النص المفهرس
صفحات 21-40
الآية : ٦ ٢١ سُورَةُ لِقُغَمَانٌ واستدلَّ بعضُهم على ذلك بما جاء عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء بن مالك - وكان من دهاة الصحابة رضي﴿ه - وكان يتغنّى(١). ولا يخفى ما فيه؛ فإنَّ هذا التغنِّيَ ليس بالمعنَى المشهور، ونحوُه التغنِّي في قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن))(٢) وسفيان بن عيينة وأبو عبيدة فسَّرا التغنِّيَ في هذا الحديث بالاستغناء، فكأنه قيل: ليس منَّا مَن لم يَسْتَغْنِ بالقرآن عن غيره. وهو مع هذا تغنٌّ لإزالة الوحشة عن نفسه في عقر داره، ومثلُه ما روي عن عبد الرحمن(٣) بن عوف قال: أتيتُ بابَ عمر رَظُه فسمعتُه يغنِّي: قضى وطراً منها جميل بن معمر فكيف ثوائي بالمدينة بعدما أراد به جميلاً الجمحيَّ وكان خاصًّا به، فلمَّا استأذنتُ عليه قال لي: أسمعتَ ما قلتُ؟ قلت: نعم. قال: إنَّا إذا خَلَوْنا قلنا ما يقول الناسُ في بيوتهم(٤). وحرَّم جماعةٌ السماعَ مطلقاً، وقال الغزاليُّ(٥): السماعُ إمَّا محبوبٌ بأنْ غَلَبَ على السامع حبُّ الله تعالى ولقائه؛ ليستخرج به أحوالاً من المكاشفات والملاطفات، وإما مباحٌ بأن كان عنده عشقٌ مباحٌ لحليلته، أوْ لم يغلب عليه حبُّ الله تعالى ولا الهوى، وإما محرَّمٌ بأنْ غلب عليه هوّى محرَّمٌ. وسئل العز بن عبد السلام عن استماع الإنشاد في المحبة والرقص فقال: الرقصُ بدعةٌ لا يتعاطاه إلا ناقصُ العقل، فلا يصلُح إلا للنساء، وأمَّا استماعُ الإنشاد المحرِّك للأحوال السَّنِية وذِكْرِ أمور الآخرة فلا بأس به، بل يُندَبُ عند (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٧/ ١٧، والحاكم ٢٩١/٣ وصححه. وليس فيهما قوله: وكان من دهاة الصحابة، وقد ذكرنا ص١٦ من هذا الجزء أن الصواب: زمَّاد، بدل: دهاة. (٢) أخرجه البخاري (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة . وسلف ١٣/ ٥٤٤. (٣) في الأصل و(م): عبد الله، وهو خطأ، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٤) الكامل للمبرد ٥٦٤/٢-٥٦٥، وذكر القصة الزبير بن بكار كما في أسد الغابة ٣٥١/١، والتمهيد ١٩٧/٢٢- ١٩٨، فجعل المتغنّ عبد الرحمن والداخل عمر. قال ابن الأثير: وروى محمد بن يزيد هذا الخبر فقلبه، والزبير أعلم بهذا الشأن. اهـ. وقال ابن عبد البر: والصواب ما قال الزبير. (٥) في الإحياء ٣٠٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في كف الرعاع ١٩/١. سُورَةُ لِقُعمَّان ٢٢ الآية : ٦ الفتور وسآمةِ القلب، ولا يحضُر السماعَ مَن في قلبه هوّى خبيثٌ؛ فإنه يحرِّك ما في القلب. وقال أيضاً: السماعُ يختلفُ باختلاف السامعين والمسموعِ منهم، وهم إما عارفون بالله تعالى، ويختلفُ سماعُهم باختلافِ أحوالهم: فمن غَلَبَ عليه الخوفُ أثَّر فيه السماعُ عند ذكر المخوفات نحوَ حزنٍ وبكاءٍ وتغيُّر لون، وهو إما خوفُ عقابٍ، أو [خوف] فواتِ ثوابٍ، أو [فوات] أنسٍ وقُرْبٍ، وهو أفضلُ الخائفين والسامعين، وتأثيرُ القرآن فيه أشدُّ. ومَن غلب عليه الرجاءُ أَّر فيه السماحُ عند ذكر المُطْمِعات والمُرْجِيات، فإن كان رجاؤه للأنس والقُرْبِ كان سماعُه أفضلَ سماع الراجين، وإن كان رجاؤه للثواب، فهذا في المرتبة الثانية، وتأثيرُ السماع في الأول أشدُّ من تأثيره في الثاني. ومَن غلب عليه حبُّ الله تعالى لإنعامه فيؤثِّر فيه سماعُ الإنعام والإكرام، أو لجماله سبحانه المطلَقِ فيؤثِّرُ فيه ذكرُ شرف الذات وكمالِ الصفات، وهو أفضلُ مما قبله؛ لأنَّ سبب حبِّه أفضلُ الأسباب، ويشتدُّ التأثير فيه عند ذكر الإقصاء والإبعاد. ومَن غلب عليه التعظيمُ والإجلال، وهو أفضلُ من جميع ما قبله، وتختلفُ أحوال هؤلاء في المسموع منه، فالسماعُ من الوليِّ أشدُّ تأثيراً من السماع من عاميٍّ، ومن نبيِّ أشدُّ تأثيراً منه ومن وليٍّ، ومن الربِّ عز وجل أشدُّ تأثيراً من السماع من نبيٍّ؛ لأنَّ كلام المهيب أشدُّ تأثيراً في الهائب من كلام غيره، كما أنَّ كلام الحبيب أشدُّ تأثيراً في المحبِّ من كلام غيره، ولهذا لم يشتغل النبيون والصدِّيقون وأصحابُهم بسماع الملاهي والغناء، واقتصروا على كلام ربّهم جلَّ شأنه . ومَن يغلب عليه هوّى مباحٌ - كمَن يعشقُ حليلته - فهو يؤثِّر فيه آثارَ الشوق وخوف الفراق ورجاء التلاق، فسماعُه لا بأس به. ومَن يغلب عليه هوّى محرَّمٌ - كعشق أمردَ أو أجنبيةٍ - فهو يؤثِّر فيه السعيّ إلى الحرام، وما أدّى إلى الحرام فهو حرام. الآية : ٦ ٢٣ سُورَةُ القُصَانٌ وأما مَن لم يجد في نفسه شيئاً من هذه الأقسام الستة فيكره سماعه من جهةٍ أنَّ الغالب على العامَّة إنما هي الأهواءُ الفاسدةُ، فربما هيَّجه السماعُ إلى صورةٍ محرَّمةٍ، فيتعلَّق بها ويميلُ إليها، ولا يحرُمُ عليه ذلك لأنَّا لا نتحقَّقُ السببَ المحرِّم. وقد يحضرُ السماعَ قومٌ من الفَجَرة فيبكون وينزعجون لأغراضٍٍ خبيئةٍ انطوَوْا عليها، ويراؤون الحاضرين بأنَّ سماعهم لشيءٍ محبوب، وهؤلاء قد جمعوا بين المعصية وبين إيهام كونهم من الصالحين. وقد يحضر السماعَ قومٌ قد فقدوا أهاليهم ومَن يعزّ عليهم، ويذكِّرهم المنشدُ فراقَ الأحبَّةِ وعدم الأنس، فيبكي أحدُهم ويُوهِمُ الحاضرين أنَّ بكاءه لأَجْلِ ربِّ العالمين جل وعلا، وهذا مراءٍ بأمرٍ غيرِ محرَّم. ثم قال: اعْلَمْ أنه لا يحصلُ السماعُ المحمودُ إلا عند ذكر الصفات الموجبةِ للأحوال السنيَّةِ والأفعال الرضيَّة، ولكلٍّ صفةٍ من الصفات حالٌ مختصٍّ بها، فمَن ذَكَر صفةَ الرحمة أو ذُكِّر بها كانت حاله حالَ الراجين وسَمْعُه سماعَهم، ومَن ذَكَر شدةَ النقمة أو ذكِّر بها كانت حاله حالَ الخائفين وسماعُه سماعَهم، وعلى هذا القياسُ، وقد تَغْلبُ الأحوال على بعضهم بحيث لا يصغي إلى ما يقوله المنشدُ، ولا يلتفتُ إليه لغلبةِ حاله الأولى عليه(١). انتهى، وقد نقله بعضُ الأجلَّة وأقرَّه، وفيه ما يخالفُ ما نُقِل عن الغزالي. ونقل