النص المفهرس

صفحات 421-440

الآية : ١٢٤
٤٢١
سُوَّةُ الْبَقَة
إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله الدعوةُ إلى مِلَّة الإسلام، وتَرْكِ التعصُّب في
الدِّين، وذلك لأنَّه إذا عُلِمَ أَنَّه نالَ الإمامَةَ بالانقياد لِحُكمهِ تعالى، وأنَّه لم يستجب
دعاءه في ((الظالمين))، وأنَّ الكعبةَ كانت مَطافاً ومَعبداً في وقته مأموراً هو بتطهيرِهِ،
وأنَّه كان يَحجُّ البيتَ داعياً مُبتهلاً كما هو في دين النبيِّ وَّةِ، وأنَّ نَبَّينا عليه الصلاة
والسلام مِن دعوته، وأنَّه دعا في حقِّ نفسه وذُرِّيته بمَّةِ الإسلام = كان الواجب على
مَن يَعترف بفضله وأنَّه من أولادِهِ، ويَزعمُ اتباعَ مِلَّته، ويُباهي بأنَّه مِن ساكنٍ حَرمه
وحامي بيته، أن يكونَ حالُهُ مثلَ ذلك.
وذهب عصامُ الملَّةِ والدين إلى جواز العطف على ((نعمتي))، أي: اذكروا وقتَ
ابتلاء إبراهيمَ، فإنَّ فيه ما يَنفعُكم ويَردُّ اعتقادَكم الفاسدَ أنَّ آباءكم شفعاؤكم يوم
القيامة؛ لأنَّه لم يُقبل دعاءُ إبراهيم في الظّلمَة، ويَدفع عنكم حُبَّ الرياسة المانع(١)
عن مُتابعةِ الرسولِ وَّه، فإنَّه يُعلم منه أنه لا يَنال الرياسة الظالمين.
واعترضَ بأنَّه خروجٌ عن طريقِ البلاغةِ مع لُزوم تَخصيص الخطاب بأهل
الكتاب، وتخلُّل (اتَّقوا)) بين المعطوفين.
والابتلاءُ في الأصل: الاختبارُ - كما قَدَّمنا - والمرادُ به هنا: التكليفُ، أو
المعاملةُ معاملةَ الاختبار مجازاً، إذ حقيقةُ الاختبار مُحالٌ(٢) عليه تعالى، لكونه
عالِمَ السرِّ والخَّفِيَّات.
و ((إبراهيم)) عَلَمٌّ أعجميٍّ، قيل: معناه قبل النقل: أبٌّ رحيم، وهو مفعولٌ
مُقدَّمٌ؛ لإضافة فاعله إلى ضميره. والتعرُّض لعنوانِ الربوبية تَشريفٌ له عليه السلام،
وإيذانٌ بأنَّ ذلك الابتلاءَ تَربيةٌ له وتَرشيحٌ لأمرٍ خطيرٍ.
والكلماتُ جَمْعُ كلمةٍ، وأصلُ معناها: اللَّفظُ المفرد، وتُستعملُ في الجمل
المفيدة، وتُطلقُ على معاني ذلك؛ لِمَا بَيْنَ اللفظ والمعنى من شِدَّة الاتصال.
واختُلفَ فيها، فقال طاوسٌ عن ابن عباسٍ ﴾: إنها العشرةُ التي مِن الفطرة:
المضمضةُ، والاستنشاق، وقَصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط،
(١) في الأصل: المانعة.
(٢) في (م): محالة.

سُورَةُ الْجَمَة
٤٢٢
الآية : ١٢٤
وتقليم الأظفار، وحَلْق العانة، والاستطابة، والختان(١).
وقال عكرمةُ روايةً عنه أيضاً: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامَه كلَّه إلا إبراهيمُ،
ابتلاه الله تعالى بثلاثينَ خصلةً من خصال الإسلام، عشرٌ منها في سورةٍ براءة،
﴿التَِّبُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلخ، وعشرٌ في ((الأحزاب)) ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾
[الأحزاب: ٣٥] إلخ، وعشرٌ في ((المؤمنين))، و﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ إلى ﴿وَلِّنَ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ
◌ُمَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤](٢).
وفي روايةِ الحاكم في ((مُستْدَرَكه)) أنَّها ثلاثون، وعدَّ السُّوَرَ الثلاثة الأُوَل، ولم
يَعُدَّ السورة الأخيرة(٣)، فالذي في ((براءة)): التوبةُ، والعبادةُ، والحمدُ، والسِّياحةُ،
والركوعُ، والسجودُ، والأمر بالمعروفِ، والنهيُّ عن المنكر، والحِفظُ لحُدودِ الله
تعالى، والإيمان المستفاد من ﴿وَنَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] أو من ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١].
والذي(٤) في ((الأحزاب)): الإسلامُ، والإيمانُ، والقنوتُ والصدق، والصبر،
والخشوع، والتَّصَدُّق، والصِّيَامُ، والحِفِظُ للفُرُوجِ، والذُّْرُ.
والذي في ((المؤمنين)): الإيمان، والخُشُوع، والإعراض عن اللغو، والزكاة،
والحفظ للفروج إلا على الأزواج أو الإماءَ - ثلاثة -، والرِّعايةُ للعهد والأمانةِ
اثنين، والمحافظة على الصلاة.
وهذا مبنيٌّ على أنَّ لُزومَ التكرارِ في بعض الخِصَال بعد جَمْع العشراتِ
المذكورة، كالإيمان والحفظ للفُرُوجِ، لا يُنافي كونَها ثلاثين تعداداً، إنما يُنافي
تَغَايُرَها ذاتاً، ومِن هنا عُدَّتِ التسميةُ مئةً وثلاثَ عَشْرةَ آيةً عند الشافعية، باعتبار
(١) أخرجه عبد الرزاق ٥٧/١، والطبري ٤٩٩/٢، والحاكم ٢٦٦/٢، وجاء عندهم: السواك
وغسل أثر البول والغائط، بدل إعفاء اللحية والاستطابة، ويعني بالفرق: فرق الشعر. وينظر
تفصيل ذلك في تفسير القرطبي ٣٦٤/٢.
(٢) أخرجه الطبري ٤٩٨/٢ -٤٩٩ .
(٣) لم يرد في كلام ابن عباس عند الحاكم ٢/ ٥٥٢ سوى أنها ثلاثون، ولم يذكر أيًّا من هذه
السور.
(٤) قوله: والذي، ليس في (م).

الآية : ١٢٤
٤٢٣
سُورَةُ البَرَة
تكرُّرِها في كلِّ سورة، وما في رواية عِكرمةَ مَبنيٍّ على اعتبار التغايُر بالذات وإسقاط
المكَرَّرات، وعَدِّه العاشرةَ البشارةَ للمؤمنين في ((براءة)»، وجَعْلِ الدوامِ على الصلاة
والمحافَظَةِ عليها واحداً، ﴿وَلَّذِينَ فِىَ أَوَلِمْ حَقٌّ مَعْلُومُ ® لِلِسَّبِلِ وَالْمَعْرُومِ﴾ [المعارج:
٢٤-٢٥] غيرُ الفاعلين للزكاة؛ لشموله صَدَقةً التطوع وصِلةً الأقارب. وما روي أنَّها
أربعون وبُيِّنت بما في السور الأربعِ مبنيٌّ على الاعتبار الأَوَّل أيضاً، فلا إشكال.
وقيل: ابتلاه الله تعالى بسبعةٍ أشياءً: بالكوكب، والقمرَين، والخِتانِ على
الكِبَر، والنار، وذَبْح الولد، والهجرة من كوثى(١) إلى الشام، وروي ذلك عن
الحسن.
وقيل: هي ما تَضمَّنْه الآيات بعدُ: من الإمامة، وتَطهيرِ البيت، ورَفْعِ قواعدِه،
والإسلام، وقيل، وقيل .. ، إلى ثلاثةَ عَشَرَ قولاً.
وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرُهما: ((إِبْرَاهام))(٢). وأبو بكرة: ((إيْرَاهِم))(٣)
بکسر الهاء وحذف الياء.
وقَرأَ ابنُ عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة ◌ِّه برفع: ((إبْرَاهيمُ)) ونصب ((رَبَّهُ))(٤)،
فالابتلاءُ: بمعنى الاختبار حقيقةً، لصحّته من العبد، والمرادُ: دعا ربَّه بكلماتٍ،
مثل: ﴿رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] و﴿ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَّدَ ءَامِنَا﴾
[إبراهيم: ٣٥] لِيَرَى هل يُجيبُه؟ ولا حاجةً إلى الحَمْل على المجازِ. وأمَّا ما قيل: إنه
وإن صَحَّ من العبد، لا يَصِحُّ - أو لا يَحسُن - تَعِليقُه بالربِّ، فوجهُهُ غیرُ ظاهر سوى
ذِكْر لفظِ الابتلاء، ويَجوزُ أن يكونَ ذلك في مقام الأنس، ومقام الخُلَّة غيرُ خَفي.
﴿فَتَهُنِّ﴾ الضميرُ المنصوبُ للكلمات لا غير، والمرفوعُ المُستكنُّ يحتملُ أنْ
يعودَ لـ ((إبراهيم))، وأنْ يعودَ لـ «ربِّه))، على كلٍّ مِنْ قرائتي الرفع والنصب، فهناك
أربعةُ احتمالات:
(١) موضع في العراق. معجم البلدان ٤ / ٤٨٧.
(٢) التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢١/٢.
(٣) البحر ٣٧٢/١.
(٤) القراءات الشاذة ص٩، والكشاف ٣٠٨/١، والبحر ٣٧٢/١، وأبو الشعثاء هو جابر بن
زيد، من كبار تلامذة ابن عباس. السير ٤٨١/٤.

