النص المفهرس

صفحات 141-160

الآية : ٢١
١٤١
سُورَةُ القَصَصِ
و(يسعى)) بمعنى: يسرع في المشي، وإنما أسرع لبُعْدِ محلِّه ومزيدِ اهتمامه
بإخبار موسى عليه السلام ونُصْحِه. وقيل: ((يسعى)) بمعنى: يقصدُ وَجْهَ الله تعالى
كما في قوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] وهو وإن كان مجازاً يجوزُ
الحملُ علیه لشهرته.
والظاهر أنَّ ((من أقصى)) صلةُ ((جاء))، وجملة ((يسعى)) صفة (رجل)). وجوِّز أن
يكون ((من أقصى)) في موضع الصفة لـ ((رجل))، وجملة ((يسعى)) صفة بعد صفةٍ.
وجوِّز أن تكون الجملة في موضع الحال من ((رجل))؛ أمَّا إذا جُعل الجارُّ
والمجرورُ في موضع الصفة منه فظاهرٌ؛ لأنه وإن كان نكرةً ملحقٌ بالمعارف،
فَيَسُوغُ أن يكون ذا حالٍ، وأما إذا كان متعلِّقاً بـ ((جاء)) فمنع ذلك الجمهورُ وأجازه
سيبويه (١). وجوِّز أن يعلّق الجارُّ والمجرورُ بـ (يسعى))، وهو كما ترى.
﴿قَالَ يَمُوسَىَّ إِنَا الْمَلَأَ﴾ وهم وجوهُ أهل دولةٍ فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي:
يتشاورون بسببك، وإنما سمِّي التشاورُ ائتماراً لأنَّ كلَّا من المتشاورين يأمر الآخَرَ
ويأتمر ﴿لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ﴾ من المدينة قبل أن يظفروا بك ﴿إِنِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
اللامُ للبيان كما في: سقياً لك، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أعني: أعني، ولم يجوِّز الجمهور
تعلُّقه بـ ((الناصحين)) لأنَّ (أل)) فيه اسمٌ موصول، ومعمولُ الصلة لا يتقدَّم
الموصولَ، ولا بمحذوفٍ مقدَّم يفسِّره المذكورُ؛ لأنَّ ما لا يعمل لا يفسِّر عاملاً.
وعند مَن جوَّز تقدُّمَ معمولِ الصلة إذا كان الموصول ((أل)) خاصةً لكونها على
صورة الحرف، أو إذا كان المتقدِّم ظرفاً للتوسُّع فيه، أو قال: إنَّ ((أل)) هنا حرفُ
تعريفٍ لإرادة الثبوت = يجوز أن يكون ((لك)) متعلِّقاً بـ ((الناصحين))، أو بمحذوفٍ
يفسِّره ذلك.
واستدلَّ القرطبيُّ(٢) وغيره بالآية على جواز النميمة لمصلحةٍ دينية.
﴿فَجَ مِنْهَا﴾ أي: من المدينة ممتثلاً ﴿خَاِفًا يَرَفَّبٌ﴾ لحوقَ الطالبين ﴿قَالَ رَبِّ نَجْنِى
مِنَ اُلْقَوْمِ الَّالِمِينَ
(١) سلف ص١٢٩ من هذا الجزء.
(٢) كما في الإكليل للسيوطي ص٢٠٣، ولم نقف عليه في تفسير القرطبي.

سُورَةُ القَصَصِ
١٤٢
الآية : ٢٢ - ٢٣
﴿وَلَّا تَوَجَّهَ﴾ أي: صَرَفَ وجهه ﴿تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: ما يقابل جانبها، و((تلقاء))
في الأصل مصدرٌ انتصب على الظرفية، و((مدين)) قريةٌ شعيب سُمِّيت باسم مدين بن
إبراهيم عليه السلام، ولم يكن في سلطان فرعون، ولذا توجَّه لقريته. وقيل: توجّه
إليها لمعرفته به. وقيل: لقرابته منه عليهما السلام، وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمان.
﴿قَالَ عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَءَ السَّبِيلِ ﴾ أي: وسط الطريق المؤدِّي إلى
النجاة، وإنما قال عليه السلام ذلك توكُّلاً على الله تعالى، وثقةً بحُسْنِ توفيقه عزَّ
وجلَّ، وكان عليه السلام لا يعرف الطرق، فعنَّ (١) ثلاثُ طرائقَ، فأخذ في الوُسْطَى
وأخذ طالبوه في الأُخريين وقالوا: المريبُ لا يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلكُ
إلا بُنَّاتِها، فبقي ثماني ليالٍ وهو حافٍ لا يَطْعَمُ إلَّا ورق الشجر.
وعن سعيد بن جبير: أنه عليه السلام لم يصل حتى سقط خفُّ قدميه.
وروي أنه عليه السلام أخذ يمشي من غير معرفةٍ، فهداه جبريلُ عليه السلام إلى
مذین.
وعن السدِّي أنه عليه السلام أخذ في بنيَّات الطريق، فجاءه ملكٌ على فرسٍ
بيده عنزةٌ فلمَّا رآه موسى عليه السلام سجد له، أي: خضع من الفَرَق، فقال:
لا تسجد لي ولکن اتبعني. فتبعه وانطلق حتی انتھی به إلی مدین.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ﴾ أي: وَصَلَ إليه، وَوَرَدَ الوُرودُ بمعنى الدخولِ وبمعنى
الشرب، وليس شيءٌ منهما مراداً. والمراد بماء مدين بئرٌ كانوا يسقون منها، فهو
مجازٌ من إطلاق الحالّ وإرادة المحلِّ.
﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أي: فوق شفيره ومستقاه ﴿ُمَّةُ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي: جماعةً كثيرةً
مختلفي الأصناف، ويُشعر بالقيد الأول التنوين، وبالثاني ((من الناس)) لشموله
للأصناف المختلفة، وهي فائدةُ ذِكْرِه.
وقيل: فائدتُه تحقيرُ أولئك الجماعةِ، وأنهم لئامٌ لا يُعرفون بغير جنسهم، أو
محتاجون إلى بيانِ أنهم من البشر.
﴿يَسْقُونَ﴾ الظاهر أنهم كانوا يسقون مواشيَ مختلفةَ الأنواع، بمعنى أنَّ منهم
(١) عَنَّ له كذا عَنَنًا: عَرَض واعترض. مختار الصحاح (عنن).

