النص المفهرس

صفحات 261-280

الآية : ٢٦
٢٦١
سُوَدَّةُ الأُخْزَابِ
سُوَيْدٍ فقتلته. أخرج ابن إسحاق عن عروة بن الزُّبير عن عائشة قالت: والله إنَّ هذه
الامرأة لَعِنْدي تحدَّثُ معي وتضحك ظهراً وبطناً ورسولُ اللهِ وَلَه يقتل رجالها
بالسيوف، إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قلت لها: ويلك
ما لَكِ؟ قالت: أُقتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدثٍ أحدثْتُه. فانطلق بها فضُرِبَتْ
عنقُها، فكانت عائشة ◌ّا تقول: فواللهِ ما أنسى عجباً منها طِيْبَ نفسِها وكثرةً
ضحكِها وقد عَرَفتْ أنها تقتل(١).
ثم إنَّ رسول الله وَ لا قسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأَعْلَمَ
في ذلك اليوم سُهْمانَ الخيل وسُهْمان الرجال، وأخرج منها الخمس، وكان للفرس
سهمان، وللفارس سهمٌ، وللراجل الذي ليس له فرسٌ سهمٌ، وكانت الخيل في
تلك الغزوة ستةً وثلاثين فرساً، وهو أولُ فيءٍ وقعت فيه السُّهمان وأُخْرِجَ منه
الخمسُ على ما ذكر ابنُ إسحاق(٢).
ثم بعث رسول الله وَ﴿ سعد بنَ زيد الأنصاريَّ أخا بني عبد الأشهل بسبايا من
سبايا القوم - وكانت السبايا كلَّها على ما قيل سبعَ مئةٍ وخمسين - إلى نجدٍ، فابتاع
بها لهم خيلاً وسلاحاً، وكان عليه الصلاة والسلام قد اصطفى لنفسه الكريمة من
نسائهم ريحانةَ بنت عمرو، وكانت في ملكه وَّهِ حتى توفي، وقد كان عليه الصلاة
والسلام عرض عليها أن يتزوَّجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله،
بل تتركُني في ملكك فهو أخفُّ عليَّ وعليك. فتركها وَّر، وكانت حين سباها قد
أبت إلا اليهودية، فعزلها عليه الصلاة والسلام ووَجَد في نفسه لذلك، فبينما هو نَّل
مع أصحابه إذ سمع وَقْعَ نعلين خلفه، فقال: ((إنَّ هذا الثَعْلَبة(٣) بن سَعْية، جاء
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٢، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٦٣٦٤)، وأبو داود (٢٦٧١).
(٢) السيرة النبوية ٢٤٤/٢. قال ابن عبد البر في الدرر ص ١٨٢ (طبعة دار المعارف): وقد تقدم
أن أول ذلك كان في بعث عبد الله بن جحش ه، وتهذيب ذلك أن تكون غنيمة قريظة أول
غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية
[الأنفال: ٤١] وكان عبد الله بن جحش قد خمَّس قبل ذلك في بَعْثِهِ، ثم نزل القرآن بمثل
◌ُ.
ما فعله، وکان ذلك من فضائله
(٣) في الأصل و(م): لنعلا، والمثبت من المصادر. ينظر السيرة ٢٤٥/٢، وتاريخ الطبري
٥٩٢/٢، والاكتفاء ١٨٦/٢.

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٢٦٢
الآية : ٢٧
يبشرني بإسلام ريحانة)) فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة. فسرَّه ذلك
من أمرها .
وكان الفتحُ على ما في ((البحر)) في آخر ذي القعدة(١)، وهذه الغزوةُ وغزوةٌ
الخندق كانتا في سنةٍ واحدةٍ كما يدلُّ عليه ما ذكرناه أولَ القصة، وهو الصحیحُ
خلافاً لمن قال: إنَّ كلَّ منهما في سنة.
ولمَّا انقضى شأنُ بني قريظة انفجر لسعدٍ تَظُه جرحُه فمات شهيداً، وقد
استبشرت الملائكة عليهم السلام بروحه، واهتزَّ له العرش، وفي ذلك يقول رجلٌ
من الأنصار:
وما اهتزّ عرشُ الله من موتِ هالكِ
سمعنا به إلا لسعدٍ أبي عمرو (٢)
واستُشهد يوم بني قريظةً على ما روي عن ابن إسحاق من المسلمين من بني
الحارثِ بن الخزرج خلَّاد بنُ سويد بن ثعلبة بن عمرو، طُرِحَتْ عليه رحّی
فشدَخَتْه شَدْخاً شديداً، وذكروا أنَّ رسول اللهِ وَّهِ قال: ((إنَّ له لأَجْرَ شهيدين)).
ومات أبو سنان بن مِحْصَن بن حُرْثان أخو بني أسد بن خزيمة ورسولُ الله عليه
الصلاة والسلام محاصرٌ بني قريظةً، فدفن في مقبرتهم التي يدفنون فيها اليوم،
وإليه دفنوا موتاهم في الإسلام(٣). وتمام الكلام فيما وقع في هذه الغزوة في
كتب السير.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَنَّكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ عطفٌ على قوله سبحانه وتعالى:
(وَأَنَزَلَ) إلخ، والمراد بأرضهم مزارعُهم، وقدِّمت لكثرة المنفعة بها من النخل
والزروع.
وفي قوله عز وجل: (وَأَوْرَثَكُمْ) إشعارٌ بأنه انتقل إليهم ذلك بعد موت أولئك
المقتولين، وأنَّ ملكهم إياه ملكٌ قويٌّ ليس بعقدٍ يقبل الفسخَ أو الإقالة.
(١) البحر ٢٢٥/٧.
(٢) السيرة النبوية ٢٥٢/٢، وحديث اهتزاز العرش لموت سعد الله أخرجه البخاري (٣٨٠٣)،
ومسلم (٢٤٦٦) عن جابر
(٣) السيرة النبوية ٢٥٤/٢.

الآية : ٢٧
٢٦٣
سُوَّةُ الأَجْزَارَ
﴿وَدِيَرَهُمْ﴾ أي: حصونَهم ﴿وَأَمْوَلَمُمْ﴾ نقودَهم ومواشِيَهم وأثاثَهم التي اشتملت
عليها أرضُهم وديارُهم. أخرج ابن أبي شيبة وابنُ جرير وابنُ المنذر وابن أبي حاتم عن
قتادة من خبرٍ طويل أنَّ سعداً رَُّه حَكّمَ كما حَكَّمَ بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم بأنَّ
أعقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقال قومه: أتؤثِرُ المهاجرين بالأعقار علينا؟!
فقال: إنكم ذوو أعقارٍ وإنَّ المهاجرين لا أعقارَ لهم. وأمضى رسول الله لَِّ حُكْمَهُ(١).
وفي ((الكشاف)): روي أنَّ رسول الله وَل﴾ جعل عقارهم للمهاجرين دون
الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنكم في منازلكم)).
وقال عمر ظه: أمَا تخمِّسُ كما خمَّستَ يوم بدر؟ قال: ((لا، إنما جُعلت هذه لي
طعمةً دون الناس)) قال: رضينا بما صنع الله تعالى ورسوله وكليٍ(٢).
وذكر الجلال السيوطيُّ أنَّ الخبر رواه الواقديُّ من روايةِ خارجةً بن زيدٍ عن أمِّ
العلاء قالت: لمَّا غَنِمَ رسول الله وَّهِ بني النضير جعل ... الحديثَ. ومن طريق
المسور بن رفاعة قال: فقال عمر: يا رسول الله، ألا تخمِّس ما أصيب من بني
النضير؟ الحديثَ(٣). اهـ، وعليه لا يَحْسنُ من الزمخشريِّ ذِكْرُه هاهنا مع أنَّ الآيات
عنده في شأن بني قريظة. وسيأتي الكلام فيما وقع لبني النضير في تفسير سورة
الحشر إن شاء الله تعالى.
﴿وَأَزًْا لَّمْ تَطَثُوهَا﴾ قال مقاتل ويزيد بن رومان وابن زيد: هي خيبر فُتحت بعد
بني قريظة. وقال قتادةُ: كان يُتحدَّث أنها مكة. وقال الحسن: هي أرض الروم
وفارس. وقيل: الیمن.
وقال عكرمة: هي ما ظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة. واختاره في
((البحر))(٤). وقال عروة: لا أحسبها إلا كلَّ أرضٍ فتحها الله تعالى على المسلمين،
أو هو عزَّ وجل فاتحُها إلى يوم القيامة.
(١) تفسير الطبري ٧٢/١٩، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر
١٩٣/٥.
(٢) الكشاف ٢٥٧/٣-٢٥٨.
(٣) الخبران في مغازي الواقدي ٣٧٧/١-٣٧٩.
(٤) ٢٢٥/٧.

