النص المفهرس

صفحات 61-80

الآية : ١٦
٦١
سُورَةُ القُغَمَانٌ
محمد بن أبي فجَّة البعلبكيُّ: ((فتُكَنَّ)) بضمِّ التاء وفتح الكاف والنونِ مشدّدةً. وقرأ
قتادة: ((فَتَكِنْ)) بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون (١)، ورُويت هذه القراءةُ عن
الجزريِّ أيضاً. والفعلُ في جميع ما ذُكر من وَكَنَ الطائرُ: إذا استقرَّ في وكنته(٢)،
أي: عشّه، ففي الكلام استعارةٌ أو مجازٌ مرسلٌ كما في المشفر(٣).
والضمير للمحدَّثِ عنه فيما سبق، وجوِّز أن يكون للابن، والمعنى: إن تَخْتَفٍ
أو تَخْفَ وقتَ الحساب يُحْضِرْك الله تعالى، ولا يخفى أنه غيرُ ملائم للجواب،
أعني قولَه تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي: يُخْضِرُها فيحاسبُ عليها، وهذا إما على
ظاهره، أو المرادُ: يجعلها كالحاضر المشاهد لذكرها والاعتراف بها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ﴾ يَصِلُ عِلْمُه تعالى إلى كلِّ خفيٍّ ﴿خَبِيرٌ ﴾﴾ عالمٌ بكنهه.
وعن قتادة: لطيفٌ باستخراجها خبيرٌ بمستقرِّها. وقيل: ذو لطفٍ بعباده، فيلطفُ
بالإتيان بها بأحد الخصمين، ((خبير)» عالم بخفايا الأشياء. وهو كما ترى.
والجملةُ علةٌ مصحِّحة للإتيان بها، أخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بنِ رباح
اللخميِّ أنه لمَّا وَعَظَ لقمانُ ابنَه وقال: (إِنَّا إِن تَكُ) الآيةَ، أخذ حبةً من خردلٍ فأتى
بها إلى اليرموك - وهو وادٍ في الشام - فألقاها في عرضهِ، ثم مكث ما شاء الله
تعالى، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذبابٌ حتى وضعها في راحته (٤). والله تعالى
أعلم.
وبعدَ ما أَمَرَه بالتوحيد الذي هو أولُ ما يجب على المكلّف في ضمن النهي عن
الشرك، ونَّهه على كمال عِلْمِه تعالى وقدرته عز وجل، أَمَرَه بالصلاة التي هي أكملُ
العبادات تكميلاً له(٥) من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد، فقال مستميلاً
= وعبد الكريم الجزري هو ابن مالك، أبو سعيد الحرَّاني مولى بني أمية، ويقال له:
الخضْرِمي بالخاء المعجمة المكسورة، وهي من قرى اليمامة، توفي سنة (١٢٧هـ). التهذيب
٦٠٢/٢. والقراءة ذكرها ابن خالويه ص١١٧ عن الأنباري.
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص١١٧، والبحر ١٨٧/٧، والكلام منه.
(٢) بفتح الواو وضمها وسكونِ الكاف أو ضمها مع ضم الواو. حاشية الشهاب ١٣٧/٧.
(٣) المِشْفَر: شفة البعير، وقد يستعمل في الناس على الاستعارة. التاج (شفر).
(٤) الدر المنثور ١٦٣/٥ .
(٥) قوله: له، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٧٢/٧، والكلام منه.

سُورَةُ لِقُغَمَّان
٦٢
الآية : ١٧
له: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ القَلَوَةَ﴾ تكميلاً لنفسك، ويُروى أنه قال له: يا بني إذا جاء وقتُ
الصلاة فلا تؤخِّرها لشيءٍ، صلِّها واستَرِحْ منها فإنها دينٌ، وصلِّ في جماعةٍ ولو
على رأس زجٌ(١).
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ تكميلاً لغيرك، والظاهرُ أنه ليس المرادُ معروفاً
ومنكراً معيَّنين، وأخرج ابن أبي حاتم (٢) عن ابن جبير أنه قال: ((وأمر بالمعروف))
يعني التوحيد ((وانه عن المنكر)) يعني الشرك.
﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ﴾ من الشدائد والمحن، لا سيما فيما أُمرتَ به من إقامة
الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واحتياجُ الأخيرين للصبر على ما ذُكر
ظاهرٌ، والأولِ لأنَّ إتمام الصلاة والمحافظةَ عليها قد يَشُقُّ، ولذا قال تعالى:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقال ابن جبير: واصبر على ما أصابك في أمر الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، يقول: إذا أَمَرْتَ بمعروفٍ أو نَهْتَ عن منكرٍ وأصابك في ذلك أذّى وشدةٌ
فاصبر عليه ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الصبر على ما أصابك، عند ابن جبير، وهو يناسبُ
إفرادَ اسم الإشارة، وما فيه من معنى البعدِ للإشعار ببعدٍ منزلته في الفضل. أو
الإشارةُ إلى الصبر وإلى سائر ما أُمر به، والإفراد للتأويل بما ذكر، وأمرُ البعد على
ما سمعت.
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ أي: ممَّا عزمه الله تعالى وقَطَعه قَطْعَ إيجابٍ، وروي
ذلك عن ابن جُريج، والعزمُ بهذا المعنى مما ينسب إلى الله تعالى، ومنه ما ورد من
عزمات الله عز وجل، والمراد به هنا المعزومُ، إطلاقاً للمصدر على المفعول،
والإضافةُ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأمور المعزومة.
وجوِّز أن يكون العزمُ بمعنى الفاعل، أي: عازم الأمور، من عَزَمَ الأمر، أي:
جدَّ، فعزم الأمور من باب الإسناد المجازيِّ كمكر الليل، لا من باب الإضافة على
معنى في وإنْ صحّ.
(١) الزج: الحديدة في أسفل الرمح. القاموس (زجج).
(٢) كما في الدر المنثور ١٦٦/٥ .

الآية : ١٨
٦٣
سُوَدَّةُ القَمَّانُ
وقيل: يريد: من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريقَ النجاة.
واستَظْهَر أبو حيان أنه أراد: من لازمات الأمور الواجبة، ونَقَل عن بعضهم أنَّ
العزم هو الحزمُ بلغة هذيل، والحزمُ والعزمُ أصلان. وما قاله المبرِّد من أنَّ العين
قُلبتْ حاءًّ ليس بشيءٍ، لاطَّراد تصاريف كلٍّ من اللفظين، فليس أحدُهما أصلاً
للآخر (١).
والجملةُ تعليلٌ لوجوب الامتثال بما سبق، وفيه اعتناءٌ بشأنه.
تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِلْه عنهم، ولا تولِّهم صفحةً وجهك
كما يفعلُه المتكبِّرون، قاله ابن عباس وجماعةٌ، وأنشدوا:
وكنّا إذا الجبارُ صغَّر خدَّه أقمنا له من ميله فتقوَّما (٢)
فهو من الصّعر بمعنى الصِّيد(٣)، وهو داءٌ يعتري البعیر فیُلوَی منه عنقه،
ويستعارُ للتكبُّر كالصَّعر.
وقال ابن خويز منداد: نُهي أن يذلَّ نفسه من غير حاجةٍ فيلوي عنقَه. ورجّح
الأولُ بأنه أوفقُ بما بعدُ، ولامُ ((للناس)) تعليليةٌ، والمراد: ولا تصعِّر خذَّك لأَجْلِ
الإعراض عن الناس، أو صلة.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزةٌ والكسائيُّ: ((تُصاعرَ)) بألفٍ بعد الصاد(٤). وقرأ
الجحدريُّ: ((تُصْعِر)) مضارعُ أَصْعَرَ(٥)، والكلُّ واحدٌ، مثل: علَّه وعالاه وأَعْلاه.
(١) البحر ١٨٨/٧.
(٢) البيت من قصيدة للمتلمس كما في الأصمعيات ص٢٤٥، وجمهرة أشعار العرب ١٣٣/١،
ومختارات ابن الشجري ٢٨/١، ومعجم الشعراء للمرزباني ص١٣، واللسان (صعر). وهذا
البيت كما في معجم الشعراء يروى أيضاً من قصيدة لعمرو بن جني التغلبي قافيتها بالميم
المكسورة، برواية: فتقوَّم، وهو أمر بالاستقامة، أي: فتقوَّمْ أنت. وذكره أبو عبيدة في
مجاز القرآن ١٢٧/٢، والطبري ٥٥٩/١٨ منسوباً لعمرو بن جني ولكن بالرواية الأولى.
وينظر المحرر الوجيز ٣٥١/٤، والبحر ٧/ ١٨٢.
(٣) بكسر الصاد، ويحرك. القاموس (صيد).
(٤) التيسير ص١٧٦، والنشر ٣٤٦/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.
(٥) القراءات الشاذة ص١١٧، والبحر ١٨٨/٧.

