النص المفهرس

صفحات 361-380

الآية : ٤١
٣٦١
سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
وقيل: لا يسنُّ قتلها، فقد أخرج الخطيب عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال:
قال رسول الله وَاءِ: ((دخلت أنا وأبو بكر الغارَ فاجتمعتِ العنكبوتُ فنسجتْ
بالباب، فلا تقتلوهنَّ)) ذكر هذا الخبر الجلال السيوطيُّ في ((الدر المنثور))(١)، والله
تعالى أعلمُ بصحته و کونِه مما يَصْلُحُ للاحتجاج به.
ونصُّوا على طهارةٍ بيتها لعدم تحقّق كون ما تنسجُ به من غذائها المستحيلِ في
جوفها، مع أنَّ الأصل في الأشياء الطهارةُ، وذكر الدميريُّ أنَّ ذلك لا تُخرِجُه من
جوفها بل من خارج جلدها(٢). وفي هذا بُعدٌ، وأنا لم أتحقَّق أمرَ ذلك ولم أعيِّن
كونَه من فمها أو دُبرِها أو خارج جلدها لعدم الاعتناء بشأن ذلك، لا لعدم إمكان
الوقوف على الحقيقة.
وذُكر أنه يَحْسُنُ إزالةُ بيتها من البيوت؛ لِمَا أسند الثعلبيُّ وابنُ عطية
وغيرُهما عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قال: طهِّروا بيوتكم من نَسْج العنكبوت،
فإنَّ تَرْكَه في البيوت يُورِثُ الفقر(٣). وهذا إن صحَّ عن الإمام كرَّم الله تعالى وجهه
فذاك، وإلا فحسُنَ الإزالةُ لِمَا فيها من النظافة، ولا شكَّ بنَذْبِها.
والتاءُ في ((العنكبوت)) زائدةٌ كتاء طالوت، فوزنُه فَعْلَلوت، وهو يقع على
الواحد والجمع والمذكَّرِ والمؤنَّث، ومن استعماله مذَّراً قوله:
كأنَّ العنكبوت هو ابتناها(٤)
على هَظَّالهم منهم بيوتٌ
= وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣١٧/٦ من حديث عبد الله بن عمرو ها مرفوعاً بلفظ:
((العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه)) وفي إسناده مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك.
(١) ٥/ ١٤٥، والحديث في تاريخ بغداد ١٠١/١٠، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٢٦٠/١،
وهو من طريق إبراهيم بن سالم، عن عبد الله بن عمران البصري، عن محمد بن جحادة،
عن أبي صادق، عن علي به. وهو حديث منكر كما ذكر ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن
سالم، كما أن رواية أبي صادق، وهو الأزدي الكوفي، عن علي ظُه مرسلة كما في
التهذيب ٥٣٨/٤. وينظر في قصة نسج العنكبوت ما سلف ٣٢٨/١٠-٣٢٩.
(٢) حياة الحيوان ١٦٥/٢.
(٣) تفسير الثعلبي ٧/ ٢٨٠، والمحرر الوجيز ٣١٨/٤، ونقله المصنف عنهما بواسطة الدميري في
حياة الحيوان ٢/ ١٦٥. وفي إسناده عبد الله بن ميمون القداح، قال عنه أبو حاتم: متروك،
وقال البخاري: ذاهب الحديث، وقال أبو زرعة: واهي الحديث. الميزان ٢/ ٥١٢.
(٤) معاني القرآن للفراء ٣١٧/٢، والصحاح (هطل)، وفيه: الهطّال اسم جبل.

سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
٣٦٢
الآية : ٤١
واستظهر الفاضل سعدي چلبي كونَ المراد به هنا الواحد، وذهب إلى تأنيثه
أيضاً، فذكر أنه اختير هنا تأنيثه لأنه المناسب لبيان الخور والضَّعف فيما يتخذه.
وقال مولانا الخفاجيُّ معرِّضاً به: الظاهرُ أنَّ المراد الجمعُ لا الواحد؛ لقوله
تعالى: (الَّذِينَ) وأمَّا إفراد البيت فلأنَّ المراد الجنس، ولذلك أنّث ((اتَّخذت)) لا لأن
المراد المؤنَّث(١).
وفي ((القاموس)): العنكبوتُ معروفٌ، وهي العَنْكَباءُ والعَكَنْبةُ والعَنْكَبوهُ
والعَنْكَباءُ، والذّكر عَنْكَب، وهي: عَنْكبةٌ، وجمعُه: عَنْكبوتاتٌ وعناكبُ، والعِكَابُ
والعُكُب والأَعْكُبُ أسماءُ الجموع(٢). وتعقّب بأنَّ عدَّ ما عدا ما ذكره أولاً اسمَ
جمعٍ لا وجهَ له؛ لأنَّ أَعْكُب لا يصحُّ فيه ذلك(٣). وذكروا في جمعه أيضاً:
عناکیب.
واختلف في نونه؛ فقيل: أصلية. وقيل: زائدة كالتاء، وجمعه على عكاب يدلُّ
على ذلك. وذكر السجستانيُّ في ((غريب سيبويه)) أنه ذكر عناكب في موضعين، فقال
في موضع: وزنُهُ فَتَاعِل، وفي آخَرَ: فَعَالِل. فعلى الأول النونُ زائدةٌ وهو مشتقٌّ من
العَكَب وهو الغِلَظ(٤). اهـ المرادُ منه، ولعل الأقرب على ذلك كونُه مشتقًّا من
العَكْب بالفتح بمعنى الشدة في السير(٥)، فكأنه لشدَّةِ وَتْبِهِ لصيد الذباب أو لشدة
حركته عند فراره أُطلق عليه اسم العنكبوت.
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: لو كانوا يعلمون شيئاً من الأشياء لعلموا أنَّ
هذا مَثَلُهم، أو: أنَّ أمرَ دينهم بالٌ هذه الغايةَ من الوهن. وقيل: أي: لو كانوا
يعلمون وهنَ الأوثان لمَا اتَّخذوها أولياءَ من دون الله تعالى.
(١) حاشية الشهاب ٧/ ١٠٢ .
(٢) القاموس (عنكب).
(٣) حاشية الشهاب ٧/ ١٠٢ .
(٤) حاشية الشهاب ٧/ ١٠٢، وينظر الكتاب ٢٥٣/٤.
(٥) كذا في القاموس (عكب)، وقال صاحب التاج: هكذا في النسخ التي بأيدينا، وفي أخرى
صحيحة: في الشر، والصواب الثانية؛ لأنه قال في لسان العرب: والعَكْب: الشدةُ في
الشرِّ، والشيطنةُ.