الآية : ٢٣
١٤٣
سُوَّةُ القَصَصِ
مَن كان يسقي إبلاً، ومنهم مَن كان يسقي غنماً، وهكذا، وتخصيصُ سَقْبِهِم بنوعٍ
يحتاج إلى توقيف.
﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: في مكانٍ أسفلَ من مكانهم. وقيل: مِن قُرْبهم، أو:
مِن سواهم، أو: مما يلي جهته إذا قدم عليهم، وإلى هذا الأخير ذهب ابنُ عطية
حيث قال: المعنى: ووجد من الجهة التي وصل إليها قَبْلَ أن يصل إلى الأمَّةُ(١).
﴿أَمْرَأَتَيْنِ﴾ اسم إحداهما قيل: ليّا، وقيل: عبرا، وقيل: شرفا، واسم الأخرى
قيل: صفوريا، وقيل: صفوراء، وقيل: صفيراء. وفي ((الكشاف)): صفيراء اسم
الصغرى، واسم الكبرى صفراء(٢).
﴿تَذُودَانِ﴾ كانتا تمنعان غنمهما عن الماء خوفاً من السُّقاة الأقوياء؛ قاله ابن
عباس وغيره. وقيل: تمنعان غنمهما عن التقدُّم إلى البئر لئلا تختلط بغيرها،
وحُكي ذلك عن الزجَّاج (٣). وقال قتادة: تمنعان الناس عن غنمهما. وقال
الفراء(٤): تحبسان غنمهما عن أن تتفرَّق. وفي جميع هذه الأقوال تصريحٌ بأنَّ
المَذُودَ كان غنماً، والظاهرُ أنَّ ذلك عن توقيفٍ.
وقيل: ((تذودان)) عن وجوههما نظر الناظرين لتستُّرهما. وهذا كما ترى.
﴿قَالَ مَا خَطِبُكُنَا﴾ أي: ما مخطوبُكما ومطلوبكما مما أنتما عليه من التأخّر
والذود، ولمَ لا تباشران السقي كغيركما؟ وأصلُ الخطب مصدرُ خَطَبَ بمعنى
طلب، ثم استُعمل بمعنى المفعول. وفي سؤاله عليه السلام إياهما دليلٌ على جواز
مكالمة الأجنبية فيما يعني.
وقرأ شمر: ((ما خِطْبُكما)) بكسر الخاء؛ قال في ((البحر)): أي: مَن زَوْجُكما؟ ولمَ
لا يسقي هو؟ وهذه قراءةٌ شاذةٌ نادرة(٥). اهـ. ولا يخفى ما فيه وإباءُ الجواب عنه.
(١) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤.
(٢) الكشاف ٣/ ١٧١ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٣٩/٤، وفيه: أي: تذودان غنمهما عن أن يقرب موضع الماء؛
لأنها يطردها عن الماء من هو على السقي أقوى منهما .
(٤) في معاني القرآن ٣٠٥/٢.
(٥) البحر ١١٣/٧.

سُوَرَةُ القَصَصِ
١٤٤
الآية : ٢٣
وقال بعضهم: الخِطبُ فيها بمعنى المخطوب والمطلوب كما في القراءة
المتواترة، ونظيره الحِبُّ بكسر الحاء المهملة بمعنى المحبوب.
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: عادتنا أنْ لا نسقيَ حتى يَصْرِفَ الرعاةُ
مواشِيَهم - بعد ريِّها - عن الماء عجزاً عن مُساجَلَتهم، لا أنَّا لا نسقي اليوم إلى تلك
الغاية .
وقرأ ابن مصرف: ((لا نُشْقي)) بضم النون من الإسقاء(١).
وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وقتادة، والعربيان: ابن عامر وأبو عمرو:
(يَصْدُرَ)) بفتح الياء وضمِّ الدال(٢)، أي: حتى يَصْدُرَ الرعاةُ بأغنامهم. وسأل
بعض الملوك عن الفرق بين القراءتين من حيث المعنى، فأجيب بأن قراءة
(يَصْدُرَ)) بفتح الياء تدلُّ على فَرْطِ حيائهما وتواريهما من الاختلاط بالأجانب،
وقراءة ((يُصْدِرَ)) بضمِّ الياء تدلُّ على إصدار الرعاة المواشي، ولم يُفهم منها
صدورُهم عن الماء.
وقرئ بزايٍ خالصةٍ (٣)، وبحرفٍ بين الصَّاد والزاي(٤).
وقرئ: ((الرُّعاء)) بضمِّ الراء(٥)، والمعروف في صيغ الجمع فِعَال بكَسْرِ الفاء
كما في قراءة الجمهور، وأمَّا فُعال بالضم فعَلَى خلافِ القياس؛ لأنه من أبنية
المصادر والمفردات كتُباح وصُراخ. واذا استُعمل في معنى الجمع كما في القراءة
الشاذة، فقيل: هو اسمُ جمعٍ لا جمعٌ، وقيل: إنه جمعٌ أصليٍّ، وقيل: إنه جمعٌ
ولكنَّ الأصل فيه الكسرُ، والضّمُّ فيه بدلٌ من الكسر كما أنه بدل من الفتح في نحو
سُكارى، والوارد منه في كلام العرب ألفاظٌ محصورةٌ ذكرها الخفاجيُّ في ((شرح
(١) الكشاف ٣/ ١٧٠، والبحر ١١٣/٧ .
(٢) التيسير ص١٧١، والنشر ٣٤١/٢ عن ابن عامر وأبي عمرو وأبي جعفر، والكلام من البحر
٧/ ١١٣.
(٣) الإملاء ٤ /١٤٧.
(٤) أي: بإشمام الصاد زاياً، وبه قرأ الأخوان وخلف ورويس، وقرأ غيرهم بالصاد الخالصة.
البدور الزاهرة ص ٢٤٠.
(٥) القراءات الشاذة ص ١١٢، والبحر ١١٣/٧.

الآية : ٢٣
١٤٥
سُورَةُ الْقَصَصِ
درة الغوَّاص))، والمشهورُ منها على ما قال ثمانيةٌ، وقد نَظَمها صَدْرُ
الأفاضل - لا الزمخشريُّ على الأصحِّ - بقوله:
هي جمعٌ وهي في الوزن فُعال
ما سمعنا كَلِماً غيرَ ثمان
وعُرامٌ وعُراقٌ ورُخَال
فرُبابٌ وفُرارٌ وتُوامٌ
جمع بسطِ هكذا فيما يقال(١)
وظؤارٌ جمع ظئرٍ وبساط
وذهب أبو حيان إلى أنَّ ((الرِّعاء)) في قراءة الجمهور ليس بقياس أيضاً؛ قال:
لأنه جمعُ راعٍ، وقياسُ ((فاعِلٍ)) الصفةِ التي للعاقل أن تُكسَّر على فُعَلَة كقاضٍ
وقُضاة، وما سوى جَمْعِه هذا فليس بقياس(٢) .
وقرأ عياش عن أبي عمرو: ((الرَّعاء)) بفتح الراء، وهو مصدر أُقيم مقام الصفة،
فاستوى لفظُ الواحد والجماعة فيه، وجوِّز أن يكون مما حذف منه المضاف(٣)،
أي: أهلُ الرعاء.
﴿وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرُ ﴾﴾ إبداءً منهما للعذر له عليه السلام في تولِّيهما للسقي
بأنفسهما، كأنهما قالتا: إنَّا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدرُ على مُساجَلةٍ
الرجال ومزاحمتِهم، وما لَنا رجلٌ يقومُ بذلك، وأبونا شيخٌ كبيرُ السِّن قد أضعفه
الكبر، فلا بدَّ لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناسُ أوطارهم من الماء.
وذكر بعضُهم أنه عليه السلام أخرج السؤال على ما يقتضيه كرمُه ورحمتُه
بالضعفاء، حيث سألهما عن مطلوبهما من التأّر والذودِ قصداً لأنْ يجاب بطلب
(١) جاء في هامش الأصل و(م): الرباب جمع رُبَّى: الشاة الحديثة العهد بالنتاج. والفُرار جمع
فَرير: ولد البقرة الوحشية. والتؤام جمع توأم: المولود مع قرينه. والعُرام بالعين والراء
المهملتين بمعنى العراق، وهو جمعُ عَرْقِ العَظْم: الذي عليه بقية لحم. والرُّخال جمع رِخلة
بالكسر وبهاء وككّتِف: الأنثى من أولاد الضأَن. والظّوار جمع ◌ِظِئْر: المُرضع. والبُساط
جمع بسط: الناقة التي تخلَّى مع ولدها. اهـ منه.
قلنا: وزاد ابن بري كما في اللسان (عرق): رُذال جمع رَذْل، ونُذال جمع نَذْل، وثُناء جمع
ثِنْي للشاة تلد في السنة مرتين، وُهار جمع ظَهْر للريش على السهم، وبُراء جمع بريءٌ،
وعَدَّ العُرام والعُراق واحداً، فصارت الجملة - كما قال - اثني عشر حرفاً.
(٢) البحر ١١٣/٧ .
(٣) المصدر السابق.
محم

