النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ١٤ ٣٢١ سُوَةُ الجَنْكُوتِ خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى، وعاشَ بعدَ الطوفان ستِّيْنَ سنةً حتى كثُر الناسُ وفَشَوْا(١). وعلى هذه الرواية يكون عمرُه عليه السلام ألفَ سنة وخمسينَ سنةً. وقيل: إنَّه عليه السلام عُمِّرَ أكثرَ من ذلك، أخرج ابن جرير عن عون بن أبي شدَّاد قال: إنَّ الله تعالى أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه وهو ابنُ خمسين وثلاثٍ مئةِ سنةٍ، فلبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلَّا خمسين عاماً، ثُمَّ عاش بعد ذلك خمسين وثلاثَ مئةٍ سنةٍ (٢). فيكونُ عمرُه ألفَ سنةٍ وستّ منٍ وخمسين سنةً. وأخرجَ عبدُ بنُ حميد عن عكرمة قال: كان عُمرُ نوح عليه السلام قبلَ أن يُبْعَثَ إلى قومِهِ، وبعدَ مَا بُعِثَ، ألفاً وسبعَ مئةٍ سنةٍ (٣). وعن وهب: أنَّه عليه السلامُ عاشَ ألفاً وأربعَ مئةٍ سَنَّةٍ. وفي ((جامع الأصول): كانت مُدَّةُ نُبُوَّتِه تسعَ مِثَةٍ وخمسين سنةً، وعاش بعد الغرقِ خمسين سنةً. وقيل: مئتي سنةٍ، وكانت مدةُ الطوفانِ سنَّةً أشهرٍ آخرُها يومُ عاشوراءَ (٤). وقال ابن عطية: يحتمل أن يكونَ ما ذكر اللهُ عزَّ وجل مدةَ إقامته عليه السلام من لَدُنْ مولدِه إلى غرَقِ قومه(٥). وقيل: يحتمل أنْ يكونَ ذلك جميعَ عمرِه عليه السلام. ولا يَخْفى أنَّ المتبادِرَ من الفاء التعقيبيَّةِ ما تقدَّمَ. وجاء في بعض الآثارِ أنَّه عليه السلام أطولُ الأنبياءِ عليهم السلام عمراً؛ أخرج ابنُ أبي الدُّنيا في كتاب ((ذمِّ الدنيا))(٦) عن أنس بن مالك قال: جاء ملَكُ الموت إلى نوح عليهما السلام فقال: يا أطولَ النبيين عمراً، كيف وجدتَ الدنيا ولذَّتَها؟ قال: كرجُلٍ دخل بَيْتاً له بابان، فقال (٧) وسَطَ الباب هُنَّهَةً، ثُمَّ خرج من الباب الآخر. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٦١/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٤١/٩، والمستدرك ٥٤٥/٢ -٥٤٦، والكلام من الدر المنثور ١٤٣/٥ . (٢) تفسير الطبري ٣٧٠/١٨. (٣) الدر المنثور ١٤٣/٥. (٤) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٥) المحرر الوجيز ٣١٠/٤. (٦) برقم (٢٢٩). (٧) كذا في الأصل و(م)، وفي ذم الدنيا: فقام. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٢٢ الآية : ١٥ ولعلَّ ما عليه النظمُ الكريمُ في بيانِ مدَّةٍ لبثه عليه السلام للدَّلالة على كمالٍ العدد، وكونِه متعيِّناً نصًّا دونَ تجوُّزٍ، فإنَّ تسعَ مئةٍ وخمسين قد يُطْلَقُ على ما يَقْرُبُ منه، ولِمَا في ذكر الألْفِ مِنْ تخييلِ طولِ المدَّةِ؛ لأنَّها أولُ ما تَقْرَعُ السَمْعَ، فإنَّ المقصودَ مِن القصةِ تسليةُ رسولِ اللهِ وَّهِ، وتثبيتُه على ما كان عليه من مُكابَدةٍ ما ينالُه من الكَفَرَةِ، وإظهارٍ ركاكةٍ رأىٍ الذين يَحْسَبُون أنَّهم يُتْرَكون بلا ابْتِلاء. واختلافُ المُمَيِّزَيْنِ لِمَا في التكرير في مثلِ هذا الكلام من البَشاعة، والنكتةُ في اختيارِ السَّنَةِ أوَّلاً أنَّها تُطْلَقُ على الشِّدَّة والجذْب، بخِلاف العام، فناسبَ اختيار السَّنَّةِ لزَمانِ الدعوة الذي قَاسَى عليه السلام فيه ما قَاسَى من قومِه. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْتُوفَاتُ﴾ أي: عقيبَ تمام المدَّةِ المذكورةِ، والطوفانُ قد يُطلق على كلِّ ما يطوفُ بالشيء على كثرةٍ وشدَّةٍ، مِنَّ السَّيل والرِّيح والّلام، قال العجّاجُ: وغَمَّ طوفانُ الظلامِ الأَثْأَبا(١) حتى إذا ما يومُها تَصَبْصَبَا وقد غَلَب على طوفانِ الماءِ، وهو المرادُ هنا. ﴿وَهُمْ ظَلِمُونَ ﴾﴾ أي: والحالُ هم مستمِرُّون على الظُّلْم لَمْ يتأثَّرُوا بما سمِعُوا من نُوح عليه السلام من الآيات، ولم يَرْعَوُوا عمَّا هم عليه من الكُفْر والمعاصي هذه المدَّةَ المتمادِيَةَ. ﴿فَأَنَهُ﴾ أي: نوحاً عليه السلام ﴿وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ أي: مَنْ رَكِبَ فيها معه مِنْ أَوْلاده وأتباعه، وكانوا ثمانين، وقيل: ثمانيةً وسبعين، نصْفُهم ذكورٌ ونصفُهم إناثٌ، منهم أولادُ نوح: سامٌ وحامٌ ويافثٌ ونِساؤُهم. وعن محمد بن إسحاقَ: كانوا عشرةً، خمسةً رجالٍ وخمسَ نسوةٍ. وروي مرفوعاً: كانوا ثمانيةً: نوٌ وأهلُه وبنوه الثلاثةُ(٢)، أي: مع أهليهم. (١) الصحاح (طوف)، واللسان والتاج (صبب)، وهو في العين ٧/ ٩١ دون نسبة، ولم نقف عليه في ديوان العجاج. وجاء في المصادر: عم، بدل: غم، قال صاحب اللسان: عمَّ: ألبس. وقوله: تصبصبا، أي: ذهب إلا قليلاً. والأثأب: شجر شبه الطرفاء، إلا أنه أكبر منه. اللسان (صبب) و(طوف). وجاء في هامش الأصل و(م): قوله: الأثأبا هو شجر الأثل، وزاد في هامش الأصل: وبالفارسي: سوره كز. (٢) الكشاف ٢٠٠/٣، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٨٦: لم أره مرفوعاً. = الآية : ١٦ ٣٢٣ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ عبرةً وعِظَةً لهم؛ لبقائها زماناً ١٥ ﴿وَجَعَلْنَهَا﴾ أي: السفينةَ ﴿ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ طويلاً على الجودي يُشَاهِدُها المارَّةُ، ولِاشْتِهَارِها فيما بين الناس. ويجوز كونُ الضمير للحادثةِ والقصةِ المفهومة مِمَّا قبلُ، وهي عبرةٌ للعالمين لاشتهارِها فيما بينهم. ﴿وَإِنَزَهِيمَ﴾ نصبٌ بإضمارِ ((اذكر)) معطوفاً على ما قبله عطفَ القصة على القصة، فلا ضير في اختلافهما خبراً وإنشاءً، و((إذا في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ بدلُ اشتمالٍ منه؛ لأنَّ الأحيان تشتمل على ما فيها، وقد جوَّز ذلك الزمخشريُّ وابن عطية(١) . وتعقّب ذلك أبو حيان بأنَّ ((إذ)) لا تتصرَّفُ، فلا تكون مفعولاً به، والبدليةُ تقتضي ذلك. ثم ذَكَر أنَّ ((إذا إنْ كانت ظرفاً لِمَا مضى لا يصحُ أن تكونَ معمولةً لـ (اذكر))؛ لأنَّ المستقبلَ لا يقعُ في الماضي فلا يجوز ((قُمْ أمسٍ))، وإذا خلعتْ من الظرفية الماضَويَّةِ وتُصُرِّفَ فيها جاز أنْ تكون مفعولاً به ومعمولاً لـ ((اذكُرْ))(٢). وجَوَّز غيرُ واحد أنْ يكونَ نَصْباً بالعطف على ((نوحاً))، فكأنّه قيل: وأرسلنا إبراهيم، فـ ((إذ)) حينئذٍ ظرفٌ للإرسال. والمعنى على ما قيل: أرسلناه حينَ تكامَلَ عقلُه وقَدَر على النظرِ والاستدلال، وترقَّى من رُتبة الكمال إلى درجة التكميل حيثُ تصدَّى لإرشاد الخلق إلى طريق الحقِّ، وهذا على ما قاله بعضُ المحقّقين لِمَا أنَّ القولَ المذكور في حيِّزٍ(إذ)) إنما كان منه عليه السلام بعدما راهَقَ قبل الإرسال. وأنت تعلَمُ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَّدٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨] إلخ - إذا كان من قوله عليه السلام لقومه - كالنصِّ في أنَّ القول المحكيّ عنه عليه السلام كان بعد الإرسال. وفي ((الحواشي السَّعدية)): أنَّ ذلك إشارةٌ إلى دفع ما عَسَى أنْ يقال: الدعوةُ تكون بعد الإرسال، والمفهومُ من الآية تقدُّمُها عليه، وحاصلُه أنّه ليس المرادُ من = وأخرجه الطبري ١٢/ ٤١٠-٤١١ عن قتادة وابن جريج قولهما. (١) الكشاف ٢٠٠/٣-٢٠١، والمحرر الوجيز ٤/ ٣١٠. (٢) البحر ٧ /١٤٥. سُورَةُ الجَنْكُوتِ ٣٢٤ الآية : ١٧ الدعوةِ ما هو نتيجةُ الإرسال، بل ما هو نتيجة كمالِ العقل وتمام النظر. مع أنَّ دلالةَ الآية على تقدُّمِها غيرُ مسلَّمة، ففي الوقت سعةٌ. ويجوز أن يكونَ القصدُ هو. الدلالةَ على مُبادَرتِه عليه السلام للامتثال. اهـ، فتدبّرْ. وجَوَّز أبو البقاء وابن عطية أن يكونَ نصباً بالعطف على مفعولِ ((أنجَيْناه))(١)، وهو كما ترى. والأوفقُ بما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت: ٣٦] أن يكون النصبُ بالعطف على ((نوحاً)). وقرأ أبو حنيفة والنخعي وأبو جعفر: ((وإبراهيمُ)) بالرفع(٢) على أنَّ التقديرَ: ومن المرسَلين إبراهيمُ، وقيل: التقديرُ: ومما ينبغي ذكرُه إبراهيمُ، وقيل: التقدير: وممن أنجينا إبراهیمُ. وعلى الأوَّل المعوَّلُ؛ لدلالةِ مَا قبلُ وما بعدُ عليه، ويتعلَّقُ بذلك المحذوفِ ((إذ قال لقومه)». ﴿أَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدَه ﴿وَتَّقُوَةٌ﴾ أنْ تشركوا به سبحانه شيئاً. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذُكِرَ من العبادة والتقْوى ﴿غَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من كلِّ شيء فيه خيرِيَّةٌ، أو: مِمَّا أنتم عليه على تقدير الخيريَّةِ فيه على زَعْمِكم. ويجوز كونُ (خيرٌ)) صفةً لا اسمَ تفضيلٍ. ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: الخيرَ والشرَّ، وتُميِّزُون أحدَهما من الآخر، أو: إن كنتم تعلمون شيئاً من الأشياء بوجهٍ من الوجوه؛ فإنَّ ذلك كافٍ في الحكم بخيريَّةٍ ما ذُكِرَ من العبادة والتقوى. ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوَثَنًا﴾ بيانٌ لبطلانِ دِيْنِهم وشَرِّيَّته في نفسه بعدَ بيانِ شَرِّيَّتِهِ بالنسبة إلى الدين الحقِّ، أي: ما تعبدونَ من دونه تعالى إلَّا أوْثاناً هي في نفسها تماثيلُ مصنوعةٌ لكم، ليس فيها وصفٌ غيرُ ذلك. (١) الإملاء ٤/ ١٦٢، والمحرر الوجيز ٣١٠/٤. (٢) القراءات الشاذة ص ١١٥، والبحر ١٤٥/٧. الآية : ١٧ ٣٢٥ سُورَةُ الچنْكُتِ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أي: وتكذبون كَذِباً حيثُ تُسَمُّونَها آلهةً، وتَدَّعُون أنَّها شُفَعَاؤُكم عند الله سبحانه، أو: تعمَلونها وتَنْحِتونها للإفك والكَذِب. واللّام لامُ العاقبة، وإلَّا فَهُمْ: لَمْ يعمَلوها لأجلِ الكَذِب. وجُوِّز أن يكون ذلك من باب التھگُّم. وقال بعض الأفاضل: الأظهر كون ((إفكاً)) مفعولاً به، والمرادُ به نفسُ الأوثان، وجَعلُها كذباً مبالغةٌ. أو الإفك بمعنى المأفوك، وهو المصروفُ عمَّا هو عليه، وإطلاقُه على الأوثانِ لأنَّها مصنوعةٌ وهم يجعلونها صانعاً. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه والسُّلَميُّ وعونٌ العقيليُّ وعبادةُ وابن أبي ليلى وزيد بن عليٍّ ﴿ً: (تَخَلَّقون)) بفتح التاء والخاء واللَّام مشدّدةٌ(١). قال ابن مجاهد (٢): ورُويت عن ابن الزبير، وأصلُه: (تَتَخَلَّقُون)) فحُذِفت إحدى التاءينِ، وهو من ((تخلَّق)) بمعنى ((تكذَّب)) وصيغةُ التكلُّف للمبالَغة. وزَعَم بعضُهم جوازَ أن يكون ((تفعّل)) بمعنى ((فَعَل)). وقرأ زيد بن علي ﴿ها أيضاً: (تُخَلِّقُون)) من ((خلَّق)) بالتشديد(٣)؛ للتكثير في الخلق بمعنى الكَذِب والافتراء. وقرأ ابن الزبير وفُضيل بن زرقان(٤): ((أَفِكاً) بفتح الهمزة وكسر الفاء، على أنَّه مصدرٌ كالكَذِب واللَّعِب، أو وصفٌ كالحَذِر وقَعَ صفةً لمصدرٍ مقدَّرٍ، أي: خَلْقاً أَفِكاً، أي: ذا أَفِك. (١) القراءات الشاذة ص١١٤، والمحتسب ٢/ ١٦٠، والمحرر الوجيز ٣١١/٤، والبحر ١٤٥/٧، والدر المصون ١٤/٩، والكلام من البحر، وجاء في المحرر والدر بدل: عبادة: قتادة، ولم يذكر في القراءات الشاذة والمحتسب. (٢) كما في القراءات الشاذة ص١١٤، والبحر ١٤٥/٧ . (٣) الكشاف ٢٠١/٣، والبحر ١٤٥/٧. (٤) كذا في البحر ١٤٥/٧، والدر المصون ١٤/٩، وفي المحتسب ١٦٠/٢: فضَيل بن مرزوق، وهو أبو عبد الرحمن العنزي مولاهم، الكوفي الأغر، حدث عن عطية العوفي وغيره، توفي قبل سنة (١٧٠هـ). السير ٧/ ٣٤٢، ولم نقف على ترجمة فضيل بن زرقان. والقراءة في القراءات الشاذة ص١١٤ عن ابن الزبير وحده. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٢٦ الآية : ١٨ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ بيانٌ لشرِّيَّةٍ مَا يعبدونه من حيثُ إنه لا يكاد يُجْدِيهم نفعاً، و((رزقاً)) يحتمل أن يكونَ مصدراً مفعولاً به لـ ((يملِكُون))، والمعنى: لا يستطيعون أنْ يرزقوكم شيئاً من الرزق، وأن يكون بمعنى المرزوق، أي: لا يستطيعون إيتاءَ شيء من الرزق، وجُوِّز على المصدرية أن يكون مفعولاً مطلقاً لـ ((يملكون)) من معناه، أو لِمَحْذوفٍ، والأصلُ: لا يملكون أن يرزقوكم رزقاً، وهو كما ترى. ونُكِّر - كما قال بعض الأجلَّةِ - للتحقيرِ والتقليل مبالغةً في النفي. وخُصَّ الرزقُ لمكانته من الخلق. ﴿فَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أي: كلَّه، على أنَّ تعريفَ الرزق للاستغراق. قال الطيبيُّ: هذا من المواضع التي ليست المعْرِفُ المعادَةُ عينَ الأول فيها (١). وجُوِّز أن تكونَ عينَ الأوَّل بناءً على أنَّ كلّ منهما مستغرقٌ. ﴿وَأَعْبُدُوهُ﴾ عزَّ وجلَّ وحدَه ﴿وَأَشْكُرُواْ لَهُهْ﴾ على نَعْمائِهِ مُتوسِّلين إلى مَطالِبِكم بعبادته، مُقيِّدين بشكره تعالى للعتيد(٢)، ومُستَجْلِيْن به للمزيد. فالجملتان ناظرتان لِمَا قبلَهما. وجُوِّز أن يكونا ناظرتين لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كأنَّه قيل: استعدُّوا لِلِقائه تعالى بالعبادة والشكر فإنَّه إليه تُرجَعون. وجَوَّز بعضُ المحققين أن تكون هذه الجملةُ تذييلاً لجملةٍ ما سَبَق مما حُكي عن إبراهيم عليه السلام، أو لأوَّلِه، والمعنى: إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه تُرجعون بالموت ثمَّ بالبعث، فافعلوا ما أمرتُكم به. وما بينهما اعتراضٌ لتقريرِ الشرِّية كما سمعتَ. وقرئ: (تَرجعون)) بفتح التاء من رجع رجوعاً (٣). ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُواْ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ تقديره: فإنْ تصدِّقوني فقد فُزْتُم بسعادة الدارين، وإن تكذِّبوا، أي: تكذبوني فيما أخبرتكم به من أنكم إليه تعالى ترجعون (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) أي: الحاضر. القاموس (عند). (٣) هي قراءة يعقوب كما في النشر ٢٠٨/٢. الآية : ١٩ ٣٢٧ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ بالبعث ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمٌَّ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ وهذا تعليلٌ للجواب في الحقيقة، والأصل: فلا تضرونني بتكذییکم، فإنه قد كذَّب أممٌ قبلکم رسلهم، وهم شیٹ وإدريس ونوح وهود وصالح عليهم السلام، فلمْ يضرَّهم تكذيبُهم شيئاً، وإنما ضرَّ أنفسَهم حيث تسبَّب لِمَا حلَّ بهم من العذاب، فكذا تكذيبكم إياي. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ﴾﴾ أي: التبليغُ الذي لا يبقى معه شٌّ، وما عليه أن يصدِّقه قومُه البتةَ، وقد خرجْتُ عن عهدة التبليغ بما لا مزيدَ عليه، فلا يضرُّني تكذييُكم بعد ذلك أصلاً . وهذه الآيةُ - أعني (وَإِن تُكَذِّبُوا) إلخ - على ما ذكرنا من جملة قصة إبراهيم عليه السلام، وكذا ما بعدُ - على ما قيل - إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ:﴾ [الآية: ٢٤]، وجوِّز أن يكون ذلك اعتراضاً بذِكْرٍ شأن النبيِّ وَّهِ وقريش، وهَدْمِ مذهبهم، والوعيدِ على سوء صنيعهم، توسَّط بين طرفي القصة من حيث إنَّ مساقهاً التسلية رسول الله وَله، والتنفيسِ عنه بأنَّ أباه خليل الرحمن كان مبتلى بنحوِ ما ابتُلي به من شِرْكِ القوم وتكذيبهم، وتشبيهِ حاله فيهم بحال إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فالواوُ في(١) ((وإن تكذبوا)) اعتراضية، والخطابُ منه تعالى أو من النبيِّ بَّه على معنى: وقل لقريش: ((إن تكذبوا)) إلخ. وذهب بعض المحققين(٢) إلى أنَّ قوله تعالى: ((إن تكذبوا)) إلخ من كلام إبراهيم عليه السلام، وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ من جهته تعالى للإنكار على تكذيبهم بالبعث مع وضوح دلیله، والهمزةُ لإنكار عدم رؤيتهم الموجب لتقريرها، والواوُ للعطف على مقدَّرٍ، أي: ألم ينظروا ولم يعلموا كيفيةَ خَلْقِ اللهِ تعالى الخَلْقَ ابتداءً من مادةٍ ومن غيرِ مادةٍ، أي: قد علموا ذلك. وقرأ حمزة والكسائيُّ وأبو بكرٍ بخلاف عنه: ((أَلَمْ تَرَوْا) بتاءِ الخطاب(٣)، وهو على ما قال هذا البعضُ لتشديد الإنكار وتأكيدِه، ولا يحتاجُ عليه إلى تقديرٍ قولٍ. (١) في (م): قالوا: وفي، بدل: فالواو، في وهو تصحيف. (٢) هو أبو السعود في تفسيره ٣٤/٧-٣٥. (٣) التيسير ص١٧٣، والنشر ٣٤٣/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. سُورَةُ الْجَنْكُبُوتِ ٣٢٨ الآية : ١٩ ومَن لم يجعل ذلك كلاماً مستأنفاً مسوقاً من جهته تعالى للإنكار على تكذيبهم بالبعث، قال: إنَّ الخطاب على تقديرِ القول، أي: قال لهم رسلهم: ((ألم تروا)). ووُجِّه ذلك بأنه جعل ضمير ((أولم يروا)) على قراءة الغيبة لـ ((أمم)) في قوله تعالى: (أُمٌَّ مِّن قَبْلِكُمْ) فيجعل في قراءة الخطاب له أيضاً ليتَّحد معنى القراءتين، وحينئذ يحتاج لتقدير القول ليُحْكَى خطاب رسلهم معهم؛ إذ لا مجال للخطاب بدونه. وقيل: إنَّ ذاك لأنه لا يجوز أن يكون الخطاب لمنكري الإعادة من أمة إبراهيم أو نبيِّنا عليهما الصلاة والسلام، وهم المخاطبون بقوله تعالى: (وَإِن تُكَذِّبُواْ)؛ لأنَّ الاستفهام للإنكار، أي: قد رأوا، فلا يلائم قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا) إلخ؛ لأنَّ المخاطبين فيها هم المخاطبون أوَّلاً، يعني إن كانت الرؤيةُ علميةً فالأمرُ بالسير والنظر لا يناسب لمن حَصَلَ له العلمُ بكيفية الخلق، والقولُ بأنَّ الأول دليلٌ أنفُسيِّ والثاني آفاقيٍّ مخالفٌ للظاهر من وجوه. اهـ، فتدبّر. ولعل الأظهر والأبعدَ عن القيل والقال في نظم الآيات ما نقلناه عن بعض المحققين. وقرأ الزبيريُّ وعيسى وأبو عمرو بخلافٍ عنه: ((كيف يبدأ)) على أنه مضارعُ بَدَأ الثلاثيٌّ، مع إبدال الهمزة ألفاً كما ذكره الهمدانيُّ(١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدٌُ﴾ عطفٌ على ((أولم يروا)) لا على ((يُبْدِىُ) لأنَّ الرؤية إن كانت بَصَرِيةً فهي واقعةٌ على الإبداء دون الإعادة، فلو عُطف عليه لم يصحّ، وكذا إذا كانت عِلْميةً لأنَّ المقصود الاستدلالُ بما عَلموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته، فلو كان معلوماً لهم كان تحصيلاً للحاصل. وجوِّز العطفُ عليه بتأويل الإعادة بإنشائه تعالى كلَّ سنةٍ مثلَ ما أنشاه سبحانه في السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما، فإنَّ ذلك مما يستدلُّ به على صحة البعث ووقوعِه - على ما قیل ۔ من غیر ریپٍ. وعن مقاتل: أنَّ ((الخلق)) هنا الليلُ والنهار، وليس بشيء. (١) كما في حاشية الشهاب ٩٦/٧، وذكرها عن الزبيري وعيسى وأبي عمرو أبو حيان في البحر ١٤٦/٧، والسمين في الدر ١٥/٩، ولم يقيداها بإبدال الهمزة ألفاً، وذكرها مقيدة بذلك ابن جني في المحتسب ١٦١/٢ عن الزهري. الآية : ٢٠ ٣٢٩ سُورَةُ الجَنْكُتِ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من الإعادة، وجوِّز أن يكون المشارُ إليه ما ذكر من الأمرين ﴿عَلَى اللَّهِ يَبِيرٌ ﴾﴾ إذ لا يحتاج فعلُه تعالى إلى شيءٍ خارجٍ عن ذاته عزَّ وجل. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أمرٌ لإبراهيم عليه السلام أن يقول لقومه ذلك عند بعض المحقّقين، وكذا جَعَله مَن جَعَلَ جميعَ ما تقدَّم من قصة إبراهيم عليه السلام، ومَن جعلَ قولَه تعالى: (وَإِن تُكَذِّبُواْ) إلى قوله تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ=) اعتراضاً جَعَلَ هذا أمراً لنبيِّنَا وَّر أن يقول ذلك لقريش. وجوِّز أن يُجعل نَظْمُ الآيات السابقة على ما نُقل عن بعض المحققين، ويُجعل هذا أمراً للنبيّ عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك لهم، فإنهم مثلُ قوم إبراهيم عليه السلام والأممِ الذين من قبلهم في التكذيب بالبعث والإنكارِ له، وما في حيِّز هذا القول متضمِّنَّ ما يدلُّ على صحته، وعَدَمُ اتحادِه مع ما سبق لا يضرّ. وأيًّا ما كان فإضافة الرحمة إلى ضمير المتكلِّم فيما يأتي إن شاء الله تعالى لِمَا أنَّ ذلك حكايةُ كلامِه عزَّ وجل على وجهه، ومثلُه في القرآن الكريم كثير. والسَّير كما قال الراغب: المضيُّ في الأرض (١). وعليه يكون في الآية تجريدٌ، والظاهر أن المراد به المضيُّ بالجسم، وجوِّز أن يراد به إجالةُ الفكر، وحُمل على ذلك فيما يُروَى في وصف الأنبياء عليهم السلام: أبدانُهم في الأرض سائرةٌ، وقلوبُهم في الملكوت جائلةٌ. ومنهم مَن حَمَلَ ذلك على الجدِّ في العبادة المتوصَّلِ بها إلى الثواب. والمعنى على ما قلنا أوَّلاً: امضوا في الأرض وسِيحُوا فيها ﴿فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ﴾ الله تعالى ﴿الْخَلَقَّ﴾ أي: كيف خَلَقهم ابتداءً على أطوارٍ مختلفةٍ وطبائعَ متغايرةٍ وأخلاقٍ شتَّى، فإنَّ ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذِنٌ بتبُّع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها، وعلى هذا تتغاير الكيفية في الآية السابقة والكيفيةُ في هذه الآية، لِمَا أنَّ الأولى - كما علمتَ - باعتبارِ المادَّةِ وعَدَمِها، وهذه باعتبارِ تغايُرِ الأحوال. (١) مفردات الراغب (سار). سُورَةُ الجَنْكُوتِ ٣٣٠ الآية : ٢٠ ولعل التعبير في الآية الأولى بالمضارع أعني ((يُبْدئ))(١) دون الماضي كما هنا لاستحضار الصورة الماضية؛ لِمَا أنَّ بدء الخلق من مادةٍ وغيرها أغربُ من بدءٍ الخلق على أطوارٍ مختلفةٍ، على معنى أنَّ خَلْقَ الأشياء أغربُ مِن جَعْلٍ أطوارها مختلفةً. وأنت إذا لاحظتَ أنَّ خَلْقَ الأشياء يعود في الآخرة إلى إيجادها من كتمِ العدمِ من غير سَبْقِ مادةٍ دفعاً للتسلسُل، وأنَّ جَعْلَ أطوارها مختلفةً إنما هو بعد سَبْقٍ المادة ولو سَبْقاً ذاتيًا وهو ما قام به الاختلافُ - أعني ذوات الأشياء - لا تَشُكُّ في أنَّ الأول أغربُ من الثاني، ولذا ترى التملُّح بأصل الخلق في القرآن العظيم أكثرَ من التمتُّح بالجعل المذكور. وقد وافق الصيغةَ في الإشعار بالغرابة بناءُ الفعل من باب الإفعال فإنه غيرُ مستعملٍ، ولذا قالوا: إنه مخلٌّ بالفصاحة لولا وقوعُه مع ((يُعيد)). ومما يَقْرُبُ من هذا السرِّ ما قيل في وجه حَذْفِ الياء من ((يَسْرِ)) في قوله تعالى: ﴿وَالَّلِ إِذَا يَسْرٍ﴾ [الفجر: ٤] من أنَّ ذلك لأنَّ الليل يُسْرَى فيه لا يَسْري، أي: ليدلَّ مخالفةُ الظاهر في اللفظ على مخالفته في المعنى، وهو معنّى دقيقٌ. وقيل: في وجه التعبير بما ذُكر إفادةُ الاستمرار التجدُّديِّ، وهو بناءً على المعنى الثاني في الآية. وقال بعضهم في تغاير الدليلين: إنَّ هذا عينيٍّ وذلك علميٍّ، أو: هذا آفاقيٍّ والأولُ أنفسيٍّ . وقرأ الزهريُّ: ((كيف بَدَا الخلق)) بتخفيف الهمزة بإبدالها ألفاً، ثم حَذْفِها في الوصل؛ قال أبو حيان: وهو تخفيفٌ غير قياسيٍّ كما قال: فارْعَيْ فزارةُ لا هَناكِ المرتَعُ وقياسُ تخفيفِ هذا التسهيل بين بين(٢). (١) في (م): يبدأ. (٢) البحر ١٤٦/٧، والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٤٠٨/١، وصدره: ومضت لمَسْلَمةَ الركابُ مُودَّعاً الآية : ٢٠ ٣٣١ سُورَةُ الجَنْكُوتِ ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنِىُ النَّقْأَةَ الْآَخِرَةُ﴾ أي: بعد النشأة الأولى التي شاهدتُموها. والنشأةُ: الإيجادُ والخَلْقُ، والتعبيرُ عن الإعادة التي هي محلُّ النزاع بالنشأة الآخرة المُشْعِرةِ بكون البدء نشأةً أُولى؛ للتنبيه على أنهما شأنٌ واحدٌ من شؤون الله تعالى حقيقةً واسماً، من حيث إنَّ كلَّ منهما اختراٌ وإخراجٌ من العدم إلى الوجود، ولا فرقَ بينهما إلا بالأوَّلية والأُخروية، كذا قيل. والظاهر أنه مبنيٌّ على أنَّ الجسد يعدمُ بالكلِّية ثم يُعاد خَلْقاً جديداً، لا أنه تتفرَّقُ أجزاؤه ثم تُجمع بعد تفرُّقها. وإلى كلِّ ذهب بعضٌ، والأدلةُ متعارضةٌ، والمسألةُ - كما قال ابنُ الهمام - عند المحقّقين ظنِّةٌ(١). وفي كتاب ((الاقتصاد في الاعتقاد)» لحجة الإسلام الغزالي: فإن قيل: فما تقولون، أتُعدَمُ الجواهر والأعراض ثم تُعادان جميعاً، أو تُعدَمُ الأعراض دون الجواهر، وإنما تعاد الأعراض؟ قلنا: كلُّ ذلك ممكنٌ، ولكنْ ليس في الشرع دليلٌ قاطعٌ على تعيين أحد هذه الممكنات(٢). انتهى. وذهب ابن الهمام إلى أنَّ الحقَّ وقوعُ الكيفيتين: إعادةُ ما انعدم بعينه، وتأليفُ ما تفرَّق من الأجزاء(٣) . وقد يقال: إنَّ بدء الإنسان ونحوَه ليس اختراعاً محضاً وإخراجاً من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة؛ لِمَا أنه مخلوقٌ من التراب وسائرِ العناصر، والظاهرُ أنَّ فناءه ليس عبارةً عن صيرورته عدماً محضاً، بل هو عبارةٌ عن انحلاله إلى ما ترَّب منه، ورجوع كلِّ عنصرٍ إلى عنصره. نعم لا شكّ في فناء بعض الأعراض وانعدامها بالكلِّیة، وقد يُستثنى منه بعض الأجزاء فلا ينحلُّ إلى ما منه التركيبُ بل يبقى على ما كان عليه، وهو عَجْبُ (١) المسايرة لكمال الدين محمد بن همام الدين المعروف بابن الهمام مع شرحه المسامرة لابن أبي شريف المقدسي ص٢١٩. (٢) الاقتصاد في الاعتقاد ص ٢٠٠، والمسامرة ص٢١٩-٢٢٠. (٣) المسامرة ص٢١٩ . سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٣٢ الآية : ٢٠ الذَّنب(١)؛ لظاهر حديث الصحيحين: ((ليس شيءٌ من الإنسان لا يَبْلَى إلَّا عظماً واحداً، وهو عَجْبُ الذَّنب، منه يرَّب الخلقُ يوم القيامة))(٢) وتأويلُه بما أوَّله به ملًا صَدْرا في أسفاره مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه، وحينئذٍ فالإعادة تكون بتركيب ما انحلَّ من العناصر وضمِّه إلى هذا الجزء، فلا تكون اختراعاً محضاً وإخراجاً من كتم العدم إلى الوجود في الحقيقة، لكنْ لكلِّ من البدء والإعادة شَبةٌ تامٌّ بالاختراع والإخراج المذكور، وبه يصحُّ أن يقال لكلِّ اختراعٍ وإخراجٍ من العدم إلى الوجود، فلا تغفل. والجملة معطوفةٌ على جملة ((سيروا في الأرض)) داخلةٌ معها في حيِّز القول، ولا يضرُّ تَخالفُهما خبراً وإنشاءً، فإنه جائزٌ بعد القول وما له محلٌّ من الإعراب، ولا يصحُّ عطفُها على ((بدأ الخلْقَ))؛ لأنها لا تصلح أن تكون موقعاً للنظر: أمَّا إن كان بمعنى الإبصار فظاهرٌ، وأمَّا إن كان بمعنى التفكّر فلأنَّ التفكّر في الدليل لا في النتيجة . وإظهارُ الاسم الجليل وإيقاعُه مبتدأً مع إضماره في ((بدأ)) لإبراز مزيدٍ الاعتناء ببيانٍ تحقُّق الإعادة، بالإشارة إلى علَّة الحكم؛ فإنه الاسمُ الجامع لصفات الكمال ونعوتِ الجلال، وتكريرِ (٣) الإسناد، وردِّ ما تقدَّم على مقتضى الظاهر، فلا يحتاج للتوجيه، وكونُ المرادِ منه ليس إثباتَ الإعادة لمن أنكرها فلذا لم ينسج على هذا المنوال، غيرُ مسلَّم. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ((النشاءة)) بالمد(٤)، وهما لغتان كالرأفة والرآفة، والقصرُ أشهر. ومحلُّها النصبُ على أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ لـ ((ينشئ)) بحذفِ الزوائد، والأصل: (١) هو العظم الذي في أسفل الصلب عند العَجُز، يشبه في المحلِّ محلّ أصلِ الذَّنَب عند ذوات الأربع. النهاية (عجب)، والمسامرة ص٢١٩. (٢) صحيح البخاري (٤٩٣٥)، وصحيح مسلم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة ظه، وهو عند أحمد (٨١٨٠). (٣) عطف على قوله: بالإشارة. (٤) التيسير ص ١٧٣، والنشر ٣٤٣/٢. الآية : ٢١ - ٢٢ ٣٣٣ سُوَرَّةُ الْعَنْكُبُوتِ الإنشاءة، أو بحذف العامل، أي: يُنشِئُ فَيَنْشَؤون النشأة الآخرة، نحو: ﴿أَنْبَتَكُم مِّنَ اُلْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ تعليلٌ لِمَا قبله بطريق التحقيق، فإنَّ مَن عَلِمَ قدرتَه عزَّ وجلَّ على جميع الممكنات التي من جملتها الإعادةُ، لا يتصوَّر أن يتردّد في قدرته سبحانه عليها، ولا في وقوعها بعد ما أخبر به. ثم اعْلَمْ أنَّ أكثر المنكرين للبعث لا يقولون باستحالته كجمع النقيضين، بل غايةُ ما عندهم استبعادُه، والردُّ على هؤلاء بهذه الآيات ونحوِها ظاهرٌ؛ لِمَا فيها مما يزيلُ الاستبعادَ من الإبداء الذي هو في الشاهد أشقُّ من الإعادة. ومنهم مَن يقول باستحالته عقلاً فلا يصلح متعلقاً للقدرة، وهؤلاء هم القائلون باستحالة إعادة المعدوم، والردُّ عليهم بعد تسليم أنَّ ما نحن فيه من إعادة المعدوم وليس من جمع المتفرِّق، بإبطال ما استدلُّوا به على الاستحالة، وقد تكفَّتِ الكتب الكلامية بذلك، وأمَّا الردُّ عليهم بهذه الآيات ونحوها فلِمَا فيها من الإشارة إلى تزييف أدلَّة الاستحالة، فتدبّر. ﴿يُعَذِبُ مَن يَشَآءُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لبيان ما بعد النشأة الآخرة، أي: يعذِّبُ بعد النشأة الآخرة مَن يشاء تعذيبَه، وهم المنكرون لها ﴿وَحَمُ مَن يَشَاءٌ﴾ رحمته وهم المقرُّون بها ﴿وَ إِلَيْهِ﴾ سبحانه لا إلى غيره ﴿تُقْلَبُونَ ﴾ أي: تردُّون، والجملة تقريرٌ للإعادة». وتوطئةٌ لِمَا بعده، وتقديمُ التعذيب لِمَا أنَّ الترهيب أنسبُ بالمقام من الترغيب. ﴿وَمَّا أَنْتُم بِمُعْجِينَ﴾ له تعالى عن إجراء حُكْمِه وقضائه عليكم ﴿فِ الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: بالهرب في الأرض الفسيحة، أو الهبوطِ في مكانٍ بعيدِ الغور والعمق بحيث لا يوصلُ إليه فيها، ولا بالتحصُّن في السماء التي هي أفسحُ منها، أو التي هي أمنعُ لمن حلَّ فيها عن أن تناله أيدي الحوادث فيما ترون لو استطعتم الرقيَّ اليها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ﴾ [الرحمن: ٣٣] أو البروج(١) والقلاع المرتفعة في جهتها على ما قيل، وهو خلاف الظاهر. ٠٠. (١) عطف على ((السماء)) في قوله: ولا بالتحصن في السماء. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٣٤ الآية : ٢٢ وقال ابن زيد والفرَّاء: إنَّ ((في السماء)) صلةُ موصولٍ محذوفٍ هو مبتدأٌ محذوفُ الخبر، والتقدير: ولا مَن في السماء بمعجِزِ(١)، والجملةُ معطوفةٌ على الجملة التي قبلها . وضعِّف بأنَّ فيه حذفَ الموصول مع بقاءٍ صلته، وهو لا يجوزُ عند البصريين إلا في الشعر، كقول حسان: أمَن يهجو رسول الله منكم ويمدحُه وينصرُه سواءٌ(٢) على ما هو الظاهرُ فيه، على أنَّ ابنَ مالكِ اشتَرَطَ في جوازه عطفَ الموصول المحذوف على موصولٍ آخَرَ مذكورٍ كما في هذا البيت(٣). وبأنَّ فيه حذفَ الخبر أيضاً مع عدم الحاجة إليه، ولهذا جعل بعضهم الموصول معطوفاً على ((أنتم))، ولم يجعله مبتدأً محذوفَ الخبر ليكون العطفُ مِن عَطْفٍ الجملة على الجملة. وزعم بعضهم أن الموصول محذوفٌ في موضعين، وأنه مفعولٌ به لـ ((معجزین))، وقال: التقدير: وما أنتم بمعجزين مَن في الأرض، أي: مِن الإنس والجنِّ، ولا مَن في السماء، أي: من الملائكة عليهم السلام، فكيف تُعجِزون الله عز وجل؟ ولا يخفى أنَّ هذا في غاية البعد، ولا ينبغي أن يخرَّج عليه كلام الله تعالى. وقيل: ليس في الآية حذفٌ أصلاً، والسماء هي المُظِلَّةُ، إلّا أنَّ ((أنتم)) خطابٌ لجميع العقلاء، فيدخل فيهم الملائكةُ، ويكون ((السماء)) بالنظر إليهم، و((الأرض)) بالنظر إلى غيرهم من الإنس والجنِّ. وهو كما ترى. ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَإٍِ﴾ يحرسُكم من بلاءٍ أرضيٍّ أو سماويٍّ ﴿وَلَا نَصِیرٍ ®﴾ يدفعه عنكم. (١) معاني القرآن للفراء ٣١٥/٢. (٢) ديوان حسان ص٦٤. قال الشهاب في الحاشية ٧/ ٩٧: والتقدير: ومَن يمدحه، والحذف فيه ظاهر؛ لأنه لو عطف على صلةٍ ((مَن)) الأولى، كان الهاجي والمادح شخصاً واحداً، ولا يصح الإخبار عنه بسواء لما فيه من مساواة الشيء لنفسه. (٣) حاشية الشهاب ٧/ ٩٧، وفي التسهيل لابن مالك ص٣٨: وقد يحذف ما عُلم من موصول غير الألف واللام. الآية : ٢٣ ٣٣٥ سُوَّرَةُ الجَنْكُوتِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَِايَتِ اَللَّهِ﴾ أي: بدلائله التكوينية والتنزيلية الدالَّةِ على ذاته وصفاته وأفعاله، فيدخل فيها النشأةُ الأولى الدالَّةُ على صحة البعث والآيات الناطقة به دخولاً أوَّليًّا، وتخصيصُها بدلائل وحدانيته تعالى لا يناسب المقام. ﴿وَلِقَآئِهِ﴾ الذي تنطق به تلك الآيات. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه عزَّ وجل ﴿يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِ﴾ أي: ييأسون منها يومَ القيامة، على أنه وعيدٌ، وإلا فالكافرُ لا يوصف باليأس في الدنيا لأنه لا رجاءَ له، وصيغةٌ الماضي للدلالة على التحقُّق. وجوِّز أن يكون المراد إظهارَ مباينةِ حالهم وحالِ المؤمنين؛ لأنَّ حال المؤمن الرجاءُ والخشية، وحال الكافر الاغترارُ واليأسُ، فهو لا يُخْطِرُ بباله رجاءً ولا خوفاً؛ إنْ أَخْطَر المخوفَ بباله كان حاله اليأسَ بدل الخوف، وإن أَخْطِرَ المرجوّ كان حاله الاغترارَ بدل الرجاء، فكأنه تنصيصٌ على كفرهم وتعريفٌ لحالهم . وأن يكون الكلام على الاستعارة؛ شبّهوا بالآيسين من الرحمة وهم الذين ماتوا على الكفر؛ لأنه ما دامت الحياة لا يتحقق اليأسُ من الرحمة لرجاءِ الإيمان، أو مَن قدِّر آيساً من الرحمة على الفرض، دلالةً على توغَّلهم في الكفر وعدمِ ارْعِوائهم. وقرأ الذماريُّ وأبو جعفر: ((بيسوا)) بغير همزٍ، بل بياءٍ بدل الهمزة(١). ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ في تكرير اسم الإشارة وتکریرِ الإسناد وتنکیرِ العذاب ووصفِه بالأليم من الدلالةِ على فظاعةِ حالهم ما لا يخفى، لكن قال الإمام: إنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه عزَّ وجلَّ دون العذاب ليؤذِنَ بأنَّ رحمته جلَّ وعلا سبقت غضبه سبحانه(٢). وأنت تعلم أنَّ في الآية على هذا دلالةً على سوء حالهم أيضاً؛ لإفادتها أنهم حُرِموا تلك الرحمة العظيمة بما ارتكبوه من العظائم . (١) البحر ٧ / ١٤٧ . (٢) تفسير الرازي ٢٥/ ٥٠. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٣٦ الآية : ٢٤ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ:﴾ بالنصب على أنه خبرُ ((كان))، واسمُها قولُه تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقرأ الحسن وسالمُ الأفطسُ بالرفع على العكس(١)، وقد مرَّ ما فيه في نظائره. والمرادُ بالقتل ما كان بسيفٍ ونحوِه فتظهرُ مقابلةُ الإحراق له، ولا حاجةً إلى جَعْلٍ ((أو) بمعنى ((بل)). والآمرون بذلك إمَّا بعضُهم لبعضٍ، أو كبراؤهم قالوا لأتباعهم: اقتلوه فتستريحوا منه عاجلاً، أو حرِّقوه بالنار، فإما أن يرجع إلى دينكم إذا مَضَّتْه(٢) النار، وإما أن يموت بها إن أصرَّ على قوله ودينه، وأيًّا ما كان ففيه إسنادُ ما للبعض إلى الكلِّ. وجاء هنا الترديدُ بين قَتْلِه عليه السلام وإحراقه، فقد يكون ذلك من قائلَیْن: ناس أشاروا بالقتل وناس بالإحراق، وفي ((اقترب))(٣): ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ﴾ [الآية: ٦٨] اقتصروا على أحدٍ الشيئين، وهو الذي فعلوه؛ رَمَوْه عليه السلام في النار ولم يقتلوه. ثم إنه ليس المراد أنهم لم يَصْدُر عنهم بصدد الجواب عن حُجَجِه عليه السلام إلَّا هذه المقالةُ الشنيعةُ، كما هو المتبادر من ظاهر النظم الكريم، بل إنَّ ذلك هو الذي استقرَّ عليه جوابُهم بعد اللَّيًّا والتي في المرة الأخيرة، وإلا فقد صَدَرَ عنهم من الخرافات والأباطيلِ ما لا يُحصى. ﴿فَأَنْجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الفاءُ فصيحةٌ، أي: فَأَلْقَوْه في النار فأنجاه الله تعالى منها بأنْ جَعَلها سبحانه عليه برداً وسلاماً حسبما بيِّن في مواضعَ أُخَرَ، وقد مرَّ بيانٌ كيفية إلقائه عليه السلامُ فيها وإنجائه تعالى إياه منها، وكان ذلك في كُوثَى(٤) من سواد الكوفة. وكونُه في المكان المشهور اليوم من أرض الرُّهى(٥)، وعنده صورةٌ المنجنيق وماءٌ فيه سمكٌ لا يُصطاد ولا يؤكل حرمةً له، لا أصل له. (١) المحرر الوجيز ٣١٢/٤، والبحر ١٤٨/٧. (٢) أي: أحرقته. اللسان (مضض). (٣) يعني سورة الأنبياء. (٤) بضم الكاف، بلدة بالعراق ومحلةٌ بمكة، وكوثى العراق كوثيان: أحدهما كوثى الطريق، والآخر كوثى رَبَّى، وبها مولد إبراهيم عليه السلام، وبها طرح في النار. معجم البلدان ٤/ ٤٨٧. (٥) بضم أوله، والمد، والقصر: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام. معجم البلدان ١٠٦/٣. الآية : ٢٥ ٣٣٧ سُورَةُ الجَنْكُوتِ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: في إنجائه عليه السلام منها ﴿لَيَتٍ﴾ بينةً عجيبةً، وهي حِفْظُه تعالى إياه من حرِّها، وإخمادُها في زمان يسيرٍ، وإنشاءُ روضٍ في مكانها . وعن كعب: أنه لم يحترق بالنار إلا الحبلُ الذي أوثقوه عليه السلام به. ولولا وقوعُ اسم الإشارة في أثناء القصة لكان الأولى كونُه إشارةً إلى ما تضمَّنته. ﴿لَّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ خصَّهم بالذكر لأنهم المنتفعون بالفحص عنها، والتأمُّل فيها . ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم عليه السلام مخاطباً لهم بعد أن أنجاه الله تعالى من النار: ﴿إِنَّمَا أَّخَذْتُ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ أي: لتتوادُّوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها، واتِّفاقكم عليها وائتلافِكم كما يتّفقُ الناس على مذهبٍ فيكون ذلك سببَ تحابِّهم وتَصَادُقِهم، فالمفعولُ له غايةٌ مترتِّبةٌ على الفعل، ومعلولٌ له في الخارج. أو المعنى: إنَّ مودة بعضكم بعضاً هي التي دعتكم إلى اتِّخاذها، بأنْ رأيتُم بعضَ مَن تَوَدُّونه انَّخذها، فاتَّخذتُموها موافَقةً له لموذَّتكم إياه، وهذا كما يَرى الإنسان مَن يَوَدُّه يفعلُ شيئاً فيفعلُه مودَّةً له، فالمفعولُ له على هذا علَّةٌ باعثةٌ على الفعل، وليس معلولاً له في الخارج، والمراد نفي أن يكون فيها نفعٌ أو ضرٍّ، وأنَّ الداعي لاتخاذها رجاءُ النفع أو خوفُ الضرِّ، وكأنه لم يعتبر ما جعلوه علَّةً لاتِّخاذها علةً، وهو ما أشاروا إليه في قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] للإشارة إلى أنَّ ذلك لكونه أمراً موهوماً لا حقيقةً له مما لا ينبغي أن يكون علةً باعثةً وسبباً حاملاً لمن له أدنى عقل. وقال بعضهم: يجوز أن يكون المخاطبون في هذه الآية أناساً مخصوصين، والقائلون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْغَ﴾ أناساً غيرهم. وقيل: إنَّ الأوثان أولُ ما اتّخذت بسبب المودّة، وذلك أنه كان أناسٌ صالحون فماتوا وأسف عليهم أهلُ زمانهم، فصوَّروا أحجاراً بصُوَرِهم حبًّا لهم، فكانوا يعظّمونها في الجملة، ولم يَزَلْ تعظيمُها يزداد جيلاً فجيلاً حتى عُبدت، فالآيةٌ إشارةٌ إلى ذلك، والمعنى: إنما اتَّخذ أسلافُكم من دون الله أوثاناً .. إلخ، ومثلُه في القرآن الکریم کثیرٌ. سُورَةُ الجَنْكُوتِ ٣٣٨ الآية : ٢٥ وثاني مفعولَي ((اتخذتم)؛ محذوفٌ تقديره: آلهةً. وقال مكي: يجوز أن يكون (اتَّخذ)) متعدِّياً إلى مفعولٍ واحدٍ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَِّينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَّنَالهُمْ غَضَبٌ﴾(١) [الأعراف: ١٥٢]. ورُدَّ بأنه مما حُذف مفعولُه الثاني أيضاً. وجوِّز أن يكون ((مودة)) هو المفعول الثاني بتقديرٍ مضافٍ، أي: ذاتَ مودَّةٍ، وكونُها ذاتَ مودّةٍ باعتبارٍ كونها سببَ المودَّة. وظاهرُ كلام («الكشاف»(٢) أنَّ المضاف المحذوفَ هو لفظ ((سبب))، وقد يُستغنَى عن التقدير بتأويلٍ ((مودة)» بمودودة، أو بجعلها نفسَ المودّة مبالغةً. واعتُرض جَعْلُ ((مودة)) المفعولَ الثانيَ بأنه مَعْرفةٌ بالإضافةِ إلى المضافِ إلى الضمير، والمفعولُ الأولُ نكرةٌ، وذلك غيرُ جائزٍ لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر . وأجيب بأنه لا يلزمُ من غير جوازٍ ذلك في أصلهما عدمُ جوازه فيهما، وإذا سُلِّم اللزوم فلا يُسلَّمُ كون المفعول الثاني هنا مَعْرفةً بالإضافة؛ لما أنَها على الاِّساع، فهي من قبيل الإضافة اللفظية التي لا تفيدُ تعريفاً وإنما تفيدُ تخفيفاً في اللفظ، کذا قيل، وهو كما ترى. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر: ((مودَّةً)) بالنصب والتنوين ((بينكم)) بالنصب(٣)، والوجهُ أنَّ ((مودةً)) منصوبٌ على أحد الوجهين السابقين، و((بينكم)) منصوبٌ به، أو بمحذوفٍ وقع صفةً له. وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس: ((مودَّةٌ بينِكم)) برفع («مودَّة)) مضافة إلى (بين))، وخَفْضٍ ((بين)) بالإضافة، وخرِّج الرفع على أنَّ ((مودة)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي موذَّةُ، على أحد التأويلات المعروفة، والجملةُ صفةُ ((أوثاناً))، وجوِّز كونُها المفعولَ الثاني. أو على أنها خبرُ ((إنَّ) على أنَّ ((ما)) مصدريةٌ، أي: إن اتِّخاذَكم، أو موصولةٌ (١) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٥٥٣/٢. (٢) ٢٠٣/٣. (٣) التيسير ص١٧٣، والنشر ٣٤٣/٢، وهي قراءة أبي جعفر وخلف من العشرة. الآية : ٢٥ ٣٣٩ سُوَدَّةُ الْجَنْكُبُوتِ قد حُذف عائدُها وهو المفعولُ الأول، أي: إنَّ الذي اتّخذْتُموه من دون الله أوثاناً مودةٌ بينِكم، ويجري فيه التأويلاتُ التي أشرنا إليها . وقرأ الحسنُ وأبو حيوةَ وابن أبي عبلة، وأبو عمرو في رواية الأصمعيِّ، والأعشى عن أبي بكر: ((مودةٌ)) بالرفع والتنوين، ((بينكم)) بالنصب(١)، ووجهُ كلِّ معلومٌ مما مرَّ. وروي عن عاصم: ((مودة)) بالرفع من غير تنوينٍ، و ((بينَكم)) بفتح النون(٢)، جَعَله مبنيًّا لإضافته إلى لازم البناءِ، فمحلَّه الجرُّ بإضافة ((مودة)) إليه، ولذا سقط التنوينُ منها . وفي قوله تعالى: (فِى الَْوَةِ الدُّنْيَا) على هذه القراءات والأوُجهِ فيها أوجهٌ من الإعراب ذكرها أبو البقاء(٣): الأول: أن يتعلَّق بـ ((انَّخذتم)) على جَعْلِ ((ما)) كافةً ونَصْبٍ ((مودة))، لا على جَعْلِها موصولةً أو مصدريةً ورَفْع ((مودة))، لئلا يؤدِّي إلى الفصل بين الموصول وما في حيِّز الصلة بالخبر. الثاني: أن يتعلَّق بنفس ((مودة)) إذا لم يُجعل ((بين)) صفةً لها، بناءً على أنَّ المصدر إذا وُصف لا يعمل مطلقاً، وأجاز ابنُ عطية (٤) هذا التعلُّق وإن جُعل ((بين)) صفةً؛ لِمَا أنه يُتَّسَعُ بالظرف مالم يُتَّسَعْ في غيره، فيجوزُ عملُ المصدر به بعد الوصف. الثالث: أن يتعلَّق بنفس ((بينكم))؛ لأن معناه: اجتماعكم أو وصلكم. الرابع: أن يجعل حالاً من ((بينكم)) لتعرُّفه بالإضافة. وتعقّب أبو حيان هذين الوجهين بعد نَقْلِهما عن أبي البقاء كما ذكرنا بأنهما إعرابان لا يتعقَّلان(٥). (١) القراءات الشاذة ص ١١٥، والبحر ١٤٨/٧ . (٢) البحر ٧/ ١٤٨ . (٣) في الإملاء ١٦٤/٤ - ١٦٥ . (٤) في المحرر الوجيز ٣١٣/٤. (٥) البحر ١٤٩/٧ . سُوَدَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٤٠ الآية : ٢٥ الخامس: أن يُجعل صفةً ثانيةً لـ ((مودة)) إذا نوِّنت، وجُعل ((بينكم)) صفةً لها، وأجاز ذلك مكِّي وأبو حيان أيضاً (١). السادس: أن يتعلَّق بـ ((مودة))، ويجعل (بينكم)) ظرفاً متعلِّقاً بها أيضاً، وعَمِلَ (مودة)) في ظرفين لاختلافهما. السابع: أن يجعل حالاً من الضمير في ((بينكم)) إذا جُعل وصفاً لـ ((مودةً))، والعاملُ الظرفُ لأنَّ العامل في ذي الحال هو العامل في الحال، ولا يجوز أن يكون العامل ((مودة)) لذلك. وقال مكي: لأنك قد وَصَفْتها، ومعمولُ المصدر متصلٌ به فتكون قد فرَّقْتَ بين الصلة والموصول بالصفة(٢). وعن ابن مسعود أنه قرأ: ((إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً إنما مودةُ بينكم في الحياة الدنيا)) بزيادة ((إنما)) بعد ((أوثاناً)) ورَفْع ((مودة)) بلا تنوينٍ وجرِّ ((بين)) بالإضافة(٣)، وخرِّجت على أنَّ (مودة)) مبتدأ، و((في الحياة الدنيا)) خبره، والمعنى: إنما تَوَادُكم عليها أو مودَّتُكم إياها كائنٌ أو كائنةٌ في الحياة الدنيا. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ يتبدَّل الحال حيث ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ﴾ وهم العَبَدَةُ ﴿يَبَعْضٍ﴾ وهم الأوثان ﴿وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: يلعنُ كلُّ فريقٍ منكم ومن الأوثان - حيث ينطقُها الله تعالى - الفريقَ الآخر، وفيه تغليبُ الخطاب وضمير العقلاء . وجوِّز أن يكون الخطاب للعَبَدةِ لا غير، والمراد بكفْرِ بعضِهم ببعضٍ التناكُرُ، أي: ثم يومَ القيامة يظهر التناكُرُ والتلامعُنُ بينكم أيتها العَبَدةُ للأوثان. ﴿وَمَأْوَنِكُمُ النَّارُ﴾ أي: هي منزلكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه أبداً ﴿وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾ يخلِّصونكم منها كما خلَّصني ربِّي من النار التي (١) مشكل إعراب القرآن ٥٥٥/٢، والبحر ١٤٨/٧. (٢) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٥٤ . (٣) القراءات الشاذة ص١١٥، والكشاف ٢٠٣/٣. قال أبو حيان في البحر ١٤٨/٧: وذكروا عن ابن مسعود قراءة شاذة تخالف سواد المصحف، مع أنه قد روي عنه ما في سواد المصحف بالنقل الصحيح المستفيض، فلذلك لم أذكر تلك القراءة.