سُورَةُ الْبَعَة
٤٢٤
الآية : ١٢٤
الأول: عَودُه على (إبراهيمَ)) منصوباً، ومعنى (أتمَّهنَّ)) حينئذٍ: أتى بِهِنَّ على
الوجه الأتمّ وأَدَّاهُنَّ كما يَلیق.
الثاني: عَودُه على ((ربّه)) مرفوعاً، والمعنى حينئذٍ: يَسَّر له العمل بهنَّ،
وقَوَّاه على إتمامهنَّ، أو أَتَمَّ له أُجورَهنَّ، أو أَدامَهنَّ سُنَّةً فيه وفي عَقِبِهِ إلى يوم
الدین.
الثالث: عَودُه على ((إبراهيمُ)) مرفوعاً، والمعنى عليه: أتمَّ إبراهيمُ الكلماتِ
المَدْعوَّ بها، بأنْ راعى شروطَ الإجابة فيها، ولم يأتِ بعدها بما يُضيِّعُها.
الرابع: عودُه إلى ((ربه)) منصوباً، والمعنى عليه: فأعطى سبحانه إبراهيم جميعَ
ما دعاه.
وأظهرُ الاحتمالات الأول والرابع، إذ التميُّح غيرُ ظاهرٍ في الثاني، مع
ما فيه مِن حَذْفِ المضاف على أحد مُحتملاته، والاستعمالُ المألوفُ غيرُ مُتَّبَعِ
في الثالث؛ لأنَّ الفعل الواقع في مقابلة الاختبار يجبُ أنْ يكونَ فعل المختبر
اسم مفعول.
﴿قَالَ إِِّ جَاِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ استئنافٌ بيانيٌّ إنْ أُضمر ناصبُ ((إذا، كأنَّه قيل:
فماذا كان بعدُ؟ فأُجيبَ بذلك. أو بيانٌ لـ ((ابتلى))، بناءً على رأي مَن جَعَلَ الكلماتِ
عبارةً عمَّا ذُكِر إثرَه، وبعضُهم يجعل ذلك من بيان الكلّيّ بجزئيٍّ من جُزئياته، وإذا
نصبت ((إذ)) بـ ((قال)) - كما ذهب إليه أبو حيان - يكونُ المجموع جملةً معطوفةً على
ما قبلها على الوجه الذي مَرَّ تفصيله، وقيل: مُستطردة أو مُعترضة، ليقع قوله
تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ تُهَدَآءَ﴾ [البقرة: ١٣٣] - إنْ جُعلَ خطاباً لليهود - موقعَه، ويُلائم قوله
سبحانه: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١٣٠].
و((جاعل)): مِن جَعَلَ بمعنى صَيَّر المتعدِّي إلى مفعولين. و((للناس)) إمَّا مُتعلِّق
بـ ((جاعل))، أي: لأَجْلِهم، وإمَّا في موضع الحال؛ لأنَّه نعتُ نكرةٍ تَقدَّمت، أي:
إماماً كائناً لهم.
والإمام: اسمٌ للقدوة الذي يُؤْتَمُّ به. ومنه قيل لخيطِ البنَّاء إمام، وهو مُفردٌ على
فِعال، وجَعَلَه بعضُهم اسمَ آلَةٍ؛ لأنَّ فِعالاً مِن صِيَغها، كالإزار. واعتُرض بأنَّ

الآية : ١٢٤
٤٢٥
سُوَّةُ الْبَقَة
(الإمام)) ما يُؤْتُّ به، والإزارُ ما يُؤْتَزَرُ به، فهما مفعولان، ومفعولُ الفعلِ ليس بآلَةٍ؛
لأنَّها الواسطةُ بينَ الفاعل والمفعول في وصول أثرِه إليه، ولو كان المفعولُ آلةً لكان
الفاعلُ کذلك، ولیس فلیس.
ویکون جَمْعَ «آمّ) اسم فاعل مِن أَمَّ یَؤُّ، کجائعِ وچِیاع، وقائم وقيام، وهو
بحسب المفهوم، وإنْ كانَ شاملاً للنبيِّ والخليفةِ وإمامَ الصلاةِ، بل كلَّ مَن يُقْتدَى به
في شيءٍ ولو باطلاً كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِتَّةُ يَدْعُونَ إِلَى
النّارِ﴾ [القصص: ٤١]، إلا أنَّ المرادَ به هنا: النبيُّ المُقتَدَى به، فإنَّ مَن عَدَاه -
لكونه مأمومَ النبيّ - ليست إمامتُه كإمامِته. وهذه الإمامة:
إمَّا مُؤْبَّدَةٌ كما هو مُقتضَى تعريف ((الناس))، وصيغةِ اسم الفاعلِ الدالٌ على
الاستمرارِ، ولا يضرُّ مَجيءُ الأنبياءِ بعدَه؛ لأنَّه لم يُبعث نبيٌّ إلا وكان من ذُرِّيَّته
ومأموراً باتِباعه في الجملة لا في جميع الأحكام؛ لعدمٍ اتفاقِ الشرائع التي بعده في
الكلّ، فتكون إمامته باقيةً بإمامة أولاده التي هي أبعاضُه على التناوب.
وإمَّا مُؤْقَّتَةٌ بناءً على أنَّ ما نُسِخَ - ولو بعضُه - لا يُقال له مُؤَّد، وإلا لكانت
إمامةُ كلِّ نبيِّ مُؤَّدةً، ولم يَشِعْ ذلك، فالمرادُ من ((الناس)) حينئذٍ أمتُه الذين
اتبعوه.
ولك أنْ تَلتزمَ القولَ بتأبيد إمامِةِ كلِّ نبيٍّ ولكنْ في عقائدِ التوحيد، وهي لم
تُنسخ، بل لا تُنسخ أصلاً كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُّ فِيَهُدَهُمُ
أُقْتَدِْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وعَدُ الشيوعِ غيرُ مُسَلَّم، ولئن سُلِّم لا يَضرُّ. والامتنانُ على
إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره، لخصوصيةٍ اقتضَتْ ذلك، لا تكادُ تَخفَی
فتدبّر.
ثم لا يَخفى أنَّ ظاهر الآية يُشيرُ إلى أنَّ الابتلاء كان قبل النبوة؛ لأنَّه تعالى
جَعَل القيام بتلك الكلمات سبباً لجَّعْلِه إماماً. وقيل: إنَّه كان بعدها؛ لأنه يَقتضي
سابقةَ الوحي. وأُجيب بأنَّ مُطلقَ الوحي لا يَستلزمُ البعثةَ إلى الخَلقِ، وأنت تَعلمُ أنَّ
ذَبْح الولد، والهجرةَ، والنارَ، إن كانت من الكلمات يُشْكِلُ الأمر؛ لأنَّ هذه كانت
بعد النبوة بلا شُبهة، وكذا الخِتان أيضاً، بناءً على ما روي: أنه عليه الصلاة

