النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ٧ ٤١ سُورَةُ الْقُغَمَانٌ وقرأ جمعٌ من السبعة: ((يَتَّخذُها)) بالرفع(١) عطفاً على ((يشتري)) وجوِّز أن يكون على إضمارٍ ((هو)). ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾﴾ لِمَا أَنَّصفوا به من إهانتهم الحقَّ بإيثارِ الباطل عليه وترغيبٍ الناس فيه، والجزاء من جنس العمل. و((أولئك)) إشارةٌ إلى ((مَن))، وما فيه من معنى البعدِ للإشارة إلى بُعْدِ المنزلة في الشرارة، والجمعُ في اسم الإشارة والضميرِ باعتبار معناها كما أنَّ الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ﴾ ففي الآية مراعاةُ اللفظ، ثم مراعاةُ المعنى، ثم مراعاةٌ اللفظ، ونظيرُها في ذلك قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية [الطلاق: ١١]، قال أبو حيان: ولا نعلم جاء في القرآن ما حُمِلَ على اللَّفْظِ ثم على المعنى ثم على اللفظ غير هاتين الآيتين(٢). وقال الخفاجيُّ: ليس كذلك، فإنَّ لها نظائرَ(٣). . أي: وإذا تتلى على المشتري المذكورِ ﴿َيَثْنَا﴾ الجليلةُ الشأنِ ﴿وَلَّ﴾ أَغْرَضَ عنها غيرَ معتدٍّ بها ﴿مُسْتَكًِْا﴾ مبالغاً في التكبُّر، فالاستفعالُ بمعنى التفعُّلِ ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ حالٌ من ضميرٍ ((ولَّى))، أو من ضمير ((مستكبراً))، أي: مشابهاً حَالُه في إعراضه تكبُّراً أو في تكبِّره حالَ مَن لم يسمعها وهو سامع، وفيه رمزٌ إلى أنَّ مَن سمعها لا يتصوَّر منه التوليةُ والاستكبارُ؛ لِمَا فيها من الأمور الموجبة للإقبال عليها والخضوعِ لها، على طريقة قول الخنساء(٤): أَيَا شَجَرَ الخابور مالَكَ مُورِقاً كأنك لم تَجْزَعْ على ابن طريفٍ (١) هي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وابن كثير وأبي بكر. التيسير ص١٧٦، والنشر ٣٤٦/٢، وقرأ بها من العشرة أبو جعفر. (٢) البحر ١٨٤/٧ . (٣) حاشية الشهاب ١٣٣/٨. (٤) كذا ذكر، والصواب أنه لأخت الوليد بن طريف التغلبية الخارجية ترثي أخاها الوليد، كما في العقد الفريد ٢٦٩/٣، والأغاني ٩٣/١٢، والحماسة البصرية ٢٢٩/١، والحماسة الشجرية ٣٢٨/١، ووفيات الأعيان ٣٢/٦، وخزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة ص١٣٤، وسماها ابن الشجري وابن حجة والبصري: ليلى، وفي وفيات الأعيان: الفارعة، وقيل: فاطمة، وكانت تسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر. سُورَة لقضمان ٤٢ الآية : ٨ و((كأنْ)) المخففةُ ملغاةٌ لا حاجةَ إلى تقديرٍ ضمير شأنٍ فيها، وبعضُهم يقدِّره. ﴿كَنَّ فِيَّ أُذُنَّهِ وَقْراً﴾ أي: صمماً مانعاً من السماع، وأصلُ معنى الوَقْر: الحملُ الثقيل، استُغيرَ للصَّمَم ثم غَلَبَ حتى صار حقيقةً فيه. والجملةُ حالٌ من ضميرٍ ((لم يسمعها))، أو هي بدلٌ منها بدلَ كلٍّ من كلٍّ، أو بيانٌ لها، ويجوز أن تكون حالاً من أحد السابقَيْنِ، ويجوز أن تكون كلتا الجملتين مستأنفتين، والمرادُ من الجملة الثانية الترقِّي في الذمِّ، وتثقيلُ ((كأنَّ) في الثانية كأنه لمناسبته للثقل في معناه. وقرأ نافع: ((في أُذْنيه)) بسكون الذال تخفيفاً(١). ﴿فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ أي: أَعْلِمْه أنَّ العذاب المُفْرِطَ في الإيلام لاحِقٌ به لا محالةً، وذِكْرُ البشارة للتھگُم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بيانٌ لحالِ المؤمنين بآياته تعالى إثر بيانِ ﴿لَمْ﴾ بمقابلةٍ حالِ الكافرين بها، أي: إنَّ الذين آمنوا بآياته تعالى وعملوا بموجبها ما ذُكر من إيمانهم وعملهم ﴿جَنَّتُ التَّعِيمِ ﴾﴾ أي: النعيم الكثير، وإضافة الجنات إليه باعتبارِ اشتمالها عليه، نظير قولك: كتب الفقه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ لهم نعيمَها بطريقٍ برهانيٍّ، فهو أبلغ من: لهم نعيمُ الجنات، إذ لا يستدعي ذلك أن تكون نفسُ الجنات ملكاً لهم، فقد يتنغَّم بالشيءٍ غيرُ مالكه. وقيل في وجه الأبلغية: إنه لجعل النعيم فيه أصلاً ميِّزَتْ به الجنات، فيفيدُ كثرةً النعيم وشهرته. وأيَّاما كان فجناتُ النعيم هي الجناتُ المعروفة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال: جناتُ النعيم بين جناتِ الفردوس وبين جنات عدنٍ، وفيها جَوَارٍ خُلِقْنَ من وَرْدِ الجنة. قيل: ومَن يسكنُها؟ قال: الذين همُّوا بالمعاصي فلمَّا ذكروا عظمتي راقبوني، والذين انْثَنَتْ أصلابُهم في خشيتي(٢). والله تعالى أعلمُ بصحّة الخبر. والجملةُ خبرُ ((إنَّ))؛ قيل: والأحسنُ أن يُجعَلَ (لهم)) هو الخبر لـ ((إنَّ) و((جنات (١) التيسير ص٩٩، والنشر ٢١٦/٢. (٢) الدر المنثور ١٦٠/٥. الآية : ٩ - ١٠ ٤٣ ◌َةُ لِقُضَمَانٌ النعيم)) مرتفعاً به على الفاعلية، وقولُه تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ حالٌ من الضمير المجرورِ أو المستتر في ((لهم)) بناءً على أنه خبرٌ مقدَّمٌ، أو من ((جنات)) بناءً على أنه فاعل الظرف لاعتماده بوقوعه خبراً، والعاملُ ما تعلَّق به اللام. وقرأ زيد بن عليٍّ ◌َ﴾: ((خالدون)) بالواو(١)، وهو بتقدير هو (٢). ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لنفسه، أي: لِمَا هو كنفسه وهي الجملةُ الصريحةُ في معناه، أعني قولَه تعالى: (لَهُمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ) فإنه صريحٌ في الوعد. وقوله تعالى: ﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لتلك الجملة أيضاً، إلا أنه يعدُّ مؤكّداً لغيره؛ إذ ليس كلُّ وعدٍ حقّاً في نفسه. وجوِّز أن يكون مؤكّداً لـ ((وعد الله)) المؤكِّد، وأن يكون مؤكِّداً لتلك الجملة معدوداً من المؤكّد لنفسه بناءً على دلالتها على التحقيق والثبات من أوجهٍ عدَّةٍ، وهو بعيد، وفي ((الكشف)): لا يصحُّ ذلك، لأنَّ الأخبار المؤكَّدة لا تخرج عن احتمال البطلان، فتأمَّل. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلبه شيءٌ ليمنع من إنجاز وعده وتحقيقٍ وعيده ﴿الْحَكِيمُ ﴾﴾ الذي لا يفعلُ إلا ما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة، ويُفهم هذا الحصرُ من الفحوى. والجملةُ تذييلٌ لحقِّية وعدِه تعالى المخصوصِ بمن ذُكر، المومي إلى الوعيد لأضدادهم. ﴿خَلَقَ السَّمَوَّتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ إلخ استئنافٌ جيء به للاستشهاد بما فصِّل فيه على عزَّته عزَّ وجلَّ التي هي كمالُ القدرة، وحكمتِه التي هي كمالُ العلم وإتقانِ العملِ، وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره، وإبطال أمر الإشراك وتبكيت أهله. والعَمَدُ جمعُ عمادٍ، كأَهَبٍ جمع إهاب، وهو ما يُعْمَدُ به، أي: يُسْنَدُ، يقال: عَمَدْتُ الحائط: إذا دَعمته، أي: خَلَقها بغير دعائمَ، على أنَّ الجمع لتعدُّد السماوات. وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استئنافٌ في جواب سؤالٍ تقديرُه: ما الدليلُ على ذلك؟ فهو مسوقٌ لإثبات كونها بلا عَمَدٍ؛ لأنها لو كانت لها عمدٌ رؤيت، فالجملةُ لا محلّ (١) البحر ١٨٤/٧ . (٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: هم. وقد ذكر السمين في الدر ٩/ ٦٢ في إعراب «خالدون)) على هذه القراءة وجھین؛ الأول: أن یکون هو الخبر، وجملة «لهم جنات) - أو الجارُّ وحده - حالٌ. والثاني: أن يكون ((خالدون)) خبراً ثانياً لـ ((إنَّ). سُورَةُ القُغَمَانٌ ٤٤ الآية : ١٠ لها من الإعراب، والضميرُ المنصوبُ لـ ((السماوات))، والرؤيةُ بَصَريةٌ لا علميةٌ حتى يلزم حذفُ أحد مفعولیھا . وجوِّز أن يكون صفةً لـ ((عمد)) فالضميرُ لها، أي: خَلَقها بغير عمدٍ مرئيةٍ، على التقييد للرمز إلى أنه تعالى عمدها بعمدٍ لا تُرى، وهي عمد القدرة، وروي ذلك عن مجاهد. وكونُ عمادها في كلِّ عصرٍ الإنسانَ الكاملَ في ذلك العصر، ولذا إذا انقطع الإنسانُ الكامل وذلك عند انقطاع النوعِ الإنساني تُطْوى السماواتُ كطيٍّ السجلِّ للكتب = كلامٌ لا عمادَ له من كتابٍ أَو سنَّةٍ فيما نعلم، وفوق كلِّ ذي علمٍ عليمٌ. ﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ بيانٌ لصنعه تعالى البديع في قرار الأرض إثر بيانٍ صُنْعِه عزَّ وجل الحكيم في قرار السماوات، أي: ألقى فيها جبالاً شوامخَ أو ثوابتَ ﴾ لو لم يُلْقِ سبحانه وتعالى كراهةَ ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أو:َ لئلا تميدَ، أي: تضطرب فيها رواسيَّ؛ لِمَا أنَّ الحكمة اقتضت خَلْقَها على حالٍ لو خَلَتْ معه عن الجبال لمادت بالمياه المحيطة بها الغامرةٍ لأكثرها، والرياح العواصفِ التي تقتضي الحكمةُ هبوبَها، أو بنحو ذلك، وقد يعدُّ منه حركةُ ثقيلٍ عليها، وقد ذكر بعض الفلاسفة أنه يلزم بناءً على كرية الأرض ووجوبٍ انطباق مركز ثقلها على مركز العالم حركتُها مع ما فيها من الجبال بسبب حركةٍ ثقيلٍ من جانبٍ منها إلى آخر لتغيُّر مركزِ الثقل حينئذٍ، إلا أنه لم يظهر ذلك لكون الأثقال المتحرّكة عليها كلا شيءٍ بالنسبة إليها مع ما فيها، ولعل مَن يَعُدُّ حركةَ الثقيل عليها من أسباب الميدٍ لو خلت من الجبال يقول: لا يبعُدُ حركةُ ثقيلٍ عليها كماءٍ جرى من مكانٍ إلى آخر فاجتمع حتى صار بحراً عظيماً، مع ما ينضمُّ إلى ذلك مما تنقلُه الأهوية من الرمال الكثيرة والتراب يكون له مقدارٌ يعتدُّ به بالنسبة إلى الأرض خاليةً من الجبال، فتتحرَّكُ بحركته إلى خلافٍ جهته . ثم إنَّ الميدَ - لولا الرواسي - بنحو المياه والرياح متصوَّرٌ على تقدير كون الأرض كريةً كما ذهب إليه الغزالي، وكذا ذهب إلى كرية السماء، وجاء في روايةٍ عن ابن عباس ما يقتضيه، وإليه ذهب أكثرُ الفلاسفة مستدلِّين عليه بما في الآية : ١١ ٤٥ سُورَةُ لِقْضَمَان ((التذكرة)(١) وشروحِها وغيرِ ذلك، وهو الذي يشهدُ له الحسُّ والحَدْسُ، وعلى تقدير كونها غيرَ كرويةٍ كما ذهب إليه مَن ذهب، واختلفوا في شكلها عليه، وتفصيلُ ذلك يطلبُ من محلِّه. ولا دلالةً في الآية على انحصار حكمةِ إلقاء الرواسي فيها بسلامتها عن الميدِ، فإنَّ لذلك حِكَماً لا تُحصى، وكذا لا دلالةَ فيها على عدم حركتها على الاستدارة دائماً كما ذهب إليه أصحاب فيثاغورس، ووراءه مذاهبُ أظهرُ بطلاناً منه. نعم الأدلَّة النقليةُ والعقليةُ على ذلك كثيرةٌ. ﴿َوَبَثَ فِيهَا﴾ أي: أَوْجَدَ وأَظْهَرَ، وأصل البثِّ: الإثارةُ والتفريقُ، ومنه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءَ مُثْبَثًا﴾ [الواقعة: ٦] و﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] وفي تأخيره إشارةٌ إلى توقُّفه على إزالة المید. ﴿مِنْ كُلِّ دَابَةٍ﴾ من كلِّ نوعٍ من أنواعها. ﴿وَأَزْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ﴾ هو المطرُ، والمرادُ بالسماء جهةُ العلوِّ، وجوِّز تفسيرُها بالمُظِلَّةِ وكونُ الإنزال منها بضربٍ من التأويل، وتركُ التأويل لا ينبغي أن يعوَّل عليه إلا إذا وُجد من الأدلة ما يضطرُّنا إليه؛ لأنَّ ذلك خلافُ المشاهَد. ﴿فَانبتنا فيها﴾ أي: بسبب ذلك الماء ﴿مِن كُلِّ زَوچ﴾ أي: صنف ﴿ كريم