النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٢ ٣٠١ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ الحاليةُ سادَّةً مَسدَّه، ألا ترى أنك لو قلتَ: علِمتُ ضربي زيداً قائماً، صحَّ. على أنَّ ((تَرَكَ)) ليس كأفعال القلوب في جميع الأحكام، بل القياسُ أن يَجُوزَ الاكتفاءُ فيه بالحال من غيرِ نظرٍ إلى أنه قائمٌ مقامَ الثاني؛ لأنَّ قولك: تركتُه وهو جَزَرُ السباع، كلامٌ صحيحٌ، كما تقولُ: أبقيتُه على هذه الحالةِ، وهو نظيرُ: سمعتُه يتحدَّث، في أنه يتمُّ بالحال بعدَه أو الوصف، وها هنا زادَ أنه يَتُّ أيضاً بما يَجرِي مَجْرى الخبرِ . وجوِّزَ أنْ تكونَ هذه الجملةُ هي المفعول الثاني لا سادَّةً مسدَّه، وتوسُّطُ الواوِ بينَ المفعولَيْنِ جائزٌ كما في قوله : لِحَيْنِي يُضْرَبُ المَثَلُّ(١) وصَيَّرني هَواك وبي وقد نصَّ شارحُ أبياتِ ((المفصّل)) على أنه حُكي عن الأخفشِ أنه كان يجوِّز: كان زيدٌ وأبوه قائمٌ؛ على نُقْصانِ ((كان)) وجَعْلِ الجملةِ خبراً مع الواو تشبيهاً لخبرٍ (كان)) بالحال، فمتى جاز في الخبر عنده فَلْيَجُزْ في المفعول الثاني، وهو كما ترى. واستَظْهَرَ الطيبيُّ كونَ التركِ هنا مُتعدِّياً لِوَاحدٍ على أنه بمعنى التَّخلِيةِ (٢). وليس بذاك. وَجَوَّزَ الحوفيُّ وأبو البقاءِ أن يكونَ ((أن يَقُولوا)) بَدَلاً من ((أن يُتْرَكوا)) (٣). وجُوِّز أنْ يكونَ ((أن يُتْرَكُوا)) هو المفعول الأوَّل لـ ((حَسِب))، و((هم لا يُفتنون)) في موضعِ الحالِ من الضميرِ، ((وأنْ يَقُولُوا)) بتقديرِ اللَّام هو المفعولُ الثاني، وكونُه ◌ِلَّةً لا يُنَافي ذلك، كما في قولِك: حَسِبْتُ ضرْبَه للتأديب. والتقدير: أُحَسِبَ الناسُ تركَهُمْ غيرَ مفتونِيْنَ لِقَوْلهم: آمنًّا؟ والمفعولُ الثاني لـ ((يتركوا)) مَتْروٌ بدلالةِ الحال. (١) البيت لمحمد بن يحيى بن المبارك اليزيدي، كما في الأغاني ١٦٩/٦، وبهجة المجالس لابن عبد البر ٨٢١/١، ونسبه الجرجاني في دلائل الإعجاز ص٩١ لابن البواب، وهو دون نسبة في الإيضاح للقزويني ص٣٠، قوله: لحيني، الحين بفتح الحاء المهملة: الهلاك. مختار الصحاح (حَيّن). (٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) الإملاء ٤/ ١٦٠، وذكره عن الحوفي أبو حيان في البحر ١٣٩/٧. الآية : ٢ ٣٠٢ سُودَةُ الجَنْكُتِ واعترضه صاحبُ ((التقريبِ)) بما حاصلُه: أنَّ الحُسْبانَ لتعلُّقِه بمضامين الجُمَل إذا أُنْكِرَ يكونُ باعتبارِ المفعولِ الثاني، فإذا قلتَ: أحَسبتَه قائماً؟ فالمُنكَرُ حُسْبانُ قيامِه، كذلك إذا قيل: أحَسِبَ الناسُ تركهم غيرَ مَفْتونِيْنَ لقَوْلِهِم: آمَنَّا، أفاد إنْكارَ حُسْبانِ أنَّ التركَ غيرَ مفتونينَ لهذه العلة، بل إنما هو لعلةٍ أخرى، ولا يلائِمُ سَبَبَ النُّزولِ ولا مقصودَ الآيةِ. واختار أن يكونَ ((أن يُتْرَكوا)) سادًّا مسدَّ المفعولين، و((أَنْ يَقُولُوا)) علةً للحُسبانِ، أي: أحَسِبوا لقولهم: آمنًّا أن يُتْرَكوا غيرَ مفتونِيْنَ؟ وأُجيبَ بأنَّ أصل الكلام: ألا يُفتنون لقولهم: آمنا؟ على إنكار أنْ يكون سبباً لعدَمِ الفَتْنِ، ثم قيل: أيُتْرَكون غيرَ مفتونينَ لقولِهِم: آمنًّا؟ مبالغةً في إنكارٍ أنْ يبقَوا من غير فَتْنٍ لذلك، ثم أُدْخِلَ على حسبانِ التركِ مبالغةً على مبالغةٍ، وإنما يَرِدُ ما أورد إذا لم يُلاحَظُ أصلُ الكلام ويُجعل مَصَبُّ الإنكارِ الحسبانَ من أوَّلِ الأمر. وقيل: إنما يلزم ما ذكر لو لم يُقدَّرْ: أحَسِبوا ترْكَهم غيرَ مفتونينَ بمجرَّد قولهم : آمنًّا، دون إخلاصٍ وعملٍ صالح؟ أمَّا لو قُدِّر ذلك استقام كما صرَّح به الزجَّاج(١)، على أنَّ ذلك مبنيٌّ على اعتبار المفهوم. واعتَرضَ ذلك بعضُهم من حيث اللفظُ بأنَّ فيه الفَصْلَ بين الحال وذِيْها بثاني مفعولَيْ ((حسِبَ))، وهو أجنبيٍّ. وأُجيبَ بأنَّ الفَصْلَ غيرُ مُمتَنِعٍ، بل الأحسنُ أنْ لا يقعَ فصلٌ إلا إذا اعتَرَضَ ما يُؤْجِبه، وها هنا الاهتمامُ بشأن الخبر حَسَّن التقديمَ؛ لأنَّ مصَبَّ الإنكار ذلك. ولا يَخْفى أنه يُحتاجُ إلى مثلِ هذا الجوابِ على ما يَقْتضيهِ الظاهرُ من جَعْلِ ((أن يُتْرَكوا)) في تأويلِ مصدرٍ وقع مفعولاً أوَّلاً، و((أنْ يقولوا)) في تأويلِ مصدرٍ أيضاً مجرورٍ بلامٍ مقدَّرةٍ، والجارُّ والمجرورُ في موقع المفعول الثاني. وأمَّا على ما ذكره بعضُ المحقّقين مِن أنهما لم يُجْعَلا كذلك، وإنما جُعِل ((أنْ يقولوا)) معمولاً لـ (يُتْرَكوا)) بتقديرِ اللَّام، وجُعِل ((أن يُتْرَكُوا)) سادًّا مسدَّ المفعولَيْنِ، (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٥٩/٤، وحاشية الشهاب ٧/ ٩١. الآية : ٢ ٣٠٣ سُوَّةُ الجَنْكُتِ واقتَضَى المعنى أن يُقال: أحَسِب الناسُ تركَهم غيرَ مفتونِينَ لقولهم: آمنا؟ بجَعْل (تركَهم)) مفعولاً أولاً، و((لقولهم)) مفعولاً ثانياً = فلا يُحْتَاجُ إليه، لأنَّه إنْ جَرَيْنا مع اللفظِ كان ((أن يُتْرَكوا)) سادًّا مسدَّ المفعولَيْنِ، فلا يكونُ فيه مفعولٌ ثانٍ فاصِلٌ بينَ الحالِ وذِيْها، وإنْ جَرَيْنا مع المعنى واعتبَرْنا الكلامَ مجرَّدًا عن ((أنْ)) المصدريَّةِ وجيء به كما سمعتَ كانت الحالُ متَّصِلةً بذِئْها . وقيل: يَجوزُ أن يكونَ المفعولُ الأوَّل لـ ((حَسِب)» محذوفاً، أي: أحَسب الناسُ أنفسَهم، و((أن يُتْرَكوا)) في موضعِ المفعول الثاني على أنه في تأويل مصدرٍ، وهو في تأويلِ اسْمِ المفعولِ، أي: متروكِيْنَ، و((وهم لا يُفْتَنُون)) في موضع الحالِ كما تقدَّم، و((أَن يُؤْمِنُوا)) بتَقْدِيرٍ لأن يُؤْمِنُوا مُتعلِّقٌ بـ ((يُتْرَكوا))، فكأنَّه قيل: أحَسِب الناسُ أنفسَهم متروكينَ غيرَ مفتونينَ لقولهم: آمنًّا؟ وقيل: إنَّ هذا المعنى حاصلٌ على تقديرِ سَدِّ ((أن يُتْرَكُوا)) مَسَدَّ المفعولَيْنِ. فتأَمَّلْ فيه وفيما قبلَه. ولعل الأبعدَ عن التكلُّف ما ذكرْناه أوَّلاً، والمرادُ إنكارُ حُسْبانِهِم أن يُتْرَكوا غيرَ مفتونين بمجرَّدٍ أن يقولوا: آمنًا، واستبعادٌ له، وتحقيقُ أنَّه تعالى يَمتحِنُهم بمَشاقٌ التكاليفِ، كالمهاجَرة، والمجاهَدةِ، ورفْضِ الشَّهَوات، ووظائفِ الطَّاعاتِ، وقُنونِ المصائبٍ في الأنفُسِ والأموالِ، لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ من المنافِقِ، والراسخُ في الدِّينِ مِنَ المُتزلزِلِ فيه، فيعامَل كلٌّ بما يَقْتَضِيه، ويُجازيهم سُبحانَه بحسَبِ مَراتبٍ أعمالهم، فإنَّ مجرَّدَ الإيمان وإنْ كان عن خُلوصٍ لا يَقتضِي غيرَ الخلاصِ من الخُلُود في النار. وذكر بعضُهم أنه سُبحانَه لو أثابَ المؤمنَ يومَ القيامة من غيرِ أن يَفْتنَه في الدنيا لقال الكافرُ المعذَّب: ربِّ لو أنَّك كنتَ فَتَنْتَه في الدُّنيا لكَفَر مِثْلي، فإيمانُه الذي تُثْبُه عليه مما لا يستحقُّ الثواب له، فبالفِتْنة يُلْجَمُ الكافرُ عن مثلِ هذا القولِ، ويُعوَّضُ المؤمنُ بدَلَها ما يُعوَّضُ بحيثُ يَتمنَّى لو كانتْ فتنتُه أعظمَ مما كانتْ. والآيةُ على ما أخرجَ عبد بن حُميد وابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشَعْبي نزلت في أناس كانوا بمكةَ قد أَقرُّوا بالإسلام، فكَتَب إليهم أصحابُ رسولِ الله وَ﴿ من المدينةِ لمَّا نزلت آيةُ الهجرةِ أنه لا يُقْبَلُ منكم إقرارٌ ولا إسلامٌ حتى تُهاجِروا. فخَرَجوا عامِدينَ إلى المدينة، فاتَّبعَهم المشرِكون فرَدُّوهم، فَتَزَلت سُورَةُ الجَنْكُتِ ٣٠٤ الآية : ٣ فيهم هذه الايةُ، فكتبوا إليهم: أُنْزِلت فيكم آيةُ كذا وكذا، فقالوا: نَخْرُجُ فإن اتَّبَعَنَا أحَدٌ قاتَلْناه. فخرجُوا فاتَّبعَهم المُشْرِكون فقاتَلُوهم فمنهم مَن قُتِل ومنهم مَنْ نَجا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُوَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُوَاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١) [النحل: ١١٠]. وأخرج ابنُ المنذِر عن ابن جُرَيْجِ قال: سمعتُ ابن عُمَيْرٍ وغيرَه يقولون: كان أبو جهْلٍ يعذِّبُ عمار بن ياسرٍ وأمَّهَ، ويَجْعل على عمَّارٍ دِرْعاً من حديد في اليوم الصائف، وطعَن في فرج أمِّه بِرُمْحٍ، ففي ذلك نزلت: (أَحَسِبَ النَّاسُ) إلخ (٢). وقيل: نزلت في مِهْجَع مولى عمرَ بن الخطاب، قُتِل ببذْرٍ فجزع عليه أبواه وامْرأتُه، وقال فيه رسولُ الله ◌َّهِ: ((سيِّدُ الشُّهَدَاءِ مِهْجَعٌ، وهو أَوَّلُ مَن يُدْعى إلى باب الجنة))(٣). وقيل: نزلت في عَيَّاشِ أخي أبي جهل غُدِر وعُذِّب ليرتَدَّ كما سيأتي خبرُه إن شاء الله تعالى. وفُسِّر ((النَّاسُ)) بمن نزلت فيهم الآيةُ. وقال الحَسَن: ((الناسُ)) هنا المنافقون. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ حالٌ من ((الناس))، أو من ضميرٍ ((يُفْتَنُون))، وعلى الأول يكون علةً لإنكارِ الْحُسبانِ، أي: أحَسِبوا ذلك وقد عَلِموا أنَّ سنَّةَ الله تعالى على خِلافِهِ، ولن تجدَ لسُنَّةِ الله تعالى تبديلاً؟ وعلى الثاني بياناً لأنَّه لا وجهَ لتَخْصيصِهم بعَدَم الافْتِتان. وحاصلُه أنه على الأول تنبيهٌ على الخطأ، وعلى الثاني تخطئةٌ. والمرادُ بـ ((الذين من قبلهم)) المؤمنون أتْبَاعُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام؛ أصابَهم من ضُروبِ الفِتَنِ والمِحَنِ ما أصابهم، فصَبَروا وعَضُّوا على دينِهم بَالنَواجِذ، كما يُعرِبُ عنه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ﴾ الآيات [آل عمران: ١٤٦-١٤٨]. (١) تفسير الطبري ٣٥٨/١٨-٣٥٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٣١/١٩، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ١٤١/٥ . (٢) الدر المنثور ١٤١/٥. (٣) أخرجه الثعلبي ٧/ ٢٧٠ عن مقاتل، وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٢٧ . الآية : ٣ ٣٠٥ سُوَدَةُ الجَنْكُوتِ وروَى البخاريُّ وأبو داود والنسائيُّ عن خبَّابٍ بن الأرتِّ قال: شكونا إلى رسول الله وَ﴿ ولقد لَقِيْنَا من المشركين شِدَّةً، فقلنا: ألا تستنصِرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: ((قد كان مَنْ قبلكم يُؤْخَذُ الرجلُ فَيُحْفَر له في الأرضِ فَيُجْعَل فيها، ثم يؤْنَى بالمِنْشار فيُوْضَعُ على رأسه فيُجْعَلُ نِصْفَينٍ، ويُمْشَط بأمشاطِ الحديد ما دونَ لحمِه وعَظْمِهِ، ما يَصُدُّه ذلك عن دينه))(١) . ۵﴾ في ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ أي: في قولهم: آمنا. ﴿ وَلَعْلَمَنَّ اَلْكَذِينَ ذلك. والفاءُ لترتيبٍ ما بعدَها على ما يُفْصِحُ عنه ما قبلَها من وقوع الامتحان، واللامُ واقعةٌ في جواب القسم، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لإدخال الروعة وتربيةٍ المهابة، وتكريرُ الجواب لزِيادةِ التأكيدِ والتقريرِ. ويُتَوَهَّمُ من الآية حُدوثُ عِلْمِه تعالى بالحوادثِ، وهو باطل. وأجيب بأنَّ الحادِثَ تعلُّقُ علمِه تعالى بالمعدوم بعدَ حدوثه. وقال ابن المنيِّر: الحقُّ أنَّ عِلْمَ الله تعالى واحدٌ يَتَعلَّقُ بالموجود زمانَ وجودِهِ وقبلَه وبعدَه على ما هو عليه، وفائدةُ ذِكْرِ العِلم ها هنا وإن كان سابقاً على وجودٍ المعلوم: التنبيهُ بالسَّبَب على المسبّب وهو الجزاء، فكأنه قيل: فوالله ليعلَمَنَّ بما يُشْبِهُ الامتحانَ والاختبارَ الذين صدقوا في الإيمان الذي أَظْهَروه، والذين هم كاذبون فيه مستمِرُون على الكَذِبِ؛ فَلَيُجازيَنَّ كُلَّا بِحَسَبٍ علمه فيه(٢). وفي معناه ما قاله ابن جِنِّي: من أنه من إقامةِ السبب مُقامَ المسبَّب، والغرَضُ فيه: لَيُكَافِئَنَّ الله تعالى الذين صَدَقوا ولَيُكافِئَنَّ الكاذبين، وذلك أنَّ المكافأةَ على الشيء إنَّما هيَ مُسَبَّةٌ عن عِلْمِ (٣). وقال مُحيي السُّنة: أي: فَلَيُظْهِرَنَّ اللهُ تعالى الصادقينَ مِنَ الكاذبين حتى يُوْجَدَ معلوماً (٤)؛ لأنَّ اللهَ تعالى عالمٌ بهم قبلَ الاختبار. (١) صحيح البخاري (٦٩٤٣)، وسنن أبي داود (٢٦٤٩)، والمجتبى ٢٠٤/٨، والسنن الكبرى (٥٨٦٢)، وهو عند أحمد (٢١٠٥٧). (٢) الانتصاف ١٩٦/٣. (٣) المحتسب ١٥٩/٢ . (٤) تفسير البغوي ١٨٦/٣. سُودَةُ الجَنْكُتُوتِ ٣٠٦ الآية : ٤ وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وجعفرُ بن محمدٍ والزهريُّ ◌َّمَ: ((فَلَيُعْلِمَنَّ)) بضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللَّام(١) على أنه مضارِعُ ((أَعْلَمَ)) المنقولةِ بهَمْزةِ التعديَة من ((عَلِمَ)) المتعدِّيةِ إلى واحدٍ، وهِيَ التي بمعنى («عَرَفَ))، فيكونُ الفعلُ على هذه القراءة متعدِّياً لاثنين، والثاني هنا محذوف، أي: فَلَيُعْلِمِنَّ اللهُ الذين صَدَقوا منازلَهم من الثواب وليُعْلِمَن الكاذبين منازلَهم من العقاب وذلك في الآخرة، أو الأولُ محذوفٌ، أي: فَليُعْلِمِنَّ اللهُ الناسَ الذين صدقوا وليعلمنَّهُم الكاذبين، أي: يشهدهم (٢) هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر. والظاهرُ أنَّ ذلك في الآخرة أيضاً. وقال أبو حيَّان: في الدنيا والآخرة(٣). وجُوِّز أن يكونَ ذلك من الإعلام وهو وضعُ العلامة والسِّمَة فيتعدَّى لواحد، أي: يَسِمُهم بعَلامةٍ يُعْرَفُون بها يومَ القيامة، كبَيَاض الوجوه وسَوَادها. وقيل: يَسِمُهم سبحانه بعلامةٍ يُعْرفون بها في الدنيا، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أَسرَّ سَريرةٌ أَلْبَسَه اللهُ تعالى رِداءَها))(٤) . وقرأ الزهريُّ الفعلَ الأولَ كما قرأ الجماعةُ، والفعلَ الثانيَ كما قرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وجعفرٌ والزهريُّ چ﴾(٥). ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ قال مجاهد: أي: يُعجِزونا فلا نَقدر على مُجازاتهم على أعمالهم والانتقام منهم. وأصلُ السَّبْقِ الفوتُ، ثم أُريدَ منه ما ذكر. وقيل: أي: يُعجلونا محتومَ القضاء. والأولُ أولى. (١) القراءات الشاذة ص١١٤، والمحتسب ١٥٩/٢، والبحر ٧/ ١٤٠ عن عليٍّ وجعفر بن محمد، وقد قرأا كذلك في الفعل الثاني، أي: ((وليُعلِمِنَّ الكاذبين))، كما ذكر ابن جني، وقرأ الزهري الأولى كالمشهورة والثانية كالشاذة كما سيرد. (٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: يشهرهم كما في البحر ٧/ ١٤٠، ويؤيده قول السمين في الدر المصون ٨/٩: أي بشهرة يعرف بها هؤلاء من هؤلاء. (٣) البحر ٧/ ١٤٠. (٤) سلف ١٨/ ٤٣٨. (٥) المحتسب ١٥٩/٢، والبحر ٧ /٤٠. الآية : ٤ ٣٠٧ سُودَةُ الجَنْكُبُوتِ وفسَّر قتادةُ ـ على ما أخرجه عنه عبد بنُ حُميد وابن جرير - ((السيئاتِ)) بالشرك(١)، والجمعُ باعتبار تعدُّد المُتَّصفين به. وإطلاق العمل على الشرك، سواءٌ قلنا: إنه ما كان عن فكرٍ ورَوِيَّة كما قيل، أو عن قصدٍ كما قال الراغب(٢)، أم لا؛ لا ضَيْرَ فيه لأنه يكون بعبادة الأصنام وغيرِها . وقيل: المراد بـ ((السيئات)) المعاصي غيرَ الكفر، فالآية في المؤمنين قطعاً، وهم وإن لم يحسبوا أن يفوتوه تعالى ولم تطمع نفوسهم في ذلك، ولكنْ نُزِّل جَرْيُهم على غير موجب العلم وهو غفلتُهم وإصرارُهم على المعاصي منزلةً مَن لم يَتَيَقَّن الجزاءَ، ويحسَب أنه يفوتُ اللهَ عز وجل. وعمَّم بَعضُهم فحمل السيئاتِ على الكفر والمعاصي، وتعليقُ العمل بها بناءً على تسليم تخصيصه بما سمعتَ يحتمل أن يكونَ باعتبار التغليب. وظاهرُ الآثار يدلُّ على أنَّ هذه الآية نزلت في شأن الكفَرة، فعن ابن عباس . أنه قال: يريد سبحانه بـ ((الذين يعملون السيئات)) الوليد بن المُغِيرة وأبا جهل والأسودَ والعاصيَ بن هشام وشيبةً وعتبةً والوليد بن عتبةً وعتبة بن أبي معيط وحنظلةَ بنَ وائل وأنظارَهم من صناديد قريش. وفي ((البحر))(٣) أنَّ الآية وإن نزلت على سببٍ فهي تعُمُّ جميعَ مَن يعمل السيئات من كافرٍ ومسلم. والظاهرُ أنَّ ((أم)) منقطعةٌ بمعنى ((بل)) التي للإضراب بمعنى الانتقال، وهو انتقالٌ من إنكارٍ حسبانِ عدمِ الفَتْن لمجرَّدِ الإيمان إلى إنكارِ حسبانِ عدم المُجازَاة على عمل السيئات. وقال ابن عطية: ((أم)) معادلةٌ للهمزة في قوله تعالى: (أَحَسِبَ) وكأنه سبحانه قرَّر الفريقين؛ قرَّر المؤمنين على ظنِّهم أنهم لا يفتنون، وقرَّر الكافرين الذين يعملون (١) تفسير الطبري ١٨/ ٣٦٠، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١٤١/٥. (٢) في مفرداته (عمل). (٣) ١٤١/٧، وعنه نقل المصنف قول ابن عباس. سُودَةُ الجَنْكُتِ ٣٠٨ الآية : ٤ السيئات في تعذيب المؤمنين وغيرِ ذلك على ظنِّهم أنهم يسبقون نِقَمَات الله تعالى ويُعجزونه(١). انتهى. ورُدَّ بأنها لو كانت معادِلةً للهمزة لكانت متصلةً، والتالي باطلٌ لأنَّ شرط المتصلة أن يكونَ ما بعدها مفرداً، نحوُ: أزيدٌ قائمٌ أم عمرٌو؟ أو ما هو في تقدير المفرد، نحوُ: أقام زيد أم قعد؟ وجوابُها تعيينُ أحدِ الشيئَيْنِ أو الأشياء، وبعدها هنا جملةٌ، ولا يمكن الجواب هنا أيضاً بأحد الشيئين، فَالحَقُّ أنها منقطعةٌ، والاستفهام الذي تُشْعِر به إنكاريٌّ لا يَحتاجُ للجواب كما لا يخفى. والظاهر أن الحسبان متعدٍّ إلى مفعولين، وأنَّ ((أن يسبقونا)) سادٌّ مسدّهما. وجوَّز الزمخشري هنا أن يُضَمَّنَ معنى التقدير، فيكون متعدِّياً لواحدٍ، و((أن يسبقونا» هو ذلك الواحد(٢). وتعقّبه أبو حيان بأنَّ التضمين ليس بقياس، ولا يُصار إليه إلَّا عند الحاجة، وهنا لا حاجة إليه(٣). ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾﴾، أي: بئس الذي يحكُمونه حُكْمُهم ذلك، على أنَّ (ساء) بمعنى (بئس))، و((ما)) موصولةٌ، و((يحكمون)) صلتُها، والعائد محذوفٌ، وهي فاعل ((ساء))، والمخصوصُ بالذِّ محذوف. أو: بئس حكماً یحکمونہ حکمُهم ذلك، على أن ((ما)) موصوفةٌ، و((يحكمون)) صفتُها، والرابط محذوف، وهي تمييزٌ، وفاعلُ ((ساء)) ضميرٌ مفسَّرٌ بالتمييز، والمخصوصُ محذوفٌ أيضاً. وقال ابن كَيْسان(٤): ((ما)) مصدريَّةٌ، والمصدرُ المؤوَّل مخصوصٌ بالذمِّ، فالتمییزُ محذوف. وجُوِّز كون ((ساء)) بمعنى ((قُبُح))، و((ما)) إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والمضارع للاستمرار إشارةً إلى أنَّ دأبهم ذلك، أو هو واقعٌ موقعَ الماضي لرعاية (١) المحرر الوجيز ٣٠٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ١٤٠، وما سيأتي منه. (٢) الكشاف ١٩٦/٣ . (٣) البحر ١٤١/٧. (٤) كما في البحر ٧/ ١٤١، وحاشية الشهاب ٧/ ٩٢، والكلام منه. الآية : ٥ ٣٠٩ سُورَةُ الْجَنْكَبُوتِ الفاصِلة، وكِلَا الوجهين حكاهما في البحر(١)، والأول أولى. وعندي أن مثلَ هذا لا يقال إلا في حقِّ الكَفَرة. ﴿مَنْ كَنَ يَرْجُوْ لِقَآءَ الَّهِ﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: أي: مَن كان يخشى البعث في الآخرة (٢). فالرجاءُ بمعنى الخوف كما في قول الهُذَلي في وصف عسَّال: إذا لسَعْه الدَّبْرُ لم يَرْجُ لَسْعَها وخالَفها في بيتٍ نُوبٍ عواملٍ (٣) ولعل إرادةَ البعث من لقائه عزَّ وجل لأنه من مَباديه. وقيل: لعله جعَل لقاءَ الله تعالى عبارةً عن الوصول إلى العاقبة، إلا أنه لَمَّا كان البعث من أعظم ما يَتوقّف ذلك علیه خصَّه بالذكر. وفي ((الكشاف)): أنَّ لقاء الله تعالى مَثَلٌ للوصول إلى العاقبة مِن تلقّي ملك الموت والبعث والحساب والجزاء، ومُثِّلت تلك الحالُ بحالٍ عبدٍ قدِمَ على سيده بعد عهد طويل وقد اطّلع مولاه على ما كان يأتي ويذر، فإمَّا أن يلقاه بِشْرٍ وترحيبٍ لِمَا رضي من أفعاله، أو بضدِّ ذلك لِمَا سَخِطَّه منها، فمعنى ((من كان)) إلخ: مَن كان يأمل تلك الحالَ وأن يلقى فيها الكرامةَ من الله تعالى والبشرى(٤). فالكلامُ عنده من باب التمثيل، والرجاءُ بمعنى الأمل والتوقُّع. وجُوِّز أن يكون بمعنى ذلك إلا أن الكلام بتقدير مضاف: أي: مَن كان يتوقَّع ملاقاةَ جزاءِ الله تعالى ثواباً أو عقاباً، أوملاقاةَ حكمه عز وجل يوم القيامة، وأن يكون بمعنى الخوف والمضافُ محذوفٌ أيضاً، أي: مَن كان يخاف ملاقاةَ عقاب الله تعالى، وأن يكون بمعنى ظنِّ حصولِ ما فيه مسرَّةٌ وتوقُّعِه كما هو المشهور، والمضافُ كذلك أيضاً، أي: مَن كان يرجو ملاقاةَ ثواب الله تعالى. ويجوز أن لا يقدَّرَ مضاف، ويُجْعَلَ لقاءُ الله تعالى مجازاً عن الثواب لِمَا أنه لازمٌ له. (١) ١٤١/٧. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٤. (٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٤٣/١، وسلف ٣٨/١١. (٤) الكشاف ٣/ ١٩٧ . سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣١٠ الآية : ٦ - ٧ واختار بعضهم أن الرجاء بمعناه المشهورِ، وأنَّ لقاءَ الله تعالى مشاهدَتُه سبحانه على الوجه اللائق به عزَّ وجلَّ كما يقوله أهلُ السّنّة والجماعة، إذ لا حاجةً للخروج عن الظاهر من غير ضرورةٍ. وما حسبه المعتزليُّ منها فليس منها كما بُيِّن في علم الكلام، أي: مَن كان يتوقَّع مشاهدة الله تعالى يوم القيامة التي لا نعيمَ يعدلُها، ويلزَمُها الفوزُ بكلِّ خير ونعيم. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ الأَجَلُ غايةٌ لزمانٍ ممتدٍّ عُيِّنَت لأمر من الأمور، وقد يطلَق على كلِّ ذلك الزمانِ، والأول أشهرُ في الاستعمال، أي: فإنَّ الوقتَ الذي عيَّنه جلَّ شأنُه لذلك ﴿لٍَّ﴾ لا محالةَ من غير صارفٍ يَلْويه، ولا عاطفٍ يَثنيه؛ لأن أجزاء الزمان على التقضِّي والتصرُّم دائماً، ومجيءُ ذلك الوقت كنايةٌ عن إتيانِ ما فيه ووقوعِه. والجملةُ الاسمية قائمةٌ مقامَ جواب الشرط، وهي في الحقيقة دليلُ الجواب المحذوف، أي: فلْيُبادِرْ ما ينفعه(١) من امتثال الأوامر واجتناب المناهي، أو: فليبادر ما يحقّق أمله ويصدِّق رجاءه، أو نحو ذلك مما يلائم الشرطَ، فتدبّر. وقيل: يجوز أن تكون هي الجوابَ، على أنَّ المراد بها المعنى الملائم للشرط کما ذُكر. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ جلَّ شأنُه لأقوال العباد ﴿الْعَلِيمُ ﴾﴾ بأحوالهم من الأعمال الظاهرة والعقائد والصفات الباطنة. والجملة تذييلٌ لتحقيق حصول المرجوِّ والمَخُوف وعداً ووعيداً. ﴿وَمَن ◌َجَهَدَ﴾ في طاعة الله عزَّ وجلَّ ﴿فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهٌِّ﴾ لعَوْد المنفعة من الثَّواب المُعَدِّ لذلك إليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ فلا حاجةَ له إلى طاعتهم، وإنما أمَرَهم سبحانه بها تعريضاً لهم للثواب بموجب رحمته وحكمته. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الكفرَ الأصليَّ أو العارضيَّ بالإيمان، والمعاصيَ بما يتبعها من الطاعات. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾، أي: أحسنَ جزاءِ أعمالهم. والجزاءُ (١) في (م): ينفقه، وهو تصحيف. الآية : ٨ ٣١١ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ الحَسَن أن يُجازَى بحسنةٍ حسنةً، وأحسنُ الجزاء أن تُجازَى الحسنةُ الواحدة بالعَشْر وزيادةٍ. وقيل: لو قدِّر: لنجزيَنَّهم بأحسنِ أعمالهم، أو: جزاءً أحسن أعمالهم؛ لإخراج المباح، جاز. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أي: أَمَرْناه بتعهُّدِهما ومُراعاتهما، وانتصب (حُسْنًا)) على أنه وصفٌ لمصدرٍ محذوف، أي: إيصاءً حُسْناً، أي: ذا حُسنٍ، أو هو في حدٍّ ذاته حُسْنٌ لفرْطِ حُسنه، كقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وهذا ما اختاره أبو حيان(١)، ولا يخلو عن حُسْنٍ. وقال الزمخشريُّ: ((حُسْنا)) مفعولٌ به لمصدرٍ محذوفٍ مضافٍ إلی ((والدیه))، أي: وصَّيْناه بإيتاء والدَيْه - أو: بإيلاءِ والديه - حُسناً(٢). وفيه إعمالُ المصدر محذوفاً وإبقاءُ عَمَلِهِ، وهو لا يجوز عند البصريّيْن. وجُوِّز أن يكون (حُسْناً)) مصدراً لفعلٍ محذوف، أي: أَحْسِنْ حُسْناً، والجملةُ في موضع المفعول لـ ((وصَّى)) لتضمُّنِه معنى القول، وهذا على مذهب الكوفيِّيْن القائلين بأنَّ ما يَتضمَّن معنى القول يجوز أن يَعْملَ في الجُمَل من غيرِ تقديرٍ للقول. وعند البصريِّين يقدَّر القولُ في مثل ذلك، وعليه يجوز أن يكون مفعولاً به لفعلٍ محذوف، والجملة مقولُ القول، وجملةُ القول مفسِّرةٌ للتوصية، أي: قلنا: أَوْلِهما - أو: افعَلْ بهما - حُسناً، وعلى هذا يحسُن الوقف على ((بوالديه)) لاستئناف الجملة بعده، ورُجِّح تقديرُ الأمر بأنه أوفقُ لِمَا بعده من الخطاب والنهي الذي هو أخوه، لكن ضُعِّف ما فيه كثرةُ تقديرٍ بكثرةِ التقدير. ونقل ابن عطيّةً عن الكوفيِين(٣) أنهم يجعلون ((حُسناً)) مفعولاً لفعل محذوف، (١) في البحر ٧/ ١٤٢ . (٢) الكشاف ٣/ ١٩٧. (٣) كذا ذكر المصنف، والصواب أن ناقل هذا عن الكوفيين هو صاحب كتاب التحرير كما في البحر ٧/ ١٤٢، وقد ذكره أبو حيان إثر كلام لابن عطية. وكتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير لجمال الدين محمد بن سليمان المعروف بابن النقيب. كشف الظنون ٣٥٨/١. الآية : ٨ ٣١٢ سُؤَةُ الجَنْكُتُوتِِ ويقدِّرُوْن: أن يفعلَ حُسناً. وفيه حذفُ ((أنْ)) وصلتِها وإبقاءُ المعمول، وهو لا يجوز عند البصريين. وقيل: إنَّ ((حُسناً)) منصوبٌ بنَزْع الخافض، و((بوالديه)) متعلِّقٌ بـ ((وصَّينا))، والباء فيه بمعنى ((في))، أي: وصَّينا الإنسان في أمر والديه بحُسن. وهو كما ترى. وقرأ عيسى والجحدريُّ: ((حَسَناً) بفتحتين(١). وفي مصحفٍ أُبَيِّ ((إحساناً)(٢). ﴿وَإِن جَهَدَالَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ فَلَا تُطِعْهُمَاْ﴾ عطفٌ على ما قبله، ولا بدَّ من إضمارِ القول إن لم يضمَر قبلُ، أي: وقلنا: إن جاهداك .. إلخ، لئلا يلزمَ عطفُ الإنشاء على الخبر؛ لأن الجملة الشرطية إذا كان جوابُها إنشاءً فهي إنشائيةٌ كما صرَّحوا به، فإذا لم يُضمَرِ القول لا يليق عطفُها على ((وصَّيْنا)) لِمَا ذُكر، ولا على ما عَمل فيه لكونه في معنى القول وهو ((أَحْسِنْ)) وإن توافقا في الإنشائية، لأنه ليس من الوصية بالوالدين لأنه نهيٌّ(٣) عن مطاوَعتهما. وأمَّا عطفُه على ((قُلْنا)) المفسِّر للتوصية فلا يَضُرُّ؛ لِمَا فيه من تقييدها بعدم الإفضاء إلى المعصية مآلاً، فكأنه قيل: أحسِنْ إليهما وأطِعْهما ما لم يأمراك بمعصيةٍ؛ فتأمَّلْ. والظاهر الذي يقتضيه المقامُ أنَّ ((ما)) عامٌّ لِمَا سواه تعالى شأنه. وقوله سبحانه: ((به)) على حذفٍ مضافٍ، أي: ما ليس لك بإلهيَّتِه علمٌ. وتنكيرُ ((علم)) للتحقير، والمراد: لتُشْرِكَ بي شيئاً لا يصحُّ أن يكونَ إلهاً ولا يستقيم، وفي العدول عنه إلى ما في النَظْم الجليل إيذانٌ بأنَّ ما لا يُعْلم صحتُه ولو إجمالاً كما في التقليد لا يجوز اتِّباعه وإن لم يُعْلم بطلانُه، فكيف بما عُلِم على أتمٍّ وجهٍ بطلانُه؟ وجعل العلّامة الطيبيُّ نفيَ العلم كنايةً عن نفي المعلوم، وعلَّل ذلك بأنَّ هذا الأسلوبَ يُستعمل غالباً في حقِّ الله تعالى، نحو: ﴿أَتْنَيُّونَ اللَّهَ بِمَا لَ يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨]. ثم قال: وفيه إشارةٌ إلى أنَّ نفيَ الشرك من العلوم (١) القراءات الشاذة ص١١٤، والبحر ٧/ ١٤٢. (٢) المحرر الوجيز ٣٠٨/٤، والبحر ١٤٢/٧. (٣) في (م): منهي، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ٩٣، والكلام منه. الآية : ٨ ٣١٣ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ الضروريَّة، وأنَّ الفطرةَ السليمة مجبولةٌ عليه على ما ورد: ((كلُّ مولودٍ يُولد على الفِظْرة)»(١)، وذلك أنَّ المخاطَب بقوله تعالى: (وَوَضَيْنَا الْإِسَنَ) جنسُ الإنسان. انتھی، وفيه بحث. ومتعلّق ((تُطِعْهما)) محذوفٌ لوضوح دلالة الكلام عليه، أي: وإن استفرَغا جهدَهما في تكليفِك لتشركَ بي غيري مما لا إلهيَّةَ له فلا تُطِعْهما في ذلك فإنَّه لا طاعةً لمخلوقٍ في معصية الخالق. وفي تعليق النهي عن طاعتهما بمجاهدَتهما في التكليف إشعارٌ بأنَّ مُوجب النهي فيما دونَها من التكليف ثابتٌ بطريقِ الأوْلَوِيَّة، وكذا موجبه في مجاهَدةِ أحدهما . ﴿إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، أي: مرجعُ مَنْ آمَنَ منكم ومَن أشرك، ومَن برَّ ومَن عقّ. والجملة مقرِّرةٌ لِمَا قبلها، ولذا لم تُعطف. ﴿فَأُبِئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بأنْ أجازِيَ كلَّ منكم بعمله؛ إنْ خيراً فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ. والآية نزلت في سعد بن أبي وقَّاص، وذلك أنه رَه حين أسلم قالت أمُّه حمنةُ بنت أبي سفيان بن أميّةَ بنِ عبد شمس: ياسعدُ، بلَغَني أنَّك صَبَأْتَ، فوالله لا يُظِلُّني سقفُ بيتٍ من الضِّحِّ والريح، وإنَّ الطعام والشراب عليَّ حرامٌ حتى تكفرَ بمحمد بَّ. وكان أحبَّ ولدِها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله وَ﴿ فشكا إليه، فنزلت هذه الآية والتي في ((لقمان))(٢) والتي في ((الأحقاف))(٣)، فأمره رسول الله ﴿ أن يدارِيَها ويترضَّاها بالإحسان (٤). وروي أنها نزلت في عيَّاش بن أبي ربيعة المخزوميِّ، وذلك أنه هاجر مع (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. وحديث: ((كل مولود ... )) أخرجه أحمد (٧١٨١)، والبخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة . (٢) الآيتان (١٤- ١٥). (٣) الآية (١٥). (٤) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٥٦ دون سند، وكذا الثعلبي والكلبي كما ذكر ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، ونقله المصنف عن الكشاف ١٩٨/٣، وأخرجه بنحوه مسلم (١٧٤٨): (٣) كتاب فضائل الصحابة من حديث سعد هـ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣١٤ الآية : ٩ عمرَ بن الخطّاب ﴿يَا مترافقين(١) حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمِّه أسماءً بنت مخرمة(٢) امرأة من بني تميم من بني حنظلةَ؛ فنزلا بعيَّش وقالا له: إنَّ مِن دين محمد صلةَ الأرحام وبرَّ الوالدينِ، وقد تركتَ أمَّك لا تَطْعَمُ ولا تشرب ولا تأوي بيتاً حتى تراك، وهي أشدُّ حبًّا لك منَّا، فاخْرُجْ معنا. وفَتَلَا منه في الذروة والغارب(٣)، فاستشار عمرَ ◌َظُله فقال: هما يخدعانك، ولك عليَّ أنْ أَقْسِم مالي بيني وبينَك. فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمرَ رَظُه، فقال عمرُ مَلُبه: أمَا إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعيرٌ يلحَقُها، فإنْ رابَكَ منهم ريبٌ فارجعْ. فلمّا انتهَوْا إلى البيداء قال أبو جهل: إنَّ ناقتي قد كلَّت فاحملني معك. قال: نعم. فنزل ليوطئَ لنفسه وله، فأخذاه فشدَّاه وِثاقاً وجَلَده كلُّ واحد مئةَ جلدةٍ، وذهبا به إلى أمِّه. فقالت: لا تزال بعذابٍ حتى ترجعَ عن دين محمد ◌َّهِ، فنزلت(٤). ﴿وَلَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدْيِنَّهُمْ فِي الصَّلِحِينَ ﴾﴾ أي: في زُمْرة الراسخين في الصلاح الكاملين به، والصلاحُ ضدُّ الفساد، وهو جامعٌ لكلِّ خير، وله مراتبُ غيرُ متناهية، ومرتبةُ الكمال فيه مرتبةٌ عليا، ولذا طلبها الأنبياء عليهم السلام كما قال سليمان عليه السلام: ﴿وَأَدْخِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. ويحتمل أن يكون الكلام بتقديرٍ مضاف، أي: في مدخل الصالحين وهي الجنة . (١) في (م): متوافقين، والمثبت من الأصل والكشاف ١٩٨/٣، وعنه نقل المصنف. (٢) كذا نقل المصنف عن الكشاف، والصواب: مخرِّبة بالباء قبلها راء مشدّدة مكسورة. الإكمال ٢١١/٧، والإصابة ١١٨/١٢. (٣) مثل يضرب في المكر والمخادعة، والمعنى: ما زالا يخدعانه حتى أزالاه عن رأيه. وأصل المثل في البعير إذا كان صعباً شرساً، فيَحُكُّ الرجل سنامه وغاربه - وهو مقدم السنام - ويفتل الوَبْر فيهما يؤنسه بذلك، ويخدعه حتى يستمكن منه. وذروة البعير بكسر الذال وضمها : أعلاه. جمهرة الأمثال ٩٨/٢، والمستقصى ١٧٩/٢، ومجمع الأمثال ٦٩/٢. (٤) الكشاف ١٩٨/٣، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٢٧ : هذا السياق أورده الثعلبي عن مقاتل، وأخرجه ابن إسحاق في المغازي ومن طريقه البزار [مسند البزار (١٥٥)] قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر مطولاً. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦١/٦: رجاله ثقات. الآية : ١٠ ٣١٥ سُورَةُ الجَنْكُوتِ والموصول مبتدأ، ((ولنُدْخِلَنَّهم)) الخبر على ما ذكره أبو البقاء، وجوَّز أن يكون في موضع نصب على تقديرٍ: لَنُدْخلَنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لَنُدْخِلَنَّهم(١). ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعضُهم ﴿مَنْ يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فيِ اَللَّهِ﴾ أي: لأَجْلِه عزَّ وجلَّ، على أنَّ ((في)) للسببية، أو المراد: في سبيل الله تعالى، بأنْ عذَّبهم المشركون على الإيمان به تعالى ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: نَزَّلوا ما يُصيبهم مِن أذَّتِهِم ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: منزلةَ عذابِه تعالى في الآخرة، فجَزِعوا من ذلك ولم يصبروا عليه، وأطاعوا الناسَ وكفروا بالله تعالى كما يُطيعُ الله تعالى مَن يخافُ عذابَه سبحانه فيؤمِنُ به عزَّ وجلَّ. ﴿وَلَيْنِ جََّ نَصْرٌ مِّنِ زَّيِّكَ﴾ بأنْ حَصَل للمؤمنين فتحٌّ وغنيمةٌ ﴿لَقُولُنَّ﴾ بضمِ اللام الثانية وحذفٍ ضميرِ الجمع لالتقاء الساكنينِ، وهذا الضمير عائدٌ إلى ((مَن)) والجمعُ بالنظر إلى معناها، كما أنَّ إفراد الضمائرِ العائدةِ إليها فيما سَبَق بالنظر إلى لفظها. وحكى أبو مَعاذٍ النحويُّ أنه قُرِئ: ((ليقولَنَّ)) بفتح اللام على إفراد الضمير كما فيما سَبَق(٢). ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: مُشابِعِيْنَ لكم في الدِّين؛ فأشْرِكُونا فيما حصل من الغنيمة. وقيل: أي: مُقاتِلين معكم ناصرينَ لكم، فالمرادُ الصُّحبةُ في القتال. ورُوَّ بأنها غيرُ واقعةٍ. والآية نزلت في ناسٍ مِنْ ضَعَفَةِ المسلمين؛ كانوا إذا مسَّهم أذى من الكفّار وافَقوهم، وکانوا یکُمُونه من المسلمین، وبذلك یکونون منافقینَ، ولذا قال ابن زيد والسّدِّيُّ: إنَّ الآيةَ في المنافقين. فَرَدَّ الله تعالى عليهم ذلك بقوله سبحانه: ﴿أَوَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِ صُدُورٍ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ وهو في الظاهر عطفٌ على مقدَّر، أي: أيَخْفى حالُهم وليس .. إلخ، أو: أليس المتفرِّسون الذين ينظرون بنورِ الله تعالى بأحوالهم عالمين وليس .. إلخ. (١) الإملاء ٤/ ١٦٢. (٢) القراءات الشاذّة ص١١٤، والبحر ١٤٣/٧. سُوَّةُ الجَنْكُوتِ ٣١٦ الآية : ١١ - ١٢ و((أَعْلَمَ)) إمَّا على أصله، أي: أليس هو عز وجل أعلَمَ مِنَ العالمين بما في صدورِ العالمين من الأخلاق والنِّفاق، حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والإخفاءِ عن المسلمين، وادِّعاءِ كونِهم منهم لنَّيْلِ الغنيمة. أو هو بمعنى عالِم. وقال قتادة: نزلت فيمَن هاجر فردَّهم المشركون إلى مكة. وقيل: نزلت في ناسٍ مؤمنين، أخرجهم المشركون إلى بذْرٍ فارتدُّوا، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَِّينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيةَ [النساء: ٩٧]. وما تقدَّم هو الأوفقُ لِمَا سبق من الآية وما لَحِق من قوله سبحانه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالإخلاص ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اُلْمُنَفِقِينَ ﴾﴾ سواءٌ كان كفرُهم بأذَّةٍ أو لا. والمراد بالعلم المجازاةُ، أي: لَيَجْزِينَّهم بما لهم من الإيمان والنفاق. وكأنَّ تلوينَ الخِطاب في ((الذين آمنوا)) و((المنافقين)) لرعاية الفواصل. والظاهر أنَّ الآية بناءً على أنَّ النفاقَ ظَهَر في المدينة مدنيَّةٌ، وهو يؤيِّد ما تقدَّم. مِنْ عدِّها من المستثنَيَات، ولعلَّ مَن يقول: إنها مكية؛ لظاهِر إطلاقِ جَمْعِ القولَ بمكيةِ السُّورة، وأنَّ تعذيبَ الكَفَرة المسلمين إنَّما كان في الأغْلَبِ بمكةً، يمنع ذلك، أو يذهب إلى أنَّها من الإخبار بالغيب، فتدبّر. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بيانٌ لحملهم المؤمنين على الكفر بالاستمالة، بعد بيان حملهم إياهم عليه بالأذية والوعيد، ووَصَفهم بالكفر هاهنا دونَ ما سَبَق لما أنَّ مَساقَ الكلام لبيان جنايتهم، وفيما سَبَق لِبَيَانِ جِنايةٍ مَن أضلُّوه. واللَّامُ للتبليغ، أي: قالوا مخاطبين لهم: ﴿أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا﴾ أي: اسْلُكوا طرِيقَتَنَا التي نَسْلُكُها في الدِّين، عَبَّر عن ذلك بالاتِّاعِ الذي هو المَشْيُّ خلفَ ماشٍ آخَرَ، تنزيلاً للمسلكِ منزِلَةَ السَّالك فيه، أو: اتَّبِعونا في طريقتنا. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ أي: إذا كان ذلك الاتِّباعُ خطيئةٌ يُؤَاخَذُ عليها يومَ القيامة كما تقولون، أو: ولْنَحْمِلْ ما عليكم من الخطايا إن كان بعثٌ ومؤاخَذَةٌ، وإنَّما أَمَروا أنفسَهم بالحَمْلِ عاطفينَ له على الأمر بالاتِّباع؛ للمبالَغة في تعليق الحمل بالاتِّبَاعِ، فكأنَّ أصلَ الكلام: اتَّبِعُوا سبيلَنا نحمِلْ خطاياكم، بجَزْمِ ((نَحْمِلْ)) على أنه جوابُ الأمر، فيكون المعنى: إن تَتَّبعوا نحملْ، فعُدِل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالَغة الآية : ١٢ ٣١٧ سُوَّدَةُ الجَنْكُبُوتِ المذكورة، ومنشَؤُها الإشارةُ إلى أنَّ الحملَ لتحقُّقِه كأنه أمرٌ واجبٌ أُمِرُوا به مِن آمِرٍ مُطاعٍ. والتعليقُ على الشرط الذي تضمَّنَه الأمرُ كما في قولهم: أكرِمْني أنفعْك، لا يفّدُ ذلك، والداعي لهم إلى المبالَغة التشجيعُ على الاتِّبَاعِ. والحملُ هنا مجازٌ، وفي ((البحر)): شُبِّه القيامُ بما يتحصَّلُ من عواقِبِ الإثم بالحمل على الظّهْر؛ والخطايا بالمحمول. قال مجاهد: الحمل هنا من الحَمَالة، لا من الحمل(١) انتھی. والآيةُ على ما أخرج جماعةٌ عن مجاهد نزلت في كُفَّارٍ قريش؛ قالوا لمن آمَنَ منهم: لا نُبْعَثُ نحن ولا أنتم، فاتَّبِعونا، فإنْ كان عليكم شيءٌ فَعَلَيْنا(٢). وأخرج ابنُ أبي شيبةً وابن المنذر عن ابن الحنفية قال: كان أبو جهل وصناديدُ قريش يتلقَّون الناسَ إذا جاؤوا إلى النبيِّ وَّهِ يُسْلمون، يقولون: إنه يُحرِّم الخمرَ، ويحرِّمُ الزِّنى، ويحرِّم ما كانت تصنع العربُ، فارْجِعوا فنحن نحملُ أوزارَكم. فنزلت هذه الآية(٣). وقيل: قائلُ ذلك أبو سفيانَ بنُ حرب وأميةُ بن خلف؛ قالا لعمرَ نَظُبه: إنْ كان في الإقامة على دين الآباء إثمٌ فنحن نحمله عنك. وقيل: قائله الوليدُ بن المغيرة، ونسبةُ ما صَدَرَ عن الواحد للجَمْع شائعةٌ، وقد تقدَّم الكلامُ غيرَ مرةٍ في وجه ذلك. وقرأ الحسن وعيسى ونوحٌ القارئُ: ((ولِنَحْمِل)) بكَسْر لام الأمر، ورُويت عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(٤) . ﴿وَمَا هُمْ بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُم مِّن شَىْءٍ﴾ نَفْيٌ مؤكِّدٌ على (٥) سبيل الاستمرار لكونهم حاملين شيئاً ما من خطاياهم التي التزَمُوا حملَها، فالباءُ زائدةٌ لتأكيدِ النفي، والاستمرارُ الذي تُفِيْدُه الجملةُ الاسْميَّةُ معتَبَرٌ بعدَ النفي، و((مِن)) الأولى للبيان، (١) البحر ١٤٣/٧. (٢) تفسير الطبري ٣٦٨/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠٣٩/٩. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٠١، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٤٣/٥. (٤) القراءات الشاذة ص١١٤، والبحر ١٤٣/٧ . (٥) في (م): عن. سُورَةُ الجَنْكُتِ ٣١٨ الآية : ١٢ وهو مقدَّم مِنْ تأخيرٍ، و((مِن)) الثانيةُ مزيدةٌ لتأكيد الاستغراق. وهذه الجملةُ اعتراضٌ أو حالٌ. وقرأ داودُ بنُ أبي هند فيما ذكر أبو الفضل الرازيُّ: ((مِنْ خَطِيْئَتِهِمْ)) على التوحيد، قال: ومعناه الجنسُ، ودلَّ على ذلك اتصافُه بضَميرِ الجماعة(١). وذكر ابن خالويه وأبو عمرو الداني أنَّ داودَ هذا قرأ: ((مِنْ خطيئاتهم))، جَمْعُ («خطيئة)» جَمْعَ السَّلامةِ بالألف والتاءِ(٢). وذكر ابن عطيةً عنه أنَّه قرأ: ((مِن خَطْبِهم) بفتح الطّاء وكسر الياء، وينبغي أن يُحْمَلَ كسرُ الياء على أنَّها همزةٌ سهِّلَت بينَ بينَ، فَأَشْبَهَتِ الياءَ، لأنَّ قياسَ تَسْهِيلِها هو ذلك(٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ استئنافٌ مقرِّرٌ للنفي السابق، والكَذِبُ ١٢ قيل: راجعٌ إلى تعليقِ الحمل بالاتِّباع - فإِنَّه إخبارٌ - لا إلى الأمْرِ السابقِ، لأنَّه إنشاءٌ ولا يجري الكذبُ فیه. وتُعُقِّبَ بأنَّ التعليقَ لا يلزَمُه أنْ يكونَ إخباراً، بل هو ضمانٌ معلَّقٌ، أي: إنشاءُ الضَّمانِ عند وجودِ الصِّفة، ولذا قال الزمخشريُّ: إنَّ ضامِنَ ما لا يُعْلَمُ اقتدارُه على الوَفاء به لا يُسَمَّى كاذِباً، لا حينَ ضَمِن ولا حينَ عَجَزَ؛ لأنَّه في الحالينِ لا يَدْخُلُ تحتَ حدِّ الكاذب، وهو المُخْبِرُ عن الشيءٍ لا على ما هو عليه. وجَعَل هذا سؤالاً عن وجهِ التعبيرِ بـ ((كاذبون))(٤) . وأجابَ عن ذلك بوجهين، ثانيهما على ما في ((الكشف)» هو الوجهُ، وحاصلُه أنَّ الكَذِبَ ليس راجعاً إلى أنَّهم غيرُ حاملين؛ لِيُقَال: إنَّ الضامنَ لا يُسَمَّى كاذباً، بل أخْبَرَ اللهُ تعالى أنَّهم عَجَزُ عمَّا ضَمِنوه، ومع ذلك هم كاذبون في وَعْدِ إنشاء الضَّمانِ عند وجود الوصف، والمحصّل أنَّ مَن وَعَد الضمانَ إنْ ضَمِن ولم يحقِّقْ 1 (١) البحر ٧ / ١٤٤. (٢) القراءات الشاذة ص١١٤، والبحر ٧/ ١٤٤، وعنه نقل المصنف كلام ابن خالويه وأبي عمرو الداني. (٣) البحر ٧/ ١٤٤، وكلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٩/٤. (٤) الكشاف ١٩٩/٣ . الآية : ١٣ ٣١٩ سُودَةُ الجَنْكُتِ لا يُسَمَّى كاذِباً، وإنْ لم يَضْمَنْ سُمِّيَ كاذباً. وأوَّلهما أنَّه شَبَّهَ اللهُ تعالى حالَهم حيثُ عَلِم أنَّ ما ضَمِنوه لا طريقَ لهم إلى أنْ يَفُوا به، فكان ضمانُهم عنده سبحانه لا على ما هو عليه المضمونُ، بالكاذبين الذين خَبَرُهم لا على ما عليه المُخْبَرُ عنه(١). وقال بعضُ المحقِّقِين: الكَذِبُ راجعٌ إلى الخبر الذي في ضِمْنٍ وعدِهم بالحمل، وهو (٢) أنَّهم قادرون على إنجازِ ما وَعَدُوا، والكَذِبُ كما يتطرَّقُ إلى الكلام باعتبار منطوقه يتطرّقُ إليه باعتبار ما يلزَمُ مدلولَه. وفي ((الانتصاف)): أنَّ في قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ) نكتةً حَسَنةٌ يُستَدَلُّ بها على صِحَّةٍ مجيءِ الأمرِ بمعنى الخبر، فإنَّ مِنَ النَّاس مَنْ أنكره والتَّزَمَ تخريجَ جميعٍ ما وَرَد في ذلك على أصلِ الأمر، ولم يَتِمَّ له ذلك في هذه الآية، لأنَّه سبحانهَ أردَفَ قولهم: ((وَلْنَحْمِلْ خطاياكم)) على صيغة الأمرِ بقوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ) والتكذيبُ إنَّما يتطرّقُ إلى الأخبارِ(٣). انتهى. ويُعْلَمُ منه وجهُ كونهم كاذبين في قولهم ذلك مع إخراجهم له مخرجَ الأمر، إلَّا أنَّ في كونِ الآية دليلاً على ما ذكره نظراً كما لا يخفى. ﴿وَلَيَحْيُكَ أَنْقَمْ﴾ بيانٌ لِمَا يستتبِعُه قولُهم ذلك في الآخرة من المضرَّة لأنفُسِهم، بعد بيانِ عدمٍ منفعتِّه لمخاطَبيهم أصلاً. والتعبيرُ عن الخطايا بالأثقال للإيذانِ بغايةِ ثقلِها وكونِها فادحةٌ. واللَّام واقعةٌ في جوابٍ قسم محذوفٍ، أي: وَبالله ليحمِلُنَّ أثقالَ أنْفُسِهِم كاملةً ﴿وَقَالًا﴾ أُخَرَ ﴿مَعَ أَنْقَالِمٌ﴾ وهي أثقالُ ما تسبَّبُوا بالإضلالِ والحملِ على الكفرِ والمعاصي، من غيرِ أنْ ينقصَ من أثقالٍ مَن أضلُّوه شيءٌ ما؛ فقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنَّ النبيَّ وَّ قال: (أيُّما داع دعا إلى هُدّى فاتُبعَ عليه وعُمِل به، فله مثلُ أجورِ الذين اتَّبِعُوه، ولا يَنْقُص ذلك من أجورهم شيئاً، وأيُّما داعٍ دعا إلى ضَلالةِ فاتُبعَ عليها وعُمِلَ بها، فعليه مثلُ (١) الكشاف ٣/ ٢٠٠. (٢) في (م): وهم، وهو تصحيف. (٣) الإنصاف ١٩٩/٣. سُودَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٢٠ الآية : ١٤ أوزَارِ الذين اتَّبَعُوه، ولا يَنْقُصُ ذلك من أوزارِهم شيئاً». قال عون: وكان الحسن يقرأ عليها: (وَلَيَحِلُكَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمْ)(١). وللإشارة إلى استقلالِ أثْقالٍ أنْفُسِهم، وأنَّها نهضَتْهم واستَغْرَغَتْ جُهْدَهم، وأنَّ الأثقالَ الأُخَرَ كالعَلاوَةِ عليها، اخْتِيْرَ ما في النَّظم الجليل على أنْ يقال: وليحملُنَّ أثقالاً مع أثقالهم. ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾، سؤالَ تقرِيعِ وتَبْكيتٍ ﴿عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي: يختَلِقونه في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل التي من جُمْلَتِها كَذِبُهم هذا. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمِينَ عَامًا﴾ شروعٌ في بيانِ اقْتتانِ الأنبياءِ عليهم السلامُ بأذيةِ أُممِهِم إثْرَ بيانِ افتتانِ المؤمنين بأذيةٍ الكفّار؛ تأكيداً للإنكارِ على الذين يحسَبُون أنْ يُتْرَكوا بمجرَّد الإيمان بلا ابتلاءٍ، وحثًّا لهم على الصبر، فإنَّ الأنبياءَ عليهم السلام حيث ابْتُلُوا بما أصابَهم مِنْ جِهَة أُمَمِهم من فنون المَكَارِ وصَبَرُوا عليها، فَلَأَنْ يَصْبِرَ هؤلاء المؤمنين أولى وأحری. والظاهرُ أنَّ الواوَ للعطف، وهو من عطف القصَّة على القصَّة، قال ابن عطية: والقسَمُ فيها بعيدٌ(٢). يعني: أن يكون المُقْسَمُ به قد حُذف وبَقِيَ حرفُه وجوابُه، فإنَّ فيه حذفَ المجرورِ وإبقاءَ الجارِّ، وهم قالوا: لابدَّ من ذكر المجرور. والفاءُ للتعقيب، فالمتبادِرُ أنَّه عليه السلام لبِثَ في قومه عقيبَ الإرسالِ المدةَ المذكورةَ، وقد جاءَ مصرَّحاً به في بعضٍ الآثار؛ أخرج ابن أبي شيبةً وعبدُ بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابنُ مردويه، والحاكم وصحّحَه(٣) عن ابن عبّاس قال: بعث الله تعالى نوحاً عليه السلام وهو ابنُ أربعين سنةً، ولبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلَّا (١) الدر المنثور ١٤٢/٥، وأخرجه أحمد (٩١٦٠)، ومسلم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة د ◌ُه دون ذكر الآية. (٢) المحرر الوجيز ٣١٠/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ١٤٥ . (٣) قوله: وصححه، كذا نقله المصنف عن السيوطي في الدر ١٤٣/٥، ولم نقف على تصحيحه في المستدرك.