سُورَةُ لِقْغَمَانٌ
٦٤
الآية : ١٨
﴿وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ﴾ التي هي أحظُ الأماكن منزلةً ﴿مَرَمًا﴾ أي: فَرَحاً وبَطَراً،
مصدرٌ وقع موقعَ الحال للمبالغة أو لتأويله بالوصف، أو: تمرح مرحاً، على أنه
مفعولٌ مطلق لفعلٍ محذوف، والجملةُ في موضع الحال. أو: لأَجْلِ المرح على أنه
مفعولٌ له.
وقرئ: ((مرِحاً)) بكسر الراء(١) على أنه وصفٌ في موضع الحال.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٨﴾ تعليلٌ للنهي أو موجبه، والمختال من
الخيلاء وهو التَّبَخْتُر في المشي كبراً، وقال الراغب: التكبُّر عن تخيُّلِ فضيلةٍ تراءت
للإنسان من نفسه، ومنه تُؤْوِّلَ لَفْظُ الخيل لِمَا قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرساً إلَّ وَجَدَ
في نفسه نخوةٌ(٢).
والفَخورُ من الفخر، وهو المباهاةُ في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال
والجاه، ويدخل في ذلك تعدادُ الشخص ما أعطاه لظهور أنه مباهاةٌ بالمال، وعن
مجاهدٍ تفسيرُ الفَخور بمن يعدِّد ما أَعْطَى ولا يشكرُ الله عز وجل.
وفي الآية عند الزمخشريِّ لفٍّ ونشرٌ معكوسٌ، حيث قال: المختالُ مقابلٌ
للماشي مَرَحاً، وكذلك الفخورُ للمصعِّرِ خذَّه كبراً (٣)، وذلك لرعاية الفواصل على
ما قيل، ولا يأبى ذلك كونُ الوصية لم تكن باللسان العربي كما لا يخفى.
وجوِّز أن يكون هناك لفتٍّ ونشرٌ مرَّبٌ، فإنَّ الاختيال يناسبُ الكبر والعُجْبَ،
وكذا الفخر يناسبُ المشي مرحاً، والكلامُ على رفع الإيجاب الكلِّيِّ، والمراد
السلبُ الكليُّ، وجوِّز أن يبقى على ظاهره، وصيغةُ ((فخور)) للفاصلة، ولأنَّ ما يُكره
من الفخر كثرته فإنَّ القليل منه يَكثُر وقوعُه، فلطفُ الله تعالى بالعفو عنه، وهذا
كما لَطَفَ بإباحة اختيال المجاهد بين الصفَّين، وإباحة الفخر بنحو المال لمقصدٍ
حسن .
(١) لم نقف على مَن ذكرها عند هذه الآية، وإنما ذكروها عند الآية (٣٧) من سورة الإسراء.
(٢) مفردات الراغب (خيل).
(٣) الكشاف ٢٣٤/٣.

الآية : ١٩
٦٥
سُورَةُ القُضمان
﴿وَأَقْصِدْ فِى مَشِْكَ﴾ بعد الاجتناب عن المرح فيه، أي: توسَّط فيه بين الدبيب
والإسراع، من القَصْدِ: وهو الاعتدال، وجاء في عدة رواياتٍ - إلَّا أنَّ في أكثرها
مقالاً يُخْرِجُها عن صلاحية الاحتجاجِ بها كما لا يخفى على مَن راجَعَ ((شرح
الجامع الصغير)» للمناوي(١) - عن النبيِّ ◌َلُهُ: ((سرعةُ المشي تُذْهِبُ بهاءً
المؤمن)»(٢) أي: هيبتَه وجمالَه، أي: تُؤْرِثُه حقارةً في أعين الناس، وكأنَّ ذلك
لأنها تدلُّ على الخفة، وهذا أقربُ من قول المُنَاوي: لأنها تُتْعِبُ فتغيرِّ البدنَ
والهيئة(٣).
وقال ابن مسعود: كانوا يُنهون عن خَبَبِ اليهود ودبيبِ النصارى، ولكن مشياً
بين ذلك.
وما في ((النهاية)) من أنَّ عائشة نظرت إلى رجلٍ كاد يموت تخافتاً فقالت:
ما لهذا؟ فقيل: إنه من القرَّاء. فقالت: كان عمر ظُّه سيدَ القراء، وكان إذا مشى
أسرع، وإذا قال أَسْمعَ، وإذا ضرب أُوْجَعَ(٤). فالمراد بالإسراع فيه ما فوق دبيب
(١) فيض القدير ١٠٤/٤ و١٤٠، وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٩٠/١٠ من حديث أبي هريرة . وفيه محمد بن
عبد الملك بن قريب الأصمعي، قال الخطيب: لم أسمع له بذكر إلا في هذا الحديث،
وقال الذهبي: وهو حديث منكر جدًّا. الميزان ٦٣٢/٣، وفيض القدير ١٠٤/٤، وقال
المناوي: وأعله ابن حبّان بأبي معشر وقال: اختلط آخراً وكثرت المناكير في روايته فبطل
الاحتجاج به.
وأخرجه ابن عدي في الكامل ١٧٢٧/٥ من حديث أبي هريرة أيضاً، وفي إسناده عمار بن
مطر وهو متروك. وأخرجه ٢٥٣٩/٧ من حديث أبي سعيد الخدري وفي إسناده الوليد بن
سلمة، وهو متروك وكذبه غير واحد.
وأخرجه ابن حبان ٨٢/٢، وابن عدي ١٦٧٣/٥ من حديث ابن عمر ◌ًا، وفي إسناده
عمر بن محمد بن صهبان، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات التي إذا
سمعها مَن الحديثُ صنعتُه لم يشكَّ أنها معمولة، يجب التنكب عن روايته في الكتب.
وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٩٩) من حديث أنس له، وفي إسناده
مجهولون، وفيه أيضاً عبد السلام بن صالح الأزدي، وهو صاحب مناكير.
(٣) فيض القدير ١٠٤/٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث (موت).

