النص المفهرس
صفحات 101-120
التفسير الإشاري (٦٠-٨٨) ١٠١ سُورَةُ النَّسِ وقرأ الأكثر: ((يعملون)) بياء الغيبة (١)، فهو وعيدٌ محضّ، والمعنى: وما ربُّك بغافلٍ عن أعمالهم فسيعذبهم ألبتة فلا يحسبوا أنَّ تأخير عذابهم لغفلته سبحانه عن أعمالهم الموجبة له. ومَن تأمّل في الآيات ظهر له أنَّ هذه الخاتمة مما تُدْهِشُ العقول وتحيِّر الأفهامَ، ولله تعالى درُّ التنزيل، وماذا عسى يقال في كلام الملك العلَّام. ومن باب الإشارة في الآيات ما قيل: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سماء القلب ﴿مَآءُ﴾ هو ماء نظر الرحمة ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار والحِكَم البالغة ﴿مَّا كَانَ لَكُ أَنْ تُتِبِتُواْ شَجَرَفَأْ﴾ أي: أصولَها؛ لِمَا أن العلوم الإلهية غيرُ اختياريةٍ، بل كلُّ علم ليس باختياريٍّ في نفسه وإلّا لزم تقدُّم الشيء على نفسه، نعم هو اختياريٌّ باعتبار الأسباب. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ﴾ أي: أرض النفس ﴿قَرَارًا﴾ في الجسد ﴿وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَارًا﴾ من دواعي البشرية ﴿وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ﴾ من قوى البشرية والحواسِّ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ بحرِ الروح وبحرِ النفس ﴿حَاجِزًا﴾ وهو القلب. ﴿أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضْطَرَ﴾ وهو المستعدُّ لشيء من الأشياء ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾ بلسان الاستعداد، وطلب منه تعالى ما استعدَّ له. وقال بعضُهم: المضطرُّ: المستغرقُ في بحار شوقه تعالی. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةٌ﴾ وهي النفسُ الناطقة والروح الإنسانيُّ ﴿مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرض البشرية. وعلى هذا النمط تكلَّموا في سائر الآيات، وساق الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه قولَه تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَ التَّحَائِ﴾ دليلاً على ما يذَّعيه من تجدُّد الجواهر كالأعراض عند الأشعريِّ، وعَدَم بقائها زمانين، ومَبْنَى ذلك عنده القولُ (١) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢٦٢/٢-٢٦٣ وهي قراءة حمزة والكسائي وشعبة وابن كثير وأبي عمرو وخلف. سُورَةُ النَّهُلِّ ١٠٢ التفسير الإشاري (٦٠-٨٨) بوحدة الوجود، وأنه سبحانه كلّ يومٍ هو في شأن، والكلامُ في صحة هذا المبنى واستلزامِه للمدَّعَى لا يخفى على العارف، وأمَّا الاستدلالُ بهذه الآية لهذا المطلب فمن أمهات العجائب وأغربٍ الغرائب، والله تعالى أعلم. سُورَةُ القَصَصِ مكيةٌ كلُّها على ما روي عن الحسن وعطاء وطاوس وعكرمة. وقال مقاتل : فيها من المدنيّ قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ،﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ [الآيات: ٥٢-٥٥]، فقد أخرج الطبرانيُّ عن ابن عباس ﴿ها أنها نزلت هي وآخِرُ ((الحديد)) في أصحاب النجاشيِّ الذين قَدِمُوا وشهدوا وقعةً أحد (١). وفي روايةٍ عنه ﴿ُّ أنَّ الآية المذكورة نزلت بالجحفة في خروجه عليه الصلاة والسلام للهجرة. وقيل: نزلت بين مكة والجحفة. وقال الداني(٢) في كتاب ((العدد)): حدثني محمد، حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني علي بن الحسين، عن أحمد بن موسى، عن يحيى بن سلام قال: بلغني أنَّ النبيَّ بَّ حين هاجر نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بالجحفة وهو متوجّهٌ من مكة إلى المدينة، فقال: أتشتاقُ يا محمد إلى بلدك التي وُلدْتَ فيها؟ قال: ((نعم)) قال: (إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَّاذُكَ إِلَى مَعَازٍ) الآيةَ. وهي ثمان وثمانون آيةً بالاتِّفاق(٣). ووجهُ مناسَبَتِها لِمَا قبلها اشتمالُها على شرح بعض ما أُجمل فيه من أمر موسى عليه السلام؛ قال الجلال السيوطيُّ: إنه سبحانه لمَّا حكى في ((الشعراء)) قولَ فرعون لموسى عليه السلام: ﴿أَلَّمَ ثُرَيِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ غُرِكَ سِنِينَ * (١) المعجم الأوسط (٧٦٦٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢١/٧: فيه مَن لم أعرفهم. (٢) في (م): المدائني، وهو تصحيف. (٣) البيان في عدِّ آي القرآن للداني ص٢٠١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧ / ٦٢. ١٠٤ سُورَةُ القَصَصِ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَّكَ الَّتِ فَعَلْتَ﴾ إلى قول موسى عليه السلام ﴿فَفَرَّرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الآيات: ١٨-٢١]، ثم حكى سبحانه في (طس)) قولَ موسى عليه السلام لأهله: ﴿إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا﴾ [الآية: ٧] إلى آخره، الذي هو في الوقوع بعد الفرار، وكان الأمران على سبيل الإشارة والإجمال، فبَسَطَ جلَّ وعلا في هذه السورة ما أوجزه سبحانه في السورتين، وفضّل تعالى شأنُه ما أَجْمَلَه فيهما على حسب ترتيبهما، فبدأ عزَّ وجلَّ بشرح تربية فرعونَ له مصدَّراً بسبب ذلك من علوّ فرعون وذَبْحِ أبناء بني إسرائيل، الموجبِ لإلقاء موسى عليه