سُوَّةُ الْبََّة
٤٢٦
الآية : ١٢٤
والسلام حين خَتَنَ نفسه كان عمرُه مئةً وعشرين(١)، فحينئذٍ يَحتاجُ إلى أنْ يكونَ إتمامُ
الكلمات سببَ الإمامة، باعتبار عمومها للناس واستجابة دعائه في حقِّ بعض ذُرِّيته.
ونقل الرازيّ عن القاضي: أنَّه على هذا يكونُ المرادُ من قوله تعالى: (فَأَنَّنَّهُنِّ)
أَنَّه سبحانه وتعالى عَلِمَ مِن حاله أنَّه يُتْمُّهنَّ ويقوم بهنَّ بعد النبوة، فلا جَرَم أعطاه
خِلْعَةَ الإمامة والنبوة (٢). ولا يخفى أنَّ الفاء يأبى عن الحَمْل على هذا المعنى.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ والضمير لإبراهيم عليه السلام ﴿وَمِن ذُرِّيَّقِ﴾ عطف على
الكاف كما(٣) يُقال: سأكرمُك، فتقول: وزيداً، وجَعْلُه على معنى: ماذا يكونُ مِن
ذُرِّيَّتِي؟ بعيدٌ.
وذَهَب أبو حيان إلى أنَّه مُتعلِّق بمحذوفٍ، أي: اجعلْ مِن ذُرِّيتي إماماً؛ لأنَّه
عليه السلام فَهِمَ من ((إنِّي جاعِلُكَ)) الاختصاصَ به (٤). واختاره بعضهم، واعترضُوا
على ما تَقدَّم، بأنَّ الجارَّ والمجرور لا يَصلحُ مضافاً إليه، فكيف يُعْطَف عليه، وبأن
العطفَ على الضميرِ كيف يَصُّ بدون إعادةِ الجارِّ؟ وبأنَّه كيف يكونُ المعطوف
مقولَ قائلٍ آخر؟
ودُفعَ الأَوَّلان بأنَّ الإضافةَ اللفظية في تقدير الانفصال، و((من ذريتي)) في
معنى: بعض ذُرِّيتي، فكأنه قال: وجاعل بعضٍ ذُرِّيتي، وهو صحيحٌ. على أنَّ
العطفَ على الضمير المجرور بدون إعادةِ الجارِّ، وإنْ أباه أكثرُ النحاة، إلا أنَّ
المحقّقين مِن علماء العربيَّة وأئمةِ الدين على جوازه، حتى قال صاحبُ ((العباب)):
إنه واردٌ في القراءات السبعةِ المتواتِرة، فمَن رَدَّ ذلك، فقد ردَّ على النبيِّ وَلّ(٥).
(١) روي هذا عن أبي هريرة ظه مرفوعاً وموقوفاً، كما في المستدرك ٥٥١/٢، والتمهيد
٥٨/٢١ و١٣٩/٢٣، والاستذكار ٢٤٤/٢٦، والذي في الصحيحين عن أبي هريرة ظُه
مرفوعاً: ((اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة)). صحيح البخاري (٣٣٥٦)،
وصحيح مسلم (٢٣٧٠)، وهو عند أحمد (٨٢٨١).
(٢) تفسير الرازي ٤/ ٤٢.
(٣) قوله: كما، ليس في (م).
(٤) البحر ٣٧٧/١.
(٥) ينظر تفصيل هذه المسألة في تفسير القرطبي ٦ /٧، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ اَللَّهَ الَّذِى
تَسَّةَ لُونَ بِهِ، وَآلْأَرْحَمْ﴾ [النساء: ١].

الآية : ١٢٤
٤٢٧
سُورَةُ الْبَقَة
ودُفع الثالث: بأنَّه من قبيل عطفِ التلقين، فهو خَبِرٌ في معنى الطلب، وكأنَّ
أصلَه: واجعلْ بعضَ ذريتي، كما قدَّره المعترض، لكنَّه عَدَلَ عنه إلى المُنْزَل، لمَا
فيه مِن البلاغة مِن حيث جَعَلَه مِن تَتَمَّة كلام المتكلّم، كأنَّه مُستحَقٌّ مثل المعطوف
عليه، وجَعَلَ نفسه كالنائب عن المتكلّم، والعُدُول مِن صيغة الأمر للمبالغة في
الثبوت ومراعاةِ الأدب في التفادي عن صورة الأمر، وفيه مِن الاختصارِ الواقع
موقعَه ما يروقُ كلَّ ناظر؛ ونَظيرُ هذا العطفِ ما روى الشيخان عن ابنِ عمرَ ◌ًَّا عن
رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((اللهمَّ ارحَم المحلِّقين)) قالوا: والمقصِّرين يا رسولَ الله.
قال: ((اللهم ارحَم المحلِّقين)) قالوا: والمقصِّرين يا رسولَ الله. قال:
(والمقصِّرِين)»(١).
وقد ذَكَر الأُصولِيُّون أنَّ التلقين وَرَدَ بالواو وغيرها من الحروف، وأنَّه وَقَع في
الاستثناء، كما في الحديث: أنَّ الله تعالى حرَّم شجرة الحرم، قالوا: إلا الإذْخَر یا
رسول الله. (٢)
واعتُرض أيضاً: بأنَّ العطفَ المذكور، يَستدعي أنْ تكونَ إمامةُ ذُريَّتهِ عامَّةٌ
لجميع الناس، عمومَ إمامتِهِ عليه السلام على ما قيل، وليس كذلك.
وأُجيبَ: بأنَّه يَكفي في العطف الاشتراكُ في أصل المعنى، وقيل: يَكفي قبولُها
في حقِّ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام.
والذريَّة: نَسْلُ الرجل، وأَصلُها: الأولادُ الصغار، ثم عَمَّت الكبار والصغَّار،
الواحدَ وغيرَه، وقيل: إنَّها تَشْمَلُ الآباء، لقوله تعالى: ﴿أَنَا حَمَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] يعني نوحاً وأبناءه، والصحيح خِلافُه. وفيها ثلاثُ لغات: ضَمُّ
الذال، وفتحُها، وكسرُها، وبها قرئ(٣).
وهي إمَّا فُقُولَة من ذَرَوْتُ أو ذَرَيْتُ، والأصل ذُرُّورَة أو ذُرُّويَّة، فاجتمع في
(١) صحيح البخاري (١٧٢٧)، وصحيح مسلم (١٣٠١)، وهو عند أحمد (٥٥٠٧).
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٧٩)، والبخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣) عن ابن
عباس رضي الله عنهما
(٣) القراءة بالضم قراءة العشرة، والفتح والكسر قراءة زيد بن ثابت، كما في القراءات الشاذة
ص٩، والمحتسب ١/ ١٥٦.

سُؤَدَّةُ الْجَمَة
٤٢٨
الآية : ١٢٤
الأول واوان: زائدةٌ وأصلية، فقُلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية، فاجتمعت ياءٌ
وواوٌ وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلِبَت الواو ياءً وأُدغمَت الياء في الياء، فصارت
ذُرِّيَّة. أو فُعِّيْلَةٍ (١) منهما، والأصلُ في الأولى: ذُرِّيْوَة فقلبت الواو ياءً لِمَا سبق،
فصارت ذُرِّيْبَة كالثانية، فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذُرِّيَّة.
أو فُعَيْلَة من الذَّرْء بمعنى الخلق، والأصل ذُرِّيْئَة فقلبت الهمزة ياء وأُدْغِمَت.
أو فُعِّيْلَة من الذَّرِّ بمعنى التفريق، والأصل: ذُرّيْرَة، فَقُلِبتْ الراءُ الأخيرةُ ياءً
هرباً من ثقل التكرير، كما قالوا في تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ، وفي تَقَضَّضْتُ: تَفَضَّيْتُ. أو
فُغُّولة منه، والأصل: ذُرُّوْرَة، فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام. أو فُعْلِيَّة منه
على صيغة النسبة، قالوا: وهو الأظهرُ لكثرة مَجيئها، كحُرِّيَّة ودُرِّيَّة، وعدمِ
احتياجها إلى الإعلال، وإنما ضُمَّت ذالُه لأنَّ الأبنية قد تُغيَّر في النسبة خاصَّة،
كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دُهريّ.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ أيضاً، والضميرُ الله عزَّ اسمُه ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ
إجابة لِمَا رَاعَى الأدبَ في طلبهِ، مِن جَعْلِ بعضٍ ذُرِّيته نبيًّا كما جُعِل، مع تعيين جنسٍ
البعض الذي أُبهم في دعائه عليه السلام بأبلغ وجهٍ وآَكَدِهِ، حيث نفى الحكمَ عن أحد
الضدَّين مع الإشعار إلى دليل نَفْيه عنه ليكونَ دليلاً على الثبوت للآخر، فالمتبادِرُ من
العهد: الإمامةُ، وليست هي هنا إلا النبوة، وعَبَّر عنها به للإشارة إلى أنَّها أمانةُ الله
تعالى وعهدُه الذي لا يقوم به إلا مَنْ شاء الله تعالى مِن عباده.
وآثرَ النيل على الجَعْل، إيماءً إلى أنَّ إمامةَ الأنبياء من ذُرِّيته عليهم السلام
ليست بجَعْلٍ مُستقلّ، بل هي حاصلةٌ في ضِمْن إمامته، تَنالُ كلّ منهم في وقته
المقدَّرِ له، ولا يَعود مِن ذلك نَقْصٌّ في رتبة نُبوة نبيِّنا وَِّ، لأنه جارٍ مجرى
التغليب، على أنَّ مثلَ ذلك لو كان يَحُظّ من قدرها لَمَا خُوطِبَ وَّهِ بقوله تعالى:
﴿َنِ أَتَِّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣].
والمتبادِرُ من الظلم: الكفر، لأنَّه الفردُ الكامل من أفراده، ويُؤيِّده قوله تعالى:
﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فليس في الآية دلالةٌ على عصمة الأنبياء
(١) في الأصل و(م): فعلية، والمثبت من الدر المصون ٢/ ١٠١، وتفسير أبي السعود ١٥٦/١.