سُوَرَةُ الأَجْزَاءُ
٢٦٤
الآية : ٢٨
والظاهر أن العطف على ((أرضهم)). واستشكل بأنَّ الإرث ماضٍ حقيقةً بالنسبة
إلى المعطوف عليه، ومَجازاً بالنسبة إلى هذا المعطوف.
وأجيب بأنه يُراد بـ ((أورثكم)): أورثكم في علمه وتقديره، وذلك متحقِّقٌ فيما وقع
من الإرث كإرث أرضهم(١) وديارهم وأموالهم، وفيما لم يقع بعدُ كإرْثٍ ما لم يكن
مفتوحاً وقت نزول الآية.
وقدَّر بعضهم أورثكم في جانب المعطوف مراداً به: يُؤْرِثُكم، إلا أنه عبَّر
بالماضي لتحقُّقِ الوقوع، والدليلُ المذكورُ(٢)، واستُبعد دلالةُ المذكورِ عليه
لتخالُفِهما حقيقةً ومجازاً. وقيل: الدليل ما بَعْدُ من قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ) إلخ.
ثم إذا جُعلت الأرض شاملةً لِمَا فُتح على أيدي الحاضرين ولِمَا فُتح على أيدي
غيرهم ممن جاء بعدهم لا يَخُصُّ الخطاب الحاضرين كما لا يخفى.
ومن بِدَع التفاسير أنه أريدَ بهذه الأرض نساؤهم، وعليه لا يُتوهّم إشكالٌ في
العطف.
وقرأ زيد بن عليٍّ ◌ًَّا: (لم تطُوها)) بحذف الهمزة، أبدل همزةَ تطأ ألفاً(٣)،
على حدٍّ قوله:
إنَّ السباع لتَهْدَا في مرابضها والناسُ لا يُهْتَدَى من شرِّهم أبداً (٤)
فالتقت ساكنة مع الواو فحذفت كقولك: لم تَرَوْها .
﴿وَكَنَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا (٣)﴾ فهو سبحانه قادرٌ على أن يملِّككم ما شاء.
﴿يَأَيُّا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي: السعةَ والتنثُمَ فيها
﴿وَزِينَتَهَا﴾ أي: زخرفها، وهو تخصيصٌ بعد تعميمٍ ﴿فَعَالَّيْنَ﴾ أي: أَقِلْنَ
(١) في (م): كأرضهم، بدل: كارث أرضهم.
(٢) أي: الدليل على هذا التقدير هو المذكور من قوله: ((وأورثكم أرضهم ... )).
(٣) البحر ٢٢٥/٧.
(٤) البيت لإبراهيم ابن هرمة، وهو في ديوانه ص ٩٧، والبحر ٧/ ٢٢٥، والكلام منه، ورواية
الدیوان :
إن السباع لتهذا عن فرائسها والناسُ ليس بهادٍ شرُّهم أبداً

الآية : ٢٨
٢٦٥
سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ
بإرادتِكُنَّ واختيارِكُنَّ لإحدى الخصلتين، كما يقال: أَقبلَ يخاصمني، وذهب
یکلِّمني، وقام يهددني.
وأصل ((تعال)) أمرٌ بالصعود لمكانٍ عال، ثم غلب في الأمر بالمجيء مطلقاً
والمراد به هاهنا ما سمعتَ.
وقال الراغب: قال بعضهم: إنَّ أصله من العلوِّ، وهو ارتفاعُ المنزلة، فكأنه
دعاءٌ إلى ما فيه رفعةٌ، كقولك: افعل كذا غيرَ صاغرٍ، تشريفاً للمقول له(١). وهذا
المعنی غیرُ مرادٍ هنا كما لا يخفى.
﴿أُمَتِّمَكُنَّ﴾ أي: أُعْطِكُنَّ متعةَ الطلاق. والمتعةُ للمطلَّقة التي لم يدخل بها ولم
يفرض لها في العقد واجبةٌ عند الإمام أبي حنيفة ظُه وأصحابِهِ، ولسائر المطلَّقات
مستحبّةٌ.
وعن الزهريِّ: متعتان؛ إحداهما يقضي بها السلطان، ويُجبَر عليها مَن طلَّق قبل
أن يفرض ويدخل بها، والثانيةُ حقٌّ على المتقين مَن طلَّق بعد ما فرض ودخل.
وخاصمت امرأةٌ إلى شُريح في المتعة فقال: متِّعها إن كنتَ من المتقين. ولم
يجبره.
وعن سعيد بن جبير: المتعةُ حقٌّ مفروضٌ. وعن الحسن: لكلِّ مطلَّقةٍ متعةٌ
إلا المختلعة والملاعنة.
والمتعةُ درٌ وخمارٌ وملحفةٌ، على حَسَبِ السعة والإقتار، إلا أن يكون نصفُ
مهرها أقلّ من ذلك، فيجب لها الأقلُّ منهما، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأنَّ
أقلَّ المهر عشرةُ دراهم فلا ينقصُ من نصفها، كذا في ((الكشاف))(٢)، وتمامُ الكلام
في الفروع.
والفعل مجزومٌ على أنه جوابُ الأمر، وكذا قولُه تعالى: ﴿وَأُسَرِّعْكُنَّ﴾، وجوِّز
أن يكون الجزمُ على أنه جوابُ الشرط، ويكون ((فتعالین)) اعتراضاً بين الشرط
وجزائه، والجملةُ الاعتراضيةُ قد تقترنُ بالفاء كما في قوله:
(١) مفردات الراغب (علا).
(٢) ٢٥٨/٣.

