النص المفهرس

صفحات 121-140

الآية : ١٠
١٢١
سُورَةُ القَصَصِ
والإبداء: إظهارُ الشيء، وتعديتُه بالباء لتضمينه معنى التصريح.
وقيل: المفعولُ محذوفٌ والباءُ سببيةُ، أي: تُبدي حقيقةَ الحال بسببه، أي:
بسبب ما عراها من فراقه. وقيل: هي صلة، أي: تُبديه. وكِلَا القولين كما ترى.
والظاهر أنَّ الضمير المجرور لموسى عليه السلام، والمعنى أنها كادت تصرِّحُ
به عليه السلام وتقول: واابناه، من شدة الغمِّ والوَجْدِ. رواه الجماعة عن ابن
عباس(١)، وروي ذلك أيضاً عن قتادة والسدِّي.
وعن مقاتل: أنها كادت تصيحُ: والبناه، عند رؤيتها تلاظُمَ الأمواج به شفقةً
عليه من الغرق.
وقيل: المعنى: أنها كادت تُظْهِرُ أمره من شدة الفرح بنجاته وتبنّي فرعونَ إياه.
وقيل: الضمير للوحي، [أي](٢) أنها كادت تُظْهِر الوحي، وهو الوحيُّ الذي
كان في شأنه عليه السلام المذكورُ في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِ مُوسَى أَنْ أَرْضِيَةِ)
الآيةَ، وهو خلافُ الظاهر، ولا تساعد عليه الروايات.
﴿لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: بما أنزلنا عليه من السكينة، والمراد: لولا أن
ثَّتنا قلبها وصبَّرناها، فالربطُ على القلب مجازٌ عن ذلك. وجواب ((لولا)) محذوفٌ
دلَّ عليه ((إن كادت لتبدي به)) أي: لولا أن ربطنا على قلبها لأبدَتْه؛ وقيل: لكادت
تبدي به.
وقولُه تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ ﴾﴾ علةٌ للربط على القلب، والإيمان
بمعنى التصديق، أي: صَبَّرناها وثبّتنا قلبها لتكون راسخةً في التصديق بوَعْدِنا بأنَّا
رادُّوه إليها وجاعلوه من المرسلين.
ومَن جَعَلَ الفراغ من الهمِّ والحزن، وكَيْدودةَ الإبداء من الفرح بتبنِّيه عليه
السلام الذي هو فرحٌ مذمومٌ، جَعَلَ الإيمان بمعنى الوثوق، كما في قولهم على
(١) أخرجه الطبري ١٧١/١٨، وابن أبي خاتم ٢٩٤٧/٩، والحاكم ٤٠٦/٢، وهو قطعة من
خبر ابن عباس السالف ص١١٩ .
(٢) زيادة يقضيها السياق، وينظر البحر ١٠٧/٧.

سُوَدَّةُ القَصَصِ
١٢٢
الآية : ١١
ما حكى أبو زيد: ما آمنتُ أنْ أجدَ صحابة، أي: ما وثقتُ(١)، وحقيقته: صرتُ ذا
أمنٍ، أي: ذا سكونٍ وطمأنينة. وقال: المعنى: لولا أن ربطنا على قلبها وسكَّنَّا
قلقه الكائنَ من الابتهاج الفاسدٍ لتكون من الواثقين بوعد الله تعالى المبتهجين
بما يحقُّ الابتهاج به.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ مريم، وقيل: كلثمة، وقيل: كلثوم. والتعبير عنها بأخرَّته
دون أن يقال: لبنتها؛ للتصريح بمدار المحبة الموجبة للامتثال بالأمر.
﴿قُضِيدٌ﴾ أي: اتَّبعي أثره وتتَبَّعي خبره، والظاهر أن هذا القول وقع منها بعد
أن أصبح فؤادُها فارغاً، فإنْ كانت لم تعرف مكانه إذ ذاك فظاهرٌ، وإن كانت قد
عرفته فتبُّعُ الخبر ليُعْرَفَ هل قتلوه أم لا، ولينكشف ما هو عليه من الحال.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: أبصرته، والفاءُ فصيحةٌ، أي: فقصَّتْ أثره فبصُرَتْ. وقرأ
قتادة: ((فبصَرتْ)) بفتح الصاد، وعيسى بكسرها(٢).
﴿عَنْ جُبٍ﴾ أي: عن بُعْدٍ.
وقيل: أي: عن شوقٍ إليه؛ حكاه أبو عمرو بن العلاء (٣)، وقال: هي لغةُ
جذام؛ يقولون: جنبتُ إليك، أي: اشتقتُ.
وقال الكرمانيُّ: ((جنب)» صفةٌ لموصوفٍ محذوف، أي: عن مكانٍ جنبٍ، أي:
بعيد، وكأنه من الأضداد؛ فإنه يكون بمعنى القريب أيضاً كالجار الجنُبِ.
وقيل: أي: عن جانب؛ لأنها كانت تمشي على الشطّ.
وقيل: النظر عن جُنُبٍ أن تنظر إلى الشيءِ كأنك لا تريده.
وقرأ قتادة والحسن وزيد بن عليٍّ رَُّه والأعرجُ: ((عن جَنْب)) بفتح الجيم
وسكون النون. وعن قتادة أنه قرأ بفتحهما أيضاً. وعن الحسن أنه قرأ بضم الجيم
(١) النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري ص ١٩٣ .
(٢) القراءتان في البحر ٧/ ١٠٧، والثانية في القراءات الشاذة ص١١٢ .
(٣) كما في معاني القرآن للنحاس ١٦٢/٥، والنكت والعيون ٢٣٩/٤، والبحر ١٠٧/٧،
والكلام منه .

الآية : ١٢
١٢٣
سُورَةُ القَصَصِ
وإسكان النون. وقرأ النعمان بن سالم: ((عن جانب))(١) والكلُّ - على ما قيل - بمعنى
واحد؛ وفي ((البحر)): الجنب والجانب والجنابةُ والجنابُ بمعنى(٢).
﴿َهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ أنها تقصُّه وتتعرَّفُ حالَه، أو أنها أخته.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي: منعناه ذلك، فالتحريمُ مجازٌ عن المنع فإنَّ مَن
حَرُمَ عليه شيءٌ فقد مُنِعَه، ولا يصحُّ إرادة التحريم الشرعيِّ؛ لأن الصبيَّ ليس من
أهل التكليف، ولا دليل على الخصوصية.
والمراضع جمعُ مُرْضِع بضم الميم وكسر الضاد، وهي المرأة التي تُرضِعُ،
وترك التاء إمَّا لاختصاصه بالنساء، أو لأنه بمعنى شخص مرضعٍ. أو جمع مَرْضَع
بفتح الميم على أنه مصدرٌ ميميٍّ بمعنى الرضاع، وجُمع لتعدُّد مرَّاته، أو اسمُ
مكانٍ، أي: موضع الرضاع وهو الثدي.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ قصِّها أو إبصارها، أو وروده على مَن هو عنده، أو
من قبل ذلك، أي: من أول أمره، وظاهرُ صنيع أبي حيان اختيارُه(٣).
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَوْلُّكُ﴾ أي: هل تريدون أن أدلَّكم ﴿عَلَىَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ، لَكُمْ﴾
أي: يضمنونه ويقومون بتربيته لأَجْلِكم، والفاءُ فصيحةٌ، أي: فدَخَلتْ عليهم
فقالت، وقولها: ((على أهل بيتٍ)) دون: امرأة، إشارةٌ إلى أنَّ المراد: امرأة من أهل
الشرف تليقُ بخدمة الملوك.
﴿وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ ﴾﴾ لا يقصِّرون في خدمته وتربيته. وروي أنَّ هامان لمَّا
سمع هذا منها قال: إنها لتَعرفُه وأهله فخُذوها حتى تخبر بحاله. فقالت:
إنما أردتُ: وهم للمَلِكِ ناصحون. فخلصتْ بذلك من الشرِّ الذي يجوز لمثله
الكذب، وأحسنَتْ وليس بيدعِ لأنها من بيت النبوَّة فحقيقٌ بها ذلك.
واحتمالُ الضمير لأمرين مما لا تختصُّ به اللغة العربية، بل يكون في جميع
(١) ذكر هذه القراءات أبو حيان في البحر ٧/ ١٠٧، وعنه نقل المصنف، والقراءتان الأولى
والأخيرة في القراءات الشاذة ص١١٢، والمحتسب ١٤٩/٢ .
(٢) البحر ٧/ ١٠٧ .
(٣) البحر ١٠٨/٧.