الآية : ١٢٤
٤٢٩
سُورَةُ الَقَة
عليهم السلام من الكبائر قبل البعثة، ولا على أنَّ الفاسق لا يَصلُح للخلافة. نعم،
فيها قَطْعُ أطماع الكَفَرةِ الذين كانوا يتمنَّوَن النبوة، وسَدُّ أبواب آمالهم الفارغة عن
نيلها .
واستدلَّ بها بعض الشيعة على نَفْي إمامة الصدِّيق وصاحبَيه ﴿ه، حيثُ إنَّهم
عاشوا مدةً مديدةً على الشرك، وإنَّ الشرك لظلمٌ عظيم، والظالم بنصِّ الآية لا تنالُه
الإمامة.
وأُجيب: بأنَّ غاية ما يَلزم أنَّ الظالمُ في حال الظلم لا تنالُه، والإمامةُ
إنما نالَتْهم ﴿ه فِي وَقتٍ كَمالِ إيمانهم، وغايةٍ عدالتهم.
واعترض: بأنَّ ((مِن)) تَبعيضيَّة، فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامةَ: إما للبعض
العادِلِ من ذُرِّيته مدةَ عمره، أو الظالم حالَ الإمامة، سواءٌ كان عادلاً في باقي
العمر أم لا، أو العادلِ في البعض الظَالمِ في البعض الآخر، أو الأعمّ، فعلى
الأول: يَلزم عدمُ مطابقةِ الجواب. وعلى الثاني: جَهلُ الخليل وحاشاه. وعلى
الثالث: المطلوب، وحيَّاه. وعلى الرابع: إما المطلوب، أو (١) الفساد.
وأنت خَبِيرٌ بأنَّ مَبْنَى الاستدلالِ حَمْلُ العهدِ على الأعمّ مِن النبوة والإمامة التي
يَدَّعونها، ودونَ إثباته خرط القتاد، وتصريحُ البعضِ كالجَضَّاصِ(٢) لا يُبنَى عليه إلزامُ
الكلِّ، وعلى تقديرِ التنزُّلِ يُجاب بأنَّا نَختارُ أنَّ سؤالَ الإمامةِ بالمعنى الأعمِّ للبعض
المبهَم مِن غيرِ إحضارِ الاتِّصاف بالعدالة والظلم حالَ السؤال، والآيةُ إجابةٌ لدعائه
مع زيادةٍ، على ما أشرنا إليه، وكذا إذا اختيرَ الشقُّ الأولُ، بل الزيادةُ عليه زيادة.
ويُمكن الجواب باختيار الشقِّ الثالث أيضاً بأن نقول: هو على قِسمَين:
أحدُهما: مَن يكون ظالماً قبل الإمامة ومُتَّصفاً بالعدالة وَقتَها اتِّصافاً مطلقاً،
بأنْ صارَ تائباً من المظالم السابقة، فيكونُ حالَ الإمامة مُتَّصفاً بالعدالة المطلقة.
(١) في الأصل: وإما.
(٢) في أحكام القرآن ٦٩/١، حيث قال بعد إيراده ما ورد من أقوال في الآية: جميع ما روي
من هذه المعاني يحتمله اللفظ، وجائز أن يكون جميعه مراد الله تعالى، وهو محمول على
ذلك عندنا، فلا يجوز أن يكون الظالم نبيًّا، ولا خليفة لنبيَّ، ولا قاضياً ...

سُورَةُ الْبَحَة
٤٣٠
الآية : ١٢٤
والثاني: مَن يكون ظالماً قبل الإمامة ومُحترِزاً عن الظلم حالَها، لكن غيرَ
مُتَّصفٍ بالعدالة المطلقة؛ لعدم التوبة. ويَجوزُ أن يكونَ السؤالُ شاملاً لهذا القسم،
ولا بأس به إذ أَمنُ الرعية من الفساد الذي هو المطلوب يحصل به. فالجوابُ بنفي
أيّ ليسوا منه، بل هم في أعلى
حصول الإمامة لهذا القسم، والشيخان وعثمان
مراتبِ القسم الأول، مُتَّصفون بالتوبة الصادقة، والعدالة المُظْلَقة، والإيمان
الراسخ، والإمام لا بدَّ أنْ يكون وقت الإمامة كذلك، ومَن كَفَر أو ظَلَم ثُمَّ تابَ
وأصلح، لا يصحُّ أنْ يُطلَقَ عليه أنَّه كافرٌ أو ظالمٌ في لغةٍ وعرفٍ وشرعٍ، إذ قد تَقرَّرَ
في الأصول أنَّ المُشتقَّ فيما قام به المبدأ في الحال حقيقةٌ، وفيّ غيره مجازٌ،
ولا يَكون المجازُ أيضاً مُطَّرِداً، بل حيثُ يَكونُ متعارَفاً، وإلا لجازَ صبيٍّ لشيخٍ،
ونائمٌ لمُستيقظ، وغَنيٌّ لفقيرٍ، وجائعٌ لشبعان، وحيٍّ لميتٍ، وبالعكس.
وأيضاً لو اطّرد ذلك، يَلزمُ مَن حَلَف: لا يُسَلِّمُ على كافرٍ، فَسلَّم على إنسان
مُؤمن في الحال إلا أنَّه كان كافراً قبلُ بسنينَ متطاولةٍ، أن يَحنَكَ، ولا قائل به.
هذا ومِن أصحابنا مَن جَعَل الآية دليلاً على عصمة الأنبياءِ عن الكبائر قبل
البعثة، وأنَّ الفاسقَ لا يصلحُ(١) للخلافة، ومَبْنَى ذلك حَمْلُ العهد على الإمامة،
وجَعْلُها شاملةً للنبوة والخلافة، وحَمْلُ الظالم على مَنِ ارتكب مَعصيةً مُسقِطةً
للعدالة، بناءً على أنَّ الظلم خِلافُ العَدْل. ووجْهُ الاستدلال حينئذٍ أنَّ الآية دَلَّت
على أنَّ نَيلَ الإمامة لا يُجامع الظلم السابق، فإذا تَحقَّقَ النَّلُ كما في الأنبياء عُلِم
عدمُ اتِّصافهم حال النَّيلِ بالظلم السابق، وذلك إمَّا بأنْ لا يَصدُرَ مِنهم ما يُوجبُ
ذلك، أو بزواله بعدَ حصوله بالتوبة، ولا قائل بالثاني، إذ الخلافُ إنَّما هو في أنَّ
صُدورَ الكبيرةِ هل يَجوزُ قبل البعثة أم لا؟ فيتغَّينُ الثاني وهو العصمة. أو المرادُ بها
هاهنا عَدمُ صُدور الذنب لا الملكة، وكذا إذا تَحقَّقَ الاتِّصافُ بالظلم - كما في
الفاسق - عُلمَ عدمُ حصول الإمامة بعد ما دام اتصافُه بذلك.
واستفادةُ عدم صلاحية الفاسقِ للإمامة على ما قرَّرنا مِن مُنطوق الآية، وجَعْلُها
مِن دلالةِ النصّ، أو القياسِ المُخرِج إلى القول بالمساواة ولا أَقلَّ أو التزامِ جامعٍ
- وهما مناط العيّوق - إنَّما يَدعو إليه حَمْلُ الإمامة على النبوة، وقد عَلمتَّ
(١) في (م): يصح.

