النص المفهرس
صفحات 141-160
الآية : ١٠ ١٤١ سُوَرَّةُ التَجَدَة العالية. وقرأ أبو حيوة: ((ضُلِّلْنا)) بضمِّ الضاد المعجَمةِ وكَسْرِ اللام(١)، ورُويَتْ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(٢). وقرأ الحسن والأعمش وأبان بن سعيد بن العاصي: ((صَلَّلْنا)) بالصاد المهملة وفتحِ اللام، ونُسبت إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وابنِ عباس ﴾(٣)، وعن الحسن أنه كسر اللامَ(٤)، ويقال فيه نحوُ ما يقال في ضلَّ بالضاد المعجمة وزيادة أَصَلَّ بالهمزة كأفْعَلَ. قال الفراء: والمعنى: صرنا بين الصَّلَّة، وهي الأرضُ اليابسةُ الصلبةُ كأنها من الصليل؛ لأنَّ اليابس الصلب إذا انشقَّ يكون له صليلٌ. وقيل: أنتًا، من الصَّلَّة وهو النتن، وقيل للأرض: الصَّلَّة؛ لأنها استُ الدنيا، وتقول العرب: ضع الصَّلَّة على الصَّلَّة. وقال النحاس: لا نعرفُ في اللغة ((صَلِلْنا)) ولكن [يعرف ((صلَلْنا))] يقال: أصَلَّ اللحمُ وصَلَّ، وأخَمَّ وخمَّ إذا أنتن(٥). وهذا غريب منه. وقرأ ابن عامر: ((إذا)) بترك الاستفهام(٦)، والمرادُ الإخبارُ على سبيل الاستهزاء والتھگّم. والعامل في ((إذا)) ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبعث، أو: يُجدَّد خَلْقُنا، ولا يصحُّ أن يكون هو العامل؛ لمكان الاستفهام و((إنَّ»، وكلّ منهما لا يعمل ما بعده فيما قبله، ويُعتبر ما ذكر من نُبعَثُ أو يجدَّد خَلْقُنا جواباً (١) وتشديدها كما في البحر ٧/ ٢٠٠، وهي في القراءات الشاذة ص١١٨ . (٢) البحر ٢٠٠/٧. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٠/٤، والبحر ٧/ ٢٠، وذكرها ابن جني عنهم ٢/ ١٧٣، ولكنه قيَّدها بكسر اللام. (٤) معاني القرآن للفراء ٣٣١/٢، والمحتسب ١٧٣/٢، والبحر ٢٠٠/٧. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وبنحوه قول الفراء في معاني القرآن ٣٣١/٢. وقال السمين فى الدر المصون ٨٤/٩ متعقباً ما قاله النحاس: وقد عرفها غير أبي جعفر. وينظر الصحاح (صلل)، والمحتسب ١٧٤/٢. (٦) التيسير ص١٣٢، والنشر ٣٧٣/١، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. سُورَةُ السَّجَادَةِ ١٤٢ الآية : ١١ لـ ((إذا)) إذا اعتُبرت شرطيةً لا ظرفيةً محضةً. والهمزة للإنكار، والمرادُ تأكيدُ الإنكار، لا إنكارُ التأكيد كما هو المتبادر من تقديمها على أداته، فإنها مؤخّرةٌ عنها في الاعتبار، وتقديمُها عليها لقوَّةٍ اقتضائها الصدارة. وقرأ نافع والكسائيُّ ويعقوب: ((إنَّا)) بترك الاستفهام(١) على نحو ما ذكر آنفاً. ﴿َبَّ هُم بِلِقَِّ رَبِهِمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ إضرابٌ وانتقالٌ عن بيان كفرهم بالبعث إلى بيانِ ما هو أبلغُ وأشنعُ منه، وهو كفرُهم بلقاء ملائكة ربِّهم عند الموت وما يكون بعده جميعاً . وقيل: هو إضرابٌ وترقٌّ من التردُّد في البعث واستبعادِه إلى الجزم بجَحْدِه، بناءً على أنَّ لقاء الربِّ كنايةٌ عن البعث، ولا يضرُّ فيه - على ما قال الخفاجيُّ - كونُ الاستفهام السابق إنكارياً وهو يَؤُول إلى الجحد(٢)، فتأمل. ﴿قُلْ﴾ ردّاً عليهم ﴿يَقِّكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ يستوفي نفوسَكم لا يتركُ منها شيئاً من أجزائها، أو لا يترك شيئاً من جزئياتها ولا يبقي أحداً منكم، وأصل التوفِّي: أَخْذُ الشيء بتمامه، وفسِّر بالاستيفاء لأنَّ التفعُّل والاستفعال يلتقيان كثيراً، كتَقَضَّيْتُه واسْتَقْضَيْتُه، وتعجَّلْتُّه واستَعْجَلْتُه. ونسبةُ التوفِّي إلى ملك الموت باعتبارِ أنه عليه السلام يباشرُ قَبْضَ الأنفُسِ بأمره عزَّ وجلَّ كما يشير إليه قولُه سبحانه: ﴿الَّذِى ◌ُّكِّلَ بِكُمْ﴾ أي: بقبضٍ أنفُسِكم ومعرفةٍ انتهاءِ آجالكم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن عليّ څ قال: دخل رسول الله وَّر على رجلٍ من الأنصار يعودُه، فإذا ملكُ الموت عليه السلام عند رأسه، فقال رسول الله وَّه: ((يا ملك الموت ارفقْ بصاحبي فإنه مؤمن)) فقال: أَبْشِر يا محمد فإِنِّي بكلِّ مؤمنٍ رفيقٌ، واعلم يا محمدُ، إِنِّي لأقبضُ رِوحَ ابنِ آدم فيصرخُ أهله، فأقوم في جانبٍ من الدار فأقول: والله ما لي من ذنبٍ وإنَّ لي لعودةً وعودةً، الحذرَ الحذرَ، وما خَلَقَ الله تعالى من أهل بيتٍ ولا مدرٍ ولا شعرٍ ولا وبرٍ في بِّ (١) التيسير ص ١٣٢، والنشر ٣٧٣/١. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ١٥٠. الآية : ١١ ١٤٣ سُوَّةُ المَجَادَة ولا بحرٍ إلا وأنا أتصفّحُهم فيه كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرَّاتٍ، حتى إنِّي لأَغْرَفُ بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد إني لا أقدرُ أقبضُ روحَ بعوضةٍ حتى يكون الله تبارك وتعالى الذي يأمر بقَبْضِه(١). وأخرج نحوه الطبرانيُّ وأبو نعيم وابنُ منده(٢). ونسبتُه إليه عزَّ وجلَّ في قوله سبحانه: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] باعتبار أنَّ أفعال العباد كلَّها مخلوقةٌ له جلَّ وعلا لا مدخل للعباد فيها بسوی الکَسْبِ كما يقوله الأشاعرة، أو باعتبارِ أنَّ ذلك بإذنه تعالى ومشيئته جلَّ شأنُه، ونسبتُه إلى الرسل في قوله تعالى: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾ [الأنعام: ٦١] وإلى الملائكة في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ تَنَّهُمُ الْمَلَئِكَةُّ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] لِمَا أنَّ مَلَكَ الموت لا يستقلُّ به، بل له أعوانٌ كما جاء في الآثار يعالجون نَزْعَ الروح، حتى إذا قَرُبَ خروجُها قبضها ملكُ الموت(٣) . وقيل: المراد بملك الموت الجنس، وقال بعضُهم: إنَّ بعض الناس يتوقَّاهم ملكُ الموت وبعضُهم يتوفّاهم الله عز وجل بنفسه؛ أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة قال: سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إنَّ الله تعالى وَّل ملكَ الموت عليه السلام بقبض الأرواح إلا شهداءَ البحر؛ فإنه سبحانه