سُورَةُ الأَجْزَاءِ
٢٦٦
الآية : ٢٨
واعلم فعلم المرء ينفعه أنْ سوف يأتي كلُّ ما قُدرا(١)
وقرأ حميد الخزاز: (أمتّعُكن وأسرِّحُكن)) بالرفع على الاستئناف(٢)، وزید بن
عليَّ ◌َ﴿هَا: (أُمْتِعْكُنَّ)) بالتخفيف من أَمْتَعَ (٣).
والتسريح في الأصل مطلَقُ الإرسال، ثم كُني به عن الطلاق، أي: وأطلِّفْكُنَّ.
﴿َسَرَاءً﴾ أي: طلاقاً ﴿َجِيلًا ﴾﴾﴾ أي: ذا حُسْنٍ كثيرٍ، بأن يكون سنّاً لا ضرارَ
فيه كما في الطلاق البدعيِّ المعروف عند الفقهاء. وفي ((مجمع البيان)) تفسير
السراح الجميل بالطلاق الخالي عن الخصومة والمشاجرة (٤).
وكان الظاهر تأخير التمتيع عن التسريح؛ لِمَا أنه مسبَّبٌ عنه، إلا أنه قدِّم عليه
إيناساً لهنَّ وقطعاً لمعاذيرهنَّ من أول الأمر، وهو نظيرُ قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ
لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) من وجهٍ، ولأنه مناسبٌ لِمَا قبله من الدنيا .
وجوِّز أن يكون في محلِّه بناءً على أنَّ إرادة الدنيا بمنزلةِ الطلاق، والسراحُ
الإخراج من البيوت، فكأنه قيل: إنْ أردتُنَّ الدنيا وطلقتنَّ فتعالين أُعْطِكنَّ المتعة
وأُخْرِ جْكُنَّ من البيوت إخراجاً جميلاً بلا مشاجرةٍ ولا إيذاء. ولا يَخْفَى بُعْدُه.
وسبب نزول الآية على ما قيل: أنَّ أزواجه عليه الصلاة والسلام سألنه ثيابَ
الزينة وزيادة النفقة؛ وأخرج أحمد ومسلم والنسائيُّ وابن مردويه من طريق أبي الزبير
عن جابر قال: أقبل أبو بكر ﴿ه [يستأذن على رسول الله،﴿ ﴿و] والناسُ ببابه
جلوسٌ، والنبيُّوَ﴿ جالسٌ فلم يؤذن له، ثم أُذن لأبي بكر وعمر
فدخلا والنبيُّ ◌ََّ جالسٌ وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلِّمنَّ
رسول الله وَلي لعله يضحك. فقال: يا رسول الله، لو رأيتَ ابنةَ زيد - يعني
امرأتَه ◌َبه - سألتني النفقة آنفاً فوَجَأْتُ عنقها. فضحك النبيُّ ◌َّ حتى بدا ناجذُه
وقال: ((هنَّ حَوْلي يسألنني النفقة)) فقام أبو بكر رُه إلى عائشة ليضربها، وقام
(١) البحر ٢٢٧/٧، وسلف ٤٢٨/١ و٨٣/٤ و٤٤٥/٩، وغيرها.
(٢) القراءات الشاذة ص١١٩، والبحر ٢٢٧/٧.
(٣) البحر ٢٢٧/٧-٢٢٨.
(٤) مجمع البيان ١٣٢/٢١.

الآية : ٢٨
٢٦٧
سُوَّةُ الأَجْزَانِ
عمر ره إلى حفصةً، كلاهما يقولان: تسألان النبيَّ ◌َّ﴿ ما ليس عنده؟
فنهاهما رسول الله وَّله، فقلنَ نساؤه: والله لا نسأل رسول اللهالرح له بعد هذا المجلس
ما ليس عنده. وأنزل الله تعالى الخيار، فبدأ بعائشة فقال عليه الصلاة والسلام:
(إني ذاكرٌ لك أمراً ما أحبُّ أنْ تَعْجَلي فيه حتى تستأمري أبويك)) قالت: ما هو؟
فتلا عليها: (يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَِكَ) الآيةَ، قالت عائشة: أفيك أستأمر أبويَّ؟ بل
أختارُ الله تعالى ورسولَه وَلِهِ، وأسألُك أن لا تذكر لامرأةٍ من نسائك ما اخترتُ.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله تعالى لم يبعثني متعنِّتاً ولكنْ بعثني معلِّماً
مبشِّراً، لا تسألُني امرأةٌ منهنَّ عما أخبرتِني إلَّا أخبرتُها))(١).
وفي خبرٍ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن: أنه لمَّا نزلت
آيةُ التخيير كان تحته عليه الصلاة والسلام تسعُ نسوةٍ؛ خمسٌ من قريش:
عائشةُ، وحفصةُ، وأُّ حبيبة بنتُ أبي سفيان، وسودةُ بنتُ زَمْعةً، وأُّ سلمةَ بنتُ
أبي أمية، وكان تحته صفيةُ بنتُ حيي الخيبريةُ، وميمونةُ بنتُ الحارث الهلالية،
وزينبُ بنتُ جحش الأسدية، وجويريةُ بنتُ الحارث من بني المصطلق، وبدأ
بعائشةَ فلمَّا اختارت الله تعالى ورسولَهِ وَل﴿ والدار الآخرة رُنيَ الفرحُ في وجه
رسول الله وَل﴿، فتتابَعْنَ كلُّهنَّ على ذلك، فلمَّا خيَّرهنَّ واخْتَرْنَ الله عز وجل
ورسولَه عليه الصلاة والسلام والدارَ الآخرة، شكرهنَّ الله جل شأنه على ذلك
إذا قال سبحانه: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ
أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فقَصَره الله تعالى عليهنَّ، وهن التسعُ اللاتي
اخْتَرْنَ الله عز وجل ورسولَه ◌َلِ(٢).
وأخرج ابن سعد عن عمرو بن شعيب(٣) عن أبيه عن جدِّه أنه بَّهُ خيّر نساءه
فاخْتَرْنَ جميعاً الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، غيرَ العامرية اختارت قومها
(١) مسند أحمد (١٤٥١٥)، وصحيح مسلم (١٤٧٨)، وسنن النسائي الكبرى (٩١٦٤)، وعزاه
لابن مردويه السيوطي في الدر ١٩٤/٥، وما سلف بين حاصرتين من المصادر.
(٢) تفسير الطبري ٨٦/١٩-٨٧، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٩٥/٥، وعنه نقل
المصنف.
(٣) في الأصل و(م) والدر المنثور ١٩٥/٥ (والكلام منه): سعيد، وهو تصحيف، والمثبت من
طبقات ابن سعد، وهو الصواب.

سُؤَةُ الأُخْزَاب
٢٦٨
الآية : ٢٨
فكانَت بعدُ تقول: أنا الشقيَّةُ، وكانت تلقط البعرَ وتبيعُه، وتستأذنُ على أزواج
النبيِّي وَله فتقول: أنا الشقيَّةَ(١).
وأخرج أيضاً عن ابن منَّاح قال: اخْتَرْنَه جميعاً غيرَ العامرية، كانت ذاهبةً العقل
حتی ماتت(٢).
وجاء في بعض الروايات عن ابن جبير: غيرَ الحميرية(٣). وهي العامرية.
وكان هذا التخييرُ كما رُوي عن عائشةً وأبي جعفر بعد أن هجرهنَّ عليه الصلاة
والسلام شهراً تسعةً وعشرين يوماً (٤).
وفي (البحر)): أنه لمَّا نصر الله تعالى نبيَّه بَ له، وردَّ عنه الأحزاب، وفتح عليه
النضير وقريظةً، ظنَّ أزواجُه عليه الصلاة والسلام أنه اختُصَّ بنفائس اليهود
وذخائرهم، فقعَدْنَ حوله وقلنَ: يا رسول الله، بناتُ كسرى وقيصر في الحليِّ
والحلل، والإماء والخَوَل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وأَلَمْنَ قلبه
الشريف عليه الصلاة والسلام بمطالبتهنَّ له بتَوْسِعةِ الحال، وأن يعاملهنَّ بما تعامِلُ
به الملوك وأبناءُ الدنيا أزواجَهم، فأمره الله تعالى بأن يتلو علیھنَّ ما نزل في
أمرهنَّ(٥). وما أحسن موقعَ هذه الآيات على هذا بعد انتهاء قصة الأحزاب وبني
قريظة كما لا يخفى.
(١) طبقات ابن سعد ١٩١/٨، وفي إسناده الواقدي، وهو متروك. وقد ذكر ابن عبد البر في
الاستيعاب ٨٨/١-٨٩ أزواج النبي وَطير، فذكر التسع اللواتي وردن في خبر قتادة والحسن
مع خديجة وزينب بنت خزيمة بن الحارث، ثم قال: فهؤلاء أزواجه اللاتي لم يختلف
فيهن، وهن إحدى عشرة امرأة، وأما اللواتي اختلف فيهن، ممن ابتنى بها وفارقها، أو عقد
عليها ولم يدخل بها، أو خطبها ولم يتم له العقد منها، فقد اختلف فيهن وفي أسباب
فراقهن اختلافاً كثيراً يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدةٍ منهن.
(٢) طبقات ابن سعد ١٩١/٨، وفي إسناده أيضاً الواقدي. ووقع في الأصل و(م): جناح،
بدل: مناح، والمثبت من الطبقات، وهو الصواب، واسمه: عمران بن منَّاح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ١٩٥/٥ .
(٤) أخرجه عن أبي جعفر ابن سعد في الطبقات ١٩١/٨، وعن عائشة أخرجه ابن المنذر وابن
أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ١٩٥/٥ .
(٥) البحر ٢٢٧/٧.