الآية : ١٢٥
٤٣١
سُؤَدَّةُ الْبَّنَة
أنَّ المبنى الحَمْلُ على الأعمِّ، وكان الظاهرُ أنَّ الظلم الطارئ والفسقَ العارِضَ
يَمنعُ عن الإمامة بقاءً، كما مَنَع عنها ابتداءً؛ لأنَّ المنافاةَ بَيْنَ الوصفَين مُتَحقِّقةٌ في
كلِّ آنٍ، وبه قال بعضُ السلف، إلَّا أنَّ الجمهورَ على خِلافه، مُدَّعِين أنَّ المنافاة في
الابتداء لا تقتضي المنافاةَ في البقاء؛ لأنَّ الدفعَ أسهلُ من الرفع، واستشهدوا له
بأنَّه لو قال لامرأةٍ مجهولةِ النسبِ يُولَد مِثْلُها لِمِثِلْه: هذه بنتي، لم يَجُزْ له نكاحُها،
ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك، لم يرتفعِ النكاح، لكنْ إنْ أَصرَّ عليه يُفرِّق
القاضي بينهما، وهذا الذي قالوه إنَّما يُسلَّمُ فيما إذا لم يَصلِ الظلمُ إلى حدِّ الكفر،
أمَّا إذا وصل إليه، فإنه يُنافي الإمامة بقاءً أيضاً بلا ريب، وينعزل به الخليفةُ قطعاً.
ومِن الناس مَنِ استدلَّ بالآية على أنَّ الظالمَ إذا عُوهد لم يَلزم الوفاءُ بعهده،
وأَيَّد ذلك بما رُوي عن الحسن أنه قال: إنَّ الله تعالى لم يَجعل للظالم عهداً. وهو
كما ترى.
وقرأ أبو الرجاء وقتادة والأعمش: ((الظالمون))(١) بالرفع، على أنَّ ((عهدي))
مفعولٌ مُقدَّم على الفاعل اهتماماً، ورعايةً للفواصل.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ عطف على ((وإذ ابتلى)). (والبيت)) مِنَ الأَعلام الغالبةِ للكعبةِ
كالنجم للثريا .
﴿مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعاً لهم؛ قاله الخليل وقتادة. أو مَعَاذاً ومَلجاً؛ قاله ابن
عباس ﴿. أو مَرْجِعاً يَثوبُ إليه أعيانُ الزُّوار أو أمثالهم؛ قاله مجاهد وابن جُبَير.
أو مَرْجِعاً يحقُّ أنْ يُرجعَ ويُلجأَ إليه؛ قاله بعض المُحقِّقين. أو مَوضِعَ ثوابٍ يُثَابون
بحجِّه واعتماره؛ قاله عطاء، وحكاه الماورديُّ(٢) عن بعضٍ أهل اللغة.
والتاءُ فيه وتركُه لغتان، كما في: مَقام ومَقامة. وهي لتأنيثِ البقعة؛ وهو قولُ
الفرَّاء والزجَّاج (٣)، وقال الأخفش(٤): إنَّ التاء فيه للمبالغةِ كما في نَسَّابة وعلَّامة،
وأصله: مَثْوَبَة، على وزن مُفْعَلة مصدر ميمي، أو ظرف مكان.
(١) البحر ٣٧٧/١، وهي في القراءات الشاذة ص٩ عن ابن مسعود
(٢) في النكت والعيون ١٨٦/١.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١/ ٢٠٥، وللفراء ٧٦/١.
(٤) في معاني القرآن ٣٣٥/١.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٣٢
الآية : ١٢٥
واللام في ((الناس)) للجنس، وهو الظاهرُ، وجُوِّز حَمْلُه على العهد أو الاستغراق
العرفيّ.
وقرأ الأعمش وطلحة: ((مَثَاباتٍ)) على الجمع(١)؛ لأنَّه مَثابةُ كلِّ واحدٍ من
الناس لا يَختصُّ به أحدٌ منهم، سواءٌ العاكفُ فيه والباد، فهو وإنْ كان واحداً
بالذات، إلا أنَّه مُتعدّدٌ باعتبار الإضافات.
وقيل: إن الجمع بتنزيل تَعدُّد الرجوع منزلةَ تَعدُّد المحلِّ، أو باعتبار أنَّ كلَّ
جُزءٍ منه مثابةٌ، واختار بعضُهم ذلك، زَعْماً مِنه أنَّ الأول يقتضي أنْ يَصحَّ التعبيرُ
عن غلام جماعة بالمملوكين. ولم يُعرف. وفيه أنَّه قياسٌ مع الفارق، إذ له إضافةُ
المملوكيةَ إلى كلِّهم لا إلى كلِّ واحد منهم.
﴿وَأَمْنَا﴾ عطف على ((مثابة))، وهو مَصدرٌ وُصِفَ به للمبالغة، والمرادُ: موضعَ
أَمْنٍ، إِمَّا لسكانه من الخطف، أو لحُجَّاجه من العذاب، حيثُ إنَّ الحجَّ يُزيل
ويَمحو ما قبله غيرَ حقوقِ العباد، والحقوق المالية كالكفَّارة على الصحيح، أو
للجاني المُلتجئ إليه من القتل، وهو مذهبُ الإمام أبي حنيفة ◌ُه، إذ عنده
لا يُستوفَى قصاصُ النفسِ في الحرم، لكنْ يُضيَّقُ على الجاني ولا يُكلَّم ولا يُطْعَم
ولا يُعامَل حتى يَخرُج فَيُقْتَل، وعند الشافعي ◌ُّهُ مَن وَجَب عليه الحدُّ والتجَأَ إليه،
يَأمر الإمامُ بالتضييقِ عليه بما يُؤدِّي إلى خُروجه، فإذا خرج أُقيمَ عليه الحدُّ في
الحِلِّ، فإنْ لم يَخرج جازٌ قتلُه فيه، وعند الإمام أحمد ظُهُ لا يُستوفى من المُلتجِئ
قصاصٌ مطلقاً، ولو قصاصُ الأطراف، حتى يخرجَ.
ومِن الناس مَن جعل (أمناً)) مفعولاً ثانياً لمحذوفٍ على معنى الأمر، أي:
واجعلوه أمناً، كما جعلناه مَثابةً، وهو بعيدٌ عن ظاهر النظم.
ولم يَذْكُر ((للناس)) هنا كما ذَكَر مِن قبلُ، اكتفاءً به، أو إشارةً إلى العموم، أي:
أنه أَمنٌّ لكلِّ شيءٍ كائناً ما كان، حتى الطير والوحش، إلا الخمس الفواسق فإنها
خُصَّت مِن ذلك على لسان رسول الله وَيَ(٢)، ويَدخل فيه أمنُ الناس دخولاً أولياً.
(١) القراءات الشاذة ص٩، والبحر٣٨٠/١، وحاشية الشهاب ٢٣٦/٢.
(٢) أخرجه أحمد (٥٤٧٦)، والبخاري (٣٣١٥)، ومسلم (١١٩٩) من حديث ابن عمر
ولفظه: ((خمس لا جناح على مَن قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة، والعقرب، والغراب،
والحدّأة، والكلب العَقُور)).