الآية : ٤٢
٣٦٣
سُورَةُ الجَنْكُوتِ
وفي ((الكشف)): أنّ قوله تعالى (لَوَ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) على جميع التقادير - أي:
المذكورة في ((الكشاف))، وقد ذكرناها فيما مرَّ - من الإيغال(١)؛ جهَّلهم سبحانه في
الاتِّخاذ، ثم زادهم جلَّ وعلا تجهيلاً أنهم لا يعلمون هذا الجهل البيِّن الذي
لا یخفی علی من له أدنى مسکةٍ.
و((لو)) شرطيةٌ وجوابُها محذوف على ما أشرنا إليه، وجوَّز بعضهم كونَها للتمِّي
فلا جوابَ لها، وهو غيرُ ظاهر.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ على إضمارِ القول، أي: قل
للكفرة: إنَّ الله .. إلخ. وقيل: لا حاجةً إلى إضماره؛ لجواز أن يكون ((تدعون)) من
باب الالتفات للإيذان بالغضب، وفيه بحثٌ.
وقرأ أبو عمرو وسلام: ((يعلم ما)) بالإدغام(٢). وأبو عمرو وعاصمٌ بخلاف:
(يدعون)) بياء الغيبة(٣) حَمْلاً على ما قبله.
و((ما)) استفهاميةٌ منصوبةٌ بـ ((تدعون))، و((يعلم)) معلّقةٌ عنها، فالجملةُ في موضع
نصبٍ بها، و((مِن)) الأولى متعلِّقةٌ بـ ((تدعون)) على ما هو الظاهر، و((من)) الثانية
للتبيين، وجوِّز كونُها للتبعيض.
ويجوز كونُ ((ما)) نافيةٌ و((من)) الثانيةُ مزيدةً، و((شيء)» مفعولُ ((تدعون))، أي :
لستُم تدعون من دونه تعالى شيئاً، كأنَّ ما يدْعونه من دونه عز وجل لمزيدٍ حقارته
لا يصلح أن يسمَّى شيئاً.
وجوِّز كونها مصدريةً، وهي وما بعدها في تأويل مصدرٍ مفعول ((يعلم)) على
أنها بمعنى يعرف ناصبةٌ لمفعولٍ واحد، و((من)) تبعيضية، أي: يعرف دعاءكم
(١) الإيغال: هو ختم الكلام بما يفيد نكتةً يتم المعنى بدونها، كقوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَنَّبِعُواْ
الْمُرْسَلِينَ * أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرً وَهُم مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠-٢١] فقوله: ((وهم مهتدون))
إيغال؛ لأنه يتم المعنى بدونه؛ إذ الرسول مهتدٍ لا محالة، لكن فيه زيادة مبالغة في الحث
على اتباع الرسل والترغيب فيه. الإتقان ٣٦٩/٢.
(٢) البحر ٧/ ١٥٣ .
(٣) التيسير ص١٧٤، والنشر ٣٤٣/٢ عن أبي عمرو وعاصم ويعقوب.

سُورَةُ الجَنْكُتِ
٣٦٤
الآية : ٤٣
وعبادتكم بعضَ شيءٍ من دونه. وقيل: ((من)) للتبيين، و((شيء)) بمعنى ذلك المصدر
وتنوينُه للتحقير، أي: يعرف دعوتكم من دونه هي دعوةٌ حقيرة.
وجوِّز كونُها موصولةً مفعولَ ((يعلم)) بمعنى يعرف، ومفعولُ ((تدعون)» عائدُها
المحذوفُ، و((من)) إما بيانٌ للموصول أو تبعيضية. وجوِّز زيادتُها على هذا الوجه
وما بعده(١)، ولا يخفى ما فيه.
والكلام على الوجهين الأوَّلَيْنِ في ((ما)) تجهيلٌ للكفرة المتَّخذينَ من دون الله
تعالى أولياءَ؛ لِمَا فيهما من نفي الشيئية عمَّا اتخذوه وليًّا، والاستفهام عنه الذي هو
في معنى النفي لأنه إنكارٌ، وفيه توكيدٌ للمَثَل؛ لأنَّ كون معبودهم ليس بشيء يُعبأ به
مناسبٌ [له](٢) ولذا لم يعطف، وعلى الوجهين الأخيرين فيها وعيدٌ لهم؛ لأنَّ العلم
بدعوتهم وعبادتهم عبارةٌ عن مجازاتهم عليها، وكذا العلم بما يدعونه عبارةٌ عن
مجازاتهم على دعائهم إياه، وترك العطف فيه لأنه استئنافٌ، ويجوز إرادةُ التجهيل
والوعيد في الوجوه كلِّها .
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ في موضع الحال، ويفهَمُ منه
التعليلُ على المعنيين(٣)، فإنَّ مِن فَرْطِ الغباوة إشراكُ ما لا يُعدُّ شيئاً بمن هذا
شأنُه، وإنَّ الجماد بالإضافة إلى القادر القاهر على كلِّ شيءٍ البالغ في العلم
وإتقانِ الفعل الغايةَ القاصيةَ كالمعدوم البحت، وإنَّ مَن هذا صفتُه قادرٌ على
مجازاتهم.
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ﴾ أي: هذا المَثَلُ ونظائرُه من الأمثال المذكورة في الكتاب
العزيز ﴿نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِ﴾ تقريباً لِمَا بَعُدَ من أفهامهم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ على ما هي
عليه من الحسن واستتباع الفوائد ﴿إِلَّ الْعَلِمُونَ ﴾﴾ الراسخون في العلم،
المتدبِّرون في الأشياء على ما ينبغي.
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: وما قبله، أي: جوِّز زيادتها على القول بأن ((ما))
مصدرية أو على أنها موصولة، ينظر حاشية الشهاب ١٠٣/٧.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من حاشية الشهاب ١٠٣/٧، والكلام منه.
(٣) أي: التجهيل والوعيد.

الآية : ٤٤ - ٤٥
٣٦٥
سُورَةُ الجَنْكُتِ
وروى مُحيي السُّنةِ بسنده عن جابر، أنَّ النبيَّ و ◌َ﴿ تلا هذه الآية (وَتِلْكَ
الْأَمْثَلُ) الآيةَ، فقال: ((العالِمُ مَن عقل عن الله تعالى، فعمِلَ بطاعته واجتنب
سخطه))(١) .
﴿خَلَقَ اَللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ أي: مُحقًّا مراعياً للحِكَم والمصالح، على
أنه حالٌ من فاعل ((خلق)). أو: ملتبسةً بالحقِّ الذي لا محيد عنه مستتبعةً للمنافع
الدينية والدنيوية، على أنها حالٌ من مفعوله، فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلَّق
به معاشُهم شواهدُ دالَّةٌ على شؤونه تعالى المتعلّقةِ بذاته سبحانه وصفاته کما يُفْصِحُ
عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ دالَّةً لهم على ما ذكر من
شؤونه عز وجل. وتخصيصُ المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية والإرشاد في
خلقهما للكلِّ لأنهم المنتفعون بذلك.
﴿أَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِنَبِ﴾ أي: دُمْ على تلاوة ذلك تقرُّباً إلى الله تعالى
بتلاوته، وتذكُّراً لِمَا في تضاعيفه من المعاني، وتذكيراً للناس وحملاً لهم على
العمل بما فيه من الأحكام ومحاسنِ الآداب ومكارم الأخلاق.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ﴾ أي: داوِمْ على إقامتها، وحيث كانت الصلاةُ منتظمةً
الصلوات المكتوبة المؤدَّة بالجماعة، وكان أمرُهُ وَّه بإقامتها متضمِّناً لأمر الأمة
بها، علِّل بقوله تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ كأنه قيل:
وصلِّ بهم إنَّ الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى نَهْيِها إياهم عن ذلك
أنها لتضمُّنها صنوفَ العبادة من التكبير والتسبيح والقراءة، والوقوفٍ بين يدي الله
عز وجل، والركوع والسجودِ له سبحانه الدال على غاية الخضوع والتعظيم، كأنها
تقول لمن يأتي بها: لا تفعل الفحشاء والمنكر، ولا تَعْصِ ربًّا هو أهلٌ لِمَا أتيتَ
به، وكيف يليقُ بك أن تفعل ذلك وتَعْصِيَه عز وجل وقد أتيتَ مما يدلُّ على عظمته
تعالى وكبريائه سبحانه من الأقوال والأفعال بما تكون به إن عَصَيْتَ وفَعلْتَ
الفحشاءَ أو المنكر كالمتناقض في أفعاله؟
(١) تفسير البغوي ٤٦٨/٣، وأخرجه أيضاً الحارث في مسنده (٨٣٧ - بغية الباحث). وفي
إسناده داود بن المحبر، قال عنه أحمد: لا يدري ما الحديث. وقال ابن المديني: ذهب
حديثه. وقال أبو زرعة وغيره: ضعيف. وقال الدارقطني: متروك. الميزان ٢٠/٢.