سُورَةُ القَصَصِ
١٢٤
الآية : ١٣
اللغات، على أنَّ الفراعنة من بقايا العمالقة وكانوا يتكلَّمون بالعربية، فلعلها كلَّمت
بلسانهم، ويسمَّى هذا الأسلوب من الكلام الموجَّه. ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ الفاء
فصيحةٌ، أي: فقبلوا ذلك منها ودلَّتهم على أمِّه وكلَّموها في إرضاعه فقبلت فردَدْناه
إليها، أو يقدَّر نحو ذلك.
وروي أنَّ أخته لمَّا قالت ما قالت أمرها فرعونُ بأن تأتي بمن يكفلُه، فأتت بأمِّه
وموسى عليه السلام على يد فرعون يبكي وهو يعلِّله، فدفعه إليها فلمَّا وجد ريحها
استأنس والتقم ثديها، فقال: مَن أنت منه فقد أبى كلَّ ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني
امرأةٌ طيبة الريح طيبةُ اللبن لا أوتَى بصبيٍّ إلا قَبِلَني. فقرَّره في يدها، فرجعت به
إلى بيتها من يومها، وأَمر أن يُجرَى عليها النفقةُ، وليس أخذُها ذلك من أخذ
الأجرة على إرضاعها إياه، ولو سلِّم فلا نسلِّم أنه كان حراماً فيما تدينُ. وكانت
النفقةُ على ما في ((البحر)) ديناراً في كلِّ يوم(١).
﴿كَيْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بوصول ولدها إليها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ لفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَ
وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: جميعَ ما وعده سبحانه من ردِّه وجَعْلِه من المرسلين ﴿حَقٌ﴾
لا خُلْفَ فيه، بمشاهدةِ بعضه وقياسِ بعضه عليه، وإلا فعلمُها بحقِّية ذلك بالوحي
حاصلٌ قبلُ. واستدل أبو حيان بالآية على ضَعْفٍ قول مَن ذهب إلى أنَّ الإيحاء
كان إلهاماً أو مناماً؛ لأنَّ ذلك يَبْعُد أن يقال فيه وعد(٢). وفيه نظر.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: لا يعرفون وَعْدَه تعالى ولا حقِّته،
أو: لا يجزمون بما وَعَدهم جلَّ وعلا؛ لتَجْويزِهم تخلَّفَه، وهو سبحانه لا يُخْلِفُ
الميعاد.
وقيل: لا يعلمون أنَّ الغرض الأصليَّ من الردِّ عليها علمُها بذلك، وما سواه
من قرة عينها وذهابٍ حزنها تبعٌ. وفيه أنَّ الذي يفيده الكلام إنما هو كونُ كلٍّ من
قرة العين والعلم كالغرض أو غرضاً مستقلًّا، وأما تبعيةُ غير العلم له لا سيما مع
تقدُّم الغير فلا، وكونُ المفيد لذلك حذفَ حرفِ العَّة من الأول لا يخفى حالُه.
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.

الآية : ١٤
١٢٥
سُورَةُ القَصَصِ
وفي قوله تعالى: ((ولكن أكثرهم))(١) إلخ قيل: تعريضٌ بما فرط من أمه حين
سمعتْ بوقوعه في يد فرعون من الخوف والحيرة. وأنت تعلم أنَّ ما عَرَاها كان من
مقتضيات الجِبِلَّة البشرية، وهو يجامعُ العلم بعدم وقوع ما يخاف منه، ونفي العلم
في مثل ذلك إنما يكون بضَرْبٍ من التأويل كما لا يخفى. ثم إنَّ الاستدراك على
ما أختاره مما وقع بعد العلم، وجوِّز أن يكون من نفس العلم، وذلك إذا كان
المعنى: لا يعلمون أنَّ الغرض الأصليَّ من الردِّ عليها علمُها بحقِّية وعد الله تعالى.
فتأمل.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: المبلغَ الذي لا يزيدُ عليه نشؤه، وقولُه تعالى:
﴿وَأَسْتَوَىّ﴾ - أي: كمل وتمّ - تأكيدٌ وتفسيرٌ لما قبله، كذا قيل.
واختُلفَ في زمان بلوغ الأشُدِّ والاستواء، فأخرج ابن أبي الدنيا(٢) من طريق
الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: الأشدُّ ما بين الثماني عشرةً إلى
الثلاثين، والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في
النقصان .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: الأشدُّ
ثلاثٌ وثلاثون سنةً، والاستواء أربعون سنة (٣)، وهي روايةٌ عن ابن عباس أيضاً (٤)،
وروي نحوُه عن قتادة.
وقال الزجَّاج مرةً: بلوغ الأشدِّ من نحو سبعَ عَشْرةَ سنةً إلى الأربعين(٥)،
وأخرى: هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين(٦). واختاره بعضهم هنا، وعلِّل بأنَّ ذلك
لموافقته لقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً﴾ [الأحقاف: ١٥] لأنه يُشْعِرُ
(١) في الأصل و(م): ولكن أكثر الناس. وهو سبق قلم.
(٢) في كتاب المعمرين كما في الدر المنثور ١٢٢/٥.
(٣) الدر المنثور ١٢٢/٥، وأخرجه أيضاً الطبري ١٨١/١٨ .
(٤) أخرجها من طريق مجاهد عن ابن عباس الطبري ١٨١/١٨، وابن أبي حاتم ٢١١٨/٧
و٩ / ٢٩٥١.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٩٩/٣.
(٦) معاني القرآن للزجاج ١٣٥/٤، وفيه: قيل: الأشد بضع وثلاثون سنة. وهو ما بين ثلاث
وثلاثين إلى تسع وثلاثين.

