النص المفهرس
صفحات 101-120
الآية : ٣٣
١٠١
سُورَةُ القَمَّانُ
الآخرة، والمثبَتُ له الجزاءُ في الدنيا. أو معنى ((هو جاز)) أنَّ(١) من شأنه الجزاءَ
العظيم حقِّ الوالد، أو المراد بـ ((لا يجزي)): لا يُقبل منه ما هو جازٍ به.
وإما مبتدأ والمسؤِّغُ للابتداء به مع أنه نكرةٌ تقدُّمُ النفي - وذهل المهدويُّ عن
ذلك فمنع صحةَ كونه مبتدأً - وجملةُ ((هو جازٍ)) خبره. و((شيئاً)) مفعولٌ به، أو
منصوبٌ على المصدرية لأنه صفةٌ مصدرٍ محذوف، وعلى الوجهين قيل: تَنازَعَه
«یجزي)) و((جازٍ)).
واختيارُ ما لا يفيدُ التأكيدَ في الجملة الأولى وما يفيدُه في الجملة الثانية؛ لأنَّ
أكثر المسلمين وأجلّتهم حين الخطابٍ كان آباؤهم قد ماتوا على الكفر وعلى الدِّين
الجاهليّ، فلمَّا كان غَناءُ الكافر عن المسلم بعيداً لم يَحْتَجْ نفيُه إلى التأكيد، ولمًا
كان غَناءُ المسلم عن الكافر ممَّا يقع في الأوهام أكُّد نفيُه. قاله الزمخشري(٢).
وتعقّبه ابن المنير بأنه يتوقَّفُ صحتُه على أنَّ هذا الخطاب كان خاصّاً
بالموجودين حينئذٍ، والصحيحُ أنه عامٌّ لهم ولكلِّ مَن ینطلق عليه اسم الناس (٣).
وردَّه في ((الكشف)» بأنَّ المقدِّمتين فاسدتان؛ أمَّا الثانيةُ: فلِمَا تقرَّر في أصول
الفقه أنَّ ((يا أيها الناس)) يتناول الموجودين، وأمَّا لغيرهم فبالإعلام أو بطريقِه،
والمالكيةُ موافقةٌ. وأمَّا الأولى: فعلى تقدير التسليم لا شكَّ أنَّ أجلَّة المؤمنين
وأكابرهم إلى انقراض الدنيا هم النبيُّ ◌َّه وأصحابه ﴿ه، ومعلومٌ أنَّ أكثرهم قُبض
آباؤهم على الكفر، فمن أين التوقيف. اهـ.
واختار ابن المنير في وجه ذلك: أنَّ الله تعالى لمَّا أَد الوصيةَ بالآباء، وقَرَنَ
وجوبَ شكرهم بوجوب شكره عزَّ وجلَّ، وأَوْجَبَ على الولد أن يكفيَ والده
ما يسوءُه بحسب نهاية إمكانه، قَطَع سبحانه هاهنا وَهْمَ الوالد في أن يكون الولد في
القيامة يجزيه حقَّه عليه، ويكفيه ما يلقاه من أهوال يوم القيامة كما أوجَبَ الله تعالى
عليه في الدنيا ذلك في حقِّه، فلمَّا كان جزاءُ الولد عن الوالد مظنَّةَ الوقوع لأنه
.(١) في (م): أي، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٤٤/٧، والكلام منه.
(٢) في الكشاف ٢٣٨/٣ بنحوه.
(٣) الانتصاف مع الكشاف ٢٣٨/٣.
سُودَةُ لْقُغَمَانٌ
١٠٢
الآية : ٣٣
سبحانه حضَّ عليه في الدنيا كان جديراً بتأكيد النفي لإزالة هذا الوهم، ولا كذلك
العكسُ(١).
وقريبٌ منه ما قاله الإمام(٢): إنَّ الولد من شأنه أن يكون جازياً عن والده لِمَا
عليه من الحقوق، والوالد(٣) يجزي لِمَا فيه من الشفقة(٤)، وليس ذلك بواجبٍ
عليه، فلذا قال سبحانه في الوالد: (لَا يَجْزِى) وفي الولد: (وَلَ مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنْ
وَالِدِهِ) ألا ترى أنه يقال لمن يَحيكُ وليست الحياكةُ صنعتُه: هو يَحيك، ولمن
یحیڭُ وهي صنعتُه: هو حائك.
وقيل: إنَّ التأكيد في الجملة الثانية للدلالة على أنَّ المولود أولى بأنْ لا يجزي
لأنه دون الوالد في الحنوِّ والشفقة، فلمَّا كان أولى بهذا الحكم استحقَّ التأكيد.
وفي القلب منه شيء.
وقد يقال: إنَّ العرب كانوا يدَّخرون الأولاد لنَفْعِهم ودَفْعِ الأذى عنهم
وكفايةِ ما يهمُّهم، ولعل أكثر الناس اليومَ كذلك، فَأُريدَ حَسْمُ توهُّم نَفْعِهم
ودَفْعِهم الأذى وكفايةِ المهمِّ في حقِّ آبائهم يوم القيامة، فأكَّدت الجملةُ المفيدةُ
لنفي ذلك عنهم.
وعُدَّ من جملة المؤكِّدات التعبيرُ بالمولود؛ لأنه مَن وُلِدَ بغير واسطةٍ، بخلافٍ
الولد فإنه عامّ يشملُ ولدَ الولد، فإذا أفادت الجملة أنَّ الولد الأدنى لا يجزي عن
والده عُلم أنَّ مَن عَدَاه من ولد الولد لا يجزي عن جدِّه من باب أَوْلَى.
واعتُرض بأنَّ هذه التفرقةَ بين الولد والمولود لم يثبتها أهلُ اللغة. ورُدَّ بأنَّ
الزمخشريَّ والمطرزي ذكرا ذلك(٥)، وكفى بهما حَجَّةً، ثم إنَّ في عموم الولد لولد
الولد أيضاً مقالاً، فقد ذهب جمعٌ أنه خاصٌّ بالولد الصُّلْبِيِّ حقيقةً.
(١) المصدر السابق.
(٢) في تفسيره ١٦٣/٢٥ .
(٣) في الأصل و(م): والولد، وهو تصحيف، والمثبت من تفسير الرازي.
(٤) في (م): النفقة، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير الرازي.
(٥) الكشاف ٢٣٨/٣، وذكره عنه وعن المطرزي الشهاب في الحاشية ١٤٥/٧. وسيأتي
ما للمطرزي من كلام في هذه المسألة في كتابه المغرب.
الآية : ٣٣
١٠٣
سُورَةُ لِقْضَّان
وقال صاحب ((المغرب)): يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولوداً أيضاً؛
لقُرْبٍ عهده من الولادة، كما يقال: لبنِّ حليبٌ ورُطَبٌ جَنيٍّ للطريِّ منهما(١)، ووجّهَ
أمرُ التأكيد عليه بأنه إذا كان الصغير لا يجزي حينئذٍ مع عدم اشتغاله بنفسه لعدم
تكليفه في الدنيا، فالكبيرُ المشغولُ بنفسه من باب أَوْلَی، وهو كما ترى.
