النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ١١٤
٤٠١
سُورَةُ الْبَقَة
وعلى الثالث: اعتراضٌ بين كلامَين مُتَّصلين معنّى، وفيه وَعْدُ المؤمنين بالنصرة
وتَخْليصِ المساجدِ عن الكفار، وللاهتمام بذلك وسَّطه.
وقد أَنجزَ الله تعالى وَعْده والحمد لله، فقد رُوي أنه لا يَدخُل بيتَ المقدس
أحدٌ من النصارى إلَّا مُتَتَكِّراً مُسَارَقة، وقال قتادة: لا يوجد نصرانيٍّ في بيت
المقدس إلا انتُهِكَ ضَرْباً وأبلغ إليه في العقوبةِ. ولا نَقْضَ باستيلاءِ الأقرع، وبقاءٍ
بيت المقدس في أيدي النصارى أكثرَ من مئة سنةٍ إلى أَنِ استخلَصَه الملكُ صلاحُ
الدين؛ لأنَّ الإنجاز يَستدعي تحقيقه في وَقْتٍ ما، ولا دلالة فيه على التكرار.
وقيل: النفي بمعنى النهي، ومعناه على طريق الكناية: النهيُ عن التخلية
والتمكينٍ من دخولهم المساجدَ، وذلك يستلزمُ أنْ لا يَدخلوها إلا خائفينَ من
المؤمنين، فَذُكِرَ اللازمُ وأُريدَ الملزومُ. ولا يَخفى أنَّ النهيَ عن التخليةِ والتمكينِ
المذكورِ في وقتٍ قوةِ الكفارِ ومَنعهم المساجد، لا فائدةً فيه سوى الإشعارِ بوَعْد
المؤمنينَ بالنصرة والاستخلاص منهم، فالحَمْلُ عليه من أوَّلِ الأمر أَولى.
واختلف الأئمة في دُخول الكفار المسجدَ؛ فجوَّزه الإمامُ أبو حنيفة ظ ◌ُبه مطلقاً
للآية، فإنها تُفيدُ دخولَهم بخشيةٍ وخشوعٍ؛ ولأنَّ وَفْد ثقيف قَدِموا عليه عليه الصلاة
والسلام فأَنْزلهم المسجد (١)، ولقوله ◌َّهِ: ((مَن دَخَل دارَ أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومَن دَخَل
الكعبةَ فهو آمِنٌ))(٢). والنهي مَحمُولٌ على التنزيه، أو الدخولِ للحرم بقَصْد الحجِّ.
ومَنَعَه مالكٌ رَله مطلقاً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]،
والمساجدُ يجب تَطهيرُها عن النجاسات، ولذا يُمنَعُ الجُنُب عن الدخول، وجَوَّزه
لحاجة.
وفرَّق الإمامُ الشافعيُّ ◌َّه بين المسجدِ الحرامِ وغيره، وقال: الحديثُ منسوخٌ
بالآية.
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧٩١٣)، وأبو داود (٣٠٢٦) عن عثمان بن
أبي العاص
(٢) قطعة من حديث فتح مكة، أخرجه أبو داود (٣٠٢٢) من حديث ابن عباس ؤها. وأخرج
القصة أحمد (١٠٩٤٨)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة څ﴾ دون قوله: (ومن دخل
الكعبة فهو آمن)).

سُورَةُ الْبََّة
٤٠٢
التفسير الإشاري (١١٤)
وقرأ عبد الله: ((إلا خُيَّفاً))، وهو مثل صُيَّم(١).
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: عظيمٌ، بَقتْل أبطالهم وأَقيالهم، وكَسْرِ أصنامهم،
وتَسْفيهِ أحلامهم، وإخراجهم من جزيرةِ العربِ التي هي دارُ قرارهم ومسقط
رؤوسهم، أو بضَربِ الجزيةِ على أهلِ الذمَّةِ منهم.
﴿وَلَّهُمْ فِ اَلْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾: وهو عذابُ النارِ؛ لِمَا أنَّ سببه أيضاً -
وهو ما حُكِي مِنْ ظُلمهم - كذلك في العظم، وتَقْدِيمُ الظرفِ في الموضعَين للتشويق
لِمَا يُذكر بعده.