أي: شريفٍ كثير المنفعة. والالتفاتُ إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيدٍ الاعتناء بهما لتكرُّرِهما، مع ما فيهما من استقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا يخفى. ﴿هَذَا﴾ أي: ما ذكر من السماوات والأرض وسائرِ الأمور المعدودة ﴿فَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقُه ﴿فَأَرُونِ﴾ أي: أَعْلِموني وأخبروني، والفاءُ واقعةٌ في جوابٍ شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إذا علمتُم ذلك فأروني ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهٍ﴾ مما انَّخذتُموهم شركاءَ له سبحانه في العبادة حتى استحقُّوا به العبودية، و((ماذا)) يجوز أن يكون اسماً واحداً استفهاميّاً ويكون مفعولاً لـ ((خَلَقَ)) مقدَّماً لصدارته، وأن يكون ((ما)» (١) هو كتاب التذكرة النصيرية في الهيئة للعلامة نصير الدين الطوسي، وهو مختصر وله شروح، منها شرح السيد علي بن محمد الجرجاني. كشف الظنون ٣٩١/١. سُورَةُ القُضمان ٤٦ الآية : ١٢ وحدها اسمُ استفهامٍ مبتدأ و((ذا)) اسم موصول خبرها، وتكون الجملة معلّقاً عنها سادَّةً مسدّ المفعول الثاني لـ ((أروني)). وأن يكون ((ماذا)) كله اسماً موصولاً، فقد استُعمل كذلك على قلَّةٍ على ما قال أبو حيان (١)، ويكون مفعولاً ثانياً له، والعائدُ محذوفٌ في الوجهين. وقوله تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلِ تُّينٍ (١) إضرابٌ عن تبكيتهم بما ذُكر إلى التسجيل عليهم بالضلال البيِّن المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدِّمات المعقولة الحقَّةِ؛ لاستحالة أن يفهموا منها شيئاً فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ما هم عليه، أو يتأثَّروا من الإلزام والتبكيت فينزجروا عنه، ووُضِعَ الظاهرُ موضع ضميرهم للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون للشيء في غير موضعه، ومتعدُّون عن الحدِّ، وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ كلامٌ متسأنفٌ مسوقٌ لبيان بطلان الشرك بالنقل، بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل. ولقمانُ اسمٌ أعجميٍّ لا عربيٍّ مشتقٌّ من اللقم، وهو على ما قيل: ابن باعوراء. قال وهب: وكان ابنَ أختِ أيوب عليه الصلاة والسلام. وقال مقاتل: كان ابنَ خالته، وقال عبد الرحمن السهيليُّ: هو ابن عنقا بن سرون(٢). وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلمَّا بُعث قَطَع الفتوى، فقيل له، فقال: ألا أَكْتَفي إذا كُفيت؟ وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل. ونُقل ذلك عن الواقديِّ، إلا أنه قال: وكان زمانُه بين محمدٍ وعيسى عليهما الصلاة والسلام. وقال عكرمة والشعبيُّ: كان نبيّاً. والأكثرون على أنه كان في زمن داود عليه السلام، ولم يكن نيًّا. واختلف فيه أكان حرًّا أو عبداً؟ والأكثرون على أنه كان عبداً. واختلفوا فقيل: (١) في البحر ٧/ ١٨٥. (٢) التعريف والإعلام للسهيلي ص١٣٤، ووقع في مطبوعه: يثرون، بدل: سرون. ونقله القرطبي ١٦/ ٤٦٧ عن السهيلي كما ذكره المصنف. الآية : ١٢ ٤٧ سُورَةٌ لِقْغَمَّان حبشيًّا، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وأخرج ذلك ابنُ مردويه(١) عن أبي هريرة مرفوعاً. وذكر مجاهد في وَصْفِه أنه كان غليظ الشفتين مصفَّحَ القدمين. وقيل: كان نوبيَّا مشفَّقَ الرجلين ذا مشافر، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباسٍ وابن المسيب ومجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلتُ لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيراً أنطَسَ من النُّوبة(٢). وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر عن ابن المسيب أنه قال: إنَّ لقمان كان أسودَ من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله تعالى الحكمةَ ومنعه النبوة(٣). واختلف فيما كان يعانيه من الأشغال؛ فقال خالد بن الربيع: كان نجاراً، بالراء. وفي (معاني) الزّجَّاج: كان نجَّاداً بالدال(٤)، وهو على وزن كَثَّان: مَن يعالجُ الفُرُشَ والوسائدَ ويَخيطُهما . وأخرج ابن أبي شيبةً، وأحمدُ في ((الزهد)) وابنُ المنذر عن ابن المسيب أنه كان خيَّاطاً(٥). وهو أعمُّ من النجَّاد. وعن ابن عباس څ أنه كان راعياً . وقيل: كان يحتطبُ لمولاه كلَّ يومٍ حزمةً. ولا وثوقَ لي بشيءٍ من هذه الأخبار، وإنما نقلتُها تأسِّياً بمن نقلها من المفسرين الأخيار، غير أنّ أختار أنه كان رجلاً صالحاً حكيماً ولم يكن نبيّاً . و((الحكمة)) على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: العقلُ والفهمُ والفطنة (٦). (١) كما في الدر المنثور ١٦٠/٥. (٢) الدر المنثور ١٦٠/٥. (٣) تفسير الطبري ٥٤٧/١٨، وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر السيوطي في الدر ٥/ ١٦١. (٤) معاني القرآن للزجاج ١٩٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ١٨٦/٧، ووقع في مطبوع معاني القرآن: نجاراً، رسمت بالراء ولم تقيّد. (٥) الزهد لأحمد ص٦٤، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر السيوطي في الدره/ ١٦١ . (٦) الدر المنثور ١٦١/٥. سُورَةُ الْقَضَمَانُ ٤٨ الآية : ١٢ وأخرج الفريابيُّ وأحمد في ((الزهد)) وابن جرير وابنُ أبي حاتم عن مجاهدٍ: أنها العقلُ والفقهُ والإصابةُ في القول(١). وقال الراغب: هي معرفةُ الموجودات، وفعلُ الخيرات(٢). وقال الإمام: هي عبارةٌ عن توفيق العمل