الآية : ٢٩
٢٦٩
سُؤَدَّةُ الأَجْزَاءُ
ويفهم من كلام الإمام أنها متعلِّقةٌ بأول السورة، وذلك أنَّ مكارم الأخلاق
منحصرةٌ في شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خَلْقِه عز وجل، فبدأ
سبحانه بإرشاد حبيبه عليه الصلاة والسلام إلى ما يتعلَّق بجانب التعظيم له تعالى،
فقال سبحانه: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ) إلخ، ثم أرشده سبحانه إلى ما يتعلّق بجانب
الشفقة، وبدأ بالزوجات لأنهنَّ أولى الناسِ بذلك(١).
وقدَّم سبحانه الشرطيةَ المذكورة على قوله تعالى: ﴿وَإِن كُتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ إلخ؛ لأنَّ سبب النزول ما سمعتَ.
وقال الإمام: إنَّ التقديم إشارةٌ إلى أنَّ النبيَّ وَّهَ غيرُ ملتفتٍ إلى الدنيا ولذَّاتها
غايةَ الالتفات، وذَكَر أنَّ في وصف السراح بالجميل إشارةً إلى ذلك أيضاً (٢).
ومعنى ((إنْ كنتنَّ تُرِدْنَ الله ورسوله)»: إن كنتنَّ تُرِدْنَ رسول الله، وإنما ذكر الله
عز وجل للإيذان بجلالة محلّه عليه الصلاة والسلام عنده تعالى. ﴿وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾
أي: نعيمَها الباقي الذي لا قَدْرَ عنده للدنيا وما فيها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ﴾ أي: هيَّأ ويسَّر
﴿لِلْمُحْسِتَتِ مِنْكُنَّ﴾ بمقابلةِ إحسانهنَّ ﴿أَجْرًا﴾ لا تُحْصَى كثرتُه ﴿عَظِيمًا ﴾﴾
لا تُسْتَقْصَى عظمتُه. و((من)) للتبيين لأنَّ كلَّهنَّ كنَّ محسناتٍ. وقيل: ويجوز فيه
التبعيض على أنَّ المحسنات: المختاراتُ الله ورسولِهِ وَّه، واختيارُ الجميع لم يُعلم
وقت النزول. وهو - على ما قال الخفاجيُّ عليه الرحمة - بعيد(٣).
وجوابُ ((إنْ)) في الظاهر ما قُرِنَ بالفاء، إلا أنه قيل: الماضي فيه بمعنى
المضارع الدالِّ على الاستقبال، والتعبيرُ به دونه لتحقُّق الوقوع. وقيل: الجوابُ
محذوفٌ، نحو: تُثَبْنَ، أو: تَتَلْنَ خيراً، وما ذكر دليلُه.
وتجريدُ الشرطية الأولى عن الوعيد للمبالغة في تحقيق معنى التخيير،
والاحترازِ عن شائبة الإكراه. قيل: وهو السُّ في تقديم التمتيع على التسريح،
ووصفٍ التسريح بالجميل.
(١) تفسير الرازي ٢٠٥/٢٥.
(٢) تفسير الرازي ٢٠٦/٢٥.
(٣) حاشية الشهاب ١٦٩/٧.

سُورَةُ الأَجْزَائِ
٢٧٠
الآية : ٢٩
هذا واختُلف فيما وقع من التخيير: هل كان تفويضَ الطلاق إليهنَّ حتى يقع
الطلاق بنفس الاختيار، أو لا؟ فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم على ما في
((إرشاد العقل السليم)) - وهو الظاهر - إلى أنه لم يكن تفويضَ الطلاق، وإنما كان
تخييراً لهنَّ بين الإرادتين، على أنهنَّ إن أردنَ الدنيا فارقهنَّ النبيُّ ◌َّز، كما ينبئ عنه
قوله تعالى: (فَتَعَالَيْنَ أُمَيِّعَكُنَّ وَأُسَرِّخْكُنَّ)، وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضاً
للطلاق إليهنَّ، حتى لو أنهنَّ اخترنَ أنفسهنَّ كان ذلك طلاقاً(١).
وكذا اختلف في حكم التخيير، بأن يقول الرجل لزوجته: اختاري. فتقول:
اخترتُ نفسي. أو: اختاري نفسك. فتقول: اخترتُ. فعن زيد بن ثابت أنه يقع
الطلاقُ الثلاث، وبه أخذ مالكٌ في المدخول بها، وفي غيرها يُقبل من الزوج
دعوى الواحدة. وعن عمر وابن عباس وابن مسعود أنه يقع واحدةً رجعيةً، وهو
قولُ عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان، وبه أخذ الشافعيُّ وأحمد.
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه يقع واحدةً بائنة، ورَوَى ذلك الترمذيُّ عن
ابن مسعود، وأيضاً عن عمر ﴾(٢)، وبذلك أخذ أبو حنيفة عليه الرحمة. فإن
اختارت زوجَها فعن زيد بن ثابت أنه تقع طلقة واحدة، وعن عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه روايتان: إحداهما أنه تقع واحدةٌ رجعيةٌ، والأخرى: أنه لا يقع شيءٌ أصلاً،
وعليه فقهاءُ الأمصار(٣).
وذكر الطبرسيُّ أنَّ المرويَّ عن أئمّة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم
أجمعين اختصاصُ التخيير بالنبيِّ نَّهِ، وأمَّا غيره عليه الصلاة والسلام فلا يصحُّ له
ذلك(٤).
(١) تفسير أبي السعود ١٠١/٧ .
(٢) سنن الترمذي إثر الحديث (١١٧٩).
(٣) أخرج الرواية الأولى عن علي طه عبد الرزاق (١١٩٧٤) و(١١٩٧٧)، وابن أبي شيبة ٥٩/٥،
والبيهقي ٣٤٥/٧-٣٤٦. وينظر تفصيل هذه المسألة في الإشراف لابن المنذر ١٧٨/٤ -١٧٩،
ومعالم السنن للخطابي ٢٤٦/٣-٢٤٧، والاستذكار لابن عبد البر ١٦٤/١٧ -١٦٦،
والمفهم لأبي العباس القرطبي ٢٥٧/٤-٢٥٨، وأحكام القرآن لابن العربي ١٥١٨/٣،
وتفسير القرطبي ١٢٩/١٧-١٣١، وتفسير أبي السعود ٧/ ١٠١.
(٤) مجمع البيان ٢١/ ١٣٣.