ومن باب الإشارة في الآية: ومَن أَبخَسُ حًا وأَنقصُ حقًّا ﴿مِمَن مَّنَعَ﴾ مواضعَ
السجودِ لله تعالى، وهي القلوبُ التي يُعرَف فيها فيسجدُ له بالفناء الذاتي، ﴿أَن يُذْكَرَ
فيهَا اسْمُهُ﴾ الخاصُّ الذي هو الاسم الأعظم؛ إذ لا يَتَجَلَّى بهذا الاسم إلا في القلب،
وهو التجلِّ بالذاتِ مع جميع الصفاتِ، أو اسمُه المخصوصُ بكلِّ واحدٍ منها، أي:
الكمال اللائق باستعدادِه المُقَتَضِي له، ﴿وَسَعَى فِى ◌َابِهَاً﴾ بتكديرِها بالتعصُّبات وغَلَبةِ
الهوى، ومَنّع أهلها بتهييج الفتَنِ اللازمةِ لتجاذُبِ قوى النفسِ، ودواعي الشيطانِ
والوهم، ﴿أُوْلَبِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾ ويَصلُوا إليها ﴿إِلَّا خَيِفِينَ﴾ مُنكسِرِين
لظهورٍ تَجلِّي الحقِّ فيها، ﴿لَهُمْ فِ الذُّنْيَا خِزْىٌ﴾ وافتضاحٌ وذلَّةٌ بظهورٍ بُطْلان ما هم
عليه، ﴿وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو احتجابُهم عن الحقِّ سبحانه.
﴿وَلَّهِ اٌلَْشْرِقُ وَالْغْرِبُّ﴾ أي: الناحيتانِ المعلومتانِ المُجاوِرَتانِ لنقطةٍ تَطلُعُ منها
الشمسُ وتَغربُ، وكنى بمالكيَّتهما عن مالكيَّةِ كلِّ الأرض، وقال بعضُهم: إذا كانتٍ
الأرضُ كُرويةً، يكونُ كلُّ مَشرِقٍ بالنسبةِ مَغرباً بالنسبة، والأرضُ كلِّها كذلك،
فلا حاجةَ إلى التزامِ الكنايةِ، وفيه بعدٌ.
﴿فَأَيْنَمَا تُولُواْ﴾ أي: ففي أيِّ مكانٍ فعلتُم التوليَةَ شَظْرَ القبلة. وقرأَ الحسنُ:
(تَولَّوا)) على الغيبة(٢).
(١) الكشاف ٣٠٦/١.
(٢) القراءات الشاذة ص٩.

الآية : ١١٥
٤٠٣
سُورَةُ الْبَرَة
﴿فَّمَّ وَجْهُ الٍَّ﴾ أي: فهناكَ جهتُّهُ سبحانه التي أُمِرْتُم بها، فإذاً مكانُ التَّوْلِيةِ
لا يَختصُّ بمسجدٍ دونَ مسجدٍ، ولا مكانٍ دونَ آخرَ.
(فأينما)) ظَرْفٌ لازمُ الظرفيَّةِ، مُتضمّنٌّ لمعنى الشرطِ، وليس مفعولاً لـ ((تولُّوا))،
والتوليةُ بمعنى الصَّرْف مُنَزَّلٌ مَنزلةَ اللازم.
و (ثَمَّ) اسمُ إشارةٍ للمكانِ البعيدِ خاصَّةً، مَبنيٌّ على الفتح، ولا يُتَصرَّف فيه بغير
(مِن)، وقد وَهِمَ مَن أَعرِبَهُ مفعولاً به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ تَّ رَأَيْتَ نِيَ﴾
[الإنسان: ٢٠] وهو خبرٌ مُقدَّمٌ، وما بعده مبتدأٌ مؤخّرٌ، والجملةُ جوابُ الشرط.
والوَجْهُ: الجهة، كالوَزْن والزِّنة، واختصاصُ الإضافةِ باعتبارٍ كونها مأموراً
بها، وفيها رِضاه سبحانه، وإلى هذا ذَهَبَ الحسنُ ومُقاتل ومُجاهد وقتادة.
وقيل: الوجهُ بمعنى الذات، مثله في قوله تعالى: ﴿كُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٨]، إلا أنَّه جُعِلَ هنا كنايةً عن علمِهِ واطّلاعِهِ بما يَفعل هناك. وقال
أبو منصور(١): بمعنى الجاه، ويَؤُولُ إلى الجلالِ والعظمة.