وخصَّص بعضهم العمومَ بغير صبيان المسلمين؛ لثبوت الأحاديث بشفاعتهم
لوالديهم. وتعقّب بأنَّ الشفاعة ليست بقضاءٍ، ولو سلِّم فلتَوَقُّفِها على القبول يكون
القضاءُ منه عز وجل حقيقةً، فتدبر.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ قيل: بالثواب والعقاب، على تغليب الوعد على الوعيد، أو
هو بمعناه اللغويِّ ﴿حَقٍّ﴾ ثابتٌ متحقِّقٌ لا يُخْلَفُ، وعدمُ إخلاف الوعد بالثواب
مما لا كلامَ فيه، وأمَّا عدمُ إخلافِ الوعد بالعقاب ففيه كلامٌ، والحقُّ أنه لا يُخْلَفُ
أيضاً، وعدمُ تعذيب مَن يُغفر له من العصاة المتوعَّدين فليس من إخلاف الوعيد في
شيءٍ؛ لِمَا أنَّ الوعيد في حقِّهم كان معلَّقاً بشرطٍ لم يُذكر ترهيباً وتخويفاً. والجملةُ
على هذا تعليلٌ لنفي الجزاء.
وقيل: المراد: إنَّ وعد الله بذلك اليوم حقٌّ، والجملةُ مستأنفةٌ استئنافاً بيانياً،
كأنه لمَّا قيل: يا أيها الناس اتقوا يوماً .. إلخ(٢)، سأل سائل: أيكون(٣) ذلك
اليوم؟ فقيل: ((إنَّ وعد الله حقٌّ))، أي: نعم يكون لا محالةَ لمكانِ الوعد به، فهو
جوابٌ على أبلغ وجهٍ، وإليه يشيرُ كلام الإمام(٤).
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ بأنْ تُلْهِيَكم بلذَّاتها عن الطاعات ﴿وَلَا يَغُرَنَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾﴾ أي: الشيطان - كما روي عن ابن عباس وعكرمةً وقتادةً ومجاهدٍ
والضحاك ـ بأنْ يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم، ويرجِّيَكم التوبةَ والمغفرةَ منه
تعالى، أو يَذْكُرَ لكم أنها لا تضرُّ مَن سَبَقَ في علم الله تعالى موتُه على الإيمان،
وأنَّ تَرْكَها لا ينفعُ مَن سَبَقَ في العلم موتُّه على الكفر.
(١) المغرب للمطرزي ٣٧٠/٢.
(٢) ولفظ الآية: ﴿يَأَّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا﴾.
(٣) في (م): أن يكون، بدل: أيكون، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٤) في تفسيره ١٦٤/٢٥، وسيأتي كلامه في هذه الآية بتمامه ص١٠٨- ١٠٩ من هذا الجزء.
سُورَةُ القُضَمَانٌ
١٠٤
الآية : ٣٤
وعن أبي عبيدة: كلُّ شيءٍ غرَّكَ حتى تعصي الله تعالى وتتركَ ما أمرك سبحانه به
فهو غَرورٌ، شيطاناً أو غيرَه(١).
وإلى ذلك ذهب الراغب(٢)؛ قال: الغرورُ كلُّ ما يَغُرُّ الإنسانَ من مالٍ وجاهٍ
وشهوةٍ وشيطان، وقد فسِّر بالشيطان إذ هو أخبثُ الغارِّين، وبالدنيا لِمَا قيل:
الدنيا تَغُرُّ وتَضُرُّ وتَمُرُّ، وأصل الغَرور مِن غَرَّ فلاناً: إذا أصاب غِرَّتَه ــ أي:
غَفْلَته - ونال منه ما يريدُ، والمراد به الخداع.
والظاهرُ أنَّ ((بالله)) صلةُ ((يغرَّنَّكم))، أي: لا يخدعنَّكم بذكر شيءٍ من شؤونه
تعالى يُجْسِرُكم على معاصيه سبحانه. وجوِّز أن يكون قَسَماً، وفيه بعدٌ.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابنُ أبي عبلة ويعقوب: ((تغرَّنْكم)) بالنون الخفيفة(٣).
وقرأ سماك(٤) بن حرب وأبو حيوة: ((الغُرور)) بضمِّ الغين(٥)، وهو مصدرٌ
والكلامُ من باب: جدَّ جدُّه، ويمكن تفسيرُه بالشيطان بجَعْلِه نفسَ الغرورِ مبالغة.
﴿إِنَّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلخ، أخرج ابنُ المنذر عن عكرمة أنَّ رجلاً يقال
له: الوارث بن عمرو جاء إلى النبيِّ وَّر فقال: يا محمد، متى قيامُ الساعة؟ وقد
أجدبت بلادنا فمتى تُخْصِبُ؟ وقد تركْتُ امرأتي حُبْلَى فما تَلِدُ؟ وقد علمتُ ما كسبتُ
اليومَ فماذا أَكْسِبُ غداً؟ وقد علمتُ بأيٍّ أرضٍ ولدتُ فبأيِّ أرضٍ أموت؟ فنزلت
هذه الآية(٦). وذكر نحوَه محيي السنَّةِ البغويُّ، والواحديُّ، والثعلبي(٧). فهي(٨)
(١) مجاز القرآن ١٢٩/٢.
(٢) في مفرداته (غرر).
(٣) البحر ٧/ ١٩٤ .
(٤) في الأصل و(م): سمال، والصواب ما أثبتناه، وهو سماك بن حرب الذهلي البكري الكوفي
أبو المغيرة، حدث عن جمع من الصحابة والتابعين، توفي سنة (١٢٣هـ). سير أعلام النبلاء
٢٤٥/٥.
(٥) المحتسب ١٧٢/٢، والبحر ١٩٤/٧ .
(٦) الدر المنثور ١٦٩/٥، وأخرج نحوه الطبري ٥٨٥/١٨ عن مجاهد.
(٧) تفسير البغوي ٤٩٦/٣، وأسباب النزول للواحدي ص٣٦٤، وتفسير الثعلبي ٣٢٣/٧، ووقع
في تفسير البغوي وأسباب النزول: الحارث، بدل: الوارث.
(٨) في (م): فهو.
الآية : ٣٤
=
١٠٥
سُورَة ◌ُ لِقْعَمَانٌ
نظراً إلى سبب النزول جوابٌ لسؤالٍ محقَّقٍ، ونظراً إلى ما قبلها من الآي جوابٌ
السؤالٍ مقدَّرٍ، كأنَّ قائلاً يقول: متى هذا اليوم الذي ذُكر مِن شأنه ما ذُكر؟ فقيل:
(إن الله)) إلخ.
ولم يقل: إنَّ علمَ الساعة عند الله، مع أنه أَخْصَرُ، لأنَّ اسم الله سبحانه أحقُّ
بالتقديم، ولأنَّ تقديمه وبناءَ الخبر عليه يفيدُ الحصر كما قرَّره الطيبيُّ(١)، مع ما فيه
من مزيةٍ تكرُّر الإسناد، وتقديمُ الظرف يفيدُ الاختصاص أيضاً، بل لفظُ ((عند))
كذلك؛ لأنها تفيد حِفْظَه بحيث لا يُؤْصَلُ إليه، فيفيدُ الكلامُ من أوجهِ اختصاصَ
عِلْمٍ وَقْتِ القيامة بالله عزَّ وجل.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَُّّكُ الْغَيْثَ﴾ - أي: في إيَّانه (٢) من غير تقديم ولا تأخيرٍ،
في بلدٍ لا يتجاوزُه به، وبمقدارٍ تقتضيه الحكمةُ - الظاهرُ أنه عطفٌ على الجملة
الظرفية المبنيَّة على الاسم الجليل، على عَكْسٍ قوله تعالى: ﴿ُتْقِيَكُر ◌ِّمَا فِ بُعُونَا
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ﴾ [المؤمنون: ٢١] فيكون خبراً مبنيًّا على الاسم الجليل مثل المعطوف
عليه، فيفيد الكلامُ الاختصاصَ أيضاً.