الآية : ٢٩
٢٧١
سُؤَّةُ الأَخْتَانِ
واختلف في مدة ملك الزوجة الاختيار إذا قال لها الزوج ذلك، فقيل: تملكه
ما دامت في المجلس. وروي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود طه(١)، وبه قال
جابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وعطاءٌ ومجاهدٌ والشعبيُّ والنخعيُّ ومالك
وسفيان والأوزاعيُّ وأبو حنيفة والشافعيُّ وأبو ثور.
وقيل: تملكُه في المجلس وفي غيره. وهو قول الزهريِّ وقتادةً وأبي عبيد(٢)
وابن نصر (٣)، وحكاه صاحب ((المغني)) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(٤). وفي
بلاغات محمد بن الحسن أنه كرم الله تعالى وجهه قائلٌ بالاقتصار على المجلس
أجمعين.
كقول الجماعة
وتمامُ الكلام في هذه المسألة وما لكلٍّ من هذه الأقوال وما عليه يُطلب من كتب
الفروع، كشروح («الهداية)) وما يتعلَّق بها، بَيْدَ أَنِّي أقول: كونُ ما في الآية هو المسألة
المذكورةُ في الفروع التي وقع الاختلاف فيها مما لا يكاد يتسنَّى، وتأوَّل الخفاجيّ(٥)
استدلالَ مَن استدلَّ بها في هذا المقام بما لا يخلو عن كلامٍ عند ذوي الأفهام.
هذا وذكر الإمام في الكلام على تفسير هذه الآية عدةً مسائل:
الأولى: أنَّ التخيير منه بَّهِ قولاً كان واجباً عليه عليه الصلاة والسلام بلا شكٌّ
لأنه إبلاغ الرسالة، وأما معنّى فكذلك على القول بأنَّ الأمر للوجوب.
الثانية: أنه لو أرَدْنَ كلُّهنَّ أو إحداهنَّ الدنيا فالظاهرُ نظراً إلى منصب النبيِّ وَُّ
أنه يجب عليه التمتيعُ والتسريح؛ لأن الخُلْفَ في الوعد منه عليه الصلاة والسلام
غیرُ جائزٍ.
(١) ذكرها عنهم ابن المنذر في الإشراف ١٧٨/٤ وقال: وفي أسانيدها مقال.
(٢) في (م): عبيدة، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في الإشراف ١٧٨/٤، والاستذكار
١٦٨/١٧، وتفسير القرطبي ١٧/ ١٣٢.
(٣) محمد بن نصر المروزي، أبو عبد الله الحافظ، قال عنه الحاكم: إمام عصره بلا مدافعة في
الحديث، وكان إماماً مجتهداً من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، ويقال: كان
أعلم الأئمة باختلاف العلماء، توفي سنة (٢٩٤هـ). السير ٣٣/١٤، وكلامه في كتابه
اختلاف العلماء ص ٢٠٠، والإشراف لابن المنذر ١٧٨/٤ .
(٤) المغني لابن قدامة ٣٨١/١٠.
(٥) في حاشيته على تفسير البيضاوي ١٦٩/٧ .

سِوَرَّةُ الأَجْزَائِ
٢٧٢
الآية : ٣٠
الثالثة: أن الظاهر أنه لا تَحْرُمُ المختارةُ بعد البينونة على غيره عليه الصلاة
والسلام، وإلا لا يكون التخيير ممكِّناً من التمتّع بزينة الدنيا.
الرابعة: أنَّ الظاهر أنَّ مَن اختارت الله تعالى ورسوله وَّهِ يَحْرِمُ على النبيِّ ◌َّـ
نظراً إلى منصبه الشريف طلاقُها(١). والله تعالى أعلم.
﴿َنِسَآءَ النَّبِّ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إليهنَّ لإظهار الاعتناء بنُصْحِهنَّ،
ونداؤهن هاهنا وفيما بعدُ بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها
ما يَرِدُ عليهنَّ من الأحكام، واعتبارُ كونهنَّ نساءً في الموضعين أبلغُ من اعتبار
كونهنَّ أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل.
﴿مَن يَأْتِ﴾ بالياء التحتية حملاً على لفظ ((مَن))، وقرأ زيد بن عليٍّ ظـ
والجحدريُّ وعمرو بن فائد الأسواريُّ ويعقوب بالتاء الفوقية(٢) حملاً على معناها.
﴿مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ بكبيرةٍ ﴿قُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهرةِ القبح، من بَيَّن بمعنى تَبيّن.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر: ((مبيّنةٍ)) بفتح الياء(٣). والمراد بها على ما قيل: كلُّ
ما يقترفُ من الكبائر.
وأخرج البيهقيُّ في ((السنن)) عن مقاتل بن سليمان أنها العصيان للنبيِّ ◌َلَّ(٤).
وقيل: ذلك، وطلبُهنَّ ما يشقُّ عليه عليه الصلاة والسلام، أو ما يضيقُ به ذَرْعُه
ويغتُمُّ ◌َلّ لأجله.
ومَنَع في ((البحر))(٥) أن يراد بها الزنى، قال: لأنَّ النبيَّ ◌َّ معصوم من ارتكاب
نسائه ذلك، ولأنه وصفت الفاحشة بالتبيُّن، والزنى مما يُتَستَّر به. ومقتضاه منعُ
إرادةِ الأعمّ. ثم قال: وينبغي أن تُحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفسادٍ عشرته.
ولا يخلو كلامه عن بحثٍ.
(١) تفسير الرازي ٢٠٥/٢٥-٢٠٦.
(٢) المحتسب ١٧٩/٢، والبحر ٢٢٧/٧-٢٢٨، والمشهور عن يعقوب القراءة بالياء كقراءة
الجمهور.
(٣) التيسير ص٩٥، والنشر ٢٤٨/٢.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٧٣/٧.
(٥) ٢٢٨/٧.

الآية : ٣٠
٢٧٣
سُورَةُ الأَجْزَانِ
والإمام فسَّرها به، وجَعَلَ الشرطية من قبيل: ﴿لَيْنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾
[الزمر: ٦٥] من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر، ولا يقع جزماً فإنَّ
الأنبياء صان الله تعالى زوجاتهم عن ذلك(١). وقد تقدَّم بعض الكلام في هذه
المسألة في سورة النور، وسيأتي إن شاء الله تعالى طرفٌ مما يتعلَّق بها أيضاً.
﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ يوم القيامة على ما روي عن مقاتل، أو: فيه وفي
الدنيا على ما روي عن قتادة.
﴿ضِعْفَيْنٍ﴾ أي: يعذَّبن ضعفي عذاب غيرهنَّ، أي: مثلَيْه، فإنْ مَكَثَ غيرُهنَّ
ممَّن أتى بفاحشةٍ مبينةٍ في النار يوماً - مَثَلاً- مَكَثْنَ هنَّ لو أتينَ بمثل ما أتى يومين،
وإنْ وجب على غيرهنَّ حدٌّ لفاحشةٍ وجب عليهنَّ لو أتين بمثلها حدَّان.
وقال أبو عمرو وأبو عبيدة فيما حَكَى الطبريُّ(٢) عنهما: الضعفان أن يجعل
الواحدة ثلاثةً، فيكون عليهنَّ ثلاثةُ حدودٍ أو ثلاثةُ أمثالِ عذابٍ غيرهنَّ. وليس بذاك.
وسببُ تضعيف العذاب أنَّ الذنب منهنَّ أقبحُ، فإنَّ زيادة قبحه تابعةٌ لزيادة فضل
المذنبٍ والنعمةِ عليه، وتلك ظاهرةٌ فيهنَّ، ولذلك جُعل حدُّ الحرِّ ضِعْفَ حدٍّ
الرقيق، وُوتب الأنبياء عليهم السلام بما لا يعاتَبُ به الأمم، وكذا حالُ العالِم
بالنسبة إلى الجاهل فليس مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَم.
وروي عن زين العابدين ﴿به أنه قال له رجل: إنكم أهلَ بيت مغفورٌ لكم.
فغضب وقال: نحن أحرى أن يَجري فينا ما أجْرَى الله تعالى في أزواج النبيِّ ◌َّهـ
من أن نكون كما تقول، إنَّا نرى لِمُحْسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من
العذاب. وقرأ هذه الآية والتي تليها .
وقرأ الحسن وعيسى وأبو عمرو: ((يضعَّف)) بالياء التحتية مبنيّاً للمفعول
بلا ألفٍ(٣)، والجحدريُّ وابن كثير وابن عامر: ((نُضعِّف)» بالنون مبنيّاً للفاعل
(١) تفسير الرازي ٢٥/ ٢٠٧ .
(٢) في تفسيره ٩١/١٩، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٣٦/٢-١٣٧.
(٣) القراءة عن أبي عمرو في التيسير ص١٧٩، والنشر ٣٤٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب
من العشرة، وذكرها عن الحسن وعيسى أبو حيان في البحر ٢٢٨/٧، والكلام منه.