السلام عند ولادته في اليمِّ خَوفاً عليه من الذبح، وبَسَطَ القصة في تربيته وما وقع فيها إلى كبره، إلى السبب الذي من أجله قَتَلَ القبطيَّ، إلى قَتْلٍ القبطيّ وهي الفَعْلةُ التي فعل، إلى النمِّ عليه بذلك الموجبِ لفراره إلى مدين، إلى ما وقع له مع شعيب عليه السلام وتَزَوُّجِه بابنته، إلى أن سار بأهله وآنس من جانب الطور ناراً فقال لأهله: ﴿أَمْكُوْاْ إِنّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠]، إلى ما وقع له فيها من المناجاة لربِّه جلَّ جلالُه وبَعْثِه تعالى إياه رسولاً وما استتبع ذلك، إلى آخر القصة، فكانت هذه السورةُ شارحةً لِمَا أُجْمِلَ في السورتين معاً على الترتيب، وبذلك عُرِفَ وجهُ الحكمة من تقديم ((طس)) على هذه وتأخيرها عن ((الشعراء)»(١) في الذكر في المصحف، وكذا في النزول، فقد روي عن ابن عباس وجابر بن زيد أنَّ ((الشعراء)) نزلت، ثم ((طس))، ثم ((القصص)). وأيضاً قد ذكر سبحانه في السورة السابقة من توبيخ الكفرة بالسؤال يومَ القيامة ما ذَكَر، وذَكَر جلَّ شأنُه في هذه من ذلك ما هو أبسط وأكثر مما تقدَّم. وأيضاً ذكر عزَّ وجلَّ من أمر الليل والنهار هنا فوق ما ذكره سبحانه منه هناك. وقد يقال في وجه المناسبة أيضاً: إنه تعالى فضَّل في تلك السورة أحوالَ بعض المُهْلَكين من قوم صالح وقوم لوط، وأَجْملَ هنا في قوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْیَةٍ) الآيات. وأيضاً بَسَط في الجملة هناك حالَ مَن جاء بالحسنة وحالَ مَن جاء بالسيئة، (١) تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي ص٧١-٧٢. الآية : ١ - ٣ ١٠٥ سُورَةُ القَصَص وأَوْجَزَ سبحانه هنا حيث قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِلْحَسَنَةِ فَلَهُ، خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ ـه، فلم يذكر عزَّ وجلَّ من ١٤ فَلَ يُحْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ حال الأوَّلين أمنَهم من الفزع، ومن حال الآخِرِينَ كبَّ وجوههم في النار. إلى غير ذلك مما يظهر للمتأمِّل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسّمّ ◌َ تِلْكَ ◌َيَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق به من الكلام في أشباهه. ﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ﴾ أي: نقرأ بواسطة جبرائيل عليه السلام، فالإسنادُ مجازيٌّ كما في: بَنَّى الأميرُ المدينة. والتلاوةُ في كلامهم - على ما قال الراغب - تختصُّ باتِّباع كتب الله تعالى المنزلةِ تارةً بالقراءة وتارةً بالارتسام لِمَا فيه من أمرٍ ونهي وترغيبٍ وترهيبٍ أو ما يتوهّم فيه ذلك، وهو أخصُّ من القراءة(١). ويجوزُ أن تكون التلاوةُ هنا مجازاً مرسلاً عن التنزيل بعلاقةٍ أنَّ التنزيل لازمٌ لها أو سببها في الجملة، وأن تكون استعارةً له لِمَا بينهما من المشابهةِ، فإنَّ كلَّا منهما طريقٌ للتبليغ، فالمعنى: نُنزلُ عليك ﴿مِن نَّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: من خبرهما العجيب الشأن، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لمفعول (نتلو)) المحذوف، أي: نتلو شيئاً كائناً من نبئهما. والظاهر أنَّ (مِن)) تبعيضية، وجوَّز بعضُهم كونَها بيانيةً، وكونَها صلةً على رأي الأخفش، فـ ((نبأ)) مجرورٌ لفظاً مرفوعٌ(٢) محلًّا مفعول ((نتلو)). ويوهمُ كلامُ بعضهم(٣) أنَّ ((من)) هو المفعول، كأنه قيل: نتلو بعضَ نبأ، وفيه بحثٌ (٤). (١) مفردات الراغب (تلا). (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: منصوب، ينظر الدر المصون ٦٤٩/٨. (٣) هو البيضاوي، وينظر التعليق الذي بعده. (٤) جاء في تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٦٢: ((من نبأ موسى وفرعون)): بعض نبئهما مفعول ((نتلو)). قال الشهاب: جَعْلُ الحرف مفعولاً لا يوافق القواعد النحوية، فإما أن = سُورَةُ القَصَص ١٠٦ الآية : ٤ وأيًّا ما كان فلا تجوُّز في كون النبأ متلوًّا لِمَا أنه نوعٌ من اللفظ. وقوله تعالى: ﴿يَلْحَقِّ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ((نتلو))، أي: نتلو ملتبسين بالحق، أو مفعولِهِ، أي: نتلو شيئاً من نبئهما ملتبساً بالحقِّ، أو وقع صفةً لمصدرِ ((نتلو))، أي: نتلو تلاوةً ملتبسةً بالحق. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ متعلِّقٌ بـ ((نتلو))، واللامُ للتعليل، وتخصيصُ المؤمنين بالذكر مع عموم الدعوة والبيان لأنهم المنتفعون به، وقد تقدَّم الكلام في شمول ((يؤمنون)) للمؤمنين حالاً واستقبالاً في السورة السابقة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ استئنافٌ جارٍ مجرى التفسير للمُجْمَلِ الموعود، وتصديرُه بحرف التأكيد للاعتناء بتحقيقِ مضمونِ ما بعده، أي: إنَّ فرعون تجبَّر وطغى في أرض مصر، وجاوَزَ الحدود المعهودة في الظلم والعدوان. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: فرقاً يشيّعونه في كلِّ ما يريده من الشر والفساد، أو يشيِّع بعضُهم بعضاً في طاعته. أو: أصنافاً في استخدامه يستعمل كلَّ صنفٍ في عمل، من بناءٍ وحَرْثٍ وحَفْرٍ، وغيرِ ذلك من الأعمال الشاقَّة، ومَن لم يعمل ضَرَبَ عليه الجزيةَ فيخدمه بأدائها. أو: فِرَقاً مختلفةً قد أغرى بينهم العداوة والبغضاء لئلا تتفَّق كلمتهم. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: يَجْعلهم(١) ضعفاء مقهورين، والمراد بهذه الطائفة بنو إسرائيل، وعدّهم من أهلها للتغليب، أو لأنهم كانوا فيها زماناً طويلاً. والجملةُ إما استئنافٌ نحويٌّ، أو بيانيٍّ في جوابٍ: ماذا صنع بعد ذلك؟ وإما حالٌ من فاعل ((جعل))، أو من مفعوله، وإما صفةٌ لـ ((شيعاً)). والتعبيرُ بالمضارع لحكاية الحال الماضية. وقوله تعالى: ﴿يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءَ نِسَآءُهُمْ﴾ بدلٌ من الجملة قبلها بدلَ = يكون هذا ميلاً مع المعنى، أو يكون المراد أن مفعول ((نتلو» محذوف، وهو ((شيئاً))، ولما كان الجار والمجرور صفة له قائمة مقامه سمَّاه مفعولاً تسمُّحاً، كما جعلوا الظرف حالاً والحال في الحقيقة متعلَّقُه. (١) في الأصل: بجعلهم. الآية : ٥ ١٠٧ ـرَةَ الْقَصَص اشتمال، أو تفسيرٌ، أو حالٌ من فاعلِ ((يستضعف))، أو صفةٌ لـ ((طائفة))، أو حالٌ منها لتخصُّصها بالوصف. وكان ذلك منه لِمَا أنَّ كاهناً قال له: يولد في بني إسرائيل مولودٌ يذهب ملكُك على يده. وقال السديُّ: إنه رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْطَ وتركت بني إسرائيل، فسأل علماء قومه فقالوا: يخرج من هذا البلد رجلٌ يكون هلاكُ مصر على يده. فأخذ يفعل ما يفعل. ولا يخفى أنه من الحمق بمكان، إذ لو صَدَق الكاهنُ أو الرؤيا فما فائدةُ القتل؟ وإلَّا فما وجهُه؟ وفي الآية دليلٌ على أنَّ قتل الأولاد لحِفْظِ الملك شريعةٌ فرعونية. وقرأ أبو حيوة وابن محيصن: ((يَذْبَحُ)) بفتح الياء وسكون الذال(١). ﴿إِنَُّ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ أي: الراسخين في الإفساد، ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة مِن قَتْلِ مَن لا جنحةً له من ذراري الأنبياء عليهم السلام لتخيُّلٍ فاسد . ﴿وَزِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ﴾ أي: نتفضَّلَ ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ على الوجه المذكور بإنجائهم من بأسه، وصيغةُ المضارع في «نريدُ» لحكاية الحال الماضية، وأمَّا (منَّ)) فمستقبلٌ بالنسبة للإرادة فلا حاجةَ لتأويله، وهو (٢) معطوفٌ على قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا) إلخ لتناسُبِهما في الوقوع في حيِّز التفسير للنبأ، وهذا هو الظاهر. وجوِّز أن تكون الجملة حالاً من مفعول ((يستضعف)) بتقديرٍ مبتدأ، أي: يستضعفُهم فرعونُ ونحن نريد أن نمنَّ عليهم، وقدِّر المبتدأ ليجُوز التصدير بالواو. وجوِّز أن يكون حالاً من الفاعل بتقديرِ المبتدأ أيضاً، وخلوُّها عن العائد عليه وما يقوم مقامه لا يضرُّ؛ لأن الجملة الحالية إذا كانت اسميةً يكفي في ربطها الواو، وضعِّف بأنه لا شبهة في استهجان ذلك مع حذف المبتدأ . (١) المحرر الوجيز ٢٧٦/٤، والبحر ١٠٤/٧. (٢) أي: ((فريد)) كما في الكشاف ١٦٥/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٦٣. سُورَةُ القَصَصِ ١٠٨ الآية : ٥ وتعقِّب القول بصحة الحالية مطلقاً بأنَّ الأصل في الحال المقارنةُ، والمنُّ بعد الاستضعاف بکثیر. وأجيب بأنَّ الحال ليس المنُّ بل إرادتُه وهي مقارِنةٌ، وتعلَّقها إنما هو بوقوع المنِّ في الاستقبال، فلا يلزم من مقارنتها مقارنتُه، على أنَّ منَّ الله تعالى عليهم بالخلاص لمَّا كان في شرف الوقوع جاز إجراؤه مجرى الواقع المقارن للاستضعاف، وإذا جُعِلَتِ الحالُ مقدَّرةً يرتفعُ القيلُ والقال(١). وجوَّز بعضُهم عَظْفَ ذلك على ((نتلو)) و(يستضعف))، وقال الزمخشريُّ: هو غيرُ سديد(٢). ووجَّه ذلك في ((الكشف)) بقوله: أمَّا الأول فلمَا يلزم أن يكون خارجاً عن المنبَّأ به وهو أعظمُه وأهمه، وأمَّا الثاني فلأنه إما حالٌ عن ضمير ((جعل)) أو عن مفعوله، أو صفةٌ لـ ((شيعاً))، أو كلامٌ مستأنفٌ، وعلى الأوَّلين [هو](٣) ظاهرُ الامتناع، وعلى الثالث أظهر؛ إذ لا مدخل لذلك في الجواب عن السؤال الذي يعطيه قوله تعالى: (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) والعطفُ يقتضي الاشتراك. لكن للعطف على ((يستضعف)) مسائٌ على تقدير الوصف، والمعنى: جعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم ونريد أن نمن عليهم منهم، أي: على الطائفة من الشيع، فأُقيم المظهَرُ مقام المضمَرِ الراجعِ إلى الطائفة وحُذف الراجعُ إلى الشيع للعلم، كأنه قيل: يستضعفُهم ونريد أنْ نقَوِّيهم، كما زعم الزمخشريُّ في الوجه الذي جعله حالاً عن مفعول ((يستضعف))(٤)، والحاصل: شيعاً موصوفين باستضعافٍ طائفةٍ وإرادةِ المنّ على تلك الطائفة منهم بدَفْعِ الضَّعف. فإنْ قلتَ: يدفعُه أنَّ العلم بالصفة الثانية لم يكن حاصلاً بخلافِ الأولى. قلنا: كذلك لم يكن حاصلاً باستضعافٍ مقيَّدٍ بحالِ الإرادة. والحقُّ أنَّ الوجهين يضعفان لذلك، وإنما أوردناه على الزمخشريِّ لتجويزه الحال. انتهى. (١) في (م): والمقال. (٢) الكشاف ١٦٥/٣. (٣) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٧/ ٦٣. (٤) الكشاف ١٦٥/٣. الآية : ٦ ١٠٩ ◌َرَةُ القَصَصِ وأُوْرِدَ عليه أنَّ للعطف عليه على تقدير كونه حالاً (١) مساغاً أيضاً بعين ما