يتولَّى قبضَ أرواحهم)) (٤). وجاء ذلك أيضاً في خبرٍ آخر يفيدُ أنَّ مَلَك الموت للإنس غيرُ مَلَكِ الموت للجنِّ والشياطين وما لا يعقل؛ أخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضيها قال: (١) الدر المنثور ١٧٤/٥، وهو في العظمة لأبي الشيخ (٤٧٥)، وإسناده منقطع، وروي مرفوعاً متصلاً ولكن بإسناد فيه متروك كما سيرد في التعليق الذي بعده. (٢) الدر المنثور ١٧٣/٥، وهو في المعجم الكبير (٤١٨٨) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن الحارث بن الخزرج الأنصاري، عن أبيه، عن النبيِّ، وأخرجه هكذا مرفوعاً متصلاً أيضاً ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٥٤)، والبزار (٧٨٤)، وفي إسناده عمرو بن شمر، قال عنه الحافظ في الإصابة ٩٣/٣: متروك الحديث. (٣) أخرج الطبري ٩/ ٩٠، عند تفسير الآية (٦١) من سورة الأنعام عن ابن عباس قال: إن الملَكِ الموت أعواناً من الملائكة. وأخرج عن قتادة قال: يلي قبضها الرسل، ثم يدفعونها إلى ملك الموت. وينظر حديث أبي هريرة في سنن النسائي ٨/٤-٩، وفيه: ((إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية ... )) الحديث. (٤) سنن ابن ماجه (٢٧٧٨)، وضعفه البوصيري في الزوائد ١٥٩/٣. سُورَةُ المَجْدَة ١٤٤ الآية : ١١ وكّل ملكُ الموت عليه السلام بقبض أرواح المؤمنين، فهو الذي يلي قَبْضَ أرواحهم، ومَلَكٌ في الجنِّ، ومَلَكٌّ في الشياطين، ومَلَكٌ في الطير والوحشِ والسباع والحيتان والنمل، فهم أربعةُ أملاكٍ، والملائكةُ يموتون في الصعقة الأولى، وإنَّ ملك الموت يلي قَبْضَ أرواحهم ثم يموتُ، وأما الشهداءُ في البحر فإنَّ الله تعالى يلي قَبْضَ أرواحهم لا يَكِلُ ذلك إلى مَلَكِ الموت بكرامتهم عليه سبحانه(١). والذي ذهب إليه الجمهورُ أنَّ ملك الموت لمن يعقل وما لا يعقل من الحيوان واحدٌ، وهو عزرائيل، ومعناه: عبد الله فيما قيل، نعم له أعوانٌ كما ذكرنا، وخبرُ الضحاك عن ابن عباس اللهُ تعالى أعلمُ بصحته. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ بالبعث للحساب والجزاء. ومناسبةُ هذه الآية لِمَا قبلها - على ما ذكرنا في توجيه الإضراب - ظاهرةٌ؛ لأنهم لمَّا جَحَدوا لقاء ملائكة ربِّهم عند الموت وما يكون بعده، ذُكر لهم حديثُ توفّ ملك الموت إياهم إيماءً إلى أنهم سيلاقونه، وحديثُ الرجوع إلى الله تعالى بالبعث للحساب والجزاء. وأمَّا على ما قيل فوجهُ المناسبةِ أنهم لمَّا أنكروا البعثَ والمعادَ ردَّ عليهم بما ذكر لتضمُّن قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَيْكُمْ تُرْجَعُونَ) البعثَ، وزيادةُ ذِكْرٍ توِّي ملكِ الموت إياهم وكونه موكلاً بهم لتوقُّفِ البعث على وفاتهم، ولتهديدهم وتخويفهم، وللإشارة إلى أنَّ القادر على الإماتة قادرٌ على الإحياء. وقيل: إنَّ ذلك لردٌّ ما يُشْعِرُ به كلامُهم من أنَّ الموت بمقتضى الطبيعة، حيث أسندوه إلى أنفسهم في قولهم: (أَِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ) فليس عندهم بفعلِ الله تعالى ومباشرةٍ ملائكته. ولا يخفى بعدُه. وأبعدُ منه ما قيل في المناسبة: إنَّ عزرائيل وهو عبدٌ من عبيده تعالى إذا قدر على تخليص الروح من البدن مع سريانِها فيه سريانَ ماء الورد في الورد، والنارِ في (١) الدر المنثور ١٧٣/٥، وفيه: لكرامتهم، بدل: بكرامتهم. ووقع في الأصل و(م): ابن جويبر، وهو خطأ. وجويبر متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. الآية : ١٢ ١٤٥ سُوَدَّةُ السَّجَادَة الجمر، فكيف لا يقدر خالقُ القوى والقُدَرِ جلَّ شأنُه على تمييز أجزائهم المختلطة بالتراب، وكيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له عزَّ وجل، لِمَا أنَّ ذلك السريان مما خفي على العقلاء حتى أنكره بعضُهم، فكيف بجهلة المشركين. فتأمل. وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿يَا: (تَرْجِعون)) بالبناء للفاعل(١). ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِعُونَ﴾ وهم القائلون: ((أئذا ضَلَلْنا في الأرض»، أو جنسُ المجرمين وهم من جملتهم ﴿فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ مُطْرِقُوها من الحياء والخِزْي ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ حين حسابِهِم؛ لِمَا يَظهَرُ من قبائحهم التي اقترفوها في الدنيا. وقرأ زيد بن عليٍّ رِ﴿ًا: (نَكسوا رؤوسهم)) فعلاً ماضياً ومفعولاً (٢). ﴿رََّآ﴾ بتقدير القول الواقع حالاً، والعاملُ فيه («ناکسوا»، أي: يقولون ربَّنا .. إلخ، وهو أَوْلَى من تقدير: يستغيثون بقولهم: ربّنا. ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي: صِرْنا ممن يُبْصِرُ ويَسْمَعُ، وحَصَلَ لنا الاستعدادُ لإدراك الآياتِ المبصَرَةِ والآياتِ المسموعة، وكنّا من قَبْلُ عُمياً صمّاً لا ندرِكُ شيئاً. ﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ حَسْبَما تقتضيه تلك الآيات. وهذا - على ما قيل - ادِّعاءٌ منهم لصحة مُشْعري البصر والسمع. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ استئنافٌ لتعليل ما قبله. وقيل: استئنافٌ لم يُقْصَدْ به التعليلُ. وعلى التقديرين هو متضمِّنٌ لادِّعائهم صحةَ الأفئدة، والاقتدارَ على فَهْمٍ معاني الآيات والعملِ بما يوجبها، وفيه من إظهار الثبات على الإيقان وكمالٍ رغبتهم فيه ما فيه، وكأنه لذلك لم يقولوا: أبصرنا وسمعنا وأيقنًّا فارْجعْنا .. إلخ. ولعل تأخير السمع لأنَّ أكثر العمل الصالح الموعودِ يترتَّبُ عليه دون البصر، فكان عدمُ الفصل بينهما بالبصر أولى. ويجوزُ أن يقدَّر لكلٍّ من الفعلين مفعولٌ مناسبٌ له مما يبصرونه ويسمعونه، بأن يقال: أبصرنا البعثَ الذي كثَّا نُنْكِرُه، وما وَعَدْتَنا به على إنكاره، وسمعنا منك (١) البحر ٧/ ٢٠٠، وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في النشر ٢٠٨/٢. (٢) البحر ٢٠١/٧ . سُورَةُ السَّجْدَة ١٤٦ الآية : ١٢ ما يدلُّ على تصديق رسلك عليهم السلام، ويراد به