النص المفهرس

صفحات 261-280

الآية : ٧٨
٢٦١
سُؤَدَّةُ القَصَصِ
صورة الذهب والفضة، ثم نحاولها بالعلاج إلى أن يتمَّ فيها الاستعدادُ لقبول
فصلهما(١). اهـ بمعناه، وهو رةٌّ صحيحٌ فيما يظهر.
وقال الإمام بعد ذِكْرِه ما سمعتَ من كلام الشيخ: هو ليس بقويٌّ؛ لأنَّا نشاهد
من الترياق آثاراً وأفعالاً مخصوصةً، فإمَّا أن لا نُثْبِتَ له صورةً ترياقيةً، بل نقول:
إنَّ الأفعال الترياقيةَ حاصلةٌ من ذلك المزاج لا من صورةٍ أخرى، جاز أيضاً أن
يقال: صفرةُ الذهب ورزانتُه حاصلتان مما فيه من المزاج لا من صورةٍ مقوَّمةٍ،
فحينئذٍ لا يكون للذهب فصلٌ منوٌَّ إلَّا مجرَّد الصفرة والرزانة، ولكنهما معلومتان،
فأمكن أن تُقصد إزالتُهما واتخاذُهما، فبطل ما قاله الشيخ.
وأمَّا إذا أثبتنا صورةً مقوَّمةً له فنقول: لا شكَّ بأنَّا لا نَعْقِلُ مِن تلك الصورة
إلا أنها حقيقةٌ تقتضي الأفعال المخصوصة الصادرةَ عن الترياق، فإمَّا أن يكون هذا
القَدْرُ من العلم يكفي في قَصْدِ الإيجاد والإبطال أو لا يكفي، فإنْ لم يَكْفِ وَجَبَ
أن لا يمكننا اتخاذُ الترياق، وإن كفى فهو في مسألتنا أيضاً حاصل؛ لأنَّا لا نعلم
من الصورة الذهبية أنها ماهيةٌ تقتضي الذَّوْبَ والصفرةَ والرزانة.
ويجاب أيضاً بأنَّا وإن كثَّا لا نعلمُ الصورةَ المقوَّمةَ على التفصيل، إلا أنَّا نعلم
الأعراض التي تلائمها والتي لا تلائمها، ونعلم أنَّ العَرَضَ الغيرَ الملائم إذا اشتدَّ في
المادة بطلت الصورةُ، مثل الصورة المائية فإنَّا نعلم أنَّ الحرارة لا تلائمُها وإنْ كنّا
لا نعلم ماهيتها على التفصيل، فلذلك يمكننا أن نبطل الصورة المائيةَ وأن نكسبها،
أمَّا الإبطال فبتسخين الماء، وأمَّا الاكتسابُ فبتبريد الهواء، فكذلك في مسألتنا .
واحتجَّ قومٌ من الفلاسفة على امتناعِها بأمورٍ :
أوَّلُها: أنَّ الطبيعة إنما تعمل هذه الأجساد من عناصرَ مجهولةٍ عندنا، ولتلك
العناصر مقاديرُ معيَّنةٌ مجهولةٌ عندنا أيضاً، ولكيفياتِ تلك العناصر مراتبُ معلومةٌ
وهي مجهولةٌ عندنا، ولتمام الفعل والانفعال زمانٌ معيَّنٌ هو (٢) مجهولٌ عندنا، ومع
الجهل بكلِّ ذلك كيف يمكننا عملُ هذه الأجساد؟
(١) في المقدمة: فصلها .
(٢) قوله: هو، ليس في (م).

سُورَةُ الْقَصَصْ
٢٦٢
الآية : ٧٨
وثانيها: أنَّ الجوهر الصابغ إما أن يكون أصبر على النار من المصبوغ، أو
يكون المصبوغُ أصبر، أو يتساويان، فإن كان الصابغُ أصبر وجب أن يَفْنى المصبوغ
ويبقى الصابغ بعد فنائه، وإن كان المصبوغ أصبر وجب أن يبقى بعد فناء الصابغ،
وإن تَساوَيًا في الصبر على النار فهما من نوعٍ واحدٍ لاستوائهما في الصبر على
النار، فليس أحدُهما بالصابغية والآخرُ بالمصبوغية أَوْلَى من العكس.
وثالثها: أنه لو كان ما بالصناعة مِثْلاً لِمَا بالطبيعة (١)، لكن التالي باطلٌ؛
أما أولاً: فلأنَّا لم نجد له شبيهاً. وأما ثانياً: فلأنه لو جاز أن يوجد بالصناعة
ما يحصل بالطبيعة لجاز أن يحصل بالطبيعة ما يحصل بالصناعة، حتى يوجد سيفٌ
أو سريرٌ بالطبيعة، ولمَّا ثبت امتناعُ التالي ثبت امتناعُ المقدَّم.
ورابعها: أنَّ لهذه الأجساد أماكنَ طبيعيةً هي معادنُها، وهي لها بمنزلة الأرحام
للحيوان، فَمَن جوَّز تولَّدَها في غير تلك المعادن كان كَمن جوَّز تولّد الحيوانات في
غير الأرحام.
وأجاب الإمام عن الأول: بأنه منقوضٌ بصناعة الطب.
وعن الثاني: بأنه لا يلزمُ من استواء الصابغ والمصبوغ في الصبر على النار
استواؤهما في الماهية؛ لأنَّ المختلفَيْنِ قد يشتركان في بعض الصفات.
وعن الثالث: بأنه قد يوجد بالصناعة مِثْلُ ما يوجد بالطبيعة، مثل النار الحاصلة
بالقدح، والنوشادر قد يتخذ من الشعير، وكذلك كثيرٌ من الزَّاجَاتِ، ثُم بتقديرِ أنْ
لا نجد له مثالاً لا يلزم الجزمُ بنفيه، ولا يلزمُ من إمكان حصول الأمر الطبيعيِّ
بالصناعة إمكانُ عَكْسِه، بل الأمرُ فيه موقوفٌ على الدليل.
وعن الرابع: بأنَّ مَن أراد أن يَقْلِبَ النحاس فضةً فهو لا يكون كالمُحْدِثَ
للشيء بل كالمعالج للمريض، فإنَّ النحاس من جوهر الفضة إلّا أنَّ فيه عللاً
وأمراضاً، وكما يمكنُّ المعالجة لا في موضع التكوُّن فكذلك في هذا الموضع.
على أنَّ حاصل الدليل أنَّ الذي يتكوَّنُ في الجبال لا يمكن تكوُّنه بالصناعة،
(١) في (م): لو كان بالصناعة مثلاً لما كان بالطبيعة.