سُورَةُ الجَنْكُتِ
٣٦٦
الآية : ٤٥
وبما ذُكر ينحلُّ الإشكالُ المشهور، وهو أنَّا نرى كثيراً من المرتكبين للفحشاء
والمنكر يصلُّون ولا ينتهون عن ذلك؛ فإنَّ نهيها إياهم عن الفحشاء والمنكر بهذا
المعنى لا يستلزمُ انتهاءَهم، ألا ترى أنَّ الله تعالى ينهى عن ذلك أيضاً، كما قال
سبحانه: ﴿إِنَّ اللََّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيَآَيٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] والناسُ لا ينتهون، وليس نهيُّ الصلاة بأعظمَ من نهيه
سبحانه وتعالى، فإذا لم يكن هناك استلزامٌ فكيف يكون هنا؟
وما أرى هذا الإشكال إلَّا مبنيًّا على توهُم استلزام النهي للانتهاء، وهو توقُّمُ
باطلٌ وتخيُّلُ عاطلٌ، لا يشهد له عقلٌ، ولا يؤيِّدَه نقلٌ.
ونقل أبو حيان عن ابن عباس والكلبيِّ وابن جريجٍ وحماد بنِ أبي سليمان أنَّ
الصلاة تنهى عن ذلك ما دام المصلِّي فيها (١). وكأنهم أرادوا أنها كالناهية للمصلِّي
القائلة له: لا تفعل ذلك، ما دام فيها لأنه إذا فرغ منها فقد انقطعت الأقوال
والأفعال التي كان النهي بما تدلُّ عليه من العظمة والكبرياء.
ونُقل عن القطب أنه قال في جواب الإشكال: إنَّ الصلاة تقام لذكر الله تعالى
كما قال عزَّ مِن قائل: ﴿وَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] ومَن كان ذاكراً للهِ عزَّ
وجلَّ مَنَعه ذلك عن الإتيان بما يكرهه منه تعالى مما قلَّ أو كثُر، وكلُّ مَن تراه
يصلّي ويأتي الفحشاء والمنكر فهو بحيث لو لم يكن يصلِّي لكان أشدَّ إتياناً، فقد
أثّرت الصلاة في تقليل فحشائه ومنكره. وهو كما ترى.
وقيل: إنَّ المراد أنَّ الصلاة سببٌ للانتهاء عن ذلك، وليس هذا كلِّيًّا لِمَا أنَّ
((الصلاة)) في حكم النكرة، وهي في الإثبات لا يجب أن تعمَّ، فينحلُّ الإشكال.
وعلى ما قلنا لا يضرُّ دعوى الكلِّيةِ، نعم النهيُّ الذي ذكرناه يتفاوتُ بحسب تفاؤُتٍ
أداء الصلاة، فهو في صلاةٍ أدِّيتْ على أتمٍّ ما يكون من الخشوع والتدبُّر لِمَا يتلى
فيها مع الإتيان بفروضها وواجباتها وسُننها وآدابها على أحسن أحوالها أتمُّ، وقد
يَضْعفُ النهيُ فيها حتى كأنها لا تَنْهَى، كما في الصلاة التي تؤدّى مع الغفلة التامة
والإخلالِ بما يليق فيها، وهي الصلاةُ المردودة التي تُلفُّ كما يُلفُّ الثوبُ الخَلَقُ،
(١) البحر ١٥٣/٧.

الآية : ٤٥
٣٦٧
سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
ويُرْمَى بها وجهُ صاحبها، فتقول له: ضيَّعك الله تعالى كما ضيعتني(١). وكأنَّ مراد
القائل: إنَّ المراد بالصلاة التي تَنْهَى عما ذكر هي الصلاةُ المقبولةُ هو هذا.
وقد يُجعَلُ الانتهاء علامةَ القبول؛ رَوَى بعضُ الإمامية عن أبي عبد الله نظراته أنه
قال: مَن أحبّ أن يعلم قُبِلتْ صلاتُه أم لم تقبل، فلينظر هل منعته عن الفحشاء
والمنكر؟ فبقَدْرِ ما منعته قُبلت منه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن الحسن
قال: قال رسول الله وَله ((مَن لم تنهه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر فلا صلاةً له)).
وفي لفظ: ((لم يزدَدْ بها من الله تعالى إلا بُعداً)(٢). وأخرجه بهذا اللفظ ابنُ
أبي حاتم والطبرانيُّ وابنُ مردويه عن ابن عباس ظًّا مرفوعاً (٣).
وأخرج ابنُ أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جَريرٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم
والبيهقيُّ عن ابن مسعود رَّه أنه قيل له: إنَّ فلاناً يطيلُ الصلاةَ، فقال: إنَّ
الصلاة لا تنفع إلا مَن أطاعها، ثم قرأ: (إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنْكُرُ) (٤).
(١) قطعة من حديث أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ١٢٢/٢، والبزار بنحوه
(٢٦٩١) و(٢٧٠٨) عن عبادة بن الصامت. قال الهيثمي: فيه الأحوص بن حكيم وثقه ابن
المديني والعجلي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله موثقون. اهـ. وأخرجه الطبراني في
الأوسط (٣٠٩٥) من حديث أنس ره، وقال الهيثمي في المجمع ٣٠٢/١: فيه عباد بن
کثیر، وقد أجمعوا على ضعفه.
(٢) الدر المنثور ١٤٥/٥، وهو بالرواية الثانية في تفسير الطبري ٤٠٩/١٨، والشعب (٣٢٦٤)،
وكذا أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٩٨/٢، وابن الأعرابي في معجمه (١٩٥٤). وأخرجه
بالرواية الأولى ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٥-٣٠٦٦ من طريق عمر بن أبي عثمان عن الحسن
عن عمران بن حصين رَُّته مرفوعاً، وإسناده ضعيف لجهالة عمر بن أبي عثمان، ولانقطاعه
فإن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٦٦/٩، والمعجم الكبير (١١٠٢٥)، وعزاه لابن مردويه السيوطي
في الدر ١٤٥/٥. وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢٩٨/١٣، وتفسير الطبري ٤٠٨/١٨-٤٠٩، وتفسير ابن أبي حاتم
٣٠٦٦/٩، وشعب الإيمان (٣٢٦٣)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في
الدر ١٤٦/٥.