والجملةُ على هذا اعتراضٌ لتسليةِ قلوبِ المؤمنين بحِلِّ الذكْرِ والصلاة في
جميعِ الأرضِ، لا في المساجدِ خاصَّةً، وفي الحديث الصحيح: ((جُعِلت ليَ
الأرضُ مسجداً وطهوراً))(٢). ولعلَّ غيرَه عليه الصلاة والسلام لم تُبَحْ له الصلاةُ في
غير البِيَعِ والكَنَائس، وصلاةُ عيسى عليه السلام - في أَسْفاره - في غيرها كانتْ عن
ضرورةٍ، فلا حاجةً إلى القولِ باختصاصِ المجموع.
وجُوِّز أنْ تكون ((أينما)) مفعولَ (تُولُّوا)) بمعنى الجهةِ، فقد شاع في الاستعمال:
أينما توجّهوا، بمعنى: أيَّ جهةٍ توجّهوا، بناءً على ما رُوي عن ابن عمر ◌ُِّها: أنَّ
الآية نَزَلتْ في صلاةِ المسافرِ والتطوعِ على الراحلةِ (٣)، وعلى ما رُوي عن جابرٍ
(١) في المقنع، كما ذكر أبو حيان في البحر ٣٦١/١.
(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) عن جابر ظ به
(٣) أخرجه أحمد (٤٧١٤)، ومسلم (٧٠٠): (٣٣) عن ابن عمر قال: كان رسول الله ◌َلقه يصلي
وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْتَمَا تُوَلُواْ
فَتَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ .

سُورَةُ الْبَقَة
٤٠٤
التفسير الإشاري (١١٥)
أنها نَزّلتْ في قومٍ عَمِيَتْ عليهم القِبلة في غزوةٍ كنتُ فيها معهم، فصلَّوا إلى
الجنوب والشمالِ، فلمّا أصبحوا تَبيَّنَ خَطَؤُهم (١).
ويُحَتملُ على هاتين الروايتين، أنْ تكونَ ((أينما)) كما في الوجه الأولِ أيضاً،
ويكونَ المعنى: في أيِّ مكانٍ فعلتُم أيَّ توليةٍ؛ لأنَّ حَذْف المفعولِ به يُفيدُ العمومَ،
واقتَصَرَ عليه بعضُهم مُدَّعياً أنَّ ما تَقَدَّم لم يَقُل به أحدٌ من أهل العربية.
ومِن الناس مَن قال: الآيةُ تَوْطئةٌ لنسْخِ القبلة، وتَنْزِيةٌ للمعبودِ أنْ يكونَ في حَيِّزٍ
وَجِهةٍ، وإلَّا لكانت أَحقَّ بالاستقبال، وهي مَحمولةٌ على العمومِ غيرُ مُختصَّةٍ بحالٍ
السفرِ أو حال التحرِّي، والمرادُ بـ ((أينما)): أيَّ جهةٍ، وبالوجه: الذات. ووجهُ
الارتباط حينئذٍ أنه لمَّا جَرَى ذكرُ المساجد سابقاً، أَورَدَ بعدَها تقريباً حُكمَ القبلةِ
على سبيلِ الاعتراض، وادَّعى بعضُهم أنَّ هذا أصُ الأقوالِ، وفيه تأمُّل.
﴿إِنَ اللَّهَ وَسِعُ﴾ أي: مُحيطٌ بالأشياءِ مُلكاً، أو رحمةً؛ فلهذا وَسَّع عليكم
القبلة ولم يُضيِّقْ عليكم. ﴿عَلِيمٌ (5)) بمصالحِ العبادِ وأعمالهم في الأماكنِ.
والجملةُ على الأول: تذييلٌ لمجموع ((ولله المشرق والمغرب)) إلخ، وعلى الثاني:
تذييلٌ لقوله سبحانه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا﴾ إِلَخ.
ومِنَ الغريب جَعْلُ ذلك تهديداً لِمَنْ منعَ مساجد الله، وجَعْلُ الخطاب المتقدِّم
لهم أيضاً، فيؤوُلُ المعنى الى أنَّه لا مهرب من الله تعالى لِمَن طَغَى، ولا مفرَّ لِمَن
بَغَى؛ لأنَّ فَلَك سُلطانِهِ حَدَّدَ الجهات، وسُلطان عِلْمِه أحاطَ بالأفلاكِ الدائراتِ:
أينَ المفرُّ ولا مَفرَّ لهاربٍ
ولهُ البسيطانِ الثرى والماءُ(٢)
ومن باب الإشارة: أن المشرقَ عبارةٌ عن عالم النورِ والظهورِ وهو جنَّةُ
النصارى، وقبلتُهم بالحقيقة باطنُهُ، والمغربُ عالم الأسرارِ والخفاءِ وهو جنةُ
اليهود، وقبلتُهم بالحقيقة ظاهره(٣). أو المشرقُ عبارةٌ عن إشراقِهِ سبحانه على
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٢/٢، وقال: ولم نعلم لهذا الحديث إسناداً صحيحاً قويًّا.