سُوَّةُ القَصَصِ
١٢٦
الآية : ١٤
بأنه منتهٍ إلى الأربعين، وهي سنُّ الوقوف فينبغي أن يكون مبدؤه مبدأه، ولا يخلو
عن شيءٍ.
والحقُّ أنَّ بلوغ الأشدِّ في الأصل هو الانتهاءُ إلى حدِّ القوة، وذلك وقتَ انتهاءٍ
النموِّ وغايتِهِ، وهذا مما يختلفُ باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال، ولذا وقع
له تفاسيرُ في كتب اللغة والتفسير، ولعل الأولى - على ما قيل - أن يقال: إنَّ بلوغ
الأشُدِّ عبارةٌ عن بلوغ القَدْرِ الذي يتقوَّى فيه بدنُه وقواه الجسمانية، وينتهي فيه نموُّه
المعتدُّ به، والاستواء اعتدالُ عقله وكمالُه، ولا ينبغي تعيينُ وقتٍ لذلك في حقِّ
موسى عليه السلام إلا بخبرٍ يعوَّلُ عليه؛ لِمَا سمعت من أنَّ ذاك مما يختلفُ
باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال، نعم اشتهر أنَّ ذلك في الأغلب يكون في
سنِّ أربعين وعليه قول الشاعر:
له دون ما يَهْوَى حياءٌ ولا سترُ
إذا المرءُ وافَى الأربعين ولم يكن
وإنْ جرَّ أسبابَ الحياةِ له العمرُ(١)
فدَعْهُ ولا تَنْفِسْ عليه الذي مضى
وفي قوله تعالى: (حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ) ما يُسْتَأْنَسُ به لذلك. وقد
مرَّ طرفٌ من الكلام في الأشُدِّ في سورة ((يوسف))(٢)، فتذكَّر ولا تغفل.
ثم إنَّ حاصل المعنى - على ما قيل - أخيراً: ولمَّا قوي جسمُه، واعتدل عقلُه
﴿َانَيْنَهُ حُكْمًا﴾ أي: نبوَّة على ما روي عن السديِّ، أو: علماً هو من خواصٌ
النبوَّةِ، على ما تأوَّل به بعضُهم كلامه ﴿وَِمَا﴾ بالدِّين والشريعة.
وفي ((الكشاف)): العلم التوراةُ، والحُكْم السنَّةُ، وحكمةُ الأنبياء عليهم السلام
سنَّتهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾
[الأحزاب: ٣٤]. وقيل: آتيناه سيرةَ الحكماء العلماء وسَمْتَهم قبل البعث، فكان عليه
السلام لا يفعل فعلاً يُسْتَجْهَلُ فيه(٣). اهـ.
ورجّح ما قيل بأنه أوفقُ لنظم القصة مما تقدم؛ لأنَّ استنباءه عليه السلام بعد
(١) سلف البيتان ١٢/ ٢٦٢.
(٢) ٢٦٢/١٢.
(٣) الكشاف ١٦٨/٣.

الآية : ١٤
١٢٧
سُوَدَّةُ القَصَص
وَكْزِ القبطي، والهجرةِ إلى مدين، ورجوعِه منها، وإيتاؤه التوراة كان بعد إغراق
فرعون، فهو بعد الوكز بكثيرٍ .
وبأنَّ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الذي فعلناه بموسى وأمِّه
عليهما السلام ﴿نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴾ على إحسانهم، يأبى حَمْلَ ما تقدَّم على
النبوّةِ؛ لأنها لا تكون جزاءً على العمل.
ومَن ذهب إلى الأول جَعَلَ هذا بياناً إجماليًّا لإنجاز الوعد بجَعْلِه من المرسلين
بعد ردَّه لأمِّه، وما بعدُ تفصيلٌ له، والعطفُ بالواو لا يقتضي الترتيب، وكونُ ما فُعل
بموسى وأمِّه عليهما السلام جزاءً على العمل باعتبارِ التغليب.
وقد يقال: إنَّ أصل النبوة وإنْ لم تكن جزاءً على العمل إلَّ أنَّ بعض
مراتبها - وهو ما فيه مزيدُ قُرْبٍ من الله تعالى - يكون باعتبار مزيدِ القُرْبِ جزاءً
عليه، ويرجع ذلك إلى أنَّ مزيد القرب هو الجزاء، وتفاوتُ الأنبياء عليهم السلام
في القرب منه تعالى ممَّا لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه. ورجّح ما تقدم بكونه(١) أوفقَ بقوله
تعالى: (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ)، واستلزامهُ حصولَ النبوَّةِ لكلِّ محسنٍ ليس
بشيءٍ أصلاً.
ومَن ذهب إلى أنَّ هذا الإيتاءَ كان قبل الهجرة قال: يجوزُ أن يكون المعنى:
آتيناه رياسةً بين قومه بني إسرائيل بأن جعلناه ممتازاً فيما بينهم يرجعون إليه في
مهامٌّهم، ويمتثلون(٢) إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه، وعلماً يَنتفِعِ به وينفعُ به
غيرَه، وذلك إمَّا بمحض الإلهام، أو بتوفيقه لاستنباط دقائقَ وأسرارٍ مما نقل إليه
من كلمات آبائه الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل، ولا بدعَ في أنْ يكون
عليه السلام عالماً بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم، وبما كانوا يتديَّنون به من
الشرائع بواسطة الإلهام، أو بسماع ما يفيده العلم من الأخبار، ولعل هذا أولى
مما نقله في ((الكشاف)). وفي الكلام على أواخر سورة ((البقرة)) ما تنفعك مراجعتُه
فلیُراجَعْ .
(١) في الأصل: بأنه.
(٢) في (م): ويمتثلونه.

سُؤَدَّةُ القَصَصِ
١٢٨
الآية : ١٥
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ قال ابن عباس على ما في ((البحر)): هي منف(١).
﴿عَلَ ◌ِيْنِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ أي في وقتٍ لا يعتاد دخولها، أو لا يتوقَّعونه فيه،
وكان على ما روي عن الحبر وقتَ القائلة. وفي رواية أخرى عنه: بين العشاء
والعتمة. وذلك أنَّ فرعون ركب يوماً وسار إلى تلك المدينة، فعلم موسى عليه
السلام بركوبه فلحق ودخل المدينة في ذلك الوقت.
وقال ابن إسحاق: هي مصر، كان موسى عليه السلام قد بدت منه مجاهرةٌ
لفرعون وقومه بما يكرهون، فاختفى وغاب، فدخلها متنكِّراً.
وقال ابن زيد: كان فرعون قد أخرجه منها فغاب سنين، فُنُسي، فجاء ودخلها
وأهلُها في غفلةٍ بنسيانهم له، وبُعْدِ عهدهم به.
وقيل: دخل في يوم عيدٍ وهم مشغولون بلَهْوِهم.
وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل مصر وقت القيلولة أو بين العشاءين.
وقيل: المدينة عين شمس. وقيل: قريةٌ على فرسخين من مصر يقال لها:
حابين. وقيل: هي الإسكندرية. والأشهر أنها مصر، ولعله هو الأظهر.
والمتبادرُ أنَّ ((على حين)) متعلِّقٌ بـ ((دخل))، وعليه فالظاهرُ أنَّ ((على)) بمعنى
((في)) مثلها في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]
علی قول.
وقال أبو البقاء: هو في موضع الحال من ((المدينة))، ويجوز أن يكون في
موضع الحال من الفاعل، أي: مختلِساً (٢). اهـ.
ولعل الذي دعاه إلى العدول عن المتبادر احتياجُه إلى جَعْلِ ((على)) بمعنى
(١) البحر ١٠٩/٧، ومنف قال ياقوت في معجم البلدان ٢١٣/٥: بالفتح ثم السكون وفاء.
وقال الشهاب في الحاشية ٦٧/٧: هي بضم الميم، وفتحُها وإن ذكره بعضهم لا يوثق به،
والنون ساكنة، وهي ممنوعة من الصرف، والمعروف فيها منوف بالواو. اهـ. وفي معجم
البلدان: بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ، وبينها وبين عين شمس ستة فراسخ.
(٢) الإملاء ١٤٦/٤ .