القاضي حسين(٢) عن الجنيد قدِّس سرُّه أنه قال: الناسُ في السماع إما عوامٌ وهو حرامٌ عليهم لبقاء نفوسهم، وإما زهَّادٌ وهو مباحٌ لهم لحصول مجاهدتهم، وإما عارفون وهو مستحبُّ لهم لحياة قلوبهم. وذكر نحوَه أبو طالب المكيُّ(٣)، وصحَّحه السهرورديُّ عليه الرحمة في ((عوارفه))(٤) . (١) فتاوى العز بن عبد السلام ص٣١٩-٣٢٥، وما سلف بين حاصرتين منه ومن كف الرعاع ٢٠/١. (٢) كما في كف الرعاع ١٨/١ . (٣) محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي المنشأ العجمي الأصل، الزاهد شيخ الصوفية، توفي سنة (٣٨٦هـ). السير ٥٣٦/١٦. وينظر كلامه في كتابه قوت القلوب ٦١/٢- ٦٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في كف الرعاع ١٨/١ . (٤) ينظر عوارف المعارف في التصوف للشيخ شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي الشافعي المتوفى سنة (٦٣٢هـ) ص ١٠٩، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في كف الرعاع ١٩/١ . سُورَةُ لِقْنَمَانٌ ٢٤ الآية : ٦ والظاهرُ أنَّ الجنيد أراد بالحرام معناه الاصطلاحيّ، واستظهر بعضهم أنه لم يُرِدْ ذلك وإنما أراد أنه لا ينبغي. ونقل بعضهم عن الجنيد قدِّس سرُّه أنه سئل عن السماع فقال: هو ضلالٌ للمبتدي، والمنتهي لا يحتاج إليه. وفيه مخالفةٌ لِمَا سمعتَ. وقال القشيريُّ(١) رحمه الله تعالى: إنَّ للسماع شرائطَ منها معرفةُ الأسماء والصفات؛ ليعلم صفاتِ الذات من صفات الأفعال، وما يمتنعُ في نعت الحقِّ سبحانه وما يجوزُ وصفُه تعالى به وما يجبُ، وما يصحُّ إطلاقه عليه عز شأنه من الأسماء وما يمتنعُ. ثم قال: فهذه شرائطٌ صحة السماع على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول، وأمَّا عند أهل الحقائق فالشرطُ فناءُ النفسِ بصِدْقِ المجاهَدةِ، ثم حياةُ القلب بروح المشاهدة، فَمَنْ لم تتقدَّم بالصحة معاملتُه، ولم تحصل بالصِّدق منازلتُه، فسماعُه ضياٌ، وتواجُدُه طِباعٌ، والسماعُ فتنةٌ يدعو إليها استيلاءُ العشق إلا عند سقوط الشهوة وحصولِ الصفوة. وأطال بما يطولُ ذِكْرُه، قيل: وبه يتبيَّن تحريمُ السماع على أكثر متصوِّفة الزمان؛ لفَقْدٍ شروط القيام بأدائه. ومن العجب أنهم ينسبون السماع والتواجُدَ إلى رسول اللهِ وَّر، ويروون عن عطيةً أنه عليه الصلاة والسلام دخل على أصحاب الصُّفَّة يوماً فجلس بينهم، وقال عليه الصلاة والتحية: ((هل فيكم مَن ينشدنا أبياتاً؟)) فقال واحد: ولا طبيبَ لها ولا راقي لَسَعتْ حيةُ الهوى كبدي فعنده رُقيتي وترياقي إلا الحبيب الذي شُغِفْتُ به فقام عليه الصلاة والسلام وتَمايَلَ حتى سقط الرداءُ الشريف عن منكبيه، فأخذه أصحابُ الصفَّةِ فقسَّموه فيما بينهم بأربع مئةِ قطعةٍ (٢). (١) في كتاب السماع له، كما في كف الرعاع ١/ ٢٢. (٢) أخرجه ابن طاهر في السماع كما في اللسان ٤/ ٢٧٠، وقال الذهبي في الميزان ١٦٤/٣ في ترجمة عمار بن إسحاق: كأنه واضحٌ هذه الخرافة التي فيها: قد لسعت حية الهوى كبدي، فإن الباقين ثقات. اهـ. وقال ابن تيمية كما في المقاصد الحسنة ص٣٣٣: هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وما روي في ذلك فموضوع. اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي في كف الرعاع ٤٣/١: من الأحاديث الموضوعة الكذب، التي لا تحلُّ روايتها إلا لبيان حالها حتي الآية : ٦ ٢٥ سُورَةُ لِقُعمَّان وهو لعمري كذبٌ صريحٌ وإنكٌّ قبيحٌ، لا أصلَ له بإجماع محدِّثي أهلِ السنَّة، وما أراه إلا من وضع الزنادقة، فهذا القرآنُ العظيم يتلوه جبريلُ عليه السلام عليه بَّر، ويتلوه هو أيضاً ويسمعُه من غير واحدٍ، ولا يعتريه عليه الصلاة والسلام شيءٌ مما ذكروه في سماع بيتين هما كما سمعتَ، سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. وأنا أقول: قد عَمَّتِ البلوى بالغناء والسماع في سائر البلاد والبقاع، ولا يُتَحاشَى من ذلك في المساجد وغيرها، بل قد عيِّن مغنُّون يغنُّون على المنائر في أوقاتٍ مخصوصةٍ شريفةٍ بأشعارٍ مشتملةٍ على وصف الخمر والحانات، وسائر ما يعدُّ من المحظورات، ومع ذلك قد وّف لهم من غلَّة الوقف ما وظّف، ويسمُّونهم الممجِّدين، ويَعُدُّون خلوَّ الجوامع من ذلك من قِلَّة الاكتراث بالدِّين. وأشنعُ من ذلك ما يفعله أبالسةُ المتصوِّفة ومَرَدتُهم، ثم إنهم قبَّحهم الله تعالى إذا اعتُرض عليهم بما اشْتَملَ عليه نشيدُهم من الباطل، يقولون: نعني بالخمر المحبةَ الإلهية، وبالسُّكْر غلبتَها، وبميَّةً وليلى وسعدى مثلاً المحبوبَ الأعظم، وهو الله عز وجل، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْفَ فَادْعُوهُ بِهََّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمٍَّ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وفي ((القواعد الكبرى)) للعزِّ بن عبد السلام(١): ليس من أدب السماع أن يشبَّه غلبةُ المحبة بالسُّكر من الخمر فإنه سوءُ أدبٍ، وكذا تشبيهُ المحبة بالخمر لأنَّ الخمر أمُّ الخبائث، فلا يشبّه ما أحبَّه الله تعالى بما أبغضه وقضى بخُبْثِه ونجاستِهِ، فإنَّ تشبيه النفيس بالخسيس سوءُ أدبٍ بلا شكِّ فيه، وكذا التشبيهُ بالخصر والردف، ونحوٍ ذلك من التشبيهات المستَقْبَحات، ولقد كُره لبعضهم قولُه: أنتم روحي ومعلم (٢) راحتي، ولبعضهم قولُه: فأنت السمعُ والبصر؛ لأنه شبّه مَن لا شبيهَ له بروحه الخسيسةِ وسمعِه وبصرِهِ اللذَيْنِ لا قَدْرَ لهما . ثم إنه وإن أباح بعضَ أقسام السماع حظّ على مَن يرقصُ ويصفّقُ عنده فقال(٣): = لا يغتر العامة بها ما رواه الكذاب ابن طاهر بسنده الباطل عن أنس، وذكر الحديث. (١) ٢ / ١٨٤. (٢) في القواعد: ومعكم. (٣) في القواعد ١٨٦/٢. سُورَةُ الْقُعمَّان ٢٦ الآية : ٦ أما الرقصُ والتصفيقُ فخفَّةٌ ورعونةٌ مشبَّهةٌ برعونة الإناث، لا يفعلها إلا أرعنُ أو متصنعٌ كذَّاب، وكيف يتأتّى الرقصُ المتَّزنُ بأوزان الغناء ممن طاش لبُّه وذهب قلبه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((خيرُ القرون قَرْني ثم الذين يَلُونَهم))(١) ولم يكن أحدٌ من هؤلاء الذين يُقتدى بهم يفعلُ شيئاً من ذلك، وإنَّما استَحْوذَ الشيطانُ على قومٍ يظنُّون أنَّ طربهم عند السماع إنما هو متعلِّقٌ بالله تعالى شأنُه. ولقد مانوا(٢) فَيما قالوا، وكَذَبوا فيما ادَّعوا، من جهة أنهم عند سماع المطربات وجدوا لذتين: إحداهما: لذةُ قليلٍ من الأحوال(٣) المتعلّقةِ بذي الجلال. والثانية: لذةُ الأصوات والنغماتِ والكلماتِ الموزونات، المُوجِبات لِلَذَّاتِ ليست من آثار الدِّين ولا متعلّقةً بأموره، فلمَّا عَظُمتْ عندهم اللذَّاتُ غلطوا فظنُّوا أنَّ مجموع ما حصل لهم إنما حصل بسبب حصول ذلك القليل من الأحوال، وليس كذلك، بل الأغلبُ عليهم حصولُ الذَّاتِ النفوس التي ليست من الدِّين في شيءٍ. وقد حرَّم بعضُ العلماء التصفيقَ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما التصفيق للنساء)»(٤) ولعن رسول الله وَ﴾ المتشبِّهات من النساء بالرجال، والمتشبِّهين من الرجال بالنساء(٥). ومَن هاب الإله وأدرك شيئاً من تعظيمه لم يُتصوَّر منه رقصٌ ولا تصفيقٌ، ولا يَصْدُران إلا من جاهل، ويدلُّ على جهالة فاعلهما أنَّ الشريعة لم تَرِدْ بهما في كتاب ولا سنَّةٍ، ولم يفعل ذلك أحدٌ من الأنبياء، ولا معتَبَرٌ من أتباعهم، وإنما يفعل ذلك الجهلةُ السفهاء الذين التبست عليهم الحقائقُ بالأهواء، وقد قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ولقد مضى السَّلَفُ وأفاضلُ الخلف ولم يلابِسوا شيئاً من ذلك، فما ذاك إلا غرضٌ من أغراض النفس، وليس بقربةٍ إلى الربِّ جل وعلا، وفاعلُه إن كان ممن يقتدى به ويعتقد أنه ما فعله إلا لكونه قربةً فبئسَ ما صنع؛ لإيهامه أنَّ هذا من الطاعات، وإنما هو من أقبح الرُّعونات. (١) سلف ١١/ ٥٥. (٢) أي: كذبوا. القاموس (مان). (٣) في القواعد: إحداهما لذة المعارف والأحوال. (٤) أخرجه البخاري (١٢٣٤) من حديث سهل بن سعد الساعدي . (٥) أخرجه البخاري (٥٨٨٥) من حديث ابن عباس 1 سُورَةُ لِقْغَمَّان ٢٧ الآية : ٦ وأمَّا الصياحُ والتغاشي ونحوُهما فتصنَّعٌ ورياء، فإن كان ذلك عن حالٍ لا يقتضيهما فإثمُ الفاعل من جهتين: إحداهما: إيهامُه الحالَ الثابتة الموجبة لهما . والثانية: تصنُّعه ورياؤه. وإن كان عن مقتضٍ أَئِمَ إِثْمَ رياءٍ لا غير. وكذلك نتفُ الشعور وضربُ الصدور وتمزيقُ الثياب محرَّمٌ لِمَا فيه من إضاعة المال، وأيُّ ثمرةٍ لضَرْبِ الصدور ونتفِ الشعور وشقِّ الجيوب إلا رعونات صادرة عن النفوس؟! اهـ كلامُه، ومنه يُعلم ما في نَقْلِ الإسْنَويِّ عنه رحمه الله تعالى أنه كان يرقصُ في السماع، والعلَّامة ابن حجر قال: يُحمل ذلك على مجرَّد القيام والتحرُّك لغَلَبةِ وَجْدٍ وشهودٍ وتَجَلٍّ لا يعرفه إلا أهله(١). ومن ثَمَّ قال الإمام إسماعيلُ الحضرميُّ مُؤْقِفُ الشمسِ (٢) عن قومٍ يتحرَّكون في السماع: هؤلاء قومٌ يروِّحون قلوبَهم بالأصوات الحسنة حتى يصيرواً روحانيين، فهم بالقلوب مع الحقِّ وبالأجساد مع الخلق، ومع هذا فلا يؤمَنُ عليهم العدوُّ، ولا يعوَّلُ عليهم فيما فَعَلوا، ولا يُقْتدَى بهم فيما قالوا. اهـ. وما ذكره فيمَن يصدُرُ عنه نحوُ الصياحِ والتغاشي عن حالٍ يقتضيه لا يخلو عن شيءٍ، فقد قال البلقينيُّ فيما يصدُر عنهم من الرقص الذي هو عند جمع ليس بمحرَّم ولا مكروهٍ؛ لأنه مجرَّدُ حركاتٍ على استقامةٍ أو اعوجاج، ولأنه عليه الصلاة والسلام أقرَّ الحبشةَ عليه في مسجده يوم عيد(٣)، وعند آخرين مكروهٌ، وعند هذا القائل حرامٌ إذا كثُر بحيث أسقط المروءة: إن كان(٤) باختيارهم فهم كغيرهم، (١) بنحوه في كف الرعاع ٤٨/١. (٢) هو إسماعيل بن محمد الحضرمي اليمني، أبو العباس، كان إماماً من أئمة المسلمين وعَلَماً من أعلام الولاية، يحكى من كراماته أنه كان في سفر، فقاربت الشمس من الغروب وهو بعيد عن المدينة، فطلب من الشمس أن تقف، فوقفت حتى بلغ مقصده، توفي سنة (٦٧٧ هـ). جامع كرامات الأولياء ٣٥٥/١. (٣) أخرجه البخاري (٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة ﴿ها. قال ابن حجر في كف الرعاع ٥٢/١: إن ذلك لم يكن من الحبشة رقصاً على غناء، ولا ضرباً بالأقدام، ولا إشارة بالأكمام، بل كان لعباً بالسلاح، وتأهُّباً للكفاح، تدريباً على استعمال السلاح في الحرب، وتمريناً على الكر والفر والطعن والضرب. (٤) قوله: إن كان ... إلخ، هو جملة مقول القول. لقوله: فقد قال البلقيني ... الآية : ٦ ٢٨ سُورَة الْقُغَمَان وإلا فليسوا بمكلَّفين. واستوضحه بعضُ الأجلَّة وقال: يجبُ اطِّراده في سائر ما يُحكى عن الصوفية ممَّا يخالف ظواهرَ الشرع، فلا يحتجُّ به لأنه إن صدر عنهم في حالِ تكليفهم فهم كغيرهم، أو مع غيبتهم لم يكونوا مكلّفين به. والذي يظهر لي أنَّ غناء الرجل بمثْلِ هذه الألحانِ إنْ كان لدَفْعِ الوحشةِ عن نفسه فمباحٌ غيرُ مكروهٍ كما ذهب إليه شمسُ الأئمة السرخسيُّ، لكنْ بشرطِ أنْ لا يسمعَه مَن يُخشى عليه الفتنةُ من امرأةٍ أو غيرِها. ولا مَن يستخفُّ به ويسترذلُه، وبشرطِ أنْ لا يغيَّر اسمٌ معظّمٌ بنحوِ زيادةٍ ليست فيه في أصلٍ وَضْعِه؛ لأَجْلِ أنْ لا يَخْرِجَ عن مقتضَى الصنعة، مثل أن يقول في الله: إيلاه، وفي محمد: موحامَّد، هذا مع كونِ ما يتغنَّى به ممَّا لا بأسَ بإنشاده. وإن كان للناس لِلَهْوِ في غير حادثٍ سرورٍ كعرسٍ، بأجرةٍ أو بدونها، ازدُري به لذلك أو لم يُزْدَرَ، كان ما يتغنَّى به مباحَ الإنشاد أو لم يكن، فحرامٌ وإن أُمنت الفتنة، وأراه من الصغائر كما يقتضيه كلام الماورديِّ حيث قال: وإذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصغائر دون الكبائر(١). وإن كان في حادثٍ سرورٍ، فهو مباحٌ إن أُمنت الفتنة، وكان ما يُتَغتَّى به جائزَ الإنشاد، ولم يُغيَّر فيه اسمٌ معظّمٌ، ولم يكن سبباً للازدراء به وهَتْكِ مروءته، ولا لاجتماع الرجال والنساء على وجهٍ محظور. وإن كان سبباً لمحرَّم فهو حرامٌ، وتتفاوتُ مراتبُ حرمته حَسْبَ تفاؤُتِ حرمة ما كان هو سبباً له. وإن كان للناس لا لِلَهوِ بل لتنشيطهم على ذكر الله تعالى، كما يُفعل في بعض حِلَقِ التهليل في بلادنا، فمحتمِلُ الإباحةِ إن لم يتضمَّن مفسدةً، ولعله إلى الكراهة أقرب. وربما يقال: إنه حينئذٍ قربةٌ كالحُدَاء - وهو ما يقال خلف الإبل من رَجَزٍ (٢) وغيره - إذا كان منشِّطاً لسيرٍ هو قربةٌ، لأنَّ وسيلةَ القربة قربةٌ اتفاقاً . (١) الحاوي ١٧/ ١٩٢. (٢) في الأصل و(م): زجر، والمثبت هو الصواب. ينظر نهاية المحتاج ٢٩٦/٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤٣٠. الآية : ٦ ٢٩ سُورَةٌ لِقْحَمَّان فيقال: لم نقف على خبرٍ في اشتمال حِلَقِ الذكر على عهد رسول الله وَّهِ، وكذا على عهد خلفائه وأصحابِهِ ﴿ه - وهم أحرصُ الناس على القُرَبِ - على هذا الغناء ولا على سائر أنواعه، وصحَّت أحاديثُ في الحداء(١)، ولذا أطلق جمعٌ القولَ بنَذْبِهِ، وكونُهم نَشِطينَ بدون ذلك لا يمنعُ أن يكون فيهم مَن یزیدُه ذلك نشاطاً. فلو كان لذلك قربةٌ لفعلوه ولو مرةً، ولم يُنقل أنهم فعلوه أصلاً. على أنه لا يَبعُدُ أن يقال: إنه يشوِّش على الذاكرين، ولا يتمُّ لهم معه تدبُرُ معنى الذكرِ وتصوُّرُه، وهو بدون ذلك لا ثوابَ فيه بالإجماع. ولعل ما يُفعل على المنائر مما يسمُّونه تمجيداً منتظِمٌ عند الجهلة في سلكِ وسائلِ القرب، بل يَعدُّه أكثرهم قربةً من حيث ذاتُه، وهو لعمري عند العالِم بمعزلٍ عن ذلك. وإن كان لحاجةٍ مرضٍ تعيَّنَ شفاؤه به فلا شكَّ في جوازه. والإكبابُ على المباح منه يخرُ المروءة، كاتخاذه حرفةً، وقولُ الرافعي: لا يخرمُها إذا لاق به، ردَّه الزركشيُّ بأنَّ الشافعيَّ نصَّ على ردِّ شهادته(٢)، وجرى عليه أصحابُه؛ لأنها حرفةٌ دَنِيَّةٌ ويعدُّ فاعلُها في العُرْفِ ممن لا حياءً له. وعن الحسن أنَّ رجلاً قال له: ما تقولُ في الغناء؟ قال: نِعْمَ الشيءُ الغناءُ، يوصَلُ به الرّحِمُ، وينفّس به عن المكروب، ويُفْعَلُ فيه المعروف. قال: إنما أعني الشَّدْوَ. قال: وما الشَّدْوُ(٣)، أتعرف منه شيئاً؟ قال: نعم. قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغنِّي ويَلْوي شدقَيْهِ ومنخرَيْه، ويكسر عينيه، فقال الحسن: ما كنتُ أرى أنَّ عاقلاً يبلغ من نفسه ما أرى. واختلفوا في تعاطي خارم المروءة على أوجُهٍ؛ ثالثها: إن تعلَّقتْ به شهادةٌ حَرُمَ وإلا فلا؛ قال بعض الأجلَّة: وهو الأوجَّهُ؛ لأنه يحرُمُ عليه التسبُّبُ في إسقاط ما تحمَّله وصار أمانةً عنده لغيره، ويظهر لي أنه إن كان ذلك من عالِمٍ يُقْتدَى به، أو (١) ينظر حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢)، وحديث أنس بن مالك ظه عند البخاري (٦١٦١)، ومسلم (٢٣٢٣). (٢) سلف كلام الشافعي ص١٧ من هذا الجزء. (٣) في الأصل و(م): الشد، في الموضعين، وهو تصحيف. الآية : ٦ ٣٠ سُورَةُ القُغَمَانٌ كان ذلك سبباً للازدراء، حَرُمَ أيضاً، وأنَّ سماعه - أي: استماعَه، لا مجرَّدَ سماعِه بلا قصدٍ - عند أمنِ الفتنة، وكونِ ما يُتغنَّى به جائزَ الإنشادِ، وعدم تسبُبه لمعصيةٍ كاستدامةِ مغنٍّ لغناءٍ آثم به، مباحٌ، والإكبابُ عليه كما قال النوويُّ: يُسْقِطُ المروءةَ، كالإكباب على الغناء المباح، والاختلافُ في تعاطي مسقطها قد ذكرناه آنفاً. وأمَّا سماعُه عند عَدَم أمن الفتنة، وكونِ ما يُتغنَّى به غيرَ جائزِ الإنشاد، وكونِه متسبِّباً المعصيةٍ، فحرامٌ، وتتفاوتُ مراتبُ حرمته، ولعلها تصلُ إلى حرمةٍ كبيرةٍ. ومن السماع المحرَّم سماعُ متصوِّفةِ زماننا وإن خلا عن رقصٍ، فإنَّ مفاسده أكثرُ من أن تُحْصَى، وكثيرٌ مما يسمعونه من الأشعار من أشنع ما يُتْلَى، ومع هذا يعتقدونه قربةً، ويزعمون أنَّ أكثرهم رغبةً فيه أشدُّهم رغبةً أو رهبةً، قاتلهم الله تعالى أنَّى يؤفكون. ولا يخفى على مَن أحاط خُبراً بما تقدَّم عن القشيريِّ وغيره أنَّ سماعَهم مذمومٌ عند مَن يعتقدون انتصاره لهم، ويحسبون أنهم وإياه من حزبٍ واحدٍ، فويلٌ لمن شفعاؤه خُصماؤه، وأحباؤه أعداؤه. وأمَّا رَقْصُهم عليه فقد زادوا به في الطنبور رنَّةً، وضمُّوا - كَسَر الله تعالى شوكتَهم - بذلك إلى السَّفَهِ جُنَّةً. وقد أفاد بعضُ الأجلَّة أنه لا تقبل شهادةُ الصوفية الذين يرقصون على الدفِّ الذي قيل: يباحُ - أو يسنُّ - ضربُه لعرسٍ وختانٍ وغيرهما من كلِّ سرورٍ، ومنه قدومُ عالِمٍ ينفع المسلمين، رادًّا على مَن زعم القبولَ، فقال: وعن بعضهم: تُقبلُ شهادة الصوفية الذين يرقصون على الدفِّ لاعتقادهم أنَّ ذلك قربةٌ كما تُقبلُ شهادة حنفيٍّ شرب النبيذ لاعتقاده إباحته، وكذا كلُّ مَن فَعَلَ ما اعْتَقَد إياحتَه. اهـ، وردَّ بأنه خطأٌ قبيحٌ؛ لأنَّ اعتقاد الحنفيّ نشأ عن تقليدٍ صحيحٍ، ولا كذلك غيرُه، وإنما منشؤه الجهلُ والتقصيرُ فكان خيالاً باطلاً لا يلتفت إليه. اهـ. ثم إنِّي أقول: لا يبعدُ أن يكون صاحبَ حالٍ يحرِّكه السماعُ ويثيرُ منه ما يلجئهُ إلى الرقص أو التصفيق، أو الصَّعْقِ والصياح، أو تمزيقٍ(١) الثياب، أو نحوِ ذلك (١) في (م): وتمزيق. الآية : ٦ ٣١ سُوَةٌ لِقْضَمَانٌ مما هو مكروهٌ أو حرامٌ، فالذي يظهر لي في ذلك أنه إنْ عَلِمَ من نفسه صدورَ ما ذكر كان حكمُ الاستماع في حقِّه حكمَ ما يترتَّب عليه، وإن تردّد فيه فالأحوطُ في حقِّه إن لم نقل بالكراهة عدمُ الاستماع، ففي الخبر: ((دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُك))(١). ثم إنَّ مَن حَصَلَ له شيءٌ من ذلك بمجرَّد السماع من غيرِ قَصْدٍ، ولم يقدر على دفعه أصلاً، فلا لومَ ولا عتابَ فيه عليه، وحُكْمُه في ذلك حُكْمُ مَن اعتراه نحوُ عطاسٍ وسعالٍ فَهْرِيَّيْنٍ، ولا يُشترط في دَفْع اللوم والعتاب عنه كونُ ذلك مع غيبته، فلا يجب على مَن صدر منه ذلك إن لم يَغِبْ إعادةُ الوضوء للصلاة مثلاً . وليُنْظَرْ فيما لو اعتراه وهو في الصلاة بدون غيبة، هل حُكْمُه حُكْمُ نحوِ العطاس والسعال إذا اعتراه فيها أم لا؟ والذي سمعتُه عن بعض الكبار الثاني، فتدبر . ومن الناس مَن يعتريه شيءٌ مما ذكر عند سماع القرآن، إمَّا مطلقاً أو إذا كان بصوتٍ حسنٍ، وقلَّما يقع ذلك من سماع القرآن أو غيره لكاملٍ؛ وعن عائشة أنه قيل لها: إنَّ قوماً إذا سمعوا القرآن صُعِقوا؟ فقالت: القرآن أكرمُ من أن يُسرق منه عقولُ الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى: ﴿نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَّى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣](٢) . وكثيراً ما يكون لضَعْفٍ تحمُّل الوارد، وبعضُ المتصنّعين يفعلُه رياءً. وعن ابن سيرين أنه سُئل عمَّن يسمع القرآن فيصعق؟ فقال: ميعادُ ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائطِ، فَيُقرأ عليهم القرآنُ من أوَّله إلى آخره، فإن صُعقوا فهو كما قالوا. ولا يَرِدُ على إباحة الغناء وسماعِه في بعض الصُّور خبرُ ابن مسعود: ((الغناء ينبتُ النفاقَ في القلب كما ينبتُ الماءُ البقلَ)) لا لأنَّ الغناء فيه مقصورٌ وأنَّ المراد به غنى المال الذي هو ضدُّ الفقر؛ إذ يَرُدُّ ذلك أنَّ الخبر روي من وجهٍ آخر بزيادةٍ : (١) أخرجه أحمد (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي ٣٢٧/٨ من حديث الحسن بن علي ﴿يا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١١١- ١١٢. سُورَة ◌ُ القَمَانٌ ٣٢ الآية : ٦ (الذكر يُنْبِتُ الإيمانَ في القَلْبِ كما يُنْبِتُ الماءُ الزرعَ)) (١) ومقابلةُ الغناء بالذكر ظاهرٌ في [أنَّ](٢) المراد به التغنِّي، على أنَّ الرواية كما قال بعضُ الحفاظ بالمِّد، بل لأنَّ المراد أنَّ الغناء من شأنه أنْ يترتَّبَ عليه النفاقُ - أي: العَمَليُّ - بأن يحرِّك إلى غدرٍ وخُلْفِ وعدٍ وكذبٍ ونحوِها، ولا يلزمُ من ذلك اطّرادُ الترتَّب، وربما يشير إلى ذلك التشبيهُ في قوله: ((كما ينبتُ الماء البقلَ))، فإنَّ إنباتَ الماءِ البقلَ غيرُ مطّردٍ، ونظيرُ ذلك في الكلام كثير، والقائلُ بإباحته في بعض الصور إنما يبيحه حيث لا يترتَّبُ عليه ذلك. نعم لا شكَّ أنَّ ما هذا شأنُه الأحوطُ بعد كلِّ قيل وقال عدمُ الرغبةِ فیه، كذا قيل. وقيل: يجوز أن يكون أريدَ بالنفاق الإيمانيُّ، ويؤيِّدهُ مقابلتُه في بعض الروايات بالإيمان، ويكونُ مساقُ الخبر للتنفير عن الغناء؛ إذ كان الناسُ حديثي عهدٍ بجاهليةٍ كان يُستعمل فيها الغناء للَّهو، ويُجتمعِ عليه في مجالس الشرب، ووجهُ إنباته للنفاق إذ ذاك أنَّ كثيراً منهم لقُرْبٍ عَهْدِه بلذَّةِ الغناء وما يكون عنده من اللهو والشرب وغيره من أنواع الفسق يتحرَّك قلبه لِمَا كان عليه، ويحنُّ حنينَ العِشَارِ إليه، ويكره لذلك الإيمانَ الذي صدَّه عمَّا هنالك، ولا يستطيعُ لقوَّةٍ شوكة الإسلام أن يُظْهِرَ ما أَضْمَر، وينبذُ الإيمانَ وراءَ ظهره ويتقدَّمُ إلى ما عنه تأخّر، فلم يَسَعْه إلا النفاقُ لمَّا اجْتَمَعَ عليه مخافةُ الرَّة والاشتياق، فتأمَّلْ ذاك والله تعالى يتولَّى هُداك. وأمَّا الآيةُ فإن كان وجه الاستدلال بها تسميةَ الغناء لهواً، فكم لهوٍ هو حلالٌ، وإنْ كان الوعيدَ على اشترائه واختياره، فلا نسلِّم أنَّ ذلك على مجرَّدِ الاشتراء؛ لجواز أن يكون على الاشتراء ليضل عن سبيل الله تعالى، ولا شكَّ أنَّ ذلك من الكبائر، ولا نزاعَ لنا فيه، وقال ابنُ عطية: الذي يترجَّح أن الآية نزلت في لهوِ الحديث مضافاً إلى الكفر، فلذلك اشتدَّت ألفاظُ الآية بقوله تعالى: (ِيُضِلَ) إلخ(٣). اهـ. (١) وردت هذه الزيادة في الرواية الموقوفة على ابن مسعود عند البيهقي ٢٢٣/١٠، وينظر التلخيص الحبير ٤/ ٢٠٠ . (٢) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٣) المحرر الوجيز ٣٤٦/٤. الآية : ٦ ٣٣ سُوَّة ◌ُ القَمَانٌ ومما ذكرنا يُعلَم ما في الاستدلال بها على حُرْمةِ الملاهي، كالرباب والجنك(١) والسنطير (٢) والكمنجة والمزمار وغيرها من الآلات المطربة، بناءً على ما رُوي عن ابن عباس والحسنِ أنهما فسَّرا (لهو الحديث)) بها، نعم إنه يحرُمُ استعمالُها واستماعُها لغير ما ذكر، فقد صحَّ من طرقٍ خلافاً لِمَا وَهِمَ فيه ابنُ حزم الضالُّ المضلُّ، فقد علَّقه البخاريُّ وَوَصَله الإسماعيليُّ وأحمدُ وابنُ ماجه وأبو نعيم وأبو داود بأسانيدَ صحيحةٍ لا مَظْعنَ فيها، وصحَّحه جماعةٌ آخرون من الأئمة كما قاله بعضُ الحفاظ، أنه وَّ قال: ((ليكوننَّ في أمتي قومٌ يستحلَّون الخز والخمر والمعازف)»(٣) وهو صريحٌ في تحريم جميع آلاتِ اللهو المُظْرِبةِ. (١) الجنك: آلة يضرب بها كالعود، معرَّب. التاج (جنك). (٢) السنطير: آلة من آلات الطرب تشبه القانون، أوتارها من نحاس يضرب عليها. المعجم الوسيط (سنط). (٣) صحيح البخاري (٥٥٩٠)، ومسند أحمد (٢٢٩٠٠)، وسنن أبي داود (٤٠٣٩)، وسنن ابن ماجه (٤٠٢٠)، وعزاه للإسماعيلي وأبي نعيم في مستخرجيهما ابن حجر في الفتح ٥٣/١٠، ووصله أيضاً ابن حبان (٦٧٥٤)، والطبراني (٣٤١٧)، وهو من حديث أبي مالك الأشعري ﴿ه. ورواية أحمد وابن ماجه سياقها مختلف، ورواية أبي داود مختصرة بلفظ: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير)). وجاء عند البخاري: الحِرَ بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة، وهو الفَرْج، والمعنى: يستحلُّون الزنا، ووقع عند أبي داود بمعجمتين والتشديد؛ قال الحافظ في الفتح: والراجح بالمهملتين، ويؤيِّده ما وقع في الزهد لابن المبارك من حديث عليّ بلفظ: ((يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير)) ووقع عند الداودي بالمعجمتين ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ لأن كثيراً من الصحابة لبسوه، وقال ابن العربي: الخزُّ بالمعجمتين والتشديد مختلف فيه، والأقوى حلُّه، وليس فيه وعيد ولا عقوبة بإجماع. وقد تكلم ابن حزم في المحلى ٥٩/٩ على هذا الحديث فقال: وهذا منقطع، ولا يصح في هذا الباب شيءٌ أبداً، وكل ما فيه فموضوع، ووالله لو أُسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله ﴿ لما ترددنا في الأخذ به. اهـ. وكلام ابن حزم هذا ردَّه كثير من العلماء والمحدثين، منهم النووي في شرح صحيح مسلم ١٨/١، والزركشي كما في فتح الباري ٥٢/١٠، وابن الصلاح في علوم الحديث ص٦٨، وقال ابن الصلاح: وأخطأ - يعني ابن حزم - من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفاً من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسنداً متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع، والله أعلم. سُورَةُ لِقْضَمّان ٣٤ الآية : ٦ ومما يُشْبِهُ الصريحَ في ذلك ما رواه ابنُ أبي الدنيا في كتاب ((ذم الملاهي)) عن أنس، وأحمدُ والطبرانيُّ عن ابن عباس وأبي أمامةً مرفوعاً: ((ليكوننَّ في هذه الأمة خَسْفٌ وقذفٌ ومسخٌ، وذلك إذا شربوا الخمورَ واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف)»(١) وهي الملاهي التي سمعتَها، ومنها الصنجُ العَجَميُّ، وهو صُفْرٌ يُجعَلُ عليه أوتارٌ يُضرَبُ بها على ما ذهب إليه غيرُ واحدٍ، خلافاً للماورديِّ حيث قال: إن الصنج يُكْرَهُ مع الغناء ولا يُكره منفرداً؛ لأنه بانفراده غيرُ مُطْرِبٍ. ولعله أراد به العربيَّ، وهو قطعتان من صُفْرٍ تُضْرَبُ إحداهما بالأخرى، فإنه بحسب الظاهر هو الذي لا يُطْرِبُ منفرداً، لكن يزيدُ الغناءَ طرباً، وذُكر أنه يستعمله المختَّئون في بعض البلاد، ولا يبعُدُ عليه القولُ بالحرمة. ومنها اليراعُ وهو الشبابةُ، فإنه مُظْرِبٌ بانفراده، بل قال بعض أهل الموسيقى: إنه آلةٌ كاملةٌ جامعةٌ لجميع النغمات إلا يسيراً. وقد أطنب الإمام الدَّوْلعيُّ(٢) وهو من أجلَّة العلماء في دلائل تحريمه، ومنها القياسُ وهو إما أَوْلَى أو مَسارٍ، وقال: العجبُ كلُّ العجبِ ممن هو من أهل العلم يزعم أنَّ الشبابة حلالٌ. اهـ. ومنه يُعلم ما في قول التاج السبكيِّ في ((توشيحه)): لم يقرَّ عندي دليلٌ على تحريم اليراع مع كثرة التتبُّع، والذي أراه الحِلَّ، فإن انضمَّ إليه محرَّمٌ فلكلِّ منهما حُكْمُه، ثم الأَوْلى عندي لمن ليس من أهل الذوق الإعراضُ عنه مطلقاً؛ لأنَّ غايةً ما فيه حصولُ لذةٍ نفسانيةٍ وهي ليست من المطالب الشرعية، وأما أهلُ الذوق فحالُهم مسلَّمٌ إليهم، وهم على حَسَبٍ ما يجدونه من أنفسهم (٣). اهـ. (١) عزاه لابن أبي الدنيا من حديث أنس بهذا اللفظ السيوطي في الدر المنثور ٣٢٤/٢، وهو بنحوه من حديث أبي أمامة وابن عباس في مسند أحمد من زوائد ابنه عبد الله (٢٢٧٩٠)، وعزاه للطبراني من حديث أبي أمامة وحده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٨، وفي إسناده فرقد السبخي وهو ضعيف. (٢) في الأصل و(م) وكف الرعاع ١١١/١ (والكلام منه): الدولقي، والصواب ما أثبتناه. والدَّولعية بفتح أوله وعين مهملة من قرى الموصل. وهو أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين، ضياء الدين التغلبي الأرقمي الموصلي الشافعي، خطيب دمشق، توفي سنة (٥٩٨هـ). سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٥٠، ومعجم البلدان ٤٨٦/٢. (٣) كف الرعاع ١٢١/١ . الآية : ٦ ٣٥ سُورَةُ القَمَانٌ وحُكي عن العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد أنهما كانا يسمعان ذلك، والظاهرُ أنه كذبٌ لا أصل له، وبذلك جزم بعضُ الأجلَّة(١). ولا يبعدُ حِلُّها إذا صفر فيها كالأطفال والرِّعاءِ على غير القانون المعروف من الإطراب. ومنها العودُ، وهو آلةٌ للَّهو غيرُ الطنبور، وأطلقه بعضهم عليه، وحكايةُ النَّجِسِ ابنِ طاهرٍ (٢) عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازيٌّ أنه كان يسمعُ العود من جملةٍ كذبه وتهوُّرِهِ، كدعواه إجماعَ الصحابة والتابعين على إباحة الغناء واللَّهو، ومثلُه في المجازفة وارتكابِ الأباطيل على الجَزْم ابنُ حَزْمِ، لا الدفُّ فيجوزُ ضَرْبُه من رجلٍ وامرأةٍ لا من امرأةٍ فقط، خلافاً للحَليميِّ(٣)، واستماعُه لعرسٍ ونكاحٍ وكذا غيرُهما من كلِّ سرورٍ في الأصحِّ. وبحِلِّ ذي الجلاجل منه - وهي إما نحوُ حِلَقٍ تُجعل داخلَه كدفِ العرب، أو صنوجٌ عِرَاضٌ من صُفْرٍ تُجعَلُ في حروفٍ دائرته كدفِّ العجم - جَزَمَ جماعةٌ، وجزم آخرون بحرمته، وبها أقول؛ لأنه كما قال الأذرعي: أشدُّ إطراباً من أكثر الملاهي المتفقِ على تحريمها . وبعضُ المتصوِّفة ألَّفوا رسائلَ في حِلِّ الأوتار والمزامير وغيرِها من آلات اللهو، وأتوا فيها بكذبٍ عجيبٍ على الله تعالى وعلى رسوله وَّ﴾، وعلى ◌َّ والتابعين والعلماء العاملين، وقلَّدهم في ذلك مَن لعب به الشيطانُ، أصحابه وهوى به الهوى إلى هوَّة الحرمان، فهو عن الحقِّ بمعزلٍ، وبينه وبين حقيقةٍ التصوُّف ألفُ ألفِ منزلٍ. (١) جاء تحتها في الأصل: کابن حجر. (٢) محمد بن طاهر المقدسي الحافظ، الظاهري الصوفي، ذو التصانيف، قال ابن عساكر: جمع أطراف الكتب الستة، فأخطأ في مواضع خطأً فاحشاً. وقال ابن ناصر: محمد بن طاهر لا يحتج به، وقال أيضاً: كان لُحنَّةً وكان يصحّف. وقال الذهبي: ليس بالقوي؛ فإنه له أوهام في تواليفه، وله انحراف عن السنَّة إلى تصوُّفٍ غير مرضيٍّ. سير أعلام النبلاء ٣٦١/١٩، والميزان ٥٨٧/٣. وكلام ابن طاهر في كف الرعاع ٦١/١ و١٣٠-١٣١، والزواجر ١٩٣/٢. (٣) في المنهاج في شعب الإيمان ١٩/٣، حيث قال: وضرب الدفّ لا يحل إلا للنساء؛ لأنه في الأصل من أعمالهن، ولعن رسول الله وَ﴿ المتشبهين من الرجال بالنساء. اهـ. ونقل ذلك عنه ابن حجر في كف الرعاع ٨٣/١. سُورَةُ الْقُغَمَانٌ ٣٦ الآية : ٦ وإذا تحقَّق لديك قولُ بعض الكبار بحلِّ شيء من ذلك فلا تغترَّ به؛ لأنه مخالفٌ لِمَا عليه أئمةُ المذاهب الأربعة وغيرهم من