سُورَةُ القَصَصِ
١٤٦
الآية : ٢٣
المعونة، إلا أنهما لجلالةِ قَدْرِهما حَمَلَتا قوله على ما يجاب عنه بالسبب وفي ضِمْنِهِ
طلبُ المعونة؛ لأنَّ إظهارهما العجزَ ليس إلا لذلك.
وقيل: ليس في الكلام ما يدلُّ على ضَعْفِهما، بل فيه أماراتٌ على
حيائهما وسترهما، ولو أرادتا إظهارَ العجز لقالتا: لا نقدِرُ على السقي، ومعنى
(وأبونا شيخ كبير)): أنَّا مع حيائنا إنما تصدَّينا لهذا الأمر لكبره وضعفه، وإلا كان
عليه أن يتولَّاه.
ولعل الأَوْلَى أن يقال: إنهما أرادتا إظهار العجز عن المساجلة؛ للضَّعْفِ،
ولِمَا جُبِلا عليه من الحياء، والكلامُ وإنْ لم يكن فيه ما يدلُّ على ضَعْفِهما فيه
ما یشیر إلیه لمن له قلبٌ.
ويُفهم من بيان معنى جوابهما المارِّ آنفاً أنَّ جملة ((أبونا شيخ كبير)) عطفٌ على
مقدَّرٍ، وجوِّز أن تكون حالاً، أي: نترك السقي حتى يصدر الرعاءُ والحالُ أبونا
شیخٌ کبیرٌ.
وأبوهما عند أكثر المفسرين شعيبٌ عليه السلام.
فإن قيل: كيف ساغ لنبيِّ الله تعالى أن يَرْضَى لابنتيه بسقي الغنم؟
فالجواب: أنَّ الأمر في نفسِه ليس بمحظورٍ، فالدِّين لا يأباه، وأمَّا المروءةٌ
فالناسُ مختلفون في ذلك، والعاداتُ متباينةٌ فيه، وأحوالُ العرب فيه خلافُ أحوال
العجم، ومذهبُ أهل البدو فيه غيرُ مذهبٍ أهل الحَضَر، خصوصاً إذا كانت الحالُ
حالَ ضرورةٍ(١).
وذهب جماعةٌ إلى أنه ليس بشعيبٍ عليه السلام، فأخرج سعيد بن منصور،
وابنُ أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي عبيدة أنه قال: كان صاحبُ
موسى عليه السلام أثرون ابن أخي شعيبٍ النبيِّ عليه السلام(٢). وحكى هذا القولَ
(١) الكشاف ١٧١/٣.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٦٦/٩، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٢٦/٥. وأخرجه أيضاً
الطبري ٢٢٣/١٨.

الآية : ٢٣
١٤٧
سُورَةُ القَصَصِ
عنه أبو حيان أيضاً، إلا أنه ذكر: هارون، بدل: أثرون. وحكاه أيضاً عن الحسن
إلَّا أنه ذكر بدله: مروان(١).
وحكى الطبرسيُّ عن وهبٍ وسعيد بن جبير نحوَ ما حكاه أبو حيان عن
أبي عبيدة(٢).
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنَّ أبا الامرأتين ابنُ أخي
شعيب، واسمُه: رعاويل، وقد أخبرني مَن أصدِّقُ أنَّ اسمه في الكتاب يثرون كاهن
مدین، والكاهن حبر(٣).
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: الذي استأجر موسى عليه السلام
يثرب صاحب مدين(٤). وجاء في روايةٍ أخرى عنه أن اسمه: يثرون، وهو موافقٌ
لِمَا نُقِلَ عن الكتاب من الاسم، ولم يذكر في هاتين الروايتين نسبتُه إلى شعيبٍ عليه
السلام، فيحتمل أنَّ المسمَّى بما فيها ابن أخيه، ويحتمل أنه رجلٌ أجنبيٌّ عنه، فقد
قيل: إنَّ أباهما ليس ذا قرابةٍ من شعيب عليه السلام، وإنما هو رجلٌ صالحٌ.
وحكى الطبرسيُّ عن بعضهم أنَّ يثرون اسم شعيب(٥). وقد أخبرني بعضُ أهل
الكتاب بذلك أيضاً، إلا أنه قال: هو عندنا يثرو، بدون نونٍ في آخره، والذي رأيتُه
أنا في الفصل الثاني من السفر الثاني من توراتهم ما ترجمتُه: ولمَّا سمع فرعون
بهذا الخبر - أي: خبر القتل - طلب أن يقتل موسى، فهرب موسى من بين يديه
وصار إلى بلدِ مدين، وجلس على بئرِ ماءٍ، وكان لإمام مدين سبعُ بناتٍ، فجاءت
ودلَّت وملأت الأحواض لسقي غنم أبيهنَّ، فلما جاء الرعاة فطردوهنَّ قام موسى
فأغاثهنَّ وسقى غنمهنَّ، فلمَّا جئن إلى رعوايل أبيهنَّ قال: ما بالُكنَّ أسرعتُنَّ
المجيءَ اليوم .. إلخ(٦).
(١) البحر ٧/ ١١٤.
(٢) مجمع البيان ٢٨٢/٢٠، وفيه: يثرون.
(٣) الدر المنثور ١٢٦/٥.
(٤) تفسير الطبري ٢٢٣/١٨، وفيه: يثرى.
(٥) مجمع البيان ٢٨٢/٢٠.
(٦) العهد القديم، سفر الخروج، ص ١٥٥، وفيه: رعوئيل، بدل: رعوايل.