سُورَةُ لِقْنَمَانٌ
٦٦
الآية : ١٩
المتماوت(١)، وهو الذي يُخفي صوتَه ويُقِلُّ حركاته ممَّن(٢) يتزيًّا بزيِّ العبَّاد، كأنه
يتكلَّفُ في اتصافه بما يقرِّبُه من صفات الأموات؛ ليوهم أنه ضَعُفَ من كثرة
العبادة، فلا ينافي الآيةَ، وكذا ورد في صفته وَ﴿ إذ يمشي كأنما ينحظُ من
صببٍ(٣)، وكذا لا ينافيها قولُه تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾
[الفرقان: ٦٣] إذ ليس الهون فيه المشيَ كدبيب النمل.
وذكر بعض الأفاضل أنَّ المذموم اعتيادُ الإسراع بالإفراط فيه.
وقال السخاويُّ: محلٌّ ذِّ الإسراع ما لم يُخْشَ من بطءِ السير تفويتُ أمرٍ
دينيّ(٤)، لكن أنت تعلم أنَّ الإسراع المُذْهِبَ للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مثلاً
مما قالوا: إنه ممَّا لا ينبغي، فلا تغفل.
وعن مجاهد: أنَّ القَصْدَ في المشي التواضُعُ فيه. وقيل: جَعْلُ البصر موضعَ
القدم. والمعوَّلُ عليه ما تقدَّم.
وقرئ: ((وأَقْصِدْ)) بقَطْعِ الهمزة، ونَسَبَها ابنُ خالويه للحجازيّ(٥)، من أَقْصَدَ
الرامي: إذا سدّد سهمه نحو الرميَّة ووجَّهَه إليها ليصيبها، أي: سدِّد في مشيك،
والمراد: امشٍ مشياً حسناً، وكأنه أُريدَ التوسُّطُ به بين المشيين السريعِ والبطيءٍ،
فتتوافق القراءتان.
﴿وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي: انقُصْ منه واقْصِرْ، من قولك: فلان يغضُّ من
فلانٍ، إذا قصر به ووضع منه وحطّ من درجته. وفي ((البحر)): الغضُّ ردُّ طموح
(١) جاء في حاشية (م): ورأى عمر ◌َ ه رجلاً متماوتاً فقال: لا تُمِتْ علينا ديننا أماتك الله.
ورأى رجلاً مطأطئاً رأسه فقال: ارفع رأسك فإن الإسلام ليس بمريض. اهـ منه. والخبران
في النهاية (موت).
(٢) في الأصل و(م): مما، والمثبت من حاشية الشهاب ١٣٨/٧، والكلام منه.
(٣) قطعة من حديث هند بن أبي هالة، أخرجه الترمذي في الشمائل (٧)، والقاضي عياض
كما في شرح الشفا للملا علي القاري ٣٣٤/١.
(٤) المقاصد الحسنة ص ٢٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة المناوي في فيض القدير ٤/ ١٠٤،
وعبارة السخاوي: وهو محمود لمن يخشى من البطء في السير تفويت أمر ديني ونحوه.
(٥) القراءات الشاذة ص١١٧، والبحر ١٨٩/٧، والكلام منه.

الآية : ١٩
٦٧
سُورَةُ القُعمَّان
الشيء كالصوت والنظر (١)، ويستعمل متعدِّياً بنفسه كما في قوله:
فغُضَّ الظَّرْفَ إِنَّك من نميرٍ (٢)
ومتعدِّياً بمن كما هو ظاهر قول الجوهري: غضَّ من صوته(٣). والظاهر أنَّ
ما في الآية من الثاني، وتكلَّف بعضُهم جَعْلَ ((من)) فيها للتبعيض، واذَّعى آخرُ
كونَها زائدةً في الإثبات. وكانت العرب تفتخرُ بجهارة الصوت وتمدحُ به في
الجاهلية، ومنه قولُ الشاعر:
جهيرُ الرُّوَاءِ جهيرُ النَّغَمْ
جهيرُ الكلام جهيرُ العطاس
ويعلو الرجالَ بِخَلْقٍ عَمَمْ(٥)
ويخطو على الأين(٤) خَطْوَ الظليم
والحكمةُ في غضِّ الصوت المأمورِ به أنه أوفرُ للمتكلِّم، وأبسطُ لنَفْسِ السامع
وفَهْمِه.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ﴾ أي: أقبحها، يقال: وجهٌ منكر، أي: قبيح، قال في
((البحر)): وهو أفعل بُني من فِعْلِ المفعول، كقولهم: أشغل من ذات النحیین،
وبناؤه من ذلك شاءٌ(٦).
(١) البحر ١٨٩/٧.
(٢) وصدره: فلا كعباً بلغت ولا كلابا، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٨٢١/٢.
(٣) الصحاح (غضض).
(٤) في الأصل: على ابن العم، وفي (م): على العم، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٥) الكامل للمبرد ٦٩٤/٢، والبيان والتبيين ١٢٦/١، والمحرر الوجيز ٣٥٢/٤، وأساس
البلاغة (جهر)، وتفسير القرطبي ٤٨٤/١٦-٤٨٥، والبحر ١٨٩/٧. والبيت لرجل يمدح
هارون الرشيد كما ذكر المبرد والجاحظ، ورواية الجاحظ: النياط، بدل: العطاس، وقال
في شرحه: النياط: معاليق القلب. والأين: الإعياء. والظليم: ذكر النعام. ويقال: إنه
لِعَمَمُ الجسم، و: إن جسمه لعَمَم، إذا كان تامًّا .
(٦) البحر ١٨٩/٧، وقوله: بني من فعل المفعول، أي: مبنيٌّ من فعلٍ مبنيًّ للمفعول. وقوله:
أشغل من ذات النحيين، قال العسكري في جمهرة الأمثال ١/ ٥٦٤: يعنون امرأة منهم،
وهي في هذا المثل مفعولة لأنها شُغلت. اهـ. والنحي: زق السمن، وجاء في قصة هذا
المثل: أن رجلاً في الجاهلية انتهى إلى امرأة تبيع السمن، ففتح نحياً من أنحائها وذاقه ثم
دفع فم النحي في إحدى يديها، ثم فعل ذلك بآخر ودفعه في يدها الأخرى، ففجر بها ولم
=

الحضارة
٦٨
الآية : ١٩
وقال بعض: أي: أصعبها على السمع وأوحشها، من نَكُرَ بالضمِّ نكارةً، ومنه
﴿يَوْمَ بَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦] أي: أمرٍ صعبٍ لا يُعرف.
والمراد بالأصوات أصواتُ الحيوانات، أي: إنَّ أنكر أصوات الحيوانات
﴿لَصَوْتُ الْخِيرِ ﴾﴾ جمع حمارٍ كما صرَّح به أهلُ اللغة، ولم يخالف فيه غيرُ السهيليِّ
قال: إنه فعيلٌ اسم جمع كالعبيد، وقد يطلق على اسم الجمعِ الجمعُ عند اللغويين.
والجملةُ تعليلٌ للأمر بالغضِّ على أبلغ وجهٍ وآكَدِهِ، حيث شبِّه الرافعون
أصواتَهم بالحمير، وهم مثلٌ في الذمِّ البليغ والشتيمة، ومثِّلت أصواتُهم بالنهاق
الذي أولُه زفير وآخِرُه شهيق، ثم أُخلي الكلامُ من لَفْظِ التشبيه وأُخرج مخرج
الاستعارة، وفي ذلك من المبالغة في الذمِّ والتهجين والإفراطِ في التثبيط عن رَفْع
الصوت والترغيب عنه ما فيه.
وإفرادُ الصوت مع جمع ما أُضيف هو إليه؛ للإشارة إلى قوة تشابُهِ أصوات
الحمير حتى كأنها صوتٌ واحدٌ هو أنكرُ الأصوات، وقال الزمخشريُّ: إنَّ ذلك لِمَا
أنَّ المراد لیس بیانَ حالٍ صوتٍ کلِّ واحدٍ من آحادِ هذا الجنس حتی یُجمع، بل
بيان صوتٍ هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس(١).
قيل: فعلى هذا كان المناسب: لصوتُ الحمار، بتوحيد المضاف إليه.
وأجيب بأنَّ المقصود من الجمع التتميمُ والمبالغةُ في التنفير، فإنَّ الصوت إذا
توافقت عليه الحمير كان أنکر.
وأورد عليه أنه يُوهم أنَّ الأنكرية في التوافُق دون الانفراد، وهو لا يناسب
المقام.
وأجيب بأنه لا يُلتفت إلى مثل هذا التوهُّم.
وقيل: لم يجمع الصوتُ المضافُ لأنه مصدرٌ، وهو لا يثتَّى ولا يُجمع ما لم
تُقْصد الأنواع، كما في ((أنكر الأصوات))، فتأمل.
= تدفعه خوفاً على السمن، وتنظر القصة بتمامها في جمهرة الأمثال ٣٢١/٢-٣٢٢، ومجمع
الأمثال ٣٧٦/١-٣٧٧، والمستقصى ٩٩/١.
(١) بنحوه في الكشاف ٣/ ٢٣٤ .

الآية : ١٩
٦٩
سُورَةُ القُغَمَانٌ
والظاهر أنَّ قوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ) من كلام لقمان لابنه
تنفيراً له عن رفع الصوت، وقيل: هو من كلام الله تعالى، وانتهت وصيةُ لقمان
بقوله: (وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْئِكَّ) ردَّ سبحانه به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون
بجهارة الصوت ورَفْعِه، مع أنَّ ذلك يؤذي السامعَ ويقرَعُ الصماغَ بقوةٍ،
وربما يخرقُ الغشاءَ الذي هو داخلَ الأذن، وبيَّن عزَّ وجل أنَّ مثلَهم في رفع
أصواتهم مَثَلُ الحمير، وأنَّ مَثَلَ أصواتهم التي يرفعونها مَثَلُ نهاقها في الشدة مع
القبح الموحش.
وهذا الذي يليقُ أن يُجعَلَ وَجْهَ شَبَهِ، لا الخلوُّ عن ذكر الله تعالى كما يُتَوَهَّم
بناءً على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوريِّ قال: صياحُ كلِّ شيءٍ تسبيحُه
إلا الحمار (١). لما أنَّ وجهَ الشَّبَهِ ينبغي أن يكون صفةً ظاهرةً، وخلوُّ صوت الحمار
عن الذكر ليس كذلك، على أنَّا لا نسلِّمُ صحةَ هذا الخبر، فإنَّ فيه ما فيه.
ومثلُه ما شاع بين الجَهَلة من أنَّ نهيق الحمار لَعْنٌ للشيعة الذين لا يزالون
ينهقون بسبِّ الصحابة ﴿ه، ومِثْلُ هذا من الخرافات التي يمجُّها السمعُ ما عدا
سمِعَ طويل الأذنين.
والظاهرُ أنَّ المراد بالغضِّ من الصوت الغضُّ منه عند التكلُّم والمحاورة.
وقيل: الغضُّ من الصوت مطلقاً، فيشملُ الغضَّ منه عند العطاس، فلا ينبغي أن
يرفع صوتَه عنده إنْ أَمْكَتَه عدمُ الرفع، وروي عن أبي عبد الله رَظُه ما يقتضيه، ثم
إنَّ الغضَّ ممدوحٌ إن لم يَدْعُ داعٍ شرعيٌّ إلى خلافه.
وأُرْدِفَ الأمرُ بالقَصْدِ في المشي بالأمر بالغضِّ من الصوت لِمَا أنه كثيراً
ما يتوصَّلُ إلى المطلوب بالصوت بعد العجز عن التوصُّل إليه بالمشي، كذا قيل.
هذا وأَبْعَدَ بعضُهم في الكلام على هذين الأمرين، فقال: إنَّ الأول إشارةٌ إلى
التوسُّط في الأفعال، والثاني إشارةٌ إلى الاحتراز من فضول الكلام والتوسُّطِ في
الأقوال، وجَعَل قوله تعالى: (إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرَدَلٍ) إلخ إشارةً إلى إصلاح
الضمير، وهو كما ترى.
(١) الدر المنثور ١٦٧/٥ ..

سُورَةُ القَمَّان
٧٠
الآية : ٢٠
وقرأ ابن أبي عبلة: ((أصواتُ الحمير)) بالجمع بغير لام التأكيد(١).
﴿أَلَمْ تَرَوْ أَنَّ اللَّهَ سَخََّ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ رجوعٌ إلى سَنَنِ ما سَلَفَ
قبل قصة لقمانَ من خطاب المشركين، وتوبيخٌ لهم على إصرارهم على ما هم عليه
مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد.
والتسخير على ما قال الراغب: سياقةُ الشيء إلى الغرض المختصِّ به قهراً (٢).
وفي ((إرشاد العقل السليم)): المرادُ به إمَّا جَعْلُ المسخَّرِ بحيث ينفعُ المسخَّرَ له
أَعَمّ من أن يكون منقاداً له يتصرَّفُ فيه كيف يشاء، ويستعمله كيف يريد، كعامة
ما في الأرض من الأشياء المسخّرة للإنسان، المستعملةِ له من الجماد والحيوان،
أو لا يكون كذلك، بل يكون سبباً لحصول مراده من غير أن يكون له دَخْلٌ في
استعماله، كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالحُ العباد معاشاً
أو معاداً، وإما جَعْلُه منقاداً للأمر مذلَّلاً على أنَّ معنى ((لكم)): لأَجْلِكم؛ فإنَّ جميع
ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخّرةٌ لله تعالى مستتبِعةٌ لمنافع الخَلْقِ،
وما يستعملُه الإنسان حَسْبَما يشاء وإن كان مسخّراً له بحسب الظاهر فهو في
الحقيقة مسخّرٌ لله عز وجل(٣).
﴿وَأَسْبَغَ﴾ أي: أتَّ وأوْسَعَ ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ جمع نعمةٍ، وهي في الأصل: الحالةُ
المُسْتَلَذَّةُ؛ فإنَّ بناء الفِعْلةِ كالجِلْسةِ والرِّكْبةِ للهيئة، ثم استُعملت فيما يلائمُ من
الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقاً للمسبَّب على السبب، وفي معنى ذلك قولُهم:
هي ما يُنتفع به ويُسْتَلذُّ، ومنهم مَن زاد: ويحمدُ عاقبتُه، وقال بعضهم: لا حاجةَ
إلى هذه الزيادة لأنَّ اللذة عند المحقّقين أمرٌ تُحمَدُ عاقبتُه، وعليه لا يكون لله عزَّ
وجل على كافٍ نعمةٌ.
ونقل الطيبيُّ عن الإمام أنه قال: النعمةُ عبارةٌ عن المنفعة المفعولةِ على جهة
الإحسان إلى الغير، ومنهم مَن يقول: المنفعةُ الحسنةُ المفعولةُ على جهة الإحسان
(١) المحرر الوجيز ٣٥٢/٤.
(٢) مفردات الراغب (سخر).
(٣) تفسير أبي السعود ٧/ ٧٤.

