النص المفهرس
صفحات 1-20
◌ُ المُعَانى في تَفِي القرآن العظيم والسُّنْع المثَاني تأليفٌ شِهَابُ الدّينْ أبحُ الثَّمَاءِ ◌َجْمُودِ بْن عَبِّدُاللَّهُ الالوسيْ الْبَعْدَادِيْ (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّقَ هَذَا الجزء يَاهِرْ جَبُوشٌ سَاهُمْ في تحقيقه أُخَةٌ طحاسِ حسن المجلد الحادي والمشروم مؤسسة الرسالة -3 ◌ُوعُ المَعَانِى في تَفِ القُرآن ◌َظِيمُ والِسُّنْع المتَاني (٢١) جَمِيعُ الحُقُوق محفوظَة للناشر الطّبعة الأولىْ ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م مؤسسة الرسالة للطبَاعَة وَالسَّشْرَ وَالتّوزيع بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com Al-Resalah Publishing House سُورَة لقغَمَّان أخرج ابنُ الضريس وابن مردويه والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس ﴿ّ أنه قال: أنزلت سورة لقمان بمكة (١). ولا استثناء في هذه الرواية، وفي رواية النحاس في ((تاريخه)) (٢) عنه استثناءُ ثلاث آياتٍ منها، وهي: (وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ) إلى تمام الثلاث، فإنها نزلْنَ بالمدينة، وذلك أنه يَِّ لمَّا هاجر قال له أحبار اليهود: بَلَغَنا أنك تقول: (وَمَآ أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلًا) [الإسراء: ٨٥] أعَنَيْتَنا أم قومَك؟ قال: ((كلَّا عَنَيْتُ)) فقالوا: إنك تعلمُ أننا أوتينا التوراةَ، وفيها بيانُ كلِّ شيءٍ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك في علم الله تعالى قليلٌ)) فأنزل الآيات. ونقل الداني عن عطاء، وأبو حيان عن قتادة، أنهما قالا: هي مكيةٌ إلا آيتين، هما: (وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ) إلى آخر الآيتين (٣) . وقيل: هي مكيةٌ إلا آيَةً، وهي قوله تعالى: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ) فإنَّ إيجابهما بالمدينة. وأنت تعلم أنَّ الصلاة فُرِضتْ بمكةَ ليلة الإسراء كما في صحيح البخاريِّ وغيره(٤)، فما ذُكر من أنَّ إيجابها بالمدينة غيرُ مسلَّم، ولو سلِّم فيكفي كونُهم مأمورين بها بمكةَ ولو ندباً، فلا يتمُّ التقريبُ فيها؛ نعم المشهورُ أنَّ الزكاة إيجابها بالمدينة، فلعل ذلك القائل أراد أن إيجابهما معاً تحقَّق بالمدينة لا أنَّ إيجابَ كلٌّ منهما تحقَّق فيها، ولا يضرُّ في ذلك أنَّ إيجاب الصلاة كان بمكة. (١) فضائل القرآن لابن الضريس ص٣٣، ودلائل النبوة ١٤٤/٧، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٥٨/٥، وعنه نقل المصنف. (٢) كما في الدر المنثور ١٥٨/٥، ولعله أراد ناسخه إلا أنه أطلق عليه ذلك نظراً إلى موضوعه، والخبر في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٧٩/٢. (٣) البيان في عدِّ آي القرآن للداني ص٢٠٦، والبحر ١٨٣/٧. (٤) صحيح البخاري (٣٤٩)، وصحيح مسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر ظ ◌ُه. ٦ سُورَةُ القُضمان وقيل: إنَّ الزكاة إيجابُها كان بمكة كالصلاة، وتقديرُ الأنصباء هو الذي كان بالمدينة، وعليه لا تقريبَ فيهما . وآيُّها ثلاثٌ وثلاثون في المكيِّ والمدنيِّ، وأربعٌ وثلاثون في عدد الباقين. وسببُ نزولها - على ما في ((البحر)) - أنَّ قريشاً سألتْ عن قصة لقمان مع ابنه وعن برِّ والديه، فنزلت(١). ووجه مناسبتها لِمَا قبلها ـ على ما فيه أيضاً - أنه قال تعالى فيما قبلُ: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) وأشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة، وأنه كان في آخر ما قبلها (وَلَيِن جِئْتَهُمْ بِثَايَةٍ) وفيها (وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ مَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبًِ)(٢). وقال الجلال السيوطيُّ: ظهر لي في اتِّصالها بما قَبْلَها مع المؤاخاة في الافتتاح الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم ٣ بـ ((ألم)) أن قوله تعالى: ﴿هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ ( ◌ِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾﴾ متعلّقٌ بقوله تعالى: فيما قبلُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَغَدْ لَبِئْتُمْ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ الآيةَ، فهذا عينُ إيقانهم بالآخرة وهم المحسنون الموصوفون بما ذكر. وأيضاً ففي كلتا السورتين جملةٌ من الآيات وابتداء الخلق. وذكر في السابقة: (فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) وقد فسِّر بالسماع، وذكر هنا: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ) وقد فسِّر بالغناء وآلات الملاهي(٣). اهـ. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك. وأقول في الاتِّصال أيضاً: إنه قد ذكر فيما تقدَّم قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ) وهنا قوله سبحانه: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وكلاهما يفيد سهولةَ البعث وقرَّر(٤) ذلك هنا بقوله عز قائلاً: (إِنَّ اللَّهَ سَيْعٌ بَصِيرُ). (١) البحر ١٨٣/٧. (٢) المصدر السابق. (٣) تناسق الدرر للسيوطي ص٧٣. (٤) في الأصل: ونوّر. الآية : ١ - ٢ ٧ سُورَةُ لِقْغَمَانٌ وذكر سبحانه هناك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم تُنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ )﴾ وقال عز وجل هنا: ﴿وَإِذَا إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةٌ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُنَ غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَالْظلَلِ دَعَواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَمَّا نَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ﴾ فذكر ج سبحانه في كلِّ من الآيتين قِسْماً لم يذكره في الأخرى، إلى غير ذلك. وما ألطفَ هذا الاتّصال من حيث إن السورة الأولى ذكر فيها مغلوبية الروم وغَلَبتهم، المَبْنَّتين على المحاربة بين مَلِكَيْنٍ عظيمين من ملوك الدنيا تَحارَبا عليها وخرجا(١) بذلك عن مقتضى الحكمة؛ فإنَّ الحكيم لا يحارب على دنيا دنيّةٍ لا تعدِلُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذه ذكر فيها قصة عبدٍ مملوك على كثيرٍ من الأقوال، حكيمٍ زاهدٍ في الدنيا، غير مكترثٍ بها ولا ملتفتٍ إليها، أوصى ابنَه بما يأبى المحاربةَ ويقتضي الصبرَ والمسالمةَ، وبين الأمرين من التقابُل ما لا يخفى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الّ ◌َ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ أي: ذي الحكمة، ووَصْفُ الكتاب بذلك عند بعض المغاربة مجازٌ؛ لأنَّ الوصف بذلك للتملُّك وهو لا يملك الحكمة بل يَشْتَمِلُ عليها ويتضمَّنها، فلأَجْلِ ذلك وُصف بالحكيم بمعنى: ذي الحكمة. واستَظْهَر الطيبيُّ أنه على ذلك من الاستعارة المكنية(٢). والحقُّ أنه من باب: ﴿عِيشَةٍ زَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] على حدٍّ: لابِنٍ وتامرٍ. نعم يجوز أن يكون هناك استعارةٌ بالكناية، أي: الناطق بالحكمة كالحي. ويجوز أن یکون الحکیم من صفاته عز وجل ووُصِفَ الکتاب به من باب الإسناد المجازيِّ، فإنه منه سبحانه بدأ، وقد يُوصف الشيء بصفةٍ مبدئه كما في قول الأعشى: وغريبةٍ تأتى الملوك حكيمةٍ قد قلتُها ليقال مَن ذا قالها(٣) (١) في (م): وخرج. (٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) ديوان الأعشى ص١٥١. سُورَة ◌ُ القَمَانٌ ٨ الآية : ٣ - ٤ وأن يكون الأصل: الحكيم مُنْزِلُه، أو: قائلُه، فحذف المضافُ إلى الضمير المجرور وأُقيم المضافُ إليه مقامَه، فانقلب مرفوعاً ثم استكنَّ في الصفة المشبهة . وأن يكون ((الحكيم)) فعيلاً بمعنى مُفْعَل، كما قالوا: عقدتُ العسل فهو عقيد، أي: مُعْقَد، وهذا قليل. وقيل: هو بمعنى حاكم. وتمامُ الكلام في هذه الآية قد تقدَّم في الكلام على نظيرها (١). ﴿هُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ بالنصب على الحالية من ((آيات))، والعاملُ فيهما معنى الإشارة على ما ذكره غيرُ واحد، وبُحث فيه. وقرأ حمزةُ والأعمش والزعفرانيُّ وطلحةُ، وقنبل من طريق أبي الفضل الواسطي ونظيفٍ بالرفع(٢) على الخبر بعد الخبر لـ ((تلك)) على مذهب الجمهور، أو الخبرِ لمحذوفٍ، أي: هي، أو هو، هدى ورحمةٌ عظيمةٌ. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ أي: العاملين الحسنات، والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً للمتعاطفَيْنِ، وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾﴾ إما مجرورٌ على أنه صفةٌ كاشفةٌ أو بدلٌ أو بيانٌ لِمَا قبله، وإمّا منصوبٌ أو مرفوع على القطع، وعلى كلِّ فهو تفسيرٌ لـ ((المحسنين)) على طريقة قول أوس بن حجر: الأَلْمعيّ الذي يَظنُّ بك الظنَّ كأنْ قد رأى وقد سمعا(٣) فقد حكي عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعيِّ فأنشده ولم يَزِدْ عليه (٤). وهذا (١) ٩/١١، عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]. (٢) التيسير ص١٧٦، والنشر ٣٤٦/٢ عن حمزة، وذكرها عنهم أبو حيان في البحر ١٨٣/٧. ونظيف هو ابن عبد الله أبو الحسن الكروي الحلبي، من كبار القراء، قرأ على قنبل في قول جماعة من المحققين، وقيل: بل على أحمد بن محمد اليقطيني عن قنبل. وانفرد عنه الهذلي بتقديم البسملة على التكبير، لم يروه أحد سواه. طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ٣٤٢. (٣) ديوان أوس بن حجر ص ٥٣، والكشاف ٢٢٩/٣، والبحر ١٨٣/٧، ورواية الديوان: لك، بدل: بك. (٤) الكشاف ٢٢٩/٣. الآية : ٥ ٩ سُورَةُالقُغَمَّان ظاهرٌ على تقديرٍ أنْ يراد بالحسنات مشاهيرُها المعهودةُ في الدِّين، وأمّا على تقدير أن يراد بها جميعُ ما يَحْسُنُ من الأعمال، فلا يَظْهَرُ إلا باعتبارٍ جَعْلِ المذكورات بمنزلة الجميع من باب: كلُّ الصيد في جوف الفَرَا(١). وقيل: إذا أُريدَ بالحسنات المذكوراتُ يكون الموصولُ صفةً كاشفةً، وقولُه ﴾ استئنافاً، وإذا أريدَ بها تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَى هُدَى مِنْ زَّيِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ جميعُ ما يَحْسُنُ من الأعمال، وكان تخصيصُ المذكورات بالذكر لفَضْلِ اعتدادٍ بها، يكون الموصول مبتدأً وجملةُ ((أولئك على هدى)» إلخ خبرَه، والكلامُ استئنافٌ بذِكْرِ الصفة الموجبة للاستئهال. وقيل: إنَّ الموصول على التقديرين صفةٌ، إلَّا أنه على التقدير الأول كاشفةٌ، وعلى التقدير الثاني صفةٌ مادحةٌ للوصف لا للموصوف. وبناءُ ((يوقنون)) على ((هم)) للتقوِّي، وأُعيدَ الضمير للتأكيد، ولدَفْعِ تَوهُّمِ كونٍ (بالآخرة)) خبراً، وجَبْراً للفصل بين المبتدأ وخبرِهِ، ولم يؤخّر الفاصلُ للَفاصلةَ. وذكر بعضُ أجلَّة المفسّرين في قوله تعالى أولَ سورة البقرة: ﴿وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [الآية: ٤] أنَّ بناء ((يوقنون)) على ((هم)) يدلُّ على أنَّ مقابليهم ليسوا من اليقين في ظلِّ ولا فَيْءٍ، وأنَّ تقديم «في الآخرة))(٢) يدلُّ على أنَّ ما عليه مُقابِلوهم ليس من الآخرة في شيءٍ، وذلك لإفادةِ تقديم الفاعلِ المعنويِّ وتقديمِ الجارِّ على متعلَّقه الاختصاصَ، فانظر هل يتسنَّى نحوُ ذلك هنا؟ وقد مرَّ أولَ سورة البقرة(٣) ما يُعلم منه وجهُ اختيارِ اسم الإشارة ووجهُ تكراره، وفي الآية كلامٌ بعدُ لا يخفى على مَن راجَعَ ما ذكروه من الكلام على ما يُشْبِهِها هناك وتأمَّلَ، فراجِعْ وتأمَّلْ. (١) الفرأ: حمار الرحش، وهو في المثل دون همز لأن الأمثال موضوعة على الوقف، وأصل المثل أن قوماً خرجوا للصيد فصاد أحدهم ظبياً، وآخر أرنباً، وآخر فرأً، فقال لأصحابه: كل الصيد ... ، أي: كلَّه دونه. جمهرة الأمثال ٢/ ١٦٢، والمستقصى ٢٢٤/٢، ومجمع الأمثال ١٣٦/٢، والقاموس (فرأ). (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: بالآخرة. (٣) ٣٧٢/١-٣٧٣. سُورَةُ القُغَمَانٌ ١٠ الآية : ٦ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعضٌ من الناس، أو بعضُ الناس ﴿مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ أي: الذي - أو فريقٌ - يشتري، على أنَّ مناط الإفادة والمقصود بالأصالة هو اتِّصافُهم بما في حيِّز الصلة أو الصفة، لا كونُهم ذواتٍ أولئك المذكورين. والجملةُ عطفٌ على ما قبلها بحَسَبِ المعنى، كأنه قيل: من الناس هادٍ مهديٌّ، ومنهم ضالٌّ مضلٌّ، أو عطف قصةٍ على قصة. وقيل: إنها حالٌ من فاعل الإشارة، أي: أُشيرُ إلى آيات الكتاب حالَ كونها هدّى ورحمةً والحالُ ((من الناس مَن يشتري)) إلخ. و(لهو الحديث)) على ما روي عن الحسن: كلُّ ما شَغَلكَ عن عبادة الله تعالى وذِكْرِهِ، من السَّمَر والأضاحيك والخرافات والغناء ونحوها، والإضافةُ بمعنى ((من)) إن أريد بالحديث المنكَرُ، كما في حديث («الحديثُ في المسجد يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ البهيمةُ الحشيشَ))(١) بناءً على أنها بيانيةٌ. وتبعيضيةٌ إن أريدَ به ما هو أعمُّ منه بناءً على مذهب بعض النحاة كابن كيسان والسيرافي؛ قالوا: إضافةُ ما هو جزءٌ من المضاف إليه بمعنى ((من)) التبعيضيةٍ، كما يدلُّ عليه وقوعُ الفصل بها في كلامهم، والذي عليه أكثرُ المتأخِّرين وذهب إليه ابن السرَّاجِ (٢) والفارسيُّ - وهو الأصحُّ - أنها على معنى اللام، كما فصَّله أبو حيان في ((شرح التسهيل)) وذكره شارحُ («اللمع)). وعن الضحاك أنَّ لهو الحديث: الشرك. وقيل: السحر. وأخرج ابن أبي شيبة وابنُ أبي الدنيا وابنُ جريرٍ وابنُ المنذر، والحاكمُ وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان))، عن أبي الصهباء قال: سألتُ عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ) قال: هو واللهِ الغناء(٣). وبه فسَّر کثیرٌ. (١) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ١٥٢: لم أقف له على أصل. وسلف ٢٥٨/١٠. (٢) ينظر الأصول في النحو ٥٣/١، والكلام من حاشية الشهاب ١٣٢/٧. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٩/٦، وتفسير الطبري ٥٣٥/١٨، والمستدرك ٤٤٥/٢، والشعب (٥٠٩٨)، وعزاه لابن أبي الدنيا وابن المنذر السيوطي في الدره/ ١٥٩. الآية : ٦ ١١ سُورَةُ القَمَانُ والأحسنُ تفسيرُه بما يعمُّ كلَّ ذلك كما ذكرناه عن الحسن، وهو الذي يقتضيه ما أخرجه البخاريُّ في ((الأدب المفرد)) وابن أبي الدنيا وابن جرير وابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن عباس أنه قال: ((لهو الحديث)) هو الغناءُ وأشباهُه (١). وعلى جميع ذلك يكون الاشتراءُ استعارةً لاختياره على القرآن واستبدالِه به. وأخرج ابن عساكر عن مكحول في قوله تعالى: (مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ) قال: الجواري الضاربات(٢). وأخرج آدم وابن جرير والبيهقيُّ في ((سننه)) عن مجاهد أنه قال فيه: هو اشتراؤُه المغنِّي والمغنِّيّةَ، والاستماعُ إليه وإلى مثله من الباطل(٣). وفي روايةٍ ذكرها البيهقيُّ في ((الشعب))(٤) عن ابن مسعود أنه قال في الآية: هو رجلٌ يشتري جاريةً تغنِيه ليلاً أو نهاراً. واشتهر أنَّ الآية نزلت في النضر بن الحارث؛ ففي روايةٍ جويبرٍ عن ابن عباس(٥) أنه اشتری قینةً فكان لا يسمعُ بأحدٍ یرید الإسلام إلا انطلق به إلی قینته، فيقول: أطعميه واسْقِيه وغنِّيه، ويقول: هذا خيرٌ ممَّا يدعوكَ إليه محمدٌ - وَلَه - من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه. فنزلت. وفي ((أسباب النزول)) للواحدي عن الكلبيِّ ومقاتل أنه كان يخرجُ تاجراً على فارس فيشتري أخبار الأعاجم - وفي بعض الروايات كتبَ الأعاجم - فيرويها ويحدِّثُ بها قريشاً، ويقول لهم: إنَّ محمداً (عليه الصلاة والسلام) يحدِّثكم بحديث (١) الأدب المفرد (٧٨٦) و(١٢٦٥)، وتفسير الطبري ٥٣٥/١٨، وسنن البيهقي ٢٢٣/١٠، وعزاه لابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر ١٥٩/٥ . (٢) تاريخ ابن عساكر ١٤٦/١٨ . (٣) تفسير الطبري ٥٣٧/١٨، وسنن البيهقي ٢٢٥/١٠، وعزاه لآدم (وهو ابن أبي إياس) السيوطي في الدر ١٦٠/٥ . (٤) في الأصل و(م): السنن، وهو خطأ، والمثبت من الدر المنثور ١٦٠/٥، والكلام منه، والخبر في شعب الإيمان (٥١٠٤). (٥) كما في الدر المنثور ١٥٩/٥ . سُورَة ◌ُ الْقُغَمَانٌ ١٢ الآية : ٦ عاد وثمود، وأنا أحدِّثكم بحديثٍ رستم وإسفنديار، وأخبارِ الأكاسرة. فَيَسْتَمْلِحون حديثَه ويتركون استماعَ القرآن، فنزلت(١). وقيل: إنها نزلت في ابن خطل، اشترى جاريةً تغنِّي بالسب(٢). ولا يأبى نزولَها فيمَن ذُكر الجمعُ في قوله تعالى بعدُ: (أُوْلَكَ ◌َُمْ) كما لا يخفى على الفَطِنِ. والاشتراءُ على أكثر هذه الروايات على حقيقته، ويحتاج في بعضها إلى عموم المجاز، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى على مَن دقق النظر، وجَعْلٍ المغنِّية ونحوِها نفسَ لَهْوِ الحديث مبالغةً كما جُعِلَ ((النساء)» في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَآِ﴾ [آل عمران: ١٤] نفس الزينة. وفي ((البحر)): إن أُريدَ بلهو الحديث ما يقع عليه الشراء كالجواري المغنِّيات وككتب الأعاجم فالاشتراءُ حقيقةٌ، ويكونُ الكلام على حذف مضافٍ، أي: مَن يشتري ذاتَ لهوِ الحديث(٣). وقال الخفاجيُّ عليه الرحمة: لا حاجةً إلى تقدير ذات؛ لأنه لمَّا اشتُريت المغنية لغنائها فكأنَّ المشتَرَى هو الغنَاء نفسه(٤). فتدبّره. وفي الآية عند الأكثرين ذمّ للغناء بأعلى صوتٍ، وقد تضافرتِ الآثارُ وكلماتٌ كثيرٍ من العلماء الأخيار على ذمِّه مطلقاً لا في مقام دون مقام، فأخرج ابنُ أبي الدنيا والبيهقيُّ في ((شعبه)) عن ابن مسعود قال: إذا ركّب الرجلُ الدابة ولم يسمِّ رَدَفَه شيطانٌ فقال: تغنَّه. فإن كان لا يُحْسِنُ قال: تمَّه(٥). وأخرجا أيضاً عن الشعبي عن القاسم بن محمد أنه سئل عن الغناء فقال (١) أسباب النزول للواحدي ص٣٦٢. (٢) البحر ١٨٣/٧ . (٣) البحر ٧/ ١٨٣- ١٨٤. (٤) حاشية الشهاب ٧/ ١٣٣. (٥) شعب الإيمان (٥١٠٣)، وعزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر ١٥٩/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٩٤٨١). الآية : ٦ ١٣ سُورَةُ لِقْغَمَانٌ للسائل: أنْهاك عنه وأكرهُه لك. فقال السائل: أحرامٌ هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا ميَّز الله تعالى الحقَّ من الباطل في أيِّهما يَجعَلُ سبحانه الغناء؟(١). وأخرجا عنه أيضاً أنه قال: لعن الله تعالى المغنِّي والمغنَّى له(٢). وفي ((السنن) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَل﴾ ((الغناء ينبتُ النفاقَ في القلب كما ينبتُ الماء البقلَ»(٣) وأخرَج عنه نحوه ابن أبي الدنيا(٤)، ورواه ابن عدي(٥) عن أبي هريرة، والديلميُّ عنه وعن أنس(٦)، وضعَّفه ابن القطان(٧)، وقال النووي(٨): لا يصحُّ، وقال العراقي: رفعُه غير صحيح لأنَّ في إسناده مَن لم يسمَّ(٩). وفيه إشارة إلى أنَّ وقفه على ابن مسعود صحيح وهو في حكم المرفوع إذ مثلُه لا يقال من قِبَلِ الرأي. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي أمامةَ رَُّبهِ أنَّ رسول الله وَّه قال: ((ما رفع أحدٌ صوته بغناءٍ إلا بعث الله تعالى إليه شيطانين يجلسان على مَنْكِبَيْه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك))(١٠). (١) الدر المنثور ١٥٩/٥، وهو في سنن البيهقي ٢٢٤/١٠ من طريق يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن القاسم. (٢) الشعب (٥١٠٥)، وعزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر ١٥٩/٥ . (٣) سنن البيهقي ٢٢٣/١٠، وأخرجه أبو داود (٤٩٢٧) دون التشبيه. وقال الحافظ في التلخيص الحبير ١٩٩/٤ : وفيه شيخ لم يسمَّ، وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن عدي، وقال ابن طاهر: أصح الأسانيد في ذلك أنه من قول إبراهيم. (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود ﴿ه مرفوعاً وموقوفاً، كما في الدر المنثور ١٥٩/٥، وفيض القدير ٤/ ٤١٣. (٥) في الأصل: ورواه عدي، وقوله: ابن عدي، ساقط في (م)، ووقع في مطبوع فيض القدير ٤١٣/٤ (والكلام منه): أبو عدي، والصواب ما أثبتناه، وهو في الكامل ٤/ ١٥٩٠، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣١٠) وقال: هذا حديث لا يصح. (٦) فيض القدير ٤١٣/٤، وهو في مسند الفردوس ١١٥/٣ من حديث أنس (٧) في بيان الوهم والإيهام ٣/ ٢٥٠، ونقله المصنف عنه بواسطة المناوي في فيض القدير. (٨) كما في فيض القدير ٤/ ٤١٣. (٩) المغني عن حمل الأسفار للعراقي على هامش الإحياء ٢٨٦/٢، والكلام من فيض القدير. (١٠) الدر المنثور ١٥٩/٥، وهو قطعة من حديث أخرجه أيضاً الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٨٩٢)، والواحدي في الوسيط ٤٤١/٣، والبغوي ٤٨٩/٣، من طريق سُودَةُ لِقْغَمَانٌ ١٤ الآية : ٦ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقيُّ عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناءَ فإنه ينقصُ الحياءَ، ويزيدُ في الشهوة، ويهدمُ المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعلُ ما يفعلُ السُّكْرُ، فإن كنتم لا بدَّ فاعلين فجنِّبوه النساء فإنَّ الغناء داعيةُ الزنى(١). وقال الضخَّاك: الغناءُ مَنْفَدةٌ للمال، مَسْخَطَةٌ للربِّ، مفسدةٌ للقلب. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذيُّ وابن ماجه وابن جَريرٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبرانيُّ وغيرهم، عن أبي أمامة، عن رسول الله بَّه قال: (لا تبيعوا القَيْناتِ، ولا تشتروهنَّ، ولا تعلِّموهنَّ، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهنَّ، وثَمنُهنَّ حرامٌ، في مثل هذا أُنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ) إلى آخر الآية))(٢). وفي رواية ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله وقالت: ((إنَّ الله تعالى حرَّم القَيْنةَ وبيعَها وثمنَها وتعليمَها والاستماعَ إليها)) ثم قرأ: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ) (٣). ويعودُ هذا ونحوُه إلى ذمُّ الغناء. وقيل: الغناء جاسوسُ القلب، وسارقُ المروءة والعقول، يتغلغلُ في سويداء القلوب، ويطَّلعُ على سرائر الأفئدة، ويدبُّ إلى بيت التخييل فينشر ما غُرِزَ فيها من الهوى والشهوة والسخافة والرعونة، فبينما ترى الرجل وعليه سَمْتُ الوقار وبهاءُ = عبيد الله بن زَخْر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة به. وأخرج قطعة أخرى منه غير المذكورة أحمد والترمذي وابن ماجه كما سيرد قريباً. وعبيد الله بن زحر الإفريقي ضعيف، وعلي بن يزيد الألهاني ضعيف جدًّا. وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٧٤٩) من طريق آخر فيه الوليد بن الوليد، وهو منكر الحديث كما قال الدارقطني وغيره. الميزان ٣٤٩/٤. (١) شعب الإيمان (٥١٠٨)، وعزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر ١٥٩/٥ . (٢) مسند أحمد (٢٢٢٨٠)، وسنن الترمذي (١٢٨٢) و(٣١٩٥)، وسنن ابن ماجه (٢١٦٨)، وتفسير الطبري ٥٣٢/١٨، والمعجم الكبير (٧٨٦٢)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٥٩/٥، وهو قطعة من حديث أبي أمامة السالف وإسناده ضعيف جدًّا كما سلف قريباً. (٣) الدر المنثور ١٥٩/٥، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٠٩)، وأعله بلیٹ بن أبي سليم. الآية : ٦ ١٥ سُورَةُ القُغَمَانٌ العقل وبهجةُ الإيمان ووقارُ العلم، كلامُه حكمةٌ، وسكوتهُ عبرةٌ، فإذا سمع الغناء نقصَ عقلُه وحياؤه، وذهبت مروءته وبهاؤه، فيَسْتَحْسِنُ ما كان قبل السماع يستقبحُه، ويبدي من أسراره ما كان يكتمُه، وينتقل من بهاء السكوت والسكون إلى كثرة الكلام والهذيان، والاهتزازِ كأنه جانٌ، وربما صفَّق بيديه، ودقّ الأرض برجليه، وهكذا تفعل الخمر، إلى غير ذلك. واختلف العلماء في حُكْمِه؛ فحكَى تحريمَه عن الإمام أبي حنيفة رَظُه القاضي أبو الطيب والقرطبيُّ والماورديُّ والقاضي عياض(١). وفي ((التاتارخانية)): اعلم أنَّ الثَّغنِّيَ حرامٌ في جميع الأديان. وذكر في ((الزيادات))(٢) أنَّ الوصية للمغنِّين والمغنِّيات مما هو معصيةٌ عندنا وعند أهل الكتاب. وحُكي عن ظهير الدين المرغيناني(٣) أنه قال: مَن قال لمقرئ زماننا أحسنتَ عند قراءته كَفَر. وصاحبا ((الهداية)) و((الذخيرة)) سمَّياه كبيرةً. هذا في التغنِّي للناس في غير الأعياد والأعراس، ويدخل فيه تغنِّ صوفية زماننا في المساجد، والدعوات بالأشعار والأذكار مع اختلاط أهل الأهواء والمُرْدِ، بل هذا أشدُّ من كلِّ تغنُّ؛ لأنه مع اعتقاد العبادة، وأمَّا التغنِّي وحده بالأشعار لدَفْعِ الوحشة، أو في الأعياد والأعراس، فاختلفوا فيه، والصوابُ منعُه مطلقاً في هذا الزمان. انتهى. وفي ((الدر المختار))(٤): التغنِّ لنفسه لدفع الوحشة لا بأس به(٥) عند العامة (١) تفسير القرطبي ٤٦٢/١٦، وإكمال المعلم للقاضي عياض ٣٠٦/٣. أما الماوردي فقد قال في الحاوي ١٨٨/١٧: كرهه (يعني الغناء) الشافعي وأبو حنيفة ومالك في أصح ما نقل عنهم، فلم يبيحوه على الإطلاق ولم يحظروه على الإطلاق، فتوسطوا فيه بالكراهة بين الحظر والإباحة. (٢) كما في البحر الرائق ٨٨/٧. وكتاب الزيادات في فروع الحنفية لمحمد بن الحسن الشيباني. (٣) هو الحسن بن علي أبو المحاسن، له كتاب الأقضية والشروط، والفتاوى، والفوائد، وغيرها، تفقه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعلى أبيه علي بن عبد العزيز ظهير الدين الكبير المرغيناني المتوفى سنة (٥٠٦هـ). الفوائد البهية ص ١٠٧ و٢٠٤. وينظر كلامه في البحر الرائق ٢٣/٨. (٤) ١٦٨/٢. (٥) جاء في حاشية (م): قوله: لا بأس به .. إلخ، لِمَا جاء عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وكان من زمَّاد الصحابة، وكان يتغنى. وأُجيبَ بأنه يجوز أن يكون = الآية : ٦ ١٦ سُورَةُ الْقُغَمَاتٌ على ما في ((العناية))، وصحَّحه العينيُّ(١) وغيرُه، قال: ولو فيه وعظٌ وحكمةٌ فجائزٌ اتِّفاقاً، ومنهم مَن أجازه في العرس كما جاز ضربُ الدِّ فيه، ومنهم مَن أباحه مطلقاً، ومنهم مَن كرهه مطلقاً. انتهى. وفي ((البحر)): والمذهبُ حرمتُه مطلقاً فانقطع الاختلاف(٢)، بل ظاهرُ (الهداية)) أنه كبيرةٌ ولو لنفسه، وأقرَّه المصنفُ، وقال: ولا تُقبل شهادةُ مَن يسمع الغناء أو يجلسُ مجلسَه. انتهى كلام ((الدر)). وذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي(٣) في كتابه في ((تحريم السماع)) أنَّ الإمام أبا حنيفة يكره الغناء ويجعلُه من الذنوب، وكذلك مذهبُ أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبيٍّ وغيرهم، لا اختلافَ بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافاً بين أهل البصرة في كراهة ذلك والمنعِ منه. انتهى. وكأنَّ مراده بالكراهة الحرمةُ، والمتقدِّمون كثيراً ما يريدون بالمكروه الحرام، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ، عِندَ رَيِّكَ مَكْرُوهَا﴾ [الإسراء: ٣٨]. ونَقَل عليه الرحمةُ فيه أيضاً عن الإمام مالكٍ أنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جاريةً فوجدها مغنِّيةً فله أنْ يردَّها بالعيب. وأنه سُئل: ما (٤) يرخّصُ فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعلُه عندنا الفسَّاق. = معنى يتغنى: ينشد الأشعار، أي: المباحة. اهـ منه، قلت: قوله: زهَّاد، تحرف في حاشية (م) إلى: دهاة، والمثبت من فتح القدير لابن الهمام ٣٦/٦، والبناية في شرح الهداية ٧ / ١٧٥ . (١) جاء في هامش (م): قوله: وصححه العيني، وإليه ذهب شمس الأئمة السرخسي. اهـ منه. وينظر كلام العيني والسرخسي في البناية في شرح الهداية ٧/ ١٧٥، وفتح القدير ٣٥/٦-٣٦. (٢) البحر الرائق ٨٩/٧. (٣) في الأصل و(م): الطرسوسي، وهو تصحيف، والمثبت من إغاثة اللهفان لابن القيم ٣٠٢/١، والكلام منه، ومثله في عون المعبود ٢٢٣/١٣. وأبو بكر الطرطوشي هو محمد بن الوليد بن خلف الفهري الأندلسي، شيخ المالكية، عالم الإسكندرية، له مؤلف في تحريم الغناء، وكتاب في الزهد، ومؤلف في البدع والحوادث، وغير ذلك، توفي سنة (٥٢٠هـ). سير أعلام النبلاء ٤٩٠/١٩. (٤) في إغاثة اللهفان: عما، ومثله في تفسير القرطبي ١٦/ ٤٦٢، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٣٣٦/٢٠. الآية : ٦ ١٧ سُورَةٌ لِقُغَمَان ونُقِلَ التحريم عن جمع من الحنابلة على ما حكاه شارح ((المقنع)»(١) وغيرُه. وذكر شيخ الإسلام ابنُ تيميةً في كتاب ((البلغة)»(٢) أنَّ أكثر أصحابهم على التحريم. وعن عبد الله ابن الإمام أحمد أنه قال: سألتُ أبي عن الغناء؟ فقال: ينبتُ النفاق في القلب، لا يعجبني. ثم ذكر قولَ مالكٍ: إنما يفعلُه عندنا الفسَّاق(٣). وقال المحاسبيُّ في رسالة ((الإنشاد))(٤): الغناء حرامٌ كالميتة. ونَقَل الطرطوشي (٥) أيضاً عن كتاب ((أدب القضاء)) أنَّ الإمام الشافعي قال: إنَّ الغناء لهوٌ مكروهٌ يُشْبِهُ الباطل والمحال، مَن استكثر منه فهو سفيهٌ تُردُ شهادتُه(٦). وفيه أنه صرَّحَ أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على مَن نسب إليه حِلَّه، كالقاضي أبي الطيب الطبري(٧)، والشيخ أبي إسحاق في ((التنبيه))(٨)، وذكر بعضُ تلامذة البغوي في كتابه الذي سماه ((التقريب)) أنَّ الغناء حرامٌ فعلُه وسماعُه. وقال ابن الصلاح في ((فتاواه) بعد كلام طويل: فإذن هذا السماعُ حرامٌ بإجماع أهل الحلِّ والعقد من المسلمين(٩). انتهى. (١) ((الشرح الكبير على كتاب المقنع)) لشمس الدين أبي الفرج ابن قدامة المقدسي ٣٧٠/٢٩. (٢) لم نقف على كتاب البلغة لابن تيمية، وإنما هو لتلميذه أحمد بن إبراهيم الواسطي الحزامي عماد الدين المتوفى سنة (٧١١هـ)، واسم كتابه: البلغة والإقناع في حل شبهة مسألة السماع، وله بلغة أخرى في الفقه الحنبلي، وهو مختصر الكافي. الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص٧١، وكشف الظنون ١/ ٢٥٢. (٣) إغاثة اللهفان ٣٢٧/١، وهو في مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ٣/ ١٠٠٤ دون قول مالك. (٤) في (م): الإنشاء. (٥) في الأصل و(م): الطرسوسي، وهو تصحيف. (٦) ونقل كلام الشافعي في كتاب أدب القضاء أيضاً الغزالي في إحياء علوم الدين ٢٦٩/٢، وابن القيم في إغاثة اللهفان ٣٢٤/١، وهو بنحوه في الأم ٢١٤/٦-٢١٥. (٧) في الأصل و(م): والطبري، وهو خطأ، والمثبت من إغاثة اللهفان ٣٢٤/٢، وعنه نقل المصنف. (٨) إغاثة اللهفان ٣٢٤/١، وكلام أبي إسحاق في التنبيه ص١٢٣، ولفظه: ولا تصح - يعني الإجارة - على منفعة محرَّمة، كالغناء والزمر وحمل الخمر. اهـ. قال ابن القيم: ولم يذكر فيه خلافاً. اهـ. قلت: ولكن أبا إسحاق قال في المهذب ٣٢٧/٢: ويكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة، ولا يحرم. (٩) فتاوى ابن الصلاح ص ٣٠١. سُورَةُ القُعمَّان ١٨ الآية : ٦ والذي رأيته في ((الشرح الكبير للجامع الصغير)) (١) للفاضل المُناويِّ أنَّ مذهب الشافعيِّ أنه مكروهٌ تنزيهاً عند أَمْنِ الفتنة. وفي ((المنهاج)): يُكره الغناءُ بلا آلةٍ. قال العلامة ابن حجر(٢): لِمَا صحَّ عن ابن مسعود ◌َُّه. وذَكَر الحديثَ السابق الموقوفَ عليه، وأنه جاء مرفوعاً من طرقٍ كثيرةٍ بَيَّنها في كتابه ((كفُّ الرَّعاع عن محرَّمات اللهو والسماع))(٣). ثم قال: وزَعْمُ أنه لا دلالةَ فيه على كراهته لأنَّ بعض المباح كلبس الثياب الجميلة ينبتُ النفاقَ في القلب وليس بمكروهٍ، يُردُّ بأنَّا لا نسلم أنَّ هذا ينبتُ نفاقاً أصلاً، ولئن سأَّمناه فالنفاقُ مختلفٌ، فالنفاقُ الذي ينبته الغناءُ من التخنُّث وما يترتَّبُ علیه أقبحُ وأشنع كما لا يخفى. ثم قال: وقد جزم الشيخان - يعني النووي والرافعي - في موضعٍ بأنه معصيةٌ، وينبغي حملُه على ما فيه وصفُ نحوِ خمرٍ أو تشبُّبٌ بأمردَ أو أجنبيةٍ، ونحو ذلك ممَّا يُحْمَلُ غالباً على معصية، قال الأذرعيُّ: أمَّا ما اعتيد عند محاولةٍ عملٍ وحمل ثقيل، كحداء الأعراب لإبلهم والنساءِ لتسكين صغارهنَّ، فلا شكَّ في جوازه، بل ربَّما يُندَبُ إذا نشَّط على سيرٍ، أو رغَّب في خير، كالحداء (٤) في الحجّ والغزو، وعلى هذا يُحْمَلُ ما جاء عن بعض الصحابة. انتهى، وقضيةٌ قولهم: بلا آلَةٍ، حرمتُه مع الآلة، قال الزركشيُّ: لكنَّ القياس تحريمُ الآلة فقط، وبقاءُ الغناء على الكراهة. (٥) انتھی(٥). ومِثْلُ الاختلافِ في الغناء الاختلافُ في السماع، فأباحه قومٌ كما أباحوا الغناء، واستدلُّوا على ذلك بما رواه البخاريُّ عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبيُّ ◌َّ (١) واسمه: فيض القدير، والكلام فيه ٤١٤/٤. (٢) في تحفة المحتاج بشرح المنهاج ٢١٨/١٠. (٣) كف الرعاع على هامش الزواجر ١/ ١٠ و١٦. وقد ذكر فيه الحديث مرفوعاً عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر، وحديث ابن مسعود وأبي هريرة تقدم الكلام فيهما، وأما حديث جابر ففيه علي بن حماد، قال الدارقطني: متروك. وعبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة، وقال ابن الجنيد: لا يساوي فلساً. فيض القدير ٤١٤/٤. (٤) في الأصل: كالجد. (٥) يعني كلام ابن حجر في ((تحفة المحتاج في