النص المفهرس
صفحات 221-240
الآية : ٥٦ ٢٢١ سُورَةُ القَصَصِ وقوع إدخاله ربَّ إياه فيه، لبَعُدَ الكلام عن التسلية وقَرُبَ إلى العتاب، فإنه على طرز قولك لمن له أحبابٌ لا ينفعهم: إنك لا تنفعُ أحبابَك، وهو إذا لم يؤوَّل بـ : إنك لا تقدر على نفع أحبابك، فإنما يقال على سبيل العتاب أو التوبيخ أو نحوِه، دون سبيل التسلية، ولمَّا كان لهدايته تعالى أولئك الذين أوتوا الكتاب مدخلاً فيما يستدعي التسلية كان المناسبُ إبقاءَ (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ) على ظاهره من وقوع الهداية بالفعل دون القدرة على الهداية، وإثباتُ ذلك له تعالى فرعُ إثبات القدرة، ففي إثباته إثباتُها لا محالةَ، فيصادف الاستدراكُ المحزَّ، وحَمْلُ المهتدين على المستعدِّين للهداية لا يستدعي حملَ ((يهدي)) على: يقدر على الهداية، فما ذكر من اللزوم ممنوعٌ. ويجوز أن يراد بالمهتدين المتَّصفون بالهداية بالفعل، والمراد بعلمه تعالى بهم مجازاتُه سبحانه على اهتدائهم، فكأنه قيل: وهو تعالى أعلمُ بالمهتدين كأولئك الذين ذكروا من أهل الكتاب فيجازيهم على اهتدائهم بأجرٍ أو بأجرين، فتأمَّل. والآيةُ على ما نطقت به كثيرٌ من الأخبار نزلت في أبي طالب؛ أخرج عبد بن حميد ومسلمٌ والترمذيُّ وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن أبي هريرة قال: لمَّا حضرت وفاةُ أبي طالب أتاه النبيُّ وَله فقال: ((يا عمَّاه، قل: لا إله إلا الله، أشهدُ لك بها عند الله يومَ القيامة)) فقال: لولا أن يعيِّروني قريشٌ يقولون: ما حمله عليها إلا جزعُه من الموت لأَقْرَرْتُ بها عينَك، فأنزل الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ) الآية(١). وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ وأحمدُ والنسائيُّ وغيرُهم، عن سعيد بن المسيب عن أبيه نحو ذلك(٢). وأخرج أبو سهل السريُّ بن سهل من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن (١) صحيح مسلم (٢٥): (٤٢)، وسنن الترمذي (٣١٨٨)، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٤، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٤٤/٢-٣٤٥، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه السيوطي في الدر ١٣٣/٥، وأخرجه أيضاً أحمد (٩٦١٠). (٢) صحيح البخاري (٣٨٨٤)، وصحيح مسلم (٢٤)، ومسند أحمد (٢٣٦٧٤)، وسنن النسائي ٤ / ٩٠-٩١. سُورَةُ القَصَصِ ٢٢٢ الآية : ٥٧ ابن عباس أنه قال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ) إلخ نزلت في أبي طالب، ألحّ النبيُّ ◌َ ﴿ أن يُسْلِمَ فأبى، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). وقد رَوَى نزولَها فيه عنه أيضاً ابنُ مردويه (٢) . ومسألةُ إسلامه خلافيةٌ، وحكايةُ إجماع المسلمين أو المفسِّرين على أنَّ الآية نزلت فيه لا تصحُّ، فقد ذهب الشيعة وغيرُ واحد من مفسِّريهم إلى إسلامه، واذَّعوا إجماعَ أئمة أهل البيت على ذلك، وأنَّ أكثر قصائده تشهدُ له بذلك، وكأنَّ مَن يدَّعي إجماعَ المسلمين لا يَعتدُّ بخلاف الشيعة، ولا يعوِّلُ على رواياتهم. ثم إنه على القول بعدم إسلامه لا ينبغي سبُّه والتكلُّم فيه بفضول الكلام، فإنَّ ذلك مما يتأذَّى به العلويون، بل لا يَبْعدُ أن يكون مما يتأذَّى به النبيُّ عليه الصلاة والسلام الذي نطقت الآيةُ بناءً على هذه الروايات بحبِّه وَ ه إياه، والاحتياط لا يخفى على ذي فهم: ولأَجْلٍ عينٍ ألفُ عينٍ تُكْرَمُ(٣) ﴿وَقَالُواْ إِن نََِّّعِ الْمُدَى مَعَكَ نُيَخَظَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي: نخرج من بلادنا ومقرِّنا، وأصلُ الخطف: الاختلاسُ بسرعةٍ، فاستُعير لِمَا ذكر، والآيةُ نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، حيث أتى النبيَّ ◌َّ# فقال(٤): نحن نعلم أنك على الحقِّ، ولكنَّا نخاف إن اتَّبعناك وخالَفْنا العربَ وإنما نحن أكلةُ رأسٍ أن يتخطّفونا من أرضنا. فردَّ الله تعالى عليهم خوفَ التخظُّفِ بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَاِنًا﴾ أي: أَلَمْ نَعْصِمْهم ونَجْعَلْ مكانهم حرماً ذا أمنٍ بحرمةِ البيت الذي فيه، تتناحَرُ(٥) العرب حوله وهم آمنون فيه، فالعطفُ على محذوفٍ، و((نمكِّن)) مضمَّنٌ (١) الدر المنثور ١٣٤/٥ . (٢) كما في الدر المنثور ١٣٣/٥. (٣) وصدره: داريتُ أهلكِ في هواكٍ وهم عِدا، والبيت للشاب الظريف، وهو في ديوانه ص٧١، وسلف ١/ ٢٧٧. (٤) في الأصل و(م): فقالوا، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٨٠، وتفسير أبي السعود٧/ ١٩ . (٥) في الأصل: تناحر، وفي (م): تتاجر، والمثبت من تفسير البيضاوي وتفسير أبي السعود. الآية : ٥٧ ٢٢٣ سُورَةُ القَصَصِ معنى الجَعْلِ ولذا نَصَبَ ((حرماً))، و(آمناً)) للنسب كلاين وتامرٍ، وجعل أبو حيان(١) الإسنادَ فيه مجازيًّا؛ لأنَّ الآمن حقيقةً ساكنوه، فيُسْتَغْنَى عن جَعْلِه للنَّسَبِ، وهو وجهٌ حَسَنٌ. ﴿يُحْبَ إِلَيْهِ﴾ أي: يُحمَلُ إليه ويُجمَعُ فيه من كلِّ جانبٍ وجهَةٍ ﴿ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: ثمراتُ أشياءَ كثيرةٍ، على أنَّ ((كلّ)) للتكثير، وأصلُ معناه الإحاطة وليست بمرادةٍ قطعاً. والجملة صفةٌ أخرى لـ ((حرماً)) دافعةٌ لِمَا عسى يُتوَهَّم من تضرُّرهم إن اتَّبعوا الهدى بانقطاع المِيْرة. وقولُه تعالى: ﴿رِزْقًا مِّن لَُّنَا﴾ نصبٌ على (٢) المصدر من معنى ((يُجبى))؛ لأنَّ مآله: يُرزقون، أو الحالِ من ((ثمرات)) بمعنى مرزوقاً، وصحَّ مجيءُ الحال من النكرة عند مَن لا يراه لتَخَصُّصِها بالإضافة هنا. أو على أنه مفعولٌ له بتقديرٍ: نسوق إليه ذلك رزقاً . وحاصل الردِّ أنه لا وجهَ لخوفٍ من التخُف إن آمنوا، فإنهم لا يخافون منه وهم عبدةُ أصنامٍ، فكيف يخافون إذا آمنوا وضمُّوا حرمةَ الإيمان إلى حرمة المقام؟ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ جَهَلةٌ لا يتفّنون ولا يتفكَّرون ليعلموا ذلك، فهو متعلِّقٌ بقوله تعالى: (أَوَلَمْ ثُمَكِن) إلخ. وقيل: هو متعلقٌ بقوله سبحانه: (مِن لَُّنَّ) أي: قليل منهم يتدبَّرون فيعلمون أنَّ ذلك رزقٌ من عند الله عز وجل، إذ لو علموا لمَا خافوا غيره، والأول أظهر، والكلام علیه أبلغُ في الذمِّ. وقرأ المنقريُّ: ((نتخطَّفُ)) بالرفع(٣) كما قرئ في قوله تعالى: ((أينما تكونوا يدركُكم الموت)) برفع ((يدركُ))(٤)، وخرِّج بأنه بتقديرٍ: فنحن نُتخطَّفُ، وهو تخريجُ شذوذ. (١) في البحر ١٢٦/٧ . (٢) في (م): عن، وهو تصحيف. (٣) البحر ١٢٦/٧. والمنقري هو أبو معمر عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري التميمي البصري، قيِّم بحرف أبي عمرو ضابط له، توفي سنة (٢٢٤ هـ). طبقات القراء لابن الجزري ٤٣٩/١. (٤) وهي قراءة طلحة بن سليمان، كما في القراءات الشاذة ص٢٧، والمحتسب ١٩٣/١. سُورَةُ القَصَصِ ٢٢٤ الآية : ٥٨ وقرأ نافعٌ، وجماعةٌ عن يعقوب، وأبو حاتم عن عاصم: ((تُجبى)) بتاء التأنيث(١). وقرئ: ((تُجَنَى)) بالنون من الجني، وهو قطعُ الثمرة، وتعديتُه بـ ((إلى)) كقولك: يجني إلى فيه، ويجني إلى الخافة(٢). وقرأ أبان بن تغلب عن عاصم: (ثُمُرات)) بضمِّ الثاء والميم(٣). وقرأ بعضهم: (ثَمْرات)) بفتح الثاء وإسكان الميم(٤). ثم إنه تعالى بعد أن ردَّ عليهم خوفَهم من الناس بيَّن أنهم أحقّاءُ بالخوف من بأس الله تعالى بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِشَتَهَا﴾ أي: وكثيراً من أهل قريةٍ كانت حالُهم كحال هؤلاء في الأمن وخَفْضِ العيش والدَّعة، حتى بطروا واغترُّوا ولم يقوموا بحقِّ النعمة، فدمَّرنا عليهم وخرَّبنا ديارهم. ﴿فَئِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ﴾ التي تمرُّون عليها في أسفاركم كحِجْر ثمود خاويةً بما ظلموا حالَ كونها ﴿لَمْ تُشْكُنْ مِنَّ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد تدميرهم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلَّا زماناً قليلاً؛ إذ لا يسكنُها إلا المارَّةُ يوماً أو بعض يوم، أو: إلا سكناً قليلاً، وقلَّتْهُ باعتبارٍ قَلَّة الساكنين، فكأنه قيل: لم يسكنها من بعدهم إلَّا قليلٌ من الناس. وجوِّز أن يكون الاستثناء من المساكن، أي: إلا قليلاً منها سُكن، وفيه بُعدٌ. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِئِينَ ﴾﴾ منهم إذا لم يَخْلُفْهم أحدٌ يتصرَّف تصرُّفَهم في ديارهم وسائرٍ ذات أيديهم. (١) التيسير ص ١٧٢، والنشر ٣٤٢/٢ عن نافع، ويعقوب من رواية رويس عنه، وبها قرأ أبو جعفر. والكلام من البحر ١٢٦/٧ . (٢) الكشاف ١٨٥/٣. وقوله: إلى الخافة، جاء في هامش الأصل و(م): هي خريطة من أدم يُشار فيها العسل. اهـ منه. وقوله: يجني إلى فيه، مأخوذ من قول عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش : هذا جَنَايَ وخياره فيه إذ كلُّ جانٍ يدُه إلى فيه وذلك أنه خرج يجني الكمأة مع أصحاب له فكانوا إذا وجدوا خيار الكمأة أكلوها، وإذا وجدها عمرو جعلها في كمّه حتى يأتي بها خاله، وقال هذا الشعر فذهب مثلاً. مجمع الأمثال ١٣٨/١، والنهاية (خبى). (٣) القراءات الشاذة ص ١١٣، والمحتسب ١٥٣/٢، والبحر ١٢٦/٧. (٤) القراءات الشاذة ص ١١٣، والبحر ١٢٦/٧ . الآية : ٥٩ ٢٢٥ سُورَةُ القَصَصِ وفي ((الكشاف)) أي: تركناها على حالٍ لا يسكنها أحدٌ، أو خرَّبناها وسوَّيْناها بالأرض (١). وهو مشيرٌ إلى أنَّ الوراثة إمَّا مجرَّدُ انتقالها من أصحابها، وإما إلحاقُها بما خلقه الله تعالى في البدء، فكأنه رجع إلى أصله ودخل في عداد خالص ملكِ الله تعالى على ما كان أوَّلاً، وهذا معنى الإرث. وانتصابُ ((معيشتها)) على التمييز على مذهب الكوفيين، أو مشبّهٌ بالمفعول به على مذهب بعضهم، أو مفعولٌ به على تضمين ((بطرت)) معنى فِعْلٍ متعدٍّ، أي: كفرتْ معيشتها ولم تَرْعَ حقَّها، على مذهب أكثر البصريين، أو على إسقاط ((في)) أي: في معيشتها على مذهب الأخفش، أو على الظرف نحو: جئتُ خفوقَ النجم، على قول الزجَّاج(٢). ﴿وَمَا كَانَ رَبِّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ بيانٌ للعناية الربانية إثر بيانِ إهلاك القرى المذكورة، أي: وما صحَّ وما استقام، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار، بل كانت سنَّته عزَّ وجلَّ أن لا يهلكها ﴿حَّ يَبْعَثَ فِىّ أُتِهَا﴾ أي: في أصلها وكبيرتِها التي ترجع تلك القرى إليها ﴿رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَّأْ﴾ الناطقةَ بالحقِّ، ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب. وإنما لم يُهْلكهم سبحانه حتى يبعث إليهم رسولاً لإلزام الحجة وقَطْعِ المعذرة، بأن يقولوا: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً فنتَبع آياتك. وإنما كان البعثُ في أمِّ القرى لأنَّ في أهل البلدة الكبيرة وكرسيِّ المملكة ومحلِّ الأحكام فطنةً وكيساً، فَهُمْ أَقْبَلُ للدعوة وأشرف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: أنَّ أمَّ القرى مكة، والرسول محمدٌ وَّةٍ(٣). فالمراد بالقرى: القرى التي كانت في عصره عليه الصلاة والسلام. والأُولى أَوْلَی. والالتفاتُ إلى نون العظمة في ((آياتنا)) لتربية المهابة وإدخالِ الروعة. (١) الكشاف ١٨٦/٣. (٢) نقل المصنف هذه الأقوال عن البحر ١٢٦/٧، وقول الزجاج في معاني القرآن ٤/ ١٥٠: (معيشتها)) منصوبة بإسقاط ((في)) وعمل الفعل، وتأويله: بطرت في معيشتها. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٩٧/٩، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١٣٤/٥. سُوَدَّةُ القَصَصِ ٢٢٦ الآية : ٦٠ وقرئ: ((في إمها)) بكسر الهمزة إتباعاً للميم(١). ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى﴾ عطفٌ على ((ما كان ربُّك مُهْلِكَ القرى)) ﴿إِلَّا ﴾﴾ استثناءٌ مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، أي: وما كنَّا مهلكين لأهل ٥٩ وَأَهْلُهَا خَالِمُونَ ( القرى بعد ما بعثنا في أمِّها رسولاً يدعوهم إلى الحقِّ ويرشدهم إليه في حالٍ من الأحوال إلا حالَ كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفرِ بآياتنا، فالبعثُ غايةٌ لعدم صحة الإهلاك بموجب السنَّة الإلهية، لا لعدم وقوعه حتى يلزمَ تحقَّقُ الإهلاك عقیب البعث. ﴿وَمَا أُوِتُم مِّن شَىْءٍ﴾ أي: أيّ شيءٍ أَصَبْتُموه من أمور الدنيا وأسبابها ﴿فَمَتَعُ الْحَيَومِ الذُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ فهو شيءٌ شأنُه أن يُتَمَتَّعَ به ويُتَزَيَّنَ به أياماً قلائل، ويُشْعِرُ بالقلّة لفظُ المتاع، وكذا ذِكرُ ((أبقى)) في المقابل، وفي لفظ الدنيا إشارةٌ إلى القلّة والخسَّة. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ في الجنة، وهو الثوابُ ﴿خَيْرٌ﴾ في نفسه من ذلك؛ لأنه لذةٌ خالصةٌ وبهجةٌ كاملةٌ ﴿وَأَبْقَ﴾ لأنه أبديٌّ، وأين المتناهي من غير المتناهي؟ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ أي: ألا تتفكَّرون فلا تعقلون(٢) هذا الأمرَ الواضحَ، فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ، وتخافون على ذهاب ما أصبتُموه من متاع الحياة الدنيا، وتمتنعون عن اتِّباع الهدى المفضي إلى ما عند الله تعالى لذلك، فكأنَّ هذا ردٌّ عليهم في منع خوف التخُّف إياهم من اتّباعه بَلفز على تقدير تحقق وقوع ما يخافونه. وقرأ أبو عمرو: ((يعقلون)) بياء الغيبة(٣) على الالتفات، وهو أبلغ في الموعظة الإشعاره بأنهم لعدم عقلهم لا يصلحون للخطاب، فالالتفاتُ هنا لعدم الالتفات زجراً لهم. وقرئ: ((فمتاعاً الحياةَ الدنيا))(٤)، أي: فتتمتَّعون به في الحياة الدنيا، فنصب ((متاعاً)) على المصدرية و((الحياة)) على الظرفية. (١) هي قراءة حمزة والكسائي وصلاً، والجميع يبتدئون بضم الهمزة، وأجمعوا على كسر الميم في الحالين. البدور الزاهرة ص٢٤٢ . (٢) في (م): تفعلون، وهو تصحيف. (٣) التيسير ص١٧٢، والنشر ٣٤٢/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ١١٣، والبحر ١٢٧/٧. الآية : ٦١ ٢٢٧ سُورَةُ القَصَصِ ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي: وعداً بالجنة وما فيها من النعيم الصرف الدائم، فإنَّ حُسْنَ الوعدِ بحُسْنِ الموعود ﴿فَهُوَ لَقِيهِ﴾ أي: مُدْرِكُه لا محالةَ؛ لاستحالة الخُلْفِ في وعده تعالى، ولذلك جيء بالجملة الاسمية المفيدة لتحَقُّقه ألبتة، وعطفت بالفاء المنبئة عن السببية. ﴿كَمَنَ مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوْمِ الدُّنَا﴾ الذي هو مشوبٌ بالآلام، منقَّصٌ بالأكدار، مستَتْبَعٌ بالتحسُّر على الانقطاع. ومعنى الفاءِ الأولى ترتيبُ إنكارٍ التشابه بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاؤُتِ بين متاع الحياة الدنيا وما عند الله تعالى، أي: أبَعْدَ هذا التفاؤُتِ الظاهر يسوَّى بين الفريقين. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ عطفٌ على ((مَّعناه)) داخلٌ معه في حيِّز الصلة مؤكِّدٌ لإنكار التشابه مقوٍّ له، كأنه قيل: كمن متَّعناه متاع الحياة الدنيا ثم نحضرُه - أو أحضرناه - يوم القيامة للنار أو العذاب، وغلب لفظُ المُحضَرِ في المُحْضَرِ لذلك(١). والعدولُ إلى الجملة الاسمية، قيل: للدلالة على التحقُّق حتماً، ولا يضر كونُ خبرها ظرفاً مع العدول، وحصولُ الدلالة على التحقُّق لو قيل: أحضرناه، لا ينافي ذلك. وقد يقال: إنَّ فيما ذُكر في النظم الجليل شيءٌ آخَرُ غيرُ الدلالة على التحقيق ليس في قولك: ثم أحضرناه يومَ القيامة، كالدلالة على التقوِّي أو الحصر، والدلالةِ على التهويل والإيقاع في حيرة، ولمجموع ذلك جيء بالجملة الاسمية . و((يوم)) متعلّقٌ بـ ((المحضرين)) المذكور، وقدِّم عليه للفاصلة، أو هو متعلّقٌ بمحذوفٍ، وقد مرَّ الكلام في مثل ذلك(٢). و(ثم)) للتراخي في الرتبة دون الزمان، وإن صحَّ وكان فيه إبقاءُ اللفظ على (١) أي: في المحضَر إلى النار، كقوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] و﴿فَكَذَّبُوهُ فَهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧]. ينظر الكشاف ١٨٧/٣، والبحر ١٢٧/٧، وحاشية الشهاب ٨١/٧. (٢) ص١٨٤ من هذا الجزء. سُورَةُ القَصَصِ ٢٢٨ الآية : ٦٢ حقيقته؛ لأنه أنسبُ بالسياق، وهو أبلغُ وأكثر إفادةً، وأربابُ البلاغة يَعْدِلون إلى المجاز ما أَمْكنَ لتضمُّنه لطائفَ النكات. وقرأ طلحة: ((أمَن وعدناه)) بغير فاء(١). وقرأ قالون والكسائيُّ: ((ثم هو)» بسكون الهاء(٢)، كما قيل: عَضُدٌ وعَضْدٌ؛ تشبيهاً للمنفصل وهو الميم الأخير مِن (ثُم» بالمتَّصل. والآيةُ نزلت على ما أخرج ابنُ جريرٍ عن مجاهد في رسول الله مَّر وفي أبي جهل. وأَخرج من وجهٍ آخَرٌ عنه أنها نزلت في حمزةَ وأبي جهل(٣). وقيل: نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وأبي جهل، ونُسب إلى محمد بن کعب والسديِّ. وقيل: في عمارٍ رَظُهُ والوليد بن المغيرة. وقيل: نزلت في المؤمن والكافر مطلقاً . ﴿وَبَوَمَ يُنَادِيهِمْ﴾ عطف على ((يوم القيامة)) لاختلافهما عنواناً وإن انّحدا ذاتاً، أو منصوبٌ بإضمارٍ اذكر، ونداؤه تعالى إياهم يحتمل أن يكون بواسطةٍ وأن يكون بدونها، وهو نداءُ إهانةٍ وتوبيخ. ﴿فَيَقُولُ﴾ تفسيرٌ للنداء ﴿أَيْنَ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ كُمْ نَزْعُمُونَ ﴾﴾ أي: الذين كنتم تزعمونهم شركائي، فإنَّ زَعَم مما يتعدّى إلى مفعولين، كقوله: يموتُ ولم أَزْعُمْك عن ذاك مَعْزِلا(٤) وإنَّ الذي قد عاش يا أمَّ مالكٍ (١) البحر ١٢٧/٧، والدر المصون ٦٨٨/٨. (٢) التيسير ص٧٢، والنشر ٢٠٩/٢، والبدور الزاهرة ص٢٤٢، وأسكن الهاء أيضاً أبو جعفر من العشرة. (٣) الخبران في تفسير الطبري ٢٩٤/١٨ -٢٩٥، وفيه عن مجاهد أيضاً أنه قال: نزلت في حمزة وعلي بن أبي طالب وأبي جهل. (٤) البيت برواية المصنف في حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص١١٤، والكتاب ١٢١/١، وصدره فيهما: عدَدْتَ قشيراً إذا عَدَدْتَ فلم أُسَأُ. ووقع في الديوان: أزمعك، بدل: أزعمك. قال الأعلم في شرح الشواهد ص١٢١ : نصب معزل على المفعول الثاني، والتقدير: ولم أزعمك ذا معزلٍ عن ذلك. ويجوز أن الآية : ٦٢ ٢٢٩ سُورَةُ القَصَصِ وحُذِفَ هنا المفعولان معاً ثقةً بدلالة الكلام عليهما، نحو: مَن يَسْمَعْ يَخَلْ. وفي ((الكشاف)): يجوزُ حَذْفُ المفعولين في باب ظننتُ ولا يصحُّ الاقتصارُ على أحدهما (١). وادّعى بعضهم أنَّ عدم صحة الاقتصار هو الأصحُّ، وأنه الذي ذهب إليه الأكثرون. وقال الأخفش(٢): إذا دخلت هذه الأفعالُ ((ظنَّ)) وأخواتُها على ((أنَّ))، نحو: ظننتُ أنك قائم، فالمفعول الثاني منهما محذوفٌ، والتقدير: ظننتُ قيامَك كائناً؛ لأن المفتوحة بتأويل المفرد. وسيبويه يرى في ذلك أنَّ ((أنَّ) مع ما بعدها سدَّت مسدَّ المفعولين(٣). وأجاز الكوفيون الاقتصارَ على الأول إذا سدَّ شيءٌ مسدَّ الثاني كما في باب المبتدأ، نحو: أقائمٌ أخواك، فيقولون: هل ظننتَ قائماً أخواك؟ وقال أبو حيان: إذا دلَّ دليلٌ على أحدهما جاز حذفُه كقوله: تَلاقٍ ولكنْ لا إخالُ تلاقيا(٤) كأنْ لم يَكُنْ بينٌ إذا كان بعده أي: لا إخال بعد البين تلاقياً . وقال صاحب ((التحفة)): يجوزُ الاقتصارُ في باب كسوتُ على أحد المفعولين بدليلٍ وبغيرِ دليل؛ لأنَّ الأول فيهما غيرُ الثاني. وأجاز بعضهم حذف الأول إذا كان هو الفاعل معنىّ، نحو قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ = يكون نصبه على الظرف الواقع موقع المفعول الثاني؛ لأنك تقول: أنت معزلاً عن ذاك، تريد: في معزل منه وبمعزل، كما تقول: أنت مني مرأى ومسمعاً. (١) الكشاف ٣/ ١٨٧ . (٢) قوله في البحر ١٨٦/١، وحاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وعنه نقل المصنف . (٣) الكتاب ١٢٥/١-١٢٦، ونقله المصنف بواسطة الطيبي في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٤) البيت نسب لابن الدمينة كما في الحماسة البصرية ٢/ ١٨٣، وهو في ملحق ديوانه ص٢٠٦ . ونسب لجميل بثينة كما في منتهى الطلب ٣٧٦/٢، وهو في ديوانه ص٢٢٤، وجاء في هذه المصادر: نأي، بدل: بينٌّ. والكلام من حاشية الطيبي على الكشاف. سُورَةُ القَصَصِ ٢٣٠ الآية : ٦٣ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ) أي: ولا يحسبن الذين كفروا إياهم - أي: أنفسَهم - معجزين؛ وقال الطيبي(١) في عدم الحذف فيما عدا ما ذكر وجواز الحذف فيه: لعل السرَّ أنَّ هذه الأفعال قيودٌ للمضامين تدخلُ على الجمل الاسمية لبيان ما هي عليه؛ لأنَّ النسبة قد تكونُ عن علم وقد تكون عن ظنٍّ، فلو اقتُصر على أحد طرفي الجملة لقيام قرينةٍ، تُوهم أنَّ الذي سيق له الكلام والذي هو مهتمٌّ بشأنه الطرف المذكور، وليس غيرُ المذكور مما يعتنَى به، نعم إذا كان الفاعل والمفعولُ لشيءٍ واحدٍ يهونُ الخطب، وذکر عن صاحب ((الإقليد)) ما يؤيِّده، وقد أطال طيِّب الله تعالى مرقده الكلام في هذا المقام. وادَّعى ابنُ هشام(٢) أنَّ الأوْلَى أن يقدَّر هنا: الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؛ لأنه لم يقع الزعم في التنزيل على المفعولين الصريحين، بل على ((أنّ) وصِلَتِها، كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ شُرَّكَوْاْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وفيه نظر. والظاهر أنَّ المراد بالشركاء مَن عُبِدَ من دون الله تعالى، من مَلَكٍ أو جنٍّ أو إنسٍ أو كوكبٍ أو صنمٍ أو غير ذلك. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على حكاية السؤال، كأنه قيل: فماذا كان بعد هذا السؤال؟ فقيل: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: ثبت عليهم مقتضَى القولِ وتحقُّق مؤدَّاه، وهو قولُه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وغيرُه من آيات الوعيد، والمرادُ بالموصول الشركاءُ الذين كانوا يزعمونهم شركاء من الشياطين ورؤساء الكفر، وتخصيصُهم بما في حيِّز الصلة مع شمول مضمونها الأتباع أيضاً لأصالتهم في الكفر واستحقاقِ العذاب، والتعبيرُ عنهم بذلك دون: الذين زعموهم شركاء؛ لإخراج مِثْلٍ عيسى وعزير والملائكة عليهم السلام؛ لشمول الشرکاء - علی ما سمعت - له. ومسارعتُهم إلى الجواب مع كون السؤال للعبدة؛ لتفظُّنهم أنَّ السؤال منهم سؤالُ توبيخٍ وإهانةٍ، وهو يستدعي استحضارَهم وتوبيخَهم بالإضلال، وجَزْمَهم بأنَّ العبدة سيقولون: هؤلاء أضلُّونا. (١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) في المغني ص٧٧٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٨٢. الآية : ٦٣ ٢٣١ سُورَةُ القَصَصْ وقيل: يجوز أن يكون العبدة قد أجابوا معتذرين بقولهم: هؤلاء أضلونا، ثم قال الشركاء ما قصَّ الله تعالى ردًّا لقولهم ذلك، إلا أنه لم يُحْكَ إيجازاً لظهوره. ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ تمهيدٌ للجواب، والإشارةُ إلى العبدة لبيانِ أنهم يقولون ما يقولون بمحضرٍ منهم، وأنهم غيرُ قادرين على إنكاره وردِّه، و((هؤلاء)» مبتدأ خبرُه الموصولُ بعده، وجملة ((أغوينا)) صلةُ الموصول، والعائدُ محذوفٌ للتصريح به فيما بعدُ، أي: الذين أغويناهم، وقوله تعالى: ﴿أَغْوَنَهُمْ كَمَا غَوَبِناً﴾ هو الجوابُ حقيقةً، أي: ما أكرهناهم على الغيِّ، وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة والتسويل، لا بالقسر والإلجاء، فَغَووا باختيارهم غيًّا مثل غيِّنا باختیارنا . ويجوز أن يكون الموصولُ صفةً اسم الإشارة، والخبر جملة ((أغويناهم كما غوينا)). ومنع ذلك أبو عليٍّ في ((التذكرة)) بأنه يؤدِّي إلى أنَّ الخبر لا يكون فيه فائدةٌ زائدةٌ، ؛ لأن إغواءهم إياهم قد عُلم من الوصف. ورُدَّ بأن التشبيه دلَّ على أنهم غَوَوْا باختيارٍ؛ لا أنَّ الإغواء إلجاءٌ، وقوله(١): إِنَّ ((كما غوينا)) فضلةٌ، فلا تصيِّرُ ذاك أصلاً في الجملة، ليس بشيء؛ لأنَّ الفضلات قد تَلْزَمُ في بعض المواضع، نحو: زيدٌ عمروٌ قائمٌ في داره(٢) . وقرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين: ((كما غَوِينا)) بكسر الواو، قال ابن خالويه: وليس ذلك مختاراً لأنَّ كلام العرب: غَوَيْتُ من الضلالة، وغَوِيْتُ بالكسر من البَشَم(٣). ﴿تَبَرَّأْنَا﴾ منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوّى من أنفسهم، موجّهين التبرُّؤ ومهيِّتين له ﴿إِلَيْكٌ﴾ والجملةُ تقريرٌ لِمَا قبلها؛ لأن الإقرار بالغواية تبرُّؤٌ في (١) يعني أبا علي، كما في الإملاء للعكبري ١٥٦/٤، والبحر ١٢٨/٧، وحاشية الشهاب ٧/ ٨٢. (٢) أي: لابد من قولك: في داره؛ ليعود من الجملة إلى زيد ضمير، وهو فضلة في الكلام، فكذا هنا ينبغي أن يكون ((أغويناهم)) خبراً؛ لتعلق قوله: ((كما غوينا)) به، وإن كانت فضلة في الكلام. حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) القراءات الشاذة ص١١٣، والبحر ١٢٨/٧، والبَشَم: التُّخَمة، ويقال: غَوِيّ الفصيل يَغْوَى، إذا أكثر من لبن أمه فَبَشِمَ فكاد يهلك. زاد المسير ٣٢٩/٥-٣٣٠، والقاموس (بشم). سُورَةُ القَصَصِ ٢٣٢ الآية : ٦٤ الحقيقة، ولذا لم تعطف عليه، وكذا قولُه تعالى: ﴿مَا كَانُّواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ أي: ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون في نفس الأمر والمآل أهواءهم. وقيل: ((ما)) مصدريةٌ متصلةٌ بقوله تعالى: (تَأْناً) وهناك جارٌّ مقدَّرٌ، أي: تبرأنا من عبادتهم إيانا. وجعلُها نافيةً على أنَّ المعنى: ما كانوا يعبدوننا باستحقاقٍ وحجَّةٍ، ليس بشيءٍ، وأيًّا ما كان فـ ((إيانا)) مفعول ((يعبدون)) قدِّم للفاصلة . ﴿وَقِلَ﴾ تقريعاً لهم وتهكُّماً بهم: ﴿أَدْعُواْ شُرَكَّكُ﴾ الذين زعمتُم ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ الفَرْطِ الحيرة، وإلَّ فليس هناك طلبٌ حقيقةً للدعاء. وقيل: دَعَوهم لضرورة الامتثال، على أنَّ هناك طلباً، والغرضُ من طلب ذلك منهم تفضيحُهم على رؤوس الأشهاد بدعاء مَن لا نَفْعَ له لنفسه؛ قيل: والظاهرُ من تعقيب صيغة الأمر بالفاء في قوله تعالى ((فدعوهم)) أنها لطلب الدعاء وإيجابه. والأولُ أبلغُ في تهويل أمر أولئك الكفرة، والإشارة إلى سوء حالِهم، وأمرُ التعقيب بالفاء سهلٌ. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ ضرورةَ عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة. وجوِّز أن يكون المراد: فلم يُجيبوهم لأنهم في شغلٍ شاغلٍ عنهم، ولعلهم خُتِمَ على أفواههم إذ ذاك. ﴿وَرَأَوْاْ الْعَذَابِّ﴾ الظاهرُ أنَّ الضمير للداعين. وقال الضحاك: هو للداعين والمدعوِّين جميعاً. وقيل: هو للمدعوِّين فقط، وليس بشيءٍ. والظاهرُ أن الرؤية بصرية ورؤية العذاب إمَّا على معنى رؤية مباديه، أو على معنى رؤيته نفسِه بتنزيله منزلة المشاهَد. وجوِّز أن تكون عِلْميةً والمفعولُ الثاني محذوف، أي: رأوا العذاب متصلاً بهم، أو غاشياً لهم، أو نحو ذلك. وأنت تعلم أنَّ حذف أحد مفعولي أفعال القلوب مختلَفٌ في جوازه، وتقدَّم آنفاً عن البعض أنَّ الأكثرين على المنع، فمَن مَنَعَ وقال في بيان المعنى: ورأوا العذاب متصلاً بهم، جَعَلَ متصلاً حالاً من العذاب. الآية : ٦٤ ٢٣٣ سُورَةُ القَصَصِ ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ (®)﴾ (لو)) شرطية، وجوابُها محذوفٌ، أي: لو كانوا يهتدون لوجهٍ من وجوه الحيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب. أو: لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين مؤمنين لَمَا رأوا العذاب. واعتُرضَ بأنَّ الدالَّ على المحذوف: ((رأوا العذاب)) وهو مُثْبَتٌ، فلا يقدَّر المحذوف منفيًّا. وهو غيرُ واردٍ لأنَّ الالتفات إلى المعنى، وإذا جاز الحذفُ لمجرَّد دلالة الحال، فإذا انضمّ إليها شهادةُ المقال كان أولى وأولى. وجوِّز أن تكون ((لو)) للتمنِّي، أي: تمثّوا لو أنهم كانوا مهتدين، فلا تحتاج إلى الجواب؛ وقال صاحب ((التقريب))(١): فيه نظر، إذ حقُّه أن يقال: لو كنًّا، إلا أنْ يكون على الحكاية، كـ : أَقْسَمَ لَيَضْرِبِنَّ، أو على تأويلٍ: رأوا متمنِين هدايتهم. وجوِّز على تقديرٍ كونها للتمنِّي أن يكون قد وُضع: ((لو أنهم كانوا مهتدين))، موضع: تحيَّروا لرؤيته، كأنَّ كلَّ أحدٍ يتمنَّى لهم الهداية عند ذلك الهول والتحيُّرِ ترخُّماً عليهم، أو هو من الله تعالى شأنُه على المجاز كما قيل في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَبِّ) [البقرة: ١٠٣]. وجَعَل الطيبيُّ(٢) وَضْعَه موضعه من إطلاق المسبّب على السبب؛ لأنَّ تحيُّرهم سببٌ حاملٌ على هذا القول. وقال عليه الرحمةُ: إنَّ النظم على هذا الوجه ينطبق. واختار الإمام الرازي أنها شرطيةٌ، إلا أنه لم يَرْتَضِ ما قالوه في تقدير الجواب، فقال بعد نَقْلِ ما قالوه: وعندي أنَّ الجواب غيرُ محذوفٍ، وفي تقريره وجوه: أحدها: أنَّ الله تعالى إذا خاطبهم بقوله سبحانه: ﴿اَدْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ﴾ فهناك يشتدُّ الخوف عليهم، ويلحقُهم شيءٌ كالسَّدَر(٣) والدوارِ، فيصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً، فقال سبحانه: ورأوا العذب لو أنهم كانوا يبصرون شيئاً، على معنى أنهم لم يروا العذاب؛ لأنهم صاروا بحيث لا يبصرون شيئاً. (١) كما في حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) أي: التحيِّر، ينظر القاموس (سدر). سُورَةُ القَصَصِ ٢٣٤ الآية : ٦٥ - ٦٦ وثانيها: أنه تعالى لمَّا ذكر عن الشركاء - وهي الأصنامُ - أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقِّهم: (وَرَأَوْ اْلْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْشَدُونَ) أي: هذه الأصنامُ كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين، ولكنها ليست كذلك، والإتيانُ بضمير العقلاء على حسب اعتقاد القوم بهم. وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤيةَ القلب، أي: والكفارُ علموا حقِّيَّةَ هذا العذاب لو كانوا يهتدون. وهذه الوجوه عندي خيرٌ من الوجوه المَبْنِيَّة على أنَّ جواب ((لو)) محذوف، فإنَّ ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية(١). اهـ. ولعمري إنه لم يأتِ بشيء، وما يَرِدُ عليه أظهرُ من أن يخفى على مَن له أدنى تمییزٍ بين الحيّ والليّ (٢). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ عطفٌ على الأول، سئلوا أولاً ٦٥ عن إشراكهم لأنه المقصودُ من ((أين شركائي الذين زعمتم))، وثانياً عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَهِمُ الْأَثْبَاءُ يَوْمَيِذٍ﴾ أصلُه: فعَمُوا عن الأنباء، أي: لم يهتدوا إليها، وفيه استعارةٌ تصريحيةٌ تبعيةٌ، حيث استُعير العمى لعدم الاهتداء، ثم قُلِبَ للمبالغة، فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم، وضمِّن العمى معنى الخفاء فعدِّي بـ ((على))، ولولاه لتعدَّى بـ ((عن))، ولم يتعلَّق بالأنباء لأنها مسموعةٌ لا مبصرةٌ. وفي هذا القلب دلالةٌ على أنَّ ما يحضر الذهن يفيضُ عليه ويصل من الخارج ونفس الأمر إما ابتداءً وإمَّا بواسطةٍ تذكُر الصورة الواردةِ منه بأماراتها الخارجية، فإذا أخطأ الذهن الخارجُ بأنّ لم يَصِلْ إليه لانسداد الطريق بينه وبينه بعمّى ونحوِهِ، لم يُمْكِنْه إحضارٌ ولا استحضار، وذلك لأنه لمَّا جعل الأنباء الواردةَ عليهم من الخارج عُمياً لا تهتدي دلَّ على أنهم عميٌ لا يهتدون بالطريق الأَوْلى؛ لأنَّ اهتداءهم بها، فإذا كانت هي في نفسها لا تهتدي فما بالك بمن يهتدي بها؟! كذا قيل، فليتدبر. (١) تفسير الرازي ٨/٢٥. (٢) أي: الكلام الذي يفهم من الذي لا يفهم، ومن أمثالهم: لا يدري الحوَّ من اللَّو، والحيَّ من اللّي. المزهر للسيوطي ١/ ٥٠٠. الآية : ٦٧ ٢٣٥ سُورَةُ القَصَصِ وجوِّز أن يكون في الكلام استعارةٌ مكنيةٌ تخييلية، أي: فصارت الأنباء كالعُمْي علیهم لا تهتدي إليهم. والمراد بالأنباء إمَّا ما طُلب منهم مما أجابوا به الرسل عليهم السلام، أو ما يعمُّها وكلَّ ما يمكن الجوابُ به، وإذا كانت الرسل عليهم السلام يتَتَعْتَعون(١) في الجواب عن مثل ذلك في ذلك المقام الهائل، ويفوِّضون العلم إلى علام الغيوب مع نزاهتهم عن غائلة المسؤول، فما ظنُّك بأولئك الضَّال من الأمم؟! وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش وأبو زرعة بن عمرو بن جرير: ((فَعُمِّيتْ)) بضمٌ العين وتشديد الميم (٢). ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضاً لفَرْطِ الدهشة، أو العلم بأنَّ الكلَّ سواءٌ في الجهل، والفاءُ إمَّا تفصيليةٌ أو تفريعيةٌ؛ لأنَّ سبب العمى فَرْظً الدهشة . وقرأ طلحة: ((لا يسَّاءلون)) بإدغام التاء في السين(٣). ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ﴾ أي: من الشرك ﴿وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَكَلِحًا﴾ أي: جَمَع بين الإيمان والعمل الصالح ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾﴾ أي: الفائزين بالمطلوب عنده عزَّ وجلَّ، الناجين عن المهروب. و((عسى)) للتحقيق على عادة الكرام، أو للترجّي من قِبَلِ التائب المذكور، بمعنى: فليتوقَّعْ أن يفلح. وقوله تعالى: (فَأَمَّا) قيل(٤): لتفصيل المجمَلِ الواقع في ذهن السامع من بيانِ ما يَؤُولُ إليه حال المشركين، وهو أنَّ حالَ مَن تاب منهم كيف يكون؟ والدلالةِ على ترتُّب الإخبار به على ما قبله، فالآيةُ متعلِّقةٌ بما عندها . وقال الطيبيُّ(٥): هي متعلِّقةٌ بقوله تعالى: (أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا)، والحديثُ عن الشركاء مستطردٌ لذكر الإحضار. (١) التعتعة: التردُّد في الكلام لحصر أو عيّ. حاشية الشهاب ٨٣/٧. (٢) القراءات الشاذة ص١١٣، والبحر ١٢٩/٧ . (٣) القراءات الشاذة ص١١٣، والبحر ١٢٩/٧. (٤) قوله: قيل، ليس في الأصل. (٥) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. سُوَةُ القَصَصِ ٢٣٦ الآية : ٦٨ وتعقّبه في ((الكشف)» بأنَّ الظاهر أنه ليس متعلِّقاً به، بل لمَّا ذكر سبحانه حالَ مَن حقَّ عليه القولُ من التابع والمتبوع، قال تعالى شأنُه حثًّا لهم على الإقلاع: (فَأَمَا مَن تَابَ) منهم (وَءَامَنَ) فكأنه قيل - ما ذكر - لمصرِّيهم(١): فأما مَن تاب فكلًا. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ خَلْقَه من الأعيان والأعراض ﴿وَيَخْتَارٌ﴾ عطفٌ على (يخلق))، والمعنى على ما قيل: يخلق ما يشاؤه باختياره، فلا يخلقُ شيئاً بلا اختيار، وهذا ممّا لم يُفهم من «ما يشاء)»، فليس في الآية شائبةُ تكرار. وقيل في دفع ما يتوهّم من ذلك غيرُ ما ذُكر، مما نقله وردَّه الخفاجيُّ(٢)، ولم يتعرَّضْ للقدح في هذا الوجه، وأراه لا يخلو عن بُعْدٍ، ولي وجهٌ في الآية سأذكره بعدُ إن شاء الله تعالى. چ ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: التخيُّر، كالطَّيّرة بمعنى التطيُّر، وهما والاختيارُ بمعنّى، وظاهرُ الآية نفيُ الاختيار عن العبد رأساً كما يقوله الجبرية، ومَن أثبت للعبد اختياراً قال: إنه لكونه بالدواعي التي لو لم يخلقها الله تعالى فيه لم يكن كان في حيِّز العدم، وهذا مذهبُ الأشعريِّ على ما حقَّقه العلّامة الدَّوَاني؛ قال: الذي أَثْبته الأشعريُّ هو تعلُّقُ قدرة العبد وإرادته الذي هو سببٌ عاديٌّ لخلق الله تعالى الفعلَ فيه، وإذا فتَّشنا عن مبادي الفعل وجدنا الإرادة منبعثةً عن شوقٍ له، وتصوٍّ أنه ملائمٌ، وغيرِ ذلك من أمورٍ ليس شيءٌ منها بقدرة العبد واختياره. وحقَّق العلّامة الكورانيُّ في بعض رسائله المؤلّفةِ في هذه المسألة أنَّ مذهب السلف أنَّ للعبد قدرةً مؤثِّرةً بإذن الله تعالى، وأنَّ له اختياراً لكنه مجبورٌ باختياره، وادَّعى أنَّ ذلك هو مذهبُ الأشعريِّ، دون ما شاع من أنَّ له قدرةً غيرَ مؤثِّرةٍ أصلاً بل هي كاليد الشلَّاء، ونفيُّ الاختيارِ عنه على هذا نحوه على ما مرَّ، فإنه حيث كان مجبوراً به كان وجوده كالعدم. وقيل: إنَّ الآية أفادت نفي ملكهم للاختيار، ويَصْدُقُ على المجبور باختياره بأنه غيرُ مالكٍ للاختيار؛ إذ لا يتصرَّف فيه كما يشاء تصرُّف المالك في ملکه. (١) في (م): لمصيرهم، وهو تصحيف. (٢) في الحاشية ٧/ ٨٣. الآية : ٦٨ ٢٣٧ سُورَةُ القَصَصِ وقيل: المراد: لا يليقُ ولا ينبغي لهم أن يختاروا عليه تعالى، أي: لا ينبغي لهم التحكّمُ عليه سبحانه بأن يقولوا: لمَ لمْ يفعل الله تعالى كذا. ويؤيِّده أنَّ الآية نزلت حين قال الوليد بن المغيرة: لولا نزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين عظيم، أو حين قال اليهود: لو كان الرسول إلى محمد بَّهِ غيرَ جبريل عليه السلام لآمنًا به، على ما قيل. والجملة على هذا الوجه مؤكِّدةٌ لِمَا قبلها، أو مفسِّرةٌ له؛ إذ معنى ذلك: يخلقُ ما يشاء ويختار ما يشاءُ أنْ يختارَه لا ما يختارُه العباد عليه، ولذا خلت عن العاطف، وهي على ما تقدَّم مستأنفةٌ في جواب سؤالٍ تقديره: فما حالُ العباد؟ أو: هل لهم اختیارٌ؟ أو نحوه. فقيل: إنھم ليس لهم اختيارٌ. وضعِّف هذا الوجهُ بأنه لا دلالةَ على هذا المعنى في النظم الجليل، وفيه حذفُ المتعلِّق، وهو: على الله تعالى، من غيرِ قرينةٍ دالَّةٍ عليه، وكونُ سببِ النزول ما ذُكر ممنوعٌ، والقول الثاني فيه يستدعي بظاهره أن يكون ضميرُ ((لهم)) لليهود، وفيه من البعدُ ما فيه. وقيل: ((ما)) موصولةٌ مفعولُ ((يختار))، والعائد محذوفٌ، والوقف على (يشاء))، لا نافيةٌ والوقفُ على ((يختار)) كما نصَّ عليه الزجَّاج وعلي بن سليمان والنحاس(١)، كما في الوجهين السابقين، أي: ويختار الذي كان لهم فيه الخير والصلاح، واختياره تعالى ذلك بطريق التفضُّلِ والكرم عندنا، وبطريق الوجوب عند المعتزلة. وإلى موصوليةِ ((ما)) وكونِها مفعولَ ((يختار)) ذهب الطبريُّ، إلا أنه قال في بيان المعنى عليه: أي: ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرةً للناس، وأنكر أن تكون نافيةً لئلا يكون المعنى أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يُستقبل(٢). وادّعى أبو حيان أنه روي عن ابن عباس ﴿ّ معنَى ما ذهب إليه (٣) . (١) معاني القرآن للزجاج ١٥١/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤١/٣، وعلي بن سليمان هو الأخفش الأصغر، وذكر قوله النحاس، وأبو حيان في البحر ١٢٩/٧، وعنه نقل المصنف. (٢) تفسير الطبري ٢٩٩/١٨-٣٠٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ١٢٩/٧. (٣) البحر ١٢٩/٧. الآية : ٦٨ ٢٣٨ سُورَةُ القَصَصِ واعتُرِضَ بأنَّ اللغة لا تساعدُه؛ لأنَّ المعروف فيها أنَّ ((الخيرة)) بمعنى الاختيار لا بمعنى الخير، وبأنه لا يناسبُ ما بعده من قوله (١): (سُبْحَانَ اللَّهِ) إلخ، وكذا لا يناسبُ ما قبله من قوله سبحانه: (يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ). وضعَّفه بعضُهم بأنَّ فيه حذفَ العائد، ولا يخفى أنَّ حذفه کثیر. وأجيب عمَّا اعترض به الطبريُّ بأنه يجوز أن يكون المراد بمعونة المقام استمرارَ النفي؛ أو يكون المراد: ما كان لهم في علم الله تعالى ذلك، وهذا بعد تسليم لزومٍ كونِ المعنى ما ذكره لو أبقي الكلام على ظاهره. وقال ابن عطية: يتَّجه عندي أن يكون ((ما)) مفعولَ ((يختار)) إذا قدَّرنا ((كان)) تامةً، أي: إن الله تعالى يختار كلَّ كائنٍ ولا يكون شيءٌ إلا بإذنه، وقوله تعالى: (لَهُمُ الْخِيَرَةُ) جملةٌ مستأنفةٌ معناها تعديدُ النعمة عليهم في اختيار الله سبحانه لهم لو قبلوا وفهموا(٢). اهـ. يعني والله تعالى أعلم أنَّ المراد: خيرةُ الله تعالى لهم، أي: اختياره لمصلحتهم. وللفاضل سعدي جلبي نحوُ هذا، إلا أنه قال في قوله تعالى: (لَمُ الْخِيَرَةُ): إنه ٤ في معنى: أَلَهم الخيرة؟ بهمزةِ الاستفهام الإنكاريِّ، وذكر أنَّ هذا المعنى يناسبه ما بعدُ من قوله سبحانه: (سُبْحَانَ اللَّهِ) إلخ، فإنه إمَّا تعجيبٌ عن إثبات الاختيار لغيره تعالی، أو تنزيهٌ له عزَّ جلَّ عنه. ولا يخفى ضَعْفُ ما قالاه لِمَا فيه من مخالفة الظاهر من وجوه. ويظهر لي في الآية غيرُ ما ذُكر من الأوجُهِ، وهو أن يكون ((يختار)) معطوفاً على (يخلق)) والوقفُ عليه تاٌ كما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ، وهو من الاختيار بمعنى الانتقاء والاصطفاء، وكذا ((الخيرة)) بمعنى الاختيار بهذا المعنى، والفعل متعدٍّ حُذِفَ مفعولُه ثقةً بدلالةِ ما قبله عليه، أي: ويختار ما يشاء، وتقديم المسند إليه في كلِّ من جانبي المعطوفِ والمعطوفِ عليه لإفادة الحصر، وجملةُ ((ما كان لهم الخيرة)» مؤكّدةٌ لِمَا قبلها، حيث تكفَّل الحصرُ بإفادة النفي الذي تضمَّنته، والكلامُ مسوقٌ (١) في (م): من تعالى قوله، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ١٠٤، والكلام منه. (٢) المحرر الوجيز ٢٩٦/٤، والبحر ١٢٩/٧ - ١٣٠. الآية : ٦٨ ٢٣٩ سُورَةُ القَصَصِ التجهيل المشركين في اختيارهم ما أشركوه، واصطفائهم إياه للعبادة والشفاعة لهم يوم القيامة، كما يرمز إليه: ((ادعوا شركاءكم))، وللتعبير بـ ((ما)) وجهٌ ظاهر، والمعنى: وربُّك لا غيرُه يخلقُ ما يشاء خَلْقَه، وهو سبحانه دون غيره ينتقي ويصطفي ما يشاء انتقاءه واصطفاءه، فيصطفي مما يخلُقه شفعاءَ ويختارُهم للشفاعة، ويميِّز بعض مخلوقاته جلَّ جلالهُ على بعضٍ ويفضِّلُه عليه بما شاء، ما كان لهؤلاء المشركين أن ينتقوا ويصطفوا ما شاؤوا، ويميِّزوا بعضَ مخلوقاته تعالى على بعضٍ، ويجعلوه مقدَّماً عنده عزَّ وجلَّ على غيره؛ لأنَّ ذلك يستدعي القدرة الكاملة، وعدمَ كونِ فاعله محجوراً عليه أصلاً، وأنَّى لهم ذلك، فليس لهم إلا اتِّباعُ اصطفاءِ الله تعالى، وهو جلَّ وعلا لم يَصْطَفِ شركاءهم الذين اصْطَفَوْهم للعبادة والشفاعة على الوجه الذي اصْطفَوْهم عليه، فما هم إلَّا جهَّالٌ ضَّالٌ صُدُّوا عما يلزمُهم، وتصدَّوا لِمَا ليس لهم بحالٍ من الأحوال. وإن شئتَ فنزِّل الفعلَ منزلةً اللازم، وقل: المعنى: وربُّك لا غيرُه يخلق ما يشاء خَلْقَه وهو سبحانه لا غيرُه يفعل الاختيارَ والاصطفاءَ، فيصطفي بعضَ مخلوقاته لكذا وبعضاً آخر لكذا، ويميِّز بعضاً منها على بعضٍ، ويجعلُه مقدَّماً عنده تعالى عليه، فإنه سبحانه قادرٌ حكيم لا يُسأَلُ عمَّا يفعلُ، وهو جلَّ وعلا أعظمُ من أن يُعتَرض عليه وأجلُّ. ويدخل في الغير المنفيّ عنه ذلك المشركون، فليس لهم أن يفعلوا ذلك، فيصطفوا بعضَ مخلوقاته للشفاعة، ويختاروهم للعبادة، ويجعلوهم شركاء له عزّ وجلَّ، ويدخل في الاختيار المنفيِّ عنهم ما تضمَّنه قولُهم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فإنَّ فيه انتقاءَ غيره وَّر من الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفيِّ، وتمييزَه بأهلية تنزيل القرآن عليه، فإن صحَّ ما قيل في سبب نزول هذه الآية من أنه القولُ المذكور كان فيها ردُّ ذلك عليهم أيضاً، إلا أنها لتضمُّنها تجهيلَهم باختيارهم الشركاءَ واصطفائهم إياهم آلهةً وشُفَعاءَ كتضمُّنِها الردَّ المذكور جيء بها هنا متعلّقةً بذكر الشركاء وتقريع المشركين على شركهم. وربما يقال: إنها لمَّا تضمَّنت تجهيلهم فيما له نوعُ تعلُّقٍ به تعالى كاتِّخاذ الشركاء له سبحانه، وفيما له نوعُ تعلَّقِ بخاتم رسله عليه الصلاة والسلام كتمييزهم سُورَةُ القَصَصِ ٢٤٠ الآية : ٦٨ غيرَه عليه الصلاة والسلام بأهلية الإرسال إليه وتنزيلِ القرآن عليه، جيء بها بعد ذكر سؤال المشركين عن إشراكهم، وسؤالهم عن جوابهم للمرسَلين الناهين لهم عنه، الذين عَيْنُ أعيانهم وقلبُ صدر ديوانهم رسولُه الخاتم لهم وَلِّ، فلها تعلُّقٌ بكلا الأمرين، إلا أنَّ تعلَّقها بالأمر الأول أظهرُ وأتمُّ، وخاتمتُها تقتضيه على أكمل وجه وأحکم. وربما يقال أيضاً: إنَّ لها تعلُّقاً بجميع ما قبلها، أمَّا تعلُّقها بالأمرين المذكورين فكما سمعتَ، وأمَّا تعلُّقُها بذكر حالِ التائب فمن حيث إنَّ انتظامه في سلك المفلحين يستدعي اختيارَ اللهِ تعالى إياه واصطفاءَه له وتمييزَه على مَن عَدَاه، ولذا جيء بها بعد الأمور الثلاثة. وذكرُ انحصارِ الخلق فيه تعالى وتقديمُه على انحصار الاختيار والاصطفاءِ مع أنَّ مبنَى التجهيلِ والردِّ إنما هو الثاني؛ للإشارة إلى أنَّ انحصارَ الاختيار من توابع انحصار الخلق. وفي ذكره تعالى بعنوان الربوبية إشارةٌ إلى أنَّ خَلْقَه عزَّ وجلَّ ما شاء على وفق المصلحة والحكمة، وإضافةُ الربِّ إليه وَله لتشريفه عليه الصلاة والسلام، وهي في غاية الحسن إنْ صحَّ ما تقدَّم عن الوليد سبباً للنزول. ويخطر في الباب احتمالاتٌ أُخر في الآية، فتأمَّل فإِنِّي لا أقول: ما أبديتُه هو المختارُ، كيف وربُّك جلَّ شأنُه يخلق ما يشاء ويختار؟ ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ﴾ أي: تنزَّه تعالى بذاته تنزُّهاً خاصًّا به من أن ينازعه أحدٌ، أو يزاحمَ اختيارَه عزَّ شأنُه ﴿وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: عن إشراكهم، على أنَّ ((ما)) مصدريةٌ، ويحتمل أن تكون موصولةً بتقدير مضافٍ، أي: عن مشاركة ما یشرکونه به، کذا قيل. وجَعَل بعضهم ((سبحان الله)) تعجيباً من إشراكهم مَن يضرُّهم بمن يريد لهم كلَّ خيرٍ تبارك وتعالى، وهو على احتمالِ كونِ ((ما)) فيما تقدَّم موصولةً مفعولَ ((يختار))، والمعنى: ويختار ما كان لهم فيه الخير والصلاح. ويجوز أن يكون تعجيباً أيضاً من اختيارهم شركاءَهم الذين أعدُّوهم للشفاعة، وإقدامِهم على ما لم يكن لهم، وذلك بناء على ما ظهر لنا .