سُورَةُ الجَنْكُتُوتِ
٣٦٨
الآية : ٤٥
وقد يتّفق لمن يُكثر الصلاةَ أن تقع بعض صلاته على الوجه اللائق فتُقبل لطفاً
من الله تعالى وكرماً، ويظهر أثر ذلك بالانتهاء عن المعاصي، ويشير إلى هذا
ما أخرج أحمد وابن حبَّان والبيهقيُّ عن أبي هريرة رَُّه قال: جاء رجل إلى
النبيِّ وَّه فقال: إنَّ فلاناً يصلِّي بالليل، فإذا أصبح سرق. قال: ((سينهاه
ما تقول)) (١).
وأصرَحُ منه فيما ذكرنا ما روي أنَّ فتّى من الأنصار كان يصلِّي مع النبيِّ وَلقول
الصلاةَ ولا يدعُ شيئاً من الفواحش إلا ركبه، فوُصِفَ له، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّ صلاته ستنهاه)) فلم يلبث إلّا أن تاب(٢). إلا أنَّ ابن حجرٍ ذكر فيه أنه
لم يجده في كتب الحديث(٣).
ثم إنَّ حَمْلَ الصلاة في الآية على الصلاة المعروفة هو الظاهر المؤيّدُ بالآثار
والأخبار الصحيحة، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر ﴿ها أنَّ المراد بها هنا
القرآن(٤).
وقال ابن بحر: إنَّ المراد بها الدعاء، أي: أقم الدعاء إلى أمر الله تعالى، إنَّ
الدعاء إلى أمره سبحانه ينهى عن الفحشاء والمنكر.
وكلٌّ منهما عدولٌ عن الظاهر من غير داعٍ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس أنه كان يقرأ: ((إنَّ الصلاةَ
تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر))(٥).
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبٌ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو قرَّةَ ومجاهدٌ
وعطيةُ: المعنى: لِذِكْرُ الله تعالى إياكم أكبر من ذِكْرِكم إياه سبحانه. وفي لفظ:
(١) مسند أحمد (٩٧٧٨)، وصحيح ابن حبان (٢٥٦٠)، والشعب (٣٢٦١). قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٢٥٨/٢: رجاله رجال الصحيح.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢٠٧/٣.
(٣) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٢٨ .
(٤) تفسير الطبري ٤٠٨/١٨ .
(٥) الدر المنثور ١٤٥/٥.

الآية : ٤٥
٣٦٩
سُورَةُ الجَنْكُوتِ
لِذِكْرُ الله تعالى العبدَ أكبر من ذكر العبد لله تعالى. وعن ابن عباس أنه قال ذلك ثم
قرأ: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك أنه قال: ذِكْرُ اللهِ تعالى العبدَ في
الصلاة أكبرُ من الصلاة(١).
فـ ((ذِكْر)) مصدرٌ مضافٌ إلى الفاعل، والمفعولُ محذوفٌ، وكذا المفضَّلُ عليه،
وهو خاصٌّ على ما سمعتَ، وجوِّز أن يكون عامًّا، أي: أكبرُ من كلِّ شيءٍ.
وقيل: المعنى: ولذِكْرُ العبدِ اللهِ تعالى في الصلاة أكبرُ من سائر أركان الصلاة.
وقيل: أي: ولذِكْرُ العبدِ الله تعالى في الصلاة أكبرُ من ذِكْرِه إياه سبحانه خارجَ
الصلاة .
وقيل: أي: ولذِكْرُ العبدِ لله تعالى أكبرُ من سائر أعماله. وروي عن جماعةٍ من
السَّلَف ما يقتضيه؛ أخرج أحمد في ((الزهد))، وابنُ المنذر عن معاذ بن جبل قال:
ما عَمِلَ آدميٌّ عملاً أَنْجَى له من عذاب الله تعالى مِن ذِكْرِ اللهِ تعالى. قالوا:
ولا الجهادُ في سبيل الله تعالى؟ قال: ولا أنْ يضرب بسيفه حتى ينقطع؛ لأنَّ الله
تعالى يقول في كتابه: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (٢).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي الدرداء قال: أَلَا أُخْبِرُكم بخيرٍ
أعمالِكُم، وأحبِّها إلى مليككم، وأسماها في درجاتكم، وخيرٍ من أن تغزوا عدوًّكم
فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟ قالوا: وما هو
يا أبا الدرداء؟ قال: ذِكْرُ الله تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (٣).
وأخرج ابن جرير عن سلمان أنه سُئل: أيُّ العملِ أفضل؟ قال: أَمَا تقرأ
القرآن؟ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) لا شيءَ أفضلُ من ذكر الله(٤).
(١) تفسير الطبري ٤١٦/١٨، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١٤٦/٥ .
(٢) الزهد لأحمد ص٢٢٥، وهو من زوائد ابنه عبد الله.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٨/١٣، وتفسير الطبري ٤١٣/١٨-٤١٤. وأخرجه مرفوعاً من حديث
أبي الدرداء ه أحمد (٢١٧٠٢)، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠)، دون ذكر الآية.
(٤) تفسير الطبري ٤١٥/١٨ .

سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
٣٧٠
الآية : ٤٦
ونَسبَ في ((البحر))(١) إلى أبي الدرداء وسلمانَ ظُبه القول الذي ذكرناه أوَّلاً
عَمَّن سمعتَ، ولعل ذلك إحدى روايتين عنهما .
وجاء عن ابن عباس أيضاً روايةٌ تُشِعرُ بأنَّ المراد بذكر الله تعالى ذكرُ العبدِ له
سبحانه؛ أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، والحاكم في
((الكنى))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن عنترة قال: قلت لابن عباس ظُها: أيُّ
العمل أفضل؟ قال: ذِكْرُ الله أكبرُ، وما قعد قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى
يَدْرُسون كتابَ الله، ويتعاطَوْنه بينهم، إلَّا أظلَّتهم الملائكةُ بأجنحتها، وكانوا
أضيافَ الله تعالى ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيرِهِ، وما سلك رجلٌ طريقاً
يلتمسُ فيه العلم إلا سهّل الله تعالى له طريقاً إلى الجنة(٢).
وقيل: المرادُ بذكر الله تعالى الصلاةُ، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: ولَلصَّلاةُ أكبرُ من سائر الطاعات، وإنما عبّر عنها به للإيذان
بأنَّ ما فيها من ذكر الله تعالى هو العمدةُ في كونها مفضَّلةً على الحسنات ناهيةً عن
السيئات.
وقيل: المعنى: ولذِكْرُ اللهِ تعالى عند الفحشاء والمنكر، وذِكْرُ نَهْيِه
عنهما ووعيدِه عليهما أكبرُ في الزَّجر من الصلاة.
فـ ((ذكر)) على هذه الأقوال مصدرٌ مضافٌ للمفعول والمفضَّلُ عليه محذوف.
وجوِّز أن لا يكون أفعل للتفضيل سواءٌ كانت إضافةُ المصدر للفاعل أم للمفعول،
كما في: الله أكبر.
﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ من الخير والطاعة، فيجازيكم بذلك أحسنَ
المجازاة، وقال أبو حيان: يعلم ما تصنعون من الخير والشرِّ فيجازيكم بحسَبِه،
ففيه وعدٌ ووعيدٌ وحثٌّ على المراقبة(٣).
﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ﴾ من اليهود والنصارى. وقيل: من نصارى نجران
(١) ١٥٣/٧.
(٢) الدر المنثور ١٤٦/٥-١٤٧، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٧٠/١٣، وشعب الإيمان (٦٧١).
(٣) البحر ٧ /١٥٤ .