سُورَةُ القَصَصِ
١٤٨
الآية : ٢٤
وفي أول الفصل الثالث منه ما ترجمته: وكان موسى يرعى غنم يثرو حَمِيهِ إمام
مدین .. إلخ(١). فلا تغفل.
وفي ((البحر)) عند الكلام في تفسير ((إنَّ أبي يدعوك)): قيل: كان عمَّها صاحب
الغنم وهو المزوِّج، عبّرت عنه بالأب إذ كان بمثابته (٢). والظاهر أنَّ هذا القائلَ
يقول: إنهما عَنَّا بالأب هنا العمّ.
وأنت تعلم أنَّ هذا وأمثالَه مما تقدَّم مما لا يقال من قِبَلِ الرأي، فالمدارُ في
قبول شيءٍ من ذلك خبرٌ يعوَّلُ عليه، والأخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب
مختلفةٌ، ولم يتميَّز عندنا ما هو الأرجحُ فيما بينها، وكأنِّي بك تعوِّلُ على المشهور
الذي عليه أكثرُ المفسرين، وهو أنَّ أباهما على الحقيقة شعيبٌ عليه السلام، إلى أن
يظهر لك ما يوجبُ العدول عنه.
والظاهرُ من قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أنه عليه السلام سارع إلى السقي
لهما رحمةً عليهما، ومنشأُ الترُم كونُهما على الذَّوْدِ، وكونُ الأمَّةِ من الناس على
السقي، ولهذا ذهب الشيخ عبد القاهر(٣) وصاحب ((الكشاف))(٤) إلى أنَّ حَذْفَ
المفعول في ((يسقون)) و((تذودان)) للقَصْدِ إلى نفس الفعل، وتنزيلِه منزلةَ اللازم،
أي: يَصْدُرُ منهم السقيُّ ومنهما الذود، وقالا(٥): إنَّ كونَ المَسْقيِّ والمَذودِ إِيلاً أو
غنماً خارجٌ عن المقصود، بل يُوهِمُ خلافَه؛ إذ لو قيل أو قدِّر: يسقون إيلهم،
وتذودان غنمهما، لتُوهِّم أنَّ الترحم عليهما ليس من جهةٍ أنهما على الذود والناس
على السقي، بل من جهةٍ أنَّ مَذُودَهما غنمٌ ومَسْقِيَّهم إبلٌ، بناءً على أنَّ محظّ الفائدة
في الكلام البليغ هو القيدُ الأخير.
وخالفهما في ذلك السكاكيُّ(٦)، فذهب إلى أنَّ حذف المفعول من ((يسقون))
(١) العهد القديم ص١٥٦، وفيه: يتْرو.
(٢) البحر ٧/ ١١٤ .
(٣) في دلائل الإعجاز ص١٦١-١٦٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٦٩.
(٤) في الكشاف ٣/ ١٧٠-١٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٦٩.
(٥) في (م): وقال.
(٦) في مفتاح العلوم ص٢٢٩، والكلام من حاشية الشهاب ٦٩/٧ .

الآية : ٢٤
١٤٩
سُؤَدَّةُ القَصَصِ
و((تذودان)) لمجرَّدِ الاختصار، والمراد: يسقون مواشيهم وتذودان غنمهما، وكذا
سائرُ الأفعال المذكورة في هذه الآية.
واختاره العلّامة الثاني فقال: إنَّ هذا أقربُ إلى التحقيق؛ لأنَّ الترخُّم لم يكن
من جهةٍ صدورِ الذود عنهما وصدورِ السقي من الناس، بل من جهة
ذودهما غنمهما، وسقي الناس مواشٍيَهم، حتى لو كانتا تذودان غير غنمهما بل
مواشيهم، وكان الناس يسقون غير مواشيهم بل غنمهما مثلاً، لم يصحَّ الترُم.
ووافقه في ذلك السيد السند، وقال في تحقيق المذهبين: إنَّ الشيخين (١) اعتبرا
المفعول الذي نزل الفعلان بالنسبة إليه هو الإبلُ والغنم مثلاً، أي: النوعين من
المواشي بدون الإضافة، كما يدلُّ عليه قولُهما: إنَّ كون المسقيّ والمذود إبلاً أو
غنماً .. إلخ، وكلٌّ منهما مقابلٌ للآخر في نفسه، وجعلا ما يضاف إليه كلٌّ في
القول أو التقدير المفروض خارجاً عن المفعول من حيث إنه مفعولٌ، غيرَ ملحوظ
معه، فالمفعولُ عندهما ليس إلا مطلقَ الإبل والغنم، فلو قدِّر المفعولُ لأدَّى إلى
فساد المعنى، فإنهما لو كانتا تذودان إبلاً لهما على سبيل الفرض لكان الترجُّم باقياً
بحاله؛ لأنه إنما كان لعدم قدرتهما على السقي، والسكاكيُّ نظر إلى أنَّ المفعول هو
الغنم المضافةُ إليهما والمواشي المضافةُ إليهم، وكلُّ واحدٍ منهما يقابل الآخر من
حيث إنه مضافٌ، فلو لم يقدَّر المفعول يَفْسُدُ المعنى، وهذا أدقُّ نظراً وأصحُ
معنی. انتهى.
وتعقّبه المولى عبد الحكيم السيالكوتيُّ بقوله: وفيه بحثٌ؛ لأن عدم التقدير إن
قُصِد به التعميمُ - أي: يسقون مواشِيَهم وغيرَ مواشيهم، وتذودان غَنَمَهما وغيرَ
غَنَمِهما - يلزم الفساد، أما إذا قُصِدَ به مجرَّد السقي والذود من غير ملاحظة التعلُّق
بالمفعول، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ ﴾ [الزمر: ٩]
فلا؛ لأنَّ كون طبيعة السقي والذود منشاً الترُم لا يقتضي أن يكون عند تعلُّقه
بمفعولٍ مخصوصٍٍ كذلك حتى يلزم أن يكون سقيُّ غيرِ مواشيهم وذودُ غير غنمِهم
محلًّا للترخُّم، فتدبر، فإنَّ منشأ ما ذكره السكاكيُّ عدمُ الفرق بين الإطلاق
والعموم. انتھی.
(١) يعني الشيخ عبد القاهر والزمخشري.

سُورَةُ القَصَصْ
١٥٠
الآية : ٢٤
ولا يخفى أنه ينبغي أن يضم إلى طبيعة السقي والذود بعض الحيثيات، كحيثيةٍ
تحقَّقِ طبيعة السقي من أقوياءَ متغلِّبين، وتحقُّق طبيعة الذود من امرأتين ضعيفتين
مستورتين، في موضعٍ هو مجتمعُ الناس للسقي، وإلا فالظاهرُ أنَّ مجرَّد طبيعة
السقي والذودِ لا تصلُحّ منشأً للترُم.
وقال بعض الأجلَّة(١): تركُ المفعول في (يسقون)) و((يذودان)) لأن الغرض هو
الفعلُ لا المفعولُ؛ إذ هو يكفي في البعث على سؤال موسى عيه السلام، وما زاد
على المقصود لكنةٌ وفضول، وأما البعثُ على المرحمة فليس هذا موضعُه، فإنَّ له
قولهما: ((لا نسقي حتى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبونا شيخٌ كبير)) ومَن لم يفرِّق بين البعثين
قال ما قال.
ورُدَّ بأنَّ منشأ السؤال هو المرحمةُ لحالهما كما صرَّحوا به، فسؤالُه عليه السلام
للتوسُّلِ إلى إعانتهما وبرِّهما لتفرُّس ضَعْفِهما وعَجْزِهما، ولولاه لم يكن للتكلّم مع
الأجنبية داعٍ، وقولُهما: ((لا نسقي)) إلخ باعثٌ لمزيد المرحمة؛ لقبولها للزيادة
والنقص.
وتعقِّب بأنه إنما يتمُّ لو سلِّم أنه عليه السلام تفرَّس ضَعْفَهما وعَجزهما لأمورٍ
شاهدها، وإلَّا فالذودُ لا يدلُّ على ذلك؛ إذ يتحقَّق للضعف ولغيره.
وقد نقل الخفاجيُّ كلامَ جمعٍ من الفضلاء في هذا المقام منه ما ذكرنا عن
بعض الأجلَّة، وردّه واعتَرض بما اعْتَرَضَ، ثم قال: وأمَّا ما اعتُرض به على
المرحمة فخيالٌ فاسدٌ(٢). ومحظُّ كلامه عليه الرحمة الانتصارُ لِمَا ذهب إليه
الشيخان، وقد انتصر لهما وقالَ بقولهما غيرُ واحد.
واعترض بعضهم على تقدير المفعول مضافاً بأنَّ الإضافة تُشْعِر بالملك،
ولا ملكَ لأحدٍ من الأمَّة والامرأتين، فإنَّ الظاهر في الأمة أنهم كانوا رعاءً،
والأغلبُ أنَّ الرِّعاء لا يملكون، والظاهرُ أنَّ ما في يد الامرأتين كان ملكاً لأبيهما.
ولا يخفى أنَّ هذا الاعتراض على طرف الثمام، والله تعالى أعلم.
(١) كما في حاشية الشهاب ٧/ ٦٩.
(٢) حاشية الشهاب ٧/ ٧٠.