سُوَّةُ الأَجْزَاءِ
٢٧٤
الآية : ٣١
بلا ألفٍ أيضاً (١). وزيد بن عليٍّ وابن محيصن وخارجةُ عن أبي عمرو: ((نضاعِف))
بالنون والألف والبناءِ للفاعل، وفرقةٌ: ((يضاعِف)) بالياء والألف والبناء للفاعل(٢).
وقرأ: ((العذابُ)) بالرفع مَن قرأ بالبناء للمفعول، وبالنصب مَن قرأ بالبناء للفاعل.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيفُ العذاب عليهنَّ ﴿عَلَى اَللَّهِ يَسِيرًا ﴾﴾ أي: سهلاً
لا يمنعه جلَّ شأنه عنه كونُهنَّ نساءَ النبيِّ بَّهِ، بل هو سببٌ له.
﴿وَمَنْ يَقْتُتْ مِنْكُنَّ﴾ أي: ومَن تَخْشَعْ وتَخْضَعْ ﴿لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ﴾ عملاً
﴿َصَلِحً﴾ كصلاةٍ وصوم وحجّ وإيتاءِ زكاةٍ، وهذا العملُ غيرُ القنوت الله تعالى على
ما سمعتَ من تفسیره، فَلا تكرارَ.
وفسَّره بعضهم بالطاعة، ودَفَع التكرار بأنَّ المراد: ومَن يَقْنُتْ منكنَّ لرسول الله،
وتَعْمَلْ صالحاً لله تعالى، وذكر الله إنما هو لتعظيم الرسول وَطه بجعل طاعته غيرَ
منفگّةٍ عن طاعة الله عز وجل.
وبعضُهم بما ذكر أيضاً، إلا أنه دَفَعَ التكرار بأنَّ المراد بالعمل الصالح: الخدمةُ
الحسنةُ والقيامُ بمصالح البيت لا نحوُ الصلاة والصيام، وبالطاعة المفسَّرِ بها
القنوتُ: امتثالُ الأوامر واجتنابُ النواهي.
وفسَّره بعضهم بدوام الطاعة، فقيل في دفع التكرار نحوُ ما مرَّ، وقيل: المرادُ
به الدوامُ على الطاعة السابقة، وبالعمل الصالح العباداتُ التي يكلّفنَ بها بعدُ.
وقيل: القنوتُ: السكوت، كما قيل ذلك في قوله تعالى: (وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ)
والمراد به هاهنا: السكوت عن طلب ما لم يأذن الله تعالى ورسولُهُ وَ لّ لهنَّ به، من
زيادة النفقة وثياب الزينة. وقيل غير ذلك.
﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا﴾ الذي تستحقُّه على ذلك فضلاً وكرماً ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ فيكون أجرها
مضاعفاً، وهذا في مقابلة ((يضاعَفْ لها العذابُ ضعفين)).
أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس أنه قال في حاصل معنى الآيتين: إنه
(١) التيسير ص١٧٩، والنشر ٣٤٨/٢ عن ابن كثير وابن عامر، والكلام من البحر.
(٢) البحر ٢٢٨/٧، والمشهور عن أبي عمرو ما ذُكر أولاً .

الآية : ٣١
٢٧٥
سُورَةُ الأَجْزَانَ
مَن عصى منكنَّ فإنه يكون العذابُ عليها الضعفَ منه على سائر نساء المؤمنين،
ومَن عمل صالحاً فإنَّ الأجر لها الضعفُ على سائر نساء المسلمين(١). ويستدعي
هذا أنه إذا أُثيب نساءُ المسلمين على الحسنة بعشر أمثالها أُثِبْنَ هنَّ على الحسنة
بعشرين مِثْلاً لها، وإن زِيدَ للنساء على العَشْر شيءٌ زِيدَ لهنَّ ضِعْفُه. وكأنه والله
تعالى أعلم إنما قيل: (نؤتها أجرها مرتين)) دون: يضاعَفْ لها الأجر، كما قيل في
المقابل: ((يضاعَفْ لها العذاب ضعفين))؛ لأن أصل تضعيف الأجر ليس من
خواصِّهنَّ، بل كلُّ مَن عَمِلَ صالحاً من النساء والرجال من هذه الأمة يضاعَفُ
أجره، فأُخرج الكلام مغايراً لِمَا تقتضيه المقابلةُ رمزاً إلى أنَّ تضعيف الأجر على
طرزٍ مغايرٍ لطرزٍ تضعيف العذاب، مع تضمُّن الكلام المذكورِ الإشارةَ إلى مزيد
تكريمهنَّ، ووفورِ الاعتناء بهنَّ، فإنَّ الإحسان المكرَّر أحلى.
ومَن تأمَّل في الجملتين ظهر له تغليبُ جانب الرحمة على جانب الغضب،
وكفى بالتصريح بفاعل إيتاء الأجر، وجَعْلِهِ ضمير العظمةِ، والتعبيرِ عمَّا يؤتَوْنَ من
النعيم بالأجر مع إضافته إلى ضميرهنَّ، مع خلوِّ جملة تضعيف العذاب عن مثلٍ
ذلك، شهداءً على ما ذُكر.
ثم إنَّ تضعيفَ أجرهنَّ لمزيد كرامتهنَّ رضي الله عنهنَّ على الله عزَّ وجلَّ ممَّا مَنَّ
به عليهنَّ من النسبة إلى خير البرية عليه من الله تعالى أفضلُ الصلاة وأكملُ التحية.
والظاهر أنَّ ذلك ليس بالنسبة إلى أعمالهنَّ الصالحة التي عَمِلْنَها في حياته وَّه
فقط، بل يضاعَفُ أجرهنَّ عليها وعلى الأعمال الصالحة التي يعملنها بعد وفاته
عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ هاتين المرَّتين إحداهما على الطاعة والأخرى على
طلبهنَّ رضاء النبيِّ وَّهِ بالقناعة وحُسْنِ المعاشرة. وجَعَلَ في ((البحر)) وغيره سببَ
التضعيف هذا الطلبَ وتلك الطاعة(٢). ولا يَخْفَى أنَّ ما ذكروه مُوهِمٌ لعدم
التضعيف بالنسبة لِمَا فعلوه من العمل الصالح بعد وفاته وَله.
(١) الدر المنثور ١٩٦/٥.
(٢) البحر ٢٢٨/٧.