(٢) البيت لابن هانئ الأندلسي، كما في الخزانة ٤٦٧/٢، ومعاهد التنصيص ٣٣٣/١،
وفيهما :... ولك البسيطان ....
(٣) في (م): باطنه، وليست في الأصل، والمثبت من تفسير ابن عربي ٧١/١، والكلام منه.

الآية : ١١٦
٤٠٥
سُورَةُ الجَرَ
القلوبِ بظُهورِ أنوارِهِ فيها والتجلِّي لها بصفةٍ جَماله حالةَ الشهودِ، والمغربُ عبارةٌ
عن الغروبٍ بتستُّره واحتجابهِ واختفائه بصِفةٍ جلاله حالةَ البقاءِ بعد الفناء، ولله
تعالى كلُّ ذلك، فأيَّ جهةٍ يتوجَّهُ المرءُ مِنَ الظاهرِ والباطنِ فَثَمَّ وجْهُ الله، المُتَحلِّي
بجميعِ الصفات، المُتَجلِّي بما شاء مُنزَّهاً عن الجهات، وقد قال قائل القوم:
وما الوجهُ إلَّا واحدٌ غيرَ أنَّهُ إذا أنتَ عدَّدْتَ المَزَايا تَعَدَّدا(١)
﴿إِنَ اللَّهَ وَسِعُ﴾ لا يَخرجُ شيءٌ عن إحاطتِهِ، ﴿عَلِيٌ﴾ فلا يَخْفى عليه شيءٌ
من أحوالِ خَليفَتِهِ ومظاهرٍ صفيّهِ.
﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأْ﴾ نزلَتْ في اليهودِ حيثُ قالوا: عزيرٌ ابنُ الله، وفي
نصارى نجران حين قالوا: المسيحُ ابنُ الله، وفي مُشركي العربِ حيثُ قالوا :
الملائكةُ بناتُ الله. فالضميرُ لِمَا سَبَق ذِكْرُه من النصارى واليهودِ والمشركينَ الذينَ
لا يَعلمونَ، وعَظْفُه على ((قالت اليهود)»، وقال أبو البقاء: على ((وقالوا لن يدخل
الجنة))(٢). وجوِّز أنْ يكونَ عطفاً على ((مَنَع))، أو على مَفهومِ (مَن أَظْلمُ)) دونَ لفظه؛
للاختلاف إنشائيةً وخبريةً، والتقديرُ: ظلموا ظلماً شديداً بالمنعِ وقالوا.
وإنْ جُعل مِن عَظْفِ القصَّةِ (٣) لم يَحتَجْ إلى تأويلٍ، والاستئنافُ حينئذٍ بَيانيٍّ،
كأنَّه قيل بعد ما عَدَّدَ مِن قبائِحِهم: هل انقطعَ خَيطُ إسهابهم في الافتراءِ على الله
تعالى، أم امتدَّ؟ فقيل: بل امتدَّ، فإنَّهم قالوا ما هو أَشنَعُ وأفظعُ.
والاتِّخاذُ: إمّا بمعنى الصنع والعملِ، فلا يَتعدَّى إلَّا إلى واحدٍ، وإمَّا بمعنى
التصيير، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، أي: صَيَّرَ بعضَ مخلوقاتِهِ ولداً.
وقرأ ابنُ عباسٍ وابنُ عامٍ وغيرُهما: ((قالوا)) بغيرٍ واوٍ على الاستئناف، أو
مَلحوظاً فيه معنى العطفِ، واكتفى بالضميرِ والربْطِ به عن الواو، كما في ((البحر))(٤).
(١) في الأصل: المرايا تعددا، وفي (م): المرايا تعدد، والمثبت من تفسير ابن عربي ١١٨/١.
(٢) الإملاء ٢٥٣/١.
(٣) في (م): من عطف القصة على القصة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٢٧/٢،
والكلام منه .
(٤) ٣٦٢/١، والقراءة عن ابن عامر في التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢٠/٢.

سُورَةُ الْجَمَة
٤٠٦
الآية : ١١٦
«سُبْحَانَةٌ﴾: تَنْزِيهُ وتَبرئةٌ له تعالى عمَّا قالوا بأبلغ صيغةٍ، ومُتعلِّق ((سبحان))
محذوفٌ - كما ترى - لدلالةِ الكلامِ عليه.