الآية : ٤٦
٣٧١
سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
﴿إِلَّا يَلَِّ هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة التي هي أحسنُ، كمقابلةِ الخشونة باللِّين،
والغضبِ بالكظم، والمشاغبةِ بالنصح، والسَّوْرة بالأناة، كما قال سبحانه: ﴿آدْفَعْ
◌ِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦]
﴿إِلَّا الَّذِيِنَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ بالإفراط(١) في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح،
ولم ينفع فيهم الرفقُ، فاستَعمِلوا معهم الغِلْظةَ.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنَّ ((الذين ظلموا)) هم الذين أَثبتوا الولد
والشريك، أو قالوا: يدُ اللهِ تعالى مغلولةٌ، أو: الله سبحانه فقير، أو آذَوا
رسولَ اللهِ وَلِ﴾(٢).
وهذه الغلظةُ التي تُفْهِمُ الآيَةُ الإذنَ بها لا تَصِلُ إلى القتال لأولئك الظالمين من
أهل الكتاب على أيِّ وجهٍ من الوجوه المذكورة كان ظلمهم؛ لأنَّ ظاهر كون
السورة مكيةً أنَّ هذه الآية مكيةٌ، والقتال في المشهور لم يُشْرَعْ بمكةَ، وليست
الغلظةُ محصورةً فيه كما لا يخفى.
وقيل: المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدِّينَ للجزية إلا بالتي هي
أحسنُ، إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمَّةَ ومنعوا الجزية، فإنَّ أولئك مجادلتهم
بالسيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يَقْرُبُ
منه(٣).
وتعقِّب بأنَّ السورة مكيةٌ، والحربُ والجزيةُ مما شُرِعَ بالمدينة، وكونُ الآيةِ
بياناً لحكم آتٍ بَعْدُ بعيدٌ، وأيضاً لا قرينةَ على التخصيص.
وقيل: يجوز أن يكون القائل بذلك ذاهباً إلى أنَّ الآية مدنيةٌ، ومكيةُ السورة
باعتبارٍ أغلب آياتها. أو ممن يقول بأنَّ الحرب شُرِعَ بمكة في آخر الأمر والسورةٌ
آخِرُ ما نزل بها، إلَّا أنه لم يقع، وعدمُ الوقوع لا يدلُّ على عدم المشروعية.
(١) في (م): بالإفراد، وهو تصحيف.
(٢) تفسير الطبري ٤١٨/١٨.
(٣) تفسير الطبري ٤١٨/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٦٩/٩، وعزاه لابن المنذر السيوطي في
الدر ١٤٧/٥.

٠٠٠٠
سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
٣٧٢
الآية : ٤٦
وعن ابن زيدٍ أنَّ المراد بأهل الكتاب مؤمنو أهلِ الكتاب، وبالتي هي أحسنُ
موافقتُهم فيما حدَّثوا به من أخبار أوائلهم، وبالذين ظلموا مَن بقي منهم على كفره.
وهو كما ترى.
واختلف في نسخ الآية؛ فأخرج أبو داود في ((ناسخه))، وابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم، وابن الأنباريِّ في ((المصاحف)» عن قتادة أنه قال: نُهي في هذه
الآية عن مجادلة أهل الكتاب، ثم نُسخ ذلك فقال سبحانه: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩] ولا مجادلةَ أشدُّ من السيف(١).
وقال في ((مجمع البيان)»: الصحيحُ أنها غيرُ منسوخةٍ؛ لأنَّ المراد بالجدال
المناظرةُ، وذلك على الوجه الأحسنِ هو الواجبُ الذي لا يجوز غيرُه(٢).
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ المجادلة بالحسنى في أوائل الدعوة لأنَّها تتقدَّمُ القتالَ،
فلا يلزمُ النسخُ ولا عدمُ القتال بالكلِّية، وأما كونُ النهي يدلُّ على عموم الأزمان
فيلزمُ النسخ فلا يتمُّ ما ذكر، فيدفعُه أنَّ مَن يقاتلُ كمانع الجزية داخلٌ في المستثنى،
فلا نسخَ وإنما هو تخصيصٌ بمتَّصلٍ، وكونُ ذلك يقتضي مشروعية القتال بمكة ليس
بصحيحٍ لأنه مسكوتٌ عنه، فتأمل.
وقرأ ابن عباس: ((أَلَا بالتي)) إلخ، على أنَّ (ألا)) حرفُ تنبيهٍ واستفتاحٍ،
والتقدير: أَلَا جادلوهم بالتي هي أحسن(٣).
﴿وَقُولُوَاْ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَ﴾ الذي ﴿أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي:
وبالذي أُنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وهذا القولُ نوعٌ من المجادلة بالتي هي
أحسن. وعن سفيان بن حسين أنه قال: هذه مجادلتُهم بالتي هي أحسن.
وأخرج البخاريُّ والنسائيُّ وغيرهما عن أبي هريرةَ قال: كان أهلُ الكتاب
يقرؤون الكتاب بالعبرانية ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله مليقول:
(١) تفسير الطبري ١٨/ ٤٢٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٦٨/٩، وعزاه لأبي داود وابن الأنباري
السيوطي في الدر ٥/ ١٤٧ .
(٢) مجمع البيان ٣٦٩/٢٠.
(٣) البحر ٧/ ١٥٥.

الآية : ٤٧
٣٧٣
سُورَةُ الجَنْكُتِ
((لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم، وقولوا: (ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ
إِلَيْكُمْ) الآية)»(١)، والتصديقُ والتكذيبُ ليسا نقيضين فيجوزُ ارتفاعُهما .
﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَِدٌ﴾ لا شريك له في الألوهية ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾﴾ أي:
مطيعون خاصةً، كما يؤذِنُ بذلك تقديم ((له))، وفيه تعريضُ باتِّخاذهم أحبارهم
ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاَ إِلَيْكَ الْكِتَبَّ﴾ تجريدٌ للخطاب لرسول الله وَلته، و((ذلك)) إشارةٌ
إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعْدِ منزلةِ المشارِ إليه في
الفضل، أي: مثلَ ذلك الإنزالِ البديعِ الشأنِ الموافقِ لإنزال سائر الكتب أنزلنا إليك
القرآن الذي من جملته هذه الآيةُ الناطقَةُ بما ذُكر من المجادلةِ بالتي هي أحسن.
وقيل: الإشارةُ إلى ما تقدَّم لذكر الكتاب وأهله، أي: وكما أنزلنا الكتب إلى
مَن قَبْلَكَ أنزلنا إليك الكتاب.
﴿فَلَِّينَ ءَانِيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ من الطائفتين اليهودِ والنصارى، على أنَّ المراد بالكتاب
جنسُه الشاملُ التوراة والإنجيل، والكلامُ على ظاهره. وقيل: هو على حذفٍ
مضافٍ، أي: آتيناهم علمَ الكتاب. ﴿يُؤْمِنُونَ بِدٍ﴾ بالكتاب الذي أُنزل إليك.
وقيل: الضميرُ له ◌َّر، وهو كما ترى.
والمرادُ بهم في قولٍ: مَن تقدَّم عَهْدَ النبيِّ وَّر من أولئك، حيث كانوا مصدِّقين
بنزول القرآن حَسْبَما علموا مما عندهم من الكتاب، والمضارعُ لاستحضار تلك
الصورة في الحكاية، وتخصيصُهم بإيتاء الكتاب للإيذان بأنَّ ما بَعْدَهم من معاصري
رسولِ اللهِ وَلٌ قد نُزِعَ عنهم الكتابُ بالنسخ.
وفي قولٍ آخَرَ: معاصروه عليه الصلاة والسلام العاملون بكتابهم من عبد الله بن
سلام وأضرابه، وتخصيصُهم بإيتاء الكتاب لِمَا أنهم هم المنتفعون به، فكأنَّ مَن
عَدَاهم لم يؤتوه؛ قيل: هذا يؤيِّد(٢) القول بأنَّ الآيات المذكورة مدنيةٌ، إذ كونُها
(١) الدر المنثور ١٤٧/٥، وهو في صحيح البخاري (٤٤٨٥)، والسنن الكبرى للنسائي
(١١٣٢٣) لكن مع ذكر قوله تعالى: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤] لا مع
ذكر آية العنكبوت، وذكرها برواية المصنف الطبري في التفسير ٤٢٢/١٨.
(٢) في الأصل: يؤيده.