نحوُ قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِنّ وَأَلْإِنِسِ أَوْ بَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءُ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] لا الإخبارُ الصريح بلفظ: إن رسلي صادقون، مثلاً. أو يقال: أبصرنا البعثَ وما وعَدْتَنا به، وسمعنا قولَ الرسل، أي: سمعناه سَمْعَ طاعةٍ وإذعانٍ. أو يقال: أَبْصَرْنا قُبْحَ أعمالِنا التي كثَّا نراها في الدنيا حَسَنةً، وسمعنا قولَ الملائكة لنا: إنَّ مردَّكم إلى النار. وقيل: أرادوا: أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم حين كنّا في الدنيا. أو: أبصرنا آياتِكَ التكوينيةَ وسمعنا آياتِكَ التنزيليةَ في الدنيا، فلك الحجةُ علينا وليس لنا حجةٌ فارْجِعْنا .. إلخ. ولا يَخْفَى حالُ هذا القيل. وعلى سائر هذه التقادير وجهُ تقديم الإبصار على السماع ظاهرٌ. و(لو)) هي التي سمَّاها غيرُ واحدٍ امتناعيةً، وجوابُها محذوفٌ تقديره: لرأيتَ أمراً فظيعاً لا يقادَرُ قَدْرُه. والخطاب في ((ترى)) لكلِّ أحدٍ ممَّن يصحُّ منه الرؤيةُ؛ إذ المرادُ بيانُ كمال سوء حالهم، وبلوغِها من الفظاعة إلى حيث لا يختصُّ استغرابُها واستفظاعُها بِراءٍ دون راءٍ ممَّن اعتاد مشاهدةَ الأمور البديعة والدَّواهي الفظيعة، بل كلُّ مَن يتأتَّى منه الرؤيةُ يتعجَّبُ من هولها وفظاعتِهِ. وقيل: لأنَّ القَصْدَ إلى بيان أنَّ حالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنعُ خفاؤها البتةَ فلا يختصُّ برؤيتها راءٍ دون راءٍ. والجوابُ المقدَّر أوفقُ بما ذُكر أوَّلاً. والفعلُ منزَّلٌ منزلةَ اللازم، فلا يقدَّر له مفعولٌ، أي: لو تَكُنْ منك رؤيةٌ في ذلك الوقت لرأيتَ أمراً نظيماً . وجوِّز أن يكون الخطابُ خاصّاً بسيد المخاطبين وَ﴿، و ((لو) للتمنِّي، كأنه قيل: ليتك ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم لِتَشْمَتَ بهم، وحُكْمُ التمنِّي منه تعالى ◌ُُمُ الترجي، وقد تقدَّم، ولا جوابَ لها حينئذٍ عند الجمهور. وقال أبو حيان وابن مالك: لا بدَّ لها من الجواب، استدلالاً بقول مهلهل في حرب البسوس: فلو نُبِشَ المقابرُ عن كليبٍ فِيُخْبَرَ بالذَّنائب أيُّ زِيْرٍ الآية : ١٢ ١٤٧ سُورَةُ التَّجَدَة بيومِ الشَّعْثَمينِ(١) لقَرَّ عيناً وكيف لقاءُ مَن تحت القبورِ (٢) فإنَّ (لو)) فيه للتمنِّي بدليلِ نصبٍ (فيخبر)) وله جوابٌ وهو قوله: لقَرَّ. ورُدَّ بأنها شرطيةٌ، و((يخبرَ)) عطفٌ على مصدرٍ متصيَّدٍ من ((نبش))، كأنه قيل: لو حصل نبشٌ فإخبارٌ. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف. وقال الخفاجيُّ(٣) عليه الرحمة: لو قيل: إنها لتقدير التمنِّي معها كثيراً أُعطيت حُكْمَه، واستُغْني عن تقدير الجواب فيها إذا لم يذكر كما في الوصلية، ونُصب جوابها، كان أسهل مما ذكر. وجوِّز أن يقدَّر لـ ((ترى)) مفعولٌ دلَّ عليه ما بعدُ، أي: لو ترى المجرمين أو لو تری نگسهم رؤوسهم. والمضيُّ في ((لو)) الامتناعية و(إذا لأنَّ إخباره تعالى عمَّا تحقَّق في عِلْمِه الأزلي - لتحقُّقِه - بمنزلة الماضي، فيُستعمل فيه ما يدلُّ على المُضيِّ مجازاً كـ ((لو)) و ((إذ)). هذا ومن الغريب قولُ أبي العباس في الآية: المعنى: قل يا محمد للمجرم: (١) جاء في هامش الأصل: قول مهلهل: بيوم الشعثمين، لم يفسروه، والظاهر أنه موضع كانت به وقعة، قاموس. اهـ منه. وينظر التعليق الذي بعده. (٢) البحر ٧/ ١٣٧، ونقل المصنف قوله وقول ابن مالك بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ١٥١، والبيتان في الأصمعيات ص١٥٤، والكامل للمبرد ٢/ ٧٤٠، وأمالي القالي ١٣١/٢، ومغني اللبيب ص٣٥٢، ومعجم البلدان ٨/٣. وفيه: سوق الذنائب: قرية دون زبيد من أرض الیمن. وقال المبرد: يقال: فلانٌ زیر نساء، إذا كان صاحب نساء، وکان کلیب يقول: إن مهلهلاً زير نساء لا يدرك بثأر، ورَفَع أيّاً بالابتداء والخبر محذوف، فكأنه قال: أيُّ زير أنا في هذا اليوم. وقال البغدادي في شرح أبيات المغني ٧١/٥: الباء في ((بيوم الشعثمين)) متعلقة بمحذوف صفة لزير، ويوم الشعثمين هو يوم واردات - وهو اسم موضع التقت فيه تغلب وبكر وظفرت فيه تغلب - وفيه حذف مضاف، أي: يوم قَتْلِ الشعثمين، وهما شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة. ثم ذكر فيهما وفي اسمهما أقوالاً غير ذلك، ثم قال: وقصَّر صاحب القاموس في قوله: وقول مهلهل: بيوم الشعثمين، لم يفسِّروه، والظاهر أنه موضعٌ كانت به وقعة. اهـ. (٣) في الحاشية ٧/ ١٥١، وما قبله منه. سُوَّةُ السََّجَدَة ١٤٨ الآية : ١٣ ولو ترى، وقد حكاه عنه أبو حيان ثم قال: رأَى أنَّ الجملة معطوفةٌ على ((يتوقَّاكم)) داخلةٌ تحت ((قل)) السابق، ولذا لم يَجْعَلِ الخطابَ فيه للرسول ◌َلَ(١). انتهى كلامُه فلا تغفل. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ مقدَّرٌ بقولٍ معطوفٍ على ما قدِّر(٢) قبل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا﴾ إلخ، وهو جوابٌ لقولهم: ((ارْجِعْنا)) يفيدُ أنهم لو أُرْجِعوا لعادوا لِمَا نُهوا عنه لسوء اختيارهم، وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى إعطاءَهم الهدى، أي: ونقول: لو شئنا، أي: لو تعلَّقتْ مشيئتُنا تعلُّقاً فعليّاً بأنّ نُعطيَ كلَّ نفسٍ من النفوس البرَّة والفاجرة هداها، أي: ما تهتدي به إلى الإيمان والعملِ الصالح - وفسّره بعضُهم بنفس الإيمان والعملِ الصالح، والأولُ أَوْلَی، وأما تفسيرُه بما سأله الكفرةُ من الرجوع إلى الدنيا، أو بالهداية إلى الجنة، فليس بشيءٍ - لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دارُ الكَسْبِ، وما أخّرناه إلى دار الجزاء. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ ◌ٌلْقَوْلُ مِنِّى﴾ أي: ثَبتَ وتحقَّق قولي وسَبَقَتْ كلمتي حيث قلتُ لإبليس عند قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢-٨٣]: ﴿فَاَلْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَنْ تَّبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤-٨٥] وهو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ كما يلوِّحُ به تقديمُ الجِنَّة على الناس، فإنه في الخطاب لإبليس مقدَّمٌ، وتقديمُه هناك لأنه الأوْفَقُ لمقام تحقير ذلك المخاطب عليه اللعنة، وقيل: التقديمُ في الموضعين لأنَّ الجهنَّميين من الجِنَّة أكثر. ويُعلم مما ذكرنا وجهُ العدول عن ضمير العظمة في قوله سبحانه: (وَلَوْ شِئْنَا ◌َنَّيْنَا) إلى ضمير الوحدة في قوله جل وعلا: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى) وذلك لأنَّ ما ذُكر إشارةٌ إلى ما وقع في الردِّ على اللعين، وقد وقع فيه القولُ والإملاء مسنَدَين إلى ضمير الوحدة؛ ليكون الكلام على طرز (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ) في توحيد الضمير . (١) البحر ٧/ ٢٠٠، وأبو العباس هو المبرد. (٢) في (م): على مقدَّرٍ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٨٣/٧. الآية : ١٣ ١٤٩ سُؤَدَّةُ السَّجْدَة وقد يقال: ضميرُ العظمة أوفقُ بالكثرة الدالِّ عليها ((كل نفس»، والضمير الآخر أوفقُ بما دون تلك الكثرة الدالِ عليه ((من الجنة والناس)). أو يقال: إنه وحَّد الضمير في الوعيد لِمَا أنَّ المعنيَّ به المشركون، فكأنه أخرج الكلام على وجهٍ لا يَتوهَّم فيه متوهِّمٌ نوعاً من أنواع الشركة أصلاً، أو أخرج على وجهٍ يلوِّحُ بما عَدَلوا عنه من التوحيد إلى ما ارتكبوه - مما أَوْجَبَ لهم الوعيدَ - من الشرك. أو يقال: وحَّد الضمير في ((لأملأن)) لأن الإملاء لا تعدُّد فيه، فتوحيد الضمير أوفقُ به، ويقال نظيرُ ذلك في ((حقَّ القول منِّي))، والإيتاء يتعدَّد بتعدُّد المؤتى، فضميرُ العظمة أوفقُ به، ويقال نظيره في ((شئنا))، فتدبر. ولا يلزمُ من قوله تعالى: (أَجْمَعِينَ) دخولُ جميع الجنِّ والإنس فيها - وأما قولُه تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فالورودُ فيه غيرُ الدخول، وقد مرَّ الكلام في ذلك - لأنَّ ((أجمعين)) تفيدُ عمومَ الأنواع لا الأفراد، فالمعنى: لأملأنها من ذينك النوعين جميعاً، كـ : ملأتُ الكيسَ من الدراهم والدنانير جميعاً، كذا قيل. ورُدَّ بأنه لو قُصِدَ ما ذُكِرَ لكان المناسبُ التثنيةَ دون الجمع، بأن يقال: كليهما، واستُظْهِرَ أنها لعموم الأفراد، والتعريفُ في ((الجِنَّة والناس» للعهد، والمرادُ عصاتُهما، ويؤيِّده الآيةُ المتضمِّنةُ خطابَ إبليس. وحاصل الآية: لو شئنا إيتاءَ كلِّ نفسٍ هداها لآتيناها إياه، لكنْ تحقَّقَ القولُ مِنِّي لأملأنَّ جهنّم .. إلخ، فبمَوْجِبٍ ذلك القولِ لم نشأ إعطاء الهدى على العموم، بل منعناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم، حيث صرفتم اختياركم إلى الغيِّ بإغوائه، ومشيئتُنا لأفعال العباد منوطةٌ باختيارهم إياها، فلمَّا لم تختاروا الهدى واخترتُم الضلالَ لم نشأ إعطاءه لكم، وإنما أعطيناه الذين اختاروه من البَرَرة، وهم المعنيون بما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا﴾ الآيةَ. فيكون مناطُ عدم مشيئته تعالى إعطاءَ الهدى في الحقيقة سوءَ اختيارهم لا تحقّقَ القول، وإنما قيِّدت المشيئةُ بما مرَّ من التعلُّق الفعليّ بأفعال العباد عند حدوثها لأنَّ المشيئة الأزليةَ من حيث تعلُّقُها بما سيكون من أفعالهم إجمالاً متقدّمةٌ على تحقّق كلمة العذاب، فلا يكون عدمُها منوطاً بتحقُّقها، وإنما مناطُه عِلْمُه تعالى أنه سُورَةُ السَّجَادَة ١٥٠ الآية : ١٣ لا يَصْرِفُ(١) اختيارهم فيما سيأتي إلى الغيِّ وإيثارهم له على الهدى، فلو أُريدت هي من تلك الحيثية لاستُذْرِكَ بعدمها بأن يقال: ولكن لم نشأ، ونيط ذلك بما ذكر [الأنفال: ٢٣] من المناط على منهاج قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ كذا قال بعض الأجلَّة. وقد يقال: يجوز أن يراد بالمشيئة المشيئةُ الأزلية من حيث تعلَّقُها بما سيكون من أفعالهم، ويرادَ بالقول علمُ الله تعالى، فإنه وكذا كلمةُ الله سبحانه يُطْلَقُ على ذلك كما قال الراغب، وذَكَر منه قولَه تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَّ أَكْثَرِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦](٢) وحاصلُ المعنى: لو شئنا في الأزل إيتاءَ كلِّ نفسٍ هداها في الدنيا لآتيناها إياه، ولكنْ ثَبَتَ وتحقّق علمي أزلاً بتعذيب العصاة، فبموجب ذلك لم نشأ؛ إذ لابدَّ من وقوع المعلوم على طبق العلم لئلا يلزمَ انقلابُ العلم جهلاً، ووقوعُ ذلك يستدعي وجودَ العصاة؛ إذ تعذيبُ العصاة فرعُ وجودهم، ومشيئةُ إيتاء الهدى كلَّ نفسٍ تستلزمُ طاعةَ كلِّ نفس ضرورةَ استلزام العلَّة للمعلول، فيلزمُ أن تكون النفسُ المعذَّبة عاصيةً طائعةً وهو محالٌ، وهذا المحالُ جاء من مشيئته إيتاءَ كلِّ نفسٍ هُداها مع علمه تعالى بتعذيب العصاة، فإمَّا أنْ ينتفي العلمُ المذكور وهو محالٌ؛ لأنَّ تعلُّق علمه سبحانه بالمعلوم على ما هو عليه ضروريٌّ، فتعيَّن انتفاءُ المشيئة لذلك ويَرجِعُ(٣) هذا بالآخرة إلى أنَّ سبب انتفاء مشيئته إيتاءَ الهدى للعصاة سوءُ ما هم عليه في أنفسهم؛ لأن المشيئة تابعةٌ للعلم والعلمُ تابعٌ للمعلوم في نفسه، فعلمُه تعالى بتعذيب العصاة يستدعي علمَه سبحانه إياهم بعنوان كونهم عصاةً، فلا يشاؤُهم جلَّ جلالُه إلا بهذا العنوان الثابتِ لهم في أنفسهم، ولا يشاؤهم سبحانه على خلافه لأنَّ مشيئته تعالى إياهم كذلك تستدعي تعلَّق العلم بالشيءٍ على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، وليس ذلك علماً. (١) كذا في الأصل و(م): أنه لا يصرف، ولعله مصحف عن: أزلاً بصرف، كما في تفسير أبي السعود ٧/ ٨٣، وعنه نقل المصنف. (٢) مفردات الراغب (قول). (٣) في (م): ويرجح، وهو تصحيف. الآية : ١٤ ١٥١ سُوَّةُ السَجَادَةِ ويمكن أن يبقى العلمُ على ظاهره ويقال: إنه تعالى لم يشأ هداهم لأنه جلَّ وعلا قال لإبليس عليه اللعنة أنه سبحانه يعذِّب أتباعه ولا بدّ، ولا يقول تعالى خلافَ ما يعلم، فلا يشاء تبارك وتعالى خلافَ ما يقول، ويرجع بالآخرة أيضاً إلى أنه تعالى لم يشأ هداهم لسوء ما هم عليه في أنفسهم بأدنى تأمُّلٍ . ومآلُ الجواب على التقريرين: لا فائدةً لكم في الرجوع؛ لسوء ما أنتم عليه في أنفسكم. ولا يخفى أنَّ ما ذكر مبنيٌّ على القول بالأعيان الثابتة، وأنَّ الشقيَّ شقيٍّ في نفسه، والسعيد سعيدٌ في نفسه، وعلمُ الله تعالى إنما تعلَّق بهما على ما هما عليه في أنفسهما، وأنَّ مشيئته تعالى إنما تعلَّقتْ بإيجادهما حَسْبَما عَلِمَ جلَّ شأنُه، فوُجِدا في الخارج بإيجاده تعالى إياهما على ما هما عليه في أنفسهما، فإذا تمَّ هذا تمَّ ذاك، وإلا فلا. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ﴾ لترتيب الأمر بالذوق على ما يُعْرِبُ عنه ما قبلُ من نفي الرجع إلى الدنيا، أو على قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِ﴾ إلخ، ولعل هذا أسرعُ تبادراً، وجَعَلَها بعضهم واقعةً في جوابٍ شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إذا يئستُم من الرجوع، أو: إذا حقَّ القول، فذوقوا، وجوِّز كونُها تفصيليةً، والأمرُ للتهديد والتوبيخ. والباء في قوله سبحانه: ﴿بِمَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ للسببية، و((ما)) مصدريةٌ، و((هذا)) صفةُ (يوم)) جيء به للتهويل، وجوِّز كونُه مفعولَ ((ذوقوا)) وهو إشارةٌ إلى ما هم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغمِّ، وعلى الأول يكون مفعولُ ((ذوقوا)) محذوفاً، والوصفيةُ أظهرُ، أي: فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم الهائل وتَرْكِكم التفكُّرَ فيه والتزۇُّدَ له بالكلِّية. وهذا تصریح بسبب العذاب من قبلهم فلا ینافي أن يكون له سببٌ آخرُ حقيقيّاً كان أو غيرَه، والتوبيخُ به من بين الأسباب لظهوره وكونه صادراً منهم لا یَسَعُهم إنكاره. والمراد بنسیانهم ذلك ترگُهم التفُّرَ فیه والتزوُّدَ له كما أشرنا إليه، وهو بهذا المعنى اختياريٌّ يوَّخُ عليه، ولا يكاد يصُّ إرادةُ المعنى الحقيقيِّ وإن صحَّ التوبيخُ عليه باعتبار تعمُّدٍ سببه من الانهماك في اتِّباع الشهوات. ومثلُه في كونه مجازاً النسيانُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَبِنكُمْ﴾ أي: تركناكم في العذاب تَرْكَ المنسيِّ بالمَرَّةِ. وجَعَلَ بعضُهم هذا من باب المشاكلة، ولم يَعْتَبِر كونَ الأول مجازاً مانعاً منها، قيل: والقرينةُ على قَصْدِ المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم سُورَةُ السَجَادَة ١٥٢ الآية : ١٥ من جنس العمل، فهو على حدٍّ: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقولُه تعالى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ تكريرٌ للتأكيد والتشديدِ، وتعيينِ المفعولِ المُبْهَمِ للذوق، والإشعارِ بأنَّ سببه ليس مجرَّدَ ما ذكر من النسيان، بل له أسبابٌ أُخَرُ منَ فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرِّينَ عليها في الدنيا، ولمَّا كان فيه زيادةٌ على الأول حَصَلتْ به مغايرتُه له، استحقَّ العطفَ عليه. ولم يُنْظَم الكلُّ في سلكٍ واحدٍ للتنبيه على استقلال كلٍّ من النسيان وما ذُكر في استيجاب العذاب. وفي إبهام المذوق أولاً وبيانِه ثانياً بتكرير الأمر، وتوسيط الاستئناف المنبئ عن كمال السخط بينهما، من الدلالة على غاية التشديد في الانتقام منهم ما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى، والإشعارِ بعدم إيمانهم لو أوتوه بتعيين مَن يستحقُّه بطريق القَصْر، كأنه قيل: إنكم لا تؤمنون بآياتنا الدالَّةِ على شؤوننا ولا تعملون بموجبها عملاً صالحاً ولو أرجعناكم إلى الدنيا، وإنما يؤمن ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا﴾ أي: وُعظوا ﴿خَرُواْ سُجَّدًا﴾ آئِرَ ذي أثيرٍ (١)، من غير تردُّدٍ ولا تلعثُم، فضلاً عن التسويف إلى معاينة ما نطقتْ به من الوعد والوعيد، أي: سقطوا ساجدين تواضعاً لله تعالى وخشوعاً وخوفاً من عذابه عزَّ وجلَّ. قال أبو حيان: هذه السجدة من عزائم سجود القرآن. وقال ابن عباس: السجودُ هنا الركوع. ورُوي عن ابن جريجٍ ومجاهدٍ أنَّ الآية نزلت بسبب قومٍ من المنافقين كانوا إذا أُقيمت الصلاةُ خرجواً من المسجد، فكأنَّ الركوع يقصد من هذا، ويلزمُ على هذا أن تكون الآيةُ مدنيةً، ومِن مذهب ابن عباس أنَّ القارئ لآية السجدة يركعُ، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَبَ﴾ [ص: ٢٤](٢). اهـ. ولا يخفى ما في الاستدلال من المقال. ﴿وَسَبَّحُوْ بِحَمْدٍ رَيِّهِمْ﴾ أي: ونزَّهوه تعالى عند ذلك عن كلِّ ما لا يليقُ به (١) أي: أوّلَ كلِّ شيء. الصحاح (أثر). (٢) البحر ٢٠٢/٧. الآية : ١٦ ١٥٣ سُورَةُ السَّجَادَة سبحانه من الأمور التي من جملتها العجزُ عن البعث ملتبسين بحَمْدِه تعالى على نعمائه جلَّ وعلا التي أجلُّها الهدايةُ بإيتاء الآيات والتوفيق إلى الاهتداء بها، فالحمدُ في مقابلة النعمة، والباءُ للملابسةِ والجارُّ والمجرورُ في موضع الحالِ، والتعرُّضُ لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلَّة التسبيح والتحميد، بأنهم(١) يفعلونهما بملاحظة ربوبيته تعالى لهم. ﴾ عن الإيمان والطاعةِ كما يفعلُ مَن يصرُّ مستكبراً كأنْ ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ١٥ لم يَسْمَعِ الآيات، والجملةُ عطفٌ على الصلة أو حالٌ من أحد ضميري ((خرُّوا)) و((سبَّحوا))، وجوِّز عطفُها على أحد الفعلين. وقوله تعالى: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لبيان بقية محاسنهم، وجوِّز أن تكون حاليةً أو خبراً ثانياً للمبتدأ. والتجافي: البعدُ والارتفاع. والجُنوبُ جمع جنبٍ: الشقوق، وذكر الراغب أنَّ أصل الجَنْبِ الجارحةُ، ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك، نحو اليمين والشمال(٢). و((المضاجع)) جمعُ المضجع: أماكنُ الاتِّكاء للنوم، أي: تتنخَّی وترتفعُ جنوبُهم عن مواضع النوم، وهذا كنايةٌ عن تَرْكِهم