والمقصودُ تقييداتُ التنزيل الراجعةُ إلى العلم، لا مَخْضُ القدرة على التنزيل إذ
لا شبهةَ فيه، فيرجعُ الاختصاص إلى العلم بزمانه ومكانه ومقدارهٍ، كما يشير إلى
ذلك کلام ((الکشف».
وقال العلَّامةُ الطيبيُّ في ((شرح الكشاف)): دلالةُ هذه الجملة على علم الغيب
من حيث دلالةُ المقدور المُحكّم المتقَنِ على العلم الشامل(٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ﴾ - أي: أذكرٌ أم أنثى، أتاٌّ أم ناقص،
وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال - عطفٌ على الجملة الظرفية أيضاً نظير ما قبله،
وخُولِفَ بين ((عنده علم الساعة)) وبين هذا ليدلَّ في الأول على مزيد الاختصاص؛
اعتناءً بأمر الساعة، ودلالةً على شدة خفائها، وفي هذا على استمرار تجدُّد
(١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) بكسر الهمزة وتشديد الباء، أي: وقته. حاشية الشهاب ٧/ ١٤٥.
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
أ
سُورَةُالقُعمَّان
١٠٦
الآية : ٣٤
التعلُّقات بحسب تجدُّد المتعلّقات مع الاختصاص. ولم يُراعَ هذا الأسلوبُ فيما قبله
بأن يقال: ويعلم الغيثَ، مثلاً؛ إشارةً بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحاً إلى
عظم شأنه لِمَا فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق، وشيوع الاستدلال بما يترتَّب
عليه من إحياء الأرض على صحة البعث المشارِ إليه بالساعة في الكتاب العظيم؛
قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ
فَأَنْظُرْ إِلَى ءَانَرٍ
٤٩
رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَّ﴾ [الروم: ٤٩-٥٠] وقال
سبحانه: ﴿وَيِّي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] إلى غير ذلك.
وربما يقال: إنَّ لتنزيل الغيث وإن لم يكن الغيثَ المعهودَ دخلاً في البعث(١)
بناءً على ما ورد من حديث مطر السماء بعد النفخة الأولى مطراً كمنيّ الرجال(٢).
وقيل: الاختصاصُ راجعٌ إلى التنزيل وما ترجع إليه تقييداتُه التي يقتضيها
المقام من العلم، وفي ذلك ردٌّ على القائلين: مُطِرْنا بنوء كذا(٣)، وللاعتناء بردّ
ذلك لِمَا فيه من الشرك في الربوبية عَدَل عن: يعلم، إلى ((ينزِّل)). وهو كما ترى.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ أي: كلُّ نفسٍ بِرَّةً كانت أو فاجرةً، كما يدلُّ
عليه وقوعُ النكرة في سياق النفي ﴿مَّاذَا تَْكَسِبُ غَدًا﴾ أي: في الزمان المستقبل من
خیرٍ أو شرٌّ.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَدَرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونٌ﴾ عطفٌ - على ما استظهره
صاحب ((الكشف)) - على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وأشار إلى أنه لمَّا
كان الكلامُ مسوقاً للاختصاص لا لإفادة أصل العلم له تعالى - فإنه غير منکّرٍ - لزم
من النفي على سبيل الاستغراق اختصاصُه به عزَّ وجل على سبيل الكناية على الوجه
الأبلغ.
(١) في (م): المبعث.
(٢) أخرجه مطولاً ابن أبي شيبة ١٩١/١٥-١٩٥، والعقيلي في الضعفاء ٣١٤/٢-٣١٦،
والحاكم ٤٩٦/٤-٤٩٨ من حديث ابن مسعود به موقوفاً، وفي إسناده أبو الزعراء الكندي
عبد الله بن هانئ، قال فيه البخاري كما ذكر العقيلي: لا يتابع على حديثه.
(٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١) عن زيد بن خالد الجهني
،
وسلف ٢١٤/٥ وعند تفسير الآية (٩٧) من سورة الأنعام.
الآية : ٣٤
١٠٧
سُورَةٌ لِقُغَمَانٌ
وفي العدول عن لفظ العلم إلى لفظ الدراية لِمَا فيها من معنى الختل والحيلة
لأنَّ أصل دَرَى: رمى الدَّرِيَّة، وهي الحلقةُ التي يَقْصِدُ رَمْيَها الرماةُ، وما يُتعلَّمُ عليه
الطعنُ، والناقةُ التي يسيِّبها الصائدُ ليأنَسَ بها الصيدُ، فيستتر من ورائها فیرميه، وفي
كلٍّ حيلة، ولكونها عِلْماً بضَرْبٍ من الختل والحيلة لا تُنْسَبُ إليه عزَّ وجل إلا إذا
أوَّلَتْ بمطلق العلم، كما في خبر: خمسٌ لا يدريهنَّ إلا الله تعالى(١).
وقيل: قد يقال: الممنوعُ نسبتُها إليه سبحانه بانفراده تعالى، أمَّا مع غيره تبارك
اسمه تغليباً فلا، ويفهم من كلام بعضهم صحةُ النسبة إليه جلَّ وعلا على سبيل
المشاكلة كما في قوله:
لاهمَّ لا أدري وأنت الداري(٢)
فلا حاجة إلى ما قيل(٣): إنه كلامُ أعرابيٍّ جلفٍ لا يعرفُ ما يجوزُ إطلاقُه
على الله تعالى وما يمتنع. فيكون المعنى: لا تعرفُ كلُّ نفسٍ وإن أَعْمَلَتْ حِيَلَها
ما يلصقُ بها ويختصُّ ولا يتخطَّاها، ولا شيء أخصُّ بالإنسان من كَسْبِهِ وعاقبتِهِ،
فإذا لم يكن له طريقٌ إلى معرفتهما كان من معرفة ما عَدَاهما أَبعدَ وأبعدَ، وقد
روعي في هذا الأسلوب الإدماجُ المذكور، ولذا لم يقل: ويعلم ماذا تكسبُ كلُّ
نفسٍ ويعلمُ أنَّ كلَّ نفسٍ بأيِّ أرضٍ تموت.
وجوّز أن يكون أصلُ ((وينزل الغيث)): وأَنْ ينزِّلَ الغيث، فحُذف ((أن)) وارتفع
الفعلُ، كما في قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضُرُ الوغى (٤)
(١) كذا نقل المصنف لفظه عن الشهاب في الحاشية ٧/ ١٤٥، وقد عزاه الشهاب للبخاري، ولم
نقف عليه بهذا اللفظ، وإنما لفظ الحديث عند البخاري (١٠٣٩) وعند غيره: ((خمس لا يعلمها))
وفي رواية: ((لا يعلمهن)) كما سيرد، غير أنه جاء في آخر الحديث - كما سيرد أيضاً - قوله {ل:
((وما يدري أحد متى يجيء المطر)) قال ابن حجر في الفتح ٥٢٥/٢: زاد الإسماعيلي: ((إلا الله)).
(٢) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص١٢١، والبحر ١٩٤/٧، وحاشية الشهاب ١٤٥/٧،
ورواية الديوان: يا رب لا أدري ....