سُوَّةُ الجَنْكُبُوتِ
٣٧٤
الآية : ٤٧
مكيةً وعبدُ الله ممن أسلم بعد الهجرة بناءً على أنه إعلامٌ من الله تعالى بإسلامهم في
المستقبل، والتفصيلُ باعتبار الإعلام = بعيدٌ جدًّا.
وجوَّز الطبرسيُّ أن يراد بالموصول المسلمون من هذه الأمة، وضمير (به))
للقرآن(١). ولا يخفى ما فيه. ولعل الأظهر كونُ المراد به علماءَ أهل الكتابين
الحَرِيُّون بأن يُنْسَبَ إليهم إيتاءُ الكتاب، كعبد الله بن سلام وأضرابه، ولا بُعْدَ في
كون الآيات مكيةً بناءً على ما سمعْتَ، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ
إيمانهم به مترتِّبٌ على إنزاله على الوجه المذكور.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: ومن العرب أو من أهل مكة، على أنَّ المراد بالموصول
عبد الله وأضرابُه، أو ممن في عصره وَّهِ من اليهود والنصارى على أنَّ المراد به مَن
تقدَّم ﴿مَنْ يُّؤْيِنُ بِهِ﴾ أي: بالكتاب الذي أنزل إليك، و((مِن)) على ما استظهره
بعضُهم تبعيضية واقعةٌ موقعَ المبتدأ، وله نظائر في الكتاب الكريم.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَِنَآ﴾ أي: وما يجحد به، وأقيم هذا الظاهرُ مقامَ الضمير للتنبيه
على ظهور دلالة الكتاب على ما فيه وكونِه من عند الله عز وجل، والإضافةُ إلى نون
العظمة لمزيد التفخيم. وفيما ذُكر غايةُ التشنيع على مَن یجحد به.
والجحد كما قال الراغب: نفيُ ما في القلب ثباتُه، وإثباتُ ما في القلب
نَفْيُه(٢). وفسِّر هنا بالإنكار عن علم، فكأنه قيل: وما ينْكِرُ آياتِنا مع العلم بها ﴿إِلَّا
اَلْكَافِرُونَ ﴾﴾ أي: المتوغِّلون في الكفر المصمِّمون عليه، فإنَّ ذلك يمنعهم عن
الإقرار والتسليم.
وقيل: يجوز أن يفسّر بمطلق الإنكار، ويرادَ بالكافرين المتوعُّلون في الكفر
أيضاً لدلالة فحوى الكلام والتعبيرِ بـ ((آياتنا)) على ذلك، أي: وما ينكرُ آياتنا مع
ظهورها وارتفاع شأنِها إلا المتوغِّلون في الكفر؛ لأنَّ ذلك يصدُّهم عن الاعتناء بها
والالتفاتِ إليها والتأمُّلِ فيما يؤدِّيهم إلى معرفة حقِّيَّتها، والمراد بهم مَن اتَّصف
بتلك الصفة من غيرِ قَصْدٍ إلى معيَّنٍ. وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه.
(١) مجمع البيان ٣٦٩/٢٠.
(٢) مفردات الراغب (جحد).
،

الآية : ٤٨
٣٧٥
سُؤَدَّةُ الجَنْكُبُوتِ
﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ ﴾ أي: وما كنتَ من قبل إنزالنا إليك الكتابَ تقدِرُ على
أن تتلو ﴿مِن كِتَبٍ﴾ أي: كتاباً، على أنَّ ((مِن)) صلة.
﴿وَلَا تَمُهُ﴾ ولا تقدِرُ على أن تخطّه ﴿ِنِكٌَ﴾، أو: ما كانت عادتُك أن
تتلوه ولا تخطّه. وذِكْرُ اليمين زيادةٌ تصويرٍ لِمَا نُفي عنهِوََّ من الخطّ، فهو مثلُ
العين في قولك: نظرتُ بعيني، في تحقيق الحقيقة وتأكيدِها حتى لا يبقى للمجاز
مجازٌ.
﴿إِذَا لََّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾﴾ أي: لو كنتَ ممن يقدِرُ على التلاوة والخطّ، أو
ممن يعتادُهما، لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله التقطه من كتب الأوائل، وحيث
لم تكن كذلك لم يكن لارتيابهم وجهٌ، وكأنَّ احتمال التعلُّم مما لم يُلتفت إليه
لظهورِ أنَّ مثله من الكتاب المفصَّل الطويل لا يُتَلَقَّى ويُتعلَّم إلا في زمانٍ طويلٍ
بمدارسةٍ لا يخفى مثلُها، ووَصْفُ مشركي مكةً بالإبطال باعتبارِ ارتيابهم
وكفرهم(١)، وهو عليه الصلاة والسلام أميٌّ، فكأنه قيل: إذن لارتاب هؤلاء
المبطلون الآن وکان إذ ذاك لا رتیابهم وجه.
وقيل: وَصْفُهم بذلك باعتبار ارتيابهم وهو وَّل أميٍّ، وباعتبار ارتيابهم وهو
عليه الصلاة والسلام ليس بأميٌّ؛ أمَّا كونُهم مُبْطِلينَ بالاعتبار الأول فظاهرٌ، وأمَّا
كونهم كذلك بالاعتبار الثاني فلأنَّ غايةَ ما يلزمُ من عدم أمِّيَّتَه ◌َِّ انتفاءُ أحد وجوه
الإعجاز، ويكفي الباقي في الغرض، فيكون المرتاب مُبْطِلاً كالمرتاب في نبؤَّة
الأنبياء الذين لم يكونوا أميين، وصحةٍ ما جاؤوا به.
والأول أظهر، وكونُ المراد بالمبطلين مشركي مكة هو المرويُّ عن مجاهد.
وقال قتادة: هم أهل الكتاب، أي: لو كنت تتلو من قبلُ أو تخظُ لارتاب أهل
الكتاب؛ لأنَّ نعتك في كتابهم أميٌّ، ووَصْفُهم بالإبطال قيل: باعتبار ارتيابهم وهو
عليه الصلاة والسلام أميٌّ كما هو الواقع، وإلا فهم ليسوا بمبطلين في ارتيابهم على
فرض عدم كونه ربَّ أميًّا .
وفي «الكشف)): هذا فرضٌ وتمثيلٌ دلالةٌ على أنَّ مدار الأمر على المُعْجِز،
(١) قوله: وكفرهم، ليس في الأصل.

سُودَةُ الجَنْكُبُوتِ
٣٧٦
الآية : ٤٨
وأنَّ كونه عليه الصلاة والسلام أميًّا لا يخظُ ليس ممَّا لا يتمُّ دعواه به، وتلـ
الدلالة لا تختلف والمنكِرُ مبطلٌ. اهـ، فتأمل.
هذا واختُلف في أنه بَّ هل كان بعد النبوَّة يقرأ ويكتبُ أم لا؟ فقيل: إنه عليه
الصلاة والسلام لم يكن يُحْسِنُ الكتابةَ، واختاره البغويُّ في ((التهذيب)) وقال: إنه
الأصح(١).
وادَّعى بعضُهم أنه بَلَ صار يعلَمُ الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وعدمُ
معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية، فلمَّا نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمرٌ
الارتياب تعرَّف الكتابة حينئذٍ، وروى ابن أبي شيبةً وغيرُه: ما مات الَّ حتى
كتب وقرأ. ونُقل هذا للشعبيِّ فصدَّقه وقال: سمعتُ أقواماً يقولونه(٢). وليس في
الآية ما ينافيه.
وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال رَّه: «رأيتُ ليلة أسري بي مكتوباً على
باب الجنة: الصدقةُ بعشر أمثالها، والقرضُ بثمانيةَ عَشَرَ)) (٣)، والقدرةُ على القراءة
فرعُ الكتابة. ورُدَّ باحتمالِ إقدارِ اللهِ تعالى إياه عليه الصلاة والسلام عليها بدونها
معجزةً، أو فيه مقدَّرٌ وهو: فسألتُ عن المكتوب فقيل: إلخ.
ويشهد للكتابة أحاديثُ في ((صحيح البخاريِ)) وغيره، كما ورد في صلح
الحديبية: فأخذ رسول الله وَّرَ الكتابَ وليس يُحسِنُ يكتبُ فكتبَ: ((هذا ما قاضَی
عليه محمد بنُ عبد الله)) الحديثَ (٤).
(١) التهذيب في فقه الإمام الشافعي للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ٢١٧/٥.
(٢) عزاه لابن أبي شيبة ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢٦/٣، والشهاب في الحاشية ١٠٥/٧،
والكلام منه، وأخرجه أيضاً البيهقي ٧/ ٤٢، وهو عندهما من طريق مجالد بن سعيد عن
عون بن عبد الله عن أبيه قال: ما مات ... ، قال مجالد: فذكرت ذلك للشعبي فقال:
صدق ... إلخ. قال البيهقي: هذا حديث منقطع، وفي رواته جماعة من الضعفاء
والمجهولين.
(٣) سنن ابن ماجه (٢٤٣١)، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ٢٨٤/١. وقال: وليس
بصحيح.
(٤) صحيح البخاري (٤٢٥١) من حديث البراء بن عازب ظه، وأخرجه بنحوه مسلم (١٧٨٣):
(٩٢) دون قوله: ولیس یحسن يكتب.

الآية : ٤٨
٣٧٧
سُورَةُ الْجَنُكْتُوتِ
وممن ذهب إلى ذلك أبو ذرِّ عبد بن أحمد الهرويُّ(١)، وأبو الفتح النيسابوريُّ،
وأبو الوليد الباجي(٢) من المغاربةُ، وحكاه عن السِّمناني(٣)، وصنَّف فيه كتاباً،
وسبقه إلیه ابنُ منیة.
ولمَّا قال أبو الوليد ذلك طُعِنَ فيه ورُمي بالزندقة وسُبَّ على المنابر، ثم عُقِدَ له
مجلسٌ فأقام الحجةَ على مدَّعاه، وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا
بما يوافقه(٤). ومعرفةُ الكتابة بعد أمِّيَّتَه وََّ لا تنافي المعجزة، بل هي معجزةٌ أخرى
لکونها من غیر تعلیم.
وردّ بعضُ الأجلَّة كتاب الباجي لِمَا في الحديث الصحيح: ((إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ
لا نكتبُ ولا نَحْسُبُ))(٥)، وقال: كلُّ ما ورد في الحديث من قوله: ((كتب)،
فمعناه: أَمَر بالكتابة، كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلانٍ. وتقديم قوله تعالى:
(مِن قَبْلِهِ،) على قوله سبحانه: (وَلَا تَهُهُ) كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم
يكتب مطلقاً. وكونُ القيد المتوسّط راجعاً لِمَا بعده غير مطَّردٍ، وظنَّ بعضُ الأجلة
رجوعَه إلى ما قبله وما بعده فقال: يُفهَمُ من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان
(١) الحافظ شيخ الحرم، المعروف ببلده بابن السماك، الأنصاريُّ الخراساني المالكي، صاحب
التصانيف، وراوي الصحيح عن المستملي والحموي والكشميهني، من تصانيفه: دلائل
النبوة، وفضائل القرآن، والسنَّة، والصحيح المسند المخرج على الصحيحين، ومسانيد
الموطأ، توفي سنة (٤٣٤هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٥٤ .
(٢) القاضي سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الأندلسي القرطبي الباجي، صاحب التصانيف،
وكان أبو ذر الهروي من مشايخه، وأخذ عنه علم الحديث والفقه والكلام، من تصانيفه:
الاستيفاء، والإيماء في الفقه، ومختصر المختصر في مسائل المدونة، توفي سنة (٤٧٤هـ).
السير ٥٣٥/١٨.
(٣) هو محمد بن أحمد بن محمد الحنفي، أبو جعفر، قاضي الموصل، كان يعتقد مذهب
الأشعري، ولازم ابن الباقلاني حتى برع في علم الكلام، وله تصانيف، تخرج به في
العقليات القاضي أبو الوليد الباجي وغيره، توفي سنة (٤٤٤هـ). السير ١٧/ ٦٥١.
(٤) ينظر قصة أبي الوليد الباجي في هذه المسألة في ترتيب المدارك ٨٠٥/٤-٨٠٦، والكلام
من حاشية الشهاب ٧/ ١٠٥ .
(٥) أخرجه أحمد (٥١١٧)، والبخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر
والكلام من حاشية الشهاب.

سُورَةُ الجَنْكُوتِ
٣٧٨
الآية : ٤٩
قادراً على التلاوة والخطّ بعد إنزال الكتاب، ولولا هذا الاعتبارُ لكان الكلامُ خلواً
عن الفائدة. وأنت تعلم أنه لو سلِّم ما ذكره من الرجوع لا يتمُّ أمر الإفادة إلا إذا(١)
قيل بحجِّية المفهوم، والظانُّ ممن لا يقول بحجِّيَّته.
ولا يخفى أنَّ قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنا أمةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتبُ ولا نحسُبُ)) ليس
نصًّا في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام، ولعل ذلك باعتبارٍ أنه بُعث
عليه الصلاة والسلام وهو وكذا أكثرُ مَن بُعِثَ إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب
أمِّيُّون لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضرُّ عدمُ بقاء وصف الأمية في الأكثر بعدُ.
وأمَّا ما ذُكر من تأويل ((كتب)) بـ: أَمَرَ بالكتابة، فخلافُ الظاهر، وفي ((شرح
صحيح مسلم)) للنواويِّ عليه الرحمةُ نقلاً عن القاضي عياض أنَّ قوله في الرواية
التي ذكرناها: ولا يُحسِنُ أن يكتب فكتب، كالنصِّ في أنّه وَّ كتب بنفسه؛
فالعدولُ عنه إلى غيره مجازٌ لا ضرورةً إليه، ثم قال: وقد طال كلامُ كلِّ فرقةٍ في
هذه المسألة، وشنَّعت كلُّ فرقةٍ على الأخرى في هذا، فالله تعالى أعلم(٢).
ورأيتُ في بعض الكتب، ولا أدري الآن أيُّ كتابٍ هو، أنه وٍَّ لم يكن يقرأ
ما يكتب، لكن إذا نظر إلى المكتوب عرف ما فيه بإخبارِ الحروف إياه عليه الصلاة
والسلام عن أسمائها، فكلُّ حرفٍ يخبره عن نفسه أنه حرفُ كذا، وذلك نظيرُ إخبار
الذراع إياه وَله بأنها مسمومةٌ(٣).
وأنت تعلم أنَّ مثل هذا لا يُقبل بدون خبرٍ صحيحٍ ولم أظفر به .
﴿بَلَّ هُوَ﴾ أي: القرآن، وهذا إضرابٌ عن ارتيابهم، أي: ليس القرآنُ مما يُرتاب
فيه لوضوح أمره، بل هو ﴿مَايَتُ بَيْنَثُ﴾ واضحاتٌ ثابتةٌ راسخةٌ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْوَّ﴾ من غير أن يُلتقط من كتابٍ، يحفظونه بحيث لا يُقْدَر على تحريفه،
بخلاف غيره من الكتب، وجاءَ في وصف هذه الأمة: ((صدورُهم أنا جيلُهم))(٤).
(١) في (م): إذ.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١٣٨/١٢، وكلام القاضي عياض في إكمال المعلم ٦/ ١٥٢.
(٣) سلف ٢٨٦/١٨.
(٤) قطعة من حديث أخرجه الطبراني (١٠٠٤٦) عن ابن مسعود له بلفظ: ((أناجيلهم في
صدورهم)) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧١/٨: وفيه مَن لم أعرفهم. وفي النهاية