الأكابر، المؤيَّدِ بالأدلَّةِ القوية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وكلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك ما عدا رسول الله وَّه، ومَن رُزق عقلاً مستقيماً وقلباً من الأهواء الفاسدةِ سليماً لا يشكُّ في أنَّ ذلك ليس من الدِّين، وأنه بعيدٌ بمراحلَ عن مقاصد شريعة سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. واستدلَّ بعضُ أهل الإباحة على حلِّ الشبابة بما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن نافعٍ عن ابن عمر ◌ًا: أنه سمع صوتَ زمارةٍ راعٍ فجعل إصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع أتسمعُ؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، رجع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله وَلم يفعله(١). وأخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقيُّ عن نافع أيضاً (٢). وسئل عنه الحافظ محمد بن نصر(٣) السَّلاميُّ فقال: إنه حديثٌ صحيح. ووجه الاستدلال به أنه وَ﴾ لم يأمر ابنَ عمر وكان عمره إذ ذاك كما قال الحافظ المذكور سبعَ عَشْرةَ سنةً بسدٍّ أذنيه، ولا نَهى الفاعلَ، فلو كان ذلك حراماً لِأَمَر ونهى عليه الصلاة والسلام، وسدُّ أذنيه عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لكونه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك في حالٍ ذكرٍ أو فكرٍ، وكان السماعُ يشغله عليه الصلاة والسلام والتحيةُ، ويحتمل أن يكون إنما فَعَله ◌َّل تنزيهاً؛ وقال الأذرعيُّ: بهذا الحديث استدلَّ أصحابنا على تحريم المزامير، وعليه بَنَوْا التحريم في الشبابة(٤). اهـ. والحقُّ عندي أنه ليس نصّاً في حُرمتها؛ لأنَّ سدَّ الأذنين عند السماع من باب فِعْلِهِ وَّ﴿ وليس ممَّا وَضح فيه أمرُ الجبلَّة، ولا ثَبَتَ تخصيصُه به عليه الصلاة (١) صحيح ابن حبّان (٦٩٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٥٣٥)، وأبو داود (٤٩٢٤). (٢) شعب الإيمان (٥١٢٠)، وعزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر ١٦٠/٥. (٣) كذا في الأصل و(م) وكف الرعاع ١١٧/١، والزواجر ١٩٦/٢، والصواب: محمد بن ناصر، وهو الإمام أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد السَّلامي البغدادي المحدث الحافظ، وكان من أئمة اللغة أيضاً، توفي سنة (٥٥٠هـ). سير أعلام النبلاء ٢٦٥/٢٠. (٤) الزواجر ١٩٦/٢. الآية : ٦ ٣٧ سُورَةُ الْقُضمان والسلام، ولا ممَّا وضح أنه بيانٌ لنصٍّ علم جهته من الوجوب والندب والإباحة، فإن كان ممَّا عُلِمَتْ صفته فلا يخلو من أن تكون الوجوبَ أو الندبَ أو الإباحةَ، لا جائز أن تكون الوجوبَ المستلزمَ لحرمة سماع اليراع؛ إذ لا قائل بأنه يجبُ على أحدٍ سدُّ الأذنين عند سماع محرَّم؛ إذ يأمن الإثم بعدم القَصْدِ، فقد قالوا: إنَّ الحرام الاستماعُ لا مجرَّدُ السماع بلا قصدٍ، وفي «الزَّواجر)»: الممنوعُ هو الاستماعُ لا السماعُ لا عن قصد اتفاقاً، ومن ثمَّ صرَّح أصحابنا - يعني الشافعيةَ - أنَّ مَن بجواره آلاتٌ محرَّمَةٌ ولا يمكنُه إزالتُها لا يلزمه النقلةُ، ولا يأثمُ بسماعها لا عن قصدٍ وإصغاءٍ (١). اهـ. والظاهر أنَّ الأمر كذلك عند سائر الأئمة. نعم لهم تفصيلٌ في القعود في مكانٍ فيه نحوُ ذلك، قال في ((تنوير الأبصار)) وشَرْحِه ((الدر المختار))(٢): دُعي إلى وليمةٍ وثَمَّةَ لعبٌ وغناءٌ قَعَدَ وأَكَلَ، ولو على المائدة لا ينبغي أن يقعد بل يخرجُ مُعْرِضاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ اٌلْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فإن قدر على المنع فَعَلَ، وإلَّا يَقْدِرْ صَبَرَ(٣) إن لم يكن ممَّن يُقْتَدَى به، فإن كان مقتدى به ولم يقدر على المنع خرج ولا يقعد، لأنَّ فيه شينَ الدِّينِ، والمحكيُّ عن الإمام أبي حنيفةَ ﴿ه كان قبل أن يصير مقتدى به(٤)، وإن عَلم أولاً لا يَحضُرُ أصلاً سواءٌ كان ممن يقتدى به أوْ لا. اهـ فتعيَّن كونُها الندبَ أو الإباحةَ وكلا الأمرين لا يستلزمان الحرمةَ، فيحتمل أن يكون ذلك حراماً أو مكروهاً يندب سدُّ الأذنين عند سماعه احتياطاً من أن يدعوَ إلى الاستماع المحرَّم أو المكروه. وإن كان ممَّا لم تُعلم صفتُه، فقد قالوا فيما كان كذلك: المذاهب فيه بالنسبة إلى الأمة خمسةٌ: الوجوبُ، والندبُ، والإباحة، والوقفُ، والتفصيلُ: وهو أنه إن ظهر قَصْدُ القُربةِ فالندبُ، وإلا فالإباحةُ، ويُعلم مما ذكرنا الحالُ على كلِّ مذهبٍ. (١) الزواجر ١٩٦/٢. (٢) ٣٨٠/٢. (٣) قوله: فإن قدر على المنع فعل وإن لا يقدر صبر ... ، هذا فيما لو كان المنكّر في المنزل لا على المائدة. حاشية ابن عابدين ٣٤٨/٦. (٤) قوله: والمحكي عن الإمام ... ، يعني به قول أبي حنيفة: ابتليتُ بهذا مرةً فصبرتُ هداية. حاشية ابن عابدين ٣٤٨/٦. سُورَةُ القضمان ٣٨ الآية : ٦ والذي يغلبُ على الظنِّ أنَّ ما أشار إليه الخبرُ: إن كان الزمرُ بزمارةِ الراعي على وجه التأنّق وإجراء النغمات التي تحرِّك الشهوات، كما يفعلُه مَن جَعَلَ ذلك صنعتَه اليومَ، فاستماعُه حرامٌ، وسدُّ الأذنين المشارُ إليه فيه لعله كان منه عليه الصلاة والسلام تعليماً للأمة أحدَ طرق الاحتياط المعلوم حالُه؛ لئلا يجرَّهم ذلك إلى الاستماع، وإلا فالاستماعُ لمكان العصمة ممَّا لَا يتصوَّر في حقٌّه وَ لِّ، ومَن عرف قَدْرَ الصحابة واطّلع على سبيلهم وحِرْصِهم على التأسِّي به عليه الصلاة والسلام لم يشكّ في أنَّ ابن عمر ◌َبه سدَّ أذنيه أيضاً تاسِّياً، ويكون حينئذٍ قولُه عليه الصلاة والسلام الذي يشير إليه الخبرُ له ◌ُبه: (أتسمع؟)) على معنى: تَسمَّعْ أَتَسْمَعُ؟ وإنما أسقط ((تسمَّع)) لدلالة الحال عليه؛ إذ مَن سدَّ أذنيه لا يسمع، وإنما أَذِنَ له وَ ◌ّر بذلك لموضع الحاجة، وهذا أقربُ من احتمال كونِ سدِّ الأذنين منه وَّ لأنه كان في حالِ ذكرٍ أو فكرٍ، وكان يشغلُهِ وَلِ عند السماع. وأمَّا عدمُ نهيه عليه الصلاة والسلام مَن كان يَزْمرُ عن الزَّمْرِ والإنكارِ عليه فلا يسلّم دلالتُه على الجواز؛ فإنه يجوز أن يكون الصوتُ جاء من بعيدٍ وبين الزامر وبينه عليه الصلاة والسلام ما يمنعُ من الوصول إليه، أوْ لَمْ يعرف عينَه ◌َّهِ لأنَّ الصوت قد جاء من وراء حجاب، ولا تتحقَّقُ القدرة معه على الإنكار. ويجوز أيضاً أن يكون التحريم معلوماً من قبلُ، وعُلم من النبيِّ وَِّ الإصرارُ عليه، وأن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فِعْلِه، فيكون ذلك كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، وفي مثل ذلك لا يدلُّ السكوتُ وعدمُ الإنكار على الجواز إجماعاً، ومَن قال بأنَّ الكافر غيرُ مكلَّفٍ بالفروع قال: يجوز أن يكون ذلك الزامرُ كافراً، وأنَّ السكوت في حقّه ليس دليلَ الجواز. وإن كان الزمرُ بها لا على وجه التأنق وإجراءِ النغمات التي تحرِّكُ الشهوات فلا بُعْدَ في أن يقال بالجواز والإباحة فعلاً واستماعاً، وسدُّ الأذنين عليه لغايةِ التنزُّهِ اللائقِ به عليه الصلاة والسلام، وقولُ الأذرعيِّ في الجواب: إن قوله في الخبر: زمارة راع، لا يعيِّنُ أنها الشبابةُ، فإنَّ الرعاة يضربون بالشعيبية وغيرها = يوهم أنَّ ما يسمَّى شعيبيةً مباحٌ مفروغٌ منه، وفيه نظرٌ؛ فإنها عبارةٌ عن عدَّةِ قصباتٍ صغارٍ الآية : ٦ ٣٩ سُورَةُ القَمَانٌ ولها إطرابٌ بحسب حذقٍ مُتعاطيها، فهي شبابةٌ أو مزمارٌ لا محالةً(١). وفي إباحة ذلك کلامٌ. وبعد هذا كلِّه نقول: إن الخبر المذكورَ رواه أبو داود وقال: إنه منكر(٢). وعليه لا حجةً فيه للطرفين، وكفى الله تعالى المؤمنين القتال. ثم إنك إذا ابتليتَ بشيءٍ من ذلك فإياك ثم إياك أن تعتقد أنَّ فِعْلَه أو استماعَه قربةٌ كما يعتقد ذلك من لا خَلاقَ له من المتصوِّفة، فلو كان الأمر كما زعموا لَما أَهمل الأنبياء أن يفعلوه ويأمروا أتباعهم به، ولم ينقل ذلك عن أحدٍ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا أشار إليه كتابٌ من الكتب المنزلة من السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ولو كان استعمال الملاهي المطربات أو استماعُها من الدِّين ومما يقرِّبُ إلى حضرة ربِّ العالمين، لبَّنِهِ وَ لِّ وأوضحَه كمالَ الإيضاح لأمته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده ما تركتُ شيئاً يقرِّبكم من الجنة ويباعدُكم عن النار إلا أمرتُكم به، وما تركتُ شيئاً يقرِّبكم من النار ويباعدُكم عن الجنة إلَّا نهيتكم عنه))(٣) وما ذكر داخلٌ في الشقِّ الثاني كما لا يخفى على مَن له قلبٌ سليم وعقلٌ مستقيمٌ، فتأمَّل وأَنْصِفْ، وإياك من الاعتراض قبل أن تُراجِعَ وتَعْرِف، ولنا عودةٌ إن شاء الله تعالى للكلام في هذا المطلب، يسَّر الله تعالى ذلك لنا بحرمة حبيبه الأعظم وَله . واستدلَّ بعضهم بالآية - على القول بأنَّ لهو الحديث الكتبُ التي اشتراها النضر بن الحارث - على حرمة مطالعة كتب تواريخ الفرس القديمة، وسماع ما فيها وقراءتِه. وفيه بحثٌ، ولا يخفى أنَّ فيها من الكذب ما فيها، فالاشتغالُ بها لغير غرضٍ دينيٍّ خوضٌ في الباطل، وعدَّه ابنُ نجيم في رسالته في بيان المعاصي من الصغائر، ومثّل له بذِكْرِ تنُّمِ الملوك والأغنياء(٤)، فافهم هذا. (١) الزواجر ١٩٦/٢. (٢) سنن أبي داود إثر الحديث (٤٩٢٤). (٣) أخرجه هناد في الزهد (٤٩٤)، وابن أبي شيبة ٢٢٧/١٣، والحاكم ٤/٢ من حديث ابن مسعود څ . (٤) رسائل ابن نجیم ص٢٥٢. الآية : ٦ ٤٠ سُورَةُ لِقْضَمَّان ومن الغريب البعيدِ - وفيه جَعْلُ الاشتراء بمعنى البيع - ما ذهب إليه صاحبُ ((التحرير)) قال: يظهر لي أنه أراد سبحانه بلهو الحديث ما كانوا يُظهرونه من الأحاديث في تقوية دينهم والأمرِ بالدوام عليه، وتغييرِ صفة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنَّ التوراة تدلُّ على أنه من ولد إسحاق عليه السلام، يقصدون صدَّ أتباعهم عن الإيمان، وأطلق اسم الاشتراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائلَ من ملوكهم، وقال: يؤيِّده قولُه تعالى: ﴿لُضِلَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ وهو كما ترى. والمراد بسبيله تعالى دينُه عزَّ وجلَّ، أو قراءةُ كتابه سبحانه، أو ما يعمُّهما، واللامُ في ((ليُضِلَّ) للتعليل. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ((ليَضِلَّ) بفتح الياء(١)، والمراد: ليَثْبُتَ على ضلاله ويزيدَ فيه، فإنَّ المخبَرَ عنه ضالٌّ قبلُ، واللامُ للعاقبة، وكونُها على أصلها - كما قيل - بعيدٌ. وجوَّز الزمخشريُّ أن يكون قد وضع ((ليَضِلَّ) على هذه القراءة موضعَ ليُضِلَّ، من قِبَلٍ أنَّ مَن أضلَّ كان ضالاً لا محالةَ، فدلَّ بالرديف وهو الضلال على المردوف وهو الإضلال(٢). ووجهُ الدلالة أنه أريدَ بالضلال الضلالُ المضاعَفُ في شأنٍ مَن جانَبَ سبيلَ الله تعالى وتَرَكَه رأساً، وهذا الضلالُ لا ينفكُّ عن الإضلال وبالعكس، وبه يندفعُ نظرُ صاحب ((الفرائد)» بأنَّ الضلال لا يلزمُه الإضلالُ، وفيه تَوافُقُ القراءتين وبقاءُ اللام على حقيقتها، وهي على الوجهين متعلّقةٌ بقوله سبحانه: (يَشْتَرِى) وقولُه عز وجل: (بِغَيْرِ عِلْرٍ) يجوزُ أن يكون متعلِّقاً به أيضاً، أي: يشتري ذلك بغير علم بحالٍ ما يشتريه، أو بالتجارة حيث استبدل الضلال بالهدى والباطلَ بالحق. ويجوّز أن يكون متعلِّقاً بـ ((يُضِل))، أي: ليُضِلَّ عن سبيله تعالى جاهلاً أنها سبيلُه عز وجل، أو جاهلاً أنه يضلُّ، أو جاهلاً الحقَّ. ﴿وَتَّخِذَهَا﴾ بالنصب عطفاً على ((يُضِلَّ)، والضميرُ للسبيل فإنه مما يذكَّرُ ويؤنَّث، وجوِّز أن يكون للآيات. وقيل: يجوز أن يكون للأحاديث؛ لأنَّ الحديثَ اسمُ جنسٍ بمعنى الأحاديث، وهو كما ترى. ﴿هُزُوًا﴾ أي: مهزوءاً به. (١) التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٩٩/٢. (٢) الكشاف ٣/ ٢٣٠.