(٣) القائل هو أبو حيان في البحر ٧/ ١١٠، والكلام من حاشية الشهاب ١٤٥/٧.
(٤) وعجزه: وأن أشهد اللذات هل أنت مُخْلدي. وهو لطرفة، وهو في ديوانه ص٣٢، وسلف
٢٧٧/٢ و٢٤٤/٧ و١٤٥/١٠ وغيرها.
سُورَةُ لُقْغَمَانٌ
١٠٨
الآية : ٣٤
وكذا قوله سبحانه: (وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاِ) والعطفُ على ((علم الساعة))، فكأنه
قيل: إن الله عنده علمُ الساعة وتنزيلُ الغيث وعِلْمُ ما في الأرحام، ودلالةُ ذلك
على اختصاص عِلْم تنزيلِ الغيث به سبحانه ظاهرٌ؛ لظهور أنَّ المراد بعنده تنزيلُ
الغيث: عنده علمُ تنزيله. وإذا عطف ((ينزل)) على ((الساعة)) كان الاختصاصُ أظهرَ
لانسحاب ((عِلْم)) المضافِ إلى ((الساعة)) إلى الإنزال حينئذٍ، فكأنه قيل: إنَّ الله عنده
علم الساعةِ وعلمُ تنزيلِ الغيث، وهذا العطفُ لا يكاد يتسنَّى في ((ويعلم))؛ إذ يكون
التقدير: وعنده عِلْمُ عِلْمٍ ما في الأرحام، وليس ذاك بمرادٍ أصلاً .
وجعل الطيبيُّ(١) ((وما تدري نفسٌ)) إلخ معطوفاً على خبر ((إنَّ) من حيث المعنى
بأن يُجعل المنفيُّ مثبتاً، بأن يقال: ويعلم ماذا تكسبُ كلُّ نفسٍ غداً ويعلم أنَّ كلَّ
نفسٍ بأيِّ أرضٍ تموت، وقال: إنَّ مثل ذلك جائزٌ في الكلام إذا روعي نكتةٌ، كما في
قوله تعالى: ﴿أَثْلُ مَا حَتَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِأَلْوَّلِدَيْنِ إِحْسَنََّ﴾
[الأنعام: ١٥١] فإنَّ العطف فيه باعتبارِ رجوع التحريم إلى ضدِّ الإحسان وهي
الإساءة، وذَكر في بيانِ نكتةِ العدول عن المثبت إلى المنفيّ نحوَ ما ذكرنا آنفاً.
وتعقّب ذلك صاحبُ ((الكشف)) بأنَّ عنه مندوحةً، أي: بما ذكر من عَطْفِه على
جملة ((إنَّ الله عنده علم الساعة)).
وقال الإمام في وجه نظم الجمل: الحقُّ أنه تعالى لمَّا قال: (وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا) إلخ،
وذَكَرَ سبحانه أنه كائنٌ بقوله عزَّ قائلاً: (إِنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ) فكأنَّ قائلاً يقول: فمتى
هذا اليوم؟ فأجيبَ بأنَّ هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى، وذلك قولُه سبحانه:
(إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) ثم ذكر جلَّ وعلا الدليلين اللذين ذُكرا مراراً على البعث:
أحدهما: إحياءُ الأرض بعد موتها، المشارُ إليه بقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ).
والثاني: الخلقُ ابتداءً، المشارُ إليه بقوله سبحانه: (وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَلِ)، فكأنه قال
عزَّ وجل: يا أيها السائل، إنك لا تعلمُ وقتها ولكنها كائنةٌ، والله تعالى قادرٌ عليها
كما هو سبحانه قادرٌ على إحياء الأرض وعلى الخلق في الأرحام، ثم بعَّد جلَّ
شأنُه له أن يعلم ذلك بقوله عزَّ وجل: (وَمَا تَدَرِى) إلخ، فكأنه قال تعالى: يا أيها
(١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
الآية : ٣٤
١٠٩
سُورَة ◌ُ الْقُغَمَّان
السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مُرساها، وإنَّ من الأشياء ما هو أهمُّ منها
لا تعلمه، فإنك لا تعلم معاشَك ومعادك، فما تعلمُ ماذا تكسب غداً مع أنه فعلُكَ
وزمانُك، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانُك، فكيف تعلمُ قيامَ الساعة متى
يكون، والله تعالى ما علَّمك كَسْبَ غَدِكَ، ولا علَّمك أين تموت، مع أنَّ لك في
ذلك فوائدَ شتَّى، وإنما لم يعلِّمك لكي تكون في كلِّ وقتٍ بسبب الرزق راجعاً
إلى الله تعالى متوكِّلاً عليه سبحانه، ولكيلا تأمَنَ الموتَ إذا كنتَ في غير الأرض
التي أَعْلَمكَ سبحانه أنك تموت فيها، فإذا لم يُعْلِمْكَ ما تحتاجُ إليه كيف يُعْلِمُك
ما لا حاجةَ لك إليه، وهو وقتُ القيامة، وإنما الحاجةُ إلى العلم بأنها تكونُ وقد
أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام(١). انتهى،
ولا يخفى أنَّ الظاهر على ما ذكره أن يقال: ويخلق ما في الأرحام، كما قال
سبحانه: (وَيَُّزِكُ الْغَيْثَ) ووجهُ العدول عن ذلك إلى ما في النظم الجليل غيرُ
ظاهرٍ، على أنَّ كلامه بعدُ لا يخلو عن شيءٍ.
وكونُ المراد اختصاصَ علم هذه الخمس به عزَّ وجلَّ هو الذي تدلُّ عليه
الأحاديثُ والآثار، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من حديث طويل
أنه وَلّ سئل: متى الساعةُ؟ فقال للسائل: ((ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائل،
وسأُخبِركُ عن أشراطها: إذا ولدت الأمةُ ربَّها؛ وإذا تطاوَلَ رعاةُ الإبل البُهْمُ في
البنيان، في خمسٍ لا يعلمهنَّ إلا الله تعالى)) ثم تلا النبيُّ وَّهِ: (((إِنَّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ
السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ) الآية))(٢) أي: إلى آخر السورة كما في بعض الروايات(٣)،
وما وقع عند البخاريِّ في التفسير من قوله: إلى ((الأرحام)) (٤) تقصيرٌ من بعض الرواة.
(١) تفسير الرازي ١٦٤/٢٥ -١٦٥.
(٢) صحيح البخاري (٥٠)، وصحيح مسلم (٩). وقوله: ربها، أي: مالكها وسيدها. وقوله؟
البهم، يجوز في الميم الكسر على أنها صفة الإبل، يعني: الإبل السود. ويجوز فيها الضم
على أنها صفة الرعاة، ووصفوا بذلك إما لأنهم سود الألوان، وإما لأنهم مجهولو
الأنساب، وإما لأنهم لا شيء لهم على اعتبار أن الراعي يرعى بالأجرة. ينظر فتح الباري
١٢٢/١-١٢٣.
(٣) هي رواية مسلم.
(٤) صحيح البخاري (٤٧٧٧)، والكلام من فتح الباري ١٢٤/١.
سُورَةُ الْقْضَمَانُ
١١٠
الآية : ٣٤
وأخرجا أيضاً هما وغيرُهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّى: ((مفتاحُ - وفي
رواية: مفاتِحُ - الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله تعالى: لا يعلمُ أحدٌ ما يكون في
غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تَكْسِبُ غداً،
وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيءُ المطر))(١).
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والرويانيُّ والضياء بسندٍ صحيح عن بريدة
قال: سمعتُ رسول اللهِوَلَه يقول: ((خمسٌ لا يعلمهنَّ إلا الله: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ
السَّاعَةِ) الآية))(٢).
وظاهرُ هذه الأخبار يقتضي أنَّ ما عدا هذه الخمسِ من المغيَّيات قد يعلمه
غيرُه عز وجل، وإليه ذهب مَن ذهب؛ أخرج حميد بن زنجويه(٣) عن بعض
الصحابة ﴿ أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل الظهور، فأُنكِرَ عليه فقال:
إنما الغيبُ خمسٌ - وتلا هذه الآية - وما عدا ذلك غيبٌ يعلمه قومٌ ويجهله
قومٌ.
وفي بعض الأخبار ما يدلُّ على أنَّ عِلْمَ هذه الخمس لم يُؤْتَ للنبيِّ وَّهِ،
ويلزمُه أنه لم يؤتَ لغيره وَلّ من بابٍ أَوْلَى؛ أخرج أحمد والطبرانيُّ عن ابن
عمر ﴿هَا أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((أوتيتُ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ إلا الخمس: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمٌ
السَّاعَةِ) الآية)»(٤).
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود
قال: أوتي نبيُّكم ◌َّهِ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ غيرَ الخمس: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)
الآية(٥).
وأخرج ابن مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: لم يغمَّ على نبيِّكم ◌ِّلـ
(١) صحيح البخاري (١٠٣٩)، وهو عند أحمد بنحوه (٤٧٦٦)، ولم نقف عليه عند مسلم.
(٢) مسند أحمد (٢٢٩٨٦)، ومسند البزار (٢٢٤٩ - كشف)، والكلام من الدر المنثور ١٦٩/٥.
(٣) كما في فتح الباري ١/ ١٢٤ .
(٤) مسند أحمد (٥٥٧٩)، والمعجم الكبير (١٣٣٤٤).
(٥) مسند أحمد (٣٦٥٩)، ومسند أبي يعلى (٥١٥٣)، وتفسير الطبري ٥٨٧/١٨، والكلام من
الدر المنثور ١٦٩/٥.
الآية : ٣٤
١١١
سُوَّة ◌ُ القُعمَّان
إلا الخمسُ من سرائر الغيب، هذه الآية في آخر لقمان: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)
إلى آخر السورة (١).
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في ((الأدب)) عن ربعيٍّ بن حِرَاشٍ
قال: حدَّثني رجلٌ من بني عامر أنه قال: يا رسول الله، هل بقي من العلم شيءٌ
لا تعلمه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لقد علَّمني الله تعالى خيراً، وإنَّ من العلم
ما لا يعلمه إلا الله تعالى، الخمسُ: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية(٢).
وصرَّح بعضهم باستئثار الله تعالى بهن؛ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن
قتادة أنه قال في الآية: خمسٌ من الغيب استأثر الله تعالى بهنَّ فلم يُطْلِعْ عليهنَّ
مَلَكاً مقرَّباً ولا نبيّاً مرسلاً: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) ولا يدري أحدٌ من الناس متى
تقومُ الساعة، في أيِّ سنةٍ ولا في أيِّ شهر، أليلاً أم نهاراً؟ (وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ)
فلا يعلم أحدٌ متى ينزلُ الغيثُ، أليلاً أم نهاراً؟ (وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَِ) فلا يعلم أحدٌ
ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود؟ ولا تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً،
أخيراً أم شرًّا؟ (وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَبِ أَرْضٍ تَمُونٌ) ليس أحدٌ من الناس يدري أين
مضجعه من الأرض، أفي بحرٍ أم في برِّ، في سهلٍ أم في جبل(٣)؟
والذي ينبغي أن يُعْلَم أنَّ كلَّ غيبٍ لا يعلمه إلَّ الله عز وجل، وليس المغيباتُ
محصورةً بهذه الخمس، وإنما خصَّت بالذكر لوقوع السؤال عنها، أو لأنها كثيراً
ما تشتاقُ النفوسُ إلى العلم بها، وقال القسطلانيُّ: ذَكَر ◌َّ خمساً وإن كان الغيبُ
لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي زائداً عليه، ولأن هذه الخمسةَ هي التي كانوا يدَّعون
عِلْمَها. انتهى، وفي التعليل الأخير نظر لا يخفى.
وأنه يجوزُ أن يُطْلِعَ الله تعالى بعض أصفيائه على إحدى هذه الخمس، ويرزقَه
عزَّ وجلَّ العلمَ بذلك في الجملة، وعِلْمُها الخاصُّ به جل وعلا ما كان على وجه
الإحاطة والشمول لأحوال كلٍّ منها وتفصيله على الوجه الأتم، وفي ((شرح المناوي
(١) الدر المنثور١٦٩/٥، وفيه: يعم، بدل: يغم.
(٢) مسند أحمد (٢٣١٢٧)، والأدب المفرد (١٠٨٤)، والكلام من الدر المنثور ١٦٩/٥.
(٣) تفسير الطبري ١٨/ ٥٨٥، والدر المنثور ١٦٩/٥ .
سُورَة القصار
١١٢
الآية : ٣٤
الكبير للجامع الصغير)) في الكلام على حديث بريدةً السابق «خمسٌ لا يعلمهنَّ
إلا الله)): على وجه الإحاطة والشمول كلِّيّاً وجزئيّاً، فلا ينافيه إطلاعُ الله تعالى
بعضَ خواصِّه على بعض المغيَّبات حتى من هذه الخمس؛ لأنها جزئياتٌ معدودةٌ،
وإنكارُ المعتزلة لذلك مكابرةٌ(١). انتهى.
ويُعلَم مما ذكرنا وجهُ الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم
ذلك وبين ما يدلُّ على خلافه كبعض إخباراته وَ* بالمغيَّبات التي هي من هذا
القبيل، يَعْلَم ذلك مَن راجَعَ نحو ((الشفا)) و((المواهب اللدنية)) مما ذكر فيه
معجزاتُهُ وَلَّهِ وإخبارُه ◌َله بالمغيبات(٢) .
وذكر القسطلانيُّ أنه عزَّ وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن
عَلِمِتْه الملائكة الموثَّلون به ومَن شاء سبحانه مِن خَلْقِه عز وجل، وكذا إذا أراد
تبارك وتعالى خَلْقَ شخصٍ في رحمٍ يُعْلِمُ سبحانه الملكَ المؤكَّلَ بالرَّحِم بما يريد
جلَّ وعلا، كما يدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ عن أنس بن مالك عن النبيِّ وَّ قال:
((إنَّ الله تعالى وثَّل بالرَّحِم مَلَكاً يقول: يا ربِّ نطفةٌ، يا ربِّ علقةٌ، يا ربِّ مضغةٌ،
فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خَلْقَه قال: أَذكَرٌ أم أنثى، شقيٍّ أم سعيد، فما الرزق
والأَجَلِ؟ فَيُكْتَبُ في بطن أمه))(٣) فحينئذٍ يعلمُ بذلك الملكُ ومَن شاء الله تعالى من
خَلْقِه عزَّ وجل، وهذا لا ينافي الاختصاصَ والاستئثار بعلم المذكورات بناءً على
ما سمعتَ منَّا من أنَّ المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلمُ الكامل بأحوال كلِّ
على التفصيل، فما يَعْلَمُ به الملك ويطلع عليه بعض الخواصِ يجوز أن یکون دون
ذلك العلم، بل هو كذلك في الواقع بلا شبهةٍ.
وقد يقال فيما يحصُّلُ للأولياء من العلم بشيءٍ مما ذكر: إنه ليس بعلم يقينيٍّ،
قال علي القاري في ((شرح الشفا)): الأولياء وإن كان قد ينكشفُ لهم بعضُ
الأشياء، لكن علمهم لا يكون يقينيّاً، وإلهامهم لا يفيد إلا أمراً ظنّياً.
(١) فيض القدير ٤٥٨/٣.
(٢) ينظر الشفا للقاضي عياض ١/ ٦٥٠-٦٧٩، وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢٠٤/٧ -
٢٣٧.
(٣) صحيح البخاري (٣١٨)، وأخرجه مسلم (٢٦٤٦).
الآية : ٣٤
١١٣
سُورَةُ لِقُغَمَانٌ
ومثلُ هذا عندي - بل هو دونه بمراحل - علمُ النجوميُّ ونحوِه بواسطة أماراتٍ
عنده بنزولِ الغيث، وذكورةِ الحمل أو أنوثتِه، أو نحو ذلك، ولا أرى كُفْرَ مَن
يدَّعي مثلَ هذا العلم، فإنه ظنٌّ عن أمرٍ عاديٌّ، وقد نقل العسقلانيُّ في ((فتح
الباري)) عن القرطبيِّ أنه قال: مَن ادَّعى عِلْمَ شيءٍ من الخمس غيرَ مُسْندِه إلى
رسول الله ﴿ كان كاذباً في دعواه، وأمَّا ظنُّ الغيب فقد يجوزُ من المنجِّم وغيره إذا
كان عن أمرٍ عاديٌّ وليس ذلك بعلم (١). وعليه فقولُ القسطلانيّ: مَن ادَّعى علمَ
شيءٍ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، ينبغي أن يُحمل العلمُ فيه على نحو العلم الذي
استأثر الله تعالى به، دون مطلق العلم الشامل للظنّ وما يشبهُه.
وبعد هذا كلِّه إنَّ أمر الساعة أخفى الأمورِ المذكورة، وإنَّ ما أَظْلَعَ الله تعالى
عليه نبيَّهِ وَ ل﴿ من وقت قيامها في غاية الإجمال، وإن كان أتمَّ من علم غيره من
البشرة وَّة، وقوله وَله: ((بعثتُ أنا والساعةُ كهاتين))(٢) لا يدلُّ على أكثر من العلم
الإجماليِّ بوقتها .
ولا أظنُّ أنَّ خواصَّ الملائكة عليهم السلام أعلمُ منه ◌ِ ◌ّهِ بذلك، ويؤيِّد ظنِّي
ما رواه الحميديُّ في ((نوادره))(٣) بالسند عن الشعبيِّ قال: سأل عيسى بن مريم جبريلَ
عليهما السلام عن الساعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول بأعلم من السائل.
والمرادُ التساوي في العلم بأنَّ الله تعالى استأثر بعلمها على الوجه الأكمل.
ويُرشِدُ إلى العلم الإجماليِّ بها ذِكْرُ أشراطها كما لا يخفى، ويجوزُ أن يكون الله
تعالى قد أَطْلَعَ حبيبه وَّز على وقت قيامها على وجهٍ كاملٍ لكنْ لا على وجهٍ يحاكي
عِلْمَه تعالى به، إلا أنه سبحانه أوجبَ عليهِ وَّهَ كَتْمَه لحكمةٍ، ویکونُ ذلك من
خواصِّه وَِّ، وليس عندي ما يفيد الجَزْمَ بذلك.
هذا وخصَّ سبحانه المكان في قوله تعالى: (وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُونَّ)
(١) فتح الباري ١٢٤/١. والقرطبي هو أبو العباس أحمد بن عمر شيخ القرطبي المفسّر، وكلامه
في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/ ١٥٦ .
(٢) أخرجه أحمد(١٢٢٤٥)، والبخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) من حديث أنس .
وسلف ٩/ ٥٢٢.
(٣) كما في فتح الباري ١/ ١٢١، وأخرجه أيضاً ابن المبارك في الزهد (٢٢٨).
سُورَةُ القَمَان
١١٤
الآية : ٣٤
لُعْرَفَ الزمانُ من بابٍ أَوْلَى، فإنَّ الأول في وسع النفس في الجملة بخلاف الثاني،
وأخرج أحمدُ وجماعةٌ عن أبي عَزَّةَ الهذليّ قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا أراد الله
تعالى قَبْضَ عبدٍ بأرضٍ جعل له إليها حاجةٌ، فلم يَنْتِهِ حتى يَقْدَمَها)) ثم قرأ ◌َّهِ: (وَمَا
تَدّرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونٌ) (١).
وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن خيثمةَ: أنَّ ملك الموت مرَّ على
سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجلٍ من جلسائه يديمُ النظر إليه، فقال الرجل:
مَن هذا؟ قال: ملكُ الموت. فقال: كأنه يريدني، فَمُرِ الريحَ أن تحملني وتلقيني
بالهند. ففعل، فقال الملك: كان دوامُ نظري إليه تعجّباً منه؛ إذ أُمِرْتُ أن أقبِضَ
روحه بالهند وهو عندك(٢) .
و((تدري)) في الموضعين معلّقةٌ، فالجملةُ من قوله تعالى: (مَّاذَا تَكْسِبُ) في
موضع المفعول، ويجوزُ أن تكون «ماذا)» كلُّها موصولاً منصوبَ المحلِّ بـ ((تدري))،
كأنه قيل: وما تدري نفسٌ الشيءَ الذي تكسبُه غداً. و((بأيٍ)) متعلُّقٌ بـ ((تموت))،
والباء ظرفية، والجملةُ في موضع نصبٍ بـ ((تدري)).
وقرأ غير واحد من السبعة: ((يُنزِلُ)) من الإنزال(٣). وقرأ موسى الأسواريُّ وابن
أبي عبلة: ((بأيَّةِ أرضٍ)» بتاء التأنيث(٤)؛ لإضافتها إلى المؤنَّث، وهي لغةٌ قليلٌ فيها
كما أنَّ كلّ إذا أضيفت إلى مؤنَّثٍ قد تؤنَّث نادراً، فيقال: كُلُّهُنَّ فَعْنَ ذلك، فليُعْلَمْ
واللهُ عزَّ وجلَّ أعلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ مبالغٌ في العلم فلا يعزُبُ عن علمه سبحانه شيءٌ من الأشياء
﴿خَبِيرٌ ﴾﴾ يعلم بَوَاطِنَها كما يعلم ظواهِرَها، فالجمعُ بين الوصفين للإشارة إلى
التسوية بين علم الظاهر والباطن عنده عز وجل، والجملةُ - على ما قيل - في موضع
التعليل لعلمه سبحانه بما ذكر.
(١) مسند أحمد (١٥٥٣٩)، وسنن الترمذي (٢١٤٧)، وسنن ابن ماجه (٢٢٦٣). قال الترمذي:
هذا حديث صحيح، وأبو عزة له صحبة، واسمه يسار بن عبد.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٠٥.
(٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي. التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢.
(٤) القراءات الشاذة ص١١٧، والبحر ١٩٤/٧، والكلام منه.
التفسير الإشاري (١-٣٤)
١١٥
سُورَةُ القُغَمَانٌ
وقيل: جواب سؤالٍ نشأ من نفي دراية الأنفس ماذا تكسب غداً، وبأيِّ أرضٍ
تموت، كأنه قيل: فَمَن يعلم ذلك؟ فقيل: ((إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ)) وهو جوابٌ بأنَّ الله
تعالى يعلم ذلك وزيادةً.
ولا يخفى أنه إذا كانت هذه الجملةُ من تتمَّةِ الجملتين اللتين قبلها كانت دلالةٌ
الكلام على انحصار العلم بالأمرين اللذين نُفي العلمُ بهما عن كلِّ نفسٍ ظاهرةً
جدّاً، فتأمَّلْ ذاك والله عزَّ وجلَّ يتولَّى هُداك.
ومن باب الإشارة في السورة الكريمة: ﴿الّّ﴾ إشارةٌ إلى آلائه تعالى، ولُظْفِه
جلَّ شأنُه، ومَجْدِه عز وجل.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ بحضور القلب والإعراض عن السِّوَى، وهي صلاةٌ
خواصِ الخواصِّ، وأمَّا صلاةُ الخواصِّ فِنَفْي الخطراتِ الرَّدِيَّةِ والإرادات الدنيوية،
ولا يضرُّ فيها طلبُ الجنة ونحوُه، وأمَّا صلاةُ العوامِّ فما يفعله أكثر الناس،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظیم.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ ببذل الوجود للملك المعبود لنيل المقصود، وهي زكاةٌ
الأخصِّ، وزكاةُ الخاصة ببذل المال كلِّه لتصفية قلوبهم عن صدأ محبة الدنيا،
وزكاةُ العامة ببذل القَدْرِ المعروف من المال المعلوم على الوجه المشروع المشهورِ
لتزكية نفوسهم عن نجاسة البخل.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ هو ما يشغلُ عن الله تعالى ذكره،
ويحجُبُ عنه عزَّ وجل استماعه، وأما الغناءُ فهو عند كثيرٍ منهم أقسامٌ منها ما هو
من لهوِ الحديث، ونَقَل بعضهم عن الجنيد قدِّس سرُّه أنه قال: السماعُ على أهل
النفوس حرامٌ لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباحٌ لوفورٍ علومهم وصفاءِ
قلوبهم، وعلى أصحابنا واجبٌ لفناء حظوظهم.
وعن أبي بكر الكنانيّ: سماعُ العوامٌ على متابعة الطبع، وسماعُ المريدين رغبةٌ
ورهبةٌ، وسماعُ الأولياء رؤيةُ الآلاء والنعم، وسماعُ العارفين على المشاهدة،
وسماعُ أهل الحقيقة على الكشف والعيان، ولكلٍّ من هؤلاء مصدرٌ ومقام.
سُورَةُ لِقْعَمَّان
١١٦
التفسير الإشاري (١-٣٤)
وذكروا أنَّ من القوم مَن يسمعُ في الله وللهِ وبالله ومن الله جل وعلا، ولا يسمع
بالسمع الإنسانيّ بل يسمعُ بالسمع الربانيِّ، كما في الحديث القدسيِّ: ((كنتُ سَمْعَه
الذي يَسْمَعُ به)»(١) .
وقالوا: إنما حرِّمَ اللهوُ لكونه لهواً، فَمَنْ لا يكون لهواً بالنسبة إليه لا يحرُمُ
عليه؛ إذ علةُ الحرمة في حقِّه منتفيةٌ، والحكم يدورُ مع العلة وجوداً وعدماً.
ويلزمُهم القولُ بحِلِّ شُرْبٍ المُسْكِرِ لمن لا يُسْكِرُه، لا سيما لمن يَزِيدُه نشاطاً
للعبادة مع ذلك، ومن زنادقة القلندرية(٢) مَن يقول بحِلِّ الخمر والحشيشةِ ونحوِها
من المُسْكِرات المحرَّمةِ بلا خلافٍ، زاعمين أنَّ استعمال ذلك يفتحُ عليهم أبوابَ
الكشوف، وبعضُ الجهلة الذين لعب بهم الشيطانُ يطلبون منهم المددَ في ذلك
الحال، قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون.
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ قيل: هي إدراكُ خطابٍ الحقِّ بوصف الإلهام،
وذكروا أنَّ الحكمة موهبةُ الأولياء كما أنَّ الوحي موهبةُ الأنبياء عليهم السلام، فكلّ
ليس بكسبيٍّ، إلا أنَّ للكسب مدخلاً ما في الحكمة، فقد ورد: ((مَن أَخْلَصَ الله
تعالى أربعين صباحاً تفجَّرتْ ينابيع الحكمة من قلبه))(٣).
والحكمةُ التي يزعم الفلاسفة أنها حكمةٌ ليست بحكمةٍ؛ إذ هي من نتائج
الفكر، ويؤتاها المؤمنُ والكافر، وقلَّما تسلَمُ من شوائب آفات الوهم، ولهذا وقع
الاختلافُ العظيم بين أهلها، وعدَّها بعضُ الصوفية من لهو الحديث، ولم يَبْعُدْ في
ذلك عن الصواب.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وسلف ١٣٢/١ و١٥٥/٤.
(٢) هم طائفة يحلقون ذقونهم، ويقولون إن رسول الله وَلو أطعم شيخهم قلندر عنباً، وكلَّمه
بلسان العجم، وقد سئل عنهم ابن تيمية فقال: هم من أهل الضلالة والجهالة، وأكثرهم
کافرون بالله ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة ولا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله، وقد يكون
فيهم من هو مسلم، لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر، ومن قال: إن قلندر موجود في زمن
النبي ، فقد كذب وافترى. مجموع الفتاوى ١٦٣/٣٥.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٥٠٧) و(١٥٠٨) و(١٥٠٩) من حديث أبي أيوب
وأبي موسى وابن عباس ﴿ه، ثم قال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَّر.
التفسير الإشاري (١-٣٤)
١١٧
سُورَةٌ لِقْغَمَانٌ
وأشارت قصة لقمان إلى التوحيد ومقامٍ جَمْعِ الجمع وعَينِ الجمع، واتِّباعِ
سبيل الكاملين، والإعراض عن السِّوى وتكميلِ الغير، والصبرِ على الشدائد،
والتواضعِ للناس، وحُسْنِ المماشاة والمعاملةِ والسيرةٍ، وتركِ التماوُتِ في المشي،
وتركِ رفع الصوت.
وقيل: ((الحمير)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾ هم الصوفيةُ
الذين يتكلَّمون بلسان المعرفة قبل أن يؤذَن لهم. وطبَّق بعضهم جميع ما في القصة
على ما في الأنفس.
﴿وَأَسْبَغَ عَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاِنَّةٌ﴾ قال الجنيد: النعمُ الظاهرةُ حُسْنُ الأخلاق،
والنعمُ الباطنة أنواعُ المعارف.
وقيل على قراءة الإفراد: النعمةُ الظاهرة اتِّباعُ ظاهر العلم، والباطنةُ طلبُ
الحقيقة في الاتِّباع.
وقيل: النعمةُ الظاهرة نَفْسٌ بلا زلَّةٍ ، والباطنةُ قلبٌ بلا غفلةٍ.