﴿بَلِ لَُّ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِْ﴾: إبطالٌ لِمَا زَعموه، وإضرابٌ عمَّا تَقْتضيه
مقالتُهم الباطلةُ مِن التشبيه بالمُحْدَثات في التَّناسلِ والتَّوالُدِ، والحاجةِ إلى الولد في
القيام بما يَحتاجُ الوالدُ إليه، وسُرعةِ الفناءِ؛ لأنَّه لازمٌ للتركيبِ اللَّازمِ للحاجةِ،
وكلُّ مَحقّقٍ قريبٌ سريعٌ؛ ولأنَّ الحكمةَ في التوالُدِ هو أنْ يَبقى النوعُ محفوظاً بتَوَارُدٍ
الأمثالِ، فيما لا سبيل إلى بقاءِ الشخصِ بعينه مدةً بقاءِ الدهرِ، وكلُّ ذلك يمتنعُ
على الله تعالى، فإنَّه الأبديُّ الدائم، والغنيُّ المُطلقَ، المُنزَّه عن مُشابَهةٍ
المخلوقات.
واللَّام في (له)) قيل: للملك. وقيل: إنها كالتي في قولك: لزيدٍ ضَرْبٌ، تُفيد
نسبةَ الأَثَرِ إلى المُؤَثِّر. وقيل: للاختصاصِ بأيِّ وجهٍ كان، وهو الأظهر، والمعنى:
ليس الأمر كما افترَوا، بل هو خالقُ جميع الموجودَات، التي مِن جُملتها ما زعموه
ولداً، والخالقُ لكلِّ موجودٍ لا حاجةً له إلَى الولد؛ إذ هو يُؤْجِد (١) ما يشاء، مُنزَّهاً
عن الاحتياجِ إلى الثَّوالُد.
﴿كُلٌّ لَُّ قَدُِّونَ (٣٦)﴾ أي: كلُّ ما فيهما كائناً ما كان جميعاً منقادون له،
لا يَستعصي شيءٌ منهم على مَشيئته وتكوينه إيجاداً وإعداماً وتَغيُّراً من حالٍ إلى
حال، وهذا يَستلزم الحدوثَ والإمكانَ المُنافيّ للوجوبِ الذاتيّ، فكلُّ مَنْ كان
مُتَّصفاً بهذه الصفة لا يكون والداً؛ لأنَّ مِن حقِّ الولد أنْ يُشارِكَ والده في الجنسِ
لكونه بعضاً منه، وإن لم يُماثله. وكان الظاهرُ كلمَة ((مَنْ)) مع ((قانتون)) كيلا يَلزم
اعتبارُ التغليبِ فيه، ويكون موافقاً لسَوقِ الكلام، فإنَّ الكلامَ في العُزَير والمسيحُ
والملائكة، وهم عقلاء، إلَّا أنه جاء بكلمة ((ما)) المُختصَّةِ بغيرِ أُولي العلم كما قاله
بعضهم مُحتجّاً بقصّة الزِّبَعْرَى(٢)، مخالفاً لِما عليه الرضيُّ مِن أنَّها في الغالبِ لِمَا
لا يعلم، ولما عليه الأكثرون من عُمومِها كما في ((التلويح))، واعتبرَ التغليب في
(١) في الأصل: موجد.
(٢) تنظر قصته عند تفسير الآية (٩٨) من سورة الأنبياء، وأخرجها أحمد (٢٩١٨)، والطبراني في
الكبير (١٢٧٣٩)، والواحدي في أسباب النزول ص٣١٥، وهي في سيرة ابن هشام ٣٥٩/١.

الآية : ١١٧
٤٠٧
سُورَةُ الْجَمَة
(قانتون))، إشارةً إلى أنَّ هؤلاء الذين جَعلوهم ولداً لله (١) تعالى سبحانه في جَنْب
عظمتِهِ جماداتٌ مستويةُ الأقدام معها في عَدَمِ الصلاحية لاتِّخاذِ الولد.
وقيل: أتى بـ ((ما)) في الأَول؛ لأنه إشارةٌ إلى مَقام الألوهيةِ، والعقلاءُ فيه بمنزلة
الجماداتِ، ويِجَمعِ العقلاءِ في الثاني؛ لأنَّ إشارةٌ إلى مَقامِ العبوديةِ، والجماداتُ
فيه بمنزلة العقلاء.
