النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سُوَّةُ السَّجَادَةِ وفي روايةٍ عن ابن عمر: تفضُلان ستِّين درجةً على غيرهما من سور القرآن(١). وأخرج أبو عبيد في ((فضائله)) وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي، والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر قال: كان النبيُّ وَّ لا ينام حتى يقرأ (الّ ® تَزِيلُ) السجدة و(تَبَكَ اَلَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ)(٢). وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّ: ((مَن قرأ (تَبَرَّكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ) و(الّ * تَزِلُ) السجدة بين المغرب والعشاء الآخرةِ فكأنما قام ليلة القدر)»(٣). وروى نحوَه هو والثعلبيُّ والواحديُّ من حديث أبيّ بن كعب(٤). والثعلبيُّ دونهم من حديث ابن عباس(٥). وتعقَّب ذلك الشيخ وليُّ الدين قائلاً: لم أقف عليه، وهذه الرواياتُ كلُّها موضوعةٌ. لكنْ رأيتُ في ((الدر المنثور)) أنَّ الخرائطيَّ أخرج في ((مكارم الأخلاق)) من طريق حاتم بن محمد عن طاوس أنه قال: ما على الأرض رجلٌ يقرأ (الّرّ * تَزِلُ) السجدة و(تَبَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ) في ليلةٍ إلا كُتب له مثلُ أجر ليلةِ القدر. قال حاتم: فذكرت ذلك لعطاء فقال: صدق طاوس، والله ما تركتُهنَّ منذ سمعتُ بهنَّ إلا أنْ أكون مريضاً (٦). ولم أقف على ما قيل في هذا الخبر صحةً (١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٣٦. (٢) فضائل القرآن ص١٣٦، ومسند أحمد (١٤٦٥٩)، ومسند عبد بن حميد (١٠٤٠)، وسنن الدارمي (٣٤١١)، وسنن الترمذي (٢٨٩٢)، وعمل اليوم والليلة للنسائي (٧٠٦)- (٧٠٩)، والمستدرك ٤١٢/٢، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٧٠/٥، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد (١٢٠٧) و(١٢٠٩). (٣) الدر المنثور ١٧٠/٥. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٣١: في إسناده داود بن معاذ، وهو ساقط. (٤) تفسير الثعلبي ٣٥١/٧، وهو فيه من طريق ابن عباس عن أبيٍّ عن النبي ◌َّ، وفي إسناده أبو عصمة نوح بن أبي مريم، قال عنه الحافظ في التقريب: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. وهو في الوسيط للواحدي ٤٤٩/٢ من طريق هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب به. قال الذهبي في الميزان ٢٨٦/٤ : هارون بن کثیر عن زيد بن أسلم مجهول، وزيد عن أبيه نكرة. (٥) تخريج أحاديث الكشاف ص١٣١، وينظر الموضوعات لابن الجوزي ٣٠٣/٢ -٣٠٦. (٦) الدر المنثور ١٧١/٥. سُورَةُ التَجَادَة ١٢٢ الآية : ١ - ٢ وضعفاً ووضعاً، وفيه أخبارٌ كثيرةٌ في فضلها غير هذا، والله تعالى أعلم بحالها . وكان رَلهُ يقرؤها و(هَلْ أَ) في صلاة فجر الجمعة، وهو مُشْعِرٌ بفَضْلِها، والحديثُ في ذلك صحيحٌ لا مقال فيه؛ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائيُّ وابن ماجه عن أبي هريرةَ قال: كان رسول اللهِ وَلم يقرأ في الفجر يومَ الجمعة (الّمّ * تَنزِيلُ) السجدة و(هَلْ أَفَ عَلَى الْإِنسَنِ)(١). وأخرج أبو داود وهؤلاء إلا البخاريَّ نحوَه عن ابن عباس(٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الّ ﴾﴾ إنْ جُعل اسماً للسورة أو القرآنِ فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا الم، وقولُه تعالى: ﴿تَزِلُ الْكِتَبِ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ على أنه مصدرٌ باقٍ على معناه لقَصْدِ المبالغة، أو بتقديرٍ مضافٍ، أو هو مؤوَّلٌ باسم المفعول - أي: مُنْزَلُ - وإضافتُه إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف، أو بيانيةٌ بمعنى مِن، وقولُه سبحانه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبرٌ ثالثٌ، وقولُه تعالى: ﴿مِن رَّبِّ اَلْعَلَمِينَ ﴾﴾ خبرٌ رابعٌ. وجوِّز أن يكون (الّّ) مبتدأ وما بعده أخبارٌ له، أي: المسمَّى بالم الكتابُ المنزلُ لا ريب فيه كائنٌ من ربِّ العالمين. وتعقِّب بأنَّ ما يُجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون قبل ذلك معلومَ الانتساب إليه، وإذ لا عَهْدَ بالنسبة قبلُ فحقُّها الإخبارُ بها . وقال أبو البقاء: ((الم)) يجوزُ أن يكون مبتدأً، و((تنزيل)) بمعنى منزَلٍ خبرُه، و ((لا ريب فيه)) حال من ((الكتاب)) والعامل فيها المضافُ، وهي حالٌ مؤكِّدٌ، و((من ربّ)) متعلُّقٌ بـ ((تنزيل))، ويجوز أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير (١) مصنف ابن أبي شيبة ١٤١/٢، وصحيح البخاري (٨٩١)، وصحيح مسلم (٨٨٠)، وسنن النسائي ١٥٩/٢، وسنن ابن ماجه (٨٢٣)، وهو عند أحمد (١٠١٠٢). (٢) صحيح مسلم (٨٧٩)، وسنن أبي داود (١٠٧٥)، وسنن النسائي ١١١/٣، وهو عند أحمد (١٩٩٣). الآية : ٣ ١٢٣ سُورَةُ السَّجَادَةِ المجرور في ((فيه)) والعامل فيها الظرف لا ((ريب)) لأنه هنا مبنيٌّ(١). وفيه ما سمعتَ، وهذا التعلُّقُ يجوز أيضاً على تقدير أن يكون ((الم)) خبر مبتدأ محذوفٍ وما بعده أخباراً لذلك المحذوف. وإن جُعِلَ ((الم)) مسروداً على نمط التعديد فلا محلَّ له من الإعراب، وفي إعراب ما بعدُ عدةُ أوجهٍ، قال أبو البقاء: يجوزُ أن يكون ((تنزيل)) مبتدأ و ((لا ريب فيه)) الخبر و((من ربِّ)) حالٌ كما تقدم، ولا يجوزُ على هذا أن يتعلَّق بـ ((تنزيل)) لأنَّ المصدر قد أُخْبِرَ عنه، ويجوز أن يكون الخبر ((من ربِّ))، و((لا ريبَ)) حالاً من ((الكتاب))، وأن یکون خبراً بعد خبر (٢). انتهى. ووجهُ مَنْع التعلُّق بالمصدر بعد ما أُخبر عنه أنه عاملٌ ضعيفٌ، فلا يتعدَّى عملُه لِمَا بعد الخبر، وعن التزام حديث التوسُّع في الظرف سعةٌ هنا، أو أنَّ المتعلّق من تمامه والاسمُ لا يخبرُ عنه قبل تمامه. وجوَّز ابن عطية تعلُّق ((من ربِّ)) بـ ((ريب))(٣). وفيه أنه بعيدٌ عن المعنى المقصود. وجوَّز الحوفي كونَ ((تنزيل)) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: المؤلّفُ من جنس ما ذُكر تنزيلُ الكتاب، وقال أبو حيان: الذي أختارُه أن يكون ((تنزيل)) مبتدأ و((لا ريب فيه)) اعتراضٌ لا محلَّ له من الإعراب، و((من ربِّ العالمين)) الخبر(٤). وضمير ((فيه)) راجعٌ لمضمون الجملة، أعني كونه منزلاً من ربِّ العالمين، لا للتنزيل ولا للكتاب، كأنه قيل: لا ريبَ في ذلك، أي: في كونه منزلاً من ربِّ العالمين، وهذا ما اعتمد عليه الزمخشريُّ وذكر أنه الوجهُ، ويشهدُ لوجاهته قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ﴾ فإنَّ قولهم: هذا مفترَى، إنكارٌ لأنْ يكونَ من ربِّ (١) الإملاء ٤/ ١٨٣. (٢) المصدر السابق. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٧/٤. وقال أبو حيان في البحر ٧/ ١٩٧: ليس بجيد؛ لأن نفي الريب عنه مطلقاً هو المقصود. (٤) البحر ١٩٦/٧ . سُورَةُ السَّجَادَةِ ١٢٤ الآية : ٣ العالمين(١)، أي: فالأنسبُ أن يكون نفيُ الريب عمَّا أنكروه، وهو كونُه من ربُّ العالمين جلَّ شأنه، وقيل: أي: فلا بدَّ من أنْ يكونَ مورده حكماً مقصوداً بالإفادة لا قيداً للحكم بنفي الريب عنه. وفيه بحثٌ. وكذا قولُه سبحانه: (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ) فإنه تقريرٌ لِمَا قبله، فيكونُ مثله في الشهادة، ثم قال في نظم الكلام على ذلك: إنه أسلوبٌ صحيحٌ مُحْكَمٌ، أَثْبتَ سبحانه أولاً أنَّ تنزيله من ربِّ العالمين وأن ذلك مما لا ريب فيه، أي: لا مدخلَ للريب في أنه تنزيلُ الله تعالى، وهو أبعدُ شيءٍ منه؛ لأنَّ نافيَ الريب ومميطّه معه لا ينفك أصلاً عنه، وهو كونُه معجزاً للبشر، ثم أضرب جلَّ وعلا عن ذلك إلى قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ)؛ لأن ((أم)) هي المنقطعةُ الكائنةُ بمعنى بل والهمزة، إنكاراً لقولهم وتعجيباً منه؛ لظهورِ عجز بُلغائهم عن مثل أقصرِ سورةٍ منه، فهو إمَّا قولُ متعنِّتٍ مكابرٍ، أو جاهلٍ عمِيَتْ منه النواظر، ثم أضرب سبحانه عن الإنكار إلى إثبات أنه الحقُّ من ربك(٢). وفي ((الكشف)) أنَّ الزمخشريَّ بيَّن وجاهة كون ((تنزيل الكتاب)) مبتدأً و ((لا ريب فيه)) اعتراضاً و((من ربِّ العالمين)) خبراً بحُسْنِ موقع الاعتراض إذ ذاك، ثم حُسْنِ الإنكار على الزاعم أنه مفترّى مع وجود نافي الريب ومميطِه، ثم إثباتِ ما هو المقصودُ وعدم الالتفات إلى شَغَبِ هؤلاء المكابِرَةِ بعد التلخيص البليغ بقوله تعالى: ﴿بَلَ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ وما في إيثار لفظ ((الحق)) وتعريفِه تعريفَ الجنس من الحُسْنِ. ويَقْرُبُ عندي من هذا الوجه جَعْلُ ((تنزيل)) مبتدأ، وجملة ((لا ريب فيه)) في موضع الحال من ((الكتاب)) و((من رب)) خبراً، فتدبَّرْ ولا تغفل. وزعم أبو عبيدة أنَّ ((أم)) بمعنى بل الانتقالية، وقال: إنَّ هذا خروجٌ من حديثٍ إلى حديثٍ(٣)، وليس بشيء. (١) الكشاف ٣/ ٢٤٠. (٢) المصدر السابق. (٣) مجاز القرآن ١٣١/٢، وقوله: إن هذا خروج من حديث ... ، هو من كلام أبي حيان في البحر ١٩٧/٧، وعنه نقل المصنف. الآية : ٣ ١٢٥ سُوَّةُ السَّجَدَة والظاهر أنَّ ((من ربك)) في موضع الحال، أي: كائناً من ربِّك. وقيل: يجوزُ جَعْلُه خبراً ثانياً . وإضافةُ الربِّ إلى ((العالمين)) أولاً، ثم إلى ضمير سيد المخاطَبين والتي ثانياً، بعدَ ما فيه من حُسْنِ التخلّص إلى إثبات النبوَّةِ وتعظيم شأنِه علا شأنُه، فيه أنه وِّ العبدُ الجامع الذي جُمِعَ فيه ما فرِّقَ في العالم بالأسر، وورودُه على أسلوب الترقِّي دلَّ على أنَّ جمعيتهِ وَلّهِ أَتمُّ مما لكلِّ العالَم، وحقَّ له ذلك صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّ أَتَنَّهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ بيانٌ للمقصود من تنزيله، فقيل: هو متعلِّقٌ بـ ((تنزيل)). وقيل: بمحذوفٍ، أي: أنزله لتنذر .. إلخ. وقيل: بما تعلَّق به «من ربك)). و((قوماً)) مفعولٌ أول لـ ((تنذر))، والمفعول الثاني محذوفٌ، أي: العقابَ. و((ما)) نافيةٌ كما هو الظاهر، و((من)) الأولى صلةٌ، و((نذير)) فاعلُ ((أتاهم))، ويطلق على الرسول وهو المشهورُ، وعلى ما يعمُّه والعالِمَ الذي ينذرُ عنه عزَّ وجل؛ قيل: وهو المرادُ هنا كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وجوِّز أن يكون النذير ها هنا مصدراً بمعنى الإنذار. و(من قبلك)) أي: من قبل إنذارك، أو: من قبل زمانك، متعلّقٌ بـ ((أتى))، والجملةُ في موضع الصفة لـ ((قوماً))، والمراد بهم قريشٌ على ما ذهب إليه غيرُ واحد؛ قال في ((الكشف)): الظاهرُ أنه لم يُبْعَثْ إليهم رسولٌ منهم قبلَ رسول الله وَ ﴿، وكانوا مُلْزَمين بشرائع الرسل من قبلُ وإن كانوا مقصِّرين في البحث عنها، لاسيما دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إن قلنا: إنَّ دعوتي موسى وعيسى عليهما السلام لم تعمَّا، وهو الأظهر. وقد تقدَّم لك القولُ بانقطاع حُكْمٍ نبوَّةِ كلِّ نبيِّ ما عدا نبيَّنَا وَليهِ بعد موته، فلا يكلّفُ أحدٌ مطلقاً يجيءُ بعده باتِّباعه، والقولُ بالانقطاع إلا بالنسبة لمن كان من ذريته(١). (١) ينظر ما سلف ٢٠٣/٢٠-٢٠٤. سُورَةُ السَّجَادَة ١٢٦ الآية : ٣ والظاهرُ أنَّ قريشاً كانوا ملزمين بملَّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وأنهم لم يزالوا على ذلك إلى أن فَشَتْ في العرب عبادةٌ الأصنام التي أحدثها فيهم عمرو الخزاعيُّ لعنه الله تعالى، فلم يبق منهم على الملَّة الحنيفية إلا قليلٌ، بل أقلُّ من القليل، فهم داخلون في عموم قوله تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمٍَّ إِلَّا خَلَا