الآية : ٢٠
٧١
سُورَةٌ لِقْضَمَان
إلى الغير، قالوا: وإنما زِدْنا قيدَ الحسنة لأنَّ النعمة يستحَقُّ بها الشكرُ، وإذا كانت
قبيحةً لا يُستحقُّ بها الشكر، والحقُّ أنَّ هذا القيدَ غيرُ معتبرٍ؛ لأنه يجوز أن يُستَحقَّ
الشكرُ بالإحسان وإن كان فعلُه محظوراً؛ لأنَّ جهة الشكر كونُه إحساناً وجهة
استحقاق الذمِّ والعقاب الحظر، فأيُّ امتناعٍ في اجتماعهما؟ ألا ترى أنَّ الفاسق
يستحقُّ الشكر لإنعامه والذمَّ لمعصية الله تعالى، فلمَ لا يجوزُ أن يكون الأمر ها هنا
كذلك. أما قولُنا: المنفعةُ، فلأنَّ المضرَّة المحضَّةَ لا تكون نعمةً، وقولُنا: المفعولةُ
على جهة الإحسان؛ لأنه لو كان نفعاً وقَصَدَ الفاعل به نَفْعَ نفسِه لا نَفْعَ المفعولِ به
لا يكونُ نعمةً، وذلك کمَن أَحْسَنَ إلی جاريته ليربح علیھا(١). اهـ، ويُعلم منه حكمٌ
زیادة: ويحمد عاقبته.
﴿ظَهِرَةً وَبَاِنَةٌ﴾ أي: محسوسةً ومعقولةً، معروفةً لكم وغيرَ معروفةٍ.
وعن مجاهدٍ: النعمةُ الظاهرةُ ظهورُ الإسلام والنصرةُ على الأعداء، والباطنةُ
الإمدادُ من الملائكة عليهم السلام.
وعن الضحاك: الظاهرةُ حُسْنُ الصورةِ وامتدادُ القامةِ وتسويةُ الأعضاء،
والباطنةُ: المعرفة.
وقيل: الظاهرةُ البصرُ والسمعُ واللسانُ وسائرُ الجوارح، والباطنةُ: القلبُ
والعقلُ والفهم.
وقيل: الظاهرةُ نعمُ الدنيا، والباطنة نعمُ الآخرة.
وقيل: الظاهرةُ: نحوُ إرسال الرسل، وإنزالِ الكتب، والتوفيقِ لقبول الإسلام،
والإتيانِ به، والثبات على قدم الصدق، ولزوم العبودية. والباطنةُ: ما أصاب الأرواح
في عالم الذرِّ من رشاش نور النور، وأولُ الغَيث تَظْرٌ ثم ينسكبُ.
ونقل بعض الإمامية عن الباقر تظلبه أنه قال: الظاهرةُ النبيُّ ◌َّ﴿ وما جاء به من
معرفة الله تعالى وتوحيده، والباطنةُ: ولايتنا أهلَ البيت وعَقْدُ موَّتنا(٢).
(١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وتفسير الرازي ٢٥٨/١.
(٢) مجمع البيان ٢١/ ٦١.

سُورَةُ القُغَمَانٌ
٧٢
الآية : ٢٠
والتعميمُ الذي أشرنا إليه أولاً أَوْلَى، لكنْ أخرج البهيقيُّ في ((شعب الإيمان))
عن عطاء قال: سألتُ ابنَ عباس ◌ِّ عن قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ، ظَاهِرَةً
وَيَاطِنَّةُ) قال: هذه من كنوز علمي، سألتُ رسول اللهِوَّهِ قال: ((أمَّا الظاهرةُ.
فما سوَى مِن خَلْقِكَ، وأما الباطنةُ فما سَتَر من عورتك، ولو أبداها لقَلَاكَ أهلُكَ
فَمَن سواهم»(١).
وفي روايةٍ أخرى رواها ابن مردويه والديلميُّ والبيهقيُّ وابن النجار عن ابن
عباس أنه قال: سألتُ رسول الله وَّه عن قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ) إلخ قال: ((أمَّا
الظاهرةُ فالإسلامُ وما سوَّى مِن خَلْقِكَ وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنةُ
فما سَتَر من مساوئ عملك)»(٢).
فإنْ صحَّ ما ذُكر فلا يُعْدَلُ عنه إلى التعميم، إلّا أنْ يقال: الغرضُ من تفسير
الظاهرة والباطنة بما فسَّرنا به التمثيلُ، وهو الظاهرُ، لا التخصيصُ وإلَّا لتعارَضَ
الخبران.
ثم إنَّ ظاهر هذين الخبرين يقتضي كونَ الذنب - وهو المعبَّرُ عنه في الأول
بما ستر من العورة، وفي الثاني بما ستر من مساوئ العمل - نعمةً، ولم نرَ في
كلامهم التصريحَ بإطلاقها عليه، ويلزمُه أنَّ مَن كثُرتْ ذنوبُه كثُرتْ نعم الله تعالى
عليه، فكأنَّ المراد أنَّ النعمة الباطنة هي سترُ ما ستر من العورة ومساوئ العمل،
ولم يقل كذلك اعتماداً على وضوح الأمر، وجاء في بعض الآثار ما يقتضي ذلك؛
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقيُّ عن مقاتل أنه قال في الآية: ((ظاهرة)) الإسلام
و((باطنة)) سترُه تعالى عليكم المعاصي(٣). بل جاء في بعض روايات الخبر الثاني:
(١) شعب الإيمان (٤٥٠٤) وهو من طريق محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه، عن جده
- وهو عبد الملك بن سليمان - عن عطاء به.
ومحمد بن عبد الرحمن العرزمي قال الدارقطني: متروك الحديث هو وأبوه وجدُّه. الميزان
٦٢٧/٣.
(٢) الدر المنثور ١٦٧/٥، وأخرجه أيضاً الثعلبي في تفسيره ٣١٨/٧٥، وهو من طريق جويبر
عن الضحاك عن ابن عباس، وجويبر متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٣) الدر المنثور ١٦٧/٥، وهو في الشعب (٤٥٠٣).

الآية : ٢٠
٧٣
سُورَةٌ لِقْنَمَانُ
((وأما ما بطن فسترُ مساوئ عملك)). وجوِّز أن يكون ((ما)) في ((ما ستر)) في الخبرين
مصدريةٌ، و((من)) صلةُ (ستر)) لا بيان لـ ((ما)).
وقرأ يحيى بن عمارة: ((وأَصْبَغَ)) بالصاد (١)، وهي لغةُ بني كلب يُبْدِلون من
السين إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغينِ والخاءِ والقافِ صاداً،
فيقولون في سَلَخ: صَلَخ، وفي سَقَر: صَقَر، وفي سائغ: صائغ، ولا فرق في ذلك
بين أن يَفْصِلَ بينهما فاصلٌ وأنْ لا يَفْصِلَ، وظاهرُ كلام بعضهم أنه لا فرقَ أيضاً
بين أن تتقدَّم السينُ على أحد تلك الأحرف وأن تتأخّر، واشترط آخر تقدُّم السين،
وذكر الخفاجيُّ أنه إبدالٌ مَّردٌ(٢).
وقرأ بعض السبعة وزيد بن علي ﴾: ((نعمةً)) بالإفراد (٣). وقرئ ((نعمتَه))
بالإفراد والإضافة(٤)، وَوُجِّهَ الإفراد بإرادة الجنس، كما قيل ذلك في قوله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وقال الزجَّاج: مَن قرأ ((نعمةً))
فعلى معنى ما أعطاهم من التوحيد، ومَن قرأ (نعمه)) بالجمع فعلى جميع ما أنعم به
عليهم(٥). والأول أَوْلَى.
ونصب ((ظاهرةً وباطنةً)) في قراءة التعريف على الحالية وفي قراءة التنكير على
الوصفية .
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ﴾ من الجدال، وهو المفاوضةُ على سبيل المنازعةِ
والمغالَبةِ، وأصلُه من جَدَلْتُ الحبل، أي: أحكمتُ فتلَه، كأنَّ المتجادلَيْنِ يفتلُ كلٌّ
منهما صاحبه عن رأيه. وقيل: الأصل في الجدال الصراعُ وإسقاط الإنسان صاحبَه
على الجدالة، وهي الأرضُ الصلبة، وكأنَّ الجملة في موضع الحال من ضميره
تعالى فيما قبلُ، أي: ألم تروا أنَّ الله سبحانه فَعَلَ ما فَعَلَ من الأمور الدالَّةِ على
(١) المحتسب ١٦٨/٢، والبحر ١٩٠/٧.
(٢) حاشية الشهاب ١٣٩/٧.
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي وشعبة وابن كثير وابن عامر. التيسير ص١٧٧، والنشر ٣٤٦/٢ -٣٤٧.
وقرأ بها من العشرة يعقوب وخلف.
(٤) المحتسب ١٦٨/٢ عن يحيى بن عمارة.
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٩٩/٤ .
:

سُورَةُ لِقْغَمَانٌ
٧٤
الآية : ٢١
وحدته سبحانه وقدرته عز وجل، والحالُ من الناس مَن ينازعُ ويخاصِمُ كالنضر بن
الحارث وأبيّ بن خلف، كانا يجادلان النبيَّ وَّر.
﴿فِ اٌللَّهِ﴾ أي: في توحيده عزَّ وجلَّ وصفاتِهِ جلَّ شأنُه، كالمشركين المنكرين
وحدته سبحانه وعمومَ قدرته جلَّت قدرتُه، وشمولَها للبعث، ولم يقل: فيه، بدل
(في الله)) بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوَاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ)
تھویلاً لأمر الجدال.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفادٍ من دليلٍ عقليٍّ ﴿وَلَا هُدِّى﴾ راجع إلى رسولِ مأخوذٍ منه.
وجوِّز جَعْلُ الهدى نفسَ الرسولَ مبالغةً، وفيه بُعْدٌ ﴿وَلَا كِتَبٍ﴾ أنزله الله تعالى
﴿مُنِيرٍ ﴾﴾ أي: ذي نور، والمرادُ به: واضح الدلالة على المقصود. وقيل:
منقذٍ من ظلمة الجهل والضلال، بل يجادلون بمجرَّد التقليد كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا
قِيلَ لَهٌ﴾ أي: لمن يجادل، والجمعُ باعتبار المعنى ﴿أَِّعُواْ مَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَِّعُ مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآَنَاْ﴾ يريدون عبادةَ ما عبدوه من دون الله عز وجل، وهذا ظاهرٌ في
منع التقليد في أصول الدين، والمسألةُ خلافيةٌ، فالذي ذهب إليه الأكثرون ورجَّحه
الإمام الرازي(١) والآمديَّ(٢) أنه لا يجوزُ التقليد في الأصول، بل يجب النظرُ،
والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبريُّ(٣) وجماعةٌ الجوازُ، وربما قال
بعضهم: إنه الواجبُ على المكلَّف، وإنَّ النظر في ذلك والاجتهادَ فيه حرامٌ، وعلى
كلٍّ يصحُّ عقائدُ المقلِّد المحقِّ، وإن كان ائماً بترك النظر على الأول.
وعن الأشعريِّ: أنه لا يصحُّ إيمانه، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: هذا
مكذوبٌ عليه؛ لِمَا يلزمُه تكفيرُ العوامِّ، وهم غالبُ المؤمنين، والتحقيقُ أنه إن كان
التقليدُ أخذاً لقول الغير بغيرِ حجةٍ، مع احتمالِ شكٌّ ووهم بأنْ لا يجزمَ المقلِّد،
فلا يكفي إيمانُه قطعاً لأنه لا إيمانَ مع أدنى تردُّدٍ فيه، وإنّ كان لكنْ جزماً فيكفي
(١) في المحصول ٦/ ٩١.
(٢) في الإحكام ٤/ ٢٣١.
(٣) القاضي، وثقه النسائي، وقال ابن حبان: من سادات أهل البصرة فقهاً وعلماً، وهو القائل:
لَأَنْ أكونَ ذَنَباً في الحق أحبُّ إليَّ مِن أن أكون رأساً في الباطل، توفي سنة (١٦٨هـ).
التهذيب ٧/٣.

الآية : ٢٢
٧٥
سُورَةُ القُغَمَانٌ
عند الأشعريِّ وغيره، خلافاً لأبي هاشم في قوله: لا يكفي، بل لابدَّ لصحة
الإيمان من النظر. وذكر الخفاجيُّ أنه لا خلافَ في امتناع تقليد مَن لم يعلم أنه
مستنِدٌ إلى دليلٍ حقِّ(١). وظاهرُ ذِّ المجادلين بغير علم ولا هدى ولا كتابٍ أنه
يكفي في النظر الدليلُ النقليُّ الحقُّ كما يكفي فيه الدليلُ العقلي.
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ أي: يدعو آباءهم لا أنفسَهم كما قيل، فإنَّ مدارَ
إنكار الاستتباع كونُ المتبوعين تابعينَ للشياطين، وينادي عليه قولُه تعالى: ﴿أَوْلَوْ
كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ بعد قوله سبحانه: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا
عَلَيْهِ ءَابَآءَنَأُ﴾ [البقرة: ١٧٠] ويُعلم منه حالُ رجوعِ الضمير إلى المجموع، أي: أولئك
المجادلين وآباءهم.
﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ أي: إلى ما يؤولُ إليه أو يتسبَّبُ منه، من الإشراك
وإنكارٍ شمول قدرته عز وجل للبعث، ونحو ذلك من الضلالات، وجوِّز بقاءُ
((عذاب السعير)) على حقيقته.
والاستفهامُ للإنكار ويُفهَمُ التعجيب من السياق، أو للتعجيب ويُفْهَمُ الإنكار من
السياق. والواوُ حاليةٌ، والمعنى: أيتَّبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم، أي: في
حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. وجوِّز كونُ الواو عاطفةً على مقدَّرٍ، أي:
أيتبعونهم لو لم يكن الشيطان يدعوهم إلى العذاب ولو كان يدعوهم إليه.
وهما قولان مشهوران في الواو الداخلة على ((لو)) الوصلية ونحوها.
وكذا في احتياجها إلى الجواب قولان: قولٌ بالاحتياج، وقولٌ بعدمه
لانسلاخها عن معنى الشرط، ومَن ذهب إلى الأول قدَّره هنا: لا يتَّبعوهم، وهو
ممَّا لا غبارَ عليه على تقدير كون الواو عاطفةً، وأمَّا على تقدير كونها حاليةً فزعم
بعضُهم أنه لا يتسنَّى، وفيه نظر. وقد مرَّ الكلامُ على نحو هذه الآية الكريمة،
فتذكَّر(٢).
﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ بأنْ فَوَّضَ إليه تعالى جَميعَ أموره، وأقبل عليه
(١) حاشية الشهاب ١٣٩/٧.
(٢) ينظر ما سلف ٨٧/٣.