الآية : ١٥
١٢٩
سُورَةُ الْقَصَصِ
((في))، وخفاءُ نكتة التعبير بها دونها، أو الاكتفاء بالظرف وحده عليه، والأمرُ ظاهرٌ
لمن له أدنى تأمُّلٍ .
وقيل: إنَّ الداعي إلى ذلك أنَّ دخول ((المدينة)) في حين غفلة من أهلها ليس
نصًّا في دخولها غافلاً أهلُها كما في وجه الحالية من ((المدينة))، ولا في دخولها
مختلساً كما في وجه الحالية من الضمير، فإنَّ وقت الغفلة كوقت القائلة وما بين
العشاءین قد لا يغفل فیه. وفيه بحث.
و ((من أهلها)) في موضع الصفة لـ ((غفلة))، وما في النظم الكريم أبلغُ من: غَفْلةٍ
أَهْلِها، بالإضافة؛ لِمَا في التنوين من إفادة التفخيم، ولعله عدل عن ذلك إلى ما ذكر
لهذا، فتدبّر.
وقرأ أبو طالب القارئُ: ((على حينَ)) بفتح النون(١)، ووجّهَ بأنه فَتَحَ لمجاورة
الغين كما كسر في بعض القراءات الدال في ((الحمد لله)) لمجاوَرةِ اللام، أو بأنه
أَجْرَى المصدر مجرى الفعل، كأنه قيل: على حين غَفِلَ أهلُها، فبنى ((حين»
كما يُبْنَى إذا أضيف إلى الجملة المصدَّرة بفعلٍ ماضٍ، نحو قوله:
على حين عاتبتُ المشيبَ على الصبا(٢)
وهو كما ترى.
﴿فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ﴾ أي: يتحاربان، والجملة صفةٌ لـ ((رجلين)). وقال ابن
عطية: في موضع الحال(٣). وهو مبنيٌّ على مذهب سيبويه من جواز مجيء الحال
من النكرة من غير شرط(٤). وقرأ نعيم بن ميسرة: ((يَقَتِّلان)) بإدغام التاء في التاء
ونقل فتحتها إلى القاف(٥).
(١) القراءات الشاذة ص ١١٢، والبحر ١٠٩/٧.
(٢) وعجزه: وقلت ألمًا أصحُ والشيب وازعُ. والبيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٧٩،
والكتاب ٣٣٠/٢، والبحر ١٠٩/٧، وقال أبو حيان: وهذا توجيه شذوذ.
(٣) المحرر الوجيز ٤ / ٢٨٠.
(٤) الكتاب ٢/ ٥٢ و١١٢.
(٥) القراءات الشاذة ص ١١٢، والبحر ١٠٩/٧.

سُورَةُ القَصَصِّ
١٣٠
الآية : ١٥
وقوله تعالى: ﴿هَذَا مِن شِيَعَتِهِ﴾ أي: ممن شايَعَه وتابعه في أمره ونهيه، أو في
الدِّين على ما قاله جماعةٌ، وهم بنو إسرائيل. قال في ((الإتقان)): هو السامريُّ(١).
﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوٌِّ﴾ من مُخالِفِيه فيما يريد، أو في الدِّين على ما قاله الجماعةُ، وهم
القبط، واسمه كما في ((الإتقان)) أيضاً: قانون(٢) = صفةٌ بعد صفةٍ لـ ((رجلين))،
والإشارةُ بـ ((هذا)) واقعةٌ على طريق الحكاية لِمَا وقع وقت الوجدان كأنَّ الرائي
لهما يقوله، لا في المحكيِّ لرسول الله وَ له. وقال المبرِّد: العرب تشير بـ ((هذا)) إلى
الغائب؛ قال جرير:
هذا ابن عمِّي في دمشق خليفةٌ لو شئتُ ساقكُمُ إليَّ قطينا (٣)
وهذه الإشارةُ قائمةٌ مقام الضمير في الربط، والعطفُ سابقٌ على الوصفية.
واختلف في سبب تقاتُلٍ هذين الرجلين؛ فقيل: كان أمراً دينيًّا. وقيل: كان
أمراً دنيويًّا؛ رُوي أنَّ القبطيَّ كلَّف الإسرائيليَّ حَمْلَ الحطب إلى مطبخ فرعون
فأبى، فاقتتلا لذلك، وكان القبطيُّ على ما أخرج ابنُ أبي حاتم عن سعيد بن جبير
خبازاً لفرعون (٤).
﴿فَأَسْتَغَلَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: فطلب غَوْثَه ونَصْرَه إياه ﴿عَلَى الَِّى مِنْ عَدُوِّهِ.﴾
ولتضمين الفعل معنى النصر عدِّي بـ ((على))، ويؤيِّده قوله تعالى بعدُ: (أُسْتَنْصَرَهُ
بِالْأَمْسِ). ويجوز أن يكون تعديته بـ ((على)) لتضمينه معنى الإعانة، ويؤيِّده أنه قُرئ:
((فاستعانه)) بالعين المهملة والنون بدل الثاء، وقد نَقَلَ هذه القراءة ابنُ خالويه عن
سيبويه(٥)، وأبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة(٦) عن ابن مقسم والزعفرانيٍّ.
(١) الإتقان ١٠٩٨/٢.
(٢) الإتقان ١٠٩٨/٢، وفيه: فانون، وكذا في الكشاف ١٦٨/٣، وتفسير البغوي ٤٣٩/٣،
والبحر ١٠٩/٧.
(٣) ديوان جرير ٣٨٨/١، والبحر ١٠٩/٧، والكلام منه. قال شارح الديوان: القطين: الرقيق،
والقطين: الحَشَم.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٥.
(٥) القراءات الشاذة ص١١٢، والبحر ١٠٩/٧، والكلام منه.
(٦) الهذلي المغربي المقرئ، أحد مَن طوَّف الدنيا في طلب القراءات، وله كتاب: الكامل في
القراءات، توفي سنة (٤٦٥هـ). قال الذهبي: وله أغاليط كثيرة في أسانيد القراءات،