شرح المنهاج)). الآية : ٦ ١٩ سُورَةٌ لِقْغَمَانٌ وعندي جاريتان تغنِّيان بغناءِ بُعَاث، فاضْطَجَع على الفراش وحوَّل وجهه - وفي روايةٍ لمسلم: تسجَّى بثوبه - ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارةُ الشيطان عند النبيِّ وَّه! فأقبل عليه رسول الله نَّه فقال: ((دعهما))، فلما غَفَلَ غمزْتُهما فخرجتا، وكان يوم عيد، الحديثَ(١). ووجهُ الاستدلال أنَّ هناك غناءً أو سماعاً، وقد أنكر عليه الصلاة والسلام إنكارَ أبي بكر رُه، بل فيه دليلٌ أيضاً على جواز سماع الرجل صوتَ الجارية ولو لم تكن مملوكةً؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سمع ولم ينكر على أبي بكر سماعَه، بل أَنْكَر إنكارَه، وقد استمرَّتا تغنيان إلى أنْ أشارت إليهما عائشةُ بالخروج. وإنكارُ أبي بكر على ابنته ﴿ها مع عِلْمِه بوجود رسول الله وَل﴿ كان لظنِّ أنَّ ذلك لم يكن بعلمه عليه الصلاة والسلام؛ لكونه دخل فوجده مغطّى بثوبه فظنَّه نائماً. وفي ((فتح الباري))(٢): استدلَّ جماعةٌ من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلةٍ وبغيرِ آلَةٍ، ويكفي في ردِّ ذلك ما رواه البخاريُّ أيضاً بُعيدَه عن عائشةَ أيضاً قالت: دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنِيان بما تقاوَلَت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنِّيتين. فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله وَله؟! وذلك في يوم عيدٍ. فقال رسول الله وعليه : (يا أبا بكر إنَّ لكلِّ قوم عيداً وهذا عيدُنا))(٣) فنفت فيه عنهما من طريق المعنَى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأنَّ الغناء يطلقُ على رفع الصوت وعلى الترثُّم الذي تسمِّيه العربُ النَّصْبَ - بفتح النون وسكونِ المهملة - وعلى الحداء، ولا يسمَّى فاعلُه مغنّياً وإنما يسمَّى بذلك مَن ينشدُ بتمطيطٍ وتكسيرٍ وتهييجٍ وتشويقٍ، بما فيه تعريضُ بالفواحش أو تصريحٌ. قال القرطبيُّ(٤): قولُها: ليستا بمغنِّتين، أي: ليستا ممن يَعْرِفُ الغناءَ كما تعرفُه (١) صحيح البخاري (٩٤٩)، وصحيح مسلم (٨٩٢). (٢) ٢ / ٤٤٢. (٣) صحيح البخاري (٩٥٢). (٤) هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم، والكلام من كتابه: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ٢/ ٥٣٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن حجر في الفتح ٢/ ٤٤٢. الآية : ٦ ٢٠ سُورَةُ لِقْضَمَانٌ المغنِّياتُ المعروفاتُ بذلك، وهذا منها تحرُّزٌ(١) عن الغناء المعتاد عند المشتهِرينَ به، وهو الذي يحرك الساكنَ ويبعثُ الكامن، وهذا النوعُ إذا كان في شعرٍ فيه وصفُ محاسنِ النساء والخمرِ وغيرِهما من الأمور المحرَّمة لا يُختلفُ في تحريمه، وأمَّا ما ابتدعه الصوفيةُ في ذلك فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه، لكنَّ النفوس الشهوانيةَ غَلَبتْ على كثيرٍ ممن يُنسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت في (٢) كثيرٍ منهم فعلاتُ المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركاتٍ متطابقةٍ وتقطيعاتٍ متلاحقة، وانتهى التواقُحُ بقومٍ منهم إلى أن جعلوها من باب القُرَبِ وصالح الأعمال، وأنَّ ذلك يُثْمِر سَنيَّ الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقولِ أهلِ المَخْرَقة، والله تعالى المستعان. انتهى كلام القرطبي، وكذا الغرضُ من كلام ((فتح الباري))، وهو كلامٌ حسنٌ، بيدَ أنَّ قوله: وإنما يسمَّى بذلك مَن يُنْشِدُ .. إلخ، لا يخلو عن شيءٍ، بناءً على أنَّ المتبادر عمومُ ذلك لِمَا يكونُ في المنشَدِ منه(٣) تعريضُ أو تصريحٌ بالفواحش ولِمَا لا يكونُ فيه ذلك. وقال بعض الأجلَّة: ليس في الخبر الإباحةُ مطلقاً، بل قُصارى ما فيه إباحتُه في سرورٍ شرعيٍّ كما في الأعياد والأعراس، فهو دليلٌ لمن أجازه في العرس كما أجاز ضرب الدُّفِّ فیه. وأيضاً إنكارُ أبي بكر ظُهُ ظاهرٌ في أنه كان سمع من رسول الله وَّرِ ذَّ الغناءِ والنهيَ عنه، فظنَّ عمومَ الحُكْم فَأَنْكَر، وبإنكاره عليه الصلاة والسلام عليه إنكارَه تبيَّن له عدمُ العموم. وفي الخبر الآخَرِ ما يدلُّ على أنه أوضحَ له ◌َِّ الحالَ مقروناً ببيانِ الحكمة، وهو أنه يومُ عيدٍ فلا يُنْكَرُ فيه مثلُ هذا، كما لا يُنْكَر في الأعراس. ومع هذا أشار ◌َّرَ بالتفافه بثوبه وتحويلٍ وجهه الشريف إلى أنَّ الإعراض عن ذلك أولی. وسماعُ صوتِ الجاريةِ الغيرِ المملوكة بمثلِ هذا الغناء إذا أُمِنَتِ الفتنةُ مما لا بأس به، فليكن الخبرُ دليلاً على جوازه. (١) في الأصل و(م): وهذا منهما تجوز، والمثبت من المفهم وفتح الباري. (٢) في المفهم والفتح: من. (٣) قوله: منه، ليس في الأصل.