النص المفهرس
صفحات 461-480
الآية : ١٣٤ ٤٦١ سُورَةُ الََّة غيرها، والثانية على معنى: ولكم ما كسبتُموه لا ما كَسَبَه غيركم(١)، فيختلف القَصْران لاقتضاء المقام ذلك. ﴿وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ إنْ أُجريَ السؤالُ على ظاهره فالجملة مُقْرِّرةٌ لمضمون ما قبلها، وإنْ أُريدَ به مُسبَّبَهُ - أعني الجزاء - فهو تَذييلٌ لَتْمیم ما قبله، والجملة مُستأنفةٌ أو مُعترضةٌ، والمرادُ تَخييبُ المخاطَبِين، وقطعُ أطماعهم من الانتفاع بحسنات مَن مضى منهم، وإنَّما أطلق العمل لإثبات الحكم بالطريق البرهانيٍّ في ضمن قضية كلِّيَّة: وحَمَل الزمخشريُّ الآيةَ على معنى: لا تُواخَذُون بسيئاتهم كما لا تُثَابُون بحسناتهِم(٢). واعتُرضَ بأنَّه ممَّا لا يَليقُ بشأن التنزيل، كيف ولا هم مُنزَّهون عن كَسب السيئات، فمِن أَين يُتصوَّر تَحميلُها على غيرهم، حتى يتصدَّى لبيان انتفائه؟ وأنت تَعلمُ أنَّه إذا كان المقصودُ سَوقَ ذلك بطريقٍ كُلِيٍّ بُرهانيٍّ لا يُتُوهَّم ما ذكر. هذا ومن الغريب حَمْل الإشارة على كلِّ مِن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وأنَّ المعنى: كلُّ واحدٍ منهم أمة، أي: بمنزلتها في الشرف والبهاء، ((قد خلت)) أي: مَضَت ولستُم مأمورين بمتابعتهم، ((لها ما كسبت)) وهو ما أَمرَها الله تعالى به، ((ولكم ما كسبتُم؛ ممَّا يأمرُكم به سبحانه وتعالى، ولا ينفعكم مُكتسبُهم لأنَّه ليس مقبولاً منكم؛ لأنَّه ليس في حَقِّكم، إنَّما يَنفعكم ما يجبُ عليكم کَسْبُه، (ولا تسألون عما كانوا يعملون)) هل عملتُم به، وإنما تُسألون عمَّا کان یعملُ نبُکم الذي أُمرتم بمتابعته، فإنَّ أعماله ما هو كسبُكم المسؤول عنه، فدَعُوا أنَّ هذا(٣) ما أمر به إبراهيمُ أو غيرُه، وتَمسَّكوا بما أمر به نبيُّكم، واعتبِرُوا إضافةً العمل إليه دونَهم. ولا يخفى أنَّه لو كانت هذه الآياتُ كلامَ هذا المفسِّر لأمكنَ حملُها على هذا التفسيرِ الذي لا فرعَ ولا أصل له، لكنَّها كلامُ ربِّ العالمين الذي يَجِلُّ عن الحمل على(٤) مثل ذلك. (١) في الأصل و(م): غيرهم، والمثبت أنسب للسياق، وينظر حاشية الشهاب ٢٤٤/٢. (٢) الكشاف ٣١٤/١. (٣) وقع في هامش الأصل: هكذا ولعل كلمة أن هذا زائدة فتنبه. (٤) في (م): عن. سُورَةُ الْبَدَة ٤٦٢ التفسير الإشاري (١٢٤-١٣٤) ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات السابقة إلى هنا: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِيَتٍ﴾ أي: بمراتبِ الروحانيات، كالقلب والسِّرِّ والروح والخَفَاء والوحدةِ، والأحوالِ والمَقامات التي يُعبر بها على تلك المراتبٍ، كالتسليم، والتوُّل، والرضا، وعلومِها، ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ بالسلوكِ إلى الله تعالى وفي الله تعالى حتى الفناءِ فيه . ﴿قَالَ إِِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ بالبقاءِ بعدَ الفناء، والرجوع إلى الخَلْقِ مِن الحقِّ، تَؤْمُّهم وتَهديهم سلوكَ سبيلي، ويَقتدون بك فيهتدون، ﴿قَالَ وَمِن ذُرِيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ (٣) فلا يَكونون خُلفائي مع ظُلمهم وظُلمتهم برؤيةِ الأغيار ومُجاوَزَةٍ الحدود. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَ﴾ بيتَ القلب مَرجِعاً للناس، ومَحلَّ أمنٍ وسلامةٍ لهم إذا وصلوا إليه وسكنوا فيه مِنْ شرِّ غوائلِ صفاتِ النفسِ، وفَتْكِ فتَّاك(١) القوى الطبيعية وإفسادها، وتَخييل شياطينِ الوهم والخيال وإغوائِهم، ﴿وَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِتَ﴾ الذي هو مَقام الروح والخُلَّةِ موطِناً للصلاة الحقيقية، التي هي المشاهدَة والخُّلَّة الذوقيَّةُ. ﴿وَعَهِذْنَآ إِلَى إِبْرُهِمَ وَإِسْمَعِيلَ﴾ أمرناهما بتَطهيرٍ بيتِ القلب مِن قاذوراتٍ أحاديثٍ النفس، ونجاساتٍ وساوس الشيطان، وأرجاسٍ دواعي الهوى، وأدناسٍ صفاتٍ القوى، للسالكين المشتاقين، الذين يدورون حولَ القلب في سيرهم، والواصلين إلى مَقامه بالتوكُّل الذي هو توحيدُ الأفعالِ، والخاضعين الذين بَلَغوا إلى مَقام تَجلِّي الصفات وكمالٍ مرتبة الرِّضا، الغائبين في الوحدةِ الفانين فيها . ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا﴾ الصدرَ الذي هو حَرِيمُ القلب ﴿بَلَدًا ءَإِنًا﴾ مِن استيلاء صفاتِ النفس، واغتيالِ العدوِّ اللعين، وتَخظُّفِ جِنِّ القوى البدنية، ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ﴾ ثمرات معارفِ الروح ﴿مَنْ﴾ وَخَّدَ الله تعالى منهم وعَلِمَ المعاد إليه، ﴿قَالَ وَمَنْ﴾ احتَجَبَ أيضاً مِن الذين يسكنون الصدر ولا يُجاوزون حدَّه بالترقِّي إلى مَقام العين لاحتجابِهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر، ﴿فَأُمِّعُ قَلِيلًا﴾ مِنْ المعاني العقليةِ والمعلومات الكُلِّية النازلَةِ إليهم مِن عالَم الرُّوحِ على حَسَب استعدادهم ﴿ثُمَّ أَخْطُّهُ؟ (١) في (م): قتال. التفسير الإشاري (١٢٤-١٣٤) ٤٦٣ سُورَةُ الْبَقَة إِلَى عَذَابٍ﴾ نارِ الحِرمان والحجاب، ﴿وَيْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصيرُهم لتعذّبهم (١) بنقصانهم وعَدَمٍ تَكميل نشأتهم. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِعُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ على الكيفيَّة التي ذكرناها قبلُ ﴿وَإِسْمَئِيلُ﴾ كذلك، قائلَينِ: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً﴾ مجاهداتنا ومَسَاعينا في السلوك إليك بإمداد ﴾ بنيّاتنا التوفيق، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لهواجسٍ خواطرنا فيك ﴿الْمَلِيمُ وأسرارنا . ﴿رََّا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا، ﴿وَمِن ذُرِيَّتِنَا﴾ المُنْتَمِین إلينا ﴿أُمََّّ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا﴾ طُرقَ الوصولِ إلى نفي ما سواك، ﴿وَتُبْ عَلَاً﴾ لنفنَى فيك (٧٨)) بمَن عن أنفسنا وفنائنا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّبُ﴾ الموفَّقُّ للرجوع إليك، ﴿الرَّحِيمُ عَوَّلَ دون السِّوى عليك. ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وهو الحقيقةُ المحمديَّة ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾ الدالَّةَ عليك، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ كتاب العقل الجامع لصفاتك، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الدَّالَّةَ على نَفْيٍ غيرك، ﴿وَيُزَكِبِمٌ﴾ ويُطهرهم عن دنسِ الشِّركِ، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِزُ﴾ الغالبُ، فأَنَّى يَظهر سواك، المُحْكِمُ لِمَا ظهرتَ فيه فلا يُرى إلا إِيَّاك. ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِرَ﴾ وهي التوحيدُ الصرف، ﴿إِلَّا مَن﴾ احتجب عن نورِ العقل بالكُلِّية، وبقي في ظلمة نفسه، ﴿وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ﴾ فكانَ مِن المحبوبين المرادِين بالسابقة الأزلية في عالم الملك، ﴿وَإِنَّهُ﴾ في عالم الملكوت مِن أهل الاستقامةِ، الصالح لتدبير النظام وتكميل النوع، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُُّ: أَسْلِمْ﴾ أي: وَحَّد وأَسلمْ لله تعالى ذاتك، ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ وفَنِيتُ فيه. ﴿وَوَضَى﴾ بكلمة التوحيد ﴿إِزَهِمُ بَنِهِ﴾ السالكين على يده، وكذلك يعقوبُ: ﴿يَبَِّّ إِنَّ اللَّهَ أَضَطَفَى لَكُمُ﴾ دينَه الذي لا دينَ غيره عنده، ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ﴾ بالموت الطبيعيِّ وموت الجهل، بل كونوا مَيِّتين بأنفسكم، أحياء بالله أبداً، فيُدرِككم موتُ البدن على هذه الحالة. (١) في (م): لتعذيبهم. سُوَّةُ الْبَقَة ٤٦٤ الآية : ١٣٥ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ فلا تكونوا مُقيَّدين بالتقليد البحتِ لهم، فليس لأحدٍ إلا ما كسب مِن العلم والعمل والاعتقاد والسيرة، فكونوا على بصيرةٍ في أمركم، واطلبوا(١) ما طلبوا لتنالوا ما نالوا ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومَنْ دَقَّ بابَ الكريم(٢) ولجَّ وَلَجَ. ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَنَرَىْ تَهْتَدُواْ﴾ الضميرُ الغائب لأهل الكتاب، والجملةُ عطفٌ على ما قبلها عطفَ القصّةِ على القصّة، والمرادُ منها رَدُّ دعوتهم إلى دينهم الباطل إثْرَ رَدِّ ادِّعائهم اليهوديَّة على يعقوب عليه السلام. و ((أو)) لتنويع المقال لا للتخيير، بدليلِ أنَّ كلَّ واحدٍ من الفريقَين يُكفِّرُ الآخر، أي: قال اليهود للمؤمنين: ((كونوا هوداً))، وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى. و (تهتدوا)) جوابُ الأمر، أي: إن كنتم كذلك تهتدوا. روي عن ابن عباس ﴾: أنَّها نزلَتْ في رُؤوس يهود المدينة: كعبٍ بن الأشرف، ومالكِ بن الصيف، ووهبٍ بن يهوذا، وأبي ياسر بن أخطب، وفي نَصارى أهل نجران، وذلك أنَّهم خاصموا المسلمين في الدِّين، كلُّ فرقةٍ تزعمُ أنّها أحقُّ بدين الله مِن غيرها، فقالت اليهود: نبيّنا موسى أفضلُ الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضلُ الكتب، ودينُنا أفضلُ الأديان. وكَفَرَتْ بعيسى والإنجيلِ ومحمدٍ والقرآن. وقالت النصارى: نبيّنا عيسى أفضلُ الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضلُ الكتب، وديننا أفضلُ الأديان. وكَفَرتْ بمحمدٍ والقرآن. وقال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنينَ: كونوا على ديننا، فلا دين إلا ذلك(٣). في رواية ابنِ إسحاق وابنٍ جرير وغيرهما عنه: أنَّ عبدَ الله بن صوريا الأعور قال للنبيِّ وَّر: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتدٍ. وقالت النصارى: مثلَ ذلك، فأنزلَ الله تعالى فيهم الآيةَ(٤). (١) في الأصل: فاطلبوا. (٢) في الأصل: كريم. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٣٨. (٤) سيرة ابن هشام ٥٤٩/١، وتفسير الطبري ٥٨٩/٢. الآية : ١٣٥ ٤٦٥ سُورَةُ الْبَنَة ﴿قل﴾ خطابٌ للنبيِّ وَّ، أي: قل لأولئك القائلينَ على سبيل الردِّ عليهم، وتبيينٍ ما هو الحقُّ لديهم، وإرشادهم إليه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِنَّهِمَ﴾ أي: لا نكونُ كما تقولون، بل نكونُ ملة إبراهيم، أي: أهل ملَّته، أو: بل نَتَّبع ملة إبراهيم. والأول: يَقتضيه رعايةُ جانبٍ لَفِظِ ما تَقدَّم، وإن احتاجَ إلى حذفِ المضاف، والثاني: يَقتضيه المَيلُ إلى جانبٍ المعنى، إذ يَؤولُ الأول إلى: اتَّبعوا ملَّةَ اليهود أو النصارى، مع عَدَمِ الاحتياج إلى التقدير. وجُوِّزَ أنْ يكونَ المعنى: بل اتَّبعوا أنتم مَّتَه، أو: كونوا أهَل مَتِهِ. وقيل: الأظهرُ: بل نوتي ملَّة إبراهيم. ولم يظهر لي وَجْهُهُ. وقرئ: ((بل مِلَُّ)) بالرفع(١)، أي: بل ملَّتُنا - أو أمرُنا - مَّتُه(٢)، أو: نحنُ ملَّتُه، أي: أهلُها. وقيل: بل الهدايةُ أو تهدي ملَةُ إبراهيم، وهو كما ترى. ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مستقيماً، أو مائلاً عن الباطلِ إلى الحقِّ، ويُوصفُ به المُندیِّنُ والدِّينُ، وهو حالٌ إمَّا من المضاف بتأويل الدِّين، أو تَشبيهاً له بفَعيلٍ بمعنى مفعول، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وهذا على قراءة النصب وتقديرٍ: نتَّبعُ، ظاهرٌ. وأمَّا على تقدير: نكون عليها؛ فلأنَّ (ملةَ)) فاعلٌ للفعل(٣) المستفادِ من الإضافة، أي: نكونُ ملةً ثَبتَتْ لإبراهيم. وعلى قراءةِ الرفع تكونُ الحال مؤكِّدةً؛ لوقوعها بعد جملةٍ اسميةٍ جُزآها جامدان مَعْرِفتان مُقرِّرةً لمضمونها؛ لاشتهار ملَّته عليه الصلاة والسلام بذلك، فالنظمُ على حَدِّ: أنا حاتم جواداً. أو من المضاف إليه بناءً على ما ارتضَوه مِن أنَّه يَجوز مجيء الحال منه في ثلاث صور: إذا كان المضاف مشتقًّا عاملاً، أو جزءاً، أو بمنزلة الجزء في صِحّة حَذْفِهِ كما هنا، فإنه يصح: اتَّبعوا إبراهيم، بمعنى: اتَّبعوا مَّته. (١) القراءات الشاذة ص ١٠، والبحر ١٠٦/١. (٢) وفي ((ملةُ)) هنا وجهان: الأول أن تكون خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: بل ملَُّنا ملَّةُ، والثاني أن تكون مبتدأ خبره محذوف، أي: بل ملَّةُ إبراهيم مَّتُنا. ينظر الدر المصون ١٣٦/٢. (٣) في (م): الفعل. سُورَةُ النَّفَقَة ٤٦٦ الآية : ١٣٦ وقيل: إنَّ الذي سَوَّغَ وقوعَ الحال من المضافِ إليه، كونُه مفعولاً لمعنى الفعل المستفاد من الإضافة أو اللام، وإليه يُشيرُ كلام أبي البقاء (١)، ولعلَّه أولى لاطِراده في التقديرِ الأول. وقيل: هو منصوب بتقدير: أعني. ﴿َوَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣٥)﴾ عطفٌ على ((حنيفاً)) على طبقٍ: ﴿حُنَفَاءٌ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِدْ﴾ [الحج: ٣١]، فهو حالٌ من المضاف إليه لا مِن المضاف، إلا أنْ يُقدَّر: وما كان دينَ المشركين، وهو تُكلُّف. والمقصودُ التعريضُ بأهل الكتاب والعرب الذين يَدَّعون اتِّباعه ويَدينون بشرائعَ مَخصوصةٍ به، من حَجِّ البيت والخِتان وغيرِهما، فإنَّ في كلِّ طائفةٍ منهم شُركاء، فاليهودُ قالوا: عُزِيرٌ ابنُ الله، والنصارى: المسيحُ ابنُ الله. والعرب عبدوا الأصنام وقالوا: الملائكةُ بناتُ الله. ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِلَهِ﴾ خطابٌ للمؤمنينَ، لا للكافرين كما قيل؛ لِمَا فيه مِن الكلف والتّكَلُّف، وبيانٌ للاتِّباع المأمور به، فهو بمنزلة بدلِ البعض من قوله سبحانه: ﴿بَلّ مِلَّةَ إِنَّهِمَ﴾؛ لأنَّ الاتِّباعَ يَشملُ الاعتقادَ والعمل، وهذا بيانُ الاعتقاد، أو بدلٍ الاشتمال لِمَا فيه من التفصيل الذي ليس في الأول. وقيل: استئنافٌ، كأنهم سألوا: كيف الاتِّباع؟ فأُجيبوا بذلك. وأَمَرَ أولاً بصيغة الإفراد، وثانياً بصيغة الجمع، إشارةً إلى أنَّه يَكفي في الجواب قولُ الرسولِ وَ﴿ من جانب كلِّ المؤمنين، بخلافِ الاتِّباع، فإنَّه لا بُدَّ فيه مِن قولِ كلِّ واحدٍ؛ لأنَّه شرطُ الإيمان، أو شَطْرُه، قاله بعضُ المحقّقين. والقولُ بأنَّه بمنزلةِ البيانِ والتأكيدِ للقول الأول - ولذا تَرَك العطف - لا يَخلو عن شيءٍ. وقَدَّم الإيمان بالله سبحانه؛ لأنَّه أولُ الواجبات؛ ولأنَّه بتقدُّم معرفته تصحُ معرفةُ النبؤَّات والشرعيَّات. ﴿َمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ أي: القرآن، وهو وإنْ كان في الترتيب النزولي مؤخّراً عن غيره، لكنَّه في الترتيب الإيمانيِّ مُقدَّم عليه؛ لأنَّه سببُ الإيمان بغيره لكونه مُصدِّقاً له، ولذا قَدَّمه. (١) في الإملاء ٢٧٦/١- ٢٧٧. الآية : ١٣٦ ٤٦٧ سُؤَدَّةُ الْبَقْرَة ﴿وَمَّا أُنزِلَ إِلَّ إَِّهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ يعني الصُّحفَ، وهي وإنْ نزلت على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكنْ لمَّا كان ما عُطِف عليه(١) مُتَعبَّدين بتفاصيلها، داخلين تحتَ أحكامها، صحَّ نسبةُ نزولها إليهم أيضاً، كما صَحِّح تَعبُّدُنَا بتفاصيلِ القرآن ودخولُنا تحت أحكامه نسبةً نزوله إلينا. و((الأسباط)) جَمْع ((سِبْط)) كأَحْمَال وحِمْل، وهم أولادُ إسرائيل، وقيل: هم في أولادِ إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل، مأخوذٌ من السَّبَط(٢)، وهو شجرةٌ كثيرة الأغصان، فكأنَّهم سُمُّوا بذلك لكثرتهم. وقيل: من السبوطة وهي الاسترسال. وقيل: إنَّه مقلوبُ البَسْط. وقيل للحسنَين ◌ِبطا رسولِ اللهِوَّهِ لانتشار ذُرِّيتهم، ثم قيل: لكلِّ ابنٍ بنتٍ: سبطٌ، وكذا قيل له: حفيدٌ أيضاً. واختلف الناسُ في الأسباطِ أولادٍ يعقوب، هل كانوا كلَّهم أنبياء أم لا؟ والذي صحَّ عندي الثاني، وهو المرويُّ عن جعفر الصادق ◌ُبه - وإليه ذهب الإمام السيوطي وألَّف فيه(٣) . لأنَّ ما وقَعَ منهم مع يوسف عليه الصلاة والسلام يُنافي النبوّة قطعاً، وكونُه قبلَ البلوغ غيرَ مسلَّم؛ لأنَّ فيه أفعالاً لا يقدر عليها إلا البالغون، وعلى تقديرٍ التسليم لا يُجدي نفعاً على ما هو القول الصحيح في شأن الأنبياء، وكم كبيرةٍ تَضمَّن ذلك الفعل، وليس في القرآن ما يدلُّ على نبوَّتهم، والآيةُ قد علمتَ ما ذكرنا فيها فاحفظ ذلك هُديت. ﴿وَمَّا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أي: التوراة والإنجيل، ولكونِ أهلِ الكتاب زادوا ونَقصوا وحَرَّفوا فيهما، وادَّعوا أنَّهما أُنزلا كذلك، والمؤمنون يُنكرونه، اهتمَّ بشأنهما فأَفرَدَهما بالذكر، وَبَيَّن طريقَ الإيمان بهما، ولم يُدْرِجْهما في الموصول السابق؛ ولأنَّ أَمرَهُما أيضاً بالنسبة إلى ((موسى وعيسى)) أنَّهما مُنزلان عليهما حقيقةً، لا باعتبار التعبُّد فقط، كما في المنزل على ((إسحاق ويعقوب والأسباط))، ولم يُعِد الموصولَ لذلك في ((عيسى)) لعدم مُخالفةٍ شريعته لشريعة ((موسى)) إلا في النزر، ولذلك الاهتمام عَبَّر بالإيتاء دونَ الإنزال؛ لأنَّه أبلغُ لكونِهِ المقصودَ منه، ولِمَا فيه (١) يعني: مَن عُطفوا عليه. وينظر تفسير أبي السعود ١٦٦/١. (٢) بالتحريك، جمع سَبَطة. الدر المصون ١٣٨/٢. (٣) رسالة سماها: رفع التعسُّف عن إخوة يوسف. الحاوي ١/ ٤٨٠. سُورَةُ النَّقَة ٤٦٨ الآية : ١٣٦ مِن الدلالة على الإعطاء الذي فيه شِبهُ التمليك والتفويض، ولهذا يقال: أَنزلتُ الدلو في البئر، ولا تقول: آتّيتُها إياها . ولك أنْ تقولَ: المرادُ بالموصول هنا ما هو أَعُمُّ من التوراة والإنجيل وسائرٍ المعجزات الظاهرة بأيدي هذَين النبيَّين الجليلَين حَسْبَما فُصِّل في التنزيل الجليل، وإيثارُ الإيتاء لهذا التعميم، وتَخصيصُ ((النبيين)) بالذكر لِمَا أنَّ الكلام مع اليهود والنصارى. ﴿وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُونَ﴾ وهي الكتب التي خَصَّت مَن خَصَّتْه منهم، أو ما يَشمل ذلك والمعجزات، وهو تَعميمٌ بعدَ التخصيص، كيلا يَخرجَ من الإيمان أحدٌ من الأنبياء. ﴿مِن زَّبِّهِمْ﴾ مُتعلِّق بـ ((أوتي)) قبله، والضمير للنبيِّين خاصة، وقيل: لـ ((موسى وعيسى)، أيضاً، ويكون ((ما أوتي)) تكريراً للأولى، والجارُّ متعلِّقاً بها، وهو - على التقديرَين - ظرفٌ لغوٌ، وجوِّز أنْ يكونَ في موضع الحالِ من العائد المحذوف. واحتمالُ أنْ يكونَ ((ما)) مبتدأ والجارُّ خبرُه، بعيد. ﴿لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: كما فَرَّق أهلُ الكتاب، فآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ، بل نؤمن بهم جميعاً، وإنَّما اعتبر عدم التفريق بينهم مع أَنَّ الكلام فيما أُوتوه؛ لاستلزام ذلك عَدَمَ التفريق(١) بين ما أوتوه. و«أحد» أصلُه: وَحَد، بمعنى: واحد، وحيثُ وقع في سياق النفي عمَّ واستوى فيه الواحد والكثير، وصَحَّ إرادةُ كلٍّ منهما، وقد أُريد به هنا الجماعة، ولهذا ساغَ أنْ يضافَ إليه ((بين))، ويُفيد عمومَ الجماعات، كذا قاله بعض المحقّقين، وهو مخالِفٌ لِمَا هو المشهور عند أرباب العربية، مِنْ أنَّ الموضوع في النفي العام، أو المستعمل مع ((كلّ)) في الإثبات همزتُه أصلية، بخلاف ما استعمل في الإثبات بدون (كل)) فإنَّ همزتَه منقلبةٌ عن واو، ومِن هنا قال العلامة التَّفتازانيُّ: إنَّ ((أحد)) في معنى الجماعة بحَسَب الوضع؛ لأنَّه اسم لمَن يَصلح أنْ يُخاطَبَ، يَستوي فيه المذكّرُ والمؤنثُ والمفرد والمثنَّى والمجموع، ويُشترط أنْ يكونَ استعمالُه مع كلمة (كل)) أو مع النفي، نَصَّ على ذلك أبو عليٍّ وغيرُه من أئمَّة العربية، وهذا غير (١) بعدها في (م): فيه. الآية : ١٣٧ ٤٦٩ سُوَّةُ الْبََّة (الأحد)) الذي هو أَولُ العدد في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]. وليس كونُه في معنى الجماعةِ مِن جهةٍ كونِهِ نكرةً في سياق النفي - على ما سبق إلى كثيرٍ مِن الأوهام - ألا ترى أنَّه لا يَستقيمُ: لا نفرق بين رسولٍ من الرسل، إلا بتقدیرِ عطفٍ، أي: رسولٍ ورسولٍ، و﴿لَسْئُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ليس في معنی: کامرأة منهن، انتھی. وأنت - بعد التأمُّل - تعلمُ أنَّ ما ذكره العلَّامة لا يَرِدُ على ذلك البعض، وإنَّما تَرِدُ عليه المخالَفَةُ في الأصالة وعدمِها فقط، ولعلَّ الأمرَ فيها سهلٌ. على أنَّ دعوى عدم تلكَ الاستقامة إلا بذلك التقدير غيرُ مُجْمَع عليها(١)، فقد ذكر في ((الانتصاف))(٢): أنَّ النكرةَ الواقعةَ في سياق النفي تُفيد العمّوم لفظاً عموماً شُموليًّا حتى يُنزَّلَ المفردُ فيها مَنزلةَ الجمع في تَناوُله الآحادَ مطابقةً، لا كما ظَنَّه بعض الأصوليين مِنْ أنَّ مدلولَها بطريق المُطابقة في النفي كمدلولها في الإثبات، وجَعْلُ هذا التعدُّد والعموم وضعاً هو المُسوِّغُ لدخول ((بين)) عليها هنا. ومن الناس مَن جَوَّز كون ((أحد)) في الآية بمعنى واحد، وعمومُه بَدَليَّ، وصِحةُ دخول ((بين)) عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذِفَ لظهوره، أي(٣): بين أحد منهم وغيرِهِ، وفيه مِن الدلالة على تَحقُّق التفريقِ بينَ كلِّ فرد فرد منهم وبين مَن عداه كائناً مَنْ كان، ما ليس في أنْ يقال: لا نفرِّق بينهم. ولا يخفى ما فيه. والجملةُ حال من الضمير في ((آمنًّا)). ﴿وَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾﴾ أي: خاضعون لله تعالى بالطاعة، مُذْعِنون بالعبوديةِ. وقيل: مُنقادون لأمره ونهيه. ومَن جَعَل الضميرَ المجرور لما تقدَّمَ ذِكْرُه من الأنبياء فقد أَبْعَدَ. والجملةُ حالٌ أخرى، أو عطفٌ على ((آمنًّا)). ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ مُتعلِّقٌ بقوله سبحانه: (قُولُواْ ءَامَنَا) إلخ، أو بقوله عزَّ شأنه: (بَلّ ◌ِلَّةَ إِنَّهِمَ) إلخ، و((إِنْ)) لمُجَرَّد الفرض، والكلامُ (١) في (م): عليه. (٢) لابن المنير (على هامش الكشاف) ٣١٥/١. (٣) قوله: أي، ليس في (م). سُورَةُ الْبَّكْغَة ٤٧٠ الآية : ١٣٧ مِن باب الاستدراجِ وإرخاءِ العنان مع الخَضْم، حيث يُراد تَبكيتُه، وهو ممَّا تتراكض فيه خيولُ المناظرينَ، فلا بأس بحَمْل كلام الله تعالى عليه، يعني: نحن لا نقول إننَّا على الحقِّ وأنتم على الباطل، ولكنْ إنْ حَصَّلتُم شيئاً مساوياً لِمَا نحن عليه، ممَّا يَجبُ الإيمان أو التديُّن به، فقد اهتديتُم، ومقصودُنا هدايتكُم كيفما كانت. والخَضْمُ إذا نظرَ بعينِ الإنصافِ في هذا الكلام وتفكّرَ فيه، عَلِم أنَّ الحقَّ ما عليه المسلمون لا غير، إذ لا مِثْلَ لِمَا آمنوا به، وهو ذاتُهُ تعالى وكتبه المنزلةُ على أنبيائه، ولا دينَ كدينهم، فـ (آمنوا)) مُتعدِّية بالباء، و((مثل)) على ظاهرها. وقيل: (آمنوا)) جارٍ مَجرى اللازم، والباء: إمّا للاستعانة والآلة، والمعنى: إنْ دخلوا في الإيمانِ بواسطة شهادةٍ مثلٍ شهادتكم قولاً واعتقاداً ((فقد اهتدوا))، أو: فإنْ تَحرَّوا الإيمان بطريقٍ يَهدي إلى الحقِّ مثلٍ طريقكم، فإنَّ وحدةَ المقصد لا تَأبى تَعدُّد الطرق، كما قيل: الطرقُ إلى الله تعالى بعددِ أنفاسِ الخلائقِ، والمقامُ مقامُ تَعيينٍ الدين الحقِّ، لا مقامُ تَعيينِ شخصٍ الطريق المُؤْصِل إليه ليأبى(١) هذا التوجيه. وإمّا زائدة للتأكيد، و((ما)) مصدريَّة، وضمير ((به)) لله، أو لقوله سبحانه: (ءَامَنَا بِالَِّ) إلخ بتأويل المذكور، أو للقرآن، أو لمحمدٍ نَّهِ؛ والمعنى: فإن آمنوا بما ذُكر مثلَ إیمانکم به. وإما للمُلابسة، أي: فإن آمنوا(٢) متلَبِّسِين بمثل ما آمنتم مُتلبّسين به، أو: فإنْ آمنوا إيماناً مُتلبّساً بمثلٍ ما آمنتم إيماناً مُتلبِّساً به من الإذعانِ والإخلاصِ وعدمِ التفريق بينَ الأنبياء عليهم السلام. وقيل: المثل مُقحَمٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] أي: عليه، ويَشهدُ له قراءةُ أُبيّ: ((بالذي آمنتم به))، وقراءة ابن عباس: ((بما آمنتم به))(٣) وكان ﴿مَا يَقول: اقرؤوا ذلك فليس لله تعالى مثلٌ. ولعلَّ ذلك مَحمولٌ على التفسير، لا على أنَّه أَنكرَ القراءة المتواترة، وخَفِي عليه معناها . (١) في (م): ليأتي. (٢) في الأصل و(م): فآمنوا، بدل: فإن آمنوا، والمثبت من تفسير أبي السعود ١/ ١٦٧، والكلام منه. (٣) القراءتان في القراءات الشاذة ص ١٠، والمحتسب ١١٣/٢، والبحر ٤٠٩/١. الآية : ١٣٧ ٤٧١ سُورَةُ الجَقَة ومن الناس مَن قال: يُمكن الاستغناء عن جميع ذلك بأن يقال: فإنْ آمن اليهودُ بمثل ما آمنتم، كمؤمنيهم قبلَ التحريف، فإنهَّم آمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، فإنَّ فيما أُوتِيَ به النبيون في زَمن محمدٍ بَّهِ ما أنزل إليه ولم يكن ذلك قبله، إلا أنَّ هذ التوجية يقتضي إبقاء صيغة الماضي على معناها كما في قولهم: إنْ أكرمَتني فقد أكرمتُك، فتأمَّل، انتهى. وأنت تعلمُ أنَّ المؤمَّنَ به لا يُتصوَّر فيه التعدُّد، وإبقاءُ الكلام على ظاهره، والاستغناءُ عن جميع ما ذكر يستدعي وجودَ ذلك التعدُّد المُحَال، فماذا عسى ينفع هذا سوى كثرة القيل والقال، وتوسيع دائرة النزاع والجدال؟! فتدبر. ﴿وَإِن نًَّا﴾ أي: أَغْرَضوا عن الإيمانِ المأمور به، أو عن قولكم في جواب قولهم ﴿فَإِّا هُمْ فِ شِقَاقٍ﴾ أي: مُخالَفةٍ لله تعالى؛ قاله ابن عباس. أو منازَعةٍ ومحارَبَة؛ قاله ابن زيد. أو عداوةٍ؛ قاله الحسن. واختلف في اشتقاق ((الشِّقاق)) فقيل: مِن الشِّقِّ، أي: الجانب. وقيل: من المَشَقَّة. وقيل: مأخوذٌ من قولهم: شَقَّ العصا، إذا أَظهرَ العداوةَ. والتنوينُ للتفخيم، والجملة جوابُ الشرط، إمَّا على أنَّ المراد مُشاقَّتُهم الحادثةُ بعد تَوَلِّيهم عن الإيمان، وأُوثرَت الاسمية للدلالة على ثباتهم واستقرارهم على ذلك، وإمّا بتأويل: فاعلموا . ﴿فَسَيَّكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تَسليةٌ لِهِ وَّهُ، وتفريحٌ للمؤمنين بوعْدِ النصر والغلبة، وضَمانِ التأييد والإعزاز، على أَبلغ وجهٍ؛ للسين الدالّة على تَحقُّقِ الوقوع البتة، أو للتذييل الآتي، حيث إنَّ السين في المشهور لا تدلُّ على أكثر مِن التنفيس عقب ذِكْرِ ما يُؤدِّي إلى الجدال والقتال، والمرادُ: سيكفيك كيدَهم وشقاقَهم؛ لأنَّ الكفاية لا تتعلَّق بالأعيان بل بالأفعال. وتلوينُ الخطاب بتجريده للنبيِّ وَّهِ مع أنَّه سبحانه أَنجز وعده الكريم بما هو كفايةٌ للكلّ، مِنْ قَتْلِ بني قريظة وسَبْيِهِم، وإجلاءِ بني النضير، لِمَا أَنَّهِ وَِّ الأصل والعمدة في ذلك، وهو سِلْك حبَّات أفئدة المؤمنين، ومطمح نَظرِ كيدِ الكافرين، وللإيذان بأنَّ القيام بأمور الحروب، وتَحمُّلَ المَشاقٌّ، ومُقاساةَ الشدائدِ في مناهضة الأعداء مِن وَظائف الرؤساء، فنعمتُه تعالى في الكفاية والنُّصرَةِ في حَقِّه أَتمُّ وأكملُ. سُولَةُ الْبَحَة ٤٧٢ الآية : ١٣٨ تَذييلٌ لِمَا سَبَق مِن الوعد، وتأكيدٌ له، أي: ((هو ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع)) لمّا تدعو به، ((العليم) بما في نِيَّتك من إظهار دينه، فيستجيبُ لك، ويُوصلُك إلى مُرادِك. أو وعيدٌ للكَفَرة بمعنى: يَسمع ما يُبدون، ويَعلمُ ما يُخفون ممَّا لا خيرَ فيه، وهو مُعاقبهم عليه، وفيه أيضاً تأكيدُ الوعد السابق، فإنَّ وعيدَ الكفرة وعدٌ للمؤمنين. ﴿سِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الصبغة: بالكسر فِعْلَة مِنْ صَبَغَ، كالجِلْسة مِنْ جَلَسَ، وهي الحالة التي يَقعُ عليها الصبغ، عَبَّر بها عن التطهير بالإيمان بما ذُكر على الوجه الذي فَضَّل، لأنَّه ظهر أَثرُه عليهم ظهورَ الصبغ على المصبوغ، وتَداخَلَ في قلوبهم تَداخُلَه فيه، وصارَ حِلْيةً لهم، فهناك استعارةٌ تحقيقيَّةٌ تصريحيّةٌ، والقرينةُ الإضافة، والجامعُ ما ذكر. وقيل: للمُشاكَلَةِ التقديريَّة؛ فإنَّ النصارى كانوا يَصبغونَ أولادَهم بماءٍ أصفرَ يُسمُّونه ((المعمودية))، يزعمون أنَّه الماء الذي وُلد فيه عيسى عليه الصلاة والسلام، ويعتقدون أنَّه تَطهيرٌ للمولود كالخِتان لغيرهم. وقيل: هو ماءٌ يُقدَّسُ بما يُتلى من الإنجيل، ثم تُغسل به الحاملاتُ. ويَرِدُ على هذا الوجه أنَّ الكلام عامٌّ لليهود غیرُ مُختَصِّ بالنصارى، اللهم إلا أنْ يُعتبر أنَّ ذلك الفعلَ كائنٌ فيما بينهم في الجملة. ونصبها على أنَّها مصدرٌ مؤكِّد لقوله تعالى: (ءَامَثًا) وهي مِن المصادر المؤكِّدة لأنفسها، فلا يُنافي كونَها للنوع، والعامل فيها ((صَبَغَنا))، كأنه قيل: صَبَغَنَا الله صِبْغتَه، وقُدِّر المصدر مضافاً إلى الفاعل، لتحقُّق شَرْط وجوب حَذْف عامله من كونه مؤكّداً لمضمون الجملة، إذ لو قدر مُنكَّراً لكان مؤكّداً لمضمون أَحدٍ جُزئيه، أعني الفعل فقط نحو: ضَربْت ضرباً. وقيل: إنها منصوبةٌ بفعل الإغراء، أي: الزموا صبغةً الله - لا: عليكم، وإلا لَوَجَبَ ذكره كما قيل - وإليه ذهب الواحدي(١)، ولا يجبُ حينئذٍ إضمارُ العامل؛ لأنَّه مُختصٌّ في الإغراء بصورَتَي التكرار أو العطف، كـ : العهدَ العهدَ، وكالأهل والولدَ. (١) في الوسيط ٢٢٢/١. الآية : ١٣٨ ٤٧٣ سُؤَدَّةُ الْبَقَة وذهب الأخفش والزجَّاج والكِسائيُّ وغيرُهم إلى أنَّها بدلٌ من ((ملَّةَ إبراهيم))(١). ﴿وَمَّنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ مبتدأ وخبرٌ، والاستفهام للإنكار، وقوله تعالى: ((صبغة)) تمييزٌ منقولٌ مِن المبتدأ، نحو: زيدٌ أحسنُ من عمرو وجهاً، والتقدير: ومَن صِبغتُه أحسنُ من صبغةِ الله تعالى، كما يقدر: وجهُ زيدٍ أحسنُ مِن وجه عمرٍو، والتفضيل جارٍ بين الصِّبغتَين لا بين فاعليهما، أي: لا صبغةً أَحسنُ من صبغته تعالى، على معنى: إنَّه أحسن مِن كلِّ صبغةٍ، وحيثُ كان مدارُ التفضيل على تَعميمِ الحُسْنِ للحقيقيِّ والفرضيِّ المَبنيِّ على زَعْمِ الكَفَرَة، لم يَلزم أنْ يكونَ في