ذكره، فلا وجه للتخصيص بالوصفية، وأنَّ عدم حصول العلم بالصفة الثانية بعد تسليم اشتراط العلم بالصفة مطلقاً غيرُ مسلّم، فإنَّ سبب العلم بالأولى - وهو الوحي أو خبرُ أهل الكتاب - يجوز أن يكون سبباً للعلم بالثانية. وأيضاً يجوز أن يخصَّص جوازُ حاليةِ ((ونريد)) إلخ باحتمالِ الاستئناف والحالية في ((يستضعف)) دون الوصف، فلا يكون مشتركَ الإلزام. وفيه أنَّ احتمال الحالية من المفعول لم يذكره الزمخشريُّ، فلذا لم يلتفت صاحب ((الكشف)) إلى أنَّ للعطف عليه مساغاً، وأنَّ اشتراط العلم بالصفة مما صرَّح به في مواضع من («الكشاف))، والكلام معه، وأنَّ العلم بصفة الاستضعاف لكونه مفسَّراً بالذبح والاستحياء وذلك معلومٌ بالمشاهَدة، وليس سببُ العلم ما ذُكر من الوحي أو خبر أهل الكتاب، وفي هذا نظر. والإنصافُ أنَّ قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ) إلخ لا يظهر كونُه بياناً لنبا موسى عليه السلام وفرعونَ معاً على شيءٍ من الاحتمالات ظهورَه على احتمال العطف على (إنَّ فرعون)) وإدخاله في حيِّز البيان، وإلَّا فالظاهرُ من ((إنَّ فرعون)) إلخ بدون هذا المعطوف أنه بيانٌ لنبأ فرعون فقط، فتأمَّل. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةً﴾ مقتدى بهم في الدِّين والدنيا على ما في ((البحر))(٢). وقال مجاهد: دعاةً إلى الخير. وقال قتادة: ولاةً، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] وقال الضحاك: أنبياء. وأيًّا ما كان ففيه نسبةُ ما للبعض إلى الكلِّ. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِينَ ﴾﴾ لجميع ما كان منتظماً في سِلْكِ مُلْكِ فرعون وقومِه على أكمل وجهٍ، كما يومئُ إليه التعريف، وذلك بأنْ لا ينازعهم أحدٌ فيه. ﴿وَثُمَّكِّنَ لَمُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أرض مصر، وأصلُ التمكين أن تَجعل للشيء(٣) مكاناً يتمكّن فيه، ثم استُعير للتسليط وإطلاق الأمر، وشاع في ذلك حتى (١) أي: من المفعول، كما في حاشية الشهاب ٧/ ٦٣، والكلام منه. (٢) ٧/ ١٠٤، وعنه نقل المصنف ما سيأتي من أقوال. (٣) في الأصل و(م): أن يجعل الشيء، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٦٣/٧، وتفسير أبي السعود ٣/٧. سُورَةُ القَصَص ١١٠ الآية : ٦ صار حقيقةً لغوية، فالمعنى: نسلطهم على أرض مصر يتصرَّفون ويَنفُذُ أمرُهم فيها كيفما يشاؤون، وظاهرُ كلام بعضهم أنَّ المراد بالأرض ما يعمُّ مصر والشام مع أنَّ المعهود هو أرضُ مصر لا غير، وكأنَّ ذلك لِمَا أنَّ الشام مقرُّ بني إسرائيل. وقرأ الأعمش: ((ولنمكِّن)) بلام ((كي))(١)، أي: وأَردنا ذلك لنمكِّن، أو: ولنمگِّن فَعَلْنا ذلك. ﴿وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا﴾ إضافةُ الجنود إلى ضميرهما إمَّا للتغليب، أو لأنه كان لهامان جندٌ مخصوصون به وإن كان وزيراً، أو لأنَّ جند السلطان جندُ الوزير. و((نري)) من الرؤية البصرية على ما هو المناسب للبلاغة. وجوِّز أن يكون من الرؤية القلبية التي هي بمعنى المعرفة، وعلى الوجهين هو ناصبٌ لمفعولين لمكان الهمزة، فـ ((فرعون)) وما عُطف عليه مفعولُه الأول، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُم﴾ أي: من أولئك المستضعفين متعلِّقٌ به، وقوله تعالى: ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ أي: يتوقَّوْنَ من ذهاب ملكهم وهلكهم على يد مولودٍ منهم، مفعولُه الثاني، والرؤية على تقدير كونها بصريةً لمقدمات ذلك وعلاماتِه في الحقيقة، لكنها جُعِلتْ له مبالغةً، ومثلُه مستفيضٌ بينهم حتى يقال: رأى موته بعينه، وشاهد هلاكه، وعليه قولُ بعض المتأخّرین : أبكاني البينُ حتى رأيتُ غَسْلي بعيني(٢) وقيل: المرادُ رؤيةُ وقتٍ ذلك. وليس بذاك. والأمرُ على تقدير كونها بمعنى المعرفة ظاهرٌ؛ لأنهم قد عرفوا ذهاب ملكهم وهلاكَهم؛ لِمَا شاهدوه من ظهور أولئك المستضعَفِينَ عليهم، وطلوعٍ طلائعه من طرق خذلانهم. وفسَّر بعضهم الموصول بظهور موسى عليه السلام، وهو خلافُ الظاهر المؤيَّدِ (١) المحرر الوجيز ٢٧٦/٤، والبحر ١٠٥/٧. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ٦٤، وعزاه في المستطرف ٢/ ٩٢ للموصلي برواية: ووجنةُ الخدِّ قالت رأيتُ غَسْلي بعيني . الآية : ٧ ١١١ سُورَةُ القَصَصِ بالآثار، وكأنَّ ذلك منه لخفاءِ وجهٍ تعلُّق رؤية فرعون ومَن معه بذهاب ملكهم وهلکهم عليه، وقد علمتَ وجهه. وقرأ عبد الله وحمزةُ والكسائيُّ: ((ويَرَى)) بالياء مضارع رأى، و((فرعونُ)) بالرفع على الفاعلية، وكذا ما عُطِفَ عليه (١). ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِ مُوسَى﴾ قيل: هي محيانةُ بنتُ يصهر بنٍ لاوي. وقيل: يوخابذ. وقيل: يارخا. وقيل: يارخت. وقيل غيرُ ذلك. والظاهرُ أنَّ الإيحاء إليها كان بإرسالِ مَلَكٍ، ولا ينافي حكايةَ أبي حيان(٢) الإجماعَ على عدم نبوَّتها؛ لِمَا أنَّ الملائكة عليهم السلام قد تُرْسَلُ إلى غير الأنبياء وتكلِّمُهم، وإلى هذا ذهب قطرب وجماعةٌ. وقال مقاتل منهم: إنَّ المَلَكَ المرسَلَ إليها هو جبريلُ عليه السلام. وعن ابن عباس وقتادةً أنه كان إلهاماً، ولا يأباه قوله تعالى: (إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) نعم هو أوفق بالأول. وقال قوم: إنه كان رؤيا منام صادقةً قُصَّ فيها أَمْرُه عليه السلام، وأوقع الله تعالى في قلبها اليقين. وحُكي عن الجبائيّ أنها رأت في ذلك رؤيا، فقصَّتْها على مَن تثقُ به من علماء بني إسرائيل فعبرها لها . وقيل: كان بإخبارِ نبيٍّ في عصرها إياها . والظاهر أنَّ هذا الإيحاءَ كان بعد الولادة، وفي الأخبار ما يشهدُ له، فيكون في الكلام جملةٌ محذوفة، وكأنَّ التقدير والله تعالى أعلم: وَوَضَعتْ موسى أمُّه في زمن الذبح، فلم تَدْرِ ما تصنعُ في أمره، وأوحينا إليها ﴿أَنْ أَرْضِعِيةِ﴾. وقيل: كان قبل الولادة. (١) التيسير ص ١٧٠، والنشر ٣٤١/٢ عن حمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من العشرة، وأمالوا فتحة الراء في ((يرى))، وذكرها عن عبد الله بن مسعود نظره أبو حيان في البحر ١٠٥/٧. (٢) في البحر ٧/ ١٠٥ . الآية : ٨ ١١٢ سُورَةُ القَصَصِ و((أنْ)) تفسيرية أو مصدرية، والمراد: أنْ أرضعيه ما أَمْكَنك إخفاؤه، وقرأ عمر بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز: ((أنِ ارْضِعيه)) بكَسْرِ النون بعد حذف الهمزة على غيرٍ قياسٍ(١)؛ لأنَّ القياس فيه نقلُ حركتها وهي الفتحةُ إلى النون كما في قراءة ورش(٢). ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الأبناء، أو من الجيران ونحوِهم أن ينمُّوا عليه ﴿فَأَلْفِيهِ فِي الْيَمِ﴾ أي: في البحر، والمرادُ به النيل، ويسمَّى مثلُه بحراً وإن غلب في غير العَذْبِ. ﴿وَلَا تَخَافِ﴾ عليه ضيعةً أو شدَّةً من عدم رضاعه في سنِّ الرضاع ﴿وَلَا تَحْزَبِّ﴾ من مفارقتك إياه. ﴿إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكٍ﴾ عن قريبٍ بحيث تأمنين عليه، ويومىُ إلى القُرْبِ السياقُ. وقيل: التعبيرُ باسم الفاعل لأنه حقيقةٌ في الحال، ويعتبر لذلك في قوله سبحانه: ﴿وَجَاِلُهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ ولا يضرُّ تفاوتُ القُرْبَيْنِ. والجملة تعليلٌ للنهي عن الخوف والحزن، وإيثارُ الجملة الاسمية وتصديرُها بحرف التحقيق للاعتناء بتحقيق مضمونها، أي: إنَّا فاعلون ردَّه وجَعْلَه من المرسلين لا محالة. واستَفْصَحَ الأصمعيُّ امرأةً من العرب أنشدت شعراً فقالت: أَبَعْدَ قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىَ أُمِّ مُوسَى) الآيةَ فصاحةٌ، وقد جمع بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟ والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ﴾ فصيحةٌ، والتقدير: ففعلَتْ ما أُمرت به من إرضاعه وإلقائه في اليمِّ لمَّا خافت عليه، وحُذِفَ ما حُذِفَ تعويلاً على دلالة الحال، وإيذاناً بكمال سرعة الامتثال. روي أنَّها لمَّا ضربها الطَّلْقُ دَعَتْ قابلةً من الموثَّلات بحبالَى بني إسرائيل فعالجتها، فلمَّا وقع موسى عليه السلام على الأرض هالها نورٌ بين عينيه، وارْتَعشَ كلُّ مَفْصِلٍ منها، ودخل حبُّه قلبها بحيث منعها من السعاية، فقالت لأمِّه: احفظيه. فلمَّا خرجت جاء عيون فرعون، فلقَّته في (١) المحتسب ١٤٧/٢، والبحر ١٠٥/٧، والكلام منه. (٢) التيسير ص٣٥. الآية : ٨ ١١٣ سُورَةُ القَصَصِ خرقةٍ وألقته في تنُّورٍ مسجورٍ، لم تَعلم ما تصنعُ لِمَا طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى النارَ عليه برداً وسلاماً فأخذته، فلمَّا ألحّ فرعونُ في طلب الولدان واجتهد العيونُ في تفخّصِها أوحى الله تعالى إليها ما أوحى، وأرضعته ثلاثةَ أشهر، أو أربعةً، أو ثمانيةً، على اختلاف الروايات، فلمَّا خافت عليه عمدتْ إلى بَرْدِيٌّ(١) فصنعت منه تابوتاً، أي: صندوقاً، فطلته بالقار من داخله. وعن السديِّ أنها دعت نجاراً، فصنع لها تابوتاً، وجعلت مفتاحه من داخلٍ، ووضعت موسى عليه السلام فيه وألقته في النيل بين أحجارٍ عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيةَ امرأةٍ فرعونَ يغتسلن فوجَدْنَه، فأَدخَلنه إليها وظننَّ أنَّ فيه مالاً، فلمَّا فَتَحْنَه رأته آسية ووقعت عليه رحمتُها فأحبَّته، وأراد فرعونُ قتله فلم تَزَلْ تكلِّمه حتى تَرَكه لها . وروي عن ابن عباس وغيره أنه كان لفرعون يومئذ بنتٌ لم يكن له ولدٌ غيرُها، وكانت من أكرم الناس إليه، وكان بها برصٌ شديدٌ أعيا الأطباء، وكان قد ذُكر له أنها لا تبرأُ إلا من قِبَلِ البحر يؤخذ منه شبهُ الإنس يوم كذا من شهر كذا حين تُشْرْقُ الشمس، فيؤخَذ من ريقه فيلطّخ به برصُها فتبرأ، فلمَّا كان ذلك اليوم غدا فرعونُ في مجلسٍ له على شفير النيل ومعه امرأتُه آسية، وأقبلت بنتُه في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل، فإذا بتابوتٍ تضربُه الأمواج فتعلَّق بشجرةٍ، فقال فرعون: ائتوني به. فابتَدَروا بالسفن فأحضروه بين يديه، فعالجوا فتحه فلم يقدروا عليه، وقَصَدوا كَسْره فأعياهم، فنظرت آسيةُ فكشفت لها عن نورٍ في جوفه لم يره غيرُها، فعالجته ففتحته، فإذا صبيٍّ صغيرٌ فيه وله نورٌ بين عينيه وهو يمصُّ إبهامه لبناً، فألقى الله تعالى محبَّته عليه السلام في قلبها وقلوبِ القوم، وعمدت بنتُ فرعون إلى ريقه فلطَّخَتْ به بَرَصَها فبرأت من ساعتها . وقيل: لمَّا نظرت إلى وجهه برأت، فقالت الغواةُ من قوم فرعون: إنَّا نظنُّ أنَّ هذا هو الذي