ويحتمل أنْ يقدَّر المضافُ إليه كلَّ ما جعلوه ولداً لدلالة المقولِ، لا عامًّا
لدلالةِ مُبْطِلِهِ، ويراد بالقنوت الانقيادُ لأمرٍ التكليفِ، كما أنه على العموم الانقيادُ
لأمرٍ التكوين، وحينئذٍ لا تَغْليبَ في ((قانتون)»، وتكون الجملة إلزاماً بأنَّ مَا زَعموه
ولداً مُطيعٌ لله تعالى مُقرُّ بعبوديتِهِ بعد إقامة الحُجَّةِ عليهم بما سَبَق. وترك العطفَ
للتنبيهِ على استقلالِ كلٌّ منهما في الدلالةِ على الفساد، واختلافهما في كون
أحدهما حُجَّةً والآخر إلزاماً، وعلى الأَول يكون الأخير مُقرِّراً لِمَا قبله.
وذَكَر الجَصَّاصُ: أنَّ في هذه الآيةِ دلالةٌ على أنَّ مُلك الإنسان لا يَبقَى على
وَلده؛ لأنه نفى الولدَ بإثبات المُلك، باعتبار أنَّ اللام له، فَمَتَى مَلَك ولدَه عتقَ
عليه، وقد حَكَم وَّهَ بِمِثْل ذلك في الوالد إذا مَلَكَه وَلدُه(٢). ولا يخفى أنَّ هذا بعيدٌ
عمَّا قُصِدَ بالآية، لا سِيَّما إذا كان الأظهرُ الاختصاصَ كما علمت.
﴿يَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: مُبدِعهما، فهو فَعِيل من أَفعَلَ، وكان الأصمعيُّ
يُنكر فعيلاً بمعنى مُفْعِل، وقال ابن برِّي: قد جاء كثيراً، نحو: مُسْخِن وسَخين،
ومُقْعِد وقَعيد، ومُوصِي ووَصِيّ، ومُحْكِم وحَكيم، ومُبْرِمٍ وبَرِيم، ومُونِق وأَنِيق، في
أخوات له، ومِن ذلك: السميع، في بيت عمروٍ بنٍ معدي كرب السابق(٣).
والاستشهادُ بناءً على الظاهرِ المُتبادِرِ على ما هو الأَليق بمباحثِ العربيةِ، فلا يَردُ
ما قيل في البيت؛ لأنَّه على خِلافه كما لا يَخفى على المُنصِف.
وقيل: هو مِن إضافةِ الصِّفة المشبّهة إلى فاعلها للتخفيف، أي: بديعٌ سماواتُه.
(١) في (م): ولد الله.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٦٥/١، والحديث أخرجه أحمد (٧١٤٣)، ومسلم (١٥١٠)عن
أبي هريرة
(٣) سلف ٤٢٩/١، وينظر كلام ابن بري في اللسان (سخن)، وحاشية الشهاب ٢٢٨/٢.

سُورَةُ الْجَنَة
٤٠٨
الآية : ١١٧
وأنت تعلم أَنَّه قد تقرَّر أنَّ الصفة إذا أُضيفتْ إلى الفاعلِ يكونُ فيها ضميرٌ يعود إلى
الموصوف، فلا تَصُّ الإضافة إلا إذا صحَّ إِّصافُ الموصوفِ بها، نحو: حَسَنُ
الوجه، حيث يَصحُّ اتِّصاف الرجل بالحُسْن لِحُسن وَجهه، بخلاف: حَسَنُ الجارية،
وإنما صَحَّ: زيدٌ كثيرُ الإخوان، لاتِّصافه بأنه مُتَقوٍّ بهم. وفيما نحنُ فيه وإنِ امتنع
اتِّصافُهُ بالصفةِ المذكورةِ لكنْ يَصحُّ اتِّصافُهُ بما دلَّتْ عليه، وهو كونُه مُبدعاً لهما، وهذا
يقتضي أنْ يكون الأَولى بقاءُ المبدع على ظاهره، وهو الذي عليه أساطينُ أهلِ اللغةِ.
والإبداع: اختراعُ الشيءِ لا عن ماذَّةٍ، ولا في زمانٍ. ويُستعملُ ذلكَ في إيجادِه
تعالى للمَبَادي، كما قاله الراغب(١)، وهو غَيرُ الصنع، إذ هو تركيبُ الصورةِ
بالعنصر، ويُستعمل في إيجاد الأجسام، وغيرُ التكوين فإنَّهُ ما يَكونُ بتغيُّرٍ وفي زمانٍ
غالباً .