الآية : ٧٨
٢٦٣
سُوَّةُ القَصَصِّ
وفيه وقع النزاع، وابن خلدون(١) بعد أن ذكر كلام ابن سينا وردَ الطغرائيّ عليه قال:
لنا في الرَّد على أهل هذه الصناعة مأخذٌ آخَرُ يتبيَّنُ منه استحالةُ وجودها، وبطلانُ
زَعْمِهم أجمعين. وذلك أنَّ حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة المستعدَّةِ
بالاستعداد الأول يجعلونها موضوعاً ويحاذون في تدبيرها وعلاجها تدبيرَ الطبيعة
للجسم في المعدن حتى أَحَالَتْه ذهباً أو فضةً، ويضاعفون القوى الفاعلةَ والمُنفعِلةَ
ليتمَّ في زمانٍ أقصر؛ لأنه تبيَّن في موضعه أنَّ مضاعفة قوة الفاعل تنقصُ من زمن
فعله، وتبيَّن أنَّ الذهب إنما يتم كونُه في معدنه بعد ألفٍ وثمانين من السنين، دورة
الشمس الكبرى، فإذا تضاعفت القوى والكيفيات في العلاج كان زمانُ كونه أقصرَ
من ذلك ضرورةً على ما قلناه، أو يتحرَّون بعلاجهم ذلك حصولَ صورةٍ مزاجية لتلك
المادة تصيِّرها كالخميرة للخبز تَقْلِبُ العجين إلى ذاتها، وتعملُ فيه ما حصل لها من
الانتفاش والهشاشة ليَحْسُنَ هضمُه في المعدة، ويستحيلَ سريعاً إلى الغذاء، فتفعل
تلك الصورة الأفاعيل المطلوبة، وذلك هو الإكسير.
واعلم أنَّ كلَّ متكوِّنٍ من المولّدات العنصرية لابدَّ فيه من اجتماع العناصر
الأربعة على نسبةٍ متفاوتةٍ، إذ لو كانت متكافئةً في النسبة لما حصل امتزاجُها،
فلا بدَّ من الجزء الغالب على الكلِّ، ولا بدَّ في كلِّ ممتزجٍ من المولّدات من حرارة
غريزيةٍ هي الفاعلةُ لكونه(٢)، الحافظةُ لصورته.
ثم كلُّ متكوِّنٍ في زمانٍ لابدَّ من اختلافِ أطواره وانتقاله في زمن التكوين من
طورٍ إلى طورٍ حتى ينتهيَ إلى غايته، وانظر شأنَ(٣) الإنسان في تطوُّره نطفةً ثم علقةً
ثم وثم إلى نهايته، ونسبُ الأجزاء في كلِّ طورٍ تختلفُ(٤) مقاديرُها وكيفياتِها،
وإلا لكان الطورُ الأول بعينه هو الآخِرَ، وكذا الحرارةُ المقدَّرةُ الغريزية في کلِّ طورٍ
مخالفةٌ لِمَا في الطور الآخر، فانظر إلى الذهب ما يكون في معدنه من الأطوار منذ
ألفٍ سنةٍ وثمانين، وما ينتقل فيه من الأحوال.
(١) في المقدمة ٦٨٦/٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) في الأصل و(م): لكونها، والمثبت من المقدمة.
(٣) في الأصل: لشأن، والمثبت من (م) والمقدمة.
(٤) في الأصل و(م): مختلف، والمثبت من المقدمة.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٦٤
الآية : ٧٨
فيحتاجُ صاحب الكيمياء أن يُساوِقَ فعلَ الطبيعة في المعدن، ويُحاذِيَه بتدبيره
وعلاجه إلى أن يتم، ومِن شَرْطِ الصناعة مطلقاً تصوُّرُ ما يُقْصَدُ إليه بها، فمن
الأمثال السائرة في ذلك للحكماء: أولُ العمل آخِرُ الفكرة، وآخِرُ الفكرة أولُ
العمل. فلا بدَّ من تصوُّر هذه الحالات للذهب في أحواله المتعدِّدةِ، ونِسَبِها
المتفاوتة في كلِّ طورٍ [واختلاف الحارِّ الغريزي عند اختلافها، ومقدار الزمان في
كلِّ طور] وما ينوبُ عنه من مقدار القوى المتضاعفة ويقومُ مقامه حتى يُحاذَى بذلك
فعلُ الطبيعة في المعدن، أو يُعدَّ لبعض الموادِّ صورةٌ مزاجيةٌ تكون كصورة الخميرة
للخبز، وتفعلُ في هذه المادة بالمناسبة لقواها ومقاديرها .
وهذه كلُّها إنما يحصرها العلم المحيط، وهو علمُه عزَّ وجلٌّ، والعلومُ البشرية
قاصرةٌ عن ذلك، وإنما حالُ مَن يدَّعي حصوله على الذهب بهذه الصناعة بمثابةٍ مَن
يدَّعي صنعة تخليق الإنسان من المنيِّ، ونحن إذا سلَّمنا [له] الإحاطة بأجزائه ونِسَبِهِ
وأطوارِه وكيفيةِ تخليقه في رَحِمِه، وعلم ذلك عِلْماً محصّلاً لتفاصيله حتى لا يشذَّ
من ذلك شيءٌ عن علمه، سلَّمنا له تخليقَ هذا الإنسان، وأنَّى له ذلك!
والحاصل أنَّ الفعل الصناعيَّ على ما يقتضيه كلامُهم مسبوقٌ بتصوُّراتِ أحوالٍ
الطبيعة المعدنية التي تقصد مساواتها (١) ومحاذاتها، وفعل المادة ذات القوى فيها
على التفصيل، وتلك الأحوال لا نهايةً لها، والعلمُ البشريُّ عاجزٌ عما دونها،
فَقَصْدُ تصيير النحاس ذهباً كقَصْدِ تخليق إنسان أو حيوانٍ أو نباتٍ.
وهذا أوثقُ ما عَلِمتُه من البراهين الدالَّة على الاستحالة، وليست الاستحالةُ فيه
من جهة الفصول، ولا من جهة الطبيعة، وإنما هي من تعذّر الإحاطة وقُصورِ البشر
عنها، وما ذكره ابن سينا بمعزلٍ عن ذلك.
ولذلك وجهٌ آخرُ في الاستحالة من جهة غايته، وهو أنَّ حكمة الله تعالى في
الحجرين وندرتهما أنهما عُمْدَتا مكاسِبِ الناس ومتموّلاتهم، فلو حُصل عليها
بالصنعة لبطلت حكمة الله تعالى في ذلك، إذ يكثر وجودُهما حتى لا يحصل أحدٌ
من اقتنائهما على شيء.
(١) في المقدمة: مساوقتها.