بالعلم، ثم قال: وإنْ أردنا تحديداً بما يدخل فيه حكمة الله تعالى فنقول: حصولُ العمل على وفق المعلوم(٣). وقال أبو حيان: هي المنطقُ الذي يُتَّعظ به ويتنبه ويتناقله الناس لذلك(٤). وقيل: إتقان الشيء علماً وعملاً. وقيل: كمالٌ حاصلٌ باستكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتسابِ الملكة التامَّة على الأفعال الفاضلة على قَدْرٍ طاقتها . وفسَّرها كثيرٌ من الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بقَدْرِ الطاقة البشرية. ولهم تفسيراتٌ أُخَرُ، وما لها وما عليها من الجرح والتعديل مذكوران في كتبهم. ومن حكمته قولُه لابنه: أي بنيَّ، إنَّ الدنيا بحرٌ عميقٌ، وقد غَرِقَ فيها ناسٌ كثيرٌ، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحَشْوَها الإيمانَ، وشراعها التوُّلَ على الله تعالى، لعلك أنْ تنجوَ ولا أراك ناجياً. وقوله: مَن كان له من نفسه واعظُ كان له من الله عز وجل حافظٌ، ومَن أنصف الناسَ من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزَّا، والذلُّ في طاعة الله تعالى أقربُ من التعزُّز بالمعصية. وقوله: ضَرْبُ الوالد لولده كالسماد للزرع. وقوله: يا بنيَّ، إياك والدَّينَ، فإنه ذلُّ النهار ممُّ الليل. (١) الزهد ص٦٤، وتفسير الطبري ٥٤٦/١٨، وعزاه للفريابي وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٦١/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ١٠٥/٢. (٢) مفردات الراغب (حكم). (٣) تفسير الرازي ١٤٥/٢٥ . (٤) البحر ١٨٦/٧ . الآية : ١٢ ٤٩ سُورَةُ القَمَانٌ وقوله: يا بنيَّ ارْجُ الله عز وجل رجاءً لا يُجريك على معصيته تعالى، وخَفِ الله سبحانه خوفاً لا يُؤْيِسُكَ من رحمته تعالى شأنُه. وقوله: مَن كذب ذهب ماءُ وجهه، ومَن ساء خُلُقُه كَثُرَ غُّه. ونَقْلُ الصخور من . مواضعها أيسرُ من إفهام مَن لا يفهم. وقوله: يا بنيَّ حملْتُ الجندلَ والحديدَ وكلَّ شيءٍ ثقيلٍ، فلم أحمل شيئاً هو أثقلُ من جار السوء، وذقتُ المِرارَ فلم أذُقْ شيئاً هو أمرٌّ من الفقر، يا بنيَّ لا تُرسل رسولك جاهلاً، فإنْ لم تجد حكيماً فكن رسولَ نفسك، يا بني إياك والكذبَ فإنه شهيٌّ كلحم العصفور عما قليلٍ يغلي صاحبه، يا بني احْضُرِ الجنائزَ ولا تَحْضُر العرسَ؛ فإنَّ الجنائز تذكِّرك الآخرةَ والعرسُ يشهِّيكَ الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً. على شبع فإن إلقاءك إياه للكلب خيرٌ من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتُبلع، ولا مرَّا فَتُلْفَظْ. وقوله لابنه: لا يأكل طعامَكَ إلا الأتقياء، وشاوِرْ في أمرك العلماء. وقوله: لا خيرَ لك في أن تتعلَّم ما لم تعلم ولمَّا تَعْمَلْ بما قد عَلِمْتَ، فإنَّ مَثَلَ ذلك مَثَلُ رجلٍ اخْتَطَبَ حطباً فحمل(١) حزمةً وذهب يحملها فعجز عنها، فضمَّ إليها أخرى. وقوله: يا بنيَّ إذا أردتَ أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإنْ أنْصَفَكَ عند غضبه وإلا فاحذَرْه. وقوله: لتكن كلمتُك طيبةً، وليكن وجهُك بسطاً، تكُنْ أحبَّ إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. وقوله: يا بنيَّ أَنْزِلْ نفسَك من صاحبك منزلةَ مَن لا حاجةً له بك ولا بدَّ لك منه، يا بنيَّ كُنْ كَمَنْ لا يبتغي محمدةَ الناس ولا يكسب ذمَّهم، فنفسُه منه في غناءٍ والناسُ منه في راحة. (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: فحزم، ينظر حلية الأولياء ٧١/٤، وسير أعلام النبلاء ٠٥٥١/٤ كرة لقشارة ٥٠ الآية : ١٢ وقوله: يا بنيَّ امتنِعْ بما يخرج من فيك فإنك ما سكتّ سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعُك. إلى غير ذلك مما لا يحصى. ﴿أَنِ اشْكُرٌ لِلَّهِ﴾ أي: أي اشكر، على أنَّ ((أنْ)) تفسيرية، وما بعدها تفسيرٌ لإيتاء الحكمة، وفيه معنى القولِ دون حروفه سواءٌ كان بإلهامٍ أو وحي أو تعليم. وجوِّز أن يكون تفسيراً للحكمة باعتبار ما تضمَّنه الأمرُ. وجَعَلَ الزّجَّاجِ (١) ((أنْ)) مصدريةً بتقديرِ اللام التعليلية، ولا يفوتُ معنى الأمر كما مرَّ تحقيقُه. وحكى سيبويه: كتبتُ إليه بأنْ قُمْ (٢)، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((آتينا)). وجوِّز كونُها مصدريةً بلا تقديرٍ، على أنَّ المصدر بدلُ اشتمالٍ من الحكمة، وهو بعید . ﴿وَمَن يَشْكُرْ﴾ إلخ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله موجبٌ للامتثال بالأمر، أي: ومَن يَشْكُرْ له تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّ نفعه من ارتباط العتيد(٣) واستجلابِ المزيد والفوزِ بجنة الخلود مقصورةٌ عليها . ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَبِىُّ﴾ عن كلِّ شيءٍ، فلا يحتاجُ إلى الشكر ليتضرَّر بِكُفْرٍ مَن كفر ﴿حَمِيدٌ ﴾﴾ حقيقٌ بالحمد وإن لم يحمده أحدٌ، أو محمودٌ بالفعل ينطقُ بحمده تعالى جميعُ المخلوقات بلسان الحال، فـ ((حميد)» فعيلٌ بمعنى محمود على الوجهین. وعدمُ التعرُّض لكونه سبحانه وتعالى مشكوراً لِمَا أنَّ الحمد متضمِّنٌ للشكر، بل هو رأسُه كما قال رَّ: ((الحمدُ رأسُ الشكر، لم يَشْكُرِ اللهَ تعالى عبدٌ لم يَحْمَذْه))(٤) فإثباتُه له تعالى إثباتٌ للشكر له قطعاً . (١) في معاني القرآن ٤/ ١٩٥. (٢) الكتاب ١٦٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ١٨٦/٧. (٣) العتيد: الحاضر المهيأ. القاموس (عند). ووقع في (م): القيد، وهو تصحيف. (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٧٤)، والبيهقي