الآية : ١٢٥
٤٣٣
سُوَّةُ الْبَحْرَة
﴿وَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلٌ﴾ عطف على ((جعلنا))، أو حالٌ من فاعله على
إردة القول، أي: وقلنا أو قائلينَ لهم ـ اتَّخِذُوا، والمأمورُ به الناسُ كما هو
الظاهر، أو إبراهيمُ عليه السلام وأولادُه كما قيل.
أو عَطْفٌ على ((اذكر)) المقدَّر عاملاً لـ ((إذ)). أو معطوفٌ على مُضمَرٍ تقديرُه: ثُوبوا
إليه واتَّخِذوا، وهو مُعترِضٌ باعتبار نيابته عن ذلك بين ((جعلنا)) و((عهدنا)). ولم يُعتبر
الاعتراضُ مِن دون عَظْفٍ - مع أنَّه لا يُحتاج إليه - ليكونَ الارتباط مع الجملة السابقة
أظهرَ (١)، والخطابُ على هذَين الوجهَين لأُمَّةِ محمد ◌ِّه وهو ◌َّه رأس المخاطبين.
و((مِن))، إمَّا للتبعيض، أو بمعنى ((في))، أو زائدة على مذهب الأخفش،
والأظهرُ الأول. وقال القفَّال: هي مثل: انَّخذتُ مِن فلانٍ صديقاً، و: أعطاني الله
تعالى مِن فلانٍ أخاً صالحاً، دخلَتْ لبيان المتَّخَذِ الموهوبِ وتمييزِه.
والمَقامُ: مَفْعَل من القيام، يُراد به المكانُ، أي: مكان قيامه، وهو الحَجَر
الذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السلام، حين ضَعُف من رفع الحجارة التي كان ولدُه
إسماعيل يناولُهُ إِيَّها في بناءِ البيت، وفيه أثرُ قَدمَيه، قاله ابن عباس وجابر وقتادة
وغيرُهم، وأخرجه البخاريُّ(٢)، وهو قولُ جمهورِ المفسِّرين. ورُوي عن الحسن أنَّه
الحجرُ الذي وضعته زوجةُ إسماعیل علیه السلام تحت إحدی رجلیہ وهو راکبٌ،
فَغَسلَتْ أحد شقي رأسه، ثم رفعتْه مِن تحتها وقد غاصَتْ فيه، ووضعَتْه تحت رجله
الأخرى، فغسلَتْ شِقَّه الآخر وغاصَتْ رجله الأخرى فيه أيضاً.
أو الموضع الذي كان فيه الحجرُ حين قامَ عليه ودعا الناس إلى الحجّ،
ورَفَعَ بناءَ البيت، وهو موضعُه اليوم. فالمقامُ في أحد المعَنَيين حقيقةٌ لغويةٌ وفي
الآخَر مجازٌ متعارَف، ويَجوزُ حَمْلُ اللفظ على كلّ منهما، كذا قالوا، إلا أنَّه
استَشكل تَعيينُ الموضع بما هو الموضع اليوم؛ لِمَا في ((فتح الباري))(٣) مِنْ أَنَّه:
(١) لأن الجملة المعترضة تقوِّي ما اعتَرَضت فيه وتؤكّده، فقدِّر ثوبوا - وهو مأخوذ من قوله:
((مثابة)) - ليناسب ما قبله ويلتثم معه. حاشية الشهاب ٢٣٦/٢.
(٢) في صحيحه (٣٣٦٥) مطولاً من حديث ابن عباس ﴿يا، دون قوله: وفيه أثر قدميه، والكلام
من البحر المحيط ٣٨١/١.
(٣) ١٦٩/٨.

سُورَةُ الْبََّة
٤٣٤
الآية : ١٢٥
كان المقامُ - أي الحجر - من عهد إبراهيم عليه السلام لَزِيقَ البيتِ، إلى أنْ أَخَخَّرَه
عمر ◌َّه إلى المكان الذي هو فيه الآن؛ أخرجه عبد الرزاق بسندٍ قويٌّ(١)، وأخرج
ابنُ مردويه بسندٍ ضعيف عن مجاهد: أنَّ رسول الله وَّهِ هو الذي حَوَّله. فإنَّ هذا
يدلُّ على تغايرِ الموضعَين، سواءٌ كان المُحوِّلُ رسولَ اللهِصَّه أو عمر ◌َبه.
وأيضاً كيف يُمكنُ رفع البناءِ حينَ القيام عليه حالَ كونه في مَوضعِهِ اليوم، وهو بعيدٌ
من الحجر الأسود بسبعةٍ وعشرينَ ذراعاً.
وأيضاً: المشهورُ أنَّ دعوةَ الناس إلى الحجِّ كانت فوق أبي قُبيس، فإنه صعده
بعد الفراغ مِن عِمارَة البيت، ونادى: أيُّها الناسُ، حجّوا بيتَ ربِّكم(٢). فإنْ لم
يَكن الحجرُ معه حينئذٍ، أَشكّلَ القولُ بأنَّه قام عليه ودعا، وإنْ كان معه وكان
الوقوفُ عليه فوق الجبل - كما يشير إليه كلام ((روضة الأحباب))، وبه يَحصلُ
الجمع - أَشكّلَ التعيينُ بما هو اليوم.
وغايةُ التوجيه أنْ يُقال: لا شكَّ أنَّه عليه السلام كان يحوِّلُ الحجَرَ حين البناء
من موضعٍ إلى موضعٍ ويقومُ عليه، فلم يكن له مَوضِعٌ مُعيَّنٌ، وكذا حين الدعوة لم
يَكن عند البيت، بل فوق أبي قبيس، فلا بدَّ مِن صرف عباراتهم عن ظاهرها، بأنْ
يُقال: الموضع الذي كان ذلك الحجرُ في أثناءِ زمانٍ قيامه عليه واشتغاله بالدعوة،
أو رَفْع البناء، لا حالةَ القيام عليه. ووَقَعَ في بعضِ الكتب أنَّ هذا المقامَ الذي فيه
الحجرُ الآن كان بيتَ إبراهيم عليه السلام، وكان يَنقلُ هذا الحجر بعد الفراغ من
العمل إليه، وأن الحَجَر بعد إبراهيم كان موضوعاً في جوف الكعبة، ولعلَّ هذا هو
الوجه في تخصيصٍ هذا الموضع بالتحويل، وما وقع في ((الفتح)) مِن أنَّه كان المقام
مِن عهد إبراهيمَ لَزِيقَ البيت، معناه بعد إتمامِ العِمارة، فلا يُنافي أنْ يكونَ في أثنائها
في الموضعِ الذي فيه اليوم، كذا ذكره بعض المحققين. فليُفهَم.
وسبب النزول: ما أخرجه أبو نُعيم مِن حديث ابن عمر: أنَّ النبي ◌َّرِ أخذ بيد
(١) مصنف عبد الرزاق (٨٩٥٥) عن عطاء. ووقعت العبارة في الفتح: أخرجه عبد الرزاق في
مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضاً، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله
بسند قوي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤.

الآية : ١٢٥
٤٣٥
سُورَةُ الْبَقَة
عمر رعُه فقال: ((يا عمر هذا مقام إبراهيم)) فقال عمر: أفلا نتَّخِذُه مُصَلَّى؟ فقال:
(لم أُوْمَرْ بذلك)) فلم تَغِبْ الشمس حتى نزلت هذه الآية(١).
والأمرُ بركعتَي الطوافِ؛ لِمَا أخرجه مسلم عن جابر: أنَّ رسول اللهِلَّهِ لمَّا
فَرَغَ من طوافه، عَمَدَ إلى مَقام إبراهيم فصلَّى خَلْفه ركعتين، وقرأ الآية(٢). فالأمرُ
للوجوب على بعض الأقوال،َ ولا يَخفى ضعفُه، لأنَّ فيه التقييدَ بصلاةٍ مخصوصةٍ
من غير دليلٍ، وقراءتُه عليه الصلاة والسلام الآيةَ حينَ أداءِ الركعتَين لا يَقتضي
تخصيصه بهما .
وذهَبَ النَّخَعيُّ ومُجاهد: إلى أنَّ المرادَ مِن مقام إبراهيم: الحرمُ كلُّه. وابنُ
عباس وعطاء: إلى أنَّه مَواقِفُ الحجِّ كلِّها. والشعبيُّ: إلى أنَّه عرفةُ ومزدلفةٌ
والجِمَار، ومعنى اتِّخاذِها مصلَّى: أنْ يُدْعَى فيها ويُتقرَّبَ إلى الله تعالى عندها.
والذي عليه الجمهور هو ما قدمناه أولاً، وهو الموافق لظاهرِ اللَّفظ ولعُرْفٍ
الناس اليوم، وظواهرُ الأخبار تُؤْيِّدُه.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: ((وانَّخَذُوا)) بفتح الخاء(٣) على أنَّه فعلٌ ماضٍ، وهو
حينئذٍ معطوفٌ على ((جعلنا))، أي: واتَّخذَ الناسُ من مكان إبراهيمَ الذي عُرِف به
وأَسكَنَ ذُرِّيْتَه عنده وهو الكعبةُ قبلةً يُصلُّون إليها، فالمقامُ مَجازٌ عن ذلك المحلِّ،
وكذا المصلّى بمعنى القبلة مَجازٌ عن المحلِّ الذي يُتوجّه إليه في الصلاة، بعلاقة
القُرْب والمُجاوَرة.
﴿وَعَهِذْنَآ إِلَى إِبْهِمَ وَإِسْمَعِيلَ﴾ أي: وصَّينا، أو أَمرنا، أو أَوحينا، أو قُلنا،
والذي عليه المحقّقونَ أنَّ العهدَ إذا تعدَّى بـ (إلى) يكونُ بمعنى التوصيةِ، ويُتجوَّز به
عن الأمر.
وإسماعيل عَلَمٌ أعجميٌّ، قيل: معناه بالعربية: مُطيعُ الله. وحُكي أنَّ إبراهيمَ
(١) الحلية ٣٠٢/٣، وأخرجه ابن ماجه (١٠٠٩)، والطبري ٥٢٢/٢ إلى قوله: أفلا نتخذه
مصلى.
(٢) صحيح مسلم (١٢١٨)، وهو عند أحمد (١٤٤٤٠).
(٣) التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢٢/٢.