النومَ، ومثلُه قولُ عبد الله بن رواحة يَصِفُ النبيَّ ◌َّ: نبيٌّ تَجَافَى جَنْبُه عن فراشه إذا استثقَلَتْ بالمشركين المضاجعُ(٣) والمشهورُ أنَّ المراد بذلك التجافي القيامُ لصلاة النوافل بالليل، وهو قول الحسن ومجاهدٍ ومالكِ والأوزاعيِّ وغيرهم، وفي الأخبار الصحيحة ما يشهدُ له؛ أخرج أحمدُ، والترمذيُّ وصحَّحه، والنسائيُّ، وابنُ ماجه، ومحمد بن نصر في كتاب ((الصلاة))، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه، وابنُ مردويه، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ◌َّ في سفرٍ، (١) في تفسير أبي السعود ٧/ ٨٤ (والكلام منه): وبأنهم. (٢) مفردات الراغب (جنب). (٣) البيت في صحيح البخاري (١١٥٥) من حديث أبي هريرة يبيت يجافي جنبه. الله برواية: . سُورَةُ السَجَادَة ١٥٤ الآية : ١٦ فأصبحتُ يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا نبيَّ الله أخبرني بعملٍ يدخلُني الجنة ويباعدُني من النار؟ قال: ((لقد سألْتَ عن عظيم، وإنه يسيرٌ على مَن يسَّره الله تعالى عليه، تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضان، وتحجُّ البيت)) ثم قال: ((أَلَا أدلَّك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تطفئُ الخطيئةَ، وصلاةُ الرجل في جوف الليل)) ثم قرأ: (نَتَجَافَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِع) حتى بلغ (يَعْمَلُونَ)، الحديث(١). وقال أبو الدرداء وقتادةُ والضحاك: هو أن يصلِّيَ الرجل العشاءَ والصبحَ في جماعةٍ(٢). وعن الحسن وعطاء: هو أن لا ينامَ الرجلُ حتى يصلِّي العشاء؛ أخرج الترمذيُّ وصحَّحه وابن جرير وغيرُهما عن أنس قال: إنَّ هذه الآية: (نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ) نزلت في انتظار الصلاة التي تُدْعَى العَتَّمة(٣). وفي روايةٍ أخرى عنه أنه قال فيها: نزلت فينا معاشرَ الأنصار، كنّا نصلِّي المغربَ فلا نرجعُ إلى رحالنا حتى نصلِّيَ العشاءَ مع النبيِّ ◌َّ(٤). وقيل: هو أن يصلِّي الرجل المغربَ ويصلّي بعدها إلى العشاء، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد «الزهد)) وابن عديٌّ وابنُ مردويه عن مالك بن دينار قال: سألتُ أنس بن مالكِ عن هذه الآية (نَتَجَانَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع) قال: كان قومٌ من أصحاب رسول الله وَّهِ من المهاجرين الأوَّلين يصلّون المغربَ ويصلُّون بعدها إلى عشاءِ الآخرة، فنزلت هذه الآيةُ فيهم(٥). (١) مسند أحمد (٢٢٠١٦)، وسنن الترمذي (٢٦١٦)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٣٠)، وسنن ابن ماجه (٣٩٧٣)، وتفسير الطبري ٦١٤/١٨، والمستدرك ٤١٢/٢-٤١٣، والشعب (٣٣٤٩)، والكلام من الدر المنثور ١٧٥/٥ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٦٣/٤، والبغوي ٣/ ٥٠٠، والقرطبي ٣٠/١٧، وجاء عندهم جميعاً بدل قتادة: عبادة، وهو عبادة بن الصامت له كما صرح بذلك البغوي. (٣) سنن الترمذي (٣١٩٦)، وتفسير الطبري ١٨/ ٦١١. (٤) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٥/ ١٧٤ . (٥) الكامل ٦١٢/٢، وعزاه لعبد الله بن أحمد وابن مردويه السيوطي في الدر ١٧٥/٥. وفي إسناده الحارث بن وجيه، قال عنه يحيى كما ذكر ابن عدي: ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: ضعيف. الآية : ١٧ ١٥٥ سُوَرَّةُ السَّجَادَة وقال قتادة وعكرمة: هو أن يصلّي الرجل ما بين المغرب والعشاء؛ واستُدلَّ له بما أخرجه محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى قال: كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء فنزلت فيهم: (نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)(١). وأخرج ابن جريرٍ عن ابن عباس ﴿هَا أنه قال في الآية: تتجافى جنوبُهم لذكر الله تعالى، كلّما استيقظوا ذكروا الله عز وجل، إمَّا في الصلاة وإما في قيام أو قعودٍ أو على جنوبهم، لا يزالون يذكرون الله تعالی(٢). ورَوَی نحوه هو ومحمد بن نصر عن الضحاك(٣). والجمهورُ عوَّلوا على ما هو المشهور، وفي فضل التهجّد ما لا يُحصى من الأخبار، وأفضلُه على ما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ ما كان في الأسحار. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ حالٌ من ضمير ((جنوبهم)) وقد أُضيف إليه ما هو جزءٌ، وجوِّز على احتمال كون جملة ((تتجافى)) إلخ حاليةً أن تكون حالاً ثانيةً ممَّا جُعِلَتْ تلك حالاً منه، وعلى احتمال كونها خبراً ثانياً للمبتدأ أن تكون خبراً ثالثاً، وجوِّز كونها مستأنفةً. والظاهرُ أنَّ المراد بدعائهم ربَّهم سبحانه المعنى المتبادر، وقيل: المراد به الصلاة. ﴿خَوفًا﴾ أي: خائفين من سخطه تعالى وعذابه عزَّ وجلَّ، وعدم قبول عبادتهم ﴿وَطَمعًا﴾ في رحمته تبارك وتعالى، فالمصدران حالان من ضمير ((يدعون))، وجوِّز أن يكونا مصدرين لمقدَّرٍ، أي: يخافون خوفاً ويطمعون طمعاً، وتكونُ الجملة حينئذٍ حالاً، وأن يكونا مفعولاً له، ولا يخفى أنَّ الآية على الحالية أمدحُ. ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ﴾ إياه من المال ﴿ يُفِقُونَ ﴾﴾ في وجوه الخير ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ﴾ أي: كلُّ نفسٍ من النفوس، لا مَلَكُ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ فضلاً عمَّن عَدَاهم، فإنَّ النكرة في سياق النفي تعمُّ. والفاءُ سببيةٌ أو فصيحةٌ، أي: أُغْطُوا فوق رجائهم فلا تعلمُ نفس ﴿مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ﴾ أي: لأولئك الذين عدِّدَتْ نعوتُهم الجليلة (١) الدر المنثور ٥/ ١٧٥، وأخرج نحوه أبو داود (١٣٢١) و(١٣٢٢)، والطبري ٦٠٩/١٨-٦١١ عن أنس بن مالك رضيبه. (٢) تفسير الطبري ١٨/ ٦١٣ . (٣) الدر المنثور ١٧٦/٥، وهو في تفسير الطبري ١٨/ ٦١٢. سُورَةُ السَّحْدَة ١٥٦ الآية : ١٧ ﴿مِّنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ أي: مما تَقَرُّ به أعينٌ، وفي إضافة القُرَّةِ إلى الأعين على