سُورَةُ الأَجْزَابِ
٢٧٦
الآية : ٣١
وقال بعض المدقِّقين: أراد مَن جَعَلَ سببَ مضاعفةٍ أجورِهنَّ ما ذكر التطبيقَ
على لفظ الآية، حيث جُعِلَ القنوتُ لله ولرسوله مع ما تلاه سبباً، ويدمج فيه أنَّ
مضاعفة العذاب إنما نشأت من أنَّ النشوز مع الرسول وَّهِ وطلبَ ما يشقُّ عليه
ليس كالنشوز مع سائر الأزواج، ولذلك اقتضى مضاعفةً العذاب، وكذلك طاعتُه
وحُسْنُ التخلُّق معه والمعاشرةِ على عكس ذلك، فهذا يؤكّد ما قالوا من أنَّ
سبب تضعيف العذاب زيادةٌ قبح الذنب منهنَّ، وفيه أنَّ العكس يوجبُ العكس،
فتأمَّلْ.
وقال بعض المفسرين: العذاب الذي توعّد به ضعفين هو عذابُ الدنيا ثم
عذاب الآخرة، وكذلك الأجرُ، فالمرتان إحداهما في الدنيا وثانيتُهما في الأخرى.
ولا يَخْفَى ضَعْفُه.
وقرأ الجحدريُّ والأسواري، ويعقوب في رواية، وكذا ابنُ عامر: ((ومَن تَقْنُتْ))
بتاء التأنيث حملاً على المعنى(١).
وقرأ السلميُّ وابن وثَّاب وحمزةُ والكسائيُّ بياءٍ من تحت في الأفعال الثلاثة،
على أنَّ في ((يؤتها)) ضميرُ اسم الله تعالى(٢).
وذكر أبو البقاء أنَّ بعضهم قرأ: ((ومَن تَقْنُتْ)) بالتاء من فوق حملاً على المعنى،
و(يعمل)) بالياء من تحت حملاً على اللفظ، [قال: ] فقال بعض النحويين: هذا
ضعيف لأنَّ التذكير أصلٌ فلا يُجعل تبعاً للتأنيث. وما علَّلوه به قد جاء مثلُه في
القرآن، وهو قولُه تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾(٣) [الأنعام: ١٣٩].
انتھی، فتذكَّر.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَمَا﴾ في الجنة زيادةً على أجرها المضاعَف ﴿رِزْقًا كَرِيمًا ﴾﴾
عظيم القَدْرِ رفيعَ الخطر مرضيّاً لصاحبه، وقيل: الرزق الكريم ما يَسْلَم من كلِّ آفة.
(١) القراءات الشاذة ص ١١٩، والبحر ٢٢٨/٧.
(٢) التيسير ص ١٧٩، والنشر ٣٤٨/٢ عن حمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من العشرة،
والكلام من البحر ٢٢٨/٧ .
(٣) الإملاء ١٩٣/٤-١٩٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٢٨/٧، وما بين
حاصرتين منه .

الآية : ٣٢
٢٧٧
سُورَةُ الأَجْزَابِ
وجوَّز ابن عطية أن يكون في ذلك وعدٌ دنياوي، أي: إنَّ رِزْقَها في
الدنيا على الله تعالى، وهو كريمٌ من حيث هو حلالٌ، وقُصِدَ برضّى من الله تعالى
في نيله(١)، وهو كما ترى.
﴿َِسَآءَ التَّ لَسْأُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ ذهب جمعٌ من الرجال إلى أنَّ المعنى:
ليس كلُّ واحدةٍ منكنَّ كشخصٍ واحدٍ من النساء، أي: من نساء عَصْرِكنَّ، أي: إن
كلَّ واحدةٍ منكنَّ أفضلُ من كلِّ واحدةٍ منهنَّ لمَّا امتازت بشرف الزوجية
لرسول الله وَ ﴿ وأمومةِ المؤمنين، فـ ((أحد)) باقٍ على كونه وصفَ مذكّر، إلا أنَّ
موصوفه محذوفٌ، ولا بدَّ من اعتبار الحذف في جانب المشبّه كما أشير إليه.
وقال الزمخشريُ(٢): ((أحد)) في الأصل بمعنى وَحَد، وهو الواحد، ثم وضع
في النفي العامِّ مستوياً فيه المذكَّرُ والمؤنَّث والواحدُ وما وراءه، والمعنى: لستنَّ
كجماعةٍ واحدةٍ من جماعات النساء، أي: إذا تقصِّيتْ أمةُ النساء جماعةً جماعةً لم
يوجد منهنَّ جماعةٌ واحدةٌ تُساويكنَّ في الفضل والسابقة، وقد استعمل بمعنى
المتعدِّد أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] لمكانٍ
(بَيْنَ)) المقتضيةِ للدخول على متعدِّدٍ.
وحَمَلَ ((أحد)) على الجماعة - على ما في ((الكشف)) - ليطابق المشبّه، والمعنى
على تفضيل نساء النبيِّ وَّر على نساءٍ غيره، لا النظر إلى تفضيل واحدةٍ على واحدةٍ
من آحاد النساء، فإنَّ ذلك ليس مقصوداً من هذا السياق، ولا يعطيه ظاهرُ اللفظ.
وكونُ ذلك أبلغَ لما يلزم عليه تفضيلُ جماعتهنَّ على كلِّ جماعةٍ، ولا يلزمُ ذلك
تفضيلَ كلِّ واحدةٍ على كلِّ واحدةٍ من آحاد النساء، لو سلِّم لكان إذا ساعده اللفظُ
والمقام.
واعترضه أيضاً بعضهم بأنه يلزم عليه أن يكون كلُّ واحدةٍ من نساء النبيِّ وَّل
أفضلَ من فاطمةً پا، مع أنه ليس كذلك.
وأجيبَ عن هذا بأنه لا مانع من التزامه، إلا أنه يُلتزم كونُ الأفضلية من حيث
(١) المحرر الوجيز ٣٨٢/٤، والبحر ٢٢٨/٧، وفيهما: وبرضَى، بالواو.
(٢) في الكشاف ٢٥٩/٣.

سُورَةُ الأَجْزَاب
٢٧٨
الآية : ٣٢
أمومةُ المؤمنین والزوجیةُ لرسول الله پے، لا من سائر الحیثیات، فلا يضرُّ فیه کون
فاطمةَ ﴿ّ أفضلَ من كلِّ واحدةٍ منهنَّ لبعض الحيثيات الأُخَر، بل هي من بعض
الحيثيات كحيثية البضعية أفضلُ من كلٍّ من الخلفاء الأربعة ظمه أجمعين.
نعم أُورِدَ على ما في ((الكشاف)) أنَّ ((أحد)» الموضوع في النفي العامٌّ همزتُه
أصليةٌ غيرُ منقلبةٍ عن الواحد، وقد نصَّ على ذلك أبو عليٍّ، وخالف فيه الرضيُّ
فُقِلَ عنه أنَّ همزة ((أحد)» في كلِّ مكانٍ بدلٌ من الواو، والمشهور التفرقةُ بين الواقع
في النفي العامِّ والواقع في الإثبات، بأنَّ همزة الأول أصليةٌ وهمزة الثاني منقلبةٌ عن
الواو.
وفي ((العقد المنظوم في ألفاظ العموم)) للفاضل القَرَافي(١): قد أَشْكَلَ هذا على
كثيرٍ من الفضلاء؛ لأنَّ اللفظين صورتُهما واحدة، ومعنى الوحدة يتناولُهما، والواو
فيها أصلية، فيلزم قطعاً انقلابُ ألفِ ((أحد)) مطلقاً عنها، وجَعْلُ ألف أحدِهما منقلباً
دون ألف الآخر تحكّمٌ، وقد أطلعني الله تعالى على جوابه، وهو أنَّ ((أحد)» الذي
لا يستعمل إلَّا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة، و((أحد)» الذي يُستعمل في
الإثبات معناه الفرد من العدد، فإذا تغايَرَ مُسمَّاهما تغايَرَ اشتقاقُهما؛ لأنه لابدَّ فيه
من المناسبة بين اللفظ والمعنى، ولا يكفي فيه أحدهما، فإذا كان المقصود به
الإنسانُ فهو الذي لا يُستعمل إلا في النفي وهمزتُه أصلية، وإن قُصِدَ به العددُ
ونصف الاثنين فهو الصالح للإثبات والنفي، وألفُه منقلبةٌ عن واوٍ. اهـ، ولا يَخْفَى
أنه إذا سلِّم الفرقُ المذكور ينبغي أن تكون الهمزةُ هنا أصليةً.
وإلى أنَّ همزة الواقع في النفي أصليةٌ ذهب أبو حيان، فقال(٢): إنَّ ما ذكره
الزمخشريُّ من قوله: ثم وضع في النفي العامِّ .. إلخ، غيرُ صحيح؛ لأن الذي
يستعمل في النفي العامّ مدلولُه غيرُ مدلولٍ ((واحد)»؛ لأن واحداً ينطلق على كلِّ شيءٍ
اتَّصف بالوحدة، و((أحد)» المستعمل في النفي العامِّ مخصوصٌ بمن يعقل، وذكر
(١) شهاب الدين أحمد بن إدريس، من علماء المالكية، المتوفى سنة (٦٨٤هـ)، وعنوان كتابه
كما في كشف الظنون ٢/ ١١٥٣: العقد المنظوم في الخصوص والعموم، في الأصول.
ونقل كلامه أيضاً الشهاب في الحاشية ٧/ ١٧٠ .
(٢) في البحر ٢٢٩/٧.