وإذا أُريدَ من السماواتِ والأرضِ جميعُ ما سواه تعالى مِنَ المبدَعَات
والمصنوعات والمكوّنات؛ لاحتوائها على عالَم المُلك والملكوت، فبعد اعتبار
التغليبٍ يَصُّ إطلاقُ كلِّ مِن الثلاثة، إلا أنَّ لَفْظ الإبداعِ أَلْيَقُ؛ لأنه يَدُلُّ على كمالٍ
قُدرتِه تعالی .
والقولُ بتعيُّنٍ حَمْلِ الإبداعِ على التكوين من مادةٍ أو أجزاءٍ؛ لأنَّ إيجادَ
السماواتِ من شيءٍ كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى التَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾
[فصلت: ١١] = ناشئٌ مِن الغفلةِ عمَّا ذكرنا.
والآيةُ حُجَّةٌ أخرى لإبطالِ تلكَ المقالةِ الشنعاء، وتَقريرُها أنه تعالى مُبدعٌ لكلِّ
ما سواه، فاعلٌ على الإطلاق، ولا شيءَ مِن الوالد كذلك، ضرورةً انفعالِهِ بانفصالٍ
مادة الولد عنه، فالله تعالی لیس بوالد.
وقرأ المنصور: (بَدِيعَ)) بالنصبِ على المدح(٢). وقُرِئ بالجرِّ(٣) على أنه بدلٌ
من الضميرِ في ((له)) على رأيٍ مَن يُجَوِّز ذلك.
(١) في مفرداته (بدع).
(٢) الكشاف ٣٠٧/١، والبحر ٣٦٤/١.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩، والكشاف ٣٠٧/١، والبحر ٣٦٤/١.

الآية : ١١٧
٤٠٩
سُورَةُ الْبَارَة
﴿وَإِذَا قَضَ أَفْهًا﴾ أي: أراد شيئاً، بقرينةٍ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَدَ شَيْئًا﴾
[يس: ٨٢] وجاء القضاءُ على وجوهٍ تَرجع كلَّها إلى إتمام الشيءٍ، قولاً أو فعلاً،
وإطلاقُه على الإرادةِ مجازٌ من استعمال لفظ (١) المسبّب في السَّببِ، فإنَّ الإيجادَ
الذي هو إتمامُ الشيءٍ مُسبَّبٌ عن تعلُّقِ الإرادةِ؛ لأنَّه يُوجبُه، وساوى ابنُ السِّيْد بينَهِ
وبينَ القَدَرِ، والمشهورُ التفرقةُ بينهما بجَعْلِ القَدَرِ تقديرَ الأمورِ قبل أنْ تَقَعَ،
والقضاءِ إنفاذَ ذلك القَدَرِ وخُروجه من العدمِ إلى حَدِّ الفعلِ(٢)، وصَحَّح ذلك
الجمهورُ؛ لأنَّه قد جاء في الحديثِ: أنَّ النبيَّ ◌َ مرَّ بكهفٍ مائلٍ للسقوطِ، فأسرعٌ
المشيَ حتى جاوزَه، فقيل له: أتفرُّ مِن قضاءِ الله تعالى؟ فقال: ((أفرُّ من قضائِهِ
تعالى إلى قدرِه))(٣) ففرَّق وَِّ بينَ القضاءِ والقدرِ.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُرٍ كُنْ فَيَكُونُ (٢٦)﴾ الظاهرُ أنَّ الفعلَين مِن كان التامّة لعدمِ ذِكْرِ الخبرِ،
مع أنَّها الأصلُ، أي: احدُث فَيَحْدُثُ، وهي تَدلُّ على معنى الناقصة؛ لأنَّ الوجودَ
المطلقَ أَعمُّ من وجودِهِ في نفسِهِ أو في غيرِهِ، والأمرُ مَحمولٌ على حقيقتِهِ كما ذهبَ
إليه مُحقِّقو ساداتنا الحنفية، والله تعالى قد أَجرى سُنَّته في تكوينِ الأشياءِ أنْ يُكوِّنَها
بهذه الكلمة، وإنْ لم يمتنع تكوينُها بغيرها، والمرادُ الكلامُ الأزليِّ؛ لأنَّ يَستحيلُ قيامُ
اللَّفظ المرتَب بذاته تعالى؛ ولأنَّه حادِثٌ فَيَحتاجُ إلى خطابٍ آخرَ فيتسلسل، وتأخُرُه
عن الإرادةِ وتَقدُّمُه على وجودِ الكون باعتبارِ التعلَّق، ولمَّا لم يَشتمل خطابُ التكوينِ
على الفهم، واشتملَ على أَعظمِ الفوائدِ، جازَ تَعلَّقه بالمعدومِ.