الإطلاق لا إلى أعينهم تنبيهٌ على أنَّ ما أخفي لهم في غايةِ الحسن والكمال. وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن النبيِّ وَلاير: ((يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعتْ ولا خَطَرَ على قلب بشر، بَلْهَ ما أَطَلَعْتُكم عليه، اقرؤوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ)) (١). وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانيُّ، والحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوبٌ في التوراة: لقد أعدَّ الله تعالى للذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجع ما لم تَرَ عينٌ ولم تَسْمَعْ أذنٌ ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلمُ مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ. وإنه لفي القرآن: (فَلَا تَعْلَمُ تَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ) (٢). ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: جُوزوا جزاءً بسبب ما كانوا يعملونه من الأعمال الصالحة، فـ ((جزاء)) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ مقدَّرٍ، والجملةُ مستأنفةٌ، وجوِّز جَعْلُها حاليةً. وقيل: يجوزُ جَعْلُه مصدراً مؤكّداً لمضمون الجملة المتقدِّمة. وقيل: يجوز أن يكون مفعولاً له لقوله تعالى: ((لا تعلم نفس)) على معنى: منعتُ العلمَ للجزاء، أو لـ ((أُخْفي)) فإنَّ إخفاءه لعلوِّ شأنه. وعن الحسن أنه قال: أَخْفَى القومُ أعمالاً في الدنيا، فأخفى الله تعالى لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعتْ. أي: أَخْفَى ذلك ليكون الجزاء من جنس العمل. وفي ((الكشف)) أنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الفاء في قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ) رابطةٌ للََّّحق بالسابق، وأصلُه: فلا يعلمون، والعدول لتعظيم الجزاء، وعدمُ ذكر الفاعل في (١) صحيح البخاري (٤٧٨٠)، وصحيح مسلم (٢٨٢٤)، وقوله: بله ما أطلعتكم عليه، أي: دع ذلك فإنه سهل في جنب ما ادُّخر لهم. وجاء في رواية البخاري: من بَلْهِ، أي: من غير. ينظر شرح صحيح مسلم للنووي ١٦٦/١٧، وفتح الباري ٥١٦/٨-٥١٧، وحاشية الشهاب ٧/ ٥٣ . (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١١٢/١٣، وتفسير الطبري ٦١٧/١٨، والمعجم الكبير (٩٠٣٩)، والمستدرك ٢/ ٤١٤، وعزاه للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٧٦/٥ . ١ الآية : ١٧ ١٥٧ سُورَةُ السَجْدَة (أُخفي)) ترشيحٌ له؛ لأنَّ جازِيَهُ مَن هو العظيمُ وحده فلا يذهب وَهلٌ إلى غيره سبحانه. اهـ فتأمل. وقرأ حمزة ويعقوب والأعمش: ((أُخْفيْ)) بسكون الياء فعلاً مضارعاً للمتكلِّم (١)، وابنُ مسعود: ((نخفي)) بنون العظمة(٢). والأعمش أيضاً: «أَخْفَيْتُ)) بالإسناد إلى ضمير المتكلِّم وحده(٣)، ومحمد بن كعب: ((أَخْفَى)) فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل (٤). و((ما)) في جميع ذلك اسمٌ موصولٌ مفعولُ ((تعلم))، والعلمُ بمعنى المعرفة، والعائدُ الضميرُ المستتر النائب عن الفاعل على قراءة الجمهور، وضميرُه محذوفٌ على غيرها . وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون ((ما)) استفهاميةً، وموضعُها رفعٌ بالابتداء و(أُخْفِيَ لهم)) خبرُه على قراءةٍ مَن فتح الياء، وعلى قراءة مَن سكَّنها وجَعَل (أُخْفيْ)) مضارعاً يكون ((ما)) في موضع نصبٍ بـ ((أُخْفيْ))(٥). ويُعلم منه حالُها على سائر القراءات، وإذا كانت استفهاميةً يجوز أن يكون العلمُ بمعنى المعرفة، وأن يكون على ظاهره، فيتعدَّى لمفعولين تسدُّ الجملةُ الاستفهاميةُ مسدّهما، وعلى كلٍّ من احتمالي الموصولية والاستفهامية فالإبهامُ للتعظيم. وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعونٌ العقيلي: ((من قرَّات)) على الجمع بالألِفِ والتاء(٦)، وهي روايةٌ عن أبي عمرو وأبي جعفر والأعمش(٧)، وجمع (١) التيسير ص١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢، والبحر ٢٠٢/٧. (٢) القراءات الشاذة ص١١٨، والبحر ٢٠٢/٧. (٣) القراءات الشاذة ص١١٨، والبحر ٧/ ٢٠٢. (٤) البحر ٧/ ٢٠٢ . (٥) الإملاء ٤ / ١٨٥. (٦) القراءات الشاذة ص١١٨، والمحتسب ١٧٤/٢، والبحر ٢٠٢/٧-٢٠٣. ووقع في الأصل و(م): والعقيلي. والصواب ما أثبتناه. وعون العقيلي له اختيار في القراءة، أخذ القراءة عرضاً عن نصر بن عاصم، وروى القراءة عنه المعلى بن عيسى. طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٦٠٦ . (٧) البحر ٧/ ٢٠٣ عن أبي جعفر والأعمش، والمشهور عن أبي عمرو وأبي جعفر الإفراد. سُورَّةُ السََّجَادَةِ ١٥٨ الآية : ١٨ - ١٩ المصدر أو اسمه لاختلاف أنواع القرَّة. والجارُّ والمجرور في موضع الحال. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقَأْ﴾ أي: أَبَعْدَ ظهور ما بينَهما من التبايُنِ البيِّنِ يُتوهَّم كونُ المؤمن الذي حُكيت أوصافه الفاضلةُ كالفاسق الذي ذُكرت أحوالُه القبيحةُ العاطلة. وأصل الفسق: الخروجُ، من فَسَقَتِ الثمرةُ: إذا خرجتْ من قشرها، ثم استُعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع مطلقاً، فهو أعمُّ من الكفر، وقد يخصُّ به كما في قوله تعالى: ﴿وَمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ اٌلْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] وكما هنا لمقابلته بالمؤمن، مع ما ستسمعُه بعدُ إن شاء الله تعالى. التصريحُ به - مع إفادة الإنكار لنفي المشابهة بالمَرَّة على أبلغ ﴿لَا يَسْتَوُنَ وجهٍ وآكَدِه - لزيادة التأكيد وبناءِ التفصيل الآتي عليه، والجمعُ باعتبار معنى ((مَن)) كما أنَّ الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها . وقيل: الضمير لاثنين وهما المؤمنُ والكافر، والتثنيةُ جمعٌ. ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى﴾ تفصيلٌ لمراتب الفريقين بعد نفي استوائهما، وقيل: بعد ذِكْرٍ أحوالهما في الدنيا، وأضيفت الجنان إلى ((المأوى)) لأنها المأوى والمسكنُ الحقيقيُّ، والدنيا منزلٌ مرتَحَلٌ عنه لا محالةً. وقيل: ((المأوى)) عَلَمٌ لمكانٍ مخصوص من الجنان (١) كعدن، وقيل: جنةُ المأوى؛ لِمَا روي عن ابن عباس أنها تأوي إليها أرواحُ الشهداء. وروي أنها عن يمينٍ العرش. ولا يخفَى ما في جَعْلِهِ عَلَماً من البُعْدِ، وأيّاً ما كان فلا يبعُدُ أن يكون فيه رمزٌ إلى ما ذكر من تَجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا. وقرأ طلحة: ((جنة المأوى)) بالإفراد(٢). ﴾ أي: ثواباً، وهو في الأصل ما يعدُّ للنازل من الطعام والشراب ﴿نُزُ والصِّلة، ثم عمَّ كلَّ عطاءٍ، وانتصابُه على أنه حالٌ من ((جنات))، والعاملُ فيه الظرفُ. وجوِّز أن يكون جمعَ نازلٍ فيكون حالاً من ضمير ((الذين آمنوا)). (١) في الأصل: الجنات. (٢) القراءات الشاذة ص١١٨ . الآية : ٢٠ ١٥٩ سُورَةُ السََّادَةْ وقرأ أبو حيوة: (نُزْلاً)) بإسكان الزاي(١)، كما في قوله: وكنَّا إذا الجبَّارُ بالجيش ضافنا جَعَلْنا القنا والمرهَفاتِ له نُزْلا(٢) ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: بسبب الذي كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، على أنَّ (ما)) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ والباءُ سببية، وكونُ ذلك سبباً بمقتضَى فَضْلِه تعالى ووَعْدِه عزَّ وجلّ فلا ينافي حديثَ: ((لا يدخلُ أحدكم الجنةَ بعمله))(٣). ويجوز أن تكون الباء للمقابلة والمعاوضةِ كعَلَى في نحو: بعتُكَ الدار على ألف درهم، أي: فلهم ذلك على الذي كانوا يعملونه. ﴿وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أي: خرجوا عن الطاعة فكفروا وارتكبوا المعاصي ﴿فَأْوَرُهُمْ﴾ أي: فمسكنُهم ومحلّهم ﴿النَّارُ﴾ وذكر بعضهم أنَّ المأوى صار متعارفاً فيما يكون ملجأً للشخص ومستراحاً يستريح إليه من الحرِّ والبرد ونحوهما، فإذا أُريدَ هنا يكون في الكلام استعارةٌ تهكّمية كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِرْهُم بِعَذَاپٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. وجوِّز أن يكون استعمال ذلك من باب المشاكلة؛ لأنه لمَّا ذكر في أحد القسمين: ((فلهم جنات المأوى))، ذكر في الآخر: ((فمأواهم النار)). ﴿كُمَا أَدُواْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا أُعِيدُواْ﴾ استئنافٌ لبيان كيفية كونِ النار مأواهم، والكلامُ على حدٍّ قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] على ما قيل، والمعنى: كلما شارَفوا الخروجَ منها وقرُبوا منه أُعيدوا فيها ودُفعوا إلى قعرها، فقد روي أنهم يضربُهم لهبُ النار فيرتفعون إلى أعلاها حتى إذا قرُبوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربُهم اللهبُ فيهوون إلى قعرها، وهكذا يُفعل بهم أبداً (٤). وقيل: الكلام على ظاهره إلا أنَّ فيه حذفاً، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا من معظمها أُعيدوا فيها، ويشيرُ إلى أنَّ الخروج من معظمها قولُه تعالى: ﴿فِيَهَا﴾ دون: إليها. وجوِّز أن يكون الكلام هنا عبارةً عن خلودهم فيها. وأيّاً ما كان لا منافاةً بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]. (١) البحر ٢٠٣/٧. (٢) سلف ٢٣٥/٥. (٣) أخرجه البخاري (٦٤٦٤) و(٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨) من حديث عائشة (٤) ذكر نحوه الزمخشري في الكشاف ٩/٣ عن الحسن، والطبري ٤٩٨/١٦ دون نسبة. سُورَةُ السَّجَادَة ١٦٠ الآية : ٢٠ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ تشديداً عليهم وزيادةً في غيظهم ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِىِ كُم بِهِ﴾ أي: بعذاب النار ﴿تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ على الاستمرار في الدنيا، وأُظهرت ((النار)) مع تقدُّمها قبلُ لزيادة التهديد والتخويف، وتعظيمِ الأمر. وذكر ابنُ الحاجب في ((أماليه)) وجهاً آخر للإظهار، وهو أنَّ الجملة الواقعة بعد القول حكايةٌ لِمَا يقال لهم يومَ القيامة عند إرادتهم الخروجَ من النار، فلا يناسبُ ذلك وضعَ الضمير؛ إذ ليس القولُ حينئذٍ مقدَّماً عليه ذِكْرُ النار، وإنما ذَكَرَها سبحانه قبلُ إخباراً عن أحوالهم. ونظر فيه الطيبيُّ (١) عليه الرحمةُ بأنَّ هذا القولَ داخلٌ أيضاً في حيِّز الإخبار؛ لعَطْفِه على ((أُعيدوا)) الواقع جواباً لـ ((كلما))، فكما جاز الإضمارُ في المعطوف عليه جاز فيه أيضاً إن لم يُقْصَدْ زيادةُ التهديد والتخويف. ورُدَّ بأنَّ المانع أنه حكايةٌ لِمَا يقال لهم يومَ القيامة، والأصل في الحكاية أن تكون على وفق المحكيِّ عنه دون تغييرٍ ولا إضمارٍ في المحكيِّ لعدم تقدُّم ذكر النار فيه . وتعقّب بأنه قد يناقَش فيه بأنَّ مراده أنه يجوز رعايةُ المحكيّ والحكاية، وكما أنَّ الأصل رعايةُ المحكيّ الأصلُ الإضمارُ إذا تقدَّم الذكرُ، فلا بدَّ من مرجْحٍ. وقال بعض المحققين: أراد ابن الحاجب أنَّ الإظهار هو المناسبُ في هذه الجملة نظراً إلى ذاتها ونظراً إلى سياقها؛ أما الأولُ فلأنها تقال من غير تقدُّمِ ذِكْرٍ النار، وأما الثاني فلأنَّ سياق الآية للتهديد والتخويف وتعظيم الأمر، وفي الإظهار من ذلك ما ليس في الإضمار، وهذا بعيدٌ من أن يَرِدَ عليه نظرُ الطيبيِّ. والإنصافُ أنَّ كلَّ من الإضمار والإظهار جائزٌ، وأنه رجَّح الإظهارَ اقتضاءُ السياق لذلك. ونُقُل عن الراغب ما يدلُّ على أنَّ المقام في هذه الآية مقامُ الضمير، حيث ذُكر عنه أنه قال في ((درة التنزيل)): إنه تعالى قال هاهنا: (ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُم بِهِ، ثُكَذِّبُونَ) وقال سبحانه في آيةٍ أخرى: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَِّىِ كُم ◌ِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢] فذكَّر جلَّ وعلا هاهنا وأنَّث سبحانه هناك، والسرُّ في ذلك أنَّ (١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية، والكلام من حاشية الشهاب ٧/ ١٥٤.