الآية : ٢٤
١٥١
سُوَدَّةُ القَصَصِ
هذا والظاهرُ أنه عليه السلام سقى لهما من البئر التي عليها الناس، ويدلُّ عليه
ما روي أنه عليه السلام دفعهم عن الماء إلى أن سقى لهما. وكذا ما أخرجه ابن
أبي شيبة في ((المصنف))، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم
وصحَّحه عن عمر بن الخطاب وظُبه قال: إنَّ موسى عليه السلام لمَّا ورد ماء مدين
وجد عليه (١) أمةً من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيقُ
رفعَها إلَّا عشرةُ رجالٍ؛ فإذا هو بامرأتين قال: ما خطبكما؟ فحدَّثَتَاه، فأتى الصخرة
فرفعها وحده ثم استقى(٢)، فلم يستسق إلَّا دلواً واحداً حتى رَوِيَتِ الغنم (٣). لكنَّ
هذا مخالفٌ لِمَا يقتضيه ظاهر الآية من أنه عليه السلام حين ورد ماء مدين وجد
الأمَّة يسقون ووجد الامرأتين تذودان، وهذا ظاهرٌ في مقارنة وجدانهما لوجدانهم
وذودهما لسقيهم، ولا يكاد يُفهم منه أنَّ وجدانهما بعد فراغهم من السقي
كما يقتضيه الخبر، فلعل الخبر غير صحيح(٤)، وتصحيح الحاكم محکومٌ عليه بعدم
الاعتبار، وكأنَّ مَن يقول بصحته يمنع اقتضاءَ الآية كونَ وجدان الأمة يسقون
ووجدان الامرأتين تذودان في أول وقت الورود، فإنه يقال: لمَّا ورد رسول الله وَله
المدينةَ وجب الصيامُ ووجبت الزكاةُ مثلاً، مع أنَّ وجوب كلٍّ ليس في أول وقت
الورود، فيجوز أن يكون عليه السلام قد وجد أمةً يسقون أول وقت وروده، وبعد
أن فرغوا من السقي ووضعوا الصخرة على البئر وجد امرأتين تذودان
فخاطبهما بـ ((ما خطبكما))، فكان ما كان، ويُحمل ذودهما على منع غنمهما عن
التقدُّم إلى البئر لعلمهما أنها قد أُطبق عليها صخرةٌ لا يقدرون على رفعها، ويتكلَّف
في توجيه الجواب ما يتكلّف.
(١) في (م): عليها.
(٢) في (م): استسقى.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٥٣٠/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٦٦٤/٩، والمستدرك ٤٠٧/٢،
والكلام من الدر المنثور ١٢٤/٥-١٢٥. وهو عندهم مطولٌ، ولم ترد هذه القطعة من الخبر
في المستدرك.
(٤) بل إسناده صحيح، فقد أخرجه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن أبي حاتم، والحاكم من طريق
أحمد بن مهران الأصبهاني، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق
السبيعي، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عمر له، وهذا إسناد صحيح كما قال ابن
کثیر عند تفسير هذه الآية.

سُورَةُ القَصَصِ
١٥٢
الآية : ٢٤
أو يقول: الآيةُ على ظاهرها، ويسلِّم اقتضاءَه اتحادَ الوجدانين والذودِ والسقي
بالزمان، ويمنع أن يكون في الخبر ما ينافي ذلك؛ لجواز أن يكون المعنى: لمّا
ورد ماء مدين وجد عليه أمةً يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان، فلما فرغوا
أعادوا الصخرةَ فإذا بالامرأتين حاضرتان عنده بين يديه، فسألهما فحدَّثتاه .. إلخ،
فما بعد الفراغ من السقي ليس وجدانَ الامرأتين تذودان وإنما هو حضورُهما بين
يديه. والكلُّ كما ترى، وكأني بك تعتمد عدمَ صحة الخبر.
وقيل: إنه عليه السلام سقى لهما من بئرٍ أخرى، فقد أخرج عبد بن حميد وابن
المنذر(١) عن ابن عباس رّ في خبر طويل أنه عليه السلام لمَّا سأل الامرأتين
وأجابتا قال: فهل قربَكما ماء؟ قالتا: لا، إلا بئرٌ عليها صخرةٌ قد غطّت بها
لا يطيقُها نفر، قال: فانْطَلِقًا فأرِيَانيها. فانطلقتا(٢) معه، فقال بالصخرة بيده
فنَّّاها، ثم استقى لهما سَجْلاً واحداً فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها .
﴿ِثُمَّ تَوَلَّىَ إِلَى الظِّلِّ﴾ الذي كان هناك، وهو على ما روي عن ابن مسعود ظلُّ
شجرةٍ قيل: كانت سمرةً. وقيل: هو ظلُّ جدارٍ لا سقفَ له.
وقيل: إنه عليه السلام جعل ظهره يلي ما كان يلي وجهَه من الشمس، وهو
المراد بقوله تعالى: (ثُمَّ تَوََّ إِلَى آلِظِلّ). وهو كما ترى.
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ﴾ أي: لأيِّ شيءٍ تُنزله من خزائن كرمك إليَّ ﴿مِنْ
خَيْرٍ﴾ جلَّ أو قلَّ ﴿فَقِيرٌ ﴾ أي: محتاجٌ، وهو خبرُ ((إنَّ) وبه يتعلَّق ((لِمَا))،
ولِمَا أشرنا إليه من تضمُّنه معنى الاحتياج عدِّي باللام، وجوِّز أن يكون مضمَّناً معنى
الطلب، واللامُ للتقوية، وقيل: يجوز أن تكون للبيان فتتعلَّق بأعني محذوفاً.
و ((ما)) على جميع الأوجه نكرةٌ موصوفةٌ، والجملةُ بعدها صفتُها، والرابطُ
محذوفٌ، و((من خير)) بيانٌ لها، والتنوينُ فيه للشيوع.
والكلامُ تعريضٌ لِمَا يَطْعَمُه؛ لِمَا ناله من شدة الجوع، والتعبير بالماضي بدل
المضارع في ((أَنزلْتَ)) للاستعطاف، كالافتتاح بـ ((ربِّ))، وتأكيدُ الجملة للاعتناء.
(١) كما في الدر المنثور ١٢٤/٥، والكلام منه.
(٢) في الأصل و(م): فانطلقا، والمثبت من الدر المنثور.

الآية : ٢٤
١٥٣
سُورَةُ القَصَصِ
ويدلُّ على كون الكلام تعريضاً لذلك ما أخرجه ابن مردويه(١) عن أنس بن
مالك نظُّّه قال: قال رسول الله وَّ﴿ لمَّا سقى موسى عليه السلام للجاريتين ثم تولَّى
إلى الظلِّ فقال: ربِّ إنِّي لِما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير، [قال:] ((إنه يومئذٍ فقيرٌ إلى
کفّ من تمر)».
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر(٢) وابن أبي حاتم،
والضياء في ((المختارة)) عن ابن عباس قال: لقد قال موسى عليه السلام: ((ربِّ إِنِّي
لِمَا أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير» وهو أكرمُ خَلْقِه عليه، ولقد افتقر إلى شقِّ تمرةٍ، ولقد
لصق بطنُه بظهره من شدَّة الجوع(٣).
وفي روايةٍ أخرى عنه: إنه عليه السلام سأل فلقاً من الخبز يشدُّ بها صُلْبَه من
الجوع (٤).
وكان عليه السلام قد ورد ماء مدين وأنه كما رَوَى أحمدُ في ((الزهد)) وغيرُه عن
الحبر: ليتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال(٥).
وإلى كون الكلام تعريضاً لذلك ذهب مجاهدٌ وابن جبير وأكثر المفسرين. وكان
عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه يقول: والله ما سأل إلَّا خبزاً يأكله.
وجوِّز أن تكون اللام للتعليل و((ما)) موصولةً و ((من)) للبيان، والتنكيرُ في ((خير))
لإفادة النوع والتعظيم، وصلة ((فقير)) مقدَّرة، أي: إني فقيرٌ إلى الطعام - أو من
الدنيا - لأجل الذي أنزلته إليَّ من خير الدِّين وهو النجاةُ من الظالمين، فقد كان
عليه السلام عند فرعون في ملكٍ وثروةٍ، وليس الغرضُ عليه التعريضَ لِمَا يَطْعَمُه،
(١) كما في الدر المنثور ٥/ ١٢٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) قوله: ابن المنذر، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل والدر المنثور ١٢٥/٥، والكلام
منه .
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢١٦/١٣، والأحاديث المختارة ١٥٢/١٠، وهو في تفسير ابن
أبي حاتم بلفظ آخر، وسيرد قريباً .
(٤) أخرج هذه الرواية البيهقي في الزهد (٤٤٤).
(٥) لم نقف عليه عند أحمد، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٩٦١/٩، وعزاه لأحمد السيوطي في الدر
١٢٥/٥.

سُوَّةُ القَصَصِ
١٥٤
الآية : ٢٥
ولا التشكِّي والتضُجّر، بل إظهار التبجُّح والشكر على ذلك، ووجهُ التعبير بالماضي
عليه ظاهر.
وأنت تعلم أنَّ هذا خلافُ المأثور الذي عليه الجمهور، ومثله في ذلك ما روي
عن الحسن أنه عليه السلام سأل الزيادةَ في العلم والحكمة، ولا يخلو أيضاً عن
بُعْدٍ.
وجاء عن ابن عباس أنَّ الامرأتين سمعتا ما قال فرجعتا إلى أبيهما، فاستنكر
سرعةَ مجيئهما فسألهما فَأَخْبَرَتاه، فقال لإحداهما: انطلقي فادْعِيه ﴿لَءَتَّهُ إِحْدَهُمَا﴾
قيل: هي الكبرى منهما، وقيل: الصغرى. وكانتا - على ما في بعض
الروايات - توامتین وُلِدتْ إحداهما قبل الأخرى بنصف نهار.
وقرأ ابن محيصن: ((حداهما)) بحذف الهمزة تخفيفاً (١) على غير قياسٍ، مثل:
وَيْلمِّه، في: ويلُ أمِّه.
﴿َتَمْشِى﴾ حال من فاعلِ ((جاءت)).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ متعلِّقٌ بمحذوف هو حالٌ من ضمير (تَمْشِى)،
أي: جاءته ماشيةً كائنةً على استحياءٍ، فمعناه أنها كانت على استحياءٍ حالتي المشي
والمجيء معاً، لا عند المجيء فقط، وتنكيرُ ((استحياء)» للتفخيم، ومن هنا قيل:
جاءت متخفِّرةً، أي: شديدةَ الحياء. وأخرج سعيد بن منصور وابن جريرٍ وابن
أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب ظه أنه قال:
جاءت مستترةً بكمِّ دِرْعِها على وجهها(٢). وأخرجه ابن المنذر عن [ابن] أبي الهذيل
موقوفاً عليه(٣). وفي رَفْعِه إلى عمر روايةٌ أخرى صحَّحها الحاكم بلفظ: واضعةً
ثوبها على وجهها (٤) .
(١) المحتسب ١٥٠/٢، والبحر ١١٤/٧.
(٢) تفسير الطبري ٢١٨/١٨، والكلام من الدر المنثور ١٢٥/٥.
(٣) الدر المنثور ١٢٥/٥، وما بین حاصرتين منه.
(٤) قطعة من خبر طويل في المستدرك ٢/ ٤٠٧، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٥٣١/١١، وابن
أبي حاتم ٩/ ٢٩٦٥. وقد سلف قطعة منه قريباً، ووقع في المستدرك: يدها، بدل: ثوبها.

الآية : ٢٥
١٥٥
سُوَرَّةُ القَصَصِ
﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكايةِ مجيئها إياه عليه السلام، كأنه
قيل: فماذا قالت له عليه السلام؟ فقيل: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَخْرَ مَا
سَقَيْتَ لَنَأَ﴾ أي: جزاءَ سَقْبِكَ، على أنَّ ((ما)) مصدريةٌ، ولا يجوز أن تكون موصولةً
لأنَّ ما يستحقُّ عليه الأجرَ فعلُه لا ما سقاه؛ إذ هو الماءُ المباح.
وأَسْندتِ الدعوةَ إلى أبيها وعلَّلْها بالجزاء لئلا يُوهِمَ كلامُها ريبةً، وفيه من
الدلالة على كمال العقل والحياء والعقَّة ما لا يخفى.
وروي أنه عليه السلام أجابها، فقام معها فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي
الطريق، فإنِّي أكره أن تصيبَ الريحُ ثيابَكِ فَتَصِفَ لي جسدك. ففعلَتْ.
وفي رواية أنه قال لها: كوني ورائي فإنِّي رجلٌ لا أنظر إلى أدبارِ النساء،
ودُلِّيني على الطريق يميناً أو يساراً.
وروي عن ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم أنها مَشَتْ أولاً أمامه فألزقت
الريح ثوبَها بجسدها فوصفته، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق. ففعلت،
حتى أتيا دار شعيبٍ عليه السلام.
﴿فَلَمَّا جَاءَ هُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي: ما جرى عليه من الخبر المقصوص،
فإنه مصدرٌ سمي به المفعولُ كالعَلَل (١).
﴿قَالَ لَا تَّخَفٌّْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ اُلِّلِمِينَ ﴾﴾ يريد فرعونَ وقومَه، وقال ذلك
لِمَا أنه لا سلطان لفرعون بأرضه، ويحتمل أنه قاله عن إلهامٍ أو نحوه.
واختلف في الداعي له عليه السلام إلى الإجابة؛ فقيل: الذي يلوحُ من ظاهر
النظم الكريم أنَّ موسى عليه السلام إنما أجاب المستدعيةَ من غير تلعثُم ليتبرَّك
برؤية الشيخ ويستظهرَ برأيه، لا طمعاً بما صرَّحت به من الأجر، ألا ترى إلى
ما أخرج ابنُ عساكر عن أبي حازم قال: لمَّا دخل موسى على شعيب عليهما السلام
إذا هو بالعشاء، فقال له شعيبٌ: كُلْ. قال موسى: أعوذ بالله تعالى. قال: ولمَ،
أَسْتَ بجائعٍ؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لِمَا سقيتُ لهما، وأنا
(١) العَلَلَ مصدر علَّ، وهو يأتي بمعنى: الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعاً. القاموس
(علل).

سُوْدَةُ القَصَصِ
١٥٦
الآية : ٢٦
من أهل بيتٍ لا نبيعُ شيئاً من عمل الآخرة بملءٍ الأرض ذهباً. قال: لا والله،
ولكنها عادتي وعادةٌ آبائي، نَقْري الضيف ونُطعمِ الطعامَ. فجلس موسى عليه السلام
فأكل(١).
وقيل: الداعي له ما به من الحاجة، وليس بمستنكَرٍ منه عليه السلام أن يقبل
الأجر لإضرار الفقر والفاقة؛ فقد أخرج الإمام أحمد عن مطرِّف بن الشِّخِّير قال:
أَمَا والله لو كان عند نبيِّ الله تعالى شيءٌ ما تبع مَذْقَتَها، ولكنْ حَمَله على ذلك
الجهد(٢).
واستَدلَّ بعضهم على أنَّ ذهابه عليه السلام رغبة بالجزاء بما روي عن عطاء بن
السائب أنه عليه السلام رفع صوته بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
لُيُسْمِعَهما، ولذلك قيل له: ((ليجزيك)) .. إلخ.
وأجيب بأنه ليس بنصٍّ؛ لاحتمال أنه إنما فعله ليكون ذريعةً إلى استدعائه لا إلى
استيفاءِ الأجر.
ولا ضيرَ فيما أرى أن يكون عليه السلام قد ذهب رغبةً في سدِّ جوعته، وفي
الاستظهار برأي الشيخ ومعرفته، ولا أقول: إنَّ الرغبة في سدِّ الجوعة رغبةٌ في
استيفاء الأجر على عملِ الآخرة أو مستلزمةٌ لها. ودعوى أنَّ الذي يَلُوحُ من ظاهر
النظم الكريم أنه عليه السلام إنما أجاب للتبرُّك والاستظهار بالرأي لا تخلو عن
خفاء .
وعملُه عليه السلام بقول امرأةٍ لأنه من باب الرواية، ويُعمل بقول الواحدِ حرًّا
كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى، إذا كان كذلك، ومماشاتُه امرأةً أجنبيةً مما لا بأسِ
به في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورُّع.
﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا﴾ وهي التي استدعته إلى أبيها وهي التي زوَّجها من موسى
عليهما السلام: ﴿يَأَبَتِ اسْتَفْجِرَةٌ﴾ أي: لرعي الأغنام والقيامِ بأمرها. وأصلُ
الاستئجار كما قال الراغب: طلبُ الشيء بالأجرة، ثم عبِّر به عن تناوله بها، وهو
(١) تاريخ ابن عساكر ٧٨/٢٣، وأخرجه أيضاً الدارمي (٦٤٧).
(٢) الدر المنثور ١٢٥/٥، ولم نقف عليه عند أحمد.

الآية : ٢٦
١٥٧
سُورَةُ القَصَصِ
(١)
٢٦
المراد هنا، وكذا في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَتْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
وهو تعليلٌ جارٍ مجرى الدليلِ على أنه عليه السلام حقيقٌ بالاستئجار المفهوم من
طلب استئجاره. وبعضُهم رتَّب من الآية قياساً من الشكل الأول هكذا: هو قويٌّ
أمينٌ، وكلُّ قويٌّ أمينٍ لائقٌ بالاستئجار، ينتج: هو لائقٌ بالاستئجار، وهو المذَّعَى
المفهومُ من الطلب.
وتعقّب بأنَّ هذا ظاهرٌ لو كان ((خير)) خبراً، وليس هو كذلك.
وأجيب بأنَّ المعنى على ذلك، إلا أنه جُعِلَ اسماً للاهتمام بأمر الخيرية؛ لأنها
أمُّ الكمال المبنيُّ عليها غيرها .
وفي ((الكشاف)): فإن قيل: كيف جُعِلَ ((خيرَ مَن استأجَرْتَ)) اسماً لـ ((إنَّ)
و ((القويُّ الأمين)) خبراً؟ قلت: هو مثل قوله:
ألا إنَّ خير الناس حيًّا وهالكاً أسيرُ ثقيفٍ عندهم في السلاسل
في أنَّ العناية هي سببُ التقديم، وقد صَدَقتْ حتى جُعِلَ لها ما هو أحقُّ أن
يكون خبراً اسماً (٢).
وأراد بذلك على ما قيل: أحقيةَ كون ((خير)) خبراً من حيث الصناعةُ، ووجّه
بأنَّ ((خيراً) مضافٌ إلى ((مَن)) وهي نكرةٌ، فكذا هو، والإخبارُ عن النكرة بالمعرفة
خلافُ الظاهر، وإن جوَّزوه في اسمي التفضيل والاستفهام. ولو جُعلت موصولةً
فإضافةُ أفعل التفضيل لفظيةٌ لا تفيدُ تعريفاً كما هو أحدُ قولين للنحاة فيها، وعلى
القول بإفادتها التعريف يقال: المعرَّفُ باللام أعرفُ من الموصول وما أضيف
إليه .
وتعقِّب بأنَّ تعريف ((القويّ الأمين)) للجنس، وما فيه تعريفُ الجنس قد يُنزَّلُ
منزلةَ النكرة.
وأجيب بأنَّ الموصول إذا أريد به الجنسُ كذلك، وهنا تصحُّ هذه الإرادة ليجيء
(١) مفردات الراغب (أجر).
(٢) الكشاف ١٧٢/٣، والبيت لأبي الشَّغب العبسي، قاله في خالد بن عبد الله القسري، وكان
سجيناً عند يوسف بن عمر الثقفي والي العراق. شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٢/ ٩٢٧.

سُورَةُ القَصَصِ
١٥٨
الآية : ٢٦
التعدُّد الذي يقتضيه ((خير))، وحيث كان المضافُ إلى شيءٍ دونه يكون («القويُّ
الأمين)) أحقَّ بالاسمية و((خير)) أحق بالخبرية، وإذا قلتَ بأنَّ أحقِّية الخبرية لأنَّ سَوْقَ
التعليل يقتضيها إلا أنه عُدِل إلى الاسمية للاهتمام، خلصتَ من كثيرٍ من
المناقشات.
وقال لي الشيخ خليل أفندي الآمدي یوم اجتمعتُ به وأنا شابٌّ عند وروده إلى
بغداد، فجرى بحثٌ في هذه الآية الكريمة: إنَّ القياسَ المأخوذ منها من الشكل
الثاني هكذا: موسى القويُّ الأمين، وخيرُ مَن استأجرتَ القويُّ الأمين، ينتج:
موسی خیرُ مَن استاجَرْتَ.
فقلت: أظهرُ ما يَرِدُ على هذا أنَّ شرط إنتاج الشكل الثاني بحسب الكيفية
اختلافُ مقدِّمتيه بالإيجاب والسلب، بأنْ تكون إحداهما موجبةً والأخرى سالبةً،
وهو منتفٍ فيما ذَكَرْتَ. فسكت وأعرض عن البحث حَذَراً من الفضيحة.
وأنت تعلم أنَّ أدلة القرآن لا يلزمُ فيها الترتيب الذي وضعه المنطقيون، فذلك
صناعةٌ أغنى الله تعالى العرب عنها .
وما ذُكر من أنَّ جَعْلَ ((خير)) اسماً للاهتمام هو ما اختاره غيرُ واحد، وجوَّز
الطيبيُّ أن يكون تقديمه وجَعْلُه اسماً من باب القَلْبِ للمبالغة.
والظاهرُ أنَّ ((أل)) في ((القوي الأمين)) للجنس، فيندرجُ موسى عليه السلام،
وهو وجهُ الاستدلال، وذِكْرُ الاستئجار بلفظ الماضي مع أنَّ الظاهر ذِكْرُه بلفظ
المضارع للدلالة على أنه أمرٌ قد جُرِّبَ وعُرف. وجوَّز الطيبيُّ أن يكون المراد
بالقويِّ الأمين موسى عليه السلام، فكأنها قالت: إنَّ خیر مَن استأجرتَ موسى،
والأولُ أولى.
ثم إنَّ كلامها هذا كلامٌ حكيمٌ جامعٌ لا يزاد عليه؛ لأنه إذا اجتمعت
الخصلتان - أعني الكفايةَ والأمانةَ في القائم بأمرك - فقد فرغ بالُك وتمَّ مرادُك. وقد
استَغْنَتْ بإرسال هذا الكلام الذي سياقُه سياقُ المَثَلِ والحكمة أن تقول: استَأْجِرْه
القوَّته وأمانته، ولَعَمْري إنَّ مثل هذا المدح من المرأة للرجل أجملُ من المدح
الخاصِّ وأبقى للحشمة، وخصوصاً إن كانت فهمتْ أنَّ غرض أبيها أن يزوِّجها منه.