تَحذَّرُ منه، رُمي في البحر خوفاً منك فاقتله، فهمَّ أن يقتله فاستوهبته (١) نبات كالقصب تصنع منه الحُصُر، وكان قدماء المصريين يصنعون منه الورق. المعجم الوسيط (برد). د. سُورَةُ القَصَصِ ١١٤ الآية : ٨ آسيةُ فتركه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والأخبارُ في هذه القصة كثيرةٌ، وقد قدّمنا منها ما قدَّمنا. و((آل فرعون)) أتباعُه، وقولُهم: إنَّ الآلَ لا يُستعمل إلا فيما فيه شَرَفٌ مبنيٌّ على الغالب، أو الشرف فيه أعمُّ من الشرف الحقيقيّ والصوريِّ، ومعنى التقاطِهم إياه عليه السلام أخذُهم إياه عليه السلام أَخذَ اللُّقَطَة، أي: أَخْذَ اعتناءٍ به وصيانةٍ له عن الضياع. ﴿ِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَاْ﴾ فيه استعارةٌ تهكميةٌ ضرورةَ أنه لم يَدْعُهم للالتقاط أن يكون لهم عدوًّا وحَزَناً، وإنما دعاهم شيءٌ آخَرُ كالتبِّي ونَفْعِه إياهم إذا كبر. وفي تحقيق ذلك أقوال: الأول: أنْ يشبَّه كونُه عدوًّا وحَزَناً بالعلَّة الغائية كالتبِّي والنفع تشبيهاً مضمَراً في النفس، ولم يصرَّح بغير المشبّهِ، ويدلُّ على ذلك بذِكْرِ ما يَخُصُّ المشبّه به وهو لامُ التعليل، فيكون هناك استعارة مكنيةٌ أصليةٌ في المجرور، واللامُ على حقيقتها . الثاني: أن يشبَّ أوّلاً ترتُّبُ غيرِ العلَّة الغائية بترتُّبِ العلَّة الغائية، أي: يعتبر التشبيهُ بين الترتُبين الكلِّيين ليسريَ في جزئياتهما فيتحقَّقَ تبعاً تشبيهُ ترتّبٍ كونه عدوًّا وحَزَناً - أعني الترتُّبَ المخصوصَ على الالتقاط - بترتُّب التبِّي ونحوِه مما هو علَّةٌ غائيةٌ، أعني الترتُّبَ المخصوصَ أيضاً عليه، ثم يستعمل في المشبّه اللامُ الموضوعةُ للدلالة على ترتّب العلَّة الغائية الذي هو المشبّه به، فتكون الاستعارةُ أوّلاً في العلِّية والغَرَضية، وتبعاً في اللام، فصار حُكْمُ اللام حُكْمَ الأسد حيث استُعيرت لِما يُشْبِهُ العلَّة كما استُعير الأسد لما يُشْبِهُ الأسد، بيد أنَّ الاستعارة ها هنا مكنيةٌ تبعيةٌ. الثالث: ما أفاده كلامُ الخطيب الدمشقيّ(١) في ((التلخيص)) و((الإيضاح))، وهو أن يقدَّر التشبيهُ أوَّلاً لكونه عدوًّا وحَزَناً بالعلَّة الغائية، ثم يسرى ذلك التشبيهُ إلى (١) هو جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي المعروف بخطيب دمشق، والمتوفى سنة (٧٣٩هـ)، له: تلخيص المفتاح في المعاني والبيان، ثم صنف كتاباً آخر في هذا الفن وسماه: الإيضاح في المعاني والبيان، وجعله كالشرح على التلخيص. كشف الظنون ٢١٠/١ و ٤٧٣ . الآية : ٨ ١١٥ سُورَةُ القَصَصِ تشبيه ترتُّبه بترتُّبِ العلَّة الغائية، فتستعارُ اللامُ الموضوعةُ لترتُّب العلة الغائية لترتُّب كونه عدوًّا وحَزَناً من غير استعارةٍ في المجرور، وهذا التشبيهُ كتشبيه الربيع بالقادر المختار ثم إسنادِ الإنبات إليه. وهو مفادُ كلام ((الكشاف))(١)، واختار ذلك العلَّامةُ عبد الحكيم(٢)، فقال: وهو الحقُّ عندي؛ لأنَّ اللام لمَّا كان معناها محتاجاً إلى ذكر المجرور كان اللائقُ أن تكون الاستعارةُ والتشبيهُ فيها تابعاً لتشبيه المجرور، لا تابعاً لتشبيه معنىّ كلَّيِّ بمعنَى كلِّيٍّ معنى الحرفِ من جزئياته، كما ذهب إليه السكاكيُّ(٣) وتبعه العلّامة التفتازانيُّ. انتهى فتأمَّل. واستشكل أصل تعليل الالتقاط بأنَّ الالتقاط الوجدانُ من غير قصدٍ، والتعليل يقتضي حقيقةً القصد. وهو توقُّم؛ لأنَّ الوجدان من غير قصد لا ينافي قَصْدَ أَخْذِ ما وُجِدَ لغرضٍ، وقد علمتَ أنَّ المعنى هنا: فأخذه أَخْذَ اللُّقطة - أي: أَخْذَ اعتناءٍ به ـ آل فرعون ليكون .. إلخ، والتعليلُ فيه إنما هو للأخْذِ ولا إشكالَ فيه. وقال بعضهم: يحتملُ تعلُّقُ اللام بمقدَّرٍ(٤)، أي: قدَّرنا الالتقاط ليكون .. إلخ، وعليه لا تجوُّز في الكلام إلَّا عند مَن يقول: إنَّ أفعال الله تعالى لا تعلَّل، وهو أمرٌ غير ما نحن فيه. ولا يخفى أنَّ كلام الله سبحانه أجلُّ وأعلى من أن يُعتبر فيه مثلُ هذا الاحتمال. وفي جَعْلِه عليه السلام نفسَ الحَزَنِ مالا يخفى من المبالغة. وقرأ ابن وثابٍ والأعمش وحمزةُ والكسائيُّ وابن سعدان: ((حُزْناً)) بضمِّ الحاء وسكون الزاي(٥)، وقراءة الجمهور بفتحتين لغة قريش. (١) ينظر الكشاف ١٦٦/٣. (٢) ابن شمس الدين الهندي السيالكوتي، له: حاشية على مطول السعد ومختصره، وهما من أشهر شروح تلخيص المفتاح لجلال الدين القزويني، وله أيضاً حاشية على تفسير البيضاوي على بعض سورة البقرة، وحاشية على شرح العقائد النسفية للسعد، وغيرها، وكانت وفاته في نيف وستين وألف. خلاصة الأثر ٣١٨/٢. (٣) ينظر مفتاح العلوم ص٣٨٢. (٤) في (م): بمقدار، وهو تصحيف. (٥) التيسير ص١٧١، والنشر ٣٤١/٢ عن حمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من العشرة، والكلام من البحر ٧/ ١٠٥ . سُورَةُ القَصَصِ ١١٦ الآية : ٩ ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ ﴾﴾ في كلِّ ما يأتون وما يَذَرون، أو: من شأنهم الخطأ، فليس ببِدْعِ منهم أن قتلوا ألوفاً لأَجْلِه ثم أخذوه يربُّونه ليَكْبُرَ ويَفْعَلَ بهم ما كانوا يَحْذَروّن، روي أنه ذُبح في طلبه عليه السلام تسعون ألفَ وليدٍ، و((خاطئين)) على هذا من الخطأ في الرأي. ويجوز أن يكون من خَطِئَ بمعنى: أذنب، وفي ((الأساس)) يقال: خطئ خطأً، إذا تعمَّد الذنب(١). والمعنى: وكانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأنْ ربَّى عدوّهم علی أیدیھم. والجملة على الأول اعتراضٌ بين المتعاطفين لتأكيد خطئهم المفهوم من قوله تعالى: (لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا) فإنه كما سمعتَ استعارةٌ تهكُّميةٌ. وعلَى الثاني اعتراضٌ لتأكيد ذنبهم المفهوم من حاصل الكلام، وقيل: يتعيَّن عليه أن تكون اعتراضاً لبيان الموجب لِمَا ابتُلوا به، ويحتمل على هذا أن تكون استئنافاً بيانيًّا إن أريد بما ابتُلوا به كونُه عدوًّا وحزناً، وهو لا ينافي الاعتراض عندهم. وقرئ: ((خاطين)) بغير همزٍ(٢)، فاحتمل أن يكون أصله الهمز وحُذفت، وهو الظاهر. وقيل: هو من خطا يخطو، أي: خاطين الصواب إلى ضدِّه، فهو مجازٌ. ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ آسيةُ بنتُ مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعونَ مصر في زمن يوسف الصدِّيق عليه السلام، وعلى هذا لم تكن من بني إسرائيل. وقيل: كانت منهم من سبط موسى عليه السلام. وحكى السهيليُّ(٣) أنها كانت عمَّته عليه السلام، وهو قولٌ غريبٌ، والمشهورُ القولُ الأول. والجملة عطفٌ على جملة («فالتقطه آل فرعون)»، أي: وقالت امرأةُ فرعون له حين أخرجته من التابوت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّ وَلَكٌ﴾ أي: هو قرةُ عينٍ كائنةٌ لي ولك، (١) أساس البلاغة (خطأ). (٢) وهي قراءة أبي جعفر، وقرأ حمزة وقفاً بالحذف والتسهيل. البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة ص٢٣٩. (٣) في التعريف والإعلام ص ١٣٠. الآية : ٩ ١١٧ سُوَّةُ القَصَص على أنَّ ((قرة)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والظرف في موضع الصفة له. ويَبَعُدُ كما في ((البحر))(١) أن يكون مبتدأَ خبرُه جملةُ قولِه تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُوهُ﴾ . وقالت ذلك لِمَا أَلْقَى الله تعالى من محبته في قلبها، أو لِمَا كُشِفَ لها فرأته من النور بين عينيه، أو لِمَا شاهدته من برء بنت فرعون من البرص بريقه، أو بمجرد النظر إلى وجهه. ولتفخيم شأن القرَّة عدلت عن: لنا، إلى («لي ولك))، وكأنها لِمَا تعلمُ من مزيد حبِّ فرعون إياها، وأنَّ مصلحتها أهمُّ عنده من مصلحة نفسِه قدَّمت نفسها عليه، فيكون ذلك أبلغَ في ترغيبه بترك قتله، فلا يقال: إنَّ الأظهر في الترغيب بذلك العكسُ. وقد يُستأنس لكون مصلحتها أهمَّ عنده من مصلحةٍ نَفْسِه ما أخرجه النسائيُّ عن ابن عباس ﴿ها أنها حين قالت له ذلك، قال: لكِ لا لي. ولو قال: لي كما هو لك، لهداه الله تعالى كما هداها(٢)، وهذا أمرٌ فرضيٍّ فلا ينافي ما ورد من أنه عليه اللعنةُ طبع كافراً. والخطاب في ((لا تقتلوه)) قيل: لفرعون، وإسنادُ الفعل إليه مجازيٌّ لأنه الآمرُ، والجمعُ للتعظيم، وكونُه لا يوجد في كلام العرب الموثوقِ بهم إلَّا في ضمير المتكلِّم كفَعَلْنا مما تفرَّد به الرضيُّ وقلَّده فيه مَن قلَّده، وهو لا أصلَ له روايةً ودرايةً؛ قال أبو عليٍّ الفارسيُّ في ((فقه اللغة))(٣): من سَنَنِ العرب مخاطبةُ الواحد (١) ١٠٦/٧ . (٢) سنن النسائي الكبرى (١١٢٦٣)، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٢٦١٨)، ولفظه فيهما : ... فقال فرعون: يكون لك فأما لي فلا حاجة لي. فقال رسول الله وَّطيقول: ((والذي يُحلَفُ به لو أقرَّ فرعون أن يكون له قرةً عين كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن الله حَرَمه ذلك))، وهو قطعة من خبر طويل جدًّا، ذكره ابن كثير عند تفسير الآية (٤٠) من سورة ((طه)) ثم قال: وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل، وكأنه تلقّاه ابن عباس مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٦/٧: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير أصبغ بن زيد والقاسم بن أبي أيوب، وهما ثقتان. (٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٧/ ٦٥، والصواب: ابن فارس في الصاحبي في فقه اللغة، والكلام فيه ص٣٥٣. الآية : ٩ ١١٨ سُورَةُ القَصَصِ بلَفْظِ الجمع، فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري. وهكذا في ((سرِّ الأدب))(١)، و((خصائص)) ابن جنِّي، وهو مجازٌ بليغٌ، وفي القرآن الكريم منه ما الْتِزامُ تأويله سَفَهُ. وقيل: هو لفرعون وأعوانِه الحاضرين، ورُجِّح بما رُوي: أنَّ غواة قومه قالوا وقتَ إخراجه: هذا هو الصبيُّ الذي كنَّا نَحْذَرُ منه، فَأَذَنْ لنا في قتله. وقيل: هو له ولمن يُخشى منه القتلُ - وإن لم يحضر - على التغليب. واختار بعضُهم كونَه للمأمورين بقتل الصبيان، كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما يستعطفُه على موسى عليه السلام أَمِنَتْ منه بادرةَ أمرٍ(٢) جديدٍ بقتله، فالتفتت إلى خطاب المأمورين قبلُ فنَهتْهم عن قتله معلِّلةً ذلك بقوله تعالى المحكيّ عنها: ﴿عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَدًا﴾ وهو أوفقُ باختلاف الأسلوب، حيث فضَّلَتْ أوَّلاً في قولها: ((لي ولك))، وأَفْردَتْ ضمير خطاب فرعون، ثم خاطبت وجَمعَتْ الضمير في ((لا تقتلوه))، ثم تركت التفصيل في ((عسى أن ينفعنا)) إلخ، ولم تأتٍ به على طرزِ ((قرَّة عينٍ لي ولك)) بأن تقول: عسى أن ينفعني وينفعك - مثلاً - فتأمل. ورجاءُ نَفْعِه لِمَا رأت فيه من مخايل البركة ودلائل النجابة: في المهد ينطقُ عن سعادة جدِّه أثرُ النجابة ساطعَ البرهان واتخاذُه ولداً لأنه لائقٌ لتبِّي الملوك لِمَا فيه من الأَبَّهةِ. وعطفُ هذا على ما قبله من عَظْفِ الخاصِّ على العامٌّ، أو تُعتبر بينهما المغايرةُ، وهو الأنسب بـ ((أو)). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ حالٌ من ((آل فرعون))، والتقديرُ: فالتقطه آلُ فرعون ليكون لهم عدوًّا وحَزَناً، وقالت امرأته له كيت وكيتَ، وهم لا يشعرون بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا. وقال قتادةُ: لا يشعرون أنه الذي يَفْسُدُ ملكُهم على يده. وقال مجاهد: أنه عدوٌّ لهم. (١) سر الأدب في مجاري كلام العرب، لأبي منصور الثعالبي. كشف الظنون ٢/ ٩٨٥. وذكره الثعالبي أيضاً في فقه اللغة وسرّ العربية ص٢٩٩- ٣٠٠، والكلام من حاشية الشهاب ٧/ ٦٥ . (٢) في (م): أمن. الآية : ١٠ ١١٩ ـُوَدَةُ القَصَصِ وقال محمد بن إسحاق: أنِّي أفعل ما أريد لا ما يريدون. والتقديرُ الأول جمعُ. وجوِّز كونُه حالاً من القائلة والمقولِ له معاً، والمراد بالجمع اثنان على احتمالٍ كونِ الخطاب في ((لا تقتلوه)) لفرعون فقط. وكونُه حالاً من القائلة فقط، أي: قالت امرأة فرعون له ذلك والذين أشاروا بقتله لا يشعرون بمقالتها له واستعطافِ قلبها عليه لئلا يُغْروه بقتله. وعلى الاحتمالات الثلاثة هو من كلام الله تعالى. وجوِّز كونُه حالاً من أحد ضميري («نتَّخذه)» على أنَّ الضمير للناس لا لذي الحال؛ إذ يكفي الواوُ للربط، أي: نَّخذه ولداً والناسُ لا يعلمون أنه لغيرنا وقد تبنَیناه، فیکون من كلام آسية پا. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرًِّا﴾ أي: صار خالياً من كلِّ شيءٍ غيرِ ذِكْرٍ موسى عليه السلام؛ أخرجه الفريابيُّ وابنُ أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جريرٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس(١)، وروي ذلك أيضاً عن ابن مسعود والحسن ومجاهد، ونحوُه عن عكرمة. وقالت فرقة: فارغاً من الصبر. وقال ابن زيد: فارغاً من وعد الله تعالى ووحيه سبحانه إليها، تناست ذلك من الھمِّ. وقال أبو عبيدة(٢): فارغاً من الهمِّ؛ إذ لم يغرق وسمعتْ أنَّ فرعون عَطَفَ عليه وتبنَّاه، كما يقال: فلانٌ فارغُ البال. وقال بعضهم: فارغاً من العقل؛ لِمَا دَهَمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوِّه فرعونَ، كقوله تعالى: ﴿وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: خلاءٌ لا عقولَ فیھا . واعترض على القولين بأنَّ الكلام عليهما لا يلائم ما بعده، وفيه نظر. (١) تفسير الطبري ١٦٧/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩٤٦/٩، والمستدرك ٤٠٦/٢، وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ١٢١/٥ . (٢) في مجاز القرآن ٩٨/٢ بنحوه. سُورَةُ القَصَصِ ١٢٠ الآية : ١٠ وقرأ أحمد بن موسى عن أبي عمرو: ((فواد)) بالواو(١)، وقرئ: ((مؤسى)) بهمزةٍ بدل الواو(٢). وقرأ فضالةُ بن عبيد والحسن ويزيد بن قطيب وأبو زرعة بن عمرو بن جرير: (فَزِعاً)) بالزاي والعين المهملة من الفزع(٣)، وهو الخوفُ والقلق. وابن عباس: ((قَرِعاً)) بالقاف وكسر الراء وإسكانها، من قَرِعَ رأسُه: إذا انحسر شعرُه، كأنه خلا من كلِّ شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام. وقيل: ((قَرْعاً)) بالسكون مصدر، أي: يَقْرَعُ قَرْعاً، من القارعة، وهو الهُّ العظيم(٤). وقرأ بعض الصحابة: ((فِزْغاً)) بفاءِ مكسورةٍ وزاي ساكنةٍ وغينٍ معجَمةٍ، ومعناه: ذاهباً هدراً. والمراد: مالكاً من شدة الهمِّ كأنه قتيلٌ لا قَوَدَ ولا دِيَةً فيه، ومنه قولُ طليحة الأسديِّ في أخيه حبال: فإن يكُ قبلي قد أُصيبتْ نفوسُهم فلن يذهبوا فِزْغاً بقتل حبالٍ (٥) وقرأ الخليل بن أحمد: ((فُرُغاً)) بضم الفاء والراء(٦). ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ﴾ أي: إنها كادت .. إلخ، على أنَّ ((إنْ)) هي المخفَّفةُ من الثقيلة، واللامُ هي الفارقة. أو: ما كادت إلَّا تُبدي به، على أنَّ ((إنْ)) نافية واللام بمعنى («إلَّا))، وهو قولٌ كوفيٍّ. (١) القراءات الشاذة ص١١١، والبحر ١٠٦/٧، وهي قراءة ورش من طريق الأصبهاني، وبها قرأ حمزة وقفاً، والمشهور عن أبي عمرو القراءة بالهمز. النشر ٣٩٥/١، والبدور الزاهرة ص٢٣٩ . (٢) المحتسب ١٤٨/٢، والكشاف ١٦٧/٣. (٣) القراءات الشاذة ص١١١، والمحتسب ١٤٧/٢، والبحر ١٠٧/٧، والكلام منه. (٤) البحر ١٠٧/٧، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١١، وابن جني في المحتسب ١٤٨/٢ . (٥) كذا ذكر المصنف، ومثله في البحر ٧/ ١٠٧، والقراءة في المحتسب ١٤٨/٢، والكشاف ١٦٧/٣، والمحرر الوجيز ٢٧٨/٤، والدر المصون ٦٥٣/٨، وحاشية الشهاب ٦٥/٧ بالراء المهملة بدلاً من الزاي، وذكروا البيت بالراء المهملة أيضاً شاهداً عليها. وكذا ورد في مادة (فرغ) في العين ٤٠٩/٤، وتهذيب اللغة ١١٠/٨، واللسان. (٦) البحر ٧/ ١٠٧، وهي في كتاب العين ٤٠٨/٤.