في الشعب (٤٣٩٥) من طريق قتادة عن عبد الله بن عن النبي ◌َ لجر، وفي إسناده انقطاع، وسلف ٢٥٥/١. عمرو ش الآية : ١٣ ٥١ سُورَةٌ لْقُغَمَان وفي اختيار صيغة المضيِّ في هذا الشقِّ قيل: إشارةٌ إلى قبح الكفران، وأنه لا ينبغي إلا أن يعدَّ في خبرٍ كان، وقيل: إشارةٌ إلى أنه كثيرٌ متحقِّقٌ، بخلاف الشكر: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وجوابُ الشرط محذوفٌ قام مقامه قولُه تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ) إلخ، وكان الأصلُ: ومَن كفر فإنما يكفر على نفسه لأنَّ الله غنيٌّ حميد، وحاصلُه: ومَن كفر فضررُ كفرِه عائدٌ عليه؛ لأنه تعالى غنيٌّ لا يحتاجُ إلى الشكر ليتضرَّر سبحانه بالكفر، محمودٌ بحسب الاستحقاق أو بنطق أَلْسِنَةِ الحال، فكِلًا الوصفين متعلّقان بالشقِّ الثاني. وجوِّز أن يكون ((غني)) تعليلاً لقوله سبحانه: (فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ)، وقولَه عز وجل: ((حميد)) تعليلاً للجواب المقدَّر للشرط الثاني بقرينةٍ مقابله، وهو: فإنما يكفر على نفسه، وأن يكون كلٌّ منهما متعلِّقاً بكلٍّ منهما، ولا يخفى ما في ذلك من التكلَّف الذي لم يَدْعُ إليه [داعٍ](١) ولم تَقُمْ عليه قرينةٌ، فتدبّر. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ﴾ تاران على ما قال الطبريُّ والقتبيُّ(٢). وقيل: ماثان بالمثلثة. وقيل: أَنْعَم. وقيل: أَشْكَم، وهما بوزن أَفْعَل. وقيل: مَشْكُم بالميم بدل الهمزة. و((إذ)) معمولٌ لاذكر محذوفاً، وقيل: يحتملُ أن يكون ظرفاً لـ ((آتينا))، والتقدير: وآتيناه الحكمةَ إذ قال، واختُصر لدلالة المقدَّم عليه. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِفُهُ﴾ جملةٌ حالية، والوعظُ كما قال الراغب(٣): زجرٌ مقترنٌ بتخويفٍ، وقال الخليل: هو التذكيرُ بالخير فيما يرقُّ له القلبُ(٤). ﴿يَمُنىّ﴾ تصغيرُ إشفاقٍ ومحبةٍ، لا تصغيرُ تحقیرٍ : ولكنْ إذا ما حُبَّ شيءٌ تولَّعَتْ به أحرفُ التصغير من شدَّة الوَجْدِ(٥) (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٧/ ١٣٥، والكلام منه. (٢) ذكره عنهما السهيلي في التعريف والإعلام ص١٣٤، وقول القتبي في المعارف ص٥٦. (٣) في مفرداته (وعظ). (٤) العين ٢٢٨/٢، والكلام من مفردات الراغب (وعظ). (٥) درة الغواص ص١٣، وحاشية الشهاب ١٣٥/٧. سُورَةُ لِقْنَمَانٌ ٥٢ الآية : ١٣ وقال آخر : ما قلتُ حُبيبي من التحقير بل يَعْذُبُ اسمُ الشيء بالتصغير(١) وقرأ البزي هنا: ((يا بنيْ)) بالسكون، وفيما بعد: ((يا بنيٍّ إنها)) بكسر الياء، و: (يا بنيَّ أقم)) بفتحها، وقنبل بالسكون في الأولى والثالثة والكسر في الوسطى، وحفص والمفضل عن عاصم بالفتح في الثلاثة على تقدير: يا بُنيًّا، والاجتزاءِ بالفتحة عن الألف، وقرأ باقي السبعة بالكسر فيها(٢). ﴿لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ﴾ قيل: كان ابنُه كافراً ولذا نهاه عن الشرك، فلم يَزَلْ يَعُِه حتى أسلم، وكذا قيل في امرأته. وأخرج ابن أبي الدنيا في ((نعت الخائفين)) عن الفضل الرقاشي قال: ما زال لقمانُ يَعِظُ ابنه حتى مات. وأخرج عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان جراباً من خَرْدَلٍ وجعل يَعِظُ ابنَه موعظةً ويُخرج خردلةً، فنفد الخردل فقال: يا بنيَّ، لقد وعظتُك موعظةً لو وعظتُها جبلاً لتفطّر، فتفظّرَ ابنُه(٣). وقيل: كان مسلماً والنهيُ عن الشرك تحذيرٌ له عن صدوره منه في المستقبل. والظاهرُ أن الباء متعلِّقٌ بما عنده، ومَن وقف على ((لا تشرك)) جعل الباء للقسم، أي: أُقْسِمُ بالله تعالى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ والظاهرُ أنَّ هذا من كلام لقمان، ويقتضيه كلامُ مسلم في صحيحه(٤)، والكلام تعليلٌ للنهي أو الانتهاء عن الشرك، وقيل: هو خبرٌ من الله تعالى شأنُه منقطعٌ عن لقمان متصلٌ به في تأکید المعنى. وكونُ الشرك ظلماً لِمَا فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وكونُه عظيماً لِمَا فيه من التسوية بين مَن لا نعمةً إلا منه سبحانه ومَن لا نعمةً له. (١) حاشية الشهاب ١٣٥/٧. (٢) التيسير ص١٧٦، والنشر ٢٨٩/٢، والبحر ١٨٦/٧، وعنه نقل المصنف. (٣) الخبران في الدر المنثور ١٦٢/٥ . (٤) برقم (١٢٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٢٤٠)، والبخاري (٦٩٣٧)، وهو من حديث ابن مسعود ◌َّبه قال: لمَّا نزلت: ﴿الَِّينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله وَ ل﴿ وقالوا: أيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله وَّه: ((ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)». الآية : ١٤ ٥٣ سُورَةُ لقضمان ﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ اعتُرِضَ به على نهج الاستطراد في أثناء وصيةٍ لقمان تأكيداً لِمَا فيه من النهي عن الإشراك، فهو من كلام الله عز وجل لم يقله سبحانه للقمان. وقيل: هو من كلامه تعالى قاله جل وعلا له، وكأنه قيل: قلنا له اشكر وقلنا له وصينا الإنسان .. إلخ. وفي ((البحر)): لمَّا بَيَّن لقمانُ لابنه أنَّ الشرك ظلمٌ ونهاه عنه، كان ذلك حثّاً على طاعة الله تعالى، ثم بيَّن أنَّ الطاعة أيضاً تكون للأبوين وبيَّن السبب في ذلك، فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه، أخبر الله تعالى عنه بذلك(١). وكلا القولين كما ترى. والمعنى: وأَمَرْنا الإنسان برعاية والديه ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنًا﴾ أي: ضعفاً ﴿عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: ضعف، والمصدرُ حالٌ من (أمه)) بتقدير مضافٍ، أي: ذاتَ وَهْنٍ، وجوّز جَعْلُه نفسه حالاً مبالغةً، لكنه مخالفٌ للقياس إذ القياسُ في الحال كونُه مشتقّاً. ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً لفعلٍ مقدَّرٍ، أي: تَهِنُ وَهْناً، والجملة حالٌ من ((أمه)) أيضاً. وأيّاً ما كان فالمرادُ: تَضْعفُ ضَعْفاً متزايداً بازدياد ثقل الحمل إلى مدة الطلق. وقيل: ضَعْفاً متتابعاً، وهو ضعفُ الحمل وضَعْفُ الطلق وضَعْفُ النفاس. وجوِّز أن يكون حالاً من الضمير المنصوب في ((حملته)» العائد على ((الإنسان)» وهو الذي يقتضيه ما أخرجه ابنُ جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: ((وهناً)) الولد «على وهن)) الوالدةُ وضَعْفُها(٢). والمرادُ أنها حملته حال كونه ضعيفاً على ضعيفٍ مِثْلِهِ، وليس المراد أنها حملته حالَ كونه متزايدَ الضعف ليقال: إنَّ ضَعْفَه لا يتزايد بل ينقص. وقرأ عيسى الثقفي وأبو عمرو في رواية: ((وَهَناً على وَهَنٍ)) بفتح الهاء فيهما(٣)، (١) البحر ١٨٦/٧. (٢) تفسير الطبري ٥٥١/١٨، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٦٦/٥. (٣) القراءات الشاذة ص١١٦-١١٧، والمحتسب ١٦٧/٢، والبحر ١٨٧/٧. سُورَةُ الْقَانُ ٥٤ الآية : ١٤ فاحتمل أن يكون من باب تحريك العين إذا كانت حرفَ حَلْقٍ كالشَّعْر والشَّعَر على القياس المطّرد عند الكوفيِّ كما ذهب إليه ابن جنِّ(١)، وأن يكون مصدرَ وَهِنَ بكسر الهاء يَوْهَنُ بفتحها، فإنَّ مصدره جاء كذلك، وهذا كما يقال: تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَباً كما قيل، وكلامُ صاحب ((القاموس)) ظاهرٌ في عدم اختصاص أحد المصدرين بأحد الفعلين قال: الوَهْنُ: الضَّعْفُ في العمل، ويحرَّك، والفعل كوَعَدَ ووَرِثَ وكَرُمَ(٢). ﴿وَفِصَلُهُ﴾ أي: فطامُه وتَرْكُ إرضاعه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادةٌ والجحدريُّ ويعقوب: ((وفَضْلُه)(٣)، وهو أعمُّ من الفصال، والفصالُ هاهنا أَوْقَعُ من الفصل لأنه موقعٌ يختصُّ بالرضاع وإن رجعا إلى أصلٍ واحدٍ على ما قال الطيبيُّ (٤). ﴿فِ عَمَيْنٍ﴾ أي: في انقضاء عامين، أي: في أول زمانِ انقضائهما، وظاهرٌ الآية أنَّ مدَّةَ الرضاع عامان، وإلى ذلك ذهب الإمام الشافعيُّ والإمامُ أحمدُ وأبو يوسفَ ومحمدٌ، وهو مختارُ الطحاويِّ، وروي عن مالك، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنَّ مدة الرضاع الذي يتعلَّق به التحريمُ ثلاثون شهراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ووجهُ الاستدلال به أنه سبحانه وتعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدةً، فكانت لكلِّ واحدٍ منهما بكمالها، كالأجل المضروب للدَّيْنَيْنِ على شخصين، بأن قال: أجَّلْتُ الدَّيْنَ الذي لي على فلانٍ والدَّيْنَ الذي على فلان سنةً، فإنه يُفْهَمُ أنَّ السَّنة بكمالها لكلٍّ، أو على شخصٍ بأن قال: لفلانٍ عليَّ ألفُ درهم وعشرةُ أقفزةٍ إلى سنةٍ، فصدَّقه المقَرُّ له في الأجل، فإذا مضت السنةُ يتمُّ أجلُهما جميعاً إلا أنه قام النقصُ في أحدهما - أعني مدَّةَ الحمل - لقول عائشة الذي لا يقال مثلُه إلَّا سماعاً: الولدُ لا يبقى في بطن أمِّه أكثر من سنتين ولو بقَدْرِ فَلْكةِ مغزلٍ(٥). فتبقى مدَّةُ الفصال على ظاهرها، وما ذُكر هنا أقلُّ مَّتِهِ، وفيه بحث. (١) في المحتسب ١/ ٨٤. (٢) القاموس ((وهن)). (٣) القراءات الشاذة ص١١٦، والمحتسب ١٦٧/٢، والبحر ١٨٧/٧. (٤) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٥) سلف ٥٨/١٣، والكلام من فتح القدير لابن الهمام ٦/٣. الآية : ١٤ ٥٥ سُورَةُ لِقْغَمَانٌ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ﴾ تفسيرٌ لـ ((وصَّينا)) كما اختاره النحاس(١)، فـ ((أنْ)) تفسيرية. وجوِّز أن تكون مصدريةً بتقدير لام التعليل قبلها، وهو متعلُّقٌ بـ ((وصَّينا))، وبلا تقديرٍ على أن يكون المصدر بدلاً من ((والديه)) بدلَ الاشتمال، وعليه كأنه قيل: وصَّينا الإنسان بوالديه شُكْرِهما، وذكر شكرَ الله تعالى لأنَّ صحة شكرهما تتوقّفُ على شكره عز وجل، كما قيل في عكسه: ((لا يشكرُ الله تعالى مَن لا يشكرُ الناس)»(٢)، ولذا قرن بينهما في الوصية، وفي هذا من البُعْدِ ما فيه. وأمَّا القولُ بأنَّ الأمر يأبى التفسيرَ والتعليلَ والبدليةَ فليس بشيءٍ كما أشرنا إليه قريباً. وعلى الأوجُهِ الثلاثة يكون قوله تعالى: (حَلَتْهُ أُمُّهُ) إلى (عَمَيْنِ) اعتراضاً مؤكِّداً للتوصية في حقِّ الأم خصوصاً؛ لذكر. ما قاسته في تربيته وحمله، ولذا قال النبيُّ وَّرِ ـ كما في حديثٍ صحيح رواه الترمذيُّ وأبو داود عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده - لمن سأله عمَّن يبرُه: ((أمُّك)) وأجابه عن سؤاله به ثلاثَ مرات(٣). وعن بعض العرب أنه حمل أمَّه إلى الحجّ على ظهره وهو يقول في حُدائه: أحملُ أميٍّ وهي الحمَّالَةْ تُرضعني الدِّرَّة والعُلَالة ولا يُجازَى والدٌ فَعَالَه(٤) والله تعالى دُرُّ مَن قال: (١) في إعراب القرآن ٢٨٥/٣. (٢) أخرجه أحمد (٧٥٠٤)، وأبو داود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤) من حديث أبي هريرة . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) سنن أبي داود (٥١٣٩)، وسنن الترمذي (١٨٩٧)، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث. وأخرج نحوه أحمد (٨٣٤٤)، والبخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة ﴿ه. (٤) العين ٨٨/١، والكامل للمبرد ٤٣٧/١، والكشاف ٢٣٢/٣، واللسان (علل) وفيه: العُلاله: اللبن بعد حلب الدِّرَّة تنزله الناقة. وقال المبرد: الدِّرَّة: اسم ما يدرُّ من ثدييها. والفَعَال كسحاب: اسم الفعل الحسن. القاموس (فعل). سُوُدَّة لقغمات ٥٦ الآية : ١٥ كثيرُك يا هذا لديه يسيرُ لأَمِّك حقٌّ لو علمتَ كبيرُ فكم ليلةٍ باتت بشِقْلِكَ تشتكي وفي الوضع لو تدري عليها مشقَّةٌ وكم غَسَلتْ عنك الأذى بيمينها لها من جراها(١) أنةٌ وزفيرٌ فمن غصصٍ لها الفؤادُ يطيرُ وما حِجْرُها إلا لديك سريرٌ وتَفديك ممَّا تشتكيه بنفسها ومن ثديها شِرْبٌ لديك نَميرُ وكم مرَّةٍ جاعتْ وأعطتك قُوْتَها فآهاً لذي عقلٍ ويَتَّبعُ الهوى فدونك فارْغَبْ في عميمٍ دعائها. حُنُوَّا وإشفاقاً وأنت صغيرُ وآهاً لأعمى القلب وهو بصيرُ فأنت لِمَا تدعو به لفقير واختلف في المراد بالشكر المأمور به، فقيل: هو الطاعةُ وفِعْلُ ما يُرْضَى، كالصلاة والصيام بالنسبة إليه تعالى، وكالصلة والبرِّ بالنسبة إلى الوالدين، وعن سفيان بن عيينة: مَن صلَّى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومَن دعا لوالديه في أدبارها فقد شكرهما. ولعل هذا بيانٌ لبعض أفراد الشكر. ﴿إِلَّ الْمَصِيرُ ﴾﴾ تعليلٌ لوجوب الامتثال بالأمر، أي: إليَّ الرجوعُ لا إلى غيري، فأجازيك على ما صَدَرَ عنك ممَّا يخالفُ أمري. ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ أي: باستحقاقه الإشراكَ، أو بشركته له تعالى في استحقاق العبادة، والجارُّ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿عِلْمٌ﴾، و ((ما)) مفعولُ ((تشرك)) كما اختاره ابنُ الحاجب، ثم قال: ولو جُعل ((تشرك)) بمعنى تكفر، وجُعلت ((ما)) نكرةً أو بمعنى الذي، بمعنى: كفراً أو الكفر، وتكونُ نصباً على المصدرية، لكان وجهاً حسناً، والكلامُ عليه أيضاً بتقدير مضافٍ، أي: وإنْ جاهدك الوالدان على أن تكفر بي كفراً ليس لك، أو الكفرَ الذي ليس لك بصحته أو بحقِّيته علم ﴿فَلَ تُطِعْهُمَّا﴾ في ذلك، والمرادُ استمرارُ نفي العلم لا نفيُ استمراره، فلا يكون الإشراك إلا تقليداً. وفي ((الكشاف)): أراد سبحانه بنفي العلم نفيَ ما يُشْرِكُ، أي: لا تشرك بي (١) في الأصل: جواها. الآية : ١٥ ٥٧ سُورَةُ القُغَمَانٌ ما ليس بشيءٍ، يريد عزَّ وجلَّ الأصنامَ، كقوله سبحانه: ﴿مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢](١). وجعله الطيبيُّ(٢) على ذلك من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وذلك أنَّ العلم تابعٌ للمعلوم، فإذا كان الشيءُ معدوماً لم يتعلَّق به موجوداً، ونَقَلَ عن ابن المنير (٣) أنه عليه من باب: على لاحبٍ لا يُهتَدَى بمناره(٤) أي: ما ليس بإلوٍ، فيكون لك علم بإلهيته . وفي ((الكشف)): أنَّ الزمخشري أراد أنه بولغ في نفي الشريك حتى جُعِلَ كَلا شيءٍ، ثم بولغ حتى ما لا يصحُّ أن يتعلَّق به علمٌ والمعدومُ يصحُّ أن يُعْلَم ويصحُّ أن يقال: إنه شيءٌ، فأدخل في سلك المجهول مطلقاً وليس من قبيل نفي العلم لنفي وجوده، وهذا تقريرٌ حسن، وفيه مبالغةٌ عظيمةٌ منه يظهر ترجيحُ هذا المسلك في هذا المقام على أسلوب: ولا تَرى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ(٥) أهـ، فافهم ولا تغفل. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًاْ﴾ أي: صِحَاباً معروفاً يرتضيه الشرعُ ويقتضيه الكَرَمُ والمروءةٌ، كإطعامهما وإكسائهما، وعدم جفائهما وانتهارِهما، وعيادتِهما إذا مرضا، ومواراتهما إذا ماتا. وذكر ((في الدنيا)) لتهوين أمر الصحبة، والإشارة إلى أنها في أيام قلائلَ وشيكةٍ الانقضاء، فلا يضرُّ تحمُّل مشقَّتها لقلَّةِ أيامها وسرعة انصرامها. وقيل: للإشارة إلى أنَّ الرفق بهما في الأمور الدنيوية دون الدينية. وقيل: ذكره لمقابلته بقوله تعالى: (ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ). (١) الكشاف ٢٣٢/٣. (٢) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) في الانتصاف ٢٣٢/٣. (٤) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، وسلف ٤٥٧/١ و٢٤١/٢، وغيرها. (٥) وقبله: لا يُفْزِعُ الأرنبَ أهوالُها. والبيت لابن الأحمر، وهو في ديوانه ص٦٧، وسلف ٨٨/٤ و٥٦/٥ وغيرها. سُورَةُ لِقْنَانٌ ٥٨ الآية : ١٥ ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ﴾ أي: رجع ﴿إِلَّىَّ﴾ بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، وحاصلُه: التَّعْ سبيل المخلِصينَ لا سبيلهما. ﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: رجوعُك ورجوعُهما، وزاد بعضهم: مَن أناب، وهو خلافُ الظاهر، وأيَّاما كان ففيه تغليبٌ للخطاب على الغيبة. ﴿فَأَنِيِّئُكُمْ﴾ عند رجوعكم ﴿بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ بأن أجازي كلّ منكم بما صدر عنه من الخير والشر. والآيةُ نزلت في سعد بن أبي وقاص؛ أخرج أبو يعلى والطبرانيُّ وابنُ مردويه وابنُ عساكر عن أبي عثمان النَّهْديِّ أنَّ سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت فيَّ هذه الآيةُ: (وَإِن جَهَدَاكَ) الآيةَ، كنتُ رجلاً برّاً بأمِّي، فلما أسلمتُ قالت: يا سعد، وما هذا الذي أراك قد أحدَثْتَ؟ لتَدَعَنَّ دينَك هذا أو لا آكلُ ولا أشربُ حتى أموت، فتعيَّرُ بي فيقال: يا قائلَ أمِّه. قلت: لا تفعلي يا أمَّه فإنِّي لا أدعُ ديني هذا لشيءٍ. فمكثتْ يوماً وليلةً لا تأكل، فأصبحت قد جهدتْ، فمكثت يوماً [آخر] وليلةً لا تأكل فأصبحت قد اشتدَّ جهدها، فلما رأيتُ ذلك قلتُ: يا أمه، تعلمين واللهِ لو كانت لك مئة نفسٍ فخرجتْ نَفْساً نَفْساً ما تركتُ ديني هذا لشيءٍ، فإنْ شئتٍ فكُلي وإن شئتٍ لا تأكلي. فلمَّا رأت ذلك أكلتْ، فنزلت هذه الآية(١). وذكر بعضهم أن هذه وما قبلها - أعني قولَه تعالى: (وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَانَ) الآيةَ - نزلتا فيه، قيل: ولكون النزول فيه قيل: ((مَن أناب)) بتوحيد الضمير، حيث أُريدَ بذلك أبو بکر څه، فإنَّ إسلام سعد كان بسبب إسلامه. أخرج الواحديُّ (٢) عن عطاءٍ عن ابن عباس قال: إنه يريد بمن أناب أبا بكر(٣)، وذلك أنه حين أسلم رآه عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير، فقالوا لأبي بكر: آمنتَ وصدَّقْتَ محمداً فَلٍّ؟ فقال أبو بكر: نعم. فأتوا (١) الدر المنثور ١٦٥/٥، وما بين حاصرتين منه، وهو في تاريخ ابن عساكر ٣٣١/٢٠. وأخرج نحوه مطولاً مسلم (١٧٤٨)، وأبو يعلى (٧٨٢) من طريق مصعب بن سعد عن أبيه. (٢) في أسباب النزول ص٣٦٣. (٣) في الأصل و(م): أبو بكر، والمثبت من أسباب النزول. الآية : ١٦ ٥٩ سُورَةُ لِقُغَمَانٌ رسول الله ﴿﴿ فآمنوا وصدَّقوا، فأنزل الله تعالى يقول لسعد: (وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ) يعني أبا بكر وابنُ جريج يقول كما أخرج عنه ابن المنذر: ((مَن أناب)): محمدٌ وَلِ(١). وغيرُ واحدٍ يقول: هو رٌَّ والمؤمنون. والظاهرُ هو العموم. ﴿يَبُنَّ﴾ إلخ رجوعٌ إلى القصة بذِكْرٍ بقيةِ ما أُريدَ حكايتُه من وصايا لقمان، إثر تقريرِ ما في مطلعه من النهي عن الشرك وتأكيدِه بالاعتراض ﴿إِنَّ﴾ أي: الخصلة من الإساءة والإحسان؛ لفَهْمِها من السياق. وقيل - وهو كما ترى -: ((إنها)) أي: التي سألتَ عنها، فقد روي أنَّ لقمان سأله ابنُه: أرأيتَ الحبةَ تقع في مغاص البحر، أيعلمها الله تعالى؟ فقال: ((يا بني إنها)) أي: التي سألت عنها ﴿إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّقِ مِّنْ خَرَدَلٍ﴾ أي: إنْ تكن مَثَلاً في الصغر كحبة الخردل. والمثقالُ ما يقدَّر به غيرُه لتساوي ثقلهما، وهو في العُرْفِ معلوم. وقرأ نافع والأعرج وأبو جعفر: ((مثقالُ)) بالرفع(٢) على أنَّ الضمير للقصة، و((تَكُ)) مضارِعُ كان التامَّة، والتأنيثُ لإضافة الفاعل إلى المؤنَّث، كما في قول الأعشى: كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدم (٣) وتَشْرَقَ بالقول الذي قد أَذَعْتَه أو لتأويله بالزِّنة أو الحسنة والسيئة. ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فتكنْ مع كونها في أقصى غايات الصغر والقماءة في أَخْفَى مكانٍ وأَخْرَزِه، كجوف الصخرة، أو حيث كانت في العالم العلويِّ أو السفليِّ. وقيل: في أَخْفَى مكانٍ وأَخْرزِه كجوفِ الصخرة، أو أعلاه کمحذَّبٍ السماوات، أو أسفله كمقعَّر الأرض. ولا يخفى أنه لا دلالة في النظم على تخصيص المحدَّب والمقعَّر، ولعل المقام يقتضيه إذ المقصود المبالغة، و((في)) في قوله تعالى: (فِ السَّمَوَتِ) لا يأبى ذلك؛ لأنها ذُكرت بحسب المكانية، أو (١) الدر المنثور ١٦٦/٥. (٢) التيسير ص ١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢ عن نافع وأبي جعفر. (٣) ديوان الأعشى ص١٨٣، وسلف ٣٦٦/٤ و٣١/٦ و٢٢٦/١٢. سُوَّةُ لِقْغَمَانٌ ٦٠ الآية : ١٦ للمشاكلة، أو هي بمعنى على، وعبِّر بها للدلالة على التمكَّن، ومع هذا الظاهرُ ما تقدَّم. وفي ((البحر)) أنه بدأ بما يتعقَّلُه السامعُ أوَّلاً وهو كينونةُ الشيء في صخرةٍ، وهو ما صَلُبَ من الحجر وعَسُرَ الإخراج منه، ثم أَتْبعَه بالعالم العلويِّ وهو أغربُ للسامع، ثم أَتْبعَه بما يكون مقرَّ الأشياءِ للشاهد وهو الأرض(١). وقيل: إنَّ خفاءً الشيءٍ وصعوبةَ نيلِه بطرقٍ بغاية صغره، وببُعْدِه عن الرائي، وبكونه في ظلمةٍ، وباحتجابه. فـ ((مثقال حبةٍ من خردلٍ)) إشارةٌ إلى غاية الصغر، و ((في صخرة)) إشارةٌ إلى الحجاب، و((في السماوات)) إشارةٌ إلى البعد، و((في الأرض)) إشارةٌ إلى الظلمة فإنَّ جوف الأرض أشدُّ الأماكن ظلمةً. وأيّاً ما كان فليس المراد بـ (صخرة)) صخرةً معيَّنة، وعن ابن عباس والسديِّ أنَّ هذه الصخرة هي التي عليها الأرضُ. وأخرج ابن مردويه(٢) عن ابن عباس أنَّ الأرض على نونٍ، والنونُ على بحرٍ، والبحرُ على صخرةٍ خضراءَ، خضرةٌ الماء منها، والصخرةُ على قرن ثورٍ، وذلك الثورُ على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى. وفسر بعضهم الصخرة بهذه الصخرة. وقيل: هي صخرة في الريح. قال ابن عطية: وكلُّ ذلك ضعيفٌ لا يثبُتُ سندُه، وإنما معنى الكلام المبالغةُ والانتهاءُ في التفهيم، أي: إنَّ قدرته عز وجل تنالُ ما يكون في تضاعيف صخرةٍ، وما يكون في السماء، وما يكون في الأرض(٣). اهـ. والأقوى عندي وَضْعُ هذه الأخبار ونحوِها، فليست الأرضُ إلا في حجر الماء وليس الماءُ إلا في جوف الهواء، وينتهي الأمرُ إلى عرش الرحمن جل وعلا، والكلُّ في كفِّ قدرة الله عز وجل. وقرأ عبد الكريم الجزري: ((فتَكِنَّ) بكسر الكاف وشدِّ النون وفَتْحِها (٤). وقرأ (١) البحر ٧ /١٨٧ -١٨٨. (٢) كما في الدر المنثور ١٦٦/٥ . (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٥٠. (٤) المحتسب ١٦٨/٢، والمحرر الوجيز ٣٥٠/٤، والبحر ١٨٧/٧. ووقع في الأصل و(م): عبد الرحيم الجزري، والمثبت من المصادر. =