النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ٤٩ ٤٨١ سُورَةُ الرُّومِ فاجؤوا الاستبشارَ بمجيء الخصب ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ٤٨ يُنَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ الوَدْقُ ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ أي: التنزيلِ ﴿لَمُبْلِينَ ﴾﴾ أي: آيِسِينَ. والتكريرُ للتأكيد، وأفاد - كما قال ابن عطية(١) - الإعلامَ بسرعة تقلُّبٍ قلوبٍ البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أنَّ ((من قَبْلِ أن ينزَّل عليهم)) يحتملُ الفسحةً في الزمان فجاء ((من قبله)) للدلالة على الاتّصال ودَفْع ذلك الاحتمال. وقال الزمخشريُّ: أكَّد ليدلَّ على بُعْدِ عهدهم بالمطر، فيُفهَمُ منه استحكامُ يأسهم(٢). وما ذكره ابن عطية أقربُ؛ لأنَّ المتبادر من القَبْليةِ الاتصالُ، وتأكيدُه(٣) داٌّ على شدَّته. وأبو حيان أنكر على كِلَا الشيخين وقال: ما ذكراه من فائدة التأكيد غيرُ ظاهرٍ، وإنما هو عندي لمجرَّدِ التأكيد، ويفيدُ رَفْعَ المجاز فقط (٤). وقال قطرب: ضمير ((قبله)) للمطر، فلا تأكيدَ. وأنت تعلم أنه يصيرُ التقدير: مِن قَبْلِ تنزيلِ المطر من قَبْلِ المطر، وهو تركيبٌ لا يَسوغُ في كلامٍ فصيحٍ فضلاً عن القرآن. وقيل: الضمير للزرع الدالٌ عليه المطر، أي: من قبل تنزيلِ المطر من قبل أن يَزْرَعوا. وفيه أنَّ((من قبل أن ينزَّل)) متعلِّقٌ بـ ((مبلسين)) ولا يمكن تعلُّق ((من قبله)) به أيضاً لأنَّ حرفي جرِّ بمعنّى لا يتعلَّقان بعاملٍ واحدٍ، إلا أن يكون بوساطة حرفٍ العطف، أو على جهة البدل، ولا عاطفَ هنا ولا يصحُّ البدل ظاهراً. وجوَّز بعضُهم فيه بدلَ الاشتمال مكتفياً فيه بكونِ الزرع ناشئاً عن التنزيل، فكان التنزيلُ مشتملاً علیه، وهو كما ترى. وقال المبرِّد: الضمير للسحاب؛ لأنهم لمَّا رأوا السحابَ كانوا راجينَ المطرِ، والمراد: من قبل رؤيةِ السحاب. ويحتاج أيضاً إلى حرف عطفٍ حتى يصحّ تعلُّقُ الحرفين بـ ((مبلسين)). (١) في المحرر الوجيز ٣٤٢/٤. (٢) الکشاف ٢٢٦/٣. (٣) في (م): وتأكيد، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ١٢٧. (٤) البحر ١٧٩/٧ . سُدَةُ الُومِ ٤٨٢ الآية : ٥٠ وقال علي بن عيسى(١): الضمير للإرسال. وقال الكرمانيُّ: للاستبشار؛ لأنه قُرن بالإبلاس، ومُنَّ عليهم به. وأُورد عليهما أمرُ التعلُّقِ من غيرِ عطفٍ كما أُورد على مَن قَبْلَهما، فإن قالوا بحذف حرف العطف، ففي جوازه في مثل هذا الموضع قياساً خلافٌ. واختار بعضُهم كونَه للاستبشار على أنَّ (مِن)) متعلِّقةٌ بـ ((ینزَّل))، و(مِن)) الأولى متعلِّقة بـ (مبلسين))؛ لأنه يفيدُ سرعةَ تقلُّب قلوبهم من اليأس إلى الاستبشار بالإشارة إلى غايةٍ تقارُبٍ زمانيهما ببيانِ اتِّصالِ اليأس بالتنزيل المتصلِ بالاستبشار بشهادة (إذا)) الفجائية، فتأمل. و((إنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، واللامُ في ((لمبسلين)) هي الفارقة، ولا ضميرَ شأنٍ مقدَّراً لـ ((إنْ)) لأنه إنما يقدَّر للمفتوحة، وأمَّا المكسورةُ فيجب إهمالُها كما فصَّله في ((المغني))(٢)، وبعضُ الأجلَّة قال بالتقدير. ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ المترتبة على تنزيل المطر، من النبات والأشجار وأنواع الثمار، والفاءُ للدلالة على سرعة ترتُّبها عليه. وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو وأبو بكر: ((أَثَر)) بالإفراد وفَتْح الهمزة والثاء(٣). وقرأ سلام: ((إِثْر)) بكَسْرِ الهمزة وإسكانِ الثاء(٤). وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يٍُّ﴾ أي: الله تعالى ﴿اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا﴾ في حيِّز النصب بنزع الخافض، و((كيف)) معلِّقٌ لـ ((انظر))، أي: فانظر لإحيائه تعالى البديعِ للأرض بعد موتها. وقال ابن جنِّي: على الحالية بالتأويل، أي: محيياً (٥). وأيًّا ما كان فالمرادُ بالأمر بالنظر التنبيهُ على عظيم قدرته تعالى، وسعةِ رحمتهٍ عز وجل مع ما فيه من التمهيد لِمَا يعقبُه من أمر البعث. (١) هو الرماني، ونقل المصنف كلامه وكلام غيره في هذه المسألة عن البحر ١٧٩/٧ . (٢) ص٣٦-٣٧، وهذا الوجوب إذا دخلت على الفعل، وأما إذا دخلت على الجملة الاسمية فقد قال ابن هشام: يجوز إعمالها خلافاً للكوفيين. (٣) التيسير ص ١٧٥، والنشر ٢/ ٣٤٥، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب من العشرة. (٤) المحرر الوجيز ٣٤٢/٤، والبحر ١٧٩/٧ . (٥) البحر ١٧٩/٧، وينظر المحتسب ٢/ ١٦٥. الآية : ٥١ ٤٨٣ سُورَةُ الُوضِ وقرأ الجحدريُّ وابن السميفع وأبو حيوة: ((تحيي)) بتاء التأنيث(١)، والضميرُ عائد على الرحمة، وجوّز على قراءة الحِرْميين ومَن معهما أن يكون الضميرُ للأثر على أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وليس بشيءٍ كما لا يخفى(٢). ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ العظيم الشأن ﴿لَمُحِى الْمَوْقٌ﴾ لقادرٌ على إحيائهم، فإنه إحداثٌ لِمِثْلِ ما كان في موادِّ أبدانهم من القوى الحيوانية، كما أنَّ إحياء الأرض إحداثٌ لِمِثْلِ ما كان فيها من القوى النباتية. وقيل: يحتمل أن يكون النباتُ الحادثُ من أجزاءٍ نباتيةٍ تفتَّتت وتبدَّدتْ واختلطت بالتراب الذي فيه عروقُها في بعض الأعوام السالفة، فيكون كالإحياء بعينه، بإعادة الموادِّ والقوى لا بإعادة القوى فقط. وهو احتمالٌ واهي القوى بعيدٌ، ولا نسلِّم أن المسلم المسترشِدَ يعلم وقوعه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، أي: مبالغٌ في القدرة على جميع الأشياء التي من جملتها إحياؤهم؛ لِمَا أنَّ نسبة قدرته عز وجل إلى الكلِّ سواءٌ. ﴿وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيْحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: النباتَ المفهومَ من السياق كما قال أبو حيان(٣)، أو الأثرَ المدلولَ عليه بالآثار، أو النباتَ المعبَّرَ عنه بها على ما قاله بعضُهم. والنباتُ في الأصل مصدرٌ يقع على القليل والكثير، ثم سمِّي به ما يَنْبتُ. وقال ابن عيسى: الضميرُ للسحاب؛ لأنه إذا كان مصفرًّا لم يُمطر. وقيل: للريح، وهي تذكَّرُ وتؤنَّث، وكِلَا القولين ضعيفان كما في ((البحر)(٤). وقرأ جناح بن حبيش: (مُصْفَارًا)) بألفٍ بعد الفاء(٥). (١) المحتسب ١٦٥/٢، والبحر ١٧٩/٧. (٢) لأن اكتساب التأنيث من الإضافة لا يجوز إلا إذا كان المضاف بمعنى المضاف إليه، أو من سببه، وأما إذا كان أجنبيًّا فلا يجوز، وهذا أجنبي. البحر ١٧٩/٧، والدر المصون ٥٣/٩. (٣) في البحر ١٧٩/٧ . (٤) المصدر السابق. (٥) القراءات الشاذة ص١١٦، والبحر ١٧٩/٧ . سُوَّةُ الْرُوفِ ٤٨٤ الآية : ٥٢ واللام في ((لئن)) موظّئةٌ للقسم دخلت على حرف الشرط، والفاءُ في ((فرأوه)) فصيحةٌ، واللامُ في قوله تعالى: ﴿لَّظَلُوا﴾ لامُ جوابِ القسم السادِّ مسدَّ الجوابين، والماضي بمعنى المستقبل، كما قاله أبو البقاء ومكِّي وأبو حيان وغيرُهم (١)، وعلِّل ذلك بأنه في المعنى جوابُ ((إنْ)) وهو لا يكون إلَّا مستقبلاً. وقال الفاضل اليمنيُّ: إنما قدَّروا الماضي بمعنى المستقبل من حيث إن الماضي إذا كان متمكِّناً متصرِّفاً ووقع جواباً للقسم فلا بدَّ فيه من ((قد)) واللام معاً، فالقصرُ على اللام لأنه مستقبلٌ معنّى. وفيه نظر. وقدَّروه بمضارعٍ مؤَّدٍ بالنون، أي: وبالله تعالى لئن أرسلنا ريحاً حارَّةً أو باردةً فضربتْ زَرْعَهم بالصَّفَارِ، فرأوه مصفرًّا بعد خُضْرتِهِ ونَضَارَتِهِ ليَظلَّنَّ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد الإرسال، أو من بعد اصفرارٍ زرعهم. وقيل: من بعد كونهم راجينَ مستبشرين ﴿يَكْفُرُونَ ﴾﴾ من غير تلعثُم نعمةَ الله تعالى. وفيما ذكر من ذمِّهم بعدم تثبُّتهم وسرعةٍ تَزَلْزُلِهم بين طرفي الإفراط والتفريط مالا يخفى، حيث كان الواجبُ عليهم أن يتوكَّلوا على الله سبحانه في كلِّ حالٍ، ويلجؤوا إليه عزَّ وجلَّ بالاستغفار إذا احتبس عنهم المطرُ ولا ييأسوا من رَوْح الله تعالى، ويبادروا إلى الشكر بالطاعة إذا أصابهم جلَّ وعلا برحمته ولا يُفْرِطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه تعالى إذا اعْتَرَى زَرْعَهم آفةٌ ولا يكفروا بنعمائه جلَّ شأنُه، فعَكَسوا الأمر وأَبَوْا ما يُجْدِيهم وأَتَوْا بما يؤذيهم. ولا يخفى ما في الآيات من الدلالة على ترجيح جانب الرحمة على جانب العذاب، فلا تغفل. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسَمِعُ الْمَوْقَى﴾ تعليلٌ لِمَا يُفْهَم من الكلام السابق، كأنه قيل: لا تَحْزَن لعدم اهتدائهم بتذكيرك فإنك .. إلخ. وفي ((الكشف)): اعْلَمْ أنَّ قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِى بُرْسِلُ الرِيَحْ) كلامٌ سيقَ مقرِّراً لِمَا فُهِمَ من قوله سبحانه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلَّا إلَى قَوْمِهِمْ) الآيةً لدلالته على أنه عزَّ وجلَّ ينتقمُ من المكذِّبين برسول اللهِّهِ وينصُرُ متابِعِيهِ، فذكر فيه من البيّنات ما أُجْمِلَ هنالك مما يدلُّ على القدرة والحكمة والرحمة، واختير من الأدلّة ما يجمع (١) الإملاء ١٧٩/٤، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٦٣، والبحر ١٨٠/٧. الآية : ٥٣ ٤٨٥ سُؤَدَةُ الُومِن الثلاثةَ، وفيه ما يرشِدُ إلى تحقيق طرفي الإيمان، أعني المبدأ والمعاد، وصرَّح بكفرانهم بالنعمة وذمّهم في الحالات الثلاث؛ لأنَّ ذلك مما يعرفُه أهل الفطر السليمة ويتخلَّق به، وأَدْمَجَ فيه دلالته على المعاد بقوله تعالى: (فَأَنْظُرْ إِلَى ◌َاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ) ولمَّا فرغ من حديث ذمِّهم بنَى على هذا المدمَج وما دلَّ عليه سياقُ الكلام من تماديهم في الضلالة مع (١) مثل هذه البيِّنات التي لا أتمَّ منها في الدلالة، فقال سبحانه: (فَإِنَّكَ لَا تُتْمِعُ) إلى قوله تعالى: (فَهُم ◌ُسْلِمُونَ) وفيه أنهم إذاً لا محالةَ من الذين ينتقمُ منهم، وأنك وأشياعك من المنصورين، والله تعالى أعلم. اهـ، فتأمَّله مع ما ذكرنا . وقد تقدَّم الكلامُ في هذه الجملة خاليةً عن الفاء في سورة النمل(٢)، وكذا في وَمَا أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْيِ عَن ٥٢ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسَمِعُ الصَُّّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوَأْ مُدْيِنَ ضَلَلَئِهِمَّ إِن تُسَمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِكَايَلَيْنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾﴾ بيد أنَّا نذكر هنا ما ذكره الأجلَّة في سماع الموتى وفاءً بما وعدنا هنالك، فنقول ومن الله تعالى التوفيقُ: نُقِلَ عن العلّامة ابنِ الهمام أنه قال: أكثرُ مشايخنا على أنَّ الميت لا يسمع؛ استدلالاً بقوله تعالى: (فَإِنَّكَ لَا تُنْيِعُ الْمَوْقَ) ونحوِها، يعني من قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِع مَن فِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ولذا لم يقولوا بتلقين القبر، وقالوا: لو حلف: لا يكلِّم فلاناً، فكلَّمه ميتاً لا يَحْنَثُ(٣). وحكى السفارينيُّ في ((البحور الزاخرة)) أنَّ عائشةَ ذهبت إلى نفي سماع الموتى(٤)، ووافقها طائفةٌ من العلماء على ذلك، ورجَّحه القاضي