النص المفهرس
صفحات 21-40
الآية : ٥٩ ٢١ سُورَةُ النَّصْلِ والكلام على جميع هذه الأقوال متصلٌ بما قبله، وجعله الزمخشريُّ من باب الاقتضاب كأنه خطبةٌ مبتدأةٌ، حيث قال: أَمَرَ رسوله ول﴿ أن يتلو هذه الآيات الناطقةَ بالبراهين على وحدانيته تعالى وقدرته على كلِّ شيءٍ وحكمته - أعني قوله سبحانه: (ِِّ) إلخ - وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفَيْنَ من عباده. وفيه تعليمٌ حَسَنٌّ، وتوقيفٌ على أدبٍ جميلٍ، وبعثٌ على التيمُّن بالذكرين والتبرُّكِ بهما، والاستظهارِ بمكانهما على قبول ما يُلقَى إلى السامعين وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلةَ التي يبغيها المُسْمِعُ، ولقد توارثت العلماءُ والخطباء والوُعَّاظ كابراً عن كابرٍ هذا الأدب، فحمدوا الله تعالى وصلَّوا على رسول الله وَّه أمامَ كلِّ عِلْمِ مُفادٍ، وقبل كلِّ موعظةٍ وتذكرةٍ، وفي مُفتَتَحِ كلِّ خطبةٍ، وتبعهم المتراسلون فَأَجْرَوا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأنٌ(١). انتهى، ولعل جَعْلَ ذلك تخلَّصاً من قصص الأنبياء عليهم السلام إلى ما جرى له وَّه مع المشركين أَوْلَى. وأبعدُ الأقوال القولُ باتِّصاله بما قبله، وجَعْلُ ذلك أمراً للوطِ عليه السلام بأن يحمده تعالى على إهلاك كَفَرةٍ قومه، وأن يسلِّم على مَن اصطفاه بالعصمة عن الفواحش، والنجاةِ عن الهلاك = لعدم ملاءمته لِمَا بعده، واحتياجِه إلى تقديرٍ : وقلنا له، وعزا هذا القولَ ابن عطية للفرَّاء، وقال: هذه عجمةٌ من الفرَّاء(٢). والظاهر أنَّ ((سلام)) مبتدأ وما بعده خبرُه، والجملةُ معطوفةٌ على ((الحمد لله)) داخلةٌ معه في حيِّز القول. وقرأ أبو السمَّال: (([قلَ]الحمد لله)) بفتح اللام(٣). ﴿ءَهُ﴾ بالمدِّ لقَلْبِ همزةِ الاستفهام ألفاً، والأصلُ: أالله ﴿خَيْرُّ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾، والظاهرُ أنَّ ((ما)) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، أي: آلله الذي ذُكرت شؤونه العظيمةُ خيرٌ أم الذي يشركونه من الأصنام؟! و((خير)) أفعلُ تفضیل، (١) الكشاف ٣/ ١٥٤. (٢) المحرر الوجيز ٢٦٦/٤، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٩٧/٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٦٥/٤، والبحر ٨٨/٧، والدر المصون ٦٢٩/٨، واللباب ١٨٤/٢، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. قال ابن عطية: وكذلك في آخر السورة. يعني قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْخَمْدُ لِلَّهِ سَيُِّيكُمْ﴾. ـرَّةُ النَّمْلِل ٢٢ الآية : ٥٩ ومرجعُ الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته عزَّ وجلَّ، وتسفيهِ آرائهم الركيكةِ، والتهكُّم بهم؛ إذ من البيّن أنْ ليس فيما أشركوه به سبحانه شائبةُ خيرٍ حتى يمكن أن يوازَنَ بينه وبين مَن هو خيرٌ محضٍّ. وقيل: ((خير)) ليست للتفضيل، مثلُها في قولك: الصلاةُ خيرٌ، تعني خيراً من الخیور. والمختارُ الأول، واستظهره أبو حيان، وقال: كثيراً ما يجيء هذا النوعُ من أفعل التفضيل حيث يُعلَمُ ويتحقَّق أنه لا شركةَ هناك، وإنما يذكر على سبيل إلزام الخصم وتنبيهه على الخطأ، ويقصد بالاستفهام في مثل ذلك إلزامُه الإقرارَ بحصر التفضيل في جانب واحدٍ وانتفائه عن الآخر. واستظهر أيضاً كونَ المراد بالخيرية الخيريةَ في الذات، وقيل: الخيرية فيما يتعلَّق بها، وفي الكلام حذفٌ في موضعين، والتقدير: أعبادةُ الله تعالى خيرٌ أم عبادةُ ما يشركون؟! وقيل: ((ما)) مصدرية، والحذفُ في موضع واحد، والتقدير: أتوحيدُ الله خيرٌ أم إشراكُهم (١)؟! ولا داعي لجميع ذلك. وأيًّا ما كان فضميرُ الغائب لقريشٍ ونحوِهم من المشركين. وقيل: لأولئك المهلكين، وليس بشيءٍ. وقرأ الأكثرون: ((تشركون)) بالتاء الفوقانية(٢) على توجيه الخطاب لمن ذكرنا من الكفرة، وهو الأليق بما بعده من سياق النظم الكريم. وجعلَ أبو البقاء هذه الجملةَ من جملة القول المأمور به(٣). وتعقِّب بأنه يأباه قوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا) إلخ فإنه صريحٌ في أنَّ التبكيت من قبله عزَّ وجل بالذات. وحَمْلُه على أنه حكايةٌ منه عليه الصلاة والسلام لِمَا أمرَ به بعبارته(٤) كما في (١) البحر ٨٨/٧. (٢) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وأبي جعفر. التيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢. (٣) الإملاء ٤/ ١٣٧. (٤) في الأصل و(م): بعبادته، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٩٣/٦، والكلام منه. الآية : ٦٠ ٢٣ سُورَةُ الَصْلِ قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] = تعسُّفٌ ظاهرٌ من غیر داعٍ إليه. وفي بعض الآثار أنه سي﴿ كان إذا قرأ هذه الآية قال: ((بل اللهُ خيرٌ وأبقى، وَأَجَلُّ وأكرمُ)) (١) . و((أم)) في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ منقطعةٌ، لا متّصلةٌ كالسابقة. و((بل)) المقدَّرةُ على القراءة الأولى - وهي قراءة الحسن وقتادة وعاصم وأبي عمرو - للإضراب والانتقالِ من التبكيت تعريضاً إلى التصريح به خطاباً على وجهٍ أظهرَ منه لمزيد التأكيد والتشديد، وأما على القراءة الثانية فلتثنية التبكيت وتكريرِ الإلزام كنظائرها الآتية، والهمزةُ لحملهم على الإقرار بالحقِّ الذي لا محيصَ لمن له أدنی تمییزٍ عن الإقرار به. و ((مَن)) مبتدأ، خبرُه محذوفٌ مع ((أم)) المعادِلةِ للهمزة؛ تعويلاً على ما سبق في الاستفهام الأول، خلا أنَّ ((تشركون)) المقدَّرِ ها هنا بتاء الخطاب على القراءتين معاً، وهكذا في المواضع الأربعة الآتية، والمعنى: أم مَن خَلَق قطري العلم الجسمانيِّ ومبدأي منافع ما بينهما . ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ التفاتٌ إلى خطاب الكفرة على القراءة الأولى؛ لتشديد التبكيت والإلزام، واللامُ تعليليةٌ، أي: وأنزل لأَجْلكم ومنفعتكم ﴿مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ﴾ أي: نوعاً منه وهو المطر ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ بمقتضى الحكمة، لا أنَّ الإنبات موقوفٌ عليه عقلاً، وقيل: أي: أنبتنا عنده ﴿حَدَآئِقَ﴾ جمعُ حديقةٍ، وهي كما في ((البحر)): البستانُ سواءٌ أحاط به جدارٌ أم لا(٢)، وهو ظاهرُ إطلاق تفسير ابن عباس، حيث فسَّر الحدائقَ لابن الأزرق بالبساتين(٣) ولم يقيِّد. (١) قطعة من حديث أخرجه البيهقي في الشعب (٢٠٨٢) من طريق جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن أبيه علي بن الحسين مرفوعاً. وإسناده منقطع، وجابر الجعفي ضعيف عند الأكثرين، واتهمه بعضهم بالكذب. الميزان ٣٧٩/١ -٣٨٠. (٢) البحر ٧/ ٨١. (٣) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ١١٣/٥. سُورَةُ النَّصَلِك ٢٤ الآية : ٦٠ وقال الزمخشريُّ: هي البستانُ عليه حائطٌ، من الإحداق وهو الإحاطةُ(١). وهو مرويٌّ عن الضحاك. وقال الراغب: هي قطعةٌ من الأرض ذاتُ ماءٍ، سمِّيت حديقةً تشبيهاً بحدقةٍ العين في الهيئة وحصولِ الماء فيها(٢). ولعل الأظهر ما في ((البحر))، وكأنَّ وجه تسمية البستان عليه حديقةً أنَّ من شأنها أن تُحدَقَ بالحيطان، أو تُصْرَفَ نحوها الأحداق وتَنْظُرَ إليها. ﴿ذَاتَ بَهْجَةْ﴾ أي: ذاتَ حُسْنٍ ورونقٍ يبتهجُ بِهِ الناظر ويُسَرُّ ﴿مَّا كَانَ لَكُ﴾ أي: ما صحَّ وما أمكن لكم ﴿أَن تُقْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ فضلاً عن خَلْقِ ثمرها وسائرِ صفاتها البديعة = خيرٌ(٣) أم ما تشركون؟! وتقديرُ الخبر هكذا هو ما اختاره الزمخشريُّ(٤) وتبعه غيره. وقال ابن عطية: يقدَّر الخبر: يُكْفَرُ بنعمته ويُشْرَكُ به، ونحو هذا في المعنى(٥) . وقال أبو الفضل الرازي في كتاب ((اللوامح))(٦) له: ولا بدَّ من إضمارٍ معادلٍ، وذلك المضمَرُ كالمنطوق لدلالة الفحوى عليه، والتقدير: أم مَن خلق السماوات والأرض كمن لم يخلق، وكذلك يقدَّر في أخواتها، وقد أظهر في غير هذا الموضع ما أضمر هنا، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقٌ﴾ [النحل: ١٧] انتهى. ولعل الأَوْلَى ما اختاره جارُ الله، وكذا يقال فيما بعدُ. وقرأ الأعمش: ((أمَنْ)) بالتخفيف(٧)، على أنَّ الهمزة للاستفهام، و((مَن)) بدلٌ من الاسم الجليل. وتقديمُ صلتي الإنزال على مفعوله لِمَا مرَّ مراراً من التشويق إلى المؤشّر، والالتفاتُ إلى التكلَّم بنون العظمة لتأكيد اختصاص الفعل - بحكم (١) الكشاف ٣/ ١٥٥. (٢) مفردات الراغب (حدق). (٣) قوله: خير، هو خبر ((مَن)) في قوله: أم مَن خلق قطري العالم ... (٤) في الكشاف ٣/ ١٥٤ . (٥) المحرر الوجيز ٢٦٦/٤. (٦) كما في البحر ٨٩/٧، والكلام منه. (٧) القراءات الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ١٤٢/٢، والبحر ٨٩/٧. الآية : ٦٠ ٢٥ سُؤَدَةُ النَّصِل المقابلة - بذاته تعالى، والإيذانِ بأنَّ إنبات تلك الحدائق المختلفة الأصناف والأوصاف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع ما لَها من الحسن البارع والبهاء الرائع، بماءٍ واحد = أمرٌ عظيم لا يكادُ يقدِرُ عليه إلا هو وحده عزَّ وجلَّ، ورشّح ذلك بقوله تعالى: (مَّا كَانَ لَكُ) إلخ سواءٌ كان صفةً لـ ((حدائق)) أو حالاً أو استئنافاً، وتوحيدُ وَصْفِها السابق أعني: ((ذات بهجة)) لِمَا أنَّ المعنى: جماعة حدائق ذات بهجة، وهذا شائعٌ في جمع التكسير، كقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥] وكذا الحال في ضمير ((شجرها)). وقرأ ابن أبي عبلة: ((ذوات)) بالجمع، (بَهَجَةٍ)) بفتح الهاء(١) . ﴿أَهُ مَعَ الَّهِ﴾ أي: أإلهٌ آخَرُ كائنٌ مع الله تعالى الذي ذُكر بعضُ أفعاله التي لا يكاد يقدِرُ عليها غيره حتى يتوهّم جَعْلُه شريكاً له تعالى في العبادة، وهذا تبكيتٌ لهم بنفي الألوهية عمَّا يشركونه به عزَّ وجلَّ في ضمن النفي الكلّيّ على الطريقة البرهانية بعد تبكيتهم بنفي الخيرية عنه بما ذكر من الترديد، فإنَّ أحداً ممن له أدنى تمييزٍ كما لا يقدر على إنكار انتفاء الخيرية عنه بالمرة لا يكاد يقدرُ على إنكار انتفاء الألوهية عنه رأساً، لا سيما بعد ملاحظة انتفاءِ أحكامها عما سواه عزَّ وجل، وكذا الحالُ في المواقع الأربعة الآتية. وقيل: المراد نفيُ أن يكون معه تعالى إلهٌ آخَرُ في الخلق وما عُطِفَ عليه، لكنْ لا على أنَّ التبكيت بنفس ذلك النفي فقط، فإنهم لا ينكرونه حَسْبما يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] بل بإشراكهم به تعالى ما يعترفون بعدم مشاركته له سبحانه فيما ذكر من لوازم الألوهية، كأنه قيل: أإلهٌ آخرُ مع الله في خواصِّ الألوهية حتى يُجعل شريكاً له تعالى في العبادة . وقيل: المعنى: أغيرُهُ يُقْرَنُ به سبحانه ويُجعَلُ له شريكاً في العبادة مع تفرُّده جلَّ شأنُه بالخلق والتكوين، فالإنكارُ للتوبيخ والتبكيت مع تحقّق المنكر دون النفي كما في الوجهين السابقين. (١) المحرر الوجيز ٢٦٦/٤، والبحر ٨٩/٧. سُورَةُ المَمْلِ ٢٦ الآية : ٦١ ورجّح [الأول](١) بأنه الأظهرُ الموافقُ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] والأَوْفَى بحقِّ المقام؛ لإفادته نفيَ وجود إلهٍ آخَرَ معه تعالى رأساً، لا نَفْيَ معيَّته في الخلق وفروعه فقط. وقرأ هشام عن ابن عامر: ((أإله)) بتوسيط مدة بين الهمزتين وإخراج الثانية بين بين(٢). وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير: ((أإلهاً)) بالنصب(٣) على إضمار فعلٍ يناسب المقام، مثل: أتجعلون، أو: أتَدْعون، أو: أتُشْرِكون. ﴿بَّ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوءٍ حالهم وحكايته لغيرهم، و((يعدلون)) من العدول بمعنى الانحراف، أي: بل هم قوم عادتُهم العدولُ عن طريق الحقِّ بالكلية، والانحرافُ عن الاستقامة في كلِّ أمرٍ من الأمور، فلذلك يفعلون ما يفعلون من العدول عن الحقِّ الواضح الذي هو التوحيدُ، والعكوفِ على الباطل البيّن الذي هو الإشراك. وقيل: من العدل بمعنى المساواة، أي: يساوون به غيره تعالى من آلهتهم، ورُوي ذلك عن ابن زيد، والأولُ أنسبُ بما قبله. وقيل: الكلامُ عليه(٤) خالٍ عن الفائدة . ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: جعلها بحيث يستقرُّ عليها الإنسان والدوابُّ بإبداء بعضها من الماء، ودَحْوِها وتسويتها حَسْبَما يدور عليه منافعُهم، فـ ((قراراً)) بمعنى مستقرًّا، لا بمعنى قارَّةً غيرَ مضطربةٍ كما زعم الطبرسيُّ(٥)، فإن الفائدة على ذلك أتم، والجعلُ إن كان تصييريًّا فالمنصوبان مفعولان، وإلَّا فالثاني حالٌ مقدَّرةٌ. (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٦/ ٢٩٤، والكلام منه. (٢) المشهور عن هشام في هذا الموضع هو تحقيق الهمزتين مع إدخالِ ألف بينهما وعدمِه. التيسير ص٣٢، والنشر ٣٧٠/١. (٣) القراءة في الكشاف ١٥٥/٣، والبحر ٨٩/٧ دون نسبة، والمشهور عمن ذكر الرفع، ولم يقرأ أحد من العشرة بالنصب. (٤) أي: على الثاني. تفسير أبي السعود ٢٩٤/٦. (٥) في مجمع البيان ٢٣٩/٢٠. الآية : ٦١ ٢٧ سُوَّةُ النَّصْلِ وجملة قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ﴾ إلخ - على ما قيل - بدلٌ من قوله سبحانه: (أَمَّنْ خَلَقَ الَمَوَتِ) إلى آخر ما بعدها من الجمل الثلاث، وحكمُ الكلِّ واحدٌ. وقال بعض الأجلَّة: الأظهر أنَّ كلَّ واحدةٍ منها إضرابٌ وانتقالٌ من التبكيت بما قبلها إلى التبكيت بوجهٍ آخر داخلٍ في الإلزام بجهةٍ من الجهات، وإلى الإبدال ذهب صاحب ((الكشاف))(١)، وسننقل إن شاء الله تعالى عن صاحب ((الكشف))(٢) ما فيه الکشفُ عن وجهه. ﴿وَجَعَلَ خِلَلَهَا﴾ أي: أَوْساطها، جمع خَلَلٍ، وأصلُه: الفرجةُ بين الشيئين، فهو ظرفٌ حلَّ محلّ الحال من قوله تعالى: ﴿أَنْهَرًا﴾ وساغ ذلك مع كونه نكرةً لتقدُّم الحال، أو المفعول الثاني لـ ((جعل))، و((أنهاراً) هو المفعولُ الأول. والمراد بالأنهار ما يجري فيها، لا المحلُّ الذي هو الشق، أي: جعل خلالها أنهاراً جاريةً تنتفعون بها . ﴿وَجَعَلَ لَا﴾ أي: لصلاح أمرها ﴿رَوَسِىَ﴾ أي: جبالاً ثوابتَ؛ فإنَّ لها مدخلاً عاديًّا اقتضته الحكمة في انكشاف المسكون منها وانحفاظها عن الميدِ بأهلها، وتكونُ المياه الممدَّةُ للأنهار المفضية لنضارتها في حضيضها، إلى غير ذلك. وذكر بعضُهم في منفعة الجبال تكوُّنَ المعادن فيها، ونبع المنابع من حضيضها، ولم يتعرَّض لمنفعةِ مَنْعِها الأرضَ عن الحركة والميلان. وعلِّل تَرْكُ التعرُّضِ بأنه لو كان المقصود ذلك لذُكِرَ عقب جَعْلِ الأرض قراراً. ومَن أَنْصَفَ رأى أنَّ مَنْعَ الجبالِ الأرضَ عن الحركة والميلانِ اللَّذيْن يُخرجان الأرض عن حيِّز الانتفاع، ويجعلان وجودها كعدمها، من أهم ما يُذكر هنا؛ لأنه مما به صلاحُ أمرها ورفعةُ شأنها. وذِكْرُ ((لها)) دون: فيها أو عليها، ظاهرٌ في أنَّ المراد ما هو من هذا القبيل من المنافع، فتأمَّل. وإرجاعُ ضمير («لها)) للأنهار، ليكون المعنى: وجعل لإمدادها رواسيَّ ينبعُ من حضيضها الماء فيمدُّها = لا يخفى ما فيه. (١) ٣ / ١٥٥. (٢) ص٣٢ من هذا الجزء. سُورَةُ النَّصْلِ ٢٨ الآية : ٦٢ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: العذبِ والمِلْح؛ عن الضحاك. أو بَحْرَي فارس والروم، عن الحسن. أو بَحْرَي العراق والشام، عن السدي. أو بَحْرَي السماء والأرض، عن مجاهد. ﴿حَاجِزًا﴾ فاصلاً يمنع من الممازجة، وقد مرَّ الكلام في تحقيق ذلك فتذكَّر. ﴿أَنْهُ مَّعَ الَّهِ﴾ في الوجود، أو في إبداع هذه البدائع على ما مرَّ. ﴿بَلّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: شيئاً من الأشياء عِلْماً معتدًّا به، ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره. ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ وهو الذي أحوجتْه شدَّةٌ من الشدائد وألجأته إلى اللَّجَأ والضَّراعةِ إلى الله عزَّ وجلَّ، فهو اسمُ مفعولٍ من الاضطرار الذي هو افتعالٌ من الضرورة، ويرجع إلى هذا تفسيرُ ابن عباس له بالمجهود، وتفسير السديِّ بالذي لا حولَ ولا قوَّةً له. وقيل: المراد بذلك المذنبُ إذا استغفر. واللامُ فيه على ما قيل: للجنس، لا للاستغراق حتى يلزمَ إجابةُ كلِّ مضطرٍّ، وكم من مضطرٍّ لا يجاب. وجوِّز حَمْلُه على الاستغراق لكنَّ الإجابة مقيّدةٌ بالمشيئة، كما وقع ذلك في قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، ومع هذا كره النبيُّ ◌َّ أن يقول الشخص: اللهمَّ اغفر لي إن شئتَ، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنه سبحانه لا مُكْرِهَ له))(١). والمعتزلةُ يقيِّدونها بالعلم بالمصلحة؛ لإيجابهم رعايةً المصالح علیه جلَّ وعلا. وقال صاحب ((الفرائد)): ما من مضطرِّ دعا إلا أُجيب وأُعيد نفعُ دعائه إليه، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وذلك أنَّ الدعاء طلبُ شيءٍ، فإن لم يُعْطَ ذلك الشيءَ بعينه يُعْطَ ما هو أجلُّ منه، أو إن لم يُعْطَّ هذا الوقتَ يُعْطَ بعده. اهـ. وظاهرُه حَمْلُه على الاستغراق من دون تقييدٍ للإجابة، ولا يخفى أنه إذا فسِّرت الإجابةُ بإعطاء السائل ما سأله حَسْبَما سأل لا بقَظْع سؤاله، سواءٌ كان بالإعطاء المذكورِ أم بغيره = لم يستقم ما ذكره. (١) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩) من حديث أبي هريرة ٠ الآية : ٦٢ ٢٩ سُورَةُ التَمْلِ وقال العلّامة الطيبي: التعريفُ للعهد؛ لأن سياق الكلام في المشركين، يدلُّ عليه الخطاب بقوله تعالى: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ)، والمراد التنبيهُ على أنهم عند اضطرارهم في نوازل الدهر وخطوبٍ الزمان كانوا يلجؤون إلى الله تعالى دون الشركاء والأصنام، ويدلُّ على التنبيه قوله تعالى: (أَِلَهُ مَعَ اللَهِّ قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ) قال صاحب ((المفتاح)): كانوا إذا حَزّبَهم أمرٌ دعوا الله تعالى دون أصنامهم(١)، فالمعنى: إذا حزبكم أمرٌ أو قارعةٌ من قوارع الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة مَن يجيبكم إلى كشفها ويجعلُكم بعد ذلك تتصرَّفون في البلاد كالخلفاء ((أإله مع الله))، فلا يكون المضطرُّ عامًّا ولا الدعاء فإنه مخصوصٌ بمثل قضية الفلك، وقد أجيبوا إليه في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم) الآية [يونس: ٢٣] اهـ. وأنت تعلم أنّه بعيدٌ غايةَ البعد، ولعل الأولى الحملُ على الجنس والتقييدُ بالمشيئة، وهو سبحانه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمةُ، والدعاء بشيءٍ من قبيل أحدٍ الأسباب العادية له، فافهم. ﴿وَيَكْثِفُ السُّوءَ﴾ أي: يرفعُ عن الإنسان ما يعتريه من الأمر الذي يسوءُه، وقيل: الكشفُ أعمُّ من الدفع والرفع، وعطفُ هذه الجملة على ما قبلها من قَبيل عَظْفِ العامِّ على الخاصِّ. وقيل: المعنى: ويكشفُ سوءه، أي: المضطر، أو: يكشفُ عنه السوء، والعطفُ من قبيل عطف التفسير، فإنَّ إجابةً المضطرِّ هي كشفُ السوء عنه الذي صار مضطرًّا بسببه. وهو كما ترى. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ﴾ أي: خلفاءَ مَن قبلكم من الأمم في الأرض، بأن ورَّتكم سُكناها والتصرُّفَ فيها بعدهم. وقيل: المراد بالخلافة الملكُ والتسلُّطُ. وقرأ الحسن: ((ونجعلكم)) بنون العظمة (٧). ﴿أَوَلَّاهُ مَّعَ آللَّهِ﴾ الذي هذه شؤونُه ونعمُّه تعالى ﴿قَلِلًا مَّا نَذْكَّرُونَ ﴾﴾ أي: (١) مفتاح العلوم للسکاکي ص٢٧٢. (٢) المحرر الوجيز ٢٦٧/٤، والبحر ٧ / ٩٠. سُورَةُ النَّسُلِ ٣٠ الآية : ٦٣ تذكُّراً قليلاً - أو زماناً قليلاً - تتذكرون، فـ ((قليلاً)) نصبٌ على المصدرية أو على الظرفية؛ لأنه صفةٌ مصدرٍ أو ظرفٍ مقدَّرٍ، و((ما)) مزيدةٌ على التقديرين لتأكيد معنى القلّة التي أريد بها العدمُ أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى. ومفعولُ ((تذكَّرون)) محذوفٌ للفاصلة؛ فقيل: التقدير: تذكَّرون نعمَه، وقيل: تذكَّرون مضمون ما ذكر من الكلام، وقيل: تذكَّرون ما مرَّ لكم من البلاء والسرور، ولعل الأَوْلَى نعمه المذكورة. وللإيذان بأنَّ المتذكَّر في غاية الوضوح بحيث لا يتوقَّف إلَّا على التوجُّه إليه كان التذييلُ بنفي التذُّر. وقرأ الحسن والأعمش وأبو عمرو: ((يذَّكَّرون)) بياء الغيبة(١). وقرأ أبو حيوة: (تذكَّرون)) بتاءين(٢). ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يرشدُكم في ظلمات الليالي في البرِّ والبحر بالنجوم ونحوها من العلامات، وإضافةُ الظلمات إلى البر والبحر للمُلابسة وكونِها فيهما، وجوِّز أن يراد بالظلمات الطرقُ المشبهات(٣) مجازاً، فإنها كالظلمات في إيجاب الحيرة. ﴿وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهُ﴾ قد تقدَّم تفسيرُ نظيرِ هذه الجملة(٤) ﴿أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ﴾ نفيٌ لأَنْ يكون معه سبحانه إلهٌ آخَرُ، وقوله تعالى: ﴿تَعَلَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ تقريرٌ وتحقيقٌ له. وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار للإشعار بعلَّةِ الحكم، أي: تعالى وتنزَّه بذاته المنفردة بالألوهية، المستتبعة لجميع صفات الكمال ونعوتِ الجلال والجمال، والمقتضية لكون جميع المخلوقات مقهورةً تحت قدرته ((عما يشركون)) أي: عن وجود ما يشركونه به سبحانه بعنوان كونه إلهاً وشريكاً له تعالى، أو تعالى الله عن شركةٍ أو مقارَنةِ ما يشركونه به (١) التيسير ص ١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢ عن أبي عمرو وهشام وروح، وذكرها عن الحسن والأعمش أبوٍ حيان في البحر ٧/ ٩٠، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: ((تَذَكَّرون))، والباقون: (تَذَّگَّرون)). (٢) البحر ٧ / ٩٠. (٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: المشتبهات، كما في تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٥٤، وتفسير أبي السعود ٢٩٥/٦. (٤) في سورة الأعراف، الآية (٥٧). الآية : ٦٤ ٣١ سُورَةُ النَّصْلِ سبحانه. ويجوز أن تكون ((ما)) مصدريةً، أي: تعالى الله عن إشراكهم. وقرئ: ((عما تشركون)) بتاء الخطاب(١) . ﴿أَمَّن يَبْدَؤُّا الْخَلْقَ﴾ أي: يُؤْجِدُه مبتدئاً له ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يكرِّر إيجاده ويُرْجِعُه كما كان، وذلك بعد إهلاكه؛ ضرورةً أنَّ الإعادة لا تُعقل إلا بعده، والظاهرُ أنَّ المراد بهذا ما يكون من الإعادة بالبعث بعد الموت، فـ ((أل)) في الخلق ليست للاستغراق؛ لأنَّ منه ما لا يعاد بالإجماع، ومنه ما في إعادته خلافٌ بين المسلمين، وتفصيلُه في محلِّه. واستشكل الحملُ على الإعادة بالبعث بأنَّ الكلام مع المشركين وأكثرُهم منكرون لذلك، فكيف يحمل الكلامُ عليه، ويخاطبون به خطابَ المعترف؟ وأجيب بأنَّ تلك الإعادة لوضوح براهينها جُعلوا كأنهم معترفون بها، لتمُّنهم من معرفتها، فلم يبق لهم عذرٌ في الإنكار. وقيل: إنَّ منهم مَن اعترف بها، والكلامُ بالنسبة إليه، وليس بذاك. وأما تجويزُ كون ((أل)) للجنس، وأنَّ المراد بالبدء والإعادة ما يشاهَد في عالم الكون والفساد من إنشاء بعض الأشياء، وإهلاكِها ثم إنشاءِ أمثالها، وذلك مما لا ينكره المشركون المنكرون للإعادة بعد الموت = فليس بشيءٍ أصلاً کما لا يخفى. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: بأسبابٍ سماويةٍ وأرضيةٍ قد رتَّبها على ترتيبٍ بديعٍ تقتضيه الحكمةُ التي عليها بُني أمرُ التكوين ﴿أَِلَةٌ﴾ آخَرُ موجودٌ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ حتى يُجعل شريكاً له سبحانه في العبادة. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ﴾ أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بتبكيتهم إثر تبكيتٍ، أي: هاتوا برهاناً عقليًّا أو نقليًّا يدلُّ على أنَّ معه عزَّ وجلَّ إلهاً. وقيل: أي: هاتوا برهاناً على أنَّ غيره تعالى يقدِرُ على شيءٍ مما ذكر من أفعاله عزَّ وجلَّ. (١) البحر ٧ / ٩٠. سُوَرَّةُ النَّصْلِ ٣٢ الآية : ٦٤ وتعقّب بأنَّ المشركين لا يدَّعون ذلك صريحاً، ولا يلتزمون كونَه من لوازم الألوهية وإن كان منها في الحقيقة، فمطالبتُهم بالبرهان عليه لا على صريحٍ دعواهم مما لا وَجْهَ له. وفي إضافة البرهان إلى ضميرهم تهكّم بهم، لما فيها من إيهامٍ أنَّ لهم برهاناً، وأنّی لهم ذلك. وقيل: إنَّ الإضافة لزيادة التبكيت، كأنه قيل: نحن نقنع منكم بما تَعدُّونه أنتم أيها الخصوم برهاناً يدلُّ على ذلك وإن لم نَعدَّه نحن ولا أحدٌ من ذوي العقول. كذلك، ومع هذا أنتم عاجزون عن الإتيان به. ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ أي: في تلك الدعوى، واستدلَّ به على أنَّ الدعوى لا تُقبل ما لم تنوَّر بالبرهان. هذا وفي ((الكشف)): أنَّ مبنى هذه الآيات الترقِّي؛ لأنَّ الكلام في إثباتٍ أنْ لا خيريةَ في الأصنام مع أنَّ كلَّ خيرٍ منه تبارك وتعالى، فَأَجْملَ أولاً بذِكْرِ اسمه سبحانه الجامع في قوله تعالى: ((أإله))، ثم أخذ في المفصَّل، فجعل خَلْقَ السماوات والأرض تمهيداً لإنزال الماء وإنباتِ الحدائق، لا بل للأخير، يدلُّ عليه الالتفاتُ هنالك والتأكيدُ بقوله تعالى: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنِتُوا)، كأنه يذكر سبحانه ما فيها من المنافع الكثيرة لوناً وطعماً ورائحةً واسترواحَ ظلِّ، ولمَّا أثبت أنه فِعْلُه الخاصُّ أنكر أن يكون له شريكٌ، وجَعَلَهم عادلين عن منهج الصواب، أو عادلين به سبحانه مَن لا يستحقُّ، والأول أظهر. ثم ترقَّى منه إلى ما هو أكثرُ لهم خيراً وأظهرُ في نفعهم، مِن جَعْلِ الأرض قراراً وما عقبه، فذكّر جلَّ وعلا ما لا يتمُّ الإنباتُ المذكورُ إلَّا به، مع منافعَ يتصاغُرُ لديها منفعةُ الإنبات، وعقَّبه بجهلهم المطلَقِ المنتج للعدول المذكور، وأسوأ منه وأسوأً. ثم بالغ في الترقِّي، فذكر ما هو لصيقٌ بهم دون واسطةٍ من دفعٍ أو نفعٍ، فَخصَّ إجابتَهم عند الاضطرار، وعمّ بكشف السوء والمضارِّ، هذا فيما يرجع إلى دفع المحذور، وإقامتَهم خلفاء في الأرض ينتفعون بها وبما فيها كما أحبُّوا، وهذا أتم الآية : ٦٥ ٣٣ سُورَة الشَِّ : من الأوَّلَيْنِ وأعمّ وأجلُّ موقعاً وأهمُّ، ولهذا فَصَلَ بعدم التذكُّر وبولغ فيه تلك المبالغات. وأما ذِكْرُ الهداية في ظلمات البرِّ والبحر، وذِكْرُ إرسال الرياح المبشِّرة استطراداً لمناسبة حديثٍ الرياح مع الهداية في البحر، فمِن متمِّمات الخلافة وإجابةِ المضطرِّ وكَشْفِ السوء، فافهم. ونبّه على هذا بأنه فَصَلَ بقوله تعالى: (تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). ثم ختم ذلك كلَّه بالإضراب عن هذا الأسلوب بتذكير نعمتي الإيجاد والإعادة، فكلُّ نعمةٍ دونهما؛ لتوقُّفِ النعم الدنيوية والأخروية عليها، وعقَّه بإجمالٍ يتضمَّنُ جميع ما عدَّده أولاً وزيادةً، أعني: رِزْقَهم من السماء والأرض، وأدمج في تأخيره أنه دون النعمتين، ولهذا بكّتهم بطلب البرهان فيما ليس، وسجَّل بكذبهم دلالةً على تعلُّقه بالكلِّ، وأنَّ هذه الخاتمةَ ختامُ مسكي، والمُعْرِضُ عن تشامِّ نفحاته مسكي، وعن هذا التقرير ظهر وجهُ الإبدال مكشوفَ النقاب، والحمدُ لله تعالى المنعِمِ الوهّاب. اهـ. وفي ((غرة التنزيل)) للراغب ما يؤيِّده، وقد لخَّصه الطيبيُّ في ((شرح الكشاف))، والله تعالى أعلمُ بأسرار كتابه. ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَّن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ بعد ما تحقَّق تفرُّدهُ تعالى بالألوهية ببيانِ اختصاصه بالقدرة الكاملة التامة، والرحمةِ الشاملة العامَّة، عقّب بذكر ما لا ينفكُّ عنه، وهو اختصاصُه تعالى بعلم الغيب، تكميلاً لِمَا قبله وتمهيداً لِمَا بعده من أمر البعث. وفي ((البحر)) قيل: سأل الكفار عن وقت القيامة - التي وُعدوها - الرسولَ وَّله وألحُّوا عليه عليه الصلاة والسلام، فنزل قوله: (قُل لَّا يَعْلَمُ) الآية(١)، فمناسبُها على هذا لِمَا قبلها من قوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ) أتمُّ مناسبة. والظاهرُ المتبادر إلى الذهن أنَّ ((مَن)) فاعلُ ((يعلم))، وهو موصولٌ أو موصوف، و((الغيب)) مفعولُه، والاسمُ الجليل مرفوعٌ على البدلية من ((مَن))، والاستثناءُ على (١) البحر ٧/ ٩١. سُؤَدَّةُ النَّصِّ ٣٤ الآية : ٦٥ ما قيل منقطعٌ تحقيقاً مثَّصلٌ تأويلاً، على حدٍّ ما في قول الراجز: وبلدةٍ ليس بها أنيسُ إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ(١) بناءً على إدخال اليعافير في الأنيس بضَرْبٍ من التأويل، فيفيد المبالغةً في نفي علم الغيب عمَّن في السماوات والأرض بتعليق علمهم إياه بما هو بيِّنُ الاستحالة من كونه تعالى منهم، كأنه قيل: إن كان الله تعالى ممن فيهما ففيهم مَن يعلم الغيب، يعني أنَّ استحالةَ علمهم الغيبَ كاستحالة أن يكون الله تعالى منهم، ونظيرُ هذا مما لا استثناء فيه قوله : تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع(٢) وقيل: هو منقطعٌ على حدِّ الاستثناء في قوله: ولا النَّبِلُ إلَّا المَشْرَفيُّ المصمِّمُ(٣) عشية ما تُغني الرماحُ مکانھا. يعني أنه من إنْباع أحد المتباينَيْنِ الآخَرَ، نحو: ما أتاني زيدٌ إلا عمرو، وما أعانه إخوانُكم إلا إخوانُه، وقد ذكرهما سيبويه(٤)، وذكر ابنُ مالك أنَّ الأصل فيهما: ما أتاني أحدٌ إلَّا عمرو، وما أعانه أحدٌ إلا إخوانه، فجعل مكان أحد بعضَ مدلوله وهو زيدٌ وإخوانُكم، ولو لم يذكر الدخلاء فيمَن نفى عنه الإتيان والإعانة، ولكن ذكرا توكيداً لقسطهما من النفي دفعاً لتوهُّم المخاطَب أنَّ المتكلّم لم يخطر له هذا الذي أكّد به، فذكر تأكيداً، وعليه يكون الأصل في الآية: لا يعلم أحدٌ الغيبَ إلا الله، فحذف ((أحد)) وجُعل مكانه بعضُ مدلوله، وهو ((من في السماوات والأرض)) والبعضُ الآخر مَن ليس فيهما، ويكفي في كونه مدلولاً له صدقُه عليه، ولا يجب في ذلك وجودُه في الخارج، فقد صرَّحوا أنَّ من الكلِّيِّ ما يمتنعُ وجود (١) الرجز لجِران العَوْد النميري، وهو في ديوانه ص٩٧، والكتاب ٣٢٢/٢، وسلف ٢٦٣/١٣ و ١٤ / ١٧٧. (٢) وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيلٍ، وسلف ٦٤/٥. (٣) البيت لضرار بن الأزور، وهو في الكتاب ٣٢٥/٢، والكشاف ١٥٦/٣، وسلف ٣٦٦/٦. (٤) في الكتاب ٣٢٥/٢. ٠.٠ الآية : ٦٥ ٣٥ سُوَرَّةُ النَِّ بعض أفراده أو كلِّها في الخارج، على أنَّ من أجلَّة الإسلاميين مَن قال بوجود شيء غيرِ الله عزَّ وجلَّ، وليس في السماوات ولا في الأرض وهو الروحُ الأَمْرِيةُ؛ فإنها لا مكانَ لها عندهم، على نحو العقول المجرّدة عند الفلاسفة. وقال: إنَّ شرط الإتباع في هذا النوع أن يستقيم حذفُ المستثنى منه، والاستغناء عنه بالمستثنى، فإن لم يوجد هذا الشرطُ تعيَّن النصبُ عند التميميِّ والحجازيٌّ، كما في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ زَّحِمَّ﴾ [هود: ٤٣] فإنَّ الاستغناء فيه بالمستثنى عما قبله ممتنعٌ إلا بتكلفٍ، وزعم المازنيُّ أنَّ إتباع المنقطع من تغليب العاقل على غيره، ويلزمُ عليه أن يختصَّ بأحد وشبهه(١)، وهو فاسدٌ - كما قال ابن خروف ـ لأنَّ ما يبدل منه في هذا الباب غير ما ذكر أكثرُ من أن يحصى. اهـ. وكلام الزمخشريٌّ(٢) يوهمُ صَدْرُه أنَّ الاستثناء هنا من قبيل الاستثناء في المثالين اللذين ذكرهما سيبويه، وفي البيت الذي ذكرناه قبيلهما، ويُفهِمُ عجزُه أنه من قبيل الاستثناء في الرجز السابق، وأنَّ الداعي إلى اختيار المذهب التميميِّ نكتةُ المبالغة التي سمعتَها، وقد صرَّحوا أنَّ إفادة تلك النكتة إنما تتأتّى إذا جعل الاستثناء منقطعاً تحقيقاً متصلاً تأويلاً، ولعل الحقَّ أنه إذا أريد الدلالةُ على قوة النفي تعيَّن جَعْلُ الاستثناء نحوَ الاستثناء في قوله: وبلدة ... إلخ، وإذا أريد الدلالةُ على عموم النفي تعيَّن جعلُه نحوَ الاستثناء في قولهم: ما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، فتدبر. وجوِّز كونُه متصلاً كما هو الأصلُ في الاستثناء، على أنَّ المراد بمن في السماوات والأرض مَن اطّلع عليهما اطّلاع الحاضر فيهما مجازاً مرسلاً أو استعارةً. وأيًّا ما كان فهو معنّى مجازيٌّ عامّ له تعالى شأنُه ولذوي العلم من خَلْقِه وهو المخلصُ من لزوم ارتكاب الجمع بين الحقيقة والمجاز المختلَفِ في صحته، کما فعله بعضُ القائلین بالاتصال. (١) ينظر التسهيل ص ١٠٢. (٢) في الكشاف ١٥٦/٣. سُورَةُ النَّصَلِ ٣٦ الآية : ٦٥ وقيل: يعلَّق الجارُّ والمجرور على ذلك التقدير بنحوٍ: يذكر، من الأفعال المنسوبة على الحقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين، لا بنحو: استقرَّ، مما لا يصحُّ نسبتُه إليه سبحانه على الحقيقة، أي: لا يعلم مَن يذكر في السماوات والأرض الغيب إلا الله. ويجوزُ تعليقُه بـ : استقرَّ أيضاً، إلا أنه يجعل مسنداً إلى مضافٍ حُذف وأقيم المضافُ إليه مقامه، أي: لا يعلم مَن استقرَّ ذِكْرُه في السماوات والأرض الغيبَ إلا الله، فحذف الفعل