سُورَةُ لِقْضَمَانٌ
٧٦
الآية : ٢٣
سبحانه بقلبه وقالبه، فالإسلامُ كالتسليم: التفويضُ، والوجهُ: الذاتُ، والكلامُ
كنايةٌ عما أشرنا إليه من تسليم الأمور جميعها إليه تعالى، والإقبالِ التامِّ عليه عز
وجل، وقد يعدَّى الإسلام باللام قصداً لمعنى الإخلاص.
وقرأ عليٌّ كرم الله تعالى وجهه والسلميُّ وعبد الله بن مسلم بن يسار: ((يسلِّم))
بتشديد اللام من التسليم(١)، وهو أشهر في معنى التفويض من الإسلام.
﴿وَهُوَ يُحِينٌ﴾ أي: في أعماله، والجملةُ في موضع الحال.
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ تعلَّقَ أتمَّ تعلُّقٍ بأَوْثَقِ ما يتعلَّقُ به من الأسباب،
وهذا تشبيهٌ تمثيليٍّ مركّبٌ، حيث شبِّه حالُ المتوكّل على الله عز وجلٍ، المفوِّضِ إليه
أمورَه كلَّها، المحسنِ في أعماله، بمن ترقّى في جبلٍ شاهقٍ أو تدلَّى منه فتمسّك
بأَوْثَقِ عروةٍ من حبلٍ متينٍ مأمونٍ انقطاعُه. وجوِّز أن يكون هناك استعارةٌ في
المفرد - وهو العروةُ الوثقى - بأن يشبَّه التوُّل النافعُ المحمودُ عاقبتُه بها، فتستعارُ له.
﴿وَإِلَى الَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾﴾ أي: هي صائرةٌ إليه عز وجل لا إلى غيره جلَّ
جلالُه، فلا يكونُ لأحدٍ سواء جلَّ وعلا تصرُّفٌ فيها بأمرٍ ونهي وثوابٍ وعقابٍ،
فيجازي سبحانه هذا المتوكّلَ أحسنَ الجزاء، وقيل: فيجازي كلّا من هذا المتوكّلِ
وذاك المجادل بما يليقُ به بمقتضى الحكمة.
و((أل)) في (الأمور)) للاستغراق، وقيل: تحتمل العهدَ على أنَّ المراد: الأمور
المذكورة من المجادلة وما بعدها .
وتقديمُ ((إلى الله)) للحصر ردّاً على الكفرة في زَعْمِهم مرجعية آلهتهم لبعض
الأمور، واختار بعضُهم كونَه إجلالاً للجلالة ورعايةً للفاصلة ظنّاً منه أنَّ الاستغراق
مُغْنٍ عن الحصر، وهو ليس كذلك.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ﴾ أي: فلا يهمَّنَّكَ ذلك ﴿إِلَيْنَا﴾ لا إلى غيرنا
﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ رجوعُهم بالبعث يومَ القيامة ﴿فَتُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: بعملهم، أو:
بالذي عملوه في الدنيا من الكفر والمعاصي بالعذاب والعقاب.
(١) القراءات الشاذة ص ١١٧، والبحر ٧/ ١٩٠.

الآية : ٢٤ - ٢٥
٧٧
سُورَةُ القُغَمَان
وقيل: إلينا مرجعُهم في الدارين فنجازيهم بالإهلاك والتعذيب. والأولُ أظهرُ.
وأيَّاما كان فالجملةُ في موضع التعليل، كأنه قيل: لا يهمنَّك كُفْرُ مَن كَفَرَ لأنَّا
ننتقمُ منه ونعاقبُه على عمله، أو: الذي عَمِلَه. والجمعُ في الضمائر الثلاثة باعتبار
معنى مَن كما أنَّ الإفراد في الأول باعتبار لَفْظِها.
وقرئ في السبع: ((ولا يُخْزِنْكَ)) مضارع أَحْزَنَ مزيد حَزِنَ اللازم (١)، وقدِّر
اللزومُ ليكون للنقل فائدةٌ، وحَزَنَ وأَخْزَنَ لغتان؛ قال اليزيديُّ: حَزَنَه لغةُ قريش،
وأَحْزَنَه لغةُ تميم، وقد قرئ بهما. وذكر الزمخشريُّ أنَّ المستفيض في الاستعمال
ماضي الإفعالِ ومضارعُ الثلاثيّ(٢)، والعهدةُ في ذلك عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ تعليلٌ للتنبئة المعبَّرِ بها عن المجازاة، أي:
يجازيهم سبحانه لأنه عزَّ وجلَّ عليمٌ بالضمائر، فما ظنُّك بغيرها؟
﴿نُمِنْعُهُمْ قَلِيلًا﴾ تمتيعاً قليلاً، أو: زماناً قليلاً؛ فإنَّ ما يزولُ بالنسبة إلى ما يدوم
قليلٌ ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيِظِ ﴾ ثقيلٍ عليهم ثِقَلَ الأجرام الغِلَاظ،
والمرادُ بالاضطرار - أي: الإلجاء - إلزامُهم ذلك العذابَ الشديد إلزامَ المضطرِّ
الذي لا يقدر على الانفكاك ممَّا أُلجئَ إليه.
وفي ((الانتصاف)): تفسيرُ هذا الاضطرارِ ما في الحديث من أنَّهم لشدةِ
ما يكابدون من النار يطلبون البَرْدَ، فيرسَلُ عليهم الزمهريرُ، فيكون أشدَّ عليهم من
اللهب، فيتمثَّوْنَ عودَ اللهب اضطراراً، فهو اختيارٌ عن اضطرارٍ، وبأذيال هذه
البلاغة تعلَّق الکنديُّ حيث قال:
يرون الموت قدَّاماً وخلفاً فيختارون والموت اضطرارُ(٣)
وقيل: المعنى: نضمُّ إلى الإحراق الضغطَ والتضييقَ، فلا تغفل.
﴿وَلَيِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: خَلَقهنَّ الله تعالى،
(١) هي قراءة نافع كما في التيسير ص٩١-٩٢، والنشر ٢٤٤/٢.
(٢) الكشاف ٢٣٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٤٠/٧.
(٣) الانتصاف ٢٣٥/٣-٢٣٦، والبيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢١١/٢، وفيه: فيجتازون،
بدل: فيختارون.