صبغة غيره تعالى حُسْنٌ في الجملة. والجملة مَعترضَةٌ مقرِّرةٌ لمَا في صبغة الله تعالى من [معنى] التبجُّح (٢) والابتهاج، أو جاريةٌ مَجرَى التعليل للإغراء. ﴿وَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ ﴾﴾ أي: موحِّدون، أو: مُطيعون مُتَّبعون ملَّة إبراهيمَ، أو: خاضعون مُستكينون في اتّباع تلك الملَّة. وتَقْديمُ الجارِّ لإفادة اختصاصِ العبادة له تعالى، وتقديمُ المسند إليه لإفادة قَصْر ذلك الاختصاصِ عليهم، وعدمِ تجاوزِه إلى أهل الكتاب، فيكون تَعريضاً لهم بالشرك، أو عدمِ الانقيادٍ له تعالى باتِّباع ملَّة إبراهيم . والجملة عطفٌ على ((آمنًّا))، وذلك يَقتضي دخولَ ((صِبغةَ الله)) في مفعول ((قولوا)) لئلا يَلزمَ الفصلُ بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبيِّ. وإيثارُ الجملة الاسمية للإشعار بالدوام. ولِمَن نَصَبَ ((صبغة)) على الإغراء أو البدلِ، أنْ يُضْمِرَ: قولوا، قبلَ هذه الجملةِ معطوفاً على: الْزَموا، على تقدير الإغراء - وإضمارُ القول سائغٌ شائعٌ، والقرينةُ السياق؛ لأنَّ ما قبله مقولُ المؤمنين - وأنْ يُضْمِر: اتَّبعوا، في ((بل ملَّةً إبراهيم))، لا: نَتَّبِعُ، ويكونُ («قولوا آمنًّا) بدلاً مِن: أنَّبعوا، بدلَ البعض؛ لأنَّ الإيمان داخلٌ في اتّباع ملة إبراهيم، فلا يَلزمُ الفصلُ بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا بين البدل والمُبدَلِ منه بالأجنبيِّ. (١) ينظر معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٤٠، وللزجاج ٢١٥/١، وحاشية الشهاب ٢٤٨/٢ . (٢) التبجح: الفرح، في التاج (بجح): بجَّحتُه تبجيحاً فتبجَّح، أي: أفرحتُه ففرح. وما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٦٨/١، والكلام منه. سُورَةُ الْجَمَة ٤٧٤ الآية : ١٣٩ وما قيل: إنَّه يَلزمُ الفصلُ ببدل الفعل بين المفعول والمُبْدَلِ منه. ففيه أنَّ (قولوا)) ليس بدلاً من الفعل فقط، بل الجملة بدلٌ من الجملة فلا محذور. وأمَّا القول: بأنَّه يُمكن أنْ تجعلَ هذه الجملةَ حالاً من لفظة ((الله) في قوله سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ) أي: صِبغتُه - بتطهيرِ القلب، أو الإرشاد، أو حِفْظِ الفِطْرةِ - أحسنُ الأصباغ حالَ إخلاص العبادة له، فليسَ بشيءٍ كما لا يخفى. ﴿قُلْ أَتُعَاْ جُونَنَا﴾ تَجريدُ الخطاب للنبيِّ وََّ، لمَا أنَّ المأمور به من الوظائف الخاصَّةِ به عليه الصلاة والسلام. وقرأ زيدٌ والحسنُ وغيرُهما بإدغام النون(١). والهمزة للإنكار، أي: أتجادلوننا ﴿فِي اللَّهِ﴾ أي: في دينه، وتَدَّعُون أنَّ دينَه الحقَّ اليهوديَّةُ والنصرانيةُ، وتَبنون دخول الجنة والاهتداءَ عليهما . وقيل: المرادُ: في شأن الله تعالى واصطفائه نبيًّا من العرب دونكم. بناءً على أنَّ الخطاب لأهل الكتاب، وسَوقُ النظم يقتضي أنْ تُفسَّر المحاجَّة بما يَختصُّ بهم، والمحاجَّةُ في الدين ليستْ كذلك، والقرينةُ على التقييد قولُه سبحانه قبلُ: (وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا)، وبعدُ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَئِدَةٌ﴾ حيثُ إنَّه تعريضٌ بكتمان أهل الكتاب شهادةَ الله سبحانه بنبوة محمدٍ وَّ*، وما روي في سبب النزول: أنَّ أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلُّهم منّا فلو كنتَ نبيًّا لكنتَ منَّا، فنزلت. ولا يَخفى عليك أنَّ المحاجَّة في الدِّين على ما ذَكَرْنا مُختصَّةٌ بهم، على أنَّ ظاهر السَّوق يقتضي ذَمَّهم بما صار دَيْدَناً لهم، وشِنْشِنَةً(٢) فيهم حتى عُرفوا فيه، ومُشركو العرب وإن حاُّجُوا في الدِّين أيضاً، لكنَّهم لم يَصِلوا فيه إلى رُتبة أهل الكتاب؛ لمَا أنَّهم أمُّون عَارُون عن سائر العلوم، جاهلون بوظائف البحث بالكلِّية، نظراً إلى أولئك القائمين على ساقٍ الجدال. وأنَّ القرينتَين - السابقة واللاحقة - على التقييد في غاية الخفاء، وأَنَّ ما روي في سبب النزول ليس مذكوراً في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المعتبرة كما نصَّ على ذلك الإمام السيوطيُّ، وكفى به حُجَّةً في هذا الشأن. (١) القراءات الشاذة ص ١٠، والبحر ١/ ٤١٢. (٢) الشِّنْشِنة: الطبيعة والعادة. القاموس (شنن). الآية : ١٣٩ ٤٧٥ سُوَّةُ الْجَنَة ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ جملةٌ حاليةٌ، أي: أتجادلوننا والحالُ أنه لا وجْهَ للمجادلة أصلاً؛ لأنَّه تعالى مالِكُ أمرِنا وأمركم. ﴿وَلَنَآَ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ عطفٌ على ما قبله، أي: لنا جزاءُ أعمالنا الحسنةِ المُوافقةِ لأمره، ولكم جزاءُ أعمالكم السيِّئَةِ المخالِفةِ لحُكْمه. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (٣٦)﴾ في تلك الأعمال لا نَبتغي بها إلا وجهَهُ، فَأَنَّى لكم المحاجَّةُ، ودعوى حَقيَّةِ ما أنتم عليه، والقطعُ بدخول الجنة بسببه، ودعوةُ الناس إليه. والجملةُ حالية كالتي قبلها . وذهب بعض المحقّقين أنَّ هذه الجملة کجملتي ((ونحن له مسلمون)) ((ونحن له عابدون)) اعتراضٌ وتَذييلٌ للكلام الذي عَقّبَ به، مقولٌ على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى، لا عطفٌ، وتحريرُه: أنَّ ((ونحن له مسلمون)) مناسبٌ لـ ((آمنًّا))، أي: نُؤمن بالله وبما أُنزل على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، ونَستسلمُ له ونَنْقادُ لأوامره ونواهيه، وقوله تعالى: (وَثَّحْنُ لَهُ عَيِدُونَ) ملائمٌ لقوله تعالى: (سِبْغَةَ اللّهِ)؛ لأنَّها بمعنى دين الله، فالمصدر كالفَذْلَكَةِ لِمَا سبق، وهذه الآية مُوافقةٌ لِما قبلها، ولعلَّ الذوقَ السليم لا يأباه. وأمّا القول بأنَّ معنى ((وهو ربنا)) إلخ: أنَّه لا اختصاصَ له تعالى بقوم دون قوم، فَيُصيبُ برحمته مَن يشاء، فلا يَبْعُدُ أنْ يُكرمنا بأعمالنا كما أكرمكم بأعمالكم، كأنَّه ألزمَهم على كلِّ مَذهبٍ يَنتحونه(١) إفحاماً وتبكيتاً، فإنَّ كرامةَ النبوة، إمَّا تفضُّلٌ من الله تعالى فالكلُّ فيه سواءٌ، وإمَّا إفاضةُ حقٌّ على المستحِقِّين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلِّي بالإخلاص، فكما أنَّ لكم أعمالاً ربَّما يَعتبرُها الله تعالى في إعطائها، فلنا أيضاً أعمالٌ ونحن له مُخلصون بها لا أنتم = فمع بنائه على ما عَلمتَ ركاكتَه غيرُ ملائم لسباق النَّظْمِ الكريمِ وسياقه، بل غيرُ صحيحٍ في نفسه، كما أفتى به مولانا مُفتي الديار الرومية؛ لِمَا أنَّ المراد بالأعمال مِن الطّرفَين ما أُشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة، ولا ريبَ أنَّ أمرَ الصلاحِ والسوءِ يَدورُ على مُوافقةٍ الدِّين المبنيِّ على البعثة ومُخالفتِهِ، فكيف يُتصوَّر اعتبارُ تلك الأعمالِ في استحقاقٍ (١) في الأصل: و(م): يفتحونه، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٦٩/١، والكلام منه. سُوَّةُ الْبَقَة ٤٧٦ الآية : ١٣٩ النبوة واستعدادها المُتقدِّم على البعثة بمراتب(١)؟ هذا وقد اختلف الناس في الإخلاص، فروي عن النبيِّ وَلّ أنه قال: «سألتُ جبريلَ عن الإخلاص: ما هو؟ فقال: سألتُ ربَّ العزَّةِ عنه فقال: سِرِّ مِنْ أسراري استَودَعْتُه قَلْبَ مَن أَحَبْبتُهُ من عبادي))(٢). وقال سعيد بن جبير: الإخلاصُ أنْ لا تُشركَ في دينه ولا تُرائي أحداً في عمله. وقال الفضيل: تَرْكُ العملِ مِنْ أجلِ الناس رياءٌ، والعملُ مِنْ أجلِ الناس شركٌ، والإخلاصُ أنْ يُعافِيَكَ الله تعالى منهما . وقال حُذيفةُ المرعَشي(٣): أنْ تَستوي أفعالُ العبدِ في الباطنِ والظاهر. وقال أبو يَعقوب المَكفوف: أنْ يَكتمَ العبدُ حسناتِهِ كما يَكتُمُ سيِئَاتِهِ. وقال سهل(٤): هو الإفلاسُ، ومعناه احتقارُ العمل. وهو معنى قول رُويم(٥): ارتفاعُ عَمَلكَ عن الرؤية. قيل: ومقابل الإخلاص الرياء، وذكر [أبو] سليمان الدَّارانيُّ(٦) ثلاث علامات له: الكسل عند العبادة في الوحدة، والنشاطُ في الكثرة، وحبُّ الثناءِ على العمل. (١) تفيسر أبي السعود ١٦٩/١ . (٢) ذكره القشيري في الرسالة القشيرية ١٣٣/٣ من حديث حذيفة ، وذكره الغزالي في الإحياء ٣٧٦/٤ عن الحسن عن النبي صل* مرسلاً. وقال العراقي في تخريجه: رويناه في جزء من مسلسلات القزويني، وهو من رواية أحمد بن عطاء عن عبد الواحد بن زيد عن حذيفة عن النبي ◌َّ*، وأحمد بن عطاء وعبد الواحد بن زيد كلاهما متروك، ورواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث علي بن أبي طالب بسند ضعيف. اهـ. وقال الحافظ في الفتح ١٠٩/٤: حديث واه جدًّا أورده ابن العربي في المسلسلات. اهـ. وقد نقله المصنف من البحر ٤١٣/١، وما سيأتي من أقوال منه. (٣) ابن قتادة، أحد الأولياء، صحب سفيان الثوري وروى عنه. السير ٢٨٣/٩. (٤) ابن عبد الله التستري، أبو محمد الصوفي الزاهد، توفي سنة (٢٨٣هـ). السير ٣٣٠/١٣. (٥) ابن أحمد، أبو الحسن، الزاهد العابد شيخ الصوفية، فقيه ظاهري، توفي سنة (٣٠٣هـ). السير ١٤/ ١٣٤. (٦) عبد الرحمن بن أحمد، الإمام الكبير زاهد العصر، توفي سنة (٢٠٥ هـ)، وقيل غير ذلك. السير ١٨٢/١١ وما بين حاصرتين ساقط من الأصل و(م). والكلام من البحر ٤١٣/١. الآية : ١٤٠ ٤٧٧ سُورَةُ الْبَقَة ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزَّهِعَمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَرَنُ﴾ (أم)) إمَّا مُتَّصلةٌ معادِلةٌ للهمزة في (أتحاجُوننا)) داخلةٌ في حَيِّز الأمر، والمرادُ بالاستفهام إنكارُهما معاً، بمعنى: كلٌّ مِن الأمرَين مُنكَرٌ يَنبغي أنْ لا يكونَ: إقامةٌ الحجّةِ وتنويرُ البرهان على حقِّيَّة ما أنتم عليه والحالُ ما ذُكِر، والتشبُّتُ بذيلِ التقليد والافتراء على الأنبياء عليهم السلام. وفائدةُ هذا الأسلوب - مع أنَّ العلم حاصلٌ بثبوت الأمرَين - الإشارةُ إلى أنَّ أحدَهما كافٍ في الذمِّ، فكيف إذا اجتمعا، كما تقول لمَن أخطأ تَدبيراً ومقالاً: أتدبيرُك أم تَقْريرُك. وبهذا يَندفع ما قاله أبو حيان (١) مِنْ أنَّ الاتِّصال يَستدعي وقوعَ إحدى الجملَتَين، والسؤال عن تعيينٍ إحداهما، وليس الأمرُ كذلك إذ وَقَعَتَا معاً. وإمَّا مُنقطعةٌ مُقدَّرةٌ ببل والهمزةِ، دالةٌ على الإضراب، والانتقالِ من التوبيخ على المحاَجَّةِ إلى التوبيخِ على الافتراءِ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقرأ غيرُ ابنِ عامر وحمزةً والكِسائيِّ وحفصٍ: ((أم يقولون)) بالياء(٢). ويَتعيَّنُ كون ((أم)) حينئذٍ مُنقطعة؛ لِمَا فيها مِن الإضراب من الخطاب إلى الغَيبة، ولا يَحسُن في المثَّصلة أنْ يَختلفَ الخطاب من مُخاطَّبٍ إلى غيرِه كما يَحسُنُ في المنقطعة، ويكونُ الكلام استئنافاً غيرَ داخلٍ تحت الأمرِ، بل واردٌ منه تعالى توبيخاً لهم، وإنكاراً عليهم. وحكى أبو جعفر الطبري(٣) عن بعض النحاة جواز الاتصال؛ لأنك إذا قُلت: أتقومُ يا زيدُ أم يقومُ عمرو، صَحَّ الاتصال. واعتَرضَ عليه ابن عطية بأنَّ المثال غيرُ جيدٍ؛ لأنَّ القائل فيه واحد، والمخاطَب واحد، والقول في الآية من اثنينِ والمخاطَبُ اثنان غَيْرانِ [وإنما] تتَّجهَ معادلةُ ((أم)) للهمزة على الحكم المعنوي، كأن معنى: ((قل أتحاجُّوننا)) أي: أيُحاُجُون يا محمدُ أم يقولون(٤). ولا يخفى أنَّ القولَ بالانقطاع إنْ لم يَكنْ متعيِّناً فلا أقلَّ مِنْ أَنَّه أَولى. (١) في البحر ١/ ٤١٤. (٢) التيسير ص٧٧، والنشر ٢٢٣/٢، وقرأ بالخطاب أيضاً خلف ورويس. (٣) في تفسيره ٦٠٩/٢ . (٤) المحرر الوجيز ٢١٧/١، وما سلف بين حاصرتين منه، ومن البحر ٤١٤/١، وعنه نقل المصنف. قال أبو حيان: قوله: والمخاطب اثنان غيران، أما الأول فقوله: ((أتحاجوننا))، وأما الثاني فهو الرسول وأمته الذين خوطبوا بقوله: ((أم يقولون)). سُورَةُ الْبََّقَة ٤٧٨ الآية : ١٤٠ ﴿قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ﴾ أي: لستُم أعلمَ بحالِ إبراهيمَ عليه السلام في باب الدِّين، بل اللهُ تعالى أعلمُ بذلك، وقد أَخيرَ سبحانه بنفي اليهوديةِ والنصرانيَّةِ عنه، واحتجَّ على انتفائهما عنه بقوله: ﴿وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٦٥]، وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعُه في الدين وفاقاً، فحالُهم حالُهُ، فَلِمَ تَدَّعون له ولهم ما نَفَى الله تعالى؟ فما ذلك إلا جَهلٌ غالٍ، ولجاجٌ محضّ. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إنكارٌ لأنْ يكونَ أحدٌ أظلم ﴿مِمَن كَتَمَ شَهَدَةٌ﴾ ثابتةً ﴿عِندَهُ﴾ واصلةً ﴿مِّنَ اَللَّهِ﴾ إليه، وهي شهادتُه تعالى لإبراهيمَ عليه السلام بالحنيفيةِ والبراءةِ عن اليهودية والنصرانية حَسْبَما تُلِيَ آنفاً، وجِيءَ بالوصفين لتعليل الإنكار وتأكيده، فإنَّ ثبوت الشهادة عنده، وكونَها مِن جانب جَنابِ العليِّ الأعلى عزَّ شأنه، مِن أقوى الدَّواعي إلى إقامتها، وأشدِّ الزَّواجِرِ عن كِتمانها . وتقديمُ الأولِ مع أنَّ مُتأخّرٌ في الوجود لمراعاة طريق الترقِّي، والمعنى: لا أحدَ أظلمُ مِن أهل الكتاب، حيثُ كتموا هذه الشهادة، وأَثبتُوا نقيضَها بما ذُكِر من الافتراء، والجملة تذييلٌ يُقرِّرُ ما أُنكرَ عليهم من ادِّعاء اليهودية والنصرانية. وتَعليقُ الأظلمية بمطلَق الكتمان للإيماء إلى أنَّ مَرتبةَ مَن يَردُّها ويَشهدُ بخلافها في الظلم خارجةٌ عن دائرة البيان. أو: لا أحدَ أظلمُ منَّا لو كتمنا هذه الشهادة ولم نُقِمْها في مَقام المُحاجَّة، والجملةُ حينئذٍ تذييلٌ مقرَّرٌ ما أُوقع في قوله تعالى: (ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) مِنْ أَنَّهم شاهِدون بما شهد الله تعالى به، مُصدِّقونه بما أعلمهم. وجَعْلُها على هذا من تَتِمَّة ((قولوا آمنا))؛ لأنه في معنى إظهار الشهادة، وعلى الأول مِن تَتِمَّة ((قل أتُّحاجُوننا)؛ لأنَّه في معنى كتمانها = ظاهرُ التعسُّف. ولا يَخفى أنَّ في الآية تعريضاً بغايةٍ أَظْلَميَّةِ أهل الكتاب على نحو ما أُشيرَ إليه، وفي إطلاق الشهادة - مع أنَّ المرادَ بها ما تَقدَّم مِن الشهادةِ المعيَّنة - تعريضٌ بكتمانهم شهادةَ الله تعالى لنبيِّه محمدَّله في التوراة والإنجيل. الآية : ١٤٠ ٤٧٩ سُوَّةُ الْبَدَة وفي ((ريِّ الَّمْآن))(١): أنَّ ((مِن)) صلةُ ((أظلم))، والكلامُ على التقديمِ والتأخير، كأنه قيل: ومَنْ أظلمُ مِنَ الله ممَّن كتمَ شهادةً حصلَتْ عندَه، كقولك: ومَن أظلمُ مِن زيد مِن جملةِ الكاتمين للشهادة، والمعنى: لو كان إبراهيمُ وبنوه يهوداً أو نصارى، ثم إنَّ الله تعالى كَتَم هذه الشهادة، لم يَكنْ أحدٌ ممَّن يَكُم الشهادة أَظلَمَ منه، لكنْ لمَّا استحال ذلك مع عَدْله وتنزيهه عمَّا لا يَليق، عَلِمْنا أنَّ الأمر ليس كذلك. وقيل: إنَّ (مِن)) صلةُ (كَتَم)، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: كتم مِن عباد الله شهادةً عنده، ومعناه أنه تعالى ذمَّهم على مَنْع أنْ يُوصِلوا إلى عباد الله تعالى ويُؤْدُّوا إليهم شهادةَ الحقِّ. ولا يَخفى ما في هذين الوجهين من التكلُّفِ والتعُّسفِ وانحطاطِ المعنى، فليُنَزَّه كتابُ الله تعالى العظيم عنه. على أنك لو نظرتَ بعين الإنصاف، رأيتَ الوجه الثاني من الأوَّلين لا يخلو عن بُعدٍ؛ لأنَّ الآيةَ إنما تَقدَّمها الإنكار لمَا نُسِبَ إلى إبراهيم عليه السلام ومَن ذكر معه، فالذي يَليقُ أنْ يكونَ الكلامُ مع أهل الكتاب، لا مع الرسول وَل﴿ وأتباعِه؛ لأنَّهم مُقِرُّون بما أَخَبَر الله تعالى به، وعالِمون بذلك، فلا يُفرض في حقُّهم كتمانُه، والتذييلُ الذي ادُّعي فيه خِلافُ الظاهر أيضاً. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ وعيدٌ وتهديدٌ لأهل الكتاب، أي: إنَّ الله تعالى لا يَترك أمرَكم سُدّى، بل هو مُحصِّلٌ لأعمالكم، مُحيطً بجميع ما تأتون وتَذَرون، فيعاقبكم بذلك أشدَّ عقابٍ، ويَدخلُ في ذلك كتمانُهم لشهادته تعالى، وافتراؤهم على أنبيائه عليهم السلام. وقرئ: ((عما يعملون)) بصيغةِ الغيبة(٢)، فالضمير إمَّا لمَن كَتَم باعتبار المعنى، أو لأهل الكتاب. (١) ري الظمآن في تفسير القرآن لشرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله المرسي الأندلسي الشافعي المتوفّى سنة (٦٥٥هـ). إيضاح المكنون ٦٠٤/٣. والكلام من البحر ٤١٥/١-٤١٦. (٢) ذكرها البيضاوي في التفسير، وقال الشهاب في الحاشية ٢٤٩/٢: قيل إنه لم يوجد في شيء من كتب التفسير والقراءات، وليس كذلك؛ فإنه قرأ بها السلمي وأبو رجاء وابن محيصن، كما في اللوامع، وهي شاذة خارجة عن الأربعة عشر. سُورَّةُ الْبَدَة ٤٨٠ الآية : ١٤١ ﴿َتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمٌّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٤١ تكريرٌ لما تقدَّم؛ للمبالغةِ في التحذيرِ عمَّا استَحكَمَ في الطباع من الافتخارِ بالآباء، والاتِّكالِ عليهم، كما يُقال، أتِّق الله اتَّق الله، أو تأكيدٌ وتقريرٌ للوعيد، يعني أنَّ الله تعالى يجازيكم على أعمالكم، ولا تنفعكم آباؤكم، ولا تُسألون يوم القيامة عن أعمالهم، بل عن أعمالِ أنفسِكم. وقيل: الخطاب فيما سَبَق لأهلِ الكتاب، وفي هذه الآية لنا تحذيراً عن الاقتداء بهم. وقيل: المراد بالآية في الأول الأنبياء وفي الثاني أسلافُ اليهود؛ لأنَّ القوم لمَّا قالوا في إبراهيمَ وبَنيه إنهم كانوا ما كانوا، فكأنهم قالوا: إنهم على مِثْلٍ طريقة أَسلافنا، فصارَ سلفُهم في حُكم المذكورين، فجازَ أنْ يُعنَوا بالآية. ولا يخفى ما في ذلك من التعسُّف الظاهر. تم الجزء الثاني من تفسير روح المعاني، ويليه الجزء الثالث وأوله تفسير قوله تعالى من سورة البقرة ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَنْهُمْ عَنْ قِبْلَئِهِمُ الَِّ كَنُوا عَلَيْهَأْ قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