الآية : ٧٨
٢٦٥
سُوَّةُ القَصَصِ
وآخَرُ أيضاً، وهو أنَّ الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكبُ الأبعدَ،
فلو كان هذا الطريق الصناعيُّ الذي يزعمون صحته، وأنه أقربُ من طريق الطبيعة
في معدنها وأقلُّ زماناً، صحيحاً لمَا تركته الطبيعةُ إلى طريقها الذي سلكته في
تكوين الذهب والفضة وتخليصهما(١).
وأما تشبيهُ الطغرائيّ هذا التدبير بما عثر عليه من مفرداتٍ لأمثاله في الطبيعة
كالعقرب والحية وتخليقهما، فأمرٌ صحيحٌ في ذلك أدَّى إليه(٢) العثور كما زعم،
وأمَّا الكيمياء فلم ينقل عن أحدٍ من أهل العلم أنه عثر عليها ولا على طريقها،
وما زال منتحلوها يخبطون فيها خَبْطَ عشواءً ولا يظفرون إلا بالحكايات
الكاذبة، ولو صحَّ ذلك لأحدٍ منهم لحفِظَه عنه ولدُه أو تلميذُه وأصحابُه،
وتُنوقِلَ في الأصدقاء وضمن تصديقُه صحةَ العمل بعده إلى أن ينتشر ويبلغ إلينا
أو إلى غيرنا .
وأما قولهم: إنَّ الإكسير بمثابة الخميرة، وأنه مرَّبٌ يُحيلُ ما حصل فيه ويقلبُه
إلى ذاته(٣)، فليس بشيءٍ؛ لأنَّ الخميرة إنما تقلبُ العجين وتعدُّه للهضم وهو فسادٌ،
والفسادُ في المواد سهلٌ يقع بأيسرِ شيءٍ من الأفعال والطبائع، والمطلوبُ من
الإكسير قلبُ المعدن إلى ما هو أشرفُ منه وأعلى، فهو تكوينٌ والتكوينُ أصعبُ من
الفساد، فلا يقاس الإكسير على الخميرة.
ثم قال: وتحقيقُ الأمر في ذلك أنَّ الكيمياء إن صحَّ وجودها كما يزعم
الحكماء المتكلِّمون فيها، فليس من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمرٍ صناعيٍّ،
وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو من مَنْحَى كلامِهم في الأمور
السحريةِ وسائرِ الخوارق، وقد ذكر مسلمة المجريطيُّ(٤) في كتابه ((الغاية)) ما يُشْبِهُ
(١) في المقدمة: وتخلقهما.
(٢) في الأصل و(م): عليه، والمثبت من المقدمة.
(٣) في المقدمة: إلى ذلك.
(٤) مسلمة بن أحمد بن قاسم، أبو القاسم، ومجريط من قرى الأندلس، كان جامعاً لعلوم
الحكمة من الإلهيات وطبائع الأحجار وخواص النبات، وإليه انتهى علم الحكمة بالأندلس،
توفي سنة (٣٥٣هـ). خلاصة الأثر ٨/٤.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٦٦
الآية : ٧٨
ذلك، وكلامُه فيها في كتاب ((رتبة الحكيم)) من هذا المنحى، وكذا كلامُ جابرٍ في
رسائله(١) .
وبالجملة: إنَّ نَيْلَها إن كان صحيحاً فهو واقعٌ مما وراء الصنائع والطبائع، فهي
إنما تكونُ بتأثيرات النفس وخوارق العادة كالمشي على الماء وتخليق الطير،
فليست إلا معجزةً أو كرامةً أو سحراً، ولهذا كان كلامُ الحكماء فيها ألغازاً لا يظفر
بتحقيقه إلا مَن خاض لجةً من علوم السحر، واطّلع على تصرُّفات النفس في عالم
الطبيعة، وأمورُ خَرْقِ العادة غيرُ منحصرةٍ، ولا يقصد أحد إلى تحصيلها . اهـ.
وإلى إمكانها ذهب الإمام الرازي، فقال: الحقُّ إمكانُها؛ لأنَّ الأجساد السبعة
مشتركةٌ في أنها أجسادٌ ذائبةٌ صابرةٌ على النار منطرقةٌ، وأنَّ الذهب لم يتميّز عن
غيره إلا بالصفرة والرزانة أو الصورةِ الذهبية المفيدةِ لهذين العَرَضَين إن ثبت ذلك،
وما به الاختلافُ لا يكون لازماً لما به الاشتراكُ، فإذن يمكن أن تنَّصف جسميةٌ
النحاس بصفرةٍ الذهب ورزانته، وذلك هو المطلوب.
والحقُّ أنَّ الكيمياء ممكنةٌ، وأنها من الصنائع الطبيعية، لكنَّ العلم بها من
أقاصي العلوم الصعبة التي لا يطّلع عليها إلَّا مَن أهَّله الله تعالى لها، واختصَّه
سبحانه من عباده وأوليائه بها، وهو علمٌ تاهَتْ في طلبه العقول، وطاشت
الأحلام، وأصلُه من الوحي الإلهيِّ وحَصَلَ لبعضٍ بالتصفية وكثرة النظر مع
التجربة، ووصل إلى مَن ليس أهلاً للوحي ولم يتعاط ما تعاطاه البعض بالتعلُّم ممن
منَّ الله تعالی به علیه.
وقال أرس، وهو من أجلَّة أهل هذا العلم: كان أوله وحياً من الله تعالى، ثم
دَرَس وباد فاستخرجه مَن استخرجه من الكتب، وقد جرت سنَّةُ الله تعالى فيمَن ظفر
به بكَتْمِه إلَّا على مَن شاء الله تعالى، وتواصت الحكماء على كتمه عن غير أهله،
بل قيل: إنَّ الله تعالى أخذ على العقول في فطرتها المواثيقَ بكتمانه وصيانته
والاحتراسٍ من إذاعته وإضاعته، ولذا ترى الحكماء قد ألغزوه نهاية الإلغاز،
وأغمضوه غايةَ الإغماض، حتى عَدَّ كلامَهم مَن لم يعرف مَرَامَهم حديثَ خرافةٍ،
(١) يعني جابر بن حيان في رسائله السبعين. مقدمة ابن خلدون ٢/ ٦٨٣.

الآية : ٧٨
٢٦٧
سُورَةُ الْقَصَصِ
وحَكَم على قائله بالسَّفَهِ والسخافة. وبهذا الكَثْم حُفظت حكمة الله تعالى التي
زعمها ابن خلدون في النقدين، وسقط استدلالُه الذي سمعتَه فيما مر.
وقد نصَّ جابر بن حيان وهو إمامٌ في هذه الصنعة - وإنكارُ أنه كان موجوداً
حمقٌ(١) - في كتابه ((سر الأسرار)) على ما قلنا، حيث قال: كلُّ حكيم وضع رمزه
وكتابه على معنّى مبهم من وضع الحلِّ والإصعاد والغسل على أربع طبائع، وسماها
الأجساد الثقال، ووصف التدابير على لفظٍ ومعنَی مشتبهٍ، فهو عند الحکیم مفتوح،
وعند الجهلة مغلق، وربما تعدّوا إلى أخذ تلك الأجساد بعينها واختبروها ولم
ينتفعوا بها، وشتموا الحكماء على كتمانهم هذا العمل، وإنما عمارةُ الدنيا بالدراهم
والدنانير، وإن الناس الصُّنَّاعَ والمقاتلةَ لا يعملون إلا لرغبةٍ أو رهبةٍ، فعلموا أنهم
إن أفشوا هذا السرَّ حتى يعلمه كلُّ أحدٍ لم يتم أمر الدنيا وخربت، ولم يعمل أحدٌ
لأحدٍ، فخرجوا(٢) من ذلك وکتموه. اهـ.
ثم لا يخفى أنَّ ما ذكره ابن خلدون أولاً من أنَّ الاستحالة لعدم الإحاطة، إذا
ثبت أنها كانت عن وحي، ليس بشيء، على أنَّ فيه ما فيه وإن لم يثبت ذلك.
ومثلُ ذلك ما ذكره من أنَّ الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب
الأبعد؛ لأنَّا نقول: ما يحصل من الطبائع أيضاً، فيكون لها طريقان: بعيدٌ اقتضت
الحكمة أن تسلكه غالباً، وقريبٌ اقتضت الحكمة أيضاً أن تسلكه نادراً بواسطةٍ مَن
شاء الله تعالى من عباده.
وكونُ المنتحلين لم يزالوا يخبطون خبط عشواء، إنْ أراد بهم أئمةَ هذه
(١) يشير المصنف بهذا إلى ما قاله جماعة من أهل العلم وأكابر الورَّاقين، أن جابراً لا أصل له
ولا حقيقة، ذكر ذلك ابن النديم في الفهرست ص ٤٢٠ وردَّه بقوله: والرجل له حقيقة،
وأمره أظهر وأشهر، وتصنيفاته أعظم وأكثر، وقال في ترجمته: هو جابر بن حيان بن عبد الله
الكوفي المعروف بالصوفي، واختلف في أمره؛ فزعمت الشيعة أنه من كبارهم، وأحد
الأبواب، وزعم قوم من الفلاسفة أنه كان منهم، وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن
الصناعة انتهت إليه في عصره، وأن أمره كان مكتوماً، وزعموا أنه كان يتنقل في البلدان
لا يستقر به بلد ... والرازي يقول في كتبه المؤلفة في الصنعة: قال أستاذنا أبو موسى
جابر بن حيان. وتوفي سنة (٢٠٠هـ) كما في الأعلام ١٠٣/٢ .
(٢) في الأصل: فحرجوا.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٦٨
الآية : ٧٨
الصناعة: كهرمس وسقراط وأفلاطون وأغاريمون وفيثاغورس وهرقل وفرفوريوس
ومارية وذوسيموس وأرس وذومقراط وسفيدوس وبليناس ومهراريس، وجابر بن
حيان، والمجريطيِّ، وأبي (١) بكر بن وحشية(٢)، ومحمد بن زكريا الرازي(٣)،
وغيرهم مما لا يحصون كثرةً، فهم لم يخبطوا، ودون إثبات خَبْطِهم خَرْطُ القتاد،
وإلغازهم لنكتةٍ صرَّحوا بها لا يدلُّ على خبطهم.
وإن أراد بهم مَن يتعاطاها من المشاقِّين في عصره وفي هذه الأعصار؛ فما ذكره
مسلَّمٌ في أكثرهم، وهو لا يطعن في إمكانها، وقد ذمَّ الطغرائيُّ هذا الصنفَ من
الناس، فقال في كتابه («تراكيب الأنوار)): إنَّ المعلِّم الناصح موجودٌ في كلِّ صنعةٍ
إلّا في هذا الفنِّ، وكيف يُرْجَى النصحُ عند قومٍ يسمَّون فيما بينهم بالحسدة،
وتحالفوا فيما بينهم أن لا يوضحوا هذه السرائر أبداً، لا سيما في هذا الزمان الذي
قد باد فيه هذا العلم جملةً، وصار المتعرِّضُ له والباحثُ عنه عند الناس مسخرةً،
وقد عنيتُ برهةً من الزمان أبحث عن كلِّ مَن يُظنُّ أنَّ عنده طرفاً من هذا العلم،
فما وجدتُ أحداً شَمَّ له رائحةً، ولا عرف منه شطر كلمة، ووجدتُ منتحلي هذه
الصنعة الشريفة بين خادعٍ يبيعُ دينَه ومروءته بعَرَضٍ من الدنيا قليل، ويُتلفُ أموال
الناس بالتجارب الصادرة عن الجهل، وبين مخدوع مأخوذٍ عن رشده بالأمل
الخائب والطمع الكاذب، والتشاغُلِ بالباطل عن طلب المعاش الجميل، والتعويل
على الأماني والأكاذيب، قصارى أحدهم أن ينظر في كتب جابرٍ وأضرابه، فيأخذَ
بظواهر كلامهم، ويغتَرَّ بجلايا دعاويهم دون حقائقٍ معانيهم، وهم وجميع مَن مضى
من حكماء هذه الصنعة يحذّرون الناس من الاغترار بظواهر كتبهم، وينادون على
(١) في الأصل و(م): وأبو، والمثبت هو الجادة.
(٢) أحمد بن علي بن المختار بن عبد الكريم الكسداني الكلداني الصوفي، من أهل قُسِّين،
كان عالماً بالفلاحة والكيمياء والسحر والسموم وغير ذلك، وكان شعوبيًّا يفاخر بانتسابه
إلى الأنباط، وإلى قدماء الآراميين، من كتبه: السحر والطلسمات، وطرد الشياطين
ويعرف بالأسرار، والسحر الكبير، توفي سنة (٢٩٦هـ). الفهرست ص٣٧٢، ومعجم
المؤلفين ٢١٢/١.
(٣) أبو بكر، الفيلسوف الطبيب، صاحب التصانيف، له كتاب الحاوي في الطب، والجامع،
والأعصاب، أخذ عن البلخي الفيلسوف، توفي سنة (٣١١هـ). سير أعلام النبلاء ٣٥٤/١٤.