فِيَهَا نَذِيرٌ) فإنه عام للرسول وللعالِمِ الذي يُنْذِرُ، کذا قيل. واستشكل مع ما هنا، وأُجيب بأن المراد هنا: ما أتاهم نذيرٌ منهم من قبلك، وإليه يشير كلامُ ((الكشف))، وهناك: إلَّا خلا فيها نذيرٌ منها أو من غيرها، أو يُحمل النذير فيه على الرسول، وفي تلك الآية على الأعم، قال أبو حيان في تفسير سورة الملائكة: إنَّ الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كلِّ أمة، إمَّا بمباشرةٍ من أنبيائهم وإما بنقلٍ، إلى وقتِ بعثةِ محمدِ نَّه، والآياتُ التي تدلُّ على أنَّ قريشاً ما جاءهم نذيرٌ معناها: لم يباشرهم وآباءهم الأقربين، وأمَّا أنَّ النذارةَ انقطعت فلا، نعم لمَّا شَرَعَتْ آثارُها تندرِسُ بُعِثَ محمدٌ وَّهِ. وما ذكره أهلُ علم الكلام من حالٍ أهل الفترات فإنَّ ذلك على حسب الفرض لا أنه واقعٌ، فلا توجَدُ أمةٌ على وجه الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله عزَّ وجل وعبادته(١). انتهى. وفي القلب منه شيءٌ، ومقتضاه أنَّ المنفيَّ هاهنا إتيانُ نذيرٍ مباشرٍ - أي: نبيِّ من الأنبياء عليهم السلام - قريشاً الذين كانوا في عصره وَ ﴿ قبله وَّر، وأنه كان فيهم مَن ينذرُهم ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده بالنقل، أي: عن نبيٍّ كان يدعو إلى ذلك، والأول مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، بل لا ينبغي أن يتوقّف فيه إنسان، والثاني مظنونُ التحقُّق في زيد بن عمرو بن نفيل العدويِّ والدِ سعيدٍ أحدٍ العشرة، فإنه عاصَرَ النبيَّ وَِّ، واجتمع وآمن به قبل بعثته وَّل، ولم يُدْرِكُها إذ قد مات وقريشٌ تبني الكعبة، وكان ذلك قبل البعثة بخمس سنين، وكان على ملَّة إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام، فقد صحَّ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيتُ زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي بيده ما أصبح أحدٌ منكم على دين إبراهيم (١) البحر ٣١٠/٧. الآية : ٣ ١٢٧ سُؤَدَّةُ السَّجَادَة غيري(١). وفي بعض طرق الخبر عنه أيضاً بزيادةٍ: وكان يقول: اللهم إني لو أعلمُ أحبَّ الوجوه إليك عبدتُك به، ولكنِّي لا أعلم. ثم يسجدُ على راحلته (٢). وذكر موسى بن عقبة في المغازي: سمعتُ مَن أَرْضَى يحدِّث أنَّ زيد بن عمرو كان يعيبُ على قريشٍ ذَبْحَهم لغير الله تعالى، وصحَّ أنه لم يأكل من ذبائح المشركين التي أُهِلَّ بها لغير الله(٣). وأخرج الطيالسيُّ في مسنده عن ابنه سعيد أنه قال: قلتُ للنبيِّ وَّر: إنَّ أبي كان كما رأيتَ وكما بلغك، أفأستغفرُ له؟ قال: ((نعم فإنه يُبعث يومَ القيامة أمةً وحده»(٤). ولا يبعُدُ ممن كان هذا شأنه الإنذارُ والدعوةُ إلى عبادة الله تعالى، بل مَن أَنْصفَ يرى تضمُّنَ كلامه الذي حكته أسماءُ، وإنكارَه على قريشِ الذبحَ لغير الله تعالى الذي ذكره الطيالسيُّ(٥)، الدعوةَ إلى دين إبراهيم عليه السلام وعبادةِ الله سبحانه وحده. وكذا تضمَّن كلامه النقل أيضاً. ويُعلم مما نقلناه أن الرجل ◌ُه لم يكن نبياً وهو ظاهرٌ، وزعم بعضُهم أنه كان نبيًّا، واستدلَّ على ذلك بأنه كان يسندُ ظهره إلى الكعبة ويقول: هلمُّوا إليَّ فإنه لم (١) علقه البخاري (٣٨٢٨)، ووصله ابن سعد ٣٨٠/٣، والحاكم ٤٤٠/٣ وصححه، والذهبي في السير ١٢٨/١، وأخرجه أيضاً ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢٢٥/١. (٢) وردت هذه الزيادة في رواية ابن إسحاق للحديث التي في سيرة ابن هشام ٢٢٥/١، وذكرها الذهبي في السير ١٢٩/١، وابن حجر في التهذيب ٦٦٩/١، وعندهم جميعاً: راحته، بدل: راحلته. (٣) أخرجه البخاري (٣٨٢٦) من حديث ابن عمر ؤثًّا، وفيه :... ثم قال زيد: إني لستُ آكلُ إلا ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله. إنكاراً لذلك وإعظاماً له. (٤) مسند الطيالسي (٢٣٤)، وأخرجه أحمد (١٦٤٨)، وفي إسناده المسعودي، قال الذهبي في السير ١٢٩/١ : المسعودي ليس بحجة. (٥) ورد إنكاره على قريش ذلك ضمن حديث سعيد بن زيد الذي سلفت قطعة منه آنفاً، وورد ذلك أيضاً في حديث ابن عمر عند البخاري، وقد سلف تخريجه قريباً. سُورَةُ السَّجَادَةِ ١٢٨ الآية : ٣ يَبْقَ على دين الخليل غيري. وصحةُ ذلك ممنوعةٌ، وعلى فَرَضِ التسليم لا دليلَ فيه على المقصود، كما لا يخفى على مَن له أدنى ذوق. ومِثْلُ زِيدٍ ◌َُبهِ قِسُّ بنُ ساعدة الإياديُّ، فإنه ﴿ كان مؤمناً بالله عز وجل داعياً إلى عبادته سبحانه وحده، وعاصَر النبيَّ وَّ، ومات قبل البعثة على الملَّة الحنيفية، وكان من المعمَّرين، ذكر السجستاني أنه عاش ثلاث مئةٍ وثمانين سنة(١)، وقال المرزباني: ذكر كثيرٌ من أهل العلم أنه عاش ستَّ مئة سنة(٢)، وذكروا في شأنه أخباراً كثيرةً، لكنْ قال الحافظُ ابن حجر في كتابه «الإصابة)»: قد أَفرد بعضُ الرواة طريقَ [حديث] قسِّ وفيه شعرُه وخطبتُه، وهو في الطوالات للطبراني وغيرها، وطرقُه كلُّها ضعيفةٌ، وعَدَّ منها ما عَدَّ فليراجَعْ(٣). ثم إنَّ الإشكال إنما يتوهّم لو أُريدَ بقريش جميعُ أولاد قصيٍّ أو فهرٍ أو النضر أو إلياس أو مضر، أمَّا إذا أُريدَ مَن كان منهم حين بعث وَّر فلا، كما لا يخفى على المتأمِّل، فتأمَّل. وقيل: المراد بهم العربُ: قريشٌ وغيرُهم، ولم يأتِ المعاصرين منهم رسولَ اللهِوَ * نذيرٌ من الأنبياء عليهم السلام غيرُهُ وََّ، وكان فيهم مَن ينذر ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده وليس بنبيٍّ على ما سمعتَ آنفاً، وأمَّا العرب غيرُ المعاصرين فلم يأتهم من عهد إسماعيل عليه السلام نبيٌّ منهم، بل لم يُرْسَلْ إليهم نبيٌّ مطلقاً، وموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام لم يُبعثوا إليهم على الأظهر، وخالد بنُ سنانِ العبسيُّ عند الأكثرين ليس بنبيٍّ، وخبرُ ورود بنتٍ له عجوزٍ على النبيِّ وَِّ، وقوله وَّ لها: ((مرحباً بابنة نبيِّ ضيَّعه قومُه)) ونحوُه من الأخبار مما للحقَّاظ فيه مقالٌ لا يَضْلُحُ معه للاستدلال، وفي شروح ((الشفا)) و((الإصابة)) للحافظ ابن حجر بعضُ الكلام في ذلك(٤). (١) المعمرون لأبي حاتم السجستاني كما في الإصابة ٢٥٣/٨-٢٥٤. (٢) معجم الشعراء للمرزباني ص٢٢٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في الإصابة ٨/ ٢٥٤. (٣) الإصابة ٢٥٥/٨، وما سلف بين حاصرتين منه، وحديث قس في الأحاديث الطوال للطبراني (٢٢). (٤) (نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض)) للخفاجي ٥٥٢/٤، والإصابة ١٧٧/٣-١٨٢، = الآية : ٤ ١٢٩ سُورَةُ السَّجَادَة وقيل: المراد بهم أهلُ الفترة من العرب وغيرهم حتى أهل الكتاب، والمعنى: ما أتاهم نذيرٌ من قبلك بعد الضلال الذي حدث فيهم. هذا وكأنّي بك تَحمِلُ النذير هنا على الرسول الذي ينذر عن الله عز وجل، وكذا في قوله تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) ليوافق قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَيْنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ﴾ [النحل: ٣٦] وأظنُّ أنك تجعلُ التنوين في ((أمة)) للتعظيم، أي: وإن من أمةٍ جليلةٍ معتنّى بأمرها إلا خلا فيها نذيرٌ، ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ جليلةٍ معتنّى بأمرها رسولاً (١). أو تعتبر العربَ أمةً، وبني إسرائيل أمةً، ونحو ذلك أمةً، دون أهل عصرٍ واحدٍ، وتحملُ مَن لم يأتهم نذيرٌ على جماعةٍ من أمةٍ لم يأتهم بخصوصهم نذير. ومما يُستأنس به في ذلك أنه حين يُنْفَى إتيانُ النذير يُنْفَى عن قومٍ ونحوِه لا عن أمة، فليتأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامُ الكلام في هذا المقام. وجوِّز كونُ ((ما)) موصولةً وقعت مفعولاً ثانياً لـ ((تنذر)) و ((من نذير)) عليه متعلِّقٌ بـ ((أتاهم))، أي: لتنذر قوماً العقابَ الذي أتاهم من نذيرٍ من قبلك، أي: على لسان نذيرٍ من قبلك، واختاره أبو حيان(٢)، وعليه لا مجالَ لتوهُّم الإشكال، لكنْ لا يخفَى أنه خلافُ المتبادر الذي عليه أكثر المفسرين. والاقتصارُ على الإنذار في بيان الحكمة لأنه الذي يقتضيه قولهم: ((افتراه))، دون التبشير. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾ أي: لأَجْلٍ أن يهتدوا بإنذارك إياهم، أو: راجياً لاهتدائهم. وجَعْلُ الترجّي مستعاراً للإرادة منسوباً إليه عز وجل نزغةٌ اعتزالية. ﴿اَللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ = وحديث: ((مرحباً بابنة .. .)) ذكر له ابن حجر روايات كثيرة، وأخرجه هو عن سعيد بن جبير وقال: وهذا أصح ما وقفت عليه في ذلك مع إرساله. اهـ، ولكن ذكر الخفاجي أنه يعارضه حديث البخاري: ((لا نبي بيني وبين عيسى)). وقد سلف الكلام في المسألة ٨٨/٢٠. (١) بعدها في الأصل: منهم. (٢) في البحر ٧/ ١٩٧ . الآية : ٥ ١٣٠ سُورَةُ التَّجْدَة مرَّ بيانه فيما سلف على مذهبي السلف والخلف(١). ﴿مَا لَكُمْ مِن دُونِهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا شَفِّعْ﴾ أي: ما لكم مجاوِزِينَ اللهَ عزَّ وجلَّ - أي: رضاه سبحانه وطاعتَه تعالى - وليٍّ ولا شفيعٌ، أي: لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه جلَّ جلاله، فـ ((من دونه)) حالٌ من مجرورِ ((لكم))، والعاملُ الجارُّ أو متعلَّقه، وعلى هذا المعنى لا دليلَ في الخطاب على أنه تعالى شفيعٌ دون غيره ليقال: كيف ذاك وتعالى جلَّ شأنه أن يكون شفيعاً؟ وكفى في ذلك ردُّه ◌َليه على الأعرابي حيث قال: إنَّا نستشفعُ بالله تعالى إليك(٢). وقد يقال: الممتنعُ إطلاقُ الشفيع عليه تعالى بمعناه الحقيقيّ، وأمَّا إطلاقُه عليه سبحانه بمعنى الناصر مجازاً فليس بممتنع، ويجوزُ أن يعتبر ذلك هنا، وحينئذٍ يجوز أن يكون (من دونه)) حالاً مما بعدُ قدِّمَ عليه لأنه نكرةٌ، و((دون)) بمعنی غیر، والمعنى: ما لكم وليٍّ ولا ناصرٌ غيرُ الله تعالى. ويجوز أن يكون حالاً من المجرور كما في الوجه السابق، والمعنى: ما لكم إذا جاوزتُم ولايتَه ونصرته جلَّ وعلا وليّ ولا ناصر. ويظهر لي أنَّ التعبير بالشفيع هنا من قَبِيل المشاكلة التقديرية؛ لِمَا أنَّ المشركين المنذرين كثيراً ما كانوا يقولون في آلهتهم: هؤلاء شفعاؤنا، ويزعمون أنَّ كلَّ واحدٍ منها شفيعٌ لهم. ﴿أَفَلَا نَتَذَّكَرُونَ ﴾﴾ أي: ألا تسمعون هذه المواعظَ فلا تتذكرون بها، أو: أتسمعونها فلا تتذكرون بها، فالإنكارُ على الأول متوجّهٌ إلى عدم السماع وعدمِ التذكُّر معاً، وعلى الثاني إلى عدم التذكُّر مع تحقَّقِ ما يوجبُه من السماع. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ قيل: أي: أَمْرَ الدنيا وشؤونَها، وأصلُ التدبير: النظرُ في دابر الأمر والتفكّر فيه لَيَجِيءَّ محمودَ العاقبة، وهو في حقِّه عزّ وجلَّ مجازٌ عن إرادة الشيء على وجه الإتقان ومراعاةِ الحكمة، والفعلُ مضمَّنٌ معنى الإنزال، والجارَّان في قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ متعلِّقان به، و((من)) ابتدائيةٌ و((إلى)) (١) عند تفسير الآية (٥٤) من سورة الأعراف. (٢) سلف ١٧٦/٧ و٢٢٣/١٦، وفيه: عليك، بدل: إليك. الآية : ٥ ١٣١ سُورَةُ التَّجَادَة انتهائيةٌ، أي: يريده تعالى على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة مُنْزِلاً له من السماء إلى الأرض، وإنزالُه من السماء باعتبار أسبابه، فإنَّ أسبابه سماويةٌ من الملائكة عليهم السلام وغيرهم. ◌ِثُمَّ يَعْرُجُ﴾ أي: يصعدُ ويرتفعُ ذلك الأمرُ بعد تدبيره ﴿إِلَيْهِ﴾ عزَّ وجل، وهذا العروجُ مجازٌ عن ثبوته في علمه تعالى، أي: تعلُّقِ عِلْمِه سبحانه به تعلُّقاً تنجيزيّاً بأن يعلمه جل وعلا موجوداً