سُوَُّ الْبََّقَة
٤٣٦
الآية : ١٢٥
عليه السلام كان يَدعو أنْ يَرزقه الله تعالى ولداً، ويقول: اسمَعْ إيل، أي استَجبْ
دعائي يا الله، فلمَّا رَزَقه الله تعالى ذلك سمَّاه بتلك الجملة. وأَراه في غاية البُعْد.
وللعرب فيه لغتان اللام والنون.
﴿َنْ طَهِرَا بَيْنِىَ﴾ أي: بأنْ طهِّرا، على أنَّ((أنْ)) مصدريةٌ وُصِلَتْ بفعل الأمر بياناً
للموصَى المأمورِ به، وسيبويه وأبو عليّ(١) جَوَّزا كونَ صلةِ الحروفِ المصدرية أمراً
أو نهياً، والجمهورُ مَنعوا ذلك مُستدلِّين بأنَّه إذا سُبِكَ منه مصدرٌ فاتَ معنى الأمر،
وبأنَّه يَجب في الموصول الاسمي كونُ صِلَتِهِ خبريةٌ، والموصولُ الحرفيُّ مثلُه،
وقَدَّروا هنا: قلنا؛ ليكونَ مدخولُ الحرف المصدريِّ خبراً. ويَرِدُ عليهم:
أولاً: أنَّ كونَه مع الفعل بتأويل المصدر، لا يَستدعي اتحادَ معناهما، ضرورةً
عدم دلالةِ المصدر على الزمان مع دلالة الفعل عليه.
وثانياً: أنَّ وجوبَ كَوْن الصلة خبريَّةً في الموصول الاسميِّ، إنَّما هو للتوصُّل
إلى وصف المعارف بالجمل، وهي لا تُوصَفُ بها إلا إذا كانت خبريةً، وأمَّا
الموصول الحرفيُّ فليس كذلك.
وثالثاً: أنَّ تقدير ((قلنا)) يُفضي إلى أنْ يكونَ المأمورُ به القولَ، وليس كذلك.
وجُوِّز أنْ تكونَ ((أنْ)) هذه مُفسِّرة لتقدُّم ما يَتضمَّن معنى القول دون حروفه، وهو
العهد، ويحتاج حينئذٍ إلى تقديرِ المفعول؛ إذ يُشترط مع تقدُّم ما ذكر كونَ مَدخولها
مُفسِّراً لمفعولٍ مقدَّرٍ أو ملفوظٍ، أي: قلنا لهما شيئاً هو ((أن طهر!)).
والمرادُ من التطهيرِ: التنظيفُ مِن كلِّ ما لا يَليق، فيدخل فيه الأوثان
والأنجاسُ وجميعُ الخبائث، وما يُمنع منه شرعاً كالحائض.
وخَصَّ مجاهدٌ وعطاء(٢) ومقاتل وابن جُبير التطهيرَ بإزالة الأوثان، وذَكَروا أنَّ
البيت كان عامراً على عهد نوح عليه السلام، وأنَّه كان فيه أصنامٌ على أشكال
صالحيهم، وأنَّه طال العهد فعُبَدَتَ من دون الله تعالى، فأمر الله تعالى بتطهيره منها .
(١) كما في البحر ٣٨١/١.
(٢) في الأصل و(م): وابن عطاء، والمثبت من البحر ٣٨٢/١، والكلام منه، وينظر تفسير ابن
أبي حاتم ٢٢٧/١-٢٢٨.

الآية : ١٢٥
٤٣٧
سُورَةُ الْبَّكُغَة
وقيل: المراد: بَخِّراه ونَظّفاه وخَلِّقاه، وارْفَعَا عنه الفَرْث والدمَ الذي كان
يُطرَح فيه .
وقيل: أَخلِصَاه لِمَنْ ذكر بحيث لا يَغْشاه غيرُهم، فالتطهير عبارةٌ عن لازمه.
ونُقِلَ عن السُّدي أنَّ المراد به: البناءُ والتأسيس على الطهارة والتوحيد. وهو بعيدٌ.
وتَوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسماعيل، لا يُنافي ما في سورة الحج من
تَخصيصه بإبراهيم عليه السلام، فإنَّ ذلك واقعٌ قبل بناء البيت كما يُفصِحُ عنه قوله
تعالى: ﴿وَإِذِّ بَوَّْنَا لِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] وكان إسماعيل حينئذٍ
بمعَزِلٍ من مثابة الخطاب، وظاهرٌ أنَّ هذا بعد بلوغه مَبلَغَ الأمر والنهي، وتمام
البناء بمُباشرَته، كما يُنبئُ عنه إيرادُه إثْرَ حكاية جَعْلِه ((مثابة)).
وإضافةُ البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف كـ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] لا أنَّه
مكانٌ له، تعالى عن ذلك علواً كبيراً .
﴿لِلِّفِينَ﴾ أي: لأَجْلِهم، فاللَّام تعليلية، وإن نُسِّر التطهيرُ بلازمِه كانت صلةً
له. والطائفُ: اسمُ فاعلٍ مِنْ طاف به: إذا دارَ حولَه، والظاهرُ أنَّ المراد: كلُّ مَن
يَطوف مِن حاضرٍ أو بادٍ؛ وإليه ذهب عطاء وغيرُه. وقال ابن جبير: المراد الغرباء
الوافدون على مكة حجَّاجْا وزوَّاراً.
﴿وَالْمَكِفِينَ﴾: وهم أهل البلد الحرام المقيمون، عند ابن جبير. وقال عطاء:
هم الجالسون من غير طوافٍ منْ بلديٍّ وغَريب. وقال مجاهد: المجاورون له من
الغرباء. وقيل: هم المعتكفون فيه.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُورِ (٥) وهم(١) المصلُّون، جَمْعُ راكعٍ وساجد، وخُصَّ
الركوعُ والسجودُ بالذكر من جميع أحوال المصلي؛ لأنَّها أَقَرِبُّ أحوالِه إليه تعالى،
وهما الركنان الأعظمان، وكثيراً ما يُكنَى عن الصلاة بهما، ولذا تَرَك العطفَ
بينهما. ولم يُعبِّر بالمصلِين مع اختصاره، إيذاناً بأنَّ المعتَبَرَ صلاةٌ ذاتُ ركوعِ
وسجودٍ لا صلاةُ اليهود. وقدَّم الركوع لتقدُّمه في الزمان. وجُمِعًا جمعَ تكسيرٍ لتَغْيُّر
(١) في الأصل: هم.
.