الآية : ٥٠
٣٧٩
سُورَةُ الجَنْكُوتِ
وكونُ ضميرٍ ((هو)) للقرآن هو الظاهر، ويؤيِّده قراءة عبد الله: ((بل هي آياتٌ
بيناتٌ))(١)
وقال قتادة: الضميرُ للنبيِّ وَّهِ، وقرأ: ((بل هو آيةٌ بينةٌ)) على التوحيد(٢).
وجَعَله بعضهم له عليه الصلاة والسلام على قراءة الجمع، على معنى: بل النبيُّ
وأمورُه آیاتٌ.
وقيل: الضمير لمَا يُفهَم من النفي السابق، أي: كونُه لا يقرأ ولا يخظُ آيَاتٌ
بيناتٌ في صدور العلماء من أهل الكتاب، لأنَّ ذلك نعتُ النبيِّ عليه الصلاة
والسلام في کتابهم. والکلُّ كما ترى.
وفي الأخير حَمْلُ ((الذين أوتوا العلم)) على علماء أهل الكتاب، وهو مرويٌّ
عن الضحاك. والأكثرون على أنهم علماء الصحابة، أو النبيُّ وَّ وعلماءُ أصحابهِ،
وروي هذا عن الحسن. ورَوَى بعضُ الإمامية عن أبي جعفر وأبي عبد الله ظ﴿ها أنهم
الأئمة من آل محمدٍ أَلةٍ(٣).
﴿وَمَا يَجْعَدُ بِثَايَِنَا﴾ مع كونها كما ذُكر ﴿إِلَّ الظَّالِمُونَ ﴾﴾ المتجاوزون
للحدِّ في الشرِّ والمكابرةِ والفساد.
﴿وَقَالُواْ﴾ أي: كفارُ قريشٍ بتعليمِ بعضٍ أهلِ الكتاب، وقيل: الضمير لأهل
الكتاب: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتُ مِن رََّّةٍ﴾ مثل ناقة صالح وعصا موسى. وقرأ
أكثر أهل الكوفة ((آيةٌ)) على التوحيد (٤).
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ أَهِ﴾ ينزلها حَسْبَما يشاء من غير دخلٍ لأحدٍ في ذلك قطعاً .
﴿وَإِنَّمَآ أَنْ نَذِيرٌ تُبِينُ ﴾﴾ ليس من شأني إلَّ الإنذارُ بما أُوتِيتُ من الآيات
لا الإتيانُ بما اقترحْتُموه، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ.
= (نجل): ((أناجيلهم في صدورهم)) أي: أن كتبهم محفوظة فيها .
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٨/٣، والمحرر الوجيز ٣٢٢/٤، والبحر ١٥٦/٧.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٢/٤، والبحر ١٥٦/٧.
(٣) مجمع البيان ٣٧٠/٢٠.
(٤) التيسير ص١٧٤، والنشر ٣٤٣/٢ عن حمزة والكسائي وأبي بكر وابن كثير وخلف.
...

سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ
٣٨٠
الآية : ٥١
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ واردٌ من جهته تعالى ردًّا على اقتراحهم وبياناً
لبطلانه، والهمزةُ للإنكار والنفي، والواوُ للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي:
أَقصَّر ولم يَكْفِهم آيَةً مُغْنيةً عن سائر الآيات ﴿أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ الناطقَ بالحقِّ
المصدِّقَ لِمَا بين يديه من الكتب السماوية وأنت بمعزلٍ من مُدارسَتها وممارستها .
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ تدومُ تلاوتُه عليهم متحدّين به، فلا يزال معهم آيَةً ثابتةً لا تزولُ
ولا تَضْمَحِلُّ كما تزول كلُّ آيَةٍ بعد كونها .
وقيل: ((يتلى عليهم)) أي: أهلِ الكتابِ بتحقُّق ما في أيديهم من نعتك ونعتٍ
دينك. وله وجهٌ إن كان ضميرُ ((قالوا)) فيما تقدَّم لأهل الكتاب، وأمَّا إذا كان لكفار
قریشٍ فلا يخفى ما فيه.
﴿إِنَ فِي ذَلِكَ﴾ أي: الكتابِ العظيم الشأنِ الباقي على ممرِّ الدهور. وقيل:
الذي هو حجةٌ بِيِّنةٌ ﴿لَرَحْمَةٌ﴾ أي: نعمةً عظيمة ﴿وَزِكْرَى﴾ أي: تذكرة ﴿لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي: همُّهم الإيمانُ لا التعنُّتُ، فالجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((ذكرى))
والفعلُ مرادٌ به الاستقبال، ويجوز أن يكون (رحمة)) و((ذكرى)) مما تنازعا في الجارِ
والمجرور، فيجوز أن يكون الفعل للحال.
وأخرج الفريابيُّ والدارميُّ، وأبو داود في ((مراسيله))، وابنُ جرير وابنُ المنذر
وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتفٍ قد كتبوا
فيها بعضَ ما سمعوه من اليهود، فقال رسول الله وَلجر: ((كفى بقوم حُمقاً - أو
ضلالةً - أنْ يرغبوا عمَّا جاء به نبيُّهم إليهم إلى ما جاء به غيرُه إلى غيرهم)) فنزلت:
(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ) الآية(١). وأخرج الإسماعيليُّ في ((معجمه))،
وابنُ مردويه عن يحيى هذا ما هو قريبٌ مما ذُكر مرويًّا عن أبي هريرة ◌َبه(٢).
و ((يؤمنون)) على هذا على ظاهره لا غير.
(١) سنن الدارمي (٤٧٨)، والمراسيل (٤٥٤)، وتفسير الطبري ٤٢٩/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم
٩/ ٣٠٧٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٤٨/٥. والكتف: عَظْمُه؛ لأنهم كانوا
في الصدر الأول يكتبون على الخشب والعظام والجلود. حاشية الشهاب ١٠٦/٧ -١٠٧.
(٢) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي ٣/ ٧٧٢، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٤٨/٥،
وأخرجه أيضاً الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٥٤٣/٢ -٥٤٤ .