الآية : ٧٨
٢٦٩
سُورَةُ القَصَصِ
أنفسهم بأنهم يرمزون ويلغزون، ولا يلتفتُ إلى قولهم ولا يُصدَّقون .. إلى آخر
ما قال. وقد تفاقم الأمرُ في زماننا إلى ما لا تتَسع العبارة لشرحه.
وكونُ الكيمياء من تأثيرات النفوس وخوارقِ العادات، فلا تكون إلَّا معجزةً أو
كرامةً أو سحراً، ليس بشيء، بل هي بأسبابٍ عاديةٍ، لكنها خفيةٌ على أكثر الناس
لا دَخْلَ لتأثير النفوس فيها أصلاً. نعم قد يكون من النبيِّ أو الوليِّ ما يكون من
الكيماويِّ من غيرِ معاطاةِ تلك الأسباب، فيكون ذلك كرامةً أو معجزة. وكونُ
مَنْحَى كلام بعض الحكماء فيها منحَى كلامِهم في الأمور السحرية لا يدلُّ على أنها
من أنواع السحر أو توابعه، فإنَّ ذلك من إلغازهم لأمرها، وقد تفَّنوا في الإلغاز
لها، وسلكوا في ذلك كلَّ مسلكِ، فوضع بليناس(١) كتابه فيها على الأفلاك
والكواكب، ومنهم مَن تكلّم عليها بالأمثال، ومنهم مَن تكلّم عليها بالحكايات التي
هي أشبهُ شيء بالخرافات، إلى غير ذلك.
وبالجملة هي صنعةٌ قلَّ مَن يعرفها جدًّا، وأَعُدُّ الاشتغالَ بها والتصدِّي لمعرفتها
من كتبها من غير حكيم عارفٍ برموزها، كما يفعلُه جَهَلةُ المنتحلین لها اليوم،
مَحْضَ جنونٍ. وكونُ أصّلها الوحيَ الإلهيَّ أو نحوَ ذلك هو الذي يَغْلِبُ على الظنِّ،
وقد أورد الطغرائيُّ في كتبه كـ ((جامع الأسرار)) وغيرِهِ ما يدلُّ على ذلك، فذكر أنه
روي عن هرمس أنه قال: إنَّ الله عز وجل أوحى إلى شيث بن آدم عليهما السلام أنِ
ازْرَعِ الذهبَ في الأرض البيضاء النقية، واسْقِهِ ماءَ الحياة.
وقالت مارية: إنِّ لستُ أقول لكم من تلقاء نفسي، ولكنِّ أقول لكم ما أمر الله
تعالى به نبيَّه موسى عليه السلام، وأعلمه أنَّ الحجر النسطريس هو الذي يمسك الصبغ.
وقال بنسبتها إلى موسى عليه السلام ذوسيموس وأرس، وذكر أرس أنَّ العمل
بها كان طوعَ اليهود بمصر، وكان يوسف عليه السلام وهو أولُ مَن دخل مصر من
بني إسرائيل يعرفُ ذلك، فأكرمه فرعون لحكمته التي آتاه الله تعالى إياها، وذكر
أيضاً فصلاً مرموزاً فيها نسبه إلى سليمان عليه السلام.
(١) لعله بلينُس الأكبر من علماء الطبيعة الرومان، ولد سنة (٢٣) للميلاد، وتوفي سنة (٧٩).
ينظر دائرة المعارف ٤ / ٥٩٠.

سُورَةُ الْقَصَصِ
٢٧٠
الآية : ٧٨
وقال الطرسوسي في كتابه: إنَّ الله تعالى لمَّا أهبط آدم عليه السلام من الجنة
عوَّضه عِلْمَ كلِّ شيءٍ، وكان علمُ الصنعة ممَّا علّمه، وانتقل من قومٍ إلى قومٍ
كما انتقلت العلوم الأخر إلى أيام هرمس الأول.
وقال أيضاً: حدَّثونا عن محمد بن جرير الطبريِّ بإسنادٍ له مثَّصلٍ أنَّ
رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((زُوِيَتْ لي الأرضُ فأُرِيتُ مشارِقَها ومغاربها، وأُعْطِيْتُ
الكبريتَ الأبيضَ والأحمر)»(١).
ورَوَى جابر(٢) عن جعفر الصادق رَُّله في ذلك رواياتٍ كثيرةً، حتى إنه أسند
إليه عدَّةً من كتبه(٣)، ولا أحقِّق قوله ولا أكذِّبه، وأُجِلُّه لموضعه من العلم والعمل
عن الافتراء على الأئمة.
ورَوَى عن أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه سئل فقيل له: ما تقولُ
فيما خاض الناسُ فيه من علم الكيمياء؟ فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه ثم قال:
سألتموني عن أختِ النبوَّة وتوأم المرؤَّةِ، لقد كان وإنه لكائنٌ، وما من شجرةٍ
ولا مَدَرةٍ ولا شيءٍ إلا وفيه أصَلٌ وفرٌ، أو أصلٌ، أو فرٌ. قيل: يا أمير
المؤمنين، أما تعلمه؟ قال: والله تعالى أنا أعلم به من العالِمِينَ له؛ لأنهم يتكلَّمون
بالعلم على ظاهره دون باطنه، وأنا أعلم العلم ظاهره وباطنه. قيل: فاذكر لنا منه
شيئاً نأخذه منك. قال: والله تعالى لولا أنَّ النفس أمَّارةٌ بالسوء لقلت. قيل:
فما كان تقول؟ قال: إني أعلم أنَّ في الزئبق الرَّجْراجِ والذهب الوهَّاج والحديدِ
المُزَعْفَرِ وزنجار النحاس الأخضر لكنوزاً لا يؤتى على آخرها، يُلقحُ بعضُها ببعضٍ
فتفتر عن ذهبٍ كامن. قيل: يا أمير المؤمنين، ما نعلم هذا. قال: هو ماءٌ جامدٌ،
(١) لم نقف عليه من طريق الطبري، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٨٨٩) عن ثوبان مطولاً لكن بلفظ:
الكنزين، بدل: الكبريت ..
(٢) هو جابر بن حيان، فقد ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان ٣٢٧/١، والصفدي في الوافي
بالوفيات ٣٤/١١ أن جابراً كان تلميذ جعفر الصادق، وأنه ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة
تتضمن رسائل جعفر الصادق، وهي خمس مئة رسالة في الكيمياء. وينظر التعليق الذي بعده.
(٣) قال الصفدي في الوافي بالوفيات ٣٤/١١: وأنا أنزِّه الإمام جعفراً الصادق حظه عن الكلام
في الكيمياء، وإنما هذا الشيطان أراد الإغواء بكونه عزا ذلك إلى أن يقوله مثل جعفر
الصادق لتتلقاه النفوس بالقبول.

الآية : ٧٨
٢٧١
سُوَّةُ القَصَصِ
وهواءٌ راكدٌ، ونارٌ حائلة، وأرضٌ سائلة. قالوا: ما نَفْقَهُ هذا. قال: لو حلَّ
للمؤمنين من أهل الحكمة أن يكلِّموا الناس على غير هذا لعلمه الصبيانُ في
المكاتب. اهـ كلامُ الطغرائيِّ باختصار.
وذكر في كتابه ((مفاتيح الرحمة ومصابيح الحكمة)) عن ستِين نبيًّا وحكيماً أنهم
قالوا بحقِّيَّة هذا العلم، وفي القلب من صحة هذه الأخبار شيءٌ، والأغلبُ على
الظنِّ أنه لو كان في الكيمياء خبرٌ مقبولٌ عند المحدِّثين لشاع، ولَما أنكرها مَن هو
من أجلَّتهم كشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، فإنه كان ينكر ثبوتَها، وألَّف
رسالةً في إنكارها، ولعل ردّ الشيخ نجم الدِّين ابن أبي الذّرّ البغداديِّ، وتزييفَه
ما قاله فيها - كما زعم الصفديُ(١) - إنما كان فيما هو من باب الاستدلالات
العقلية، فإنَّ الرجل في باب النقليات مما لا يجاريه نجم الدين المذكورُ وأمثالُه،
وهو في باب العقليات وإن كان جليلاً أيضاً إلا أنه دونه في النقليات.
والمطلبُ دقيقٌ، حتى إنَّ بعض مَن تُعقَدُ عليه الخناصر اضْطَربَ في أمرها،
فأنكرها تارةً وأقرَّ بها أخرى، فهذا شيخُ الحكماء ورئيسُهم أبو علي بن سينا سمعتَ
ما نُقل عنه أولاً، وحُكي عنه الرجوعُ عنه، وعلى جودة ذهنه وعلوِّ كعبه في الحكمة
بأقسامها لم يقف على حقيقة عملها، حتى قال الطغرائيُّ في ((تراكيب الأنوار)):
ما ينقضي عجبي من أبي علي بن سينا كيف استجاز وضع رسالة في هذا الفن فضح
بها نفسه، وخالف الأصول التي عنده، وقصَّر فيها عن كثيرٍ من الحشوية الطَّغامِ
المُظْلِمةِ الأذهان الكليلةِ الأفهام.
وقال في ((جامع الأسرار)): إنَّ الشيخ أبا عليّ بن سينا لفَرْطِ شغفه بهذا العلم
وحَدْسِه القويِّ بأنه حقٌّ صنَّف رسالةً فيه فأحسن فيما يتعلق بأصول الطبيعيات،
ولخفاء طريق القوم واستعمائها دونه لم يذكر في التدابير المختصّة بعلمنا لفظةً
صحيحةً، ولا أشار إلى ذكر المزاج الحقِّ، والأوزانِ والتراكيب المكتومة، والنيران
(١) في الوافي بالوفيات ٥٢٧/١٨. ونجم الدين البغدادي هو عبد العزيز بن عبد القادر بن
أبي الكرم ابن أبي الذر الربعي البغدادي، قال الصفدي: هو أحد من سمعت إليه وأجاز لي
بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ثم ذكر رسالته في الرد على ابن تيمية، ثم قال: وله
مصنفات منها: كتاب نتائج الشيب من مدحٍ وعيب.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٧٢
الآية : ٧٨
وطبقاتها، والآلةِ التي لا يتمُّ العمل إلا بها، وهي أحد الشرائط العشرة، ولم
يتجاوز ما عند الحشوية من تدابير الزوابق والكباريت والدفن في زبل الخيل
والتشاغل بهذه القاذورات، ولولا آفةُ الإعجاب وحُسنٍ ظنِّ الإنسان بعلمه وحِرْصِه
على أن لا يشذَّ عنه شيءٌ من المعارف لكان من الواجب على مثله مع غزارة علمه
وعلوِّ طبقته في الأبحاث الحقيقية أن يكتفي بما عنده، ولا يتعرَّضَ لِمَا لا يعلمه،
وقد تأدَّى إلينا من تدابيره عن أصحابه الذين شاهدوها أنه لم يكن يعرف حقيقةً
علمنا، وقد رأينا بخطّه من التعاليق الملتقطة من كلام جابر بن حيان وخالد بن يزيد
ما يدلُّ أيضاً على ذلك. اهـ ملخّصاً.
والكلام في هذا المطلب طويلٌ، وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن أحبَّ الاطّلاع على
شيءٍ مما قيل في ذلك، والله تعالى الموفق. ثم إنَّ القول بأنَّ المراد بالعلم في الآية
علمُ استخراج الكنوز والدفائن يستدعي ثبوتَ هذا العلم، وأهلُ علم الحرف وعلم
الطلسمات يقولون به، ولهم في ذلك كلامٌ طويلٌ، والعقلُ يجوِّز ثبوته، والله تعالى
أعلم بثبوته في نفس الأمر.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ
جَمَا﴾ تقريرٌ لعلمه ذلك، وتنبيهٌ على خطئه في اغتراره، وعلمُه بذلك من التوراة، أو
من موسى عليه السلام، أو من كتب التواريخ، أو من القُصَّاص. والقوةُ تحتمل
القوةَ الحسِّيَةَ والمعنوية، والجمعُ يحتمل جمعَ المال وجمعَ الرجال، والمعنى: ألم
يقف على ما يفيده العلم ولم يعلم ما فعل الله تعالى بمن هو أشدُّ منه قوةً حسًّا أو
معنّى، وأكثرُ مالاً أو جماعةٌ يحوطونه ويخدمونه، حتى لا يغترَّ بما اغترَّ به.
ويحتمل أن تكون الهمزةُ للإنكار داخلةً على مقدَّرٍ، وجملة ((ولم يعلم)) حاليةً
مقرِّرةً للإنكار، ودالَّةً على انتفاء ما دخلت عليه، كما في قولك: أتدَّعي الفقهَ وأنت
لا تعرفُ شروط الصلاة. والمراد ردُّ ادِّعائه العلمَ والتعّم به بنفي هذا العلم عنه،
أي: أعَلِمَ ما ادَّعاه ولم يعلم هذا حتى يقيَ به نفسَه مصارعَ الهالكين.
وقيل: إنَّ ((لم يعلم)) عطفٌ على ذلك المقدَّر، ونفيُ العلم عنه لعدم جَرْيِه على
موجبه .

الآية : ٧٨
٢٧٣
سُؤَدَّةُ القَصَصِ
﴿وَلَا يُنْثَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ الظاهر أنَّ هذا في الآخرة، وأنَّ ضمير
((ذنوبهم)) للمجرمين، وفاعلُ السؤال إمَّا الله تعالى أو الملائكةُ عليهم السلام.
والمراد بالسؤال المنفيِّ هنا وكذا في قوله تعالى: ﴿فَمَيِذٍ لَّا يُثَلُ عَن ذَلْيِهِ إِنسُّ
وَلَا جَآَنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] - على ما قيل - سؤالُ الاستعلام، ونفيُ ذلك بالنسبة إليه عزَّ
وجل ظاهر، وبالنسبة إلى الملائكة عليهم السلام لأنهم مطّلعون على صحائفهم، أو
عارفون إياهم بسيماهم كما قال سبحانه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِيَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنََّسِى
وَاْأَقْدَاعِ﴾ [الرحمن: ٤١].
والمراد بالسؤال المثبَتِ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَشْكَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[الحجر: ٩٢] سؤالُ التوبيخ والتقريع، فلا تناقض بين الآيتين.
وجوِّز أن يكون السؤال في الموضعين بمعنّى، والنفيُ والإثباتُ باعتبار
موضعين أو زمانين، والمواقفُ يوم القيامة كثيرةٌ واليومُ طويلٌ، فلا تناقضَ أيضاً.
والظاهر أن الجملة غيرُ داخلة في حيِّز العلم، ولعل وجه اتِّصالها بما قبلها أنه
تعالى لمَّا هذَّد قارون بذكر إهلاك من قبله مِن أضرابه في الدنيا، أردف ذلك بما فيه
تهديدُ كافَّة المجرمين بما هو أشنعُ وأشنع من عذاب الآخرة، فإنَّ عدم سؤال
المذنب مع شدَّة الغضب عليه يؤذِنُ بالإيقاع به لا محالة. وجعل الزمخشريُّ الجملةَ
تذييلاً لِمَا قبلها(١).
وقيل: إنَّ ذلك في الدنيا، والمراد أنه تعالى أهلك مَن أهلك من القرون عن
عِلْمٍ منه سبحانه بذنوبهم، فلم يَحْتَجْ عزَّ وجلَّ إلى مساءلتهم عنها.
وقيل: إنَّ ضمير ذنوبهم لمن هو أشدُّ قوةً، وهو المُهْلَكُ من القرون، والإفراد
والجمع باعتبار اللفظ والمعنى، والمعنى: ولا يُسأَلُ عن ذنوب أولئك المهلكين
غيرُهم ممن أَجْرَمَ، ويعلم أنه لا يسأل عن ذنوبهم مَن لم يُجْرمْ بالأَوْلى؛ لما بين
الصنفين من العداوة، فمآلُ المعنى: لا يسأل عن ذنوب المهلَكين غيرُهم ممن أَجْرَمَ
وممن لم يُجْرِمْ، بل كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهينة. وكلا القولين كما ترى.
(١) الكشاف ٣/ ١٩١.

سِوَرَةُ القَصَصِ
٢٧٤
الآية : ٧٩
وربما يَختلجُ في ذهنك عطفُ هذه الجملة على جملة الاستفهام، أو جَعْلُها
حالاً من فاعلِ ((أهلك)) أو من مفعوله، لكنْ إذا تأمَّلْتَ أدنى تأمُّلِ أخرجْتَه من
ذهنك، وأَبَيْتَ حَمْلَ كلام الله تعالى الجليل على ذلك.
وقرأ أبو جعفر في رواية: ((ولا تسألْ)) بتاء الخطاب والجَزْم ((المجرمين))
بالنصب. وقرأ أبو العالية وابن سيرين: ((ولا تَسْأَلْ)) كذلك(١)، وَلِم نَدْرِ أَنَصَبا
المجرمين كأبي جعفر، أم رفعاه كما هو في قراءة الجمهور؟ والظاهر الأول.
وجوّز صاحب «اللوامح» الثاني، وذكر له وجهین:
الأول: أن يكون ضمير ((ذنوبهم)) للمهلكين من القرون، وارتفاعُ المجرمين
بإضمار المبتدأ، أي: هم المجرمون.
والثاني: أن يكون («المجرمون)) بدلاً من ضمير ((ذنوبهم)) باعتبارٍ أن أصله
الرفعُ؛ لأن إضافةَ ((ذنوب)) إليه بمنزلةِ إضافةِ المصدر إلى اسم الفاعل(٢). وأُورد
على هذا أنَّ ((ذنوب)) جمعٌ، فإن كان جمعَ مصدرٍ ففي إعماله خلافٌ.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ.﴾ عطفٌ على ((قال)) وما بينهما اعتراضٌ، وقوله تعالى: ﴿فى
زِينَيْهِ﴾ إمَّا متعلِّقٌ بـ ((خرج))، أو بمحذوفٍ هو حال من فاعله، أي: فخرج عليهم
كائناً في زينته.
قال قتادة: ذُكر لنا أنه خرج هو وحشمُه على أربعة آلافِ دابةٍ عليهم ثيابٌ حمرٌ
منها ألفُ بغلةٍ بيضاء، وعلى دوابُهم قطائفُ الأُرْجُوان(٣).
وقال السدِّي: خرج في جَوَارٍ بيضٍ على سروجٍ من ذهبٍ على قُطُفِ أُرْجُوان،
وهنَّ على بغالٍ بيضٍ عليهنَّ ثيابٌ حمرٌ وحليُّ ذهبٍ.
(١) البحر ٧ / ١٣٤.
(٢) كذا وقع في الأصل و(م) والبحر ٧/ ١٣٤، والكلام منه، والجادة في العبارة: إضافة المصدر
إلى فاعله كما في الدر المصون ٦٩٦/٨ .
وفي تجويز الرفع على هذه القراءة تعسُّف كثير كما ذكر السمين، وقال: ولا ينبغي أن يقرأ
ابن سيرين وأبو العالية إلا ((المجرمين)) بالياء فقط، وإنما تُرك نقلها لظهوره.
(٣) بضم الهمزة والجيم: الحمرة والأحمر، معرَّب أرغوان. حاشية الشهاب ٧/ ٨٧.

الآية : ٧٩
٢٧٥
سُوَّةُ القَصَصِ
وقيل: خرج على بغلةٍ شهباءً عليها الأُرْجُوان، وعليها سرجٌ من ذهبٍ، ومعه
أربعةُ آلافٍ خادم، عليهم وعلى خيولهم الديباجُ الأحمرُ، وعلى يمينه ثلاث مئة
غلام، وعلى يساره ثلاث مئة جاريةٍ بيض عليهنَّ الحليُّ والديباج.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أنه خرج في سبعين ألفاً عليهم
المعصفرات، وكان ذلك أولَ يومٍ في الأرض رؤيت المعصفراتُ فيه(١).
وقيل غيرُ ذلك من الكيفيات، وكان ذلك الخروج - على ما قيل - يومَ السبت.
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِ قَرُونُ﴾ قيل: كانوا
جماعةٌ من المؤمنين، وقالوا ذلك جَرْياً على سَنَنِ الجِبِلَّة البشرية من الرغبة في
السعة واليسار. وعن قتادة: أنهم تمنّوا ذلك ليتقرَّبوا به إلى الله تعالى، وينفقوه في
سبيل الخير. ولعل إرادتهم الحياةَ الدنيا ليتوصَّلوا بها للآخرة، لا لِذَاتها؛ فإنَّ
إرادتَها لذاتها ليست من شأن المؤمنين.
وقيل: كانوا كفاراً ومنافقين.
وتمنِيهم مثل ما أوتي دونه نَفْسِه من باب الغَبْطِ، ولا ضرر فيه على المشهور،
وقيل: ضررُه دون ضررِ الحسد، فقد قيل لرسول الله وَّر: هل يضرُّ الغبط؟ فقال:
((لا، إلَّا كما يضرُّ العضاهَ الخَبْطُ))(٢). وفي ((الكشف)): الظاهرُ أنه نفيٌ للضرر على
أبلغ وجهٍ، فإنَّ الشجر ربما ينتفع بالخبط فضلاً عن التضرُّر، وفيه أنه قد يُقْضي إلى
الضَّرر إشارة إلى متعلق الغبط من دينيٍّ أو دنيويٌّ. وقائلُ ذلك إن كان الكفرةُ ففيه
من ذمِ الحسد ما فيه.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠١٤.
(٢) الحديث بهذا اللفظ في الكشاف ١٩٢/٣، والنهاية (خبط) و(غبط)، وأخرجه البخاري في
التاريخ الكبير ٩٨/١، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث ٦٣٨/٢ من حديث أم
الدرداء رضيها بلفظ :... ((نعم، كما يضر الشجرَ الخَبْطُ)). الخبط: ضرب الشجر بالعصا
ليتناثر ورقها. والعضاه: كل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عِضَةٌ بالتاء، وأصلها عِضَهَةٌ.
أراد عليه الصلاة والسلام أن ما يلحق الغابط من الضرر الراجع إلى نقصان الثواب دون
الإحباط بقَدْر ما يلحق العِضاهَ من خبط ورقها، الذي هو دون قطعها واستئصالها، ولأنه
يعود بعد الخبط. النهاية (خبط) و(عضه) و(غبط).