﴿مَنْ يُحَدِلُ فِ الَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَى وَلَا كِنَبٍ مُنِيرٍ﴾ يشيرُ إلى أهل الجدل من
الفلاسفة، فإنهم يجادلون في ذات الله تعالى وصفاته عزَّ وجلَّ كذلك عند التحقيق؛
لأنهم لا يعتبرون كلامَ الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا الكتبَ المنزلةَ من
السماء، وأكثرُ علومهم مشوبٌ بآفةِ الوهم، ومع هذا فشؤون الله جل وعلا طورٌ
ما وراء طور العقل:
هيهاتَ أن تصطاد عنقاءُ البقا بلعابهنَّ عناكبَ الأفكار(١)
وأبعدُ من محذَّب الفَلَكِ التاسع حصولُ علمٍ بالله عزَّ وجلَّ وبصفاته جلَّ
شأنه يُعتدُّ به بدون نورٍ إلهيٍّ يستضيء العقلُ به، وعقولُهم في ظلماتٍ بعضُها فوق
بعضٍ، وقد سدَّتْ أبوابُ الوصول إلَّ على متَّبع للرسول وَّهِ. قال بعضهم مخاطباً
لحضرة صاحب الرسالة :
أتاه من غيرك لا يَدْخُلُ
وأنت بابُ الله أيُّ امرئ
(١) سلف ١١٨/١٣.
سُورَةُ القُضَانٌ
١١٨
التفسير الإشاري (١-٣٤)
﴿َذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ فيه
إشارةٌ إلى أنه سبحانه تمامٌ وفوق التمام، والمرادُ بالأول: مَن حصل له كلُّ ما جاز
له، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ والمراد بالثاني: مَن حصل له ذلك
وحَصَل لِمَا عداه ما جاز له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾
ووراء هذين الشيئين ناقصٌ وهو ما ليس له ما ينبغي كالصبيِّ والمريض والأعمى،
ومُكْتَفٍ وهو مَن أعطي ما تندفعُ به حاجتُه في وقته كالإنسان الذي له من الآلات
ما تندفعُ به حاجته في وقته، لكنها في معرض التحلُّل والزوال.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية ذَكر غيرُ واحدٍ حكاياتٍ عن الأولياء متضمِّنَةً
لإطلاع اللهِ تعالى إياهم على ما عَدَا عِلْم الساعة من الخمس، وقد علمتَ الكلام
في ذلك.
وأغربُ ما رأيتُ ما ذكره الشعرانيُّ عن بعضهم أنه كان يبيع المطر، فيُمْطِر على
أرض مَن يشتري منه متى شاء، ومَن له عقلٌ مستقيم لا يقبل مثلَ هذه الحكاية.
وكم للقُصَّاص أمثالها من روايةٍ، نسألُ الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من اعتقادٍ
خرافاتٍ لا أصل لها، وهو سبحانه وليُّ العصمة والتوفيق.
سُورَةُ السَّجَادَةِ
وتسمَّى المضاجع أيضاً كما في ((الإتقان))(١)، وفي ((مجمع البيان)) أنها
كما تسمَّى سورةَ السجدة تسمَّى سجدةَ لقمان، لئلّا تَلْتَبِسَ بحم السجدة(٢).
وأُظْلِقَ القولُ بمكِّيتها، أخرج ابن الضُّريس وابنُ مردويه والبيهقيُّ في ((الدلائل)
عن ابن عباس أنها نزلت بمكة(٣). وأخرج ابنُ مردويه عن عبد الله بن الزبير
مثله(٤) .
وجاء في روايةٍ أخرى عن الحبر استثناءٌ، أخرج النحاس عنه وظلبه أنه قال:
نزلت سورةُ السجدة بمكة سوى ثلاث آياتٍ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تمام الآيات
الثلاث(٥). ورُوي مثلُه عن مجاهدٍ والكلبيِّ.
واستثنى بعضُهم أيضاً آيتين أُخْريَيْنٍ، وهما قوله تعالى: ﴿نَتَجَانَى جُنُوبُهُمْ﴾ إلخ،
واستدلَّ عليه ببعض الروايات في سبب النزول، وستطّلع على ذلك إن شاء الله
تعالى. واستُبْعِدَ استثناؤهما لشدَّة ارتباطهما بما قبلهما.
وهي تسعٌ وعشرون آيةً في البصريِّ، وثلاثون في الباقية، ووَجْهُ مناسبتها لِمَا
قبلها اشتمالُ كلٍّ على دلائل الألوهية. وفي ((البحر)): لمَّا ذَكَرَ سبحانه فيما قبلُ
دلائلَ التوحيد وهو الأصلُ الأول، ثم ذكر جلَّ وعلا المعادَ وهو الأصلُ الثاني،
(١) الإتقان ١/ ١٧٣.
(٢) مجمع البيان ٧١/٢١.
(٣) فضائل القرآن لابن الضريس ص٣٣-٣٤، ودلائل النبوة للبيهقي ١٤٤/٧، والدر المنثور
١٧٠/٥.
(٤) الدر المنثور ١٧٠/٥ .
(٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ٥٨٠.
١٢٠
سُوَّةُ السَجَادَة
وختم جلَّ شأنُه به السورةَ، ذكر تعالى في بدء هذه السورة الأصل الثالث وهو
النبؤَّة(١).
وقال الجلال السيوطيُّ في وجه الاتصال بما قبلها: إنها شرحٌ لمفاتح الغيب
الخمسة التي ذُكرت في خاتمة ما قبلُ :
فقوله تعالى: (فُرَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَّةٍ مَِّّا تَعُذُّونَ) شَرَحَ قوله
تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ) ولذلك عقّب بقوله سبحانه: (عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ).
وقولُه تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) شَرَحَ قولَه سبحانه:
(وَيُغَزِّكُ اَلْغَيْثَ).
وقولُه تبارك وتعالى: (الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ) الآياتِ شَرَحَ قولَه جلَّ جلاله:
(وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَزْحَاِ).
وقولُه عز وجل: (يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ) (وَلَوْ شِئْنَا لَنَّيْنَا كُلَّ نَفْسٍ
هُدَئِهَا) شَرَحَ قولَه تعالى: (وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدًا).
وقولُه جلّ وعلا: (أَِذَا ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ) إلى قوله تعالى: (قُلّ يَنَوَقَّكُمْ مَّلَكُ
الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (®) شَرَحَ قولَه سبحانه: (وَمَا تَدْرِى نَفْسُّ
بِ أَرْضِ تَمُونٌ)(٢). اهـ، ولا يخلو عن نظر.
وجاء في فضلها أخبارٌ كثيرةٌ، أخرج أبو عبيد وابنُ الضُّريس من مُرْسَلٍ
المسيِّب بن رافع، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((تجيءُ ألم تنزيل - وفي رواية: ألم السجدة - يومَ
القيامة لها جناحان تظلُّ صاحبها وتقولُ: لا سبيلَ عليه لا سبيل عليه))(٣).
وأخرج الدارميُّ والترمذيُّ وابنُ مردويه عن طاوس قال: (الّّ) السجدة،
و(تَبَزَّكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ) تفضُلان على كلِّ سورةٍ في القرآن بستِّين حسنةً(٤).
(١) البحر ١٩٦/٧ .
(٢) تناسق الدرر ص٧٣-٧٤ .
(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٣٥، ولابن الضريس ص ١٠٠.
(٤) سنن الدارمي (٣٤١٢)، وهو في سنن الترمذي إثر الحديث (٢٨٩٢) وفيه: بسبعين حسنة.