النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ٢٦ ٣٤١ سُورَةُ الجَنْكُوتِ ألقيتُموني فيها. وجَمْعُ الناصرين لوقوعه في مقابلة الجمع، أي: ما لأحدٍ منكم من ناصرِ أصلاً. ﴿فَمَنَ لَهُمْ لُوطٌ﴾ أي: صدَّقه عليه السلام في جميع مقالاته، أو بنبوَّته حين اذَّعاها، لا أنه صدَّقه فيما دعا إليه من التوحيد ولم يكن كذلك قبلُ؛ فإنه عليه السلام كان متنزِّهاً عن الكفر. وما قيل: إنه آمن له عليه السلام حين رأى النار لم تُحرقه، ضعيفٌ روايةً وكذا درايةً؛ لأنه بظاهره يقتضي عدم إيمانه قبلُ وهو غيرُ لائقٍ به عليه السلام. وحَمَله بعضُهم على نحو ما ذكرنا، أو على أن يراد بالإيمان الرتبةُ العالية منها، وهي التي لا يرتقي إليها إلا الأفراد. ولوط على ما في ((جامع الأصول))(١) ابن أخيه هاران بن تارح، وذكر بعضُهم أنه ابنُ أخته بالتاء الفوقية. ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم عليه السلام، كما ذهب إليه قتادة والنخعيُّ. وقيل: الضمير للوط عليه السلام، وليس بشيء؛ لِمَا يلزمُ عليه من التفكيك. والجملة استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فماذا كان منه عليه السلام؟ فقيل: قال: ﴿إِنِّ مُهَاجِرُ﴾ أي: من قومي ﴿إِلَى رَبِّ﴾ أي: إلى الجهة التي أمرني ربِّي بالهجرة إليها. وقيل: إلى حيث لا أُمنع عبادةَ ربِّي. وقيل: المعنى: مهاجر مَن خالفني من قومي متقرِّباً إلى ربِّي. ﴿إِنَّهُ﴾ عزَّ وجلَّ ﴿هُوَ اَلْعَزِيزُ﴾ الغالبُ على أمره، فيمنعني من أعدائي ﴿اَلْحَكِيمُ ﴾﴾ الذي لا يفعل فعلاً إلا وفيه حكمةٌ ومصلحةٌ، فلا يأمرني إلا بما فيه صلاحي. روي أنه عليه السلام هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط(٢) وسارةَ ابنةٍ عمِّه إلى حرَّان، ثم منها إلى الشام، فنزل قريةً من أرض فلسطين، ونزل لوط (١) كما في حاشية الشهاب ٩٨/٧. (٢) في (م): لوطاً، وهو تصحيف. سُودَةُ الجَنَكُوتِ ٣٤٢ الآية : ٢٧ سذوم(١) وهي المؤتفكةُ على مسيرة يوم وليلةٍ من قرية إبراهيم عليهما السلام، وكان عمره إذ ذاك على ما في ((الكشاف)) و(البحر)) خمساً وسبعين سنة(٢)، وهو أولُ مَن هاجر في الله تعالى. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ولداً ونافلةً حين أيس من عجوزٍ عاقر. والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلُ، ولا حاجةَ إلى عَطْفِها على مقدَّرٍ ك : أصلحنا أَمْرَه، ولم يذكر سبحانه إسماعيل عليه السلام، قيل: لأنَّ المقام مقامُ الامتنان وذِكْرِ الإحسان، وذلك بإسحاق ويعقوب لِمَا أشرنا إليه، بخلاف إسماعيل. وقيل: لأنه لا يناسبُ ذِكْره ها هنا؛ لأنه ابتُلي بفراقه ووَضْعِه بمكة مع أمه دون أنیس. وقال الزمخشرىُّ: إنه عليه السلام ذُكر ضمناً وتلويحاً بقوله تعالى: ﴿وَجَمَلْنَا فِى ذُرِيَِّهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ﴾ ولم يصرِّح به لشهرة أمره وعلوِّ قدره(٣). هذا مع أنَّ المخاطب نبيُّنَا وَّه، وهو من أولاده وأَعْلَمُ به. والمراد بـ ((الكتاب)): جنسُه المتناولُ للكتب الأربعة. ﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ﴾ على ما عَمِلَ لنا ﴿فِ الدُّنْيَا﴾ قال مجاهد: بإنجائه من النار ومن الملِكِ الجبار، والثناءِ الحسنِ عليه بحيث يتولَاه كلُّ أمةٍ. وضمَّ إلى ذلك ابنُ جريجِ الولدَ الذي قرَّتْ به عينُه. وقد يُضَمُّ إلى ذلك أيضاً استمرارُ النبوّةِ في ذريته . وقال السّدِّي: إنَّ ذلك إراءتُه عليه السلام مكانَه من الجنة. وقال بعضهم: هو التوفيقُ لعمل الآخرة. وقيل: هو الصلاة عليه إلى آخر الدهر. (١) في الأصل: سدوم. قال الأزهري في تهذيب اللغة ٣٧٤/١٢: سدوم مدينة من مدائن قوم لوط، كان قاضيها يقال له: سدوم، وقال أبو حاتم في كتاب المزال والمُفْسَد: إنما هو سذوم بالذال، والدال خطأ، قال الأزهري: وهذا عندي هو الصحيح. (٢) الكشاف ٣/ ٢٠٤، والبحر ١٤٩/٧. (٣) الكشاف ٢٠٤/٣. الآية : ٢٨ - ٢٩ ٣٤٣ سُورَةُ الجَنْكُوتِ وقال الماورديُّ: هو بقاءُ ضيافته عند قبره، وليس ذلك لنبيٍّ غيره(١). ولا يخفى حالُ بعض هذه الأقوال. وذكر بعضهم أنَّ المراد: آتيناه أجره بمقابلةِ هجرته إلينا، وعليه لا يصحُّ عَدُّ الإنجاء من النار من الأجر، بل يُعدُّ إعطاءُ الولد والذريةِ الطيبة، واستمرارُ النبوّة فيهم، ونحو (٢) ذلك مما كان له عليه السلام بعد الهجرة من الأجر. وعَظْفُ هذا وما بعده من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ أي: لفي عداد الكاملين في الصلاح، من التعميم بعد التخصيص، كأنه لمَّا عدَّد ما أنعم به عليه من النعم الدينية والدنيوية قال سبحانه: وجمعنا له مع ما ذُكر خيرَ الدارین. ﴿وَلُوطَا﴾ عطفٌ على ((إبراهيم)) أو على ((نوحاً))، والكلامُ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ:﴾ كالذي في القصة السابقة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ﴾ الفعلةَ البالغةً في القبح، وقرأ الجمهور: ((أئنكم)) على الاستفهام الإنكاريُّ(٣). ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لكمال قبحِها، فإنَّ إجماع جميع أفراد العالمين على التحاشي عنها ليس إلا لكونها مما تشمئزُّ منه الطباع السليمةُ، وتنفرُ منه النفوس الكريمة. وجوَّز أبو حيان كون الجملة حالاً من ضمير ((تأتون))، كأنه قيل: إنكم لتأتون الفاحشةَ مبتدعين لها غيرَ مسبوقين بها (٤). ﴿أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُنَ الْرِّجَالَ﴾ أي: تنكحونهم ﴿وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي: وتقطعون الطريق بسبب تكليف الغرباء والمارَّة تلك الفعلة القبيحة، وإتيانهم كرهاً، أو: وتقطعون سبيل النسل بالإعراض عن الحرث وإتيانِ ما ليس بحرثٍ. (١) النكت والعيون ٢٨١/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ١٤٩/٧. (٢) في (م): ونحوه، وهو تصحيف. (٣) هي قراءة حمزة والكسائي وأبي عمرو وشعبة، وكلٌّ على أصله في التحقيق والتسهيل والإدخال. التيسير ص١٧٣، والبدور الزاهرة ص٢٤٥. (٤) البحر ١٤٩/٧ . سُورَةُ الجَنْكُتِ ٣٤٤ الآية : ٢٩ وقيل: تقطعون الطريق بالقتل وأخذ المال. وقيل: تقطعونه بقبح الأحدوثة. ﴿وَتَآتُونَ﴾ أي: تفعلون ﴿فِي نَادِيكُمْ﴾ أي: في مجلسکم الذي تجتمعون فيه، وهو اسمُ جنسٍ إذ أنديتهم في مجالسهم كثيرة، ولا يسمَّى نادياً إلا إذا كان فيه أهله، فإذا قاموا عنه لم يطلق عليه ناد. ﴿اَلْمُنكَرِّ﴾ أخرج أحمد، والترمذيُّ وحسّنه، والحاكم وصحَّحه، والطبرانيُّ، والبيهقي في ((الشعب)) وغيرُهم عن أمِّ هانئ بنت أبي طالب قالت: سألتُ رسول الله وَّ﴿ عن قول الله تعالى: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ) فقال: ((كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم))(١) . وعن مجاهد ومنصور والقاسم بن محمد وقتادةً وابن زيد: هو إتيانُ الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضاً. وعن مجاهد أيضاً: هو لعب الحمام؛ وتطريفُ الأصابع بالحنَّاء، والصفير، والخذف، ونبذُ الحياء في جميع أمورهم. وعن ابن عباس: هو تضارُطُهم وتصافُعهم فيها. وفي روايةٍ أخرى عنه: هو الخذفُ بالحصى، والرميُّ بالبنادق، والفرقعة، ومضغُ العلك، والسواكُ بين الناس، وحلُّ الإزار، والسُّبابُ، والفُحْشُ في المزاح. ولم يأتِ في قصة لوط عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى كما جاء في قصة إبراهيم، وكذا في قصة شعيب الآتية، لأنَّ لوطاً كان من قوم إبراهيم وفي زمانه، وقد سبقه إلى الدعاء لعبادة الله تعالى وتوحيده، واشتهر أمرُه عند الخلق، فذكر لوط عليه السلام ما اختصَّ به من المنع من الفاحشة وغيرها، وأمَّا إبراهيمُ وشعيبٌ عليهما السلام فجاءا بعد انقراضٍ مَن كان يعبد الله عز وجل ويدعو إليه سبحانه، فلذلك دعا كلٌّ منهما قومَه إلى عبادته تعالى، كذا في ((البحر))(٢). (١) مسند أحمد (٢٦٨٩١)، وسنن الترمذي (٣١٩٠)، والمعجم الكبير ٢٤/ (١٠٠٠)، والمستدرك ٤٠٩/٢، والشعب (٦٧٥٥)، وفي إسناده أبو صالح مولى أم هانئ، وهو ضعيف. (٢) ١٤٩/٧. الآية : ٢٩ ٣٤٥ سُورَةُ الجَنْكُوتِ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴾ أي: فيما تَعِدُنا [به] من نزول العذاب، على ما في ((الكشاف))(١) وغيره، وهذا ظاهرٌ في أنه عليه السلام كان أَوْعَدَهم بالعذاب. وقيل: أي: في دعوى استحقاقنا العذابَ على ما نحن عليه، المفهومةِ من التوبيخ المعلوم من الاستفهام الإنكاريٌّ. وقيل: أي: في دعوى استقباحِ ذلك، الناطقِ بها كلامُك. وهذا الجوابُ صَدَرَ عنهم في المرة الأولى من مرَّات مواعظِ لوط عليه السلام، وما في سورة الأعراف المذكورُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُمْ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٨٢] وما في سورة النمل المذكورُ في قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَلَ لُوطٍ مِّن قَرْبَتِكُمْ﴾ الآية [النمل: ٥٦] فقد صدر عنهم بعد هذه المرة، فلا منافاةً بين الحصر هنا والحصر هناك؛ قاله أبو حيان وتبعه أبو السعود(٢). وتعقِّب بأنَّ التعيينَ يحتاج إلى توقيفٍ. وأجيب بأنَّ مضموني الجوابين يُشْعِران بالتقدُّم والتأخّر، وذلك أنَّ ((ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين)) من باب التكذيب والسخرية، وهو أوفقُ بأوائل المواعظ والتوبيخات، و((أخرجوهم من قريتكم)) ونحوه من باب التعذيب والانتقام، وهو أنسبُ بأن يكون بعد تكرُّر الوعظ والتوبيخِ الموجب لضجرهم ومزيدِ تألّمهم مع قدرتهم على التشفِّي، وهذا القَدْرُ يكفي لدعوى التقدُّم والتأخّر. وقيل في دفع المنافاة بين الحصرين: إنَّ ما هنا جوابُ قومه عليه السلام له إذ نصحهم، وما هناك جوابُ بعضهم لبعضٍ إذ تشاوروا في أمره. وقيل: إنَّ أحد الجوابين صدر عن كبار قومه وأمرائهم، والآخر صدر عن غيرهم. (١) ٣/ ٢٠٤، وما بين حاصرتين منه. (٢) البحر ٧/ ١٥٠، وتفسير أبي السعود ٣٨/٧. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٤٦ الآية : ٣٠ - ٣٢ وظاهرُ صنيع بعض الأجلَّة يقتضي اختيارَ أن يكون كلٌّ من الحصرين بالإضافة إلى الجواب الذي يرجوه عليه السلام في متابعته، فتأمَّل. ﴿قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِ﴾ أي: بإنزالِ العذابِ الموعود ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ بابتداع الفاحشة وسَنِّها فيما بعدهم، والإصرارِ عليها، واستعجالِ العذاب بطريق السخرية. وإنما وَصَفَهم بذلك مبالغةً في استنزال العذاب. ﴿وَلَنَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْزَهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ أي: بالبشارة بالولد والنافلة ﴿قَالُواْ﴾ أي: لإبراهيم عليه السلام في تضاعيف الكلام: ﴿إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ﴾ أي: قريةٍ سذوم، وهي أكبرُ قرى قوم لوطٍ، وفيها نشأتِ الفاحشةُ أولاً على ما قيل، ولذا خُصَّت بالذِّكر، وفي الإشارة بـ ((هذه)) إشارةٌ إلى أنها كانت قريبةً من محلِّ إبراهيم عليه السلام، وإضافةُ ((مهلكو)) إلى ((أهل)) لفظيةٌ؛ لأنَّ المعنى على الاستقبال، وجوِّز كونُها معنويةً لتنزيل ذلك منزلةً الماضي؛ لقَصْدِ التحقيق والمبالغة. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِينَ ﴾﴾ تعليلٌ للإهلاك بإصرارهم على الظلم، وتماديهم في فنون الفساد وأنواعِ المعاصي. والتأكيدُ في الموضعين للاعتناء بشأن الخبر. وقال سبحانه: (إِنَّ أَهْلَهَا) دون: إنهم، مع أنه أظهرُ وأخصرُ تنصيصاً على اتّفاقهم على الفساد كما اختاره الخفاجيُّ(١). وقال بعض المدقِّقين: إنَّ ذلك للدلالة على أنَّ منشأ فساد جِبِلَّتهم خبثُ طينتهم، ففيه إشارةٌ خَفِيَّةٌ إلى أنَّ المراد من أهل القرية مَن نشأ فيها، فلا يتناول لوطاً عليه السلام. واعترض بأنه يَبْعدُ كلَّ البعد خفاؤها - لو كانت - على إبراهيم عليه السلام كما هو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ﴾. وقيل: يجوزُ أن يكون عليه السلام علم ما أشاروا إليه من عدم تناوُلِ أهل القرية إياه لكنه أراد التنصيصَ على حاله ليطمئنَّ قلبه؛ لكمال شفقته علیه. (١) في الحاشية ٧ / ٩٩. الآية : ٣٢ ٣٤٧ سُوَرَةُ السَّنْكُتِِ وقيل: أراد أن يعلم: هل يبقى في القرية عند إهلاكهم، أو يخرجُ منها ثم يهلكون؟ وكأنَّ في قوله: ((إن فيها)) دون: إنَّ منهم، إشارةً إلى ذلك. وأفهمَ كلامُ بعض المحققين أنَّ قوله: ((إنَّ فيها لوطاً)) اعتراضٌ على الرسل عليهم السلام بأنَّ في القرية مَن لم يَظلم، بناءً على أنَّ المتبادر من إضافة الأهل إليها العمومُ، وحَمَلَ الأهل على مَن سكن فيها وإن لم يكن تولَّده بها، أو معارضةٌ للموجِبٍ للهلاك - وهو الظلم - بالمانع وهو أنَّ لوطاً بين ظهرانيهم وهو لم يتَّصف بصفتهم، وأنَّ جواب الرسل المحكيَّ بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ نَحْبُ أَعْلَمُ بِمَن فِيّاً لَنُنَجِيَنَّهُ، وَأَهْلَهُ﴾ تسليمٌ لقوله عليه السلام في لوطٍ مع ادِّعاء مزيدِ العلم به باعتبارِ الكيفية، وأنهم ما كانوا غافلين عنه، وجوابٌ عنه بتخصيص الأهل بمن عَدَاه وأهلَه على الاعتراض، أو بيانٍ وقت إهلاكهم بوقتٍ لا يكون لوطٌ وأهلُه بين ظهرانيهم على المعارضة. وفيه ما يدل على جواز تأخير البيان عن الخطاب في الجملة(١). والذي يغلبُ على الظنِّ أنهم أرادوا بأهل القرية مَن نشأ بها على ما هو المتعارف، فلا يكون لوط عليه السلام داخلاً في الأهل، ويؤيِّد ذلك تأييداً مّا قولُ قومه: (أَخْرِجوا آلَ لوطٍ من قريتكم)) وفَهِمَ إبراهيم عليه السلام ما أرادوه، وعَلِمَ أنَّ لوطاً ليس من المهلَكين، إلا أنه خشي أن يكون هلاكُ قومه وهو بين ظهرانيهم في القرية، فيوحشُه ذلك ويُفْزِعُه. ولعله عليه السلام غَلَبَ على ظنِّه ذلك، حيث لم يتعرَّضوا لإخراجه من قرية المهلكين مع علمهم بقرابته منه ومزيدٍ شفقته عليه، فقال: ((إنَّ فيها لوطاً)) على سبيل التحزُّن والتفجُّع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّ وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] وجلُّ قَصْدِه أن لا يكون فيها حين الإهلاك، فأخبروه أولاً بمزيد عِلْمِهِم به، وأفادوه ثانياً بما يَسُرُّه ويُسْكِنُ جأشه، نظير ما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَِ كَلْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] وأكَّدوا الوعد بالتنجية إما للإشارة إلى مزيد اعتنائهم بشأنه، وإما لتنزيلهم إبراهيم عليه السلام منزلةً مَن ينكر تنجيتَه لِمَا شاهدوا منه في حقِّه، وتُحمل التنجيةُ على إخراجه من بين القوم وفَصْلِه عنهم وحِفْظِه مما يصيبهم، فإنها بهذا المعنى الفرد الأكمل. (١) لأنهم قالوا: ((إنا مهلكو أهل هذه القرية)) من غير بيان للمراد من الأهل، أهو الجميع، أو مّن عدا لوطاً وأهله؟ ثم بيَّنوه بعد ذلك. حاشية الشهاب ٧/ ١٠٠ . سُؤَدَةُ الجَنْكُتِ ٣٤٨ الآية : ٣٣ ويلائم هذا ما قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ (من) أي: من الباقين في القرية، وهو أحدُ تفسيرين، ثانيهما ما روي عن قتادة وهو تفسير ((الغابرين)) بالباقين في العذاب، فتأمَّل فكلام الله تعالى ذو وجوه. وفسِّر الأهل هنا بأتباع لوط عليه السلام المؤمنين، وجملة ((كانت من الغابرين)) مستأنفةٌ، وقد مرَّ الكلام في ذلك، وكذا في الاستثناء فارْجِع إليه. ﴿وَلَمَّ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا﴾ المذكورون بعد مفارقتهم إبراهيم عليه السلام ﴿لُوطًا مَِّ بِهِمْ﴾ أي: اعتراه المساءةُ والغمُّ بسبب الرسل مخافةً أن يتعرَّض لهم قومُه بسوءٍ كما هو عادتهم مع الغرباء، وقد جاؤوا إليه عليه السلام بصورٍ حسنةٍ إنسانية. وقيل: ضمير (بهم)) للقوم، أي: سيء بقومه لِمَا علم من عظيم البلاء النازل بهم، وكذا ضمير (بهم)) الآتي. وليس بشيء. و ((أنْ)) مزيدةٌ لتأكيد الكلام التي زيدتْ فيه، فتؤكِّد الفعلين واتصالهما المستفاد من ((لمَّا)) حتى كأنهما وجدا في جزءٍ واحد من الزمان، فكأنه قيل: لما أحسَّ بمجيئهم فاجَأتْه المساءةُ من غيرِ ريثٍ. ﴿وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: وضاق بشأنهم وتدبيرٍ أمرهم ذَرْعُه، أي: طاقتُه، كقولهم: ضاقت يده، ويقابلُه: رَحُبَ ذَرْعُه بكذا، إذا كان مطيقاً له قادراً عليه، وذلك أنَّ طويل الذراع ينالُ ما لا يناله قصير الذراع. ﴿وَقَالُواْ لَا تَّخَفْ وَلَا تَحْزَنَّ﴾ عطفٌ على ((سيء))، وجوِّز أن يكون عطفاً على مقدَّرٍ، أي: قالوا: إنَّا رسلُ ربِّك وقالوا .. إلخ، وأيًّا ما كان فالقولُ كان بعد أن شاهدوا فيه مخايل التضجُّر من جهتهم، وعاينوا أنه عليه السلام قد عجز عن مدافعة قومه حتى آلتْ به الحال إلى أن قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. والخوفُ للمتوقَّع والحزنُ للواقع في الأكثر، وعليه فالمعنى: لا تخف من تمكّنهم منَّا ولا تحزن على قَصْدِهم إيانا وعدم اكتراثهم بك، ونَهْيُهم عن الخوف من التمكُّن إن كان قبل إعلامهم إياه أنهم رسل الله تعالى فظاهر، وإن كان بعد الإعلام فهو لتأنيسه وتأكیدِ ما أخبروه به. الآية : ٣٣ ٣٤٩ سُورَةُ الجَنْكُتِ وقال الطبرسيُّ: المعنى: لا تخف علينا وعليك، ولا تحزن بما نفعله بقومك(١). ﴿إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ﴾ فلا يصيبكم ما يصيبهم من العذاب ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَكَ﴾ إنها ﴿كَانَتْ﴾ في علم الله تعالى ﴿مِنَ الْغَيِنَ وقرأ حمزة والكسائيُّ ويعقوب: (لنُنْجِينَّه)) و((مُنْجُوك)) بالتخفيف من الإنجاء(٢)، ووافقهم ابنُ كثير في الثاني(٣). وقرأ الجمهور بشدِّ نون التوكيد، وفرقةٌ بتخفيفها (٤). وأيًّا ما كان فمحلُّ الكاف من ((منجوك)) الجرُّ بالإضافة، ولذا حُذفت النون عند سيبويه (٥)، و((أهلك)) منصوبٌ على إضمار فعلٍ، أي: وننجِّي أهلك. وذهب الأخفش وهشام إلى أنَّ الكاف في محلِّ النصب، و((أهلك)) معطوفٌ عليه، وحُذفت النون لشدَّة طلب الضمير الاتِّصال بما قبله للإضافة. وقال بعض الأجلَّة: لا مانع من أن يكون لمثل هذا الكاف محلَّان: الجرّ والنصبُ، ويجوزُ العطف عليها بالاعتبارين. وقرأ نافع وابن كثير والكسائي: ((سيء) بإشمام السينِ الضمَّ (٦). وقرأ عيسى وطلحة: ((سُؤْءَ)) بضمِّها، وهي لغةُ بني هذيل وبني وبير (٧)، يقولون في نحو قيل وبيع: قولَ وبوعَ، وعليه قولُه : حُوكَتْ على نَوْلَيْنِ إذ تُحاكُ تختبطُ الشوكَ ولا تُشاكٌ(٨) (١) لم نقف عليه في مجمع البيان. (٢) التيسير ص١٧٣، والنشر ٢٥٩/٢، وهي قراءة خلف أيضاً .. (٣) وكذلك قرأ عاصم من رواية شعبة. التيسير ص١٧٣، والنشر ٢٥٩/٢. (٤) البحر ٧/ ١٥٠. (٥) الكتاب ١٦٥/١-١٦٦. (٦) القراءة عن نافع والكسائي في التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٠٨/٢، وهي خلاف المشهور عن ابن کثیر، وقرأ بها أیضاً ابن عامر وأبو جعفر ورویس. (٧) في (م): دبير، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في البحر ٧/ ١٥١، والكلام منه. (٨) الرجز في اللسان (خبط)، واللباب لابن عادل ٣٤٨/١، وأوضح المسالك ص٢٦٥، ورواية اللسان وأوضح المسالك: نِيْرَيْنِ، بدل: نولين. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٥٠ الآية : ٣٤ - ٣٥ ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ ما أُشير إليه بوَعْدِ التنجية من نزول العذاب عليهم، والرِّجزُ العذاب الذي يُقْلِقُ المعذَّب، أي: يزعجه، من قولهم: ارْتَجَزَ، إذا ارْتَجسَ واضْطَربَ. وقرأ ابن عامر: ((منزِّلون)) بالتشديد (١). وابن محيصن: ((رُجْزا) بضم الراء(٢). ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ أي: بسبب فسقهم المعهودِ المستمرِّ، وقرأ أبو حيوة والأعمشُ بكسر السين(٣). ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: من القرية، على ما عليه الأكثر ﴿ءَايَةً بِنَةٌ﴾ قال ابن عباس: هي آثارُ ديارها الخربة. وقال مجاهد: هي الماءُ الأسود على وجه الأرض. وقال قتادة: هي الحجارة التي أُمطرت عليهم، وقد أدركتها أوائل هذه الأمة. وقال أبو سليمان الدمشقيُّ: هي أنَّ أساسها أعلاها وسقوفَها أسفلها إلى الآن. وأنكر ذوو الأبصار ذلك. وقال الفرَّاء(٤): المعنى: تركناها آيةً، كما يقال: إنَّ في السماء آيةً، ويراد: إنها(٥) آية. وتعقّبه أبو حيان بأنه لا يتَّجه إلا على زيادةِ ((مِن)) في الواجب نحو قوله : أمهرتُ منها جبَّةً وتيساً یرید أمهرتُها(٦) . وقال بعضهم: إنَّ ذلك نظيرُ قولك: رأيتُ منه أسداً. وقيل: الآيةُ حكايتها العجيبة الشائعة. وقيل: ضمير ((منها)) للفعلة التي فُعلت بهم، والآيةُ الحجارة أو الماء الأسود. (١) التيسير ص ٩٠، والنشر ٣٤٣/٢. (٢) البحر ٧/ ١٥١ . (٣) المصدر السابق. (٤) كما في البحر ٧/ ١٥١، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٦/٢. (٥) أي: إن السماء. (٦) البحر ٧/ ١٥١، ولم نقف على شطر البيت عند غيره، ولا على قائله. الآية : ٣٥ ٣٥١ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ والظاهرُ ما عليه الأكثر، ولا يخفى معنى ((مِن)) على هذه الأقوال. ﴿لَقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، فالفعلُ منزَّلٌ منزلةَ اللازم، و((لقوم)) متعلّقٌ بـ ((تركنا)) أو بـ ((بينة)) واستُظهر الثاني. هذا وفي الآيات من الدلالة على ذمّ اللواطةِ وقُبْحها ما لا يخفى، فهي كبيرةٌ بالإجماع، ونصُّوا على أنها أشدُّ حرمةً من الزنى، وفي ((شرح المشارق)» للأكمل(١): أنها محرَّمةٌ عقلاً وشرعاً وطبعاً، وعدمُ وجوب الحدِّ فيها عند الإمام أبي حنيفة رَُّه لعدم الدليل عنده على ذلك لا لخفَّتها. وقال بعض العلماء: إنَّ عدم وجوب الحدِّ للتغليظ؛ لأنَّ الحدَّ مطهّرٌ. وفي جواز وقوعها في الجنة خلافٌ؛ ففي ((الفتح))(٢): قيل: إن كانت حرمتُها عقلاً وسمعاً لا تكون في الجنة، وإن كانت سمعاً فقط جاز أن تكون فيها، والصحيحُ أنها لا تكون لأنَّ الله تعالى استبعدها واستقبحها، فقال سبحانه: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ) وسمَّاها خبيثةً فقال عزَّ وجلَّ: ﴿كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَِّثَّ﴾ [الأنبياء: ٧٤] والجنةُ منَزَّهةٌ عنها. وتعقّب هذا الحمويُّ(٣) بأنه لا يلزمُ من كون الشيء خبيثاً في الدنيا أن لا يكون له وجودٌ في الجنة، ألا ترى أنَّ الخمر أمُّ الخبائث في الدنيا ولها وجودٌ في الجنة. وفيه بحثٌ؛ لأنَّ خبثَ الخمر في الدنيا لإزالتها العقل الذي هو عقالٌ عن كلِّ قبيحٍ، وهذا الوصفُ لا يبقى لها في الجنة، ولا كذلك اللواطةُ. (١) أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي، المتوفى سنة (٧٨٦هـ)، واسم شرحه: تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار. ومشارق الأنوار النبوية في صحاح الأخبار المصطفوية هو للإمام رضي الدين حسن بن محمد الصغاني. كشف الظنون ١٦٨٨/٢. (٢) هو فتح القدير لابن الهمام ٤/ ١٥٠ . (٣) هو أحمد بن محمد مكي الحسيني الحموي، شهاب الدين المصري الحنفي، المتوفى سنة (١٠٩٨ هـ)، له الكثير من المصنفات ذكرها صاحب هدية العارفين ١٦٤/١-١٦٥، منها: إتحاف الأذكياء بتحقيق عصمة الأنبياء، وعقود الحسان في قواعد مذهب النعمان، وغمز عيون البصائر في محاسن الأشباه والنظائر، والكلام منه. سُودَةُ الجَنْكُتِِ ٣٥٢ الآية : ٣٦ - ٣٧ وفي ((الفتوحات المكية)) في صفة أهل الجنة أنهم لا أدبارَ لهم، لأنَّ الدبر إنما خُلق في الدنيا لخروج الغائط، وليست الجنة محلًّا للقاذورات. وعليه فعدمُ وجودها في الجنة ظاهرٌ. ولا أظنُّ ذا غيرةٍ صادقةٍ تسمحُ نفسُه أن يلاط به في الجنة سرًّا أو علناً، وجوازٌ وقوعها فيها قد ينجرُّ إلى أن تسمحَ نفسُه بذلك، أو يُجبَرَ عليه، وذلك إذا اشتهى أحدٌ أن يَلُوطَ به؛ إذ لا بد من حصول ما يشتهيه، وهذا وإن لم يكن قطعيًّا في عدم وقوع اللواطة مطلقاً في الجنة، إلَّا أنه يُقوِّي القولَ بعدم الوقوع، فتأمل. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ متعلِّقٌ بأرسلنا مقدَّر معطوف على ((أرسلنا)) في قصة نوح، أي: وأرسلنا إلى مدين ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ﴾ لهم ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وحده ﴿وَأَرْجُواْ اَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ أي: توقَّعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال، وافعلوا اليومَ من الأعمال ما تأمنون به غائلتَه، أو الأمرُ بالرجاء أمرٌ بفعلِ ما يترتَّبُ عليه الرجاء؛ إقامةً للمسبَّب مقام السبب، وفي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، فالمعنى: افعلوا ما تَرْجُون به ثوابَ اليوم الآخِرِ، وجوِّز أن لا يقدَّر مضافٌ، وإرادةُ الثواب من إطلاق الزمان على ما فيه. وقيل: الأمرُ برجاء الثواب أمرٌ بسببه اقتضاءً بلا تجوُّزٍ فيه بعلاقة السببية. وقال أبو عبيدة: الرجاء هنا بمعنى الخوف، والمعنى: وخافوا جزاءً اليوم الآخر من انتقام الله تعالى منكم إن لم تعبدوه(١). ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾﴾ حالٌ مؤكِّدةٌ لأنَّ العُثَّ الفساد. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما تضمَّنه كلامه من أنهم إن لم يمتثلوا أمرَه ونَهْيَه وقع بهم العذاب، وإليه ذهب أبو حيان(٢). وقيل: من أنه تعالى مستحقٌّ لأنْ يُعْبدَ وحده سبحانه، وأنَّ اليوم الآخر متحقِّقُ الوقوع، أو نحو ذلك. (١) بنحوه في مجاز القرآن ١١٥/٢، ونقله المصنف عن البحر ٧/ ١٥١. (٢) في البحر ٧/ ١٥١ . الآية : ٣٨ ٣٥٣ سُوَّةُ الجَنْكُتِ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ بسبب تكذيبهم إياه ﴿الرَّحْفَةُ﴾ أي: الزلزلةُ الشديدة، وفي سورة هود: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [الآية: ٩٤] أي: صيحة جبريل عليه السلام؛ فإنها الموجبةُ للرجفة بسبب تمويجها للهواء وما يجاورُها من الأرض. وفسَّر مجاهد الرجفةَ هنا بالصيحة؛ فقيل: لذلك، وقيل: لأنها رجفتْ منها القلوب. ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ﴾ أي: بلدهم، فإنَّ الدار تطلق على البلد، ولذا قيل للمدينة: دار الهجرة، أو المرادُ: مساكنهم، وأُقيم فيه الواحد مقامَ الجمع لأمن اللبْسٍ، لأنهم لا يكونون في دارٍ واحدة. ولعل فيه إشارةً إلى أنَّ الرجفة خرَّبت مساكنهم وهدَّمت ما بينها من الجدران، فصارت كمسكنٍ واحد. ﴿جَئِمِينَ ﴾﴾ أي: باركين على الرُّكَبِ، والمراد: ميِّتين على ما روي عن قتادة. وفي ((مفردات)) الراغب: هو استعارةٌ للمقيمين، من قولهم: جثم الطائر، إذا قعد ولَطِئَ بالأرض (١). ويرجع هذا إلى ميّين أيضاً. ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا﴾ منصوبان بإضمار فعلٍ يُنْبيُ عنه ما قبله من قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ) أي: وأهلكنا عاداً وثمود. وقوله تعالى: ﴿وَقَد تَبَّنَ لَكُمْ ◌ِّن مَّسَكِنِهِمْ﴾ عطفٌ على ذلك المضمَر، أي: وقد ظهر لكم أتمَّ ظهورٍ إهلاكُنا إياهم من جهة مساكنهم أو بسببها، وذلك بالنظر إليها عند اجتيازكم بها ذهاباً إلى الشام وإياباً منه، وجوِّز كونُ ((من)) تبعيضية. وقيل: هما منصوبان بإضمار: اذكروا، أي: واذكروا عاداً وثمود، والمراد ذكرُ قصتهما. أو بإضمار: اذكر، خطاباً له وَل . وجملة ((وقد تبين)) حالية. وقيل: هي بتقدير القول، أي: وقل: قد تبيَّن. وجوِّز أن تكون معطوفةً على جملةٍ واقعة في حيِّز القول، أي: اذكر عاداً وثمود قائلاً قد مررتُم على مساكنهم وقد تبيَّن لكم .. إلخ. وفاعل ((تبيَّن)) الإهلاك الدالُّ عليه الكلام، أو مساكنهم على أنَّ((مِن)) زائدةٌ في (١) مفردات الراغب (جثم). ولطئ كفَرِحَ ومَنَعَ: لصق. القاموس (لطأ). سُوَةُ الجَنْكُوتِِ ٣٥٤ الآية : ٣٨ الواجب، ويؤيِّده قراءة الأعمش: ((مساكنُهم)) بالرفع من غيرِ ((مِن))(١). وكونُ ((من)) هي الفاعل على أنها اسمٌ بمعنى بعض مما لا يخفى حاله. وقيل: هما منصوبان بالعطف على الضمير في ((فأخذتهم الرجفة))، والمعنى یأباه. وقال الكسائيُّ: منصوبان بالعطف على ((الذين)) من قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). وهو كما ترى. والزمخشريُّ(٢) لم يذكر في ناصبهما سوى ما ذكرناه أولاً، وهو الذي ينبغي أن یعوَّل عليه. وقرأ أكثرُ السبعة: ((وثموداً)) بالتنوين(٣) بتأويل الحي، وهو على قراءةٍ تَرْكِ التنوين بتأويل القبيلة. وقرأ ابن وثاب: ((وعادٍ وثمودٍ)) بالخفض فيهما والتنوينِ عطفاً على ((مدين)) على ما في ((البحر))، أي: وأرسلنا إلى عاد وثمود(٤). ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ﴾ بوسوسته وإغوائه ﴿أَعْمَلَهُمْ﴾ القبيحةَ من الكفر والمعاصي ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: الطريق المعهود، وهو السَّرِيُّ المُؤْصِلُ إلى الحقِّ، وحَمْلُه على الاستغراق حصراً له في الموصل إلى النجاة تكلُّفٌ. ﴿وَكَانُواْ﴾ أي: عادٌ وثمود لا أهلُ مكة كما توهِّم ﴿مُسْتَبْصِرِينَ ﴾﴾ أي: عقلاءَ يُمْكِنُهم التمييزُ بين الحقِّ والباطل بالاستدلال والنظر، ولكنهم أغفلوا ولم يتدبَّروا. وقيل: عقلاءَ يعلمون الحقَّ ولكنهم كفروا عناداً وجحوداً. وقيل: متبيّنينَ أنَّ العذاب لاحِقٌّ بهم بإخبارِ الرسل عليهم السلام لهم، ولكنهم لُّوا حتى لقُوا ما لَقُوا. وعن قتادة والكلبيِّ كما في ((مجمع البيان)) أن المعنى: كانوا مستبصرين عند (١) البحر ١٥٢/٧. (٢) في الكشاف ٢٠٦/٣. (٣) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢. وقرأ بترك التنوين حفص وحمزة ويعقوب. (٤) البحر ٧/ ١٥٢. الآية : ٣٩ ٣٥٥ سُوَةُ الجَنْكُبُوتِ أنفسهم فيما كانوا عليه من الضلالة يحسبون أنهم على هدّى (١). وأخرج ابن المنذر وجماعةٌ عن قتادةَ أنه قال: أي: معجبين بضلالتهم (٢). وهو تفسيرٌ بحاصِلٍ ما ذُكر، وهو مرويٌّ كما في ((البحر)) عن ابن عباس ومجاهدٍ والضحاك(٣). والجملةُ في موضع الحال بتقدير ((قد)» أو بدونها. ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنٌ﴾ معطوفٌ على ((عاداً). وتقديمُ ((قارون)) لأنَّ المقصود تسلیةُ النبيّ ټ فیما لقي من قومه لحسدهم له، وقارون کان من قوم موسى عليه السلام وقد لقي منه ما لقي. أو لأنَّ حاله أوفقُ بحالِ عادٍ وثمودَ، فإنه كان من أَبْصَرِ الناس وأعلمِهم بالتوراة، ولم يُفِذْه الاستبصار شيئاً، كما لم يفدهم كونُهم مستبصرين شيئاً. أو لأنَّ هلاكه كان قبل هلاك فرعون وهامان فتقديمُه على وفق الواقع. أو لأنه أشرفُ من فرعون وهامان؛ لإيمانه في الظاهر وعِلْمِه بالتوراة وكونِه ذا قرابةٍ من موسى عليه السلام، ويكون في تقديمه لذلك في مقام الغضب إشارةٌ إلى أنَّ نحو هذا الشرف لا يفيد شيئاً ولا ينقذُ من غضب الله تعالى على الكفر. ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ قُوسَ بِالْبَيْنَتِ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان والطاعة ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ إشارةٌ إلى قلَّة عقولهم؛ لأنَّ مَن في الأرض لا ينبغي له أن يستكبر. ﴿وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ ﴾﴾ أي: فائتين أمرَ اللهِ تعالى، من قولهم: سَبَقَ طالبَه، أي: فاته ولم يُدْرِكه، ولقد أدركهم أمره تعالى أيَّ إدراكٍ فتدارَكوا نحو الدمار والهلاك. وقال أبو حيان: المعنى: وما كانوا سابقين الأممَ إلى الكفر، أي: تلك عادةٌ الأمم مع رسلهم عليهم السلام(٤). وليس بذاك. وأيَّاما كان فالظاهرُ أن ضمير ((كانوا)» لقارون وفرعون وهامان. (١) مجمع البيان ٣٦١/٢٠. (٢) الدر المنثور ١٤٥/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٩٩/١٨. (٣) البحر ١٥٢/٧ . (٤) المصدر السابق. سُوَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٥٦ الآية : ٤٠ وقيل: الجملة عطفٌ على ((أهلكنا)) المقدَّرِ سابقاً، وضميرُ ((كانوا)) لجميع المهلكين. وفيه بترٌ للنظم الجليل. ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَتْبِةٍ﴾ هذا وما بعده كالفذلكة للآيات المتضمِّنةِ تعذيبَ مَن كفر ولم يمتثل أمرَ مَن أُرسل إليه، وقال أبو السعود: هذا تفسيرٌ لِمَا يُنْبِئُ عنه عَدَمُ سَبْقِهم بطريق الإبهام، وما بعده تفصيلٌ للأخذ(١). وفي القلب منه شيءٌ، وكأنه اعتبر رجوعَ ضمير («كانوا)) إلى المهلكين، وقد علمتَ حاله. وتقديمُ المفعول للاهتمام بأمر الاستيعاب والاستغراق، وقال الفاضلُ المذكورُ: للحصر، أي: كلّ واحدٍ من المذكورين عاقبناه بجنايته، لا بعضاً دون بعض(٢). وبُحث فيه بأنَّ ((كلَّا)) متكفِّلةٌ بهذا المعنى قدِّمتْ أو أخِّرتْ. وأجيب بأنَّا لا نسلِّم أنه يفهم منها ((لا بعضاً)) إذا أخّرت، وإنما يُفْهَم منها بواسطة التقديم، فتأمل. والكلامُ في مرجع ضمير ((بذنبه)) سؤالاً وجواباً لا يخفى على مَن أحاط علماً بما قيل في قولهم: كلُّ رجلٍ وضَيْعتُه، وقولهم: الترتيبُ جَعْلُ كلِّ شيءٍ في مرتبته، وهو شهيرٌ بين الطلبة. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ أي: ريحاً عاصفاً فيها حصباء. وقيل: مَلَكاً رماهم بالحصباء. وهم قومُ لوطٍ، وقال ابن عطية: يُشْبِهُ أن يدخل عاد في ذلك؛ لأن ما أُهْلِكوا به من الريح كانت شديدةً وهي لا تخلو عن الحَصْبِ بأمورٍ مؤذيةٍ، والحاصبُ هو العارض من ريحٍ أو سحابٍ إذا رَمَى بشيءٍ(٣). ﴿وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هم مدينُ وثمود، ولم يقل: أخذناه بالصيحة، ليوافق ما قبله وما بعده في إسناد الفعل إليه تعالى الأوفقِ بقوله تعالى: (فَكُلَّا أَخَذْنَا يذَنْيِةٍ) دفعاً لتوهُم أن يكون سبحانه هو الصائح. (١) تفسير أبي السعود ٧/ ٤٠. (٢) المصدر السابق. (٣) المحرر الوجيز ١٥٩/٤. الآية : ٤٠ ٣٥٧ سُورَةُ الجَنْكُتِ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وهو قارونُ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأَ﴾ وهو فرعونُ ومَن معه. وذكر بعضهم قومَ نوح عليه السلام أيضاً. واعتُرض بأنهم ليسوا من المذكورين. وتعقِّب بأنهم أولُ المذكورين في هذه السورة من الأمم السالفة. ولعل المعترِضَ أراد بالمذكورين: المذكورين متناسقينَ، أي: بلا فَضْلٍ بأمةٍ لم تُفِذْ قصتُها إهلاكَها، وقومُ نوح وإن ذُكروا أوَّلاً لكن فُصِلَ بينهم وبين نظائرهم من المهلكين بقصة قوم إبراهيم عليه السلام، وهي لم تُفِذْ أنهم أهلكوا . وذكر النيسابوريُّ أنه سبحانه قرَّر بقوله تعالى: (فَكُلّا) إلخ أَمْرَ المذنبينَ بإجمالٍ آخَرَ يفيدُ أنهم عذِّبوا بالعناصر الأربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعُدْمِهم، وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم. فالحاصبُ وهو حجارةٌ محمَّةٌ تقع على كلِّ واحدٍ منهم فتنفذ من الجانب الآخر إشارةٌ إلى التعذيب بعنصر النار، والصيحةُ وهي تموُّجٌ شديدٌ في الهواء إشارةٌ إلى التعذيب بعنصر الهواء، والخسفُ إشارةٌ إلى التعذيب بعنصر التراب، والغرق إشارةٌ إلى التعذيب بعنصر الماء(١). اهـ. ولا يخفى ما فيه. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: ما كان سبحانه مريداً لظُلْمِهم، وذلك بأن يعاقبهم من غير مُرْمٍ؛ لأنه خلافُ ما تقتضيه الحكمة. وفي ((أنوار التنزيل)): أي: ما كان سبحانه لِيُعاملَهم معاملةَ الظالم فيعاقبهم بغير جرم، إذ ليس ذلك من سنَّته عزَّ وجل(٢). ويفيد ذلك أنه لو وقع منه تعالى تعذيبُهم من غير جرمٍ لا يكون ظلماً؛ لأنه تعالى مالكُ الملك يتصرَّفُ به كما يشاء، فله أن يُثِيب العاصيّ ويعذِّبَ المطيع، وهذا أمرٌ مشهورٌ بين الأشاعرة، والكلام في تحقيقه يطلبُ من علم الكلام، وقد أسلفنا في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُنْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ما ينفعك في هذا المقام تَذَتُّرُه، فتذكَّر. ﴿وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ بالاستمرار على مباشرة ما يوجب ذلك من الكفر والمعاصي باختيارهم. وقال مولانا الشيخ إبراهيم الكورانيُّ ما حاصله: إنَّ ◌ُلْمَ الكَفَرةِ أنفسَهم إنما هو لسوء استعدادهم الذي هم عليه في نفس الأمر من (١) بنحوه في غرائب القرآن ٢٠/ ٩٤. (٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ١٠١. سُورَةُ الجَنْكُتِ ٣٥٨ الآية : ٤١ غير مدخلٍ للجَعْلِ فيه، وبلسان ذلك الاستعداد طلبوا من الجواد المطلَقِ جلَّ وعلا ما صار سبباً لظهور شقائهم. اهـ، والبحث في ذلك طويلُ الذيل فليُظْلَبْ من محلِّه. وتقدیمُ المعمول لرعاية رؤوس الآي. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ استئنافٌ متضمِّنٌ تقبيحَ حال أولئك المهلَكين الظالمين لأنفسهم وأضرابِهم ممن تولَّى غيرَ الله عزَّ وجلَّ، وفيه إشارةٌ إلى أعظم أنواع ظلمهم، فالمراد بالموصول جميع المشركين الذين عَبَدوا من دون الله عزَّ وجلَّ الأوثان. وجوِّز أن يكون جميعَ مَن اتَّخذ غيره تعالى متَّكلاً ومعتمداً، آلهةً كان ذلك أو غيرَها، ولذا عَدَل إلى ((أولياء)) من آلهة. أي: صفتُهم أو شبههُم ﴿كَمَثَلِ الْمَنْكَبُوتِ﴾ أي: كصفتها أو شبهها ﴿أَتَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ بيانٌ لصفة العنكبوت التي يدور عليها أمرٌ التشبيه، والجملةُ ـ على ما نُقل عن الأخفش (١) من لزوم الوقف على ((العنكبوت)) - مستأنفةٌ لذلك، و((إنَّ أوهنَ البيوت)) إلخ في موضع الحال من فاعل (اتَّخذتْ)) المستكنِّ فيه، وجوِّز كونُه في موضع الحال من مفعوله بناءً على جواز مجيء الحال من النكرة. وعلى الوجهين وُضع المظهَرُ موضع الضمير الراجع إلى ذي الحال، والجملةُ من تتمة الوصف، واللام في ((البيوت)) للاستغراق، والمعنى: مَثَلُ المثَّخذينَ لهم من دون الله تعالى أولياء في اتّخاذهم إياهم كمَثَلِ العنكبوت، وذلك أنها اتَّخذت لها بيتاً والحالُ أنَّ أوهنَ كلِّ البيوتِ وأضعفَها بيتُها، وهؤلاء اتخذوا لهم من دون الله تعالى أولياء والحال أنَّ أوهن كلِّ الأولياء وأضعفَها أولياؤهم. وإن شئت فقل: إنها اتَّخذت بيتاً في غاية الضعف، وهؤلاء اتَّخذوا إلهاً أو متَّكلاً في غاية الضعف، فهم وهي مشتركان في اتّخاذ ما هو في غاية الضعف في بابه . ويجوزُ أن تكون جملةُ (انَّخذتْ)) حالاً من ((العنكبوت)) بتقدير ((قد)) أو بدونها، أو صفةً لها لأنَّ ((أل)) فيها للجنس، وقد جوَّزوا الوجهين في الجمل الواقعة بعد (١) كما في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٢٧. الآية : ٤١ ٣٥٩ سُوَّةُ الجَنْكُتِ المعرَّف بـ ((أل)) الجنسية، نحو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً﴾ [الجمعة : ٥]. وعن الفرَّاء(١) أنَّ الجملة صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ وقع صفةً ((العنكبوت)) أي: التي اتّخذت، وخرَّج الآية التي ذكرناها على هذا. واختار حذفَ الموصول في مثله ابن درستويه، وعليه لا يوقف على ((العنكبوت)). وأنت تعلم أنَّ كون الجملة صفةً أظهر، والمعنى حينئذ: مَثَلُ المشرك الذي عَبَدَ الوثنَ بالقياس إلى الموحِّد الذي عَبَدَ الله تعالى كمَثَل عنكبوتٍ انَّخذت بيتاً بالإضافة إلى رجلٍ بنى بيتاً بآجرِّ وجصٍّ أو نحته من صخرٍ، وكما أنَّ أوهن البيوت إذا استَقْرَيْتَها بيتاً بيتاً بيتُ العنكبوت، كذلك أضعفُ الأديان إذا استَقْرَيْتَها دِيناً ديناً عبادةُ الأوثان، وهو وجهٌ حسنٌّ ذكره الزمخشريُّ في الآية (٢)، وقد اعتبر فيه تفريق التشبيه، والغرضُ إبرازُ تفاؤُتِ المتَّخذينَ والمشَّخذ مع تصوير توهين أمر أحدهما وإدماج توطيد الآخر، وعليه يجوزُ أن يكون قوله تعالى: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) جملةً حَاليةً؛ لأنه من تتمة التشبيه، وأن يكون اعتراضيةً لأنه لو لم يؤتَ به لكان في ضمنه ما يرشد إلى هذا المعنى. وإلى كونه جملةً حاليةً ذهب الطيبيُّ(٣). وقال صاحب ((الكشف)»: كلام الزمخشريِّ إلى كونه اعتراضيةً أقربُ؛ لأن قوله: وكما أنَّ أوهن البيوت .. إلخ، ليس فيه إيماء إلى تقييد الأول. وقد تعقّب أبو حيان هذا الوجهَ بأنه لا يدلُّ عليه لفظُ الآية، وإنما هو تحميلُ اللفظ ما لا يحتمله كعادته في كثيرٍ من تفسيره(٤). وهذه مجازفةٌ علی صاحب «الكشاف» كما لا يخفى. ويجوز أن يكون المعنى: مَثَلُ الذين اتخذوا من دون الله أولياءَ فيما اتّخذوه معتَمَداً ومتَّكلاً في دينهم، وتولَّوه من دون الله تعالى، كمثل العنكبوت فيما نسجته (١) كما في حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء. (٢) الكشاف ٢٠٦/٣. (٣) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية (٤) البحر ٧/ ١٥٣ . سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٦٠ الآية : ٤١ واتخذنه بيتاً، والتشبيهُ على هذا من المركَّب، فيعتبر في جانب المشبّهِ اتّخاذٌ ومتَّخَذٌ واتِّكالٌ عليه، وكذلك في الجانب الآخر ما يناسبُه، ويُعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من ذلك كلِّه بالهيئة المنتزعة من هذا بالأسر، والغرضُ تقريرُ وهنِ أمرِ دينهم، وأنه بلغَ الغايةَ التي لا غايةَ بعدها، ومدارُ قطب التشبيه أنَّ أولياءهم بمنزلة منسوجِ العنكبوت ضَعْفَ حالٍ وعَدَمَ صُلوح اعتمادٍ، وعلى هذا يكون قوله تعالى: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) تذييلاً يقرِّر الغرضَ من التشبيه. وجوِّز أن يكون المعنى والغرضُ من التشبيه ما سمعتَ إلا أنه يجعل التذييل استعارةً تمثيليةً، ويكون ما تقدَّم كالتوطئة لها، فكأنه قيل: وإنَّ أوهن ما يُعتمد عليه في الدِّين عبادةُ الأوثان، وهي تقرِّر الغرضَ من التشبيه بتبعية تقرير المشبّه، وكأنَّ التقرير في الوجه السابق بتبعية تقرير المشبّه به، وهذا قريبٌ من تجريد الاستعارة وترشيحها، ونظيرُ ذلك قولك: زيدٌ في الكرم بحرٌ والبحرُ لا يُخيِّبُ مَن أتاه، إذا كان البحرُ الثاني مستعاراً للكريم، وذِكْرُ الطرفين إنما يمنع من كونه استعارةً لو كان في جملته، ورجّح السابقُ لأنَّ عادة البلغاء تقریرُ أمر المشبّه به لیدلَّ به علی تقریر المشبّه، ولأنَّ هذا إنما يتميَّز عن الإلغاز بعد سَبْقِ التشبيه. وجوِّز أن يكون قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ) إلخ كالمقدِّمة الأولى، وقولُه سبحانه: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ) كالثانية، وما هو كالنتيجة محذوفٌ مدلولٌ عليه بما بعدُ كما في ((الكشف))، والمجموعُ يدلُّ على المراد من تقرير وهن أمر دينهم وأنه بلغ الغاية التي لا غاية بعدها على سبيل الكناية الإيمائية، فتأمل. والظاهرُ أنَّ المراد بالعنكبوت النوعُ الذي يَنْسج بيته في الهواء ويصيد به الذباب، لا النوعُ الآخَرُ الذي يحفر بيته في الأرض ويخرج في الليل كسائر الهوامٌّ، وهي على ما ذكره غيرُ واحدٍ من ذوات السموم، فيسنُّ قتلُها لذلك، لا لِمَا أخرج أبو داود في ((مراسيله)) عن يزيد بن مرثد من قوله وَّهُ: ((العنكبوتُ شيطانٌ مَسَخَها الله تعالى، فَمَنْ وجدها فليقتلها)) فإنه كما ذكر الدميريُّ ضعيف(١). (١) حياة الحيوان ٢/ ١٦٥، والخبر في مراسيل أبي داود (٥٠٠) و(٥٠٤) من طريق بقية عن الوضين بن عطاء عن يزيد بن مرثد عن النبي وط و بلفظ: ((العنكبوت شيطان فاقتلوه)) وبقية وهو ابن الوليد مدلّس، وقد عنعن، والوضين سيئ الحفظ كما ذكر الحافظ في التقريب. =