الآية : ٣٢
٢٧٩
سُوَّةُ الأَجْزَائِيّ
النحويون أنَّ مادته همزةٌ وحاءٌ ودالٌ، ومادة ((أحد)) بمعنى ((واحد)) أصلها(١) واوٌ
وحاءٌ ودالٌ، فقد اختلفا مادةً ومدلولاً .
وذَكَر أنَّ ما في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِ"﴾ [البقرة: ٢٨٥]
یحتمل أن یکون الذي للنفي العام، ویحتمل أن یکون بمعنى واحد، ویکون قد
حُذِفَ معطوفٌ، أي: بینَ واحدٍ وواحدٍ من رسله، كما قال الشاعر:
فما كان بين الخير لو جاء سالماً أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائلُ(٢)
وقال الراغب(٣): ((أحد)) يُستعمل على ضربين:
في النفي الاستغراق جنس الناطقين، ويتناولُ القليل والكثيرَ على الاجتماع
والانفراد، نحو: ما في الدار أحدٌ، أي: لا واحدٌ ولا اثنان فصاعداً، لا مجتمعين
ولا مفترقين، وهذا المعنى لا يمكن في الإثبات؛ لأنَّ نفي المتضادَّين يصحُّ،
ولا يصحُّ إثباتُهما، فلو قيل: في الدار أحدٌ، لكان [فيه] إثباتُ واحدٍ(٤) منفردٍ مع
إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومتفرِّقين، وهو بيِّنُ الإحالة، ولتناوُلِه ما فوق
الواحد صحَّ نحوُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
وفي الإثبات على ثلاثة أوجُهٍ: استعماله في الواحد المضموم إلى العشرات
كأَحَدَ عَشَرَ وأَحَدٍ وعشرين، واستعماله مضافاً أو مضافاً إليه بمعنى الأول، نحو:
﴿أَمََّ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى﴾ [يوسف: ٤١] وقولهم: يوم الأحد، واستعماله وصفاً وهذا
لا يصحُّ إلا في وصفه تعالى شأنه، أما أصله - أعني وحد - فقد يستعمل في غيره
سبحانه كقول النابغة:
كأنَّ رحلي وقد زال النهارُ بنا بذي الجليل على مستأنسٍ وَحِدٍ(٥)
(١) في (م): أصله.
(٢) البحر ٢٢٩/٧، والبيت للنابغة، وهو في ديوانه ص ٩٠، وسلف ٢٣٣/٢ و١١/٢٠.
(٣) في مفرداته (أحد)، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) في الأصل و(م): أحد، والمثبت من مفردات الراغب، ومثله في حاشية الطيبي على
الكشاف عند تفسير هذه الآية نقلاً عن الراغب.
(٥) مفردات الراغب (أحد)، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص ٣١. وذو الجليل: واد قرب
مكة. معجم البلدان ١٥٨/٢ .

سُورَةُ الأَجْزَان
٢٨٠
الآية : ٣٢
انتهى. وهو محتمِلٌ لدعوى انقلابٍ همزته عن واوٍ مطلقاً، ولدعوى انقلابها
عنها في الاستعمال الأخير.
ولا يخفى على المنصف أنَّ كون المعنى في الآية ما ذكره الزمخشريُّ أظهرُ،
وتفضيلُ كلِّ واحدةٍ من نسائه ◌ِّرِ على كلِّ واحدةٍ واحدةٍ من سائر النساء لا يلزمُ أن
يكون لهذه الآية، بل هو لدليلٍ آخر إمَّا عقليّ أو نصّ مثل قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجُهُ:
[الأحزاب: ٦].
وقيل: يجوز أن يكون ذلك لها، فإنها تفيدُ بحسب عُرْفِ الاستعمال تفضيلَ كلِّ
منهنَّ على سائر النساء؛ لأنَّ فضل الجماعة على الجماعة يكون غالباً لفضل كلِّ
منها .
﴿إِنِ أَتَّقَيَقُنَّ﴾ شرطٌ لنفي المثلية، وفَضْلِهِنَّ على النساء، وجوابُه محذوفٌ دلَّ
عليه المذكور، والاتِّقاءُ بمعناه المعروفِ في لسان الشرع، والمفعولُ محذوف،
أي: إن اتقيتنَّ مخالفةَ حُكْم الله تعالى ورضا رسوله وَّه والمراد: إن دمتنَّ على
اتِّقاء ذلك، ومثلُه شائعٌ، أَو هو على ظاهره والمراد به التهييجُ بجَعْلٍ طلب
الدنيا والميلِ إلى ما تميل إليه النساء لبُعْدِه من مقامهنَّ بمنزلةِ الخروج من التقوى.
أو شرطٌ جوابه قولُه تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَولِ﴾ والاتقاء بمعناه الشرعيِّ
أيضاً. وفي ((البحر)) أنه بمعنى الاستقبال، أي: إن استقبلتنَّ أحداً فلا تخضعن،
وهو بهذا المعنى معروفٌ في اللغة؛ قال النابغة:
سقط النصيف ولم تُرِدْ إسقاطَه
فتناولته واثَّقَتْنا باليد (١)
أي: استقبلتنا باليد، ويكون هذا المعنى أبلغَ في مَدْحِهنَّ؛ إذ لم يعلَّق فضلُهنَّ
على التقوى، ولا علِّق نَهْيُهنَّ عن الخضوع بها؛ إذ هنَّ مثَّقياتٌ لله تعالى في
أنفسهن، والتعليقُ يقتضي ظاهرُه أنهنَّ لسنَ متحلِّياتٍ بالتقوى(٢).
وفيه أنَّ انَّقى بمعنى استقبل وإن كان صحيحاً لغةً، وقد ورد في القرآن كثيراً
كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَنَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ اَلْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤] إلا أنه لا يتأتَّى هاهنا
(١) ديوان النابغة ص ٤٠. والنصيف: الخمار. القاموس (نصف).
(٢) البحر ٢٢٩/٧.