الآية : ٢٧
١٥٩
سُوَّةُ القَصَصِ
ومعرفتُها قوَّتَه عليه السلام لِمَا رأت مِن دَفْعِه الناسَ عن الماء وحده حتى سقی
لهما، ومعرفتُها أمانتَه من عدم تعرُّضِه لها بقبيحِ مّا مع وَحْدَتِها وضَعْفِها.
وروي أنها لمَّا قالت ما قالت قال لها أبوها: ما أَعْلَمكِ بقوَّته؟ فذكرت له أنه
عليه السلام أقلَّ صخرةً على البئر لا يُقِلُّها كذا وكذا. وقد مرَّ في حديثٍ عمر رظُه
أنه لا يُطيق رَفْعَها إلا عشرةُ رجالٍ (١). والنقل في عدد مَن يقلُّها مضطربٌ، فأقلُّ
ما قالوا فيه سبعةٌ، وأكثرُه مئة، وقد مرَّ ما يُعْلَم منه حالُ الخبر في أصل الإقلال.
وذَكَرتْ أنه نزع وحده بدلوٍ لا ينزعُ بها إلا أربعون.
وقال: ما أَعْلَمكِ بأمانته؟ فذكرت ما كان من أمره إياها بالمشي وراءه، وأنه
صوب رأسه حتى بلغته الرسالة.
وقدَّمتْ وصفَ القوةِ مع أنَّ أمانة الأجير لحفظ المال أهمُّ في نظر المستأجر
لتقدُّم عِلْمِها بقوَّته عليه السلام على علمها بأمانته، أو ليكون ذكرُ وصفِ الأمانة
بعده من باب الترقِّي من المهمِّ إلى الأهم.
واستُدِلَّ بقولها: ((استأجره)) على مشروعية الإجارة عندهم، وكذا كانت في كلِّ
مَّةٍ، وهي من ضروريات الناس ومصلحةِ الخِلْطةِ، خلافاً لابن عُليَّة والأصمِّ حيث
كانا لا يُجيزانها، وهذا مما انعقد عليه الإجماعُ، وخلافُهما خَرْقٌ له(٢)، فلا يُلْتَفَتُ
إليه .
وهذا لَعَمْري غريبٌ منهما إن كانا لا يجيزان الإجارة مطلقاً، ورأيتُ في
(الإكليل)) أنَّ في قوله تعالى: (أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَنَّ هَتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِ) إلخ
ردًّا على مَن مَنَعَ الإجارة المتعلّقةَ بالحيوان عَشْرَ سنين لأنه يتغيّر غالباً(٣)، فلعل
الإجارة التي لا يُجيزانها نحوُ هذه الإجارة، والأمرُ في ذلك أهونُ من عدم إجازة
الإجارة مطلقاً كما لا يخفى.
﴿قَالَ إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَتَيْنِ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فما قال
(١) سلف ص١٥١ من هذا الجزء.
(٢) البحر ٧ /١١٥ .
(٣) الإكليل للسيوطي ص ٢٠٤، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٦٧.

سُوَدَةُ القَصَصِ
١٦٠
الآية : ٢٧
أبوها بعد أن سمع كلامها؟ فقيل: ((قال إنِّي)). وفي تأكيد الجملة إظهارٌ لمزيد
الرغبة فيما تضمَّنته الجملة.
وفي قوله: ((هاتين)) إيماءٌ إلى أنه كانت له بناتٌ أُخَرُ غيرهما، وقد أخرج ابن
المنذر(١) عن مجاهدٍ أنَّ لهما أربعَ أخواتٍ صغار. وقال البقاعيُّ: إنَّ له سبعَ بناتٍ
كما في التوراة (٢)، وقد قدَّمنا نَقْلَ ذلك(٣). وفي ((الكشاف)): فيه دليل على ذلك(٤).
واعتُّرِضَ بأنه لا دلالةَ فيه على ما ذكر؛ إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدمُ
علم المخاطب بأنه ما كانت له غيرهما .
وتعقِّب بأنه على هذا تكفي الإضافةُ العهديةُ ولا يحتاج إلى الإشارة، فهذا
يقتضي أن يكون للمخاطب علمٌ بغيرهما معهودٌ عنده أيضاً، وإنما الإشارةُ لدفع
إرادةٍ غيرهما من ابنتيه الأُخريين المعلومتين له من بينهنَّ؛ ونِعْمَ ما قال الخفاجي:
لا وَجْه للمشاخَّةِ في ذلك، فإنَّ مثله زهرةٌ لا يَحْتَمِلُ الفَرْكِ(٥).
وقرأ ورش وأحمد بن موسى عن أبي عمرو: ((أُنْكِحَكَ حْدَى)) بحذفٍ
الهمزة(٦).
وقولُه تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِ﴾ في موضع الحال من مفعولِ (أُنْكِحَكَ))، أي:
مشروطاً عليك، أو واجباً، أو نحو ذلك. ويجوز أن يكون حالاً من فاعله؛ قاله
أبو البقاء(٧) .
و((تأجرني)) من أَجَرْتُه: كنتُ له أجيراً، كقولك: أَبَوْتُه: كنتُ له أباً، وهو بهذا
المعنى يتعدَّى إلى مفعولٍ واحد، وقولُه تعالى: ﴿ثَمَنِىَ حِجَجٌ﴾ ظرفٌ له.
ويجوز أن يكون ((تأجرني)) بمعنى تُثيبني، من أَجَره الله تعالى على ما فعل،
(١) كما في الدر المنثور ١٢٥/٥.
(٢) نظم الدرر ٢٧٦/١٤، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٧١.
(٣) ص١٤٧ من هذا الجزء.
(٤) أي: فيه دليل على أنه كان له غيرهما. الكشاف ٣/ ١٧٢ .
(٥) حاشية الشهاب ٧/ ٧١.
(٦) البحر ٧/ ١١٥ .
(٧) في الإملاء ١٤٨/٤-١٤٩ .