن والأعمش والسلميِّ(٣) - أنَّ المرفوع بالفعل مفصولٌ مع كون تأنيثه غيرَ حقيقيّ. وقرئ كما ذكر عيسى بن سليمان: ((الخِيْرةُ)) بسكون الياء(٤). ﴿وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أمرٍ من الأمور، ويعملْ فيه برأيه ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ طريقَ الحقِّ ﴿ضَلَلَا مُّبِينًا ﴾﴾ أي: بَيِّن الانحراف عن سَنَن الصَّواب. والظاهرُ أنَّ هذا في الأمور المقضيّة على ما يُشْعِرُ به السَّوق. (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) ذكر أبي عمرو في هذا الموضع وهمٍّ من المصنف رحمه الله؛ لأن العربيان هما ابن عامر وأبو عمرو، وكذا لم يَرِدْ ذكره في البحر ٧/ ٢٣٣، وعنه نقل المصنف. (٣) التيسير ص ١٧٩، والنشر ٣٤٨/٢ عن الكوفيين، وهم حمزة والكسائي وعاصم وخلف، وبها قرأ هشام أيضاً، والكلام من البحر ٢٣٣/٧-٢٣٤. (٤) القراءات الشاذة ص ١١٩، والبحر ٢٣٣/٧. الآية : ٣٧ ٣١٩ سُوَدَّةُ الأَجْزَائِ والآيةُ على ما روي عن ابن عباس وقتادةً ومجاهدٍ وغيرهم نزلت في زينب بنت جحش من عمته وَ﴿ أميمةَ بنتِ عبد المطلب وأخيها عبد الله، خطبها رسولُ الله ◌َلهول لمولاه زيد بن حارثة، وقال: ((إنِّي أريد أزوِّجَكِ زيد بن حارثة فإِنِّي قد رضيتُه لك)» فأبت وقالت: يا رسول الله، لكنِّي لا أرضاه لنفسي وأنا أيمُ قومي وبنتُ عمَّتك، فلم أكن لأفعل(١). وفي رواية أنها قالت: أنا خيرٌ منه حَسَباً(٢). ووافقها أخوها عبدُ الله على ذلك، فلما نزلت الآية رضيا وسلَّما، فأنكحها رسول الله وَّه زيداً بعد أن جعلت أمرها بيده، وساق إليها عشرةَ دنانير وستين درهماً مهراً، وخماراً وملحفةً ودرعاً وإزاراً، وخمسين مدّاً من طعامٍ، وثلاثين صاعاً من تمر(٣). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد(٤) أنه قال: نزلت في أمّ كلثوم بنت عقبة بنٍ أبي معيط، وكانت أولَ امرأةٍ هاجرت من النساء، فوهبت نفسها للنبيِّ بَّةِ، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت(٥) هي وأخوها وقالت: إنما أرَدْنا رسولَ الله وَالتّ فزوَّجَنا عبده. ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ خطابٌ للنبيِّ ◌َِّ، أي: اذكر وقتَ قولك ﴿لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لحُسْنٍ تربيته وعتقِهِ ومراعاته وتخصيصه بالتبنِّي ومزيدٍ القُرْب. ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعمل بما وفَّقك الله تعالى له من فنون الإحسان، التي من جملتها تحريرُه، وهو زيد بن حارثة ◌ُه، وإیرادُه بالعنوان المذكور كما قال شيخ الإسلام(٦): لبيان منافاة حاله لِمَا صدر عنه عليه الصلاة والسلام من إظهارٍ خلافٍ (١) أخرجه بهذا اللفظ عن ابن عباس ابن مردويه كما في الدر المنثور ٢٠١/٥، وهو في تفسير الطبري ١١٢/١٩-١١٣ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد بنحوه. (٢) أخرج هذه الرواية الطبري ١١٣/١٩ من حديث ابن عباس (٣) الكشاف ٢٦١/٣، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية عن مقاتل بن حيان، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٣٤: لم أقف عليه موصولاً . (٤) كما في الدر المنثور ٢٠١/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ١١٤/١٩، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٥) في الأصل و(م): فحطت، وهو تصحيف، والمثبت من المصادر. (٦) هو أبو السعود في تفسيره ١٠٦/٧ . سُورَةُ الأَجْزَائِ ٣٢٠ الآية : ٣٧ ما في ضميره الشريف؛ إذ هو إنما يقعُ عند الاستحياء أو الاحتشام(١)، څ . وكلاهما مما لا يتصوَّر في حقِّ زيدٍ . وجُوِّز أن يكون بياناً لحكمةِ إخفائه وَّ ما أخفاه؛ لأنَّ مثل ذلك مع مثله مما يَطعنُ به الناس، كما قيل: وأَظْلَمُ خَلْقِ الله مَن بات حاسداً لمن كان في نَعْمائه يتقلَّبُ (٢) ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي: زينب بنت جحش، وذلك أنها كانت ذا حِدَّة، ولا زالت تَفْخَرُ على زيد بشرفها ويسمعُ منها ما يكره، فجاء ◌َُّه يوماً إلى النبيِّ وَّل فقال: يا رسول الله، إنَّ زينب قد اشتدَّ عليَّ لسانُها، وأنا أريد أن أطلِّقها. فقال له عليه الصلاة والسلام: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) ﴿وَأَتَّقِ اللَّهَ﴾(٣) في أمرها، ولا تطلّقها ضراراً وتعلُّلاً بتكبُّرها واشتدادٍ لسانها عليك. وتعديةٌ ((أمسك)) بـ ((على)) لتضمينه معنى الحبس. ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُّبْدِيهِ﴾ عطفٌ على ((تقول))، وجوِّزت الحاليةُ بتقديرِ: وأنت تُخْفي، أو بدونه، كما هو ظاهرُ كلام الزمخشريِّ في مواضعَ من ((كشافه)»(٤). والمراد بالموصول على ما أخرج الحكيم الترمذيُّ وغيره عن عليٍّ بن الحسين ◌ًّا ما أوحى الله تعالى به إليه، أنَّ زينب سيطلِّقها زيدٌ ويتزوَّجُها بعدُ عليه الصلاة والسلام(٥). وإلى هذا ذهب أهلُ التحقيق من المفسِّرين كالزهري، وبكر بن (٦) ، العلاء القشيري (١) في الأصل و(م): والاحتشام، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٣٠٩/١، وسلف ٤٣٦/١ و ٤٧٦/٥. (٣) أخرج نحوه البخاري (٧٤٢٠) من حديث أنس ظه، قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبيِ وَّه يقول: ((اتَّقِ الله وأَمْسِكْ عليك زوجَكَ)). (٤) ينظر الكشاف ٦٣٩/١ و٢٦٣/٣. (٥) نوادر الأصول ص ١٨٩، وأخرجه أيضاً الطبري ١١٦/١٩-١١٧، والبيهقي في الدلائل ٤٦٦/٣. (٦) في الأصل و(م) والبحر ٧/ ٢٣٤ (والكلام منه): والقشيري، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في إكمال المعلم للقاضي عياض ٥٣٢/١، والمفهم لأبي العباس القرطبي ١٧/ ١٥٧، وتفسير القرطبي ١٥٧/١٧. وهو بكر بن محمد بن العلاء، أبو الفضل البصري =