الآية : ١٥
١٣١
سُورَةُ القَصَصْ
وقولُ ابن عطية: أنه ذكرها الأخفش وهو تصحيفٌ لا قراءة(١)، مما لا ثبت له فيه.
وقد حُذف من جملة الصلة صدرُها، أي: الذي هو من شيعته والذي هو من
عدوِّه، ولو لم يُعتبر حَذْفُ ذلك صحَّ.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي: ضرب القبطيَّ بجمع كفِّه، أي: بكفِّه المضمومةِ أصابعُها
على ما أخرجه غيرُ واحدٍ عن مجاهد. وقال أبو حيان: الوكز الضرب باليد
مجموعةً أصابعُها كعقد ثلاثة وسبعين(٢). وعلى القولين يكون عليه السلام قد ضربه
بالید .
وأخرج ابن المنذر(٣) وجماعةٌ عن قتادةَ أنه عليه السلام ضربه بعصاه، فكأنه
يفسِّر الوكز بالدفع أو الطعن، وذلك من جملة معانيه كما في ((القاموس))(٤). ولعله
أراد بعصاه عصاً كانت له، فإنَّ عصاه المشهورةَ أعطاه إياها شعيب عليه السلام بعد
هذه الحادثة كما هو مشهورٌ، وفي كتب التفاسير مسطور.
وقرأ عبد الله: ((فلكزه) باللام(٥)، وعنه: ((فنكزه)) بالنون(٦)، واللَّكز على ما في
((القاموس)): الوكزُ، والوَجُْ في الصدر والحنك. والنَّكز على ما فيه أيضاً: الضربُ
والدفع(٧).
وقيل: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّكز: الدفعُ بأطراف الأصابع.
وقيل: الوكز على القلب، واللكز على اللِّحى(٨).
= وحَشَد في كتابه أشياء منكرة لا تحل القراءة بها، ولا يصح لها إسناد. معرفة القراء الكبار
٨١٥/٢. والكلام من البحر ١٠٩/٧.
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٢٨٠.
(٢) البحر ١٠٣/٧.
(٣) كما في الدر المنثور ١٢٢/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٨٩/٢.
(٤) مادة (وكز).
(٥) القراءات الشاذة ص ١١٢، والبحر ١٠٩/٧، والكلام منه.
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٦٦/٥، والمحرر الوجيز ٢٨٠/٤، وتفسير القرطبي ٢٤٦/١٦،
والبحر ١٠٩/٧.
(٧) القاموس (لكز) و(نكز).
(٨) في الأصل: الحيّ، والمثبت من (م) والبحر ٧/ ١٠٣، والكلام منه.

سُؤَدَةُ القَصَصِ
١٣٢
الآية : ١٦
روي أنه لمَّا اشتدَّ التناكُر قال القبطيُّ لموسى عليه السلام: لقد هممتُ أن
أحمله - يعني الحطب - عليك. فاشتدَّ غضب موسى عليه السلام، وكان قد أوتي
قوةً فوكزه ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: فقتله موسى، وأصله: أنهى حياته، أي: جعلها منتهيةً
متقضِّيةً، وهو بهذا المعنى يتعدَّى بـ ((على)) كما في ((الأساس))(١)، فلا حاجة إلى
تأويله بـ: أَوْقَع القضاءَ عليه. وقد يتعدَّى الفعل بـ ((إلى)) لتضمينه معنى الإيحاء،
كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيِّنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦].
وعودُ ضمير الفاعل في ((قضى)) على ((موسى)) هو الظاهر. وقيل: هو عائدٌ على الله
تعالى، أي: فقضى الله سبحانه عليه بالموت، فقضى بمعنى حَكم. وقيل: يحتمل أن
يعود على المصدر المفهوم من «وكزه)) أي: فقضى الوكزُ عليه، أي: أنهى حياته.
﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من تزيينه. وقيل: من جنس عمله. والأولُ
أوفق بقوله تعالى: ﴿إِنَُّ عَدُوٌّ مُضِلُّ تُبِينٌ ﴾ أي: ظاهرُ العداوة، على أنَّ ((مبين))
صفةٌ ثانیة لـ ((عدوّ)).
وقيل: ظاهر العداوة والإضلال، ووجِّه بأنه صفةٌ لـ ((عدو)) الملاحِظِ معه وصفُ
الإضلال، أو بأنه متنازعٌ فيه لـ ((عدو)) و((مضل))، كلٌّ يطلبه صفةً له، وأيًّا ما كان
فـ (مبين)) من أبان اللازم.
﴿قَالَ رَبٍّ إِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ بوكزِ ترتَّب عليه القتلُ ﴿فَغْفِرْ لِ﴾ ذنبي، وإنما قال
عليه السلام ما قال لأنه فَعَلَ ما لم يؤذن له به، وليس من سَنَنِ آبائه الأنبياء عليهم
السلام في مثل هذه الحادثة التي شاهدها، وقد أفضى إلى قتل نفسٍ لم يُشْرَعْ في
شريعة من الشرائع قتلُها، ولا يُشْكِلُ ذلك على القول بأنَّ الأنبياء عليهم السلام
معصومون عن الكبائر بعد النبوّة وقبلها؛ لأنَّ أصل الوكز من الصغائر، وما وقع من
القتل كان خطأ كما قاله كعبٌ وغيره، والخطأ وإن كان لا يخلو عن الإثم - ولذا
شرعت فيه الكفارة - إلا أنه صغيرةٌ أيضاً.
بل قيل: لا يُشْكِلُ أيضاً على القول بعصمتهم عن الكبائر والصغائر مطلقاً؛
لجوازٍ أن يكون عليه السلام قد رأى أنَّ في الوكز دفعَ ظالم عن مظلوم، ففعله غيرَ
(١) مادة (قضى)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦٨/٧.

الآية : ١٧
١٣٣
سُورَةُ الْقَصَصِ
قاصدٍ به القتلَ، وإنما وقع مترتِّباً عليه لا عن قصدٍ، وكونُ الخطأ لا يخلو عن إثم
في شرائع الأنبياء المتقدِّمين عليهم السلام كما في شريعة نبيِّنَا وََّ غيرُ معلوم، وكذا
مشروعية الكفَّارة فيه. وكأنه عليه السلام بعد أن وقع منه ما وقع تأمَّل فظهر له
إمكانُ الدفع بغير الوكز، وأنه لم يتثبّت في رأيه لِمَا اعتراه من الغضب، فعلم أنه
فَعَلَ خلافَ الأَوْلَى بالنسبة إلى أمثاله، فقال ما قال على عادة المقرَّبين في
استعظامهم خلافَ الأولى.
ثم إنَّ هذا الفعل وقع منه عليه السلام قبل النبوَّة، كما هو ظاهرُ قوله تعالى
حكايةً عنه في سورة ((الشعراء): ﴿فَقَرَّرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ
اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [الآية: ٢١] وبذلك قال النقّاش وغيره، وروي عن كعب أنه عليه السلام
كان إذ ذاك ابنَ اثنتي عَشْرةَ سنةً.
ومَن فسَّر الاستواء ببلوغ أربعين سنةً، وجَعَلَ ما ذكر بعد بلوغ الأشُدِّ والاستواء
وإيتاءِ الحكم والعلمِ بالمعنى الذي لا يقتضي النبوَّة، يلزمُه أن يقول: كان عليه
السلام إذ ذاك ابنَ أربعين سنةً أو ما فوقها بقليلٍ .
وزعم بعضهم أنه عليه السلام أراد بقوله: ((ظلمتُ نفسي)): أنِّي عرَّضتُها للتلف
بقتل هذا الكافر؛ إذ لو عرف فرعون ذلك لقتلني به، وأراد بقوله: ((فاغفر لي):
فاستُر عليَّ ذلك، وجعله مِن عَمَلِ الشيطان لِمَا فيه من الوقوع في الوسوسة وترقَّب
المحذور. ولا يخفى ما فيه، ويأبى عنه قولُه تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُّ إِنَّهُ هُوَ اُلْغَفُورُ
الرَّحِيمُ ﴾﴾ وترتيبُ ((غَفَر)) على ما قبله بالفاء يُشْعِرُ بأنَّ المراد: غفر له
لاستغفاره، وجملةُ ((إنه)) إلخ كالتعليل للعليَّة، أي: إنه تعالى هو المبالغُ في مغفرة
ذنوب عباده ورحمتهم، ولذا كان استغفاره سبباً للمغفرة له.
وتوسيط ((قال)) بين كلاميه عليه السلام لِمَا بينهما من المخالفة من حيث إنَّ
الثاني مناجاةٌ ودعاء، بخلاف الأول، وأمَّا توسيطُ ((قال)) في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ
بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ فوجهُه ظاهر.
والباء في ((بما)) للقَسَم، و((ما)) مصدرية، وجوابُ القسم محذوفٌ، أي: أُقسم
بإنعامك عليَّ لأَمْتَنِعنَّ عن مثل هذا الفعل. وقيل: لأتوبنَّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ
أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ ﴾﴾ عطفٌ على الجواب.