سُورَةُ لِقُغَمَّان
٧٨
الآية : ٢٦
وجوِّز أن يكون التقديرُ: اللهُ خلقهنَّ، والأولُ أولى كما فصِّل في محلِّه. وقولُهم
ذلك لغايةٍ وضوح الأمر بحيث اضْطُرُّوا إلى الاعتراف به.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان ما هم
عليه من إشراك غيره تعالى به جلَّ شأنُه في العبادة التي لا يستحقُّها غيرُ الخالق
والمنعم الحقيقي. وجوِّز جَعْلُ المحمودِ عليه جَعْلَ دلائل التوحيد بحيث لا ينكرها
المكابر أيضاً.
﴿بَلّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أن ذلك يلزمهم؛ قيل: وفيه إيغالٌ حسنٌ(١)،
كأنه قال سبحانه: وإنَّ جهلهم انتهى إلى أنْ لا يعلموا أنَّ الحمد لله ما موقعه في
هذا المقام، وقد مرَّ تمامُ الكلام في نظير الآية في ((العنكبوت))(٢)، فتذكَّر.
﴿لِلَّهِ مَا فِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ خَلْقاً وملكاً وتصرُّفاً ليس لأحدٍ سواه عزَّ وجل،
استقلالاً ولا شركةً، فلا يستحقُّ العبادةَ فيهما غيرُه سبحانه وتعالى بوجهٍ من
الوجوه، وهذا إبطالٌ لمعتقدهم من وجهٍ آخر؛ لأنَّ المملوك لا يكون شريكاً
لمالكه، فكيف يستحقُّ ما هو حقُّه من العبادة وغيرها .
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ عن كلِّ شيءٍ ﴿اَلْخَيْدُ ﴾﴾ المستحقُّ للحَمْدِ وإن لم
يحمده جلَّ وعلا أحدٌ، أو: المحمودُ بالفعل يحمدُه كلُّ مخلوقٍ بلسان الحال.
وكأنَّ الجملة جوابٌ عما يوشكُ أن يخطر ببعض الأذهان السقيمة من أنه: هل
اختصاصُ ما في السماوات والأرض به عز وجل لحاجته سبحانه إليه؟ وهو جوابٌ
بنفي الحاجة على أبلغ وجهٍ، فقد كان يكفي في الجواب: إن الله غنيٌّ، إلا أنه
جيء بالجملة متضمِّنةً للحصر للمبالغة، وجيء بالحميد أيضاً تأكيداً لِمَا تُفيده من
نفي الحاجة بالإشارة إلى أنه تعالى منعمٌ على مَن سواه سبحانه، أو متَّصفٌ بسائر
صفات الكمال، فتأمَّل جدًّا.
(١) الإيغال: هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كقوله تعالى: ﴿أَنَّبِعُواْ مَنْ لَّا
يَتَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١] فقوله: ((وهم مهتدون) إيغال لأنه يتم المعنى بدونه؛ إذ
الرسول مهتد لا محالة، ولكن فيه زيادة مبالغة في الحث على اتباع الرسل والترغيب فيه.
الإتقان ٨٦٩/٢.
(٢) عند تفسير الآية (٦٣) منها .

الآية : ٢٧
٧٩
سُورَةُ لِقْغَمَان
وقال الطيبيُّ(١): إنَّ قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ) تهاوُنٌ بهم، وإبداءٌ
أنه تعالى مستَغْنٍ عنهم وعن حَمْدِهم وعبادتهم، ولذلك علَّل بقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ
هُوَ الْغَنِىُّ) أي: عن حمد الحامدين (الْخَيِيدُ) أي: المستحقُّ للحمد وإن لم يحمدوه
عز وجل.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ أَقْلَهٌ﴾ أي: لو ثبت كونُ ما في الأرض من
شجرةٍ أقلاماً، فـ ((أنَّ) وما بعدها فاعلُ ثبت مقدَّر بقرينةٍ كون ((أنَّ) دالةً على الثبوت
والتحقُّق، وإلى هذا ذهب المبرِّدُ(٢)، وقال سيبويه: إنَّ ذلك مبتدأٌ مستغنٍ عن
الخبر؛ لذكر المسنَدِ والمسنَدِ إليه بعده(٣). وقيل: مبتدأ خبرُه مقدَّرٌ قبله، وقال ابن
عصفور: بعده.
و (ما في الأرض)) اسم ((أنَّ)، و((من شجرة)) بيانٌ لـ ((ما)) أو للضمير العائدِ إليها
في الظرف، فهو في موضع الحال منها أو منه، أي: ولو ثبت أنَّ الذي استقرَّ في
الأرض كائناً من شجرةٍ، و((أقلام)) خبرُ ((أنَّ) قال أبو حيان(٤): وفيه دليلٌ [على
بطلان] دعوى الزمخشريِّ وبعضٍ العجم ممن ينصُرُ قولَه أنَّ خبر «أنَّ» الجائیةِ بعد
(لو)) لا يكون اسماً جامداً ولا اسماً مشتقّاً، بل يجب أن يكون فعلاً، وهو باطلٌ،
ولسانُ العرب طافحٌ بخلافه، قال الشاعر:
ولو أنها عصفورةٌ لحسبتُها
مسومةً تدعو عُبيداً وأَزْنَما(٥)
وقال آخر:
(١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) ينظر المقتضب ٧٧/٣-٧٨.
(٣) الكتاب ١٣٩/٣، وعبارته: و((لو)) بمنزلة ((لولا))، ولا تبتدأ بعدها الأسماء سوى ((أنَّ»،
نحو: لو أنك ذاهب.
(٤) في البحر ٧/ ١٩٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٥) البيت للعوام بن شوذب كما في المعاني الكبير ٩٢٧/٢، والنقائض ٥٨٥/٢، ومعجم
الشعراء للمرزباني ص ١٦٣. قال ابن قتيبة: أي: لو أن عصفورة طارت لحسبتها من جبنك
خيلاً معلَّمة تدعو عبيداً وأزنم. وذكره ابن دريد في الجمهرة ١٩/٣ وقال: عبيد وأزنم بطنان
من بني يربوع.

سُورَّا الْقُعمَّان
٨٠
الآية : ٢٧
تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومٌ(١)
ما أطيبَ العيشَ لو أنَّ الفتى حجرٌ
إلى غير ذلك. وتعقِّب بأنَّ اشتراط كونٍ خبرها فعلاً إنما هو إذا كان مشتقّاً،
فلا يَرِدُ ((أقلام)) هنا، ولا ما ذَكَر في البيتين، وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ﴾
[الأحزاب: ٢٠] فـ ((لو)) فيه للتمنّ والكلامُ في خبر ((أنَّ) الواقعةِ بعد ((لو)) الشرطية.
والمراد بـ ((شجرة): كلُّ شجرة، والنكرةُ قد تعمُّ في الإثبات إذا اقتضى المقامُ
ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُِّ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، وقولِ ابن
عباس ﴿ّ لبعض أهل الشام وقد سأله عن المُخْرِمِ إذا قتل جرادةً: أيتصدَّقُ بتمرةٍ
فديةً لها؟: تَمرةٌ خيرٌ من جرادة، على ما اختاره جمعٌ، ولا نسلُم المنافاةَ بين هذا
العموم وهذه التاء. فكأنه قيل: ولو أنَّ كلَّ شجرةٍ في الأرض أقلامٌ .. إلخ، وكونُ
كلِّ شجرةٍ أقلاماً باعتبارِ الأجزاء أو الأغصان، فيَؤُول المعنى إلى: لو أنَّ أجزاءً أو
أغصانَ كلِّ شجرةٍ في الأرض أقلامٌ .. إلخ.
ويُحسِّنُ إرادةَ العموم في نحو ما نحن فيه كونُ الكلام الذي وقعت فيه النكرةُ
شرطاً بـ (لو))، وللشرط مطلقاً قُرْبٌ ما من النفي، فما ظنُّك به إذا كان شرطاً بها،
وإن كانت هنا ليست بمعناها المشهورِ من انتفاء الجواب لانتفاء الشرط أو العكس،
بل هي دالةٌ على ثبوتِ الجواب، أو حرفُ شرطٍ في المستقبل على ما فضِّل في
((المغني))(٢).
واختيار ((شجرة)) على أشجار أو شجر لأنَّ الكلام عليه أبعدُ عن اعتبار
التوزيع - بأن تكون كلُّ شجرةٍ من الأشجار أو الشجر قلماً - المخلِّ بمقتضى المقام
من المبالغة بكثرة كلماته تعالى شأنه.
وفي ((البحر)) أنَّ هذا مما وقع فيه المفردُ موقعَ الجمع، والنكرةُ موقع المعرفة،
ونظيرُه: ﴿مَا نَنَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]
﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ﴾ [النحل: ٤٩] وقول العرب: هذا
(١) البيت لتميم بن أبيّ بن مقبل، وهو في ديوانه ص٢٧٣، والخصائص ٣١٨/١، والمغني
ص٣٥٦.
(٢) ص٣٤١ - ٣٤٤.