أبو يعلى من أكابر أصحابنا - يعني الحنابلة - في كتابه ((الجامع الكبير))، واحتجُّوا بقوله تعالى: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَ) ونحوِهِ. وذهبت طوائفُ من أهل العلم إلى سماعهم في الجملة، وقال ابن عبد البرِّ : إنَّ (١) قوله: مع، ساقط من (م). (٢) عند تفسير الآية (٨٠) منها . (٣) فتح القدير لابن الهمام ٤٤٦/١-٤٤٧، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٢٨/٧. (٤) أخرجه البخاري (٣٩٧٨) و(٣٩٧٩)، ومسلم (٩٣٢)، وسيأتي بتمامه قريباً. سُؤَدَّةُ الُومِن ٤٨٦ الآية : ٥٣ الأكثرين على ذلك. وهو اختيارُ ابن جرير الطبريٌّ(١)، وكذا ذكر ابنُ قتيبة وغيرُه، واحتجُّوا بما في الصحيحين عن أنس عن أبي طلحةً ﴿يَا قال: لمَّا كان يومُ بدٍ وظهر عليهم - يعني مشركي قريش - رسول الله وَّ، أَمَرَ ببضعةٍ وعشرين رجلاً - وفي روايةٍ: أربعٍ وعشرين رجلاً - من صناديد قريشٍ فألقوا في طويٍّ - أي: بئرٍ - من أطواءٍ بدرٍ،َ وأنَّ رسول الله وَ ير ناداهم: ((يا أبا جهل ابن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، أليس قد وجدتُم ما وَعَدَ ربُّكم حقًّا؛ فإني قد وجدتُ ما وعد ربِّي حقًّا؟)) فقال عمر ◌َله: يا رسول الله، ما تكلِّمُ من أجسادٍ لا أرواحَ لها؟! فقال: (والذي نفسُ محمدٍ بيده ما أنتم بأَسْمَعَ لِمَا أقولُ منهم)»(٢)، زاد في روايةٍ لمسلم عن أنس: ((ولكنَّهم لا يقدرون أن يجيبوا))(٣) . وبما أخرجه أبو الشيخ من مرسَلِ عبيد بن مرزوق قال: كانت امرأةٌ بالمدينة تَقُمُّ المسجد فماتت، فلم يعلم بها النبيُّ وَّةِ، فمرَّ على قبرها فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما هذا القبر؟)) فقالوا: أم مِحْجَن. قال: ((التي كانت تقمُّ المسجد؟)) قالوا: نعم. فصفَّ الناسَ فصلَّى عليها، فقال وَّهِ: ((أيّ العمل وجدتِ أفضل؟)) قالوا: يا رسول الله، أتسمع؟ قال: ((ما أنتم بأسمعَ منها)) فذكر عليه الصلاة والسلام أنها أجابته: ((فَمّ المسجد))(٤). وبما رواه البيهقيُّ والحاكم وصحَّحه وغيرهما عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌ِله وقف على مصعب بن عمير وعلى أصحابه حين رجعٍ من أحد، فقال: ((أشهد أنكم أحياءٌ عند الله تعالى، فزوروهم وسلِّموا عليهم، فوالّذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحدٌ إلا ردُّوا عليه إلى يوم القيامة)) (٥) . (١) في الأصل و(م): والطبري، وينظر تفسير الطبري ٥٢٤/١٨ ٣٥٩/١٩. (٢) صحيح البخاري (٣٩٧٦)، وصحيح مسلم (٢٨٧٥). (٣) صحيح مسلم (٢٨٧٤). (٤) الترغيب والترهيب ٢٦٨/١. قال المنذري: قمُّ المسجد: كَنْسُه. وأخرجه بنحوه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) من حديث أبي هريرة حبه، إلى قوله: فصلى عليها. وليس فيه ذكر اسم المرأة. وأخرجه البيهقي ٤٨/٤ من حديث بريدة ۵۵، فذكر اسمها أم محجن، وحسنه الحافظ في الفتح ١/ ٥٥٣. (٥) المستدرك ٢٤٨/٢، والمعجم الأوسط (٣٧٠٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٣/٦ : = الآية : ٥٣ ٤٨٧ سُورَةُ الُومِنْ وبما أخرج ابنُ عبد البرِّ - وقال عبد الحقِّ الإشبيليُّ: إسناده صحيح - عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما من أحدٍ يمرُّ بقبرِ أخيه المؤمنِ كان يعرفُه في الدنيا يسلِّمُ عليه إلا عَرَفَه وردَّ عليه))(١). وبما أخرج ابنُ أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: الروحُ بيد ملكٍ يمشي به مع الجنازة، يقول له: أتسمعُ ما يقال لك؟ فإذا بلغ حفرتَه دفنه معه(٢). وبما في الصحيحين من قوله وَله: ((إنَّ العبد إذا وُضع في قبره وتولَّى عنه أصحابُه، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالهم))(٣). وأجابوا عن الآية؛ فقال السهيليُّ: إنها كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُشَمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ﴾ [الزخرف: ٤٠] أي: إنَّ الله تعالى هو الذي يُسْمِعُ ويَهْدي (٤). وقال بعض الأجلَّة: إنَّ معناها: لا تُسْمِعُهم إلا أن يشاء الله تعالى، أو: لا تُسمعهم سماعاً ينفعهم، وقد يُنفَى الشيءُ لانتفاء فائدته وثمرته، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْبٌُ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩]، وهذا التأويلُ يجوز أن يعتبر في قوله تعالى: (وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ) ويكون نكتةُ العدول عن: فإنك لا تُسْمِعُ الموتَى ولا الصمَّ، إلى ما في النظم الجليل العنايةَ بنفي الإسماع، ويجوز أن لا يعتبر فيه ويبقى الكلامُ على ظاهره، ويكون نكتةُ العدول الإشارةَ إلى أنَّ ((لا تُسمع)) في كلٍّ من الجملتين بمعنّی. وقال الذاهبون إلى عدم سماعهم: الأصلُ عدمُ التأويل، والتمسُّكُ بالظاهر إلى = فيه عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك. اهـ. وقال الذهبي في التلخيص: أنا أحسبه موضوعاً. (١) الاستذكار ١٦٥/٢، وكلام عبد الحق في الأحكام الوسطى ١٥٢/٢-١٥٣، والصغرى ٣٤٥/١. (٢) ذكره بإسناد عن ابن أبي الدنيا السيوطي في الحاوي ٣٠٥/١. (٣) صحيح البخاري (١٣٣٨)، وصحيح مسلم (٢٨٧٠) من حديث أنس به، وهو عند أحمد (١٢٢٧١). (٤) الروض الأنف ٣/ ٦٢. سُورَةُ الُوفِ ٤٨٨ الآية : ٥٣ أن يتحقَّق ما يقتضي خلافَه، وأجابوا عن كثيرٍ مما استَدلَّ به الآخرون؛ فقال بعضهم: إنَّ ما وقع في حديث أبي طلحةً ظُه يجوزُ أن يكون معجزةً له نَِّ، وهو مرادُ مَن قال: إنَّه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، وهي من خوارق العادة، والكلامُ في مُوافقها(١)، وهو الذي نُفي في آية (فَإِنَّكَ لَا تُْمِعُ الْمَوْقَ) ونحوها، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم)) دون: ما أنتم بأسمعَ لما يقال - ونحوه - منهم، تأييدٌ ما لذلك. وحديث أبي الشيخ مرسلٌ، وحكمُ الاستدلال به معروفٌ، على أنَّ احتمال الخصوصية قائمٌ فيه أيضاً. وفي ((صحيح البخاريِ)): قال قتادة: أحياهم الله تعالى - يعني أهلَ الطويِّ - حتى أسمعهم قولَه ◌َّه توبيخاً وتصغيراً ونقمةً وحسرةً وندماً(٢). ويؤيِّد(٣) ما أخرج البخاريُّ ومسلم والنسائيُّ وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر قال: وقف النبيُّ ◌َّهِ على قليب بدرٍ فقال: ((هل وجدتُم ما وعدكم ربُّكم حقًّا؟)) ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إنهم الآن يسمعون ما أقول)) (٤) حيث قيّد ◌َلّز سماعَهم بالآن. وإذا قلنا بأن الميت يُسأل سبعةً أيام في قبره مؤمناً كان أو منافقاً أو كافراً، وأنه حين السؤالِ تُعاد إليه روحه، كان لك أن تقول: يجوزُ أن يكون خطابُ أهلِ القليب حين إعادةٍ أرواحهم إلى أبدانهم للسؤال، فإنه كما في حديثٍ أخرجه أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ كان في اليوم الثالث من قَتْلِهم(٥). ويحتملُ أن يكون خطابُهُ وَِّ لأمِّ مِحْجَنٍ كان وقتَ السؤال، بأنْ يكون ذلك قبل مضيٍّ سبعةٍ أيامٍ عليها، وعليه لا يكون سماعُهم من المتنازَع فيه؛ لأنهم حين سمعوا أحياءٌ لا موتی. (١) أي: العادة. (٢) صحيح البخاري إثر الحديث (٣٩٧٦). (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ويؤيده. (٤) صحيح البخاري (٣٩٨٠) و(٣٩٨١)، والمجتبى ١١٠/٤، ولم نقف على هذا اللفظ عند مسلم، وأخرجه أحمد (٤٨٦٤) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر ١٥٧/٥، وعنه نقل المصنف. (٥) صحيح البخاري (٣٩٧٦)، وصحيح مسلم (٢٨٧٤) و(٢٨٧٥)، ومسند أحمد (١٢٤٧١)، ونقل المصنف تخريجه عن الدر المنثور ١٥٨/٥ . الآية : ٥٣ ٤٨٩ سُؤَّةُ الرّوُضِ ويَرِدُ على هذا أنَّ عمر ◌َبه قال له عليه الصلاة والسلام: ما تكلّم من أجسادٍ لا أرواحَ لها؟! ولم ينكر ذلك عليه وَّر، بل قال عليه الصلاة والسلام له: ((ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهم)) ولو كان الأمر كما قال قتادة لكان الظاهرُ أن يقول وَله له رَؤُه: ليس الأمرُ كما تقول إنَّ الله عزَّ وجلَّ أحياهم لي، أو نحو ذلك. وعائشةُ رَّا أنكرت ما وقع في الحديث مما استدلَّ به على المقصود، ففي (صحيح البخاري)) عن هشام عن أبيه قال: ذُكر عند عائشةَ أنَّ ابن عمر رفع إلى رسول الله وَلَه((إنَّ الميت يعذَّبُ ببكاء أهله عليه)) فقالت: وَهَلَ (١) ابنُ عمر، إنما قال رسول الله وَ﴾: ((إنه ليعذَّب بخطيئته وذنبه، وإنَّ أهله ليبكون عليه الآن)) قالت: وذلك مثلُ قوله: إنَّ رسول الله وَ ◌ّر قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: ((إنهم ليسمعون ما أقول)) إنما قال: ((إنهم الآنَّ ليعلمون أنَّ ما كنتُ أقول لهم حقٌّ) ثم قرأتْ: (فإنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَ)، (وَمَآ أَنَتَ بِمُسْيِع ◌َن فِ اُلْقُرِ)(٢). وتعقّب ذلك السهيليُّ فقال: عائشةُ مَّا لم تَحْضُرْ قولَ النبيِّ وَّهِ، فغيرُها ممَّن حضر أحفظُ لِلَفْظِه عليه الصلاة والسلام، وقد قالوا له: يا رسول الله أتخاطبُ قوماً قد جيَّفوا؟ فقال: ((ما أنتم بأسمعَ لِمَا أقول منهم)). قالوا: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمينَ - يعني كما تقول عائشةُ - جاز أن يكونوا سامعين(٣). اهـ. وهو کلام قويٌّ. ولا يَقْدحُ عدمُ حضورها في روايتها لأنه مرسلُ صحابيٍّ، وهو محمولٌ على أنه سَمِعَ ذلك ممَّن حضره أو من النبيِّ وَّهِ، ولو كان ذلك قادحاً في روايتها لقَدَحَ في رواية ابن عمر السابقةِ فإنه لم يحضر أيضاً، ولا مانعَ من أن يكون النبيُّ عليه الصلاة والسلام قال اللفظين جميعاً؛ فإنه كما عُلم من كلام السهيليِّ لا تعارُضَ بينهما . (١) أي: ذهب وهمه إلى ذلك. ويجوز بمعنى: سها وغلط، يقال منه: وَهِلَ في الشيء وعن الشيء بالكسر، يَوْهَلُ وَهَلاّ بالتحريك. النهاية (وهل). (٢) صحيح البخاري (٣٩٧٨) و(٣٩٧٩)، وهو عند مسلم (٩٣٢). (٣) الروض الأنف ٣/ ٦٢. سُودَةُ الُوضِ ٤٩٠ الآية : ٥٣ وقال بعضهم فيما رواه البيهقيُّ، والحاكم صححه، وغيرهما: إنَّا لا نسلِّم صحته، وتصحيحُ الحاكم محكومٌ عليه بعدم الاعتبار، وإنْ سلَّمنا صحَّته نلتزمُ القولَ بأنَّ الموتى الذي لا يَسمعون هم مَن عَدَا الشهداء، أما الشهداء فيسمعون في الجملة لامتيازهم على سائر الموتى بما أخبر عنهم من أنهم أحياءٌ عند الله عز وجل. وقيل في حديث ابن عبد البر: إنَّ عبد الحقِّ وإنْ قال: إسناده صحيح، إلّا أنَّ الحافظ ابنَ رجب تعقّبه وقال: إنه ضعيفٌ بل منكر(١). وفي حديث ابن أبي الدنيا أنه على تسليم صحَّته لا يثبتُ المطلوبُ؛ لأنَّ خطاب الملك علیه السلام للروح الذي بيده، وهو ليس بميت. وفي حديث الصحيحين من سماع العبد قرعَ نعالِ أصحابه إذا دفنوه وانصرفوا عنه، أنه إذ ذاك تعود إليه روحُه للسؤال فيسمعُ وهو حيٍّ. والجمهورُ على عَوْدِ الروح إلى الجسد أو بعضِه وقتَ السؤال على وجهٍ لا يحسُّ به أهلُ الدنيا إلا مَن شاء الله تعالى منهم، ووراء ذلك مذاهبٌ. فمذهب ابن جرير وجماعةٍ من الكرَّاميَّة أنَّ السؤال في القبر على البدن فقط، وأنَّ الله تعالى يخلُقُ فيه إدراكاً بحيث يسمعُ ويعلم، ويَلَذَّ ويألم، وعلى هذا المذهب يمكن أن يقال نحوُ ما قيل على الأول. ومذهبُ ابن حزمٍ (٢) وابنٍ ميسرة أنه على الروح فقط، ومذهبُ أبي الهذيل(٣) وأتباعِه أنَّ الميت لا يشعر بشيءٍ أصلاً إلّا بين النفختين. والحقُّ أنَّ الموتى يسمعون في الجملة وهذا على أحد وجهين: أوَّلهما: أن يخلق الله عز وجل في بعض أجزاء الميت قوةً يسمع بها متى شاء الله تعالى السلامَ ونحوَه مما يشاء الله سبحانه سماعَه إياه، ولا يمنع من ذلك (١) أهوال القبور لابن رجب ص ١٠٩، وفيه تعقيباً على تصحيح عبد الحق: يشير إلى أن رواته كلهم ثقات، وهو كذلك إلا أنه غريب بل منكر. (٢) في الفصل في الملل والنحل ٤/ ٦٧ . (٣) هو محمد بن الهذيل البصري العلاف، صاحب التصانيف، رأس المعتزلة، توفي سنة (٢٣٥ هـ). سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٤٢. الآية : ٥٣ ٤٩١ سُورَةُ الْقُرُوفِ كونُه تحت أطباق الثرى، وقد انحلَّت منه هاتيك البنيةُ وانفصمت العُرى، ولا يكاد يتوقّفُ في قبول ذلك مَن يجوِّز أن يَرى أعمَى الصينِ بقَّة أندلس. وثانيهما: أن يكون ذلك السماحُ للروح بلا وساطةٍ قوةٍ في البدن، ولا يمتنع أن تسمع بل أن تحسَّ وتدرك مطلقاً بعد مفارقتها البدن بدون وساطةٍ قوّى فيه، وحيث كان لها على الصحيح تعلّقٌ لا يعلم حقيقته وكيفيتَه إلا الله عز وجل بالبدن كلِّه أو بعضِه بعد الموت، وهو غيرُ التعلَّق بالبدن الذي كان لها قبله، أجرى الله سبحانه عادتَه بتمكينها من السمع، وخَلَقه لها عند زيارة القبر، وكذا عند حمل البدن إليه وعند الغسل مثلاً، ولا يلزمُ من وجود ذلك التعلُّق والقولِ بوجود قوة السمع ونحوِه فيها نفسها أن تسمع كلَّ مسموعٍ؛ لِمَا أنَّ السماع مطلقاً - وكذا سائر الإحساسات - ليس إلَّا تابعاً للمشيئة، فما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن، فيُقْتَصَر على القول بسماع ما ورد السمعُ بسماعه من السلام ونحوه، وهذا الوجهُ هو الذي يترجَّحُ عندي، ولا يلزمُ عليه التزامُ القولِ بأنَّ أرواح الموتى مطلقاً في أفنية القبور؛ لِمَا أنَّ مدار السماع عليه مشيئةُ الله تعالى، والتعلَّقُ الذي لا يعلم كيفيتَه وحقيقته إلا هو عز وجل، فلتكن الروحُ حيث شاءت أو لا تكن في مكانٍ كما هو رأيُ مَن يقول بتجرُّدها . ويؤخذ من كلام ذكره العارف ابن برجان في ((شرح أسماء الله تعالى الحسنى)) تحقيقٌ على وجهٍ آخَرَ، وهو أنَّ للشخص نفساً مُبْرَأةً من باطنِ ما خُلق منه الجسمُ وهي روحُ الجسم، وروحاً أَوْجَدها الله تبارك وتعالى من باطن ما برأ منه النفس، وهي للنفس بمنزلة النفس للجسم، فالنفسُ حجابها، وبعد المفارقة في العبد المؤمن تُجْعَلُ الحقيقةُ الروحانية عامرةً العلوَ من السماء الدنيا إلى السماء السابعة، بل إلى حيث شاء الله تعالى من العلوِّ في سرورٍ ونعيمٍ، وتُجعل الحقيقةُ النفسانيةُ عامرةً السفلَ من قبره إلى حيث شاء الله تعالى من الجوِّ، ولذلك لقي رسول الله وَل موسى قائماً يصلّي في قبره، وإبراهيم عليه السلام تحت الشجرة(١)، قبل (١) حديث رؤية النبي ◌َّله موسى قائماً يصلي في قبره أخرجه أحمد (١٢٢١٠)، ومسلم (٢٣٧٥) من حديث أنس . وحديث رؤية النبي ولو إبراهيم تحت الشجرة أخرجه البخاري (١٣٨٦) من حديث سمرة بن جندب ـ سُورَةُ الْتُومِ ٤٩٢ الآية : ٥٤ صعوده عليه الصلاة والسلام إلى السماء، ولقيهما عليهما السلام بعد الصعود في السماوات العلا (١)، فتلك أرواحُهما وهذه نفوسُهما وأجسادُهما في قبورهما . وكذا يقال في الكافر، إلا أنَّ الحقيقة الروحانية له لا تكون عامرةً العلوَّ، فلا تُفتح لهم أبوابُ السماء، بل تكون عامرةً دارَ شقائها والعياذُ بالله تعالى. وبين الحقيقتين اتصالٌ، وبوساطة ذلك ومشيئته عز وجل يَسمع مَن سلَّم عليه في قبره السلامَ، ولا يختصُّ السماعُ في السلام عند الزيارة ليلةَ الجمعة ويومَها وبكرةَ السبت، أو يومَ الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها، بل يكون ذلك في السلام عند الزيارة مطلقاً، فالميتُ يُسْمِعُ الله تعالى روحَه السلامَ عليه من زائره في أيِّ وقتٍ كان، ويُقْدِرُه سبحانه على ردِّ السلام كما صرّح به في بعض الآثار(٢). وما أخرجه العقيليُّ من أنهم يسمعون السلامَ ولا يستطيعون ردَّه(٣)، محمولٌ على نفي استطاعةِ الردِّ على الوجه المعهود الذي يسمعُه الأحياء. وقيل: ردُّ السلام وعدمُه مما يختلف باختلاف الأشخاص، فربَّ شخصٍ يُقْدِرُه الله تعالى على الردِّ ولا يثابُ عليه لانقطاع العمل، وشخصٍ آخَرَ لا يُقْدِرُه عز وجل. وعندي أنَّ التعلُّق أيضاً مما يتفاوتُ قوةً وضعفاً بحَسَبِ الأشخاص، بل وبحَسَبِ الأزمان أيضاً، وبذلك يُجمع بين الأخبار والآثار المختلفة. وأما الجوابُ عن الآية التي الكلامُ فيها ونحوِها مما يدلُّ بظاهره على نفي السماع فيُعْلَم ممَّا تقدَّم، فليُفْهَمْ والله تعالى أعلم. ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: ابتدأكم ضعفاءَ وجعلَ الضَّعْفَ (١) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر ظ ◌ُه. (٢) منها حديث ابن عباس الذي أخرجه ابن عبد البر وصححه عبد الحق، وقد سلف ص٤٨٦-٤٨٧ من هذا الجزء. (٣) الضعفاء ١٩/٤ من حديث أبي هريرة ظه، وورد ذلك أيضاً في حديث أنس عند مسلم (٢٨٧٤) وقد سلف ص٤٨٦ من هذا الجزء، وفيه: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا)». الآية : ٥٤ ٤٩٣ سُوَةُ الُوضِ أساس أمركم، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، فـ (مِن)) ابتدائية، وفي الضعف استعارةٌ مكنيةٌ حيث شبِّه بالأساس والمادّة، وفي إدخال ((من)) عليه تخييلٌ. ويجوز أن يُراد من الضَّعف الضعيفُ بإطلاق المصدر على الوصف مبالغةً، أو بتأويله به، أو يراد: من ذي ضَعْفٍ، والمرادُ بذلك النطفةُ، أي: الله تعالى الذي ابتدأ خَلْقَكم من أصلٍ ضعيفٍ وهو النطفةُ، كقوله تعالى: ﴿مِّن نَّآءِ نَّهِيرٍ﴾ [السجدة: ٨]. وهذا التفسيرُ وإن كان مأثوراً عن قتادةَ إلَّ أنَّ الأوَّلَ أَوْلَى وأنسبُ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةَ﴾ وذلك عند بلوغكم الحُلُم، أو تعلُّقِ الروح بأبدانكم. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ إذا أخذ منكم السنّ، والمرادُ بالضَّعف هنا ابتداؤه ولذا أخَّر الشيب عنه، أو الأعمُّ فقوله سبحانه: ((شيبة)) للبيان أو للجمع بین تغییرٍ قواهم وظواهرهم. وفَتَحَ عاصمٌ وحمزةُ ضاد: ((ضعف)) في الجميع(١)، وهي قراءةُ عبد الله وأبي رجاء(٢). وقرأ الجمهور بضمِّها فيه، والضمُّ والفتحُ لغتان في ذلك كما في الفَقْرِ والفُقْر، الفتحُ لغةُ تميم والضمُّ لغةُ قريش، ولذا اختار النبيُّ وَّ قراءةَ الضمِّ كما ورد في حديثٍ رواه أبو داوود والترمذيُّ وحسَّنه وأحمدُ وابنُ المنذر والطبرانيُّ والدار قطنيُّ وغيرُهم عن ابن عمر ﴿هَا أنه قال: قرأتُ على النبيِّ ◌َّهِ: (اللَّهُ الَّذِى ◌َلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ) أي: بالفتح، فقال: ((﴿من ضُعْف﴾ يا بنيَّ))(٣) أي: بالضم؛ لأنها لغةُ قومه عليه الصلاة والسلام، ولم يقصد وَله بذلك ردَّ القراءة الأخرى لأنها ثابتةٌ بالوحي أيضاً كالقراءة التي اختارها. (١) التيسير ص١٧٥، والنشر ٣٤٥/٢، وقد صح عن حفص الفتح والضم كما ذكر صاحب النشر. (٢) البحر ٧ / ١٨٠. (٣) مسند أحمد (٥٢٢٧)، وسنن أبي داود (٣٩٧٨)، وسنن الترمذي (٢٩٣٦)، والمعجم الأوسط (٩٣٧٠)، وعزاه لابن المنذر والدارقطني السيوطي في الدر ١٥٨/٥. سُورَةُ الْرُوفِنُ ٤٩٤ الآية : ٥٥ وروي عن عاصم الضمُّ أيضاً، وعنه أيضاً الضمُّ في الأوَّلَيْنِ والفتحُ في الأخير(١). وروي عن أبي عبد الرحمن والجحدريِّ والضحاك الضمُّ في الأول والفتحُ فيما بعدُ(٢). وقرأ عيسى بضمِّ الضاد والعين، وهي لغة أيضاً فيه(٣). وحُكي عن كثيرٍ من اللغويين أنَّ الضُّعفَ بالضمِّ ما كان في البدن، والضَّعْفَ بالفتح ما كان في العقل، والظاهرُ أنه لا فرقَ بين المضموم والمفتوح، وكونهما مما يوصف به البدنُ والعقل. والمراد بـ ((ضعف)) الثاني عينُ الأول، ونكِّر لمشاكلة ((قوة))، وبالأخير غيرُه، فإنه ضعفُ الشيخوخة وذاك ضعفُ الطفولية، والمراد بـ ((قوة)) الثانية عينُ الأولى ونكّرت لمشاكلة ((ضعفاً))، وحديثُ النكرة إذا أُعيدتْ كانت غيراً أغلبيٌّ، وتكلَّف بعضهم لتحصيل المغايرة فيما نُكِّر وكُرِّر في الآية، فتدبر. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ﴾ خَلْقَه من الأشياء التي من جملتها ما ذُكر من الضعف والقوة والشيبة، وخَلْقُها إما بمعنى خَلْقِ أسبابها أو محالّها، وإما إيجادها أنفسها وهو الظاهرُ، ولا داعي للتأويل فإنها ليست بعدمٍ صرفٍ. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾﴾ المبالغُ في العلم والقدرة، فإنَّ الترديد فيما ذكر من الأحوال المختلفة مع إمكان غيره من أوضح دلائل العلم والقدرة. ﴿وَبَّمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي: القيامةُ، سمِّيت بها لأنها تقوم في آخر ساعةٍ من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتةً، وصارت عَلَماً لها بالغلبة، كالنجم للثريا والكوكب للزُّهرة. والمراد بقيامها وجودُها أو قيامُ الخلائق فيها . (١) ذكرهما عن عاصم الشهاب في الحاشية ١٢٩/٧، والمشهور عنه الفتح في الثلاثة، روى ذلك عنه أبو بكر، وقال الداني في التيسير ص ١٧٥ - ١٧٦ : وكذلك روى حفص عن عاصم فيهنَّ غير أنه ترك ذلك واختار الضم اتِّباعاً منه لروايةٍ حدثه بها الفضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن عبد الله بن عمر أن النبي أقرأه ذلك بالضم، ورَدَّ عليه الفتح وأباه، وعطية يضعَّف، وما رواه حفص عن عاصم عن أثمته أصح، وبالوجهين آخُذُ في روايته؛ لأتابع عاصماً على قراءته، وأوافق حفصاً على اختياره. (٢) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٣/٤ عن أبي عبد الرحمن والجحدري والضحاك أنهم ضموا الضاد في الأول والثاني، وفتحوا في الأخير. (٣) المحرر الوجيز ٣٤٣/٤، والبحر ١٨٠/٧. 1 الآية : ٥٥ ٤٩٥ سُؤَةُ الْرُوفِ ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ﴾ أي: ما أقاموا في القبور كما روي عن الكلبيِّ ومقاتل، والمراد به: ما أقاموا بعد الموت ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ أي: قطعةٍ من الزمان قليلةٍ. ورَوَى غيرُ واحدٍ عن قتادة أنهم يَعْنُون: ما لبثوا في الدنيا غير ساعة. ورجّح الأول بأنه الأظهر؛ لأنَّ لبثهم مغيًّا بيوم البعث كما سيأتي إن شاء الله تعالی، ولیس لبتُهم في الدنيا كذلك. وقيل: يعنون: ما لبثوا فيما بين فَناء الدنيا والبعثِ، وهو ما بين النفختين، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: ((ما بين النفختين أربعون» قيل: أربعون يوماً يا أبا هريرة؟ قال: أَبَيْتُ. قيل: أربعون شهراً؟ قال: أَبَيْتُ. قيل: أربعون سنة؟ قال: أَبَيْتُ(١). وعَنَى بقوله رَُّه: أبيتُ: امتنعتُ من بيان ذلك لكم، أو: أبيتُ أن أسأل النبيَّ ◌َ ﴿ عن ذلك، ولهذا الحديث قيل: لا يُعلم أهي أربعون سنةً أم أربعون ألفَ سنةٍ؟ وحكى السفارينيُّ في ((البحور الزاخرة)) عن بعضهم دعوى اتفاقٍ الروايات على أنَّ ما بين النفختين أربعون عاماً. وأنا أقول: الحقُّ أنه لا يعلمه إلا اللهُ تعالى، ودعوى الاتِّفاقِ لم يقم عندي دليلٌ عليها . وذكر الزمخشريُّ أنَّ ذلك وقت ينقطعُ عذابُهم فيه (٢). واستقلُّوا مدة لبثهم كذباً على ما رُوي عن الكلبي، أو نسياناً لِمَا عَرَاهم من هول المطلع على ما قيل. وجوِّز أن يكون استقلالُهم تلك المدةَ بالإضافة إلى مدة عذابهم يومئذ، ولا يَبْعدُ علمُهم بها سواءٌ كان هذا القولُ في أول وقت الحشر أو في أثنائه أو بعد دخول النار. (١) أخرجه البخاري (٤٩٣٥). (٢) الكشاف ٢٢٧/٣، وهذا الوقت كما ذكر الشهاب في الحاشية ١٢٩/٧ هو بعد إخراجهم من القبور إلى أن يدخلوا في النار. سُورَةُ الْرُوفِزْ ٤٩٦ الآية : ٥٥ وجوِّز أن يكونوا عدُّوا مدةَ بقائهم في الدنيا ساعةً لعدم انتفاعهم بها، والكثيرُ بلا نفعٍ قليلٌ، كما أنَّ القليلَ مع النفع كثيرٌ، فالكلامُ تأسُّفٌ وتحسُّرٌ على إضاعتهم أیامَ حیاتهم. وبين ((الساعة)) و((ساعة)) جناسٌ تامٌّ مماثلٌ، كما أطبق عليه البلغاء إلا مَن لا يعتدُّ به، ولا يضرُّ في ذلك اختلافُ الحركة الإعرابية، ولا وجودُ ((أل)) في إحدى الكلمتين لزيادتها على الكلمة، وكذا لا يضرُّ اتحادُ مدلولهما في الأصل؛ لأنَّ المعرَّف فيه كالمنكَّر بمعنى القطعةِ من الزمان؛ لمكان النقل في المعرَّفِ وصیرورتِه عَلَماً على القيامة كسائر الأعلام المنقولة، وأَخْذُ أحدهما من الآخر لا يضرُّ أيضاً کما یوضِّحُ ذلك ما قرَّروه في جناس الاشتقاق. وظنَّ بعضُهم أنَّ الساعة في القيامة مجازٌ، ولذا أنكر التجنيسَ هنا إذ التجنيسُ المذكورُ لا يكون بين حقيقةٍ ومجازٍ، فلا تجنيس في نحو: ركبتُ حماراً ولقيتُ حماراً معمَّماً، تعني رجلاً بليداً. واشتهر أنه لم يقع في القرآن الكريم هذا النوعُ من الجناس إلا في هذا الموضع، واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر عليه الرحمة موضعاً آخر، وهو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرَّقِ، يَذْهَبُ بِلْأَبْصَرِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَغِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(١) [النور: ٤٣-٤٤] لأن ((الأبصار)» الأول جمعُ بصرٍ، و((الأبصار)) الثاني مرادٌ به ما هو جمعُ بصيرة. وتعقِّب بأنه وإن كان ((الأبصار)) الثاني مراداً (٢) به ما هو جمعُ بصيرة إلا أنه ليس من باب الحقيقة، بل بطريق المجاز والاستعارة؛ لأن البصيرة ما تُجمع على أبصار بل على بصائر، فقد قال علماء العربية: إنَّ صيغة أفعال من جموع القلّة لا تظَّردُ إلا في اسم ثلاثيٍّ مفتوح الفاء كبَصَرٍ وأبصار، أو مكسورِها كعِنَب وأعناب، أو مضمومِها كرُطَبٍ وأَرْطاب، ساكنِ العين كثوبٍ وأثواب، أو محرَّكِها كما تقدَّم، وكعضُدٍ وأعضاد وفَخِذٍ وأفخاذ، وصيغةُ فعائل من جموع الكثرة لا تَظَّردُ (١) سلف ١٨/ ٤٢٢ - ٤٢٣. (٢) في (م): مراد. الآية : ٥٦ ٤٩٧ سُورَةُ الرُّومِ إلا في اسم رباعيٍّ مؤنثٍ بالتاء أو بالمعنى ثالثُه مدَّةٌ، كسحابةٍ وسحائب، وبصيرةٍ وبصائر، وَحَلوبة وحَلائب، وشمال وشمائل، وعجوز وعجائز، وسعيد علم امرأةٍ وسعائد، فاستُغيرت ((الأبصار)) للبصائر بجامع ما بينَهما من الإدراك والتمييز، وقد سمعتَ أنَّ هذا النوع لا يكون بين حقيقةٍ ومجاز فليُحْفَظْ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإفك ﴿كَانُواْ﴾ أي: في الدنيا ﴿يُؤْفَكُونَ ﴾﴾ أي: يُصْرَفون عن الصدق والتحقيق، والغرضُ من سَوْقِ الآية الإغراقُ في وصف المجرمين بالتمادي في التكذيب، والإصرارِ على الباطل. أو: مثلَ ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبيَّن لهم الآن أنه ما كان إلا ساعةً، فسوقُ الكلام للتعجُّب من اغترارهم بلامِعِ السراب، والغرضُ أن يَحْقِرَ عندهم ما فيه من التمتُّعات وزخارفِ الدنيا كي يُقلَعَوا عن العناد، ويرجعوا إلى سبيل الرشاد، فكأنه قيل: مثلَ ذلك الإفك العجيب الشأن كانوا يؤفكون في الدنيا اغتراراً بما عددُه ساعة استقصاراً، والصارفُ لهم هو الله تعالى، أو الشيطان، أو الهوى، وأيًّا ما كان فليس ذاك إلا لسوء اختيارهم وخبائةٍ استعدادهم. وفي الآية على أحد الأقوال دليلٌ على وقوع الكذب في الآخرة من الكفرة. واستدل بها بعضُهم على نفي عذاب القبر، وليس بشيء. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ﴾ في الدنيا من الملائكة أو الإنس، أو منهما جميعاً ﴿لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِي كِنَبِ اللَّهِ﴾ أي: في علمه وقضائه، أو ما كتبه وعيَّنه سبحانه، أو اللوح المحفوظ، أو القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآءِهِم بَّزَغُ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وأيًّا ما كان فالجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بما عنده. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم - وفيه من البُعْدِ ما فيه - أنَّ الكلام على التقديم والتأخير، والأصل: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله: لقد لبثتم ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾(١)، والكلامُ ردٌّ لِمَا قالوه مؤكّدٌ باليمين، أو توبيخٌ وتفضيحٌ وتهكُّمُ بهم، فتأمَّل. (١) الدر المنثور ١٥٨/٥ عن قتادة، وينظر تفسير الطبري ٥٢٧/١٨. سُؤَدَّةُ الْتُوفِ ٤٩٨ الآية : ٥٧ ﴿فَهَكَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الذي كنتم تُوعَدون في الدنيا، والفاءُ فصيحةٌ، كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعثَ فهذا يومُه، أي: فنُخْبِرُكم أنه قد تبيَّن بطلانُ إنكارِكم. وجوِّز أن تكون عاطفةً والتعقيبُ ذكريٌّ، أو تعليليةً. ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أنه حقٌّ؛ لتفريطكم في النظر فتستعجلون به استهزاءً. وقيل: لا تعلمون البعثَ ولا تعترفون به، فلذا صار مصيركم إلى النار. وقرأ الحسن: ((البَعَث)) بفتح العين فيهما، وقرئ بكَسْرِهما وهو اسمٌ والمفتوحُ مصدرٌ(١)، وفي الآية من الدلالة على فضل العلماء مالا يخفى. ﴿فَيَوْمَيِدٍ﴾ أي: يومَ إذ يقعُ ذلك من إقسام الكفار وقولِ أولي العلم لهم ﴿لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: عذرُهم. وقرأ الأكثر: ((تنفع)) بالتاء(٢) محافظةً على ظاهر الأمر للفظ(٣) وإن توسَّط بينهما فاصلٌ. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الاستعتابُ طلبُ العُتْبَى، وهي الاسمُ من الإعتاب بمعنى إزالةِ العَتَبِ، كالعطاء والاستعطاء، أي: لا يُطلب منهم إزالةُ عتبِ الله تعالى - والمراد به غضبُه سبحانه عليهم - بالتوبة والطاعة؛ فإنه قد حقَّ عليهم العذابُ. وإن شئتَ قلت: أي: لا يقال لهم: أَرْضُوا ربَّكم بتوبةٍ وطاعةٍ، كما كان يقال لهم ذلك في الدنيا . وقيل: أي: لا يستقيلون فُيُستقالون بردِّهم إلى الدنيا. وقال ابن عطية: هذا إخبارٌ عن هول يوم القيامة وشدَّةٍ أحواله على الكفرة بأنهم لا ينفعُهم الاعتذار، ولا يُعطَوْنَ عُثْبَى وهي الرضا، و((يُستعتبون)) بمعنى يُعتَبون، كما تقول: يملك ويستملك، والبابُ في اسْتَفَعَلَ أنه طلب الشيء، وليس هذا منه؛ لأنَّ المعنى يفسُدُ إذا كان المفهوم منه: ولا يُظْلَبُ منهم عُنْبَى (٤). انتهى. (١) البحر ٧/ ١٨٠، وقراءة الحسن ذكرها أيضاً ابن جني في المحتسب ١٦٦/٢. (٢) وهي قراءة الكوفيين. التيسير ص١٧٦، والنشر ٣٤٦/٢ .. (٣) كذا في الأصل و(م)، وجاء في تفسير أبي السعود٦٦/٧ (والكلام منه): محافظة على ظاهر اللفظ، وهو أولى. (٤) المحرر الوجيز ٣٤٤/٤. الآية : ٥٨ ٤٩٩ سُوَدَةُ الُوفِ فجَعَل اسْتَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ، وحاصل المعنى عليه على ما في ((البحر)): هم من الإهمال وعدم الالتفات إليهم بمنزلةٍ مَن لا يؤهَّلُ للعَتَب، وقيل: المعنى عليه: هم لا يعاتَبون على سيئاتهم بل يعاقبون(١). وما ذكرناه أوَّلاً هو الذي ينبغي أن يعوَّل عليه، ويا ليت شعري، أي ما ادَّعاه ابنُ عطية من الفساد إذا كان المفهوم منه: لا يُطلب منهم عُثْبَى، على ما سمعتَ؟! ﴿وَقَدْ ضَرَيْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: وبالله تعالى لقد وَصَفْنا للناس من كلِّ صفةٍ كأنها مَثَلُ في غرابتها، وقَصَصْنا عليهم كلَّ صفةٍ عجيبةِ الشأن، كصفةِ المبعوثين يومَ القيامة، وما يقولون وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يُسمع من استعتابهم، فضَرْبُ المثل اتِّخاذُه وصُنْعُه من ضرب الخاتم واللَِّن، والمثلُ مجازٌ عن الصفة الغريبة. والمراد بـ ((هذا القرآن)) إمَّا: هذه السورة الجليلة الشأنِ، أو المجموع وهو الظاهرُ، و(من)) تبعيضية، وجوِّزت الزيادة. وقيل: المعنى: وبالله تعالى لقد بيَّنَّا للناس من كلِّ مثلٍ يُنبِّؤهم عن التوحيد والبعثِ وصِدْقِ الرسول عليه الصلاة والسلام، فضَرَبَ بمعنى بيَّن، والمثلُ على أصله، وقيل: بمعنى الدليل العجيب، و((القرآن)) بمعنى المجموع. ﴿وَلَيِن جِئْتَهُم بِئَايَةٍ﴾ أي: مع ضَرْبنا لهم من كلِّ مثلٍ في هذا القرآن الجليل الشأنِ لئن جئتهم بآيةٍ من آياته ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ لفَرْطِ عتوِّهم وعنادهم وقساوةٍ قلوبهم، مخاطِبين لك وللمؤمنين: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي: مزوِّرون. وجوِّز حملُ الآيةِ على المعجزة، أي: لئن جئتهم بمعجزةٍ من المعجزات التي اقترحوها ليقولَنَّ الذين كفروا .. إلخ. والإتيانُ بالموصول دون الضمير لبيان السبب الحامل على القول المذكور، وإذا أُريدَ بالناس ما يعمُّ الكفرة وغيرَهم فوجهُ الإظهار ظاهرٌ. وتوحيدُ الخطاب في ((جئتهم)) على ما يقتضيه الظاهرُ، وأمَّا جمعه في قولهم: ((إن أنتم)) فلئلا يبقى بزَعْمِهم له عليه الصلاة والسلام شاهدٌ من المؤمنين، حيث جعلوا الكلَّ مدَّعین. (١) البحر ٧/ ١٨١. سُورَةُ الُوضِ ٥٠٠ الآية : ٥٩ - ٦٠ وقال الإمام: في توحيد الخطاب في ((جئتهم)) وجمعِه في ((أنتم)) لطيفةٌ، وهي أنَّ الله تعالى قال: إن جئتهم بكلِّ آيةٍ جاءت بها الرسلُ عليهم السلام ويمكنُ أن يجاء بها يقولوا: أنتم كلَّكم أيها المدَّعون للرسالة مُبطلون(١). انتهى، ولا يخفى أنَّ ما ذكرناه أحسنُ وألطفُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الطَّبع الفظيع، وجوِّز أن يكون المعنى: مثلَ ذلك القول ﴿يَطْبَعُ﴾ أي: يَخْتُمُ ﴿اللَّهُ﴾ الذي جَلَّت عَظَمتُه وعَظُمَتْ قدرتُه ﴿عَلَى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: لا يطلبون العلم، ولا يتحرَّون الحقَّ، بل يصرُّون على خرافاتٍ اعتقدوها، وترَّهاتٍ ابتدعوها، فإنَّ الجهل المركّب يمنع إدراك الحقِّ، ويوجبُ تكذيبَ المحقِّ، ومن هنا قالوا: هو شرٌّ من الجهل البسيط، وما ألطفَ ما قيل: لو أنصفوني لكنتُ أَرْكَب قال حمارُ الحكيم توما وصاحبي جاهلٌ مركب(٢) لأنني جاهلٌ بسيطٌ وإطلاقُ العلم على الطلب مجازٌ لِمَا أنه لازمٌ له عادةً. وقيل: المعنى: يطبعُ الله تعالى على قلوب الذين ليسوا من أولي العلم. وليس بذاك. والمراد من ((الذين لا يعلمون)) يحتمل أن يكون: الذين كفروا، فيكون قد وضع الموصول موضعَ ضميرهم للنعي بما في حيِّز الصلة، ويحتمل أن يكون عامًّا، ويدخلُ فيه أولئك دخولاً أوليًّا. وظاهرُ كلام بعض الأجلَّة يميلُ إلى الاحتمال الأول. وقد تقدَّم الكلامُ في طَبْعِهِ وخَتْمِه عز وجل على القلب(٣). ﴿فَأَصْبِرْ﴾ أي: إذا علمتَ حالَهم وطَبْعَ اللهِ تعالى على قلوبهم فاضْبِرْ على مكارِهِهم من الأقوال الباطلة والأفعال السيئة ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌ﴾ وقد وَعَدَك عز وجل بالنصرة وإظهارٍ الدين وإعلاء كلمة الحقِّ، ولا بدَّ من إنجازه والوفاءِ به لا محالة. (١) تفسير الرازي ١٣٨/٢٥. (٢) المثل السائر ٣٥٨/٢. (٣) ينظر ما سلف ٣٩١/١ وما بعد و٦/ ٣٧٣-٣٧٤.