بالفعل، أو عن كتابته في صحف الملائكة عليهم السلام القائمين بأمره عز وجل موجوداً كذلك. ﴿فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَّكْرٍ مِّمَا تَعُدُّونَ ﴾﴾ أي: في برهةٍ متطاولةٍ من الزمان، فليس المراد حقيقةً العدد، وعبّر عن المدة المتطاولة بالأَلْفِ لأنها منتهى المراتب وأقصى الغايات، وليس مرتبةٌ فوقها إلا ما يتفرَّع منها من أعداد مراتبها. والفعلان متنازعان في الجارِّ والمجرور، وقد أُعمل الثاني منهما فيه، فتفيد الآيةُ طولَ امتداد الزمان بين تعلَّق إرادته سبحانه بوجود الحوادث في أوقاتها متقنةً مراعى فيها الحكمةُ، وبين وجودها كذلك، وظاهرها يقتضي أنَّ وجودها لا يتوقَّفُ على تعلُّق الإرادة مرةً أخرى، بل يكفي فيه التعلَّقُ السابق. وقيل: ((في يوم)) متعلِّقٌ بـ ((يعرج)) وليس الفعلان متنازعين فيه، والمرادُ بعروج الأمر إليه بعد تدبيره سبحانه إياه وصولُ خبر وجوده بالفعل كما دبّر جل وعلا بواسطة الملك، وعَرْضُه ذلك في حضرةٍ قد أعدَّها سبحانه للإخبار(١) بما هو جلَّ جلالُه أعلمُ به، إظهاراً لكمال عظمته تبارك وتعالى وعظيم سلطنته جلَّت سلطنتُه، وهذا كعرض الملائكة عليهم السلام أعمالَ العباد الوارد في الأخبار، و((ألف سنةٍ)) على حقيقتها، وهي مسافةُ ما بين الأرض ومحدَّب السماء الدنيا بالسير المعهود للبشر، فإنَّ ما بين السماء والأرض خمسُ مئة عام وثخن السماء كذلك كما جاء في الأخبار الصحيحة(٢)، (١) في (م): للاختبار، وهو تصحيف. (٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص٢١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥١) و(٨٥٢) عن عبد الله بن مسعود به موقوفاً. ورويت فيه أحاديث مرفوعة، إلا أنها كلها ضعيفة، ينظر حديث أبي هريرة ظله عند أحمد (٨٨٢٨)، والترمذي (٣٢٩٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٤٩). وحديث أبي ذر حظوته عند البزار (٤٠٧٥)، والبيهقي في الأسماء = سُورَةُ السَّجَادَةِ ١٣٢ الآية : ٥ والملكُ يقطع ذلك في زمانٍ يسير، فالكلامُ على التشبيه، فكأنه قيل: يريد تعالى الأمرَ متقناً مراعى فيه الحكمةُ بأسبابٍ سماويةٍ نازلةٍ آثارُها وأحكامُها إلى الأرض، فيكون كما أراد سبحانه، فيعرج ذلك الأمر مع الملك ويرتفعُ خبرُه إلى حضرته سبحانه في زمانٍ هو كألف سنةٍ مما تعدُّون. وقيل: العروجُ إليه تعالى صعودُ خبرِ الأمر مع الملك إليه عز وجل، كما هو مرويٌّ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة والضحاك، والفعلان متنازعان في (يوم)، والمراد أنه زمانُ تدبير الأمر لو دبَّره البشر، وزمانُ العروج لو كان منهم أيضاً، وإلا فزمانُ التدبير والعروج يسيرٌ. وقيل: المعنى: يدبِّر أمر الدنيا بإظهاره في اللوح المحفوظ، فينزلُ الملك الموّلُ به من السماء إلى الأرض، ثم يرجع الملك أو الأمرُ مع الملك إليه تعالى في زمانٍ هو نظراً للنزول والعروج كألف سنة مما تعدُّون، وأُريدَ به مقدارُ ما بين الأرض ومقعَّرٍ سماء الدنيا ذهاباً وإياباً، والظاهر أن ((يدبِّر)) عليه مضمَّنٌ معنى الإنزال، والجارَّان متعلِّقان به لا بفعلٍ محذوفٍ، أي: فينزل به الملكُ من السماء إلى الأرض كما قيل. وزعم بعضهم أنَّ ضمير ((إليه)) للسماء، وهي قد تُذكَّر كما في قوله تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهِءٍ﴾ [المزمل: ١٨]. وقيل: المعنى: يدبِّر سبحانه أمرَ الدنيا كلِّها من السماء إلى الأرض لكلِّ يوم من أيام الربِّ جلَّ شأنه، وهو ألفُ سنة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، ثم يصير إليه تعالى ويثبتُ عنده عز وجل ويُكتبُ في صحف ملائكته جل وعلا كلَّ وقتٍ من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود، إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبِّر أيضاً ليومٍ آخر، وهلمَّ جرّاً إلى أن تقوم الساعةُ. ويشير إلى هذا ما روي عن مجاهد قال: إنه تعالى يدبِّر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنةٍ من سنيننا، وهو اليومُ عنده تعالى، = والصفات (٨٥٠)، والذهبي في تذكرة الحفاظ ٧٤٨/٢. وحديث العباس بن عبد المطلب به عند أحمد (١٧٧٠)، وينظر ما سلف ٤٢٦/١٣ و٨٤/١٧ وما بعد. الآية : ٥ ١٣٣ سُورَةُ السَّجَادَة فإذا فرغت ألقى إليهم مثلَها. وعليه ((الأمر)) بمعنى الشأن، والجارَّان متعلِّقان به أو بمحذوف حال منه، ولا تضمين في ((يدبر))، والعروجُ إليه تعالى مجازٌ عن ثبوته وكَتْبِه في صحف الملائكة، و((ألف سنة)) على ظاهره، و((في يوم)) متعلِّق(١) بالفعلين وأُعمل الثاني، كأنه قيل: يدبِّر الأمر ليوم مقدارُه كذا ثم يعرج إليه تعالى فيه، كما تقول: قصدتُ ونظرتُ في الكتاب، أي: قصدتُ إلى الكتاب ونظرتُ فيه، ولا يَمنعُ اختلافُ الصلتين من التنازع، وتكرارُ التدبير إلى يوم القيامة يدلُّ عليه العدولُ إلى المضارع مع أنَّ الأمر ماضٍ، كأنه قيل: يجدّد هذا الأمر مستمرًّا. وقيل: المعنى: يدبِّر "مر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه تعالى ذلك الأمرُ كلَّه، أي: يصير إليه سبحانه ليحكم فيه في يوم كان مقدارُه ألف سنة، وهو يوم القيامة، وعليه ((الأمر)) بمعنى الشأن، والجارَّان متعلِّقان به أو بمحذوف حال منه، كما في سابقه، والعروجُ إليه تعالى: الصيرورةُ إليه سبحانه، لا ليثبتَ في صحف الملائكة بل ليَحْكُمَ جل وعلا فيه، و((في يوم)) متعلّقٌ بالعروج، ولا تنازُع، والمرادُ بيوم مقدارُه كذا: يومُ القيامة، ولا ينافي هذا قولَه تعالى: ﴿كَنَ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنٍَ﴾ [المعارج: ٤] بناءً على أحد الوجهين فيه لتفاوت الاستطالة على حَسَبِ الشدة، أو لأنَّ ثَمَّ خمسين موطناً كلُّ موطنٍ ألف سنةٍ. وقيل: المعنى: يُنْزِلُ الوحيَ مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض ثم يَرْجِعُ إليه تعالى ما كان من قبوله أو ردِّه مع جبريل عليه السلام في يوم مقدارُ مسافة السير فيه ألفَ سنةٍ، وهو ما بين السماء والأرض هبوطاً وصعوداً، فالأمرُ عليه مرادٌ به الوحيُّ، كما في قوله تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهٍ﴾ [غافر: ١٥] والعروجُ إليه تعالى عبارةٌ عن خبر القبول والردِّ مع عروج جبريل عليه السلام والتدبير والعروج في اليوم لكن على التوسُّع والتوزيع، فالفعلان متنازعان في الظرف ولكن لا اختلافَ في الصلة، ولا تُنافي الآيةُ على هذا قولَه تعالى شأنه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ ﴾﴾ بناءً على الوجه الآخر فيه - وستَعْرِفُهما إن شاء الله تعالى - لأنَّ العروج فيه إلى العرش وفيها إلى السماء الدنيا، وكلاهما عروجٌ إلى الله تعالى على التجوَّز. (١) في (م): يتعلق. سُورَةُ المَجْدَة ١٣٤ الآية : ٥ وقيل: المراد بالأمر: المأمورٌ به من الطاعات والأعمال الصالحات، والمعنى: يُنْزِلُ سبحانه ذلك مدبَّراً من السماء إلى الأرض، ثم لا يُعمل به، ولا يَصعد إليه تعالى ذلك المأمور به خالصاً كما يرتضيه إلا في مدة متطاولةٍ لقلة الخلَّص من العباد، وعليه ((يدبر)) مضمَّنٌ معنى الإنزال، و((من)) و(إلى)) متعلِّقان به، ومعنى العروجِ: الصعودُ، كما في قوله تعالى: ﴿إِليْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] والغرضُ من الألْفِ استطالةُ المدة، والمعنى استقلالُ عبادة الخلَّص واستطالةُ مدةٍ ما بين التدبير والوقوع، و(ثم)) للاستبعاد، واستُدلَّ لهذا المعنى بقوله تعالى إثر ذلك: (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) لأنَّ الكلامَ بعضُه مربوطٌ بالبعض، وقلةُ الشكر مع وجود تلك الإنعامات دالةٌ على الاستقلال المذكور. وقيل: المعنى: يدبِّر أمر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارِها في العالم من السماء إلى الأرض، وزمانُ طلوعها إلى أن تغربَ وتَرْجِعَ إلى موضعها من الطلوع مقدارُه في المسافة ألفُ سنةٍ، وهي تقطعُ ذلك في يوم وليلة. هذا ما قالوه في الآية الكريمة في بيان المراد منها، ولا يخفَى على ذي لبٍّ تكلُّفُ أكثر هذه الأقوال ومخالفتُه للظاهر جدًّا، وهي بين يديك فاخْتَرْ لنفسك ما يحلو. ويظهر لي أنَّ المراد بالسماء جهةُ العلوِّ، مثلُها في قوله تعالى: ﴿َأَمِثُم مَّن فِى السَّمَلِ﴾ [الملك: ١٦] وبعروج الأمر إليه تعالى صعودُ خبره كما سمعتَ عن الجماعة، و ((في يوم)) متعلّق بالعروج بلا تنازُعٍ، وأقول: إنَّ الآية من المتشابه، وأعتقدُ أنَّ الله تعالى يدبِّر أمورَ الدنيا وشؤونَها ويرَيِّدُها متقَنةً وهو سبحانه مستوٍ على عرشه، وذلك هو التدبيرُ من جهة العلوِّ، ثم يصعد خبرُ ذلك مع الملك إليه عزَّ وجل إظهاراً لمزيد عظمته جلَّتْ عظمتُه وعظيم سلطنته عَظُمَتْ سلطنتُه، إلى حِكَمٍ هو جلَّ وعلا أعلمُ بها، وكلُّ ذلك بمعنَى لائقٍ به تعالى، مُجامِعٍ للتنزيه مُباينٍ للتشبيه حَسْبَما يقوله السَّلَفُ في أمثاله، وقولُ بعضهم: العرّشُ موضعُ التدبير، وما دونه موضعُ التفصيل، وما دون السماوات موضعُ التصريف، فيه رائحةٌ ما مما ذكرنا . وأمَّا تقديرُ يوم العروج هنا بألفِ سنةٍ وفي آيةٍ أخرى بخمسين ألف سنةٍ فقد كثُر الكلام في توجیھه، وقد تقدّم لك بعض منه. الآية : ٥ ١٣٥ سُورَةُ السَجَادَة وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم، وابنُ الأنباري في ((المصاحف))، والحاكمُ وصحَّحه عن عبد الله بن أبي مليكة قال: دخلتُ على ابن عباس ﴿مّ أنا وعبدُ الله بنُ فيروز مولى عثمان بن عفان ﴿به، فسأله عن قوله تعالى: (يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) فكأنَّ ابن عباس انَّهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألفَ سنة؟ فقال: إنما سألتُك لتخبرني. فقال له: هما يومان ذَكَرهما الله تعالى في كتابه، الله تعالى أعلمُ بهما، وأكره أنْ أقول في كتاب الله مالا أعلم. فضرب الدهر من ضرباته حتى جلستُ إلى ابن المسيب، فسأله عنهما إنسانٌ فلم يخبر ولم يَدْرِ ، فقلت: ألا أخبرك بما سمعتُ من ابن عباس؟ قال: بلى. فأخبرته، فقال للسائل: هذا ابن عباس ﴿ه أبى أن يقول فيهما وهو أعلم منّي(١). وبعضُ المتصوِّفة يسمُّون اليومَ المقدَّر بألفِ سنٍ باليوم الربوبيِّ، واليومَ المقدَّر بخمسين ألف سنةٍ باليوم الإلهي، ومحيي الدين قدِّس سرُّه يسمِّي الأولَ يومَ الربِّ والثاني يوم المعارج، وقد ذكر ذلك وأياماً أُخَر كيوم الشأن، ويومِ المثل، ويومٍ القمر، ويوم الشمس، ويوم زُحل، وأيام سائرِ السيارة، ويومِ الحمل، وأيامٍ سائر البروج في ((الفتوحات)). وقد سألتُ رئيسَ الطائفة الكشفية(٢) الحادثةِ في عَصْرِنا في كربلاء عن مسألةٍ، فكتب في جوابها ما كتب، واستَظْردَ بيانَ إطلاقات اليوم، وعدَّ من ذلك أربعةً وستِين إطلاقاً، منها إطلاقُه على اليوم الربوبي، وإطلاقُه على اليوم الإلهي، وأطال الكلام في ذلك المقام. ولعلنا إن شاء الله تعالى ننقل لك منه شيئاً معتدًّا به في موضع آخر، وسنذكر إن شاء الله تعالى أيضاً تمام الكلام فيما يتعلَّق بالجمع بين هذه الآية وقوله سبحانه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلْبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلَّفَ سَنَةِ﴾ [المعارج: ٤]. (١) الدر المنثور ١٧١/٥، وهو في تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٨، والمستدرك ٤/ ٦١٠، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٢٧-٢٢٨، والطبري ٢٥٤/٢٣. (٢) نسبة إلى الكشف والإلهام، ويقال لهم أيضاً: الشيخية، ولهم شطحات وزندقات، ومؤسس هذه الطائفة أحمد بن زين الدين الصقري المطيري الأحسائي البحراني، متفلسف إمامي ولد = سُورَةُ السَّجَادَة ١٣٦ الآية : ٦ - ٧ وقوله تعالى: (مِمَّا تَعُدُّونَ) صفةُ ((ألف)) أو صفة ((سنة)). وقرأ ابن أبي عبلة: ((يُعْرَج)) بالبناء للمفعول(١)، والأصل: يُعْرَجُ به، فحُذف الجارُّ واستتر الضمير. وقرأ جناح بن حبيش: ((ثم يَعْرجُ الملائكةُ إليه)» بزيادة (الملائكة))، قال أبو حيان: ولعله تفسيرٌ منه لسقوطه في سواد المصحف(٢). وقرأ السلميُّ وابن وثاب والأعمشُ والحسن بخلاف عنه: ((يعدُّون)) بياء الغيبة (٣). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الذاتُ الموصوف بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامَّة والحكمةِ العامَّة ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ أي: كلّ ما غاب عن الخلق ﴿وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: كلّ ما شاهده الخلق، فيدبِّر سبحانه ذلك على وفق الحكمة. وقيل: ((الغيبُ)) الآخرةُ، و((الشهادة)» الدنيا. ﴿اٌلْعَزِيزُ﴾ الغالبُ على أمره ﴿الرَّحِيمُ ﴾﴾ للعباد، وفيه إيماءٌ بأنه عزَّ وجلَّ متفضِّلٌ فيما يفعل جلَّ وعلا. واسمُ الإشارة مبتدأً والأوصاف الثلاثة بعده أخبارٌ له، ويجوزُ أن يكون الأول خبراً والأخيران نعتان للأول. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿يَا بخفض الأوصاف الثلاثة، على أنَّ ((ذلك)) إشارةٌ إلى ((الأمر)) مرفوعُ المحلِّ على أنه فاعلُ ((يعرج))، والأوصافُ مجرورةٌ على البدلية من ضمير ((إليه))(٤). وقرأ أبو زيد النحويُّ بخفض الوصفين الأخيرين على أنَّ ((ذلك)) إشارةٌ إلى الله تعالى مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، و((عالم)) خبره، والوصفان مجروران على البدلية من الضمير(٥). وقولُه تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ خبرٌ رابعٌ، أو نعتٌ ثالثٌ، أو نصبٌ في الأحساء وتعلم في بلاد فارس، وتنقل بينها وبين العراق، وسكن البحرين، وله الكثير = من المصنفات، توفي سنة (١٨٢٦م). هدية العارفين ١٨٥/١، والأعلام ١٢٩/١. (١) الكشاف ٢٤١/٣، والبحر ١٩٨/٧ . (٢) البحر ١٩٩/٧، وذكر القراءة أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١٧. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٨/٤، والبحر ١٩٩/٧، وهي في القراءات الشاذة ص١١٧، وتحرفت فيه إلى: يعبدون. (٤) البحر ١٩٩/٧ . (٥) البحر ١٩٩/٧، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١١٧ . الآية : ٧ ١٣٧ سُورَةُ السَّجَادَة على المدح، وجوَّز أبو البقاء كونَه خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو الذي، وكونَ ((العزيز)) مبتدأً و((الرحيم)) صفتَه وهذا خبرَه(١). وجملة (خَلَقَه)) في محلِّ جرِّ صفةٍ (شيءٍ))، ويجوزُ أن تكون في محلِّ نصبٍ صفة ((كلّ)، واحتمالُ الاستئناف بعيدٌ. أي: حسَّن سبحانه كلَّ مخلوقٍ من مخلوقاته؛ لأنه ما من شيءٍ منها إلا وهو مرتَبٌ على ما اقتضته الحكمةُ واستدعته المصلحةُ، فجميع المخلوقات حسنةٌ وإن تفاوتَتْ في مراتب الحُسْنِ، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِّ ◌َحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ونفيُ التفاوتِ في خَلْقِه تعالى في قوله سبحانه: ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوَتٍ﴾ [الملك: ٣] على معنّى ستعرفُه إن شاء الله تعالى غيرُ منافٍ لِمَا ذُكر. وجوِّز أن يكون المعنى: عَلِمَ كيف يخلقه، من قوله: قيمةُ المرء ما يُحْسِنُ، وحقيقتُه: يُحْسِنُ معرفتَه، أي: يعرفُه معرفةً حسنةً بتحقيقٍ وإيقان. ولا يَخْفَى بعدُه. وقرأ العربيان وابن كثير: ((خَلْقَه)) بسكون اللام(٢)، فقيل: هو بدلُ اشتمالٍ من (كلّ))، والضميرُ المضافُ هو إليه له، وهو باقٍ على المعنى المصدري. وقيل: هو بدلُ كلٍّ من كلٍّ، أو بدلُ بعضٍ من كلٍّ، والضميرُ الله تعالى وهو بمعنى المخلوق. وقيل: هو مفعولٌ ثانٍ لـ ((أحسن)) على تضمينه معنى أعطى، أي: أعطى سبحانه كلَّ شيءٍ خَلْقَه اللائقَ به بطريق الإحسان والتفضُّل. وقيل: هو المفعولُ الأولُ، و((كل شيء)» المفعولُ الثاني، وضميرُه لله سبحانه، على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفرَّاء(٣)، أو التعريف كما قال أبو البقاء(٤)، والمعنى: أَلْهَمَ أو عرَّفَ خَلْقَه كلَّ شيءٍ مما يحتاجون إليه، فيؤُول إلى (١) الإملاء ١٨٤/٤. (٢) التيسير ص١٧٧، والنشر ٢/ ٣٤٧، وهي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة، والعربيان هما ابن عامر وأبو عمرو. (٣) في معاني القرآن ٣٣٠/٢. (٤) في الإملاء ٤/ ١٨٤ . سُورَةُ المَجَادَة ١٣٨ الآية : ٨ - ٩ معنى قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. واختار أبوعليٍّ في ((الحجة)) ما ذكره سيبويه في ((الكتاب)) أنه مفعولٌ مطلقٌ لـ ((أحسن)) من معناه، والضميرُ لله تعالى، نحو قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] و﴿وَعْدَ اَللَّهِ﴾ [الروم: ٦٠](١). ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ اُلْإِنسَنِ﴾ أي: آدَمَ عليه السلام ﴿مِن طِينٍ ﴾﴾، أو: بدأ خَلْقَ هذا الجنس المعروفِ ((من طين))، حيث بدأ خَلْقَ آدم عليه السلام خَلْقاً منطوياً على فطرةٍ سائر أفراد الجنس انطواءً إجماليّاً منه. وقرأ الزهريُّ: ((بدا)) بالألف بدلاً من الهمزة (٢)؛ قال في ((البحر))(٣): وليس القياسُ في هَدَأَ: هَذَا بإبدال الهمزة ألفاً، بل قياسُ هذه الهمزة التسهيلُ بين بين، على أنَّ الأخفش حكى في قرأتُ: قَرَيْتُ، قيل: وهي لغة الأنصار، فهم يقولون(٤) في بدأ: بَدِي بكَسْرِ عينِ الكلمة وياء بعدها، وطَيِّيٌّ يقولون في فَعِلَ هذا نحو بَقِيَ: بَقَى كَرَمَى، فاحتمل أن تكون قراءةُ الزهري على هذه اللغة، بأن يكون الأصلُ: بدِيَ، ثم صار بَدًا، وعلى لغة الأنصار قال(٥) ابن رواحة: باسم الإلهِ وبه بَدِيْنا ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِيْنا(٦) ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أي: ذرِّيته، سمِيتْ بذلك لأنها تنسل وتنفصِلُ منه ﴿مِن مُلَلَةٍ﴾ أي: خلاصةٍ، وأصلُها ما يُسَلُّ ويخلصُ بالتصفية ﴿مِّن مَّآءٍ شَهِينٍ ممتَهَنٍ لا يُعْتَنَى به وهو المنيُّ. ﴿ثُمَّ سَوَّنهُ﴾ عدَّله بتكميل أعضائه في الرحم، وتصويرِها على ما ينبغي، وأصلُ التسوية: جَعْلُ الأجزاء متساويةً، و((ثم)) للترتيب الرُّتْبي أو الذِّكْريِّ. (١) الكتاب ٣٨١/١-٣٨٢، والحجة ٤٦٠/٥. (٢) المحتسب ١٧٣/٢، والبحر ١٩٩/٧ . (٣) ١٩٩/٧. (٤) في البحر: وهي لغيةٌ، والأنصار تقول ... (٥) في البحر: أو على لغة الأنصار وقال. (٦) الصحاح ((بدا))، والمحرر الوجيز ٣٥٩/٤، والبحر ١٩٩/٧، والدر المصون ٨٣/٩، واللسان (بدا). الآية : ٩ ١٣٩ سُوَّةُ السَّجْدَة ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحٌِّ﴾ أضاف الروح إليه تعالى تشريفاً له، كما في: بيت الله تعالى، وناقة الله تعالى، وإشعاراً بأنه خلقٌ عجيبٌ وصنعٌ بديع . وقيل: أضافه لذلك إيماءً إلى أنَّ له شأناً له مناسبةٌ ما إلى حضرة الربوبية، ومن هنا قال أبو بكر الرازي: مَن عَرَفَ نفسَه فقد عرف ربه. ونَفْعُ الروح قيل: مجازٌ عن جَعْلِها متعلِّقةً بالبدن، وهو أوفقُ بمذهب القائلين بتجرُّد الروح وأنَّها غيرُ داخلةٍ في البدن من الفلاسفة وبعضٍ المتكلُّمين، كحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمةُ. وقيل: هو على حقيقته، والمباشرُ له المَلَكُ الموثَّلُ على الرَّحِم، وإليه ذهب القائلون بأنَّ الروح جسمٌ لطيفٌ كالهواء سارٍ في البدن سريانَ ماءِ الورد في الورد، والنارِ في الجمر، وهو الذي تشهدُ له ظواهرُ الأخبار، وأقام العلّامةُ ابنُ القيم عليه نحوَ مئةٍ دليل(١) . ﴿وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ التفاتٌ إلى الخطاب لا يخفَى موقعُ ذِكْرِه بعد نَفْخِ الروح، وتشريفُه بِخِلْعةِ الخطاب حين صَلُحَ للخطاب، والجَعْلُ إبداعيٍّ، واللامُ مَتعلِّقةٌ به، والتقديمُ على المفعول الصريح لِمَا مَرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤثّر، مع ما فيه من نوعٍ طولٍ يخلُّ تقديمُه بجزالة النظم الكريم. وتقديم السمع لكثرة فوائده، فإنَّ أكثر أمور الدِّين لا تُعلَم إلا من جهته، وأُفرد لأنه في الأصل مصدر. وقيل: للإيماء إلى أنَّ مُذْرَكَه نوعٌ واحدٌ وهو الصوتُ، بخلاف البصر فإنه يدرِكُ الضوءَ واللونَ والشكلَ والحركةَ والسكونَ، وبخلافٍ الفؤاد فإنه يدرك مدرَكاتِ الحواسِّ بواسطتها وزيادة على ذلك. أي: خَلَقَ لمنفعتكم تلك المشاعرَ؛ لتعرفوا أنها - مع كونها في أنفسها نعماً جليلةً لا يقادَرُ قَدْرُها - وسائلُ إلى التمتُّع بسائر النعم الدينية والدنيوية الفائضة عليكم، وتشكروها بأنْ تَصْرِفوا كلّاّ منها إلى ما خُلِقَ هو له، فتُدْرِكوا بسَمْعِكم الآياتِ التنزيليةَ الناطقةَ بالتوحيد والبعثِ، وبأبصاركم الآياتِ التكوينيةَ الشاهدةَ بهما، وتستدلُّوا بأفئدتكم على حقِيتهما. (١) ينظر المسألة التاسعة عشرة من كتاب الروح لابن القيم. سُورَةُ السَجَدَة ١٤٠ الآية : ١٠ وقوله تعالى: ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾﴾ بيانٌ لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض التذييلي، والقلَّةُ بمعنى النفي كما ينبئُ عنه ما بعده. ونُصب الوصفُ على أنه صفةٌ لمحذوف وقع معمولاً لـ (تشكرون))، أي: شكراً قليلاً(١) - أو زماناً قليلاً- تشكرون. واستظهر الخفاجيُّ عليه الرحمةُ كونَ الجملة حاليةً لا اعتراضيةً(٢). ﴿وَقَالُواْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات، إيذاناً بأنَّ ما ذكر من عدم شكرهم تلك النعمَ موجبٌ للإعراض عنهم، وتعديدٍ جناياتهم لغيرهم بطريق المباثَّة. وروي أنَّ القائل أبيُّ بن خلف، فضمير الجمع لرضا الباقين بقوله. ﴿أَِذَا ضَلْنَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ضعنا فيها بأنْ صِرْنا تراباً مخلوطاً بترابها بحيث لا نتميَّزُ منه، فهو من ضلَّ المتاعِ: إذا ضاع. أو: غبنا فيها بالدفن وإن لم نَصِرْ تراباً، وإليه ذهب قطرب، وأنشد قول النابغة يرثي النعمان بن المنذر: وآبَ مضلُّوه بعينٍ جليةٍ وغُودِرَ بالجولان حزمٌ ونائل(٣) وقرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب: ((ضَلِلْنا)) بكسر اللام(٤)، ويقال: ضلَّ يَضِلُّ كضَرَبَ يَضْرِبُ، وضلَّ يَضَلُّ كعَلِمَ يَعْلَمُ وهما بمعنَى، والأولُ اللغةُ المشهورةُ الفصيحةُ، وهي لغةُ نجد، والثاني لغة أهل (١) بعدها في (م): تشكرون. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ١٥٠. (٣) ديوان النابغة ص٩٠، وأمالي القالي ٢٤٧/١، والصحاح ((ضلل))، والنكت والعيون ٣٥٦/٤، والمحرر الوجيز ٣٦٠/٤، واللسان ((ضلل)). ورواية الديوان: مُصَلَّوه، وهي رواية الأصمعي كما ذكر البكري في اللآلي ٥٥٩/١، وقال: يريد جاء قوم بالخبر، وجاء قوم بعدهم بخبر آخر جلا الشكَّ في الخبر الأول، جَعَلَهم بمنزلة المصلِّي من الخيل، وهو الذي يتلو السابق، وقال أبو عبيدة: مصلُّوه يعني أصحاب الصلاة وهم الرهبان. اهـ. وذكره ابن دريد في الجمهرة ٢٢٨/٣ برواية: مصلّوهم، وقال: لأنهم كانوا نصارى. ونقل البكري عن أبي الحسن الطوسي قوله: وقد سمعت مَن يروي: مُصِلَّوه بالصاد المكسورة، من الصَّلَّة، والصَّلَّة: الأرض. وذكر صاحب اللسان في شرحه: قوله: بعين جلية، أي: بخبر صادق أنه مات، وقوله: وغودر ... ، أي: دُفن بدفن النعمان الحزم والعطاء. والنعمان هو ابن الحارث بن شمر الغساني. (٤) القراءات الشاذة ص١١٨، وإعراب القرآن للنحاس ٢٩٣/٣، والبحر ٢٠٠/٧.