والمضاف واستتر الضميرُ لكونه مرفوعاً. وهذا وما قبله كما ترى: واعترض حديثُ الاتصال بأنه يلزم عليه التسويةُ بينه تعالى وبين غيره في إطلاق لفظٍ واحدٍ، وهو أمرٌ مذمومٌ، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ عن عدي بن حاتم أنَّ رجلاً خطب عند رسول الله وَله فقال: ومَن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله وَّر: ((بئس خطيبُ القوم أنت، قل: ومَن يَعْصِ الله ورسوله))(١). وأجيب بأنَّ ذلك مما يذمُّ إذا صدر من البشر، أمَّا إذا صدر منه تعالى فلا يذمُّ، على أنَّ كونه مما يذمُّ إذا صدر من البشر مطلقاً ممنوعٌ، فقد روى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ عن أنس قال: قال رسول الله وَّه: ((ثلاثٌ مَن كنَّ فيه وَجَد بهنَّ طعم الإيمان: مَن كان الله تعالى ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما)) الحديث(٢)، ولعل مدار الذمِّ والمدح تَضمُّنُ ذلك نكتةً لطيفةً وعدمُ تضمّنِه إياها، وقد قيل في حديث أنس: النكتة في تثنية الضمير الإيماءُ إلى أنَّ المعتبر هو المجموعُ المرئَّب من المحبَّتين، والنكتةُ في إفراده في حديث عديِّ الإشعارُ بأنَّ كلَّا من العصيانين مستقلّ باستلزام الغواية. وقد مرَّ الكلام في هذا المَبْحَثِ(٣) فتذكَّر. (١) صحيح مسلم (٨٧٠)، وسنن أبي داود (١٠٩٩)، وسنن النسائي (المجتبى) ٩٠/٦. وسلف عند تفسير الآية (٨٢) من سورة الكهف. (٢) صحيح البخاري (١٦)، وصحيح مسلم (٤٣)، وسنن الترمذي (٢٦٢٤)، وسنن النسائي (المجتبى) ٩٤/٨، وهو عند أحمد (١٢٠٠٢). وسلف عند تفسير الآية (٨٢) من سورة الكهف. (٣) عند تفسير الآية (٨٢) من سورة الكهف. الآية : ٦٥ ٣٧ سُورَةُ النَّصْلِ وجوِّز أن يُعرَبَ ((مَن)) مفعول ((يعلم))، و((الغيب)) بدل اشتمالٍ منه، والاسمُ الجليل فاعل ((يعلم))، ويكون استثناءً مفرَّغاً، أي: لا يعلمُ غيبَ مَن في السماوات والأرض إلا الله، ولا يخفى بعدُه. والغيبُ في الأصل مصدرُ غابت الشمس وغيرُها: إذا اسْتَتَرتْ عن العين. واستُعمل في الشيء الغائب الذي لم تُنصَبْ له قرينةٌ، وكونُ ذلك غيباً باعتباره بالناس ونحوِهم لا بالله عزَّ وجل، فإنه سبحانه لا يغيب عنه تعالى شيءٌ، لكن لا يجوز أن يقال: إنه جلَّ وعلا لا يعلمُ الغيب، قصداً إلى أنه لا غيبَ بالنسبة إليه ليقال يعلمه، وقد شنَّع الشيخ أحمد الفاروقيُّ السرهنديُّ المشهورُ بالإمام الرَّبانيِّ في (مكتوباته)) على مَن قال ذلك قاصداً ما ذكر أتمَّ تشنيع(١)، كما هو عادتُه، جزاه الله تعالى خيراً فيمَن لم يتأدَّبْ بآداب الشريعة الغرَّاء. والظاهر عموم ((الغيب))، وقيل: المراد به الساعة. وقيل: ما يُضْمِره أهل السماوات والأرض في قلوبهم. وقيل: المراد جنسُ الغيب، ويلزمُ من نفي عِلْم جنسه عن غيره عزَّ وجلَّ نفيُ عِلْم كلِّ فردٍ من أفراده عن ذلك الغير. ولا يضرُّ في ذلك أنَّ الآية لا تدلُّ حينئذٍ على ثبوت علم كلِّ غيبٍ له عزَّ وجَلَّ، بل قصارى ما تدلُّ عليه ثبوتُ علم جنس الغيب له سبحانه؛ لأنه المنفيُّ صريحاً عن المستثنى منه، ولا يلزم من ثبوت علم هذا الجنس ثبوتُ علم كلِّ فردٍ من أفراده = لأنها لم تُسَقْ للاستدلال بها على ذلك، وكم وكم من دليل عقليٍّ ونقليٌّ يدلُّ عليه. وتعقّب بأنَّ الغيب من حيث إنه غيبٌ لا يتفاوتُ، فمتى ثبت العلم ببعض أفراده ثبت العلم بجميعها دفعاً للزوم الترجيح بلا مرجِّحٍ. فتأمل. واختار بعضهم الاستغراق، أي: لا يعلم مَن في السماوات والأرض كلَّ غيبٍ إلَّ الله فإنه سبحانه يعلم كلَّ غيبٍ؛ لأنه الأوفق بالمقام. واعترض بأنه يلزم أن يكون من أهل السماوات والأرض مَن يعلم بعض (١) مكتوبات الإمام الرباني للشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي ١٠٦/١-١٠٧، المكتوب رقم (١٠٠). سُورَةُ النَّصِ ٣٨ الآية : ٦٥ الغيوب، وظاهرُ كلام كثيرٍ من الأجلَّة يأبى ذلك، ويؤيِّده ما أخرجه الشيخان والترمذيُّ والنسائيُّ وأحمدُ وجماعةٌ من المحدِّثين من حديث مسروقٍ عن عائشة ﴿ُّا أنها قالت: مَن زعمَ أنَّ محمداً وَلّهِ يخبر الناس بما يكون في غدٍ - وفي بعض الروايات: يعلم ما في غدٍ - فقد أَعْظَمَ على الله تعالى الفريةَ، والهُ تعالى يقول: (قُل لَا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهَ)(١). وجوَّز بعضهم أن يكون منهم مَن يعلمُ بعضَ الغيوب، ففي ((بيانِ قواطع الإسلام)) تأليف العلامة ابن حجر بعد الردّ على مَن أَكْفَرَ مَن قيل له: أتعلم الغيب؟ فقال: نعم. لأنَّ فيما قاله تكذيبُ النصِّ، وهو قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧] ما نصُّه: وعلى كلٌّ فالخواصُّ يجوز أن يعلموا الغيبَ في قضية أو قضايا كما وقع لكثيرٍ منهم واشْتَهَر، والذي اخْتَصَّ به تعالى إنما هو علمُ الجميع وعلمُ مفاتح الغيب المشارِ إليها بقوله تعالى: (وَعِندَهُ، مَفَاتِعُ الْغَيْبٍ) الآية، وينتجُ من هذا التقرير أنَّ مَن ادَّعى علم الغيب في قضيةٍ أو قضايا لا يكفّر، وهو محملُ ما في ((الروضة))، ومَن ادَّعى علمه في سائر القضايا يكفّر، وهو محملُ ما في أصلها، إلَّا أن عبارته لمَّا كانت مطلقةً تشمل هذا وغيره ساغ للنوويِّ الاعتراضُ عليه، فإن أَظْلَقَ فلم يُرِدْ شيئاً فالأوجهُ ما اقتضاه كلام النوويٌّ من عدم الكفر(٢). انتهى. ولعل الحقَّ أن يقال: إنَّ علم الغيب المنفيَّ عن غيره جلَّ وعلا هو ما كان للشخص لذاته، أي: بلا واسطةٍ في ثبوته له، وهذا ممَّا لا يُعقَلُ لأحدٍ من أهل السماوات والأرض لمكانِ الإمكان فيهم ذاتاً وصفةً، وهو يأبى ثبوتَ شيءٍ لهم بلا واسطة، ولعل في التعبير عن المستثنى منه بـ ((مَن في السماوات والأرض)) إشارةٌ إلى علَّةِ الحكم، وما وقع للخواصِّ ليس من هذا العلم المنفيِّ في شيءٍ، ضرورةً (١) صحيح البخاري (٤٨٥٥)، وصحيح مسلم (١٧٧)، وسنن الترمذي (٣٠٦٨)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٤٤)، ومسند أحمد (٢٤٢٢٧)، وجاء عند أحمد والبخاري ذكر الآية الأخيرة من سورة لقمان بدل قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾. (٢) الإعلام بقواطع الإسلام على هامش الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ٧٢-٧٣. الآية : ٦٥ ٣٩ سُورَةُ الْنَصْلِ أنه من الواجب عزَّ وجلَّ أفاضه عليهم بوجهٍ من وجوه الإفاضة، فلا يقال: إنهم علموا الغيب بذلك المعنى، ومَن قاله كَفَر قطعاً. وإنما يقال: إنهم أُظْهِروا أو أُطْلِعوا - بالبناء للمفعول - على الغيب، أو نحو ذلك مما يُفْهِمُ الواسطة في ثبوت العلم لهم، ويؤيِّد ما ذكر أنه لم يَجئ في القرآن الكريم نسبةٌ علم الغيب إلى غيره تعالى أصلاً، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى سبحانه من رسولٍ. لا يقال: يجوزُ على هذا أن يقال: أُعلم فلانٌ الغيب - بالبناء للمفعول أيضاً - على معنى أنَّ الله تعالى أعلمه وعرَّفه ذلك بطريقٍ من طرق الإعلام والتعريف، ومتى جاز هذا جاز أن يقال: عَلِمَ فلانٌ الغيبَ، بقَصْدِ نسبةٍ علمه الحاصلِ من إعلامه إليه = لأنَّا نقول: لا كلامَ في جواز ((أُعلم)) بالبناء للمفعول، وإنما الكلامُ في قولك: ومتى جاز هذا جاز أن يقال .. إلخ، فنقول: إنْ أريد بالجواز في تالي الشرطية الجوازُ معنّى - أي: الصحةُ من حيث المعنى - فمسلَّمٌ، لكن ليس كلُّ ما جاز معنّى بهذا المعنى جاز شرعاً استعمالُه، وإن أريد الجواز شرعاً بمعنى عدم المنع من استعماله فهو ممنوعٌ، لِمَا فيه من الإيهام والمُصادمةِ لظواهر الآيات كآية: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّةً) وغيرها؛ وقد سمعتَ عن الإمام الربانيّ قدِّس سرُّه النورانيُّ أنه حظّ كلَّ الحطّ على مَن قال: الله سبحانه لا يعلم الغيب، متأوّلاً له بما تقدَّم؛ لما فيه من المصادمة للنصوص القرآنية وغيرها، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه، وقد شتّعوا أيضاً على مَن قال: أَكْرهُ الحقَّ وأُحِبُّ الفتنةَ وأَفرُّ من الرحمة. مريداً بالحق الموتَ، وبالفتنة المال أو الولد، وبالرحمة المطر؛ لما في ظاهره من الشناعة والبشاعة ما لا يخفى. نعم لا يكفّر قائلُ ذلك بذلك القصد، ويلزمُه التعزيرُ كيلا يعود إلى قوله. ثم إنَّ عِلْمَ غيرِ الغيب من المحسوسات والمعقولات وإنْ كان لا يَثْبُتُ لشيءٍ من الممكنات بلا واسطةٍ في الثبوت أيضاً، إلا أنه في نسبته لشيءٍ منها لم يُعتَبَر إلّا اتِّصافه به غيرَ مقيَّدٍ بنفي تلك الواسطة؛ لِمَا أنه يَرِدْ حَصْرُ ذلك العلم به عزَّ وجل ونفيُه عمن سواه جلَّ وعلا، بل صرَّح في مواضعَ أكثرَ من أنْ تُحصى بنسبته إلى غيره سبحانه، ولو ورد فيه ما ورد في علم الغيب لالْتُزِمَ فيه ما الْتُزِمَ فيه. سُؤَةُ التَصْلِ ٤٠ الآية : ٦٥ وعلى ما تقرَّر لا يكونُ علمُ العقول بما لم يكن بعدُ من الحوادث على ما يزعمه الفلاسفةُ من علم الغيب، بل هو لو سلِّم علمٌ حصل لهم من الفيَّاض المطلَق جلَّ شأنُه بطريقٍ من الطرق التي تقتضيها الحكمةُ، فلا ينبغي أن يقال فيهم: إنهم عالمون بالغيب، وقائله إمَّا كافرٌ أو مسلم آئمُ. وكذا يقال في علم بعض المرتاضين من المسلمين الصوفية والكفرة الجوكيةِ(١)، فإنَّ كلَّ ما يحصل لهم من ذلك فإنما هو بطريق الفيض، ومراتبُه وأحوالُه لا تحصى، والتأهُّل له قد يكون فطريًّا، وقد يكون كَسْبِيًّا، وطرق اكتسابه متشعَّبةٌ لا تكاد تُسْتَقْصَى، وإفاضةُ ذلك على كفرةِ المرتاضين وإن أَشْبَهتْ إفاضتَه على المؤمنين المثَّقين، إلّا أنَّ بين الأمرين فَرْقاً عظيماً عند المحققين. وقد ذكر بعضُ المتصوِّفة أنه ما من حقِّ إلا وقد جُعل له باطلٌ يُشْبِهُه؛ لأنَّ الدار دارُ فتنةٍ، وأكثر ما فيها محنةٌ. ويلحقُ بعلم المرتاضين من الجوكية علمُ بعض المتصوِّفة المنسوبين إلى الإسلام، المهمِلينَ أكثر أحكامه الواجبةِ عليهم، المنھمکین في ارتكاب المحظورات في نهارهم وليلهم، فلا ينبغي اعتقادُ أنَّ ذلك كرامةٌ بل هو نقمةٌ مفضيةٌ إلى حسرةٍ وندامةٍ. وأمَّا علم النجوميِّ بالحوادث الكونية حسبما يزعمه فليس من هذا القبيل؛ لأنَّ تلك الحوادثَ التي يُخبِرُ بها ليست من الغيب بالمعنى الذي ذكرناه؛ إذ هي وإن كانت غائبةً عَّا إلا أنها - على زَعْمِه - مما نصبَ لها قرينة من الأوضاع الفلكية والنسب النجومية، من الاقتران والتثليث والتسديس والمقابلة ونحو ذلك، وعلمُه بدلالة القرائن التي يزعمها ناشئٌ من التجربة، وما تقتضيه طبائعُ النجوم والبروج التي دلَّ عليها بزَعْمِه اختلافُ الآثار في عالم الكون والفساد، فلا أرى العلمَ بها إلا كعِلْمِ الطبيب الحاذقِ إذا رأى صفراويًّا مثلاً عَلِمَ رتبةَ مزاجه وحقَّقها يأكل مقداراً معيَّناً من العسل أنه يعتريه بعد ساعة أو ساعتين كذا وكذا من الألم، وإطلاقُ علم الغيب على ذلك فيه ما فيه. وإن أبيتَ إلَّا تسميةَ ذلك غيباً فالعلمُ به لكونه بواسطة الأسباب لا يكون من علم الغيب المنفيِّ عن غيره تعالى في شيءٍ، وكذا (١) طائفة من البراهمة يقولون بتناسخ الأرواح. تاج العروس (جوك).