سُورَةُ القَصَصِ
٢٧٦
الآية : ٨٠
قال الضحاك: أي: درجةٍ عظيمة. وقيل: نصيبٍ
﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ
كثيرٍ من الدنيا. والحظّ: البَخْتُ والسَّعْدُ، ويقال: فلانٌ ذو حظّ وحَظيظٌ ومحظوظٌ.
والجملةُ تعليلٌ لتمنِّهم وتأكیدٌ له.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ أي: بأحوال الدنيا والآخرة كما ينبغي، ومنهم
يوشع عليه السلام، وإنَّما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيهاً على أنَّ العلم
بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبالَ على الأخرى حتماً، وأنَّ
تمنِّيَ المتمنِّينَ ليس إلا لعدم علمهم بهما كما ينبغي.
وقيل: المراد بالعلم: معرفةُ الثواب والعقاب. وقيل: معرفة التوكُّل. وقيل:
معرفةُ الأخبار. وما تقدّم أولى.
﴿وَيَلَكُمْ﴾ دعاءٌ بالهلاك بحسب الأصل، ثم شاع استعمالُه في الزجر عمَّا
لا يُرْتَضَى، والمرادُ به هنا الزَّجرُ عن التمنِّي، وهو منصوبٌ على المصدرية لفعلٍ
من معناه. ﴿ثَوَبُ اللَّهِ﴾، في الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ مما تتمنَّونه ﴿لِمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾
فلا يليقُ بكم أن تتمثَّوه غير مكتفين بثوابه عزَّ وجلَّ، هذا على القول بأنَّ المتمنين
كانوا مؤمنين. أو: فآمِنوا لتفوزوا بثوابه تعالى الذي هو خيرٌ من ذلك. وتقديرُ
المفضَّل عليه: ما تتمنَّوه؛ لاقتضاءِ المقام إياه، ويجوز أن يقدَّر عامًّا ويدخل فيه
ما ذكر دخولاً أوَّلِيًّا، أي: خيرٌ من الدنيا وما فيها .
﴿وَلَا يُكَفَّنِهَا﴾ أي: هذه المقالةَ، أو الكلمةَ التي تكلّم بها العلماء، والمراد
بها(١) المعنى اللغويُّ، أو الثوابَ، والتأنيثُ باعتبار أنه بمعنى المثوبة أو الجنةِ
المفهومةِ من الثواب. وقيل: الإيمانَ والعمل الصالح، والتأنيثُ والإفرادُ باعتبار
أنهما بمعنى السيرة أو الطريقة. ومعنى تلقِّيها: إمَّا فهمُها، أو التوفيقُ للعمل
بها .
على الطاعات وعن المعاصى والشهوات، ولعل المراد
الصََّبِرُونَ
بالصابرين على القول الأخير في مرجع الضمير: المتَّصفون بالصبر في علم الله
تعالى، فتدبر.
(١) أي: بالكلمة. حاشية الشهاب ٨٨/٧.

الآية : ٨١
٢٧٧
سُورَةُ القَصَصِ
﴿َسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ روى ابن أبي شيبة في ((المصنف))، وابنُ المنذر
وابنُ أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس ظًّا: أنَّ قارون
كان ابنَ عمِّ موسى عليه السلام، وكان يتبع العلم حتى جمع علماً، فلم يَزَلْ في
ذلك حتى بَغَى على موسى عليه السلام وحَسَدَه، فقال [له] موسى: إنَّ الله تعالى
أمرني أنْ آخُذَ الزكاة فأبى فقال: إنَّ موسى - عليه السلام - يريد أن يأكل
أموالكم، جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياءَ فاحتملتموها، فتحتملوه أن تعطوه
أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل، فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أَرُسِلَ إلى بغيٍّ من
بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها. فأرسلوا إليها
فقالوا لها: نعطيك حُكْمَك على أن تشهدي على موسى أنه فَجَرَ بِكِ. قالت:
نعم. فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم
بما أمرك ربُّك. قال: نعم. فجمعهم، فقالوا له: بمَ أمرك ربُّك؟ قال: أمرني أن
تعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئاً، وأن تَصِلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد
أمرني في الزاني إذا زنى وقد أُحْصِنَ أن يُرْجَمَ. قالوا: وإنْ كنتَ أنت؟ قال:
نعم. قالوا: فإنك قد زنيتَ. قال: أنا! فأرسَلوا إلى المرأة فجاءت، فقالوا:
ما تَشهدين على موسى عليه السلام؟ فقال لها موسى عليه السلام: أَنْشُدُك بالله
تعالى إلَّا ما صدقت. فقالت: أَمَا إذ أَنْشَدْتني بالله تعالى فإنهم دعوني وجعلوا
لي جَعْلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريءٌ، وأنك رسول الله. فخرَّ
موسى عليه السلام ساجداً يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: ما يُبْكيك؟ قد سلَّطناك
على الأرض فمرها تُطِعْكَ. فرفع رأسه فقال: خذيهم، فأخذَّتْهم إلى أعقابهم،
فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى. فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى رُكبهم،
فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى. فقال: خذيهم، فغيَّبتهم، فأوحى الله
تعالى: يا موسى سألك عبادي وتضرَّعوا إليك فلم تُجبهم، وعزَّتي لو أنهم
دعوني لأجبتهم (١).
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٥٣١/١١-٥٣٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٠١٨/٩، والمستدرك
٤٠٨/٢-٤٠٩، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ١٣٦/٥، والكلام
وما سلف بين حاصرتين منه.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٧٨
الآية : ٨١
وفي بعض الروايات: أنه جعل للبغيّ ألف دينار، وقيل: طستاً من ذهب
مملوءةً ذهباً .
وفي بعضٍ: أنه عليه السلام قال في سجوده: يا ربّ، إن كنتُ رسولَكَ
فاغضب لي. فأوحى الله تعالى إليه: مُرِ الأرضَ بما شئت فإنها مطيعةٌ لك. فقال:
يا بني إسرائيل إنَّ الله تعالى بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه
فليلزم، ومَن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعاً غيرَ رجلين. ثم قال: يا أرضُ
خُذيهم. فأخذتهم إلى الرُّكب، ثم إلى الأوساط، ثم إلى الأعناق، وهم يتضرَّعون
إلى موسى عليه السلام ويناشدونه الرحمَ، وهو عليه السلام لا يلتفتُ إلى قولهم
لشدَّة غضبه، ويقول: خذيهم. حتى انطبقت عليهم، فأوحى الله تعالى: يا موسى
ما أفّكَ، استغائوا بك مراراً فلم تَرْحَمهم، أَمَا وعزَّتي لو إيايَ دَعَوا مرةً واحدةً
لوجدوني قريباً مجيباً.
وفي روايةٍ: أنَّ الله سبحانه أوحى إليه: ما أشدَّ قلبك، وعزَّتي وجلالي لو بي
استغاثَ لَأَغَنْتُه. فقال عليه السلام: ربِّ غضباً لك فعلتُ.
ثم إنَّ بني إسرائيل قالوا: إنما فعل موسى - عليه السلام - به ذلك ليرئه،
فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله.
وفي بعض الأخبار أنَّ الخسف به وبداره كان في زمانٍ واحد، وكانت
دارُه - فيما قيل - من صفائح الذهب.
وجاء في عدَّة آثارٍ أنه يُخسف به كلَّ يوم قامةٌ، وأنه يتجَلْجَلُ في الأرض لا يبلُغ
قعرها إلى يوم القيامة(١). والله تعالى أعلم بصحة ذلك، بل هو مُشْكِلٌ إن صحَّ
ما قاله الفلاسفةُ في مقدار قطر الأرض، ولم يُقَلْ بأنَّ لها حركةً أصلاً،
وأما الخسفُ فلا شكَّ في إمكانه الذاتيِّ والوقوعيٍّ، وسببه العاديُّ مبيَّنٌ في محلِّه.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٢٠ عن قتادة، وأخرجه أيضاً من طريق قتادة عن أبي ميمونة عن
سمرة بن جندب . وأخرج البخاري (٣٤٨٥) من حديث ابن عمر عنه أن رسول الله وله
قال: ((بينما رجلٌ يجرُّ إزاره من الخيلاء خُسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم
القيامة)).

الآية : ٨٢
٢٧٩
سُورَةُ القَصَصِ
﴿فَمَا كَانَ لَهُ، مِن فِئَةٍ﴾ أي: جماعةٍ معيَّنةٍ، مشتقّة من فَأَوْتُ قلبه: إذا ميَّلته،
وسمِّيت الجماعةُ بذلك لميل بعضهم إلى بعض. وهو محذوفُ اللام ووزنُه فِعَة،
وقال الراغب: إنه محذوفُ العين، فوزنُه فِلة، وإنه من الفيء وهو الرجوع؛ لأنَّ
بعضَ الجماعة يَرْجعُ إلى بعض (١).
و (من)) صلة، أي: فما كان له فئةٌ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بدَفْع العذاب عنه ﴿وَمَا
كَانَ﴾ أي: بنفسه ﴿مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾﴾ أي: الممتنعين عن عذابه عزَّ وجلَّ؛
يقال: نَصَره من عدوِّه فانتصر، أي: منعه فامتنع. ويحتمل أن يكون المعنى:
وما كان من المنتصرين بأعوانه، فذكر ذلك للتأكید.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ﴾ أي: مثلَ مكانه ومنزلته؛ لِمَا تقدَّم من قولهم:
((مثلَ ما أوتي)، وجوِّز كونُ هذا على ظاهره و((مثل)) هناك مقحَمةً، وليس بذاك.
وَيالْأَمْسِ﴾ منذ زمانٍ قريبٍ، وهو مجازٌ شائع، وجوِّز حملُه على الحقيقة،
والعطفُ بالفاء التي تقتضي التعقيبَ في ((فخسفنا)) يدلُّ عليه. والجارُّ والمجرور
متعلّقٌ بـ ((تمنَوا)) أو بـ ((مكانه)(٢). وفي ((البحر)): دلَّ ((أصبح)) إذا حُمل على ظاهره
على أنَّ الخسف به وبداره كان ليلاً، وهو أفظعُ العذاب؛ إذ الليلُ مقرُّ الراحة
والسكون(٣).
وقال بعضهم: هي بمعنى صار، أي: صار المتمنُّون.
﴿يَقُولُونَ وَيْكَنَ اَللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌ﴾ أي: يفعلُ كلَّ
واحدٍ من البسط والقَدْرِ - أي: التضييق والقتر - لا لكرامةٍ توجبُ البَسْطَ ولا لهوانٍ
یوجب التضييق.
و((وَيْ)) عند الخليل وسيبويه(٤) اسمُ فعلٍ ومعناها: أَعْجبُ. وتكون للتحُّر
والتندُّم أيضاً كما صرَّحوا به، وعن الخليل أنَّ القوم ندموا فقالوا متندِّمين على
(١) حاشية الشهاب ٨٨/٧، وينظر مفردات الراغب (فيأ).
(٢) قوله: والجار والمجرور متعلق بتمنوا أو بمكانه، وقع في (م) بعد قوله: على الحقيقة،
والمثبت من الأصل والبحر ١٣٥/٧ .
(٣) البحر ١٣٥/٧ .
(٤) كما في المحتسب ١٥٥/٢، والبحر ١٣٥/٧، وينظر الكتاب ١٥٤/٢.

سُورَةُ القَصَصِ
٢٨٠
الآية : ٨٢
ما سلف منهم: ((وي))، وكلُّ مَن ندم وأراد إظهار ندمه قال: ((وي)). ولعل
الأظهر إرادةُ التعجُّب، بأن يكونوا تعجَّبوا أوَّلاً مما وقع، وقالوا ثانياً:
((كأن)) إلخ. و((كأن)) فيه عاريةٌ عن معنى التشبيه جيء بها للتحقيق، كما قيل ذلك
في قوله:
وأصبح بطنُ مكةَ مقشعرًّا كأنَّ الأرض ليس بها هشامُ(١)
وأنشد أبو عليٍّ:
متيَّمٌ يشتهي ما ليس موجودا(٢)
كأنني حين أُمسي لا تكلِّمُني
وقيل: هي غيرُ عاريةٍ عن ذلك، والمرادُ تشبيهُ الحال المطلق بما في حيِّزها
إشارةً إلى أنه لتَحَقُّقِه وشهرته يصلح أن يشبَّه به كلُّ شيءٍ. وهو كما ترى.
وزعم الهمدانيُّ(٣) أنَّ الخليل ذهب إلى أن ((وي)) للتندُّم و((كأنَّ) للتعجّب،
والمعنى: ندموا متعجِّبين في أنَّ الله تعالى يبسط .. إلخ. وفيه أنَّ كون ((كأنّ))
للتعُّب مما لم يُعْهَدْ.
وأيًّا ما كان فالوقفُ كما في ((البحر)) على ((وي))(٤)، والقياسُ كتابتُها مفصولةً،
وكتبت متَّصلةً بالكاف لكثرة الاستعمال، وقد كتبت على القياس في قول زيد بن
عمرو بن نفيل :
وَيْ كأنْ مَن يَكُنْ له نَشَبٌ يُحْ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عيشَ ضرِّ(٥)
(١) البيت للحارث بن أمية كما في الاشتقاق ص١٠١، وشرح أبيات المغني للبغدادي ٤/ ١٧٠،
ونسبه الثعالبي في ثمار القلوب ص٢٩٨ لعبد الله بن ثور الخفاجي، وهو دون نسبة في
الكامل ٦٧١/٢، والمغني ص٢٥٣. وهشام هو ابن المغيرة المخزومي. وكان سيداً مطاعاً،
وتوفي قبل بعثة النبي مَلِ.
(٢) المحتسب ٢/ ١٥٥، والمغني ص ٤٨٣، والبيت ينسب لعمر بن أبي ربيعة وليزيد بن الحكم،
كما في شرح شواهد المغني للسيوطي ٧٨٨/٢، وهو في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص٥٣
باختلاف يسير.
(٣) في الفرائد، كما في حاشية الشهاب ٨٨/٧.
(٤) البحر ١٣٥/٧ .
(٥) الكتاب ١٥٥/٢، والخزانة ٤١٠/٦، والمحتسب ١٥٥/٢، والبحر ١٣٥/٧.