سُورَةُ الْبَيْمَة
٤٣٨
الآية : ١٢٦
هيئة المفرد مع مُقابلَتِهما ما قبلهما مِن جَمعَي السلامة، وفي ذلك تَنويعٌ في
الفصاحة. وخالَف بين وَزْنَي تكسيرِهما للتنويع مع المخالَفة في الهيئات. وكان
آخِرُهما على فُعُول؛ لأجْلٍ كونه فاصلةً، والفواصلُ قبلُ وبعدُ آخِرُها حرفٌ قبلَه
حرفُ مدٍّ ولین.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَإِنَّا﴾ الإشارةُ إلى الوادي المذكور بقوله
تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكُنتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
أي: اجعل هذا المكانَ القَفْر بلداً إلخ، فالمدعوُّ به البلديَّة مع الأَمنِ، وهذا بخلاف
ما في سورة إبراهيم: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ولعلَّ السؤال
مُتكرِّرٌ، وما في تلك السورةِ كان بعدُ، والأمنُ المسؤول فيها: إمَّا هو الأول وأَعادَ
سؤاله دون البلديَّة رغبةً في استمراره؛ لأنَّه المقصدُ الأصليُّ، أو لأنَّ المعتادَ في
البلدية الاستمرارُ بعدَ التحقُّقِ بخلافه. وإمَّا غيرهُ بأنْ يكونَ المسؤولُ أوَّلاً مجرَّدَ
الأمن المصحِّح للسُّكْنَى، وثانياً الأمن المعهود.
ولك أن تجعلَ ((هذا البلد)» في تلك السورةِ إشارةً إلى أمرٍ مقدَّرٍ في الذهن،
كما يدلُّ عليه ((ربنا إني أسكنت)) إلخ، فتطابق الدعوتان حينئذٍ.
وإنْ جعلتَ الإشارةَ هنا إلى البلدِ تكونُ الدعوةُ بعدَ صيرورته بلداً، والمطلوب
كونُه آمناً على طِبْقِ ما في السورة من غير تَكلُّف، إلا أنه يُفيد المبالغةَ، أي: بلداً
كاملاً في الأَمْن، كأنَّه قيل: اجعله بلداً معلومَ الاتِّصاف بالأمن مشهوراً به،
كقولك: كان هذا اليومُ يوماً حارًّا .
والوصفُ بآمن: إمَّا على معنى النسب، أي: ذا أَمنٍ، على حدٍّ ما قيل: في
﴿عِشَةٍ زَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]. وإمَّا على الاتساع والإسنادِ المجازيِّ، والأصل: آمناً
أهلُه، فأسندَ ما للحالِّ للمَحلِّ؛ لأنَّ الأمن والخوفَ من صفات ذَوي الإدراك.
وهل الدعاء بأنْ يَجعلَه آمناً من الجبابرة والمُتغلِّبين، أو مِن أنْ يعودّ حرمه
حلالاً، أو مِنْ أنْ يخلوَ من أهله، أو مِن الخَسْفِ والقذْفِ، أو مِن القَحْطِ
والجَذْب، أو من دُخول الدجّال، أو من دخول أصحاب الفيل؟ أقوالٌ، والواقع
يَردُّ بعضَها، فإنَّ الجبابرة دخلَتْه وقَتَلوا فيه، كعمرو بنٍ لُحيِّ الجُرهُمي، والحجَّاجِ

الآية : ١٢٦
٤٣٩
سُورَةُ الْبَحَة
الثقفي، والقَرَامِطةِ، وغيرهم. وكونُ البعض لم يَدخْله للتخريب بل كان غرضُه شيئاً
آخرَ، لا يُجدي نفعاً، كالقول بأنَّه ما آذى أهلَه جبَّارٌ إلا قَصمه الله تعالى، ففي
المثل :
إذا متُّ عطشاناً فلا نَزَلَ القَطْرُ(١)
وكان النداءُ بلفظ الربِّ مضافاً؛ لما في ذلك من التلطّف بالسؤال، والنداءِ
بالوصف الدالٌ على قبول السائل، وإجابةٍ ضَراعتِهِ، وقد أَشرنا مِن قَبل إلى ما يَنفعُك
هنا فتذكَّر.
﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّعْرَتِ﴾ أي: مِن أنواعها بأنْ تجعلَ قريباً منه قرّى يَحصلُ فيها
ذلك، أو تجيءَ إليه من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كلاهما حتى إنَّه يَجتمعُ فيه
الفواكه الربيعيَّة والصيفية والخريفية في يوم واحدٍ، روي أنَّ الله سبحانه لمَّا دعا
إبراهيم، أمرَ جبريلَ فاقتلعَ بُقعة من فلسطين، وقيل: مِن الأردن، وطافَ بها حولَ
البيت سبعاً فوَضَعها حيث وَضَعها رزقاً للحرم، وهي الأرض المعروفةُ اليوم
بالطائف وسُمِّيت به لذلك الطَّواف، وهذا - على تقدير صِحَّته - غيرُ بعيدٍ عن قدرة
المَلِكِ القادر جلَّ جلاله، وإِنْ أَبيْتَ إبقاءه على ظاهره(٢)، فبابُ التأويل واسع.
وجَمْعُ القلَّة إظهاراً للقناعة، وقد أشرنا إلى أَنَّه كثيراً ما يَقوم مَقام جَمْع الكثرة.
و ((من)) للتبعيض، وقيل: لبيان الجنس.
﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلّهِ وَالْيَوْمِ آَلَثِرُ﴾ بدلٌ مِن ((أهله)) بدلَ البعض، وهو مُخصِّصٌ لِمَا
دلَّ عليه المُبْدَلُ منه، واقتصرَ في مُتعلِّق الإيمان بذكْرِ المبدأ والمعاد؛ لِتَضمُّنِ
الإيمانِ بهما الإيمانَ بجميعِ ما يَجبُ الإيمان به.
﴿قَالَ﴾ أي: الله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ عطفٌ على ((مَن آمن))، أي: وارْزُقْ مَن
كَفَرَ أيضاً، فالطلبُ بمعنى الخبرِ، على عكس ((ومِن ذرِّيتي))، وفائدةُ العدول تَعلیمُ
تَعميمٍ دعاءِ الرزق، وأنْ لا يُحَجَّرَ في طلب اللطف، وكأنَّ إبراهيم عليه السلام قاسَ
(١) البيت لأبي فراس الحمداني، كما في الوافي بالوفيات ٢٦٣/١١، وصدره:
أواعدتي بالوصل والموت دونه
(٢) في الأصل: الظاهر.

سُورَةُ الْبَيْنَة
٤٤٠
الآية : ١٢٦
الرزقَ على الإمامة، فنبَّههُ سبحانه على أنَّ الرزقَ رحمةٌ دنيوية لا تَخصُّ المؤمن،
بخلاف الإمامة، أو أنَّه عليه السلام لمَّا سمعَ ((لا ينال)) إلخ، احترزَ مِن الدعاء لِمَنْ
ليس مرضيًّا عنده تعالى، فأرشدَه إلى كَرمِه الشامل. وبما ذكرنا اندفَعَ ما في
(البحر))(١) مِن أنَّ هذا العطفَ لا يَصُّ؛ لأنَّه يقتضي التشريك في العامل، فيصير:
قال إبراهيم: وارزق، فينافيه ما بعدُ. ولك أنْ تَجعلَ العطف على محذوفٍ، أي:
أرزُقُ مَن آمن ومَن كفر، بلفظ الخبر، ومَن لا يَقولُ بالعطفِ التلقينيِّ يُوجِبُ ذلك.
ويجوز أن تكونَ ((مَن)) مبتدأً شرطية أو موصولة، وقوله تعالى: ﴿فَأُمِّمُهُ، قَلِيلًا﴾
على الأول: معطوفٌ على ((كفر))، وعلى الثاني: خَبرٌ للمبتدأ، والفاء لتضمُّنِ
المبتدأ معنى الشرط، ولا حاجةً إلى تقدير ((أنا))؛ لأنَّ ابن الحاجب نصَّ على أنَّ
المضارع في الجزاء يَصحُّ اقترانه بالفاء، إلا أنْ يكون استحساناً، وإلى عدم التقديرِ
ذَهَبَ المُبُرِّد، ومذهبُ سيبويه وجوبُ التقدير، وأيّدَ بأنَّ المضارع صالحٌ
للجزاء بنفسه، فلولا أنَّه خبرُ مبتدأ، لم يدخل عليه الفاء. ثم الكفر، وإنْ لم يكن
سبباً للتمتُّع المطلق، لكنه يَصلحُ سبباً لتقليله وكونِهِ موصولاً بعذاب النار. و(«قليلاً))
صفةٌ لمحذوفٍ، أي: متاعاً - أو زماناً - قليلاً.
وقرأ ابن عامر: ((فأُمْتِعُه)) مُخَفَّفاً (٢) على الخبر. وكذا قرأ يحيى بن وثاب إلا أنه
كسر الهمزة (٣). وقرأ أُبيّ: ((فَنْمَتِّعه)) بالنون(٤).
وابن عباس ومجاهد: ((فأَمْتِعْه)) على صيغة الأمر(٥)، وعلى هذه القراءة يَتعيَّنُ
أنْ يكون الضمير في ((قال)) عائداً إلى إبراهيم، وحَسَّن إعادةَ ((قال)) طولُ الكلام،
وأنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، فكأنه أَخَذَ في كلام آخر. وكونُه
عائداً إليه تعالى، أي: قال الله: فَأَمْتِعْه يا قادرُ يا رازق، خطاباً لنفسه على طريق
التجريد، بعيد جداً لا ينبغي أن يلتفت إليه.
(١) ٣٨٥/١.
(٢) التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢٢/٢.
(٣) معاني القرآن للفراء ٧٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/١، والبحر ٣٨٤/١.
(٤) معاني القرآن للفراء ٧٨/١، والكشاف ٣١٠/١، والبحر ٣٨٤/١.
(٥) المحتسب ١٠٤/١، البحر ٣٨٤/١.