سُورَةُ القَصَصِ
١٣٤
الآية : ١٧
ولعل المراد بإنعامه تعالى عليه حفظُه إياه من شرٌّ فرعون، وردُّه إلى أمه،
وتمييزُه على سائر بني إسرائيل، ونحو ذلك.
وقيل: المراد به مغفرتُه له، وهو غيرُ بعيد، ومعرفته عليه السلام أنه سبحانه
غفر له إذا کان هذا القول قبل النبوة بإلهامٍ أو رؤیا .
و((الظهير)): المُعِينُ. و((المجرمين)) جمع مجرم، والمراد به: مَن أَوْقَعَ غيره في
الجرم، أو: أدَّتْ معاونتُه إلى جرم، كالإسرائيليِّ الذي خاصمه القبطيُّ فأدَّت
معاونتُه إلى جرمٍ في نظر موسى عليه السلام، فيكون في ((المجرمين)) مجازٌّ في
النسبة للإسناد إلى السبب.
وجوِّز أن يراد بذلك الكفار، وعنى بهم مَن استغاثه ونحوَه، بناءً على أنه لم
یکن أسلم.
وقيل: أراد بالمجرمين فرعونَ وقومه، والمعنى: أُقسم بإنعامك عليَّ لأتوبنَّ
فلن أكون مُعيناً للكفار بأن أصحبهم وأُكثِرَ سوادهم، وقد كان علیه السلام يصحبُ
فرعونَ ويركبُ بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمَّى ابن فرعون. ولا يخفى أنَّ
ما تقدَّم أنسبُ بالمقام.
وجوِّز أن تكون الباء للقسم الاستعطافيّ على أنها متعلّقةٌ بفعلِ دعاءٍ محذوفٍ،
وجملة «فلن أكون)» إلخ متفرِّعةٌ عليه، والغاءُ واقعةٌ في جواب الدعاء أو الشرط
المقدَّر، أي: بحقِّ إنعامك عليَّ اغْصِمْني فلن(١) أكون .. إلخ، أو: إنْ عَصَمْتَني
فلن أكون .. إلخ.
والقسمُ الاستعطافيُّ ما أكّد به جملةٌ طلبيةٌ، نحو قولك: بالله تعالی زرني،
وغير الاستعطافي ما أكِّد به جملةٌ خبرية، نحو: واللهِ تعالى لأقومنَّ، وإلى هذا
ذهب ابن الحاجب.
وقيل: القسم الاستعطافيُّ ما كان المُقْسَمُ به مُشْعراً بعطفٍ وحنوٍّ، نحو:
بكّرَمك الشاملِ أَنْعِمْ عليَّ، وهو صادقٌ على ما هنا، وغير الاستعطافيِّ ما كان
المَقْسَمُ به أعمَّ من ذلك. وعلى القولين هما قسمان من مطلق القسم.
(١) في (م): فلم.

الآية : ١٧
١٣٥
سُورَةُ الْقَصَصِ
وظاهر كلام الزمخشريِّ أنَّ المتبادر من القسم ما يؤَّد به الكلام الخبريُّ،
وينعقدُ منه يمينٌ، فما يكون المراد به الاستعطافَ قسيمٌ له (١). وجَعَل بعضُهم
إطلاق القسم على الاستعطافي تجوُّزاً.
ويُبْعِدُ إرادةَ الاستعطاف هنا ما روي عن ابن عباس ﴿هَا أنَّ موسى عليه السلام
لم يَسْتَثْنِ - أي: لم يقل: إن شاء الله تعالى - فابتُلي به، أي: بالكون ظهيراً
للمجرمين مرةً أخرى، وهو ما في قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِى اسْتَنصَرَهُ) إلخ؛ لأنَّ
الاستثناء لا يناسبُ الاستعطافَ؛ لكون النفي معلَّقاً بعصمة الله عزَّ وجلَّ.
وجوِّز أن تكون الباءُ سببيةً متعلّقة بفعلٍ مقدَّرٍ يُعطف عليه ((لن أكون)) إلخ و ((ما))
موصولة، والمعنى: بسبب الذي أنعمته عليَّ من القوة أشكرك فلن أستعملها إلا في
مظاهرةٍ أوليائك ولا أَدَعُ قبطيًّا يغلب إسرائيليًّا، وهو إلزامٌ لنفسه بنصرة أوليائه عزَّ
وجلَّ كالنذر، وليس هناك قَسَمٌ بوجهٍ خلافاً لمن تَوهَّم ذلك، ولا يخفى أن هذا وإن
لم يُبْعِدْه الأثر لا يخلو عن بُعْدٍ نَظَراً إلى السباق.
و (لن)) على جميع الأوْجوِ المذكورة للنفي، وفي البحر: قيل: إنها للدعاء(٢).
وحكى ابن هشام ردّه بأنَّ فعل الدعاء لا يُسنَدُ إلى المتكلِّم بل إلى المخاطب أو
الغائب، نحو: ياربّ لا عذَّبْتَ فلاناً، ويجوز: لا عذَّب الله تعالى عمراً، ثم قال:
ویردُّه قوله:
ثم لا زلتُ لكم خالداً خلودَ الجبالِ(٣)
ولا يخفى عليك أنَّ كونها للدعاء على الوجه الأخير في الآية غيرُ ظاهر، وعلى
الوجه الأول لا يخلو عن خفاء، فلعل مَن جَعَلَها للدعاء حَمَلَ ((بما أَنْعَمْتَ عليَّ))
على الاستعطاف، وعلَّق الجارَّ والمجرورَ بنحو: اعصمني، وجَعَلَ الفاء تفسيريةً،
(١) ينظر الكشاف ١٦٩/٣، والكلام من حاشية الشهاب ٦٨/٧.
(٢) البحر ١١٠/٧، وتعقبه أبو حيان بقوله: والصحيح أن ((لن)) لا تكون للدعاء. وجاء في
هامش الأصل و(م): مجيئها للدعاء مذهب جماعة منهم ابن عصفور. اهـ منه.
(٣) المغني ص٣٧٤ - ٣٧٥، وهذا قطعة من بيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٦٩، والأصول
في النحو ١٧١/٢ برواية:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زِلْـ تَ لهم خالداً خلود الجبالِ

سُورَةُ القَصَصِ
١٣٦
الآية : ١٧
و((لن أكون)) إلخ تفسيراً لذلك المحذوف، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ.
فَكَشَفْنَا﴾ [الأنبياء: ٨٤] فليُتدبّر.
واحتجَّ أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم؛ أخرج
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الوَصَّافيّ(١) أنه
سأل عطاء بن أبي رباح عن أخٍ له كاتبٍ فقال له: إنَّ أخي ليس له من أمور
السلطان شيءٌ، إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج، فإنْ تَرَكَ قلمه صار عليه
دَيْنٌ واحتاج، وإنْ أخذ به كان له فّيه غنّى؟ قال: لمن يكتب؟ قال: لخالد بن
عبد الله القسري. قال: ألم تسمع إلى ما قال العبدُ الصالح: (رَبِّ بِمَّا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ
أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ) فلا يهتمَّ أخوك بشيءٍ ولْيَرْمِ بقلمه فإنَّ الله تعالى سيأتيه
(٢)
برزقٍ(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الضبيِّ الكاتب قال: قال
رجلٌ لعامر: يا أبا عمرو، إنِّي رجلٌ كاتبٌ ما يدخل وما يخرج، آخُذُ رزقاً أستغني
به أنا وعيالي؟ قال: فلعلك تكتب في دم يسفك؟ قال: لا. قال: فلعلك تكتب في
مالٍ يؤخذ؟ قال: لا. قال: فلعلك تكتب في دار تهدم؟ قال: لا. قال: أسمعتَ
بما قال موسى عليه السلام: (رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) قال:
أَبْلَغْتَ إليَّ يا أبا عمرو، والله عز وجل لا أخظُ لهم بقلم أبداً. قال: والله تعالى
لا يدعُكَ الله سبحانه بغير رزقٍ أبداً(٣) .
وقد كان السَّلَفُ يجتنبون كلَّ الاجتناب عن خدمتهم؛ أخرج عبد بن حميد وابن
المنذر عن سلمة بن نبيط قال: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال:
اذهب بعطاءِ أهل بخارى فأعطهم. فقال: أعْفِني. فلم يَزَلْ يستعفيه حتى أعفاه،
(١) في الأصل و(م): الرصافي. والصواب ما أثبتناه. ينظر تهذيب الكمال ١٧٣/١٩.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٥٦/٩، وأخرجه أيضاً ابن عبد البر في التمهيد ٥٥/١٣، وعزاه
لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٢٣/٥. وخالد بن عبد الله القسري
البجلي كان أمير العراقيين لهشام، وولي قبل ذلك مكة للولید بن عبد الملك، ثم لسليمان،
ثم عزله هشام بيوسف بن عمر الثقفي. سير أعلام النبلاء ٤٢٥/٥ .
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٥٦/٩.

الآية : ١٨
١٣٧
سُورَةُ القَصَصِ
فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً؟ فقال:
لا أحبُّ أنْ أُعينَ الّلمة في شيءٍ من أمرهم (١).
وإذا صحَّ حديثُ: ((ينادي منادٍ يومَ القيامة: أين الظلمةُ وأشباهُ الظلمة وأعوانُ
الظلمة، حتى مَن لاق لهم دواةً أو بَرَى لهم قلماً، فيجمعون في تابوتٍ من حديد،
فِيُرْمَى بهم في جهنم، فليَبْكِ مَن عَلِمَ أنه من أعوانهم على نفسه، وليُقْلِعْ عمَّا هو
عليه قبل حلول رَمْسِه))(٢).
ومما يَقصمُ الظهر ما روي عن بعض الأكابر أنَّ خياطاً سأله فقال: أنا ممن
يخيطُ للظلمة، فهل أُعدُّ من أعوانهم؟ فقال: لا، أنت منهم، والذي يبيعُك الإبرة
من أعوانهم. فلا حول ولا قوةَ إلَّا بالله تعالى العليِّ العظيم، ويا حسرتا على مَن
باع دينه بدُنْياه، واشترى رضا الظلمةِ بغضب مولاه. هذا وقد بلغ السيلُ الزُّبَى،
وجرى الوادي فطمَّ على القرى.
﴿فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِيَةِ خَبِفًا﴾ وقوعَ المكروه به ﴿يَقَّهُ﴾ يترصَّد ذلك، أو الأخبارَ:
هل وقفوا على ما كان منه؟ وكان عليه السلام فيما يُروى قد دفن القبطيَّ بعد أن
مات في الرمل.
وقيل: ((خائفاً) وقوعَ المكروه من فرعون، ((يترقّبُ)) نصرةَ ربِّه عز وجل.
وقيل: يترقَّبُ أن يُسْلِمَه قومه.
وقيل : يترقَّب هدايةً قومه.
وقيل: ((خائفاً) من ربِّه عزَّ وجلَّ ((يترقَّب)) المغفرة. والكلُّ كما ترى.
والمتبادرُ على ما قيل: أنَّ ((في المدينة)) متعلِّقٌ بـ ((أصبح))، واسم ((أصبح))
ضميرُ موسى عليه السلام، و((خائفاً)) خبرها، وجملة ((يترقّب)) خبرٌ بعد خبر، أو
حالٌ من الضمير في ((خائفاً)).
(١) الدر المنثور ١٢٣/٥. وعبد الرحمن بن مسلم هو أبو مسلم الخراساني الأمير، هازم جيوش
الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية. سير أعلام النبلاء ٦/ ٤٨.
(٢) ذكره أحمد في الورع ص٩٣ من حديث ابن مسعود ظه، والديلمي في مسند الفردوس
(٩٨٩) من حديث أبي هريرة

سُورَةُ القَصَصِ
١٣٨
الآية : ١٨
وقال أبو البقاء: ((يترقب)) حالٌ مبدلةٌ من الحال الأولى، أو تأكيدٌ لها، أو حالٌ
من الضمير في ((خائفاً))(١). اهـ. وفيه احتمالُ كونِ ((أصبح)) تامةً، واحتمالُ كونها
ناقصةً، والخبر ((في المدينة))، ولا يخفى عليك ما هو الأَوْلى من ذلك.
﴿فَإِذَا الَّذِى أَسْتَصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ وهو الإسرائيليُّ الذي قَتَلَ عليه السلام القبطيَّ
بسببه ﴿يَسْتَصْرِفُهُ﴾ أي: يستغيثُه من قبطيّ آخر برفع الصوت، من الصراخ وهو في
الأصل الصياحُ، ثم تجوِّز به عن الاستغاثة لعدم خلوِّها منه غالباً، وشاع حتى صار
حقيقةً عرفيةً.
وقيل: معنى ((يستصرخه)): يطلب إزالة صراخه.
و ((إذا)) للمفاجأة، وما بعدها مبتدأ، وجملةُ ((يستصرخه)) الخبر.
وجوَّز أبو البقاء كونَ الجملة حالاً، والخبر ((إذا))(٢).
والمراد بـ ((الأمس)) اليومُ الذي قبل يوم الاستصراخ، وفي ((الحواشي
الشهابية)): إنْ كان دخوله عليه السلام المدينةَ بين العشاءين، فـ ((الأمس)) مجازٌ عن
قرب الزمان(٣). وهو مُعْرَبٌ لدخول ((أل)) عليه، وذلك الشائع فيه عند دخولها، وقد
بُني معها على سبيل الندرة كما في قوله:
وإِنِّي حُبِسْتُ اليومَ والأمسِ قبلَه
إلى الشمس حتى كادتِ الشمسُ تَغْرُبُ (٤)
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ أي: للإسرائيليِّ الذي يستصرخُه: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ﴾ ضالٌّ
﴿ُبِينٌ ﴾﴾ بيِّنُ الغواية؛ لأنك تسبَّبت لقتل رجل وتقاتل آخَرَ، أو: لأنَّ
(١) الإملاء ١٤٧/٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) حاشية الشهاب ٧/ ٦٩ .
(٤) البيت لنصيب بن رباح، وهو في ديوانه ص٦٢، والخصائص ٣٩٤/١ و٥٧/٣، والأزمنة
والأمكنة ٢٤١/١، والإنصاف ٣٢٠/١، والبحر ١١٠/٧، والدر المصون ٦٥٩/٨،
واللسان (أمس)، ورواية الديوان: وإني ثويتُ ... ، وفيه أيضاً: على الباب، بدل: إلى
الشمس. وجاء في بعض المصادر: ببابك، وفي بعضها: إلى الليل. قال ابن جني: رواه
ابن الأعرابي: والأمسِ، والأمسَ، جرًّا ونصباً.

الآية : ١٩
١٣٩
سُوَّةُ القَصَصِ
عادتك الجدال، واختار هذا بعضُ الأجلَّة وقال: إنَّ الأول لا يناسبُ قوله
تعالى: (فَلَّا أَنْ أَرَادَ) إلخ؛ لأنَّ تذكّر تسبَّبِهِ لِمَا ذُكر باعثُ الإحجام لا الإقدام.
ورُدَّ بأنَّ التذكُّر أمرٌ محقَّقٌ؛ لقوله تعالى: (خَبِفًا يَتَقَّبُ)، والباعثُ له على ما ذكر
شفقتُه على مَن ظُلم من قومه، وغيرتُه لنصرةِ الحقِّ.
وقيل: إنَّ الضمير في ((له)) والخطابَ في ((إنك)) للقبطيِّ، ودلَّ عليه قوله:
(يستصرخه)). وهو خلافُ الظاهر، ويُبعده الإظهارُ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ
يَطِشَ بِلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ فإنَّ الظاهر على ذاك ((به)) بدل ((الذي)).
والبطش: الأخذُ بصولةٍ وسطوةٍ، والتنوينُ في ((عدوٌ)) للتفخيم، أي: عدوٌ عظيمٌ
العداوة، ولإرادة ذلك لم يُضِفْه، والمراد بالذي هو عدوٌّ لهما القبطيُّ، وقد كان
القبطُ أعظمَ الناس عداوةً لبني إسرائيل. وقيل: عداوتُه لهما لأنه لم يكن على
دینهما .
وقرأ الحسن وأبو جعفر: ((يبُش)) بضمِّ الطاء(١).
﴿قَالَ يَمُوسَىَ أَتْرِيدُ أَنْ تَقْتُلِ كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِلْأَمِّْ﴾ قاله الإسرائيليُّ الذي
يستصرخُه على ما روي عن ابن عباس وأكثرِ المفسرين، وكأنه توهَّم إرادةَ البطش به
دون القبطيّ من تسمية موسى عليه السلام إياه غَوِيًّا .
وقال الحسن: قاله القبطيُّ الذي هو عدوٌّ لهما، كأنه توهّم من قوله
للإسرائيليُّ: ((إنك لغويٌ)) أنه الذي قتل القبطيَّ بالأمس له. ولا بُعْدَ فيه لأنَّ ما ذكر
إِمَّا إجمالٌ لكلامِ يُفهم منه ذلك، أو لأنَّ قوله ذلك لمظلوم انتصر به خلافُ الظاهر،
فلا بُعْدَ للانتقال منه لذلك.
والذي في التوراة التي بأيدي اليهود اليومَ ما هو صريحٌ في أنَّ هذين الرجلين
كانا من بني إسرائيل، وأمَّا الرجلان اللذان رآهما بالأمس فأحدهما إسرائيليٍّ
والآخر مصريٌّ (٢). ووُجِّه أمرُ العداوة على ذلك بأنَّ هذا الذي أراد عليه السلام أن
يبطش به كان ظالماً لمن استصرخه، فيكون عدوًّا له، وعاصياً لله تعالى فيكون عدوًّا
(١) النشر ٢٧٤/٢ عن أبي جعفر، وذكرها عنه وعن الحسن أبو حيان في البحر ٧/ ١١٠.
(٢) العهد القديم، سفر الخروج، ص١٥٥ .

سُورَةُ القَصَصِ
١٤٠
الآية : ٢٠
لموسى عليه السلام، ويحتمل أن تكون عداوتُه لهما لكونه مخالفاً لِمَا هما عليه من
الدِّين وإن كان إسرائيليًّا .
وفيها أيضاً ما هو صريحٌ في أنَّ الظالم هو قائلُ ذلك(١). وأنت تعلمُ أنَّ هذه
التوراة لا يُلتفت إليها فيما يكذِّبُ القرآن أو السنَّة الصحيحة، وهي فيما عدا ذلك
كسائر أخبار بني إسرائيل لا تصدَّق ولا تكذَّب، نعم قد يُستأنس بها لبعض الأمور.
ثم إنَّ ما فيها من قصة موسى عليه السلام مخالفٌ لِمَا قصَّه الله تعالى منها هنا
وفي سائر المواضع زيادةً ونقصاً، وهو ظاهرٌ لمن وقف عليها، ولا يخفى الحكم
في ذلك، وقد خلت هنا عن ذكر مجيءٍ مؤمن آل فرعون ونصحه لموسى عليه
السلام، وكذا عن ذِكْرٍ ما يدلُّ على قوله: ﴿إِن تُرِيدٌ﴾ أي: ما تريد ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ
جَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ وهو الذي يفعل كلَّ ما يريد من الضرب والقتل ولا ينظر في
العواقب.
وقيل: المتعِّم الذي لا يتواضَعُ لأمرِ الله تعالى، وأصلُه على ما قيل: النخلةُ
الطويلة، فاستُعير لِمَا ذُكر إمَّا باعتبار تعاليه المعنويِّ أو تعظُمِه.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبيّ(٢) أنه قال: مَن قتل رَجلين - أي: بغير حقِّ - فهو
جَبَّار، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم نحوَه عن عكرمة(٣).
﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِينَ ﴾﴾ بين الناس، فتدفعَ التخاصُمَ بالتي هي
أحسنُ، ولمَّا قال هذا انتشر الحديثُ وارتقى إلى فرعون ومَلَئِهِ فهمُّوا بقَتْلِ موسى
عليه السلام، فخرج مؤمنٌ من آلِ فرعون - هو ابن عمِّ فرعون - ليخبره بذلك
وینصحه، كما قال عزَّ وجل:
﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْعَدِينَةِ يَسْعَى﴾ الآيَةَ، واسمه قيل: شمعان، وقيل: شمعون بن
إسحاق، وقيل: حزقيل، وقيل غير ذلك.
وكونُ هذا الرجل الجاني مؤمنُ آل فرعون هو المشهور. وقيل: هو غيرُه.
(١) المصدر السابق.
(٢) كما في الدر المنثور ١٢٣/٥.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٥٨/٩.