وذهب المعتزلةُ، وكثيرٌ من أهلِ السنةِ إلى أنَّه ليس المرادُ به حقيقةَ الأمرِ
والامتثال، وإنما هو تمثيلٌ لحصول ما تُعلَّق به الإرادةُ بلا مُهلة بطاعةِ المأمورِ المُطيعِ
بلا تَوقُّفٍ، فهناك استعارةٌ تَمثيلية، حيث شُبِّهت هيئةُ حصول المرادِ بعد تعلَّقِ الإرادةِ
بلا مُهلٍ وامتناعٍ، بطاعةِ المأمور المطيع عقيبَ أمرِ المُطاعِ بلا توقُّفٍ وإباءٍ، تصويراً
(١) في (م): اللفظ.
(٢) جاءفي هامش الأصل: وقيل بالعكس، وما ذكر أقرب فتدبّر.
(٣) ذكره الشهاب في الحاشية ٢٢٩/٢، وعنه نقل المصنف وهذا الحديث لم نقف عليه في كتب
الحديث التي بين أيدينا، وقوله: أفر من قضاء الله إلى قدره، ذكره الراغب في مفرداته
(قضى) عن عمر لله في قصة الطاعون. والذي في الصحيحين عن عمر مظلته: نفر من
قدر الله إلى قدر الله. صحيح البخاري (٥٧٢٩)، وصحيح مسلم (٢٢١٩).

سُوَّةُ الْبَّنَة
٤١٠
الآية : ١١٧
الحالِ الغائبٍ بصورةٍ الشاهد، ثم استُعمل الكلامُ الموضوعُ للمشبَّه في المشبّه به من
غيرِ اعتبارِ استعارةٍ في مفرداته، وكأنَّ أصلَ الكلام: إذا قضى أمراً فَيَحصُل عَقِيبَه
دفعةً، فكأنَّما يقول له كن فيكون، ثُمَّ حَذَف المشبّه، واستعمل المشبّه به مقامَه.
وبعضُهم يَجعلُ في الكلامِ استعارةً تَحقيقيَّةً تصريحيَّةً مَبنيَّةً على تَشبيهِ حالٍ
بقال، ولعلَّ الذي دعا هؤلاء إلى العدول عن الظاهرِ زَعْمُ امتناعِه لوجوهٍ ذكرها
بعض أئمَّتهم :
الأول: أنَّ قولَه تعالى: ((كن)) إمّا أنْ يكونَ قديماً أو مُحدثاً؛ ولا(١) جائزٌ أن
يكونَ قديماً لتأخّر النون ولتقدُّم الكاف، والمسبوق محدَثٌ لا محالة، وكذا المتقدِّم
عليه بزمانٍ مقدَّر أيضاً؛ ولأنَّ ((إذا)) للاستقبال فالقضاء مُحدَث و((كن)) مُرتَّبٌ عليه
بفاءِ التعقيبٍ، والمتأخّر عن المحدَث مُحدَث. ولا جائزٌ أن يكون محدثًا وإلَّا لَدَارَ
أو تَسَلْسَلَ.
الثاني: إمّا أنْ يُخاطَبَ المخلوقُ بـ (كُن)) قبلَ دخوله في الوجودِ، وخطابُ
المعدوم سَفَهٌ، وإمَّا بعد دخوله، ولا فائدةً فيه.
الثالث: المخلوقُ قد يكونُ جماداً وتكليفُهُ لا يَليقُ بالحكمة.
الرابع: إذا فرضنا القادرَ المريدَ منفًّا عن قوله ((كن))، فإنْ تَمكَّنَ مِن الإیجادِ
فلا حاجةَ إليها، وإن لم يَتَمَكَّنْ فلا يكونُ القادرُ قادراً على الفعلِ إلا عند تكلُّمِه
بـ (كن)) فيلزمُ عَجْزُه بالنظرِ إلى ذاته.
الخامس: أنَّا نعلمُ بالضرورةِ أنه لا تأثيرَ لهذه الكلمة إذا تَكلَّمنا بها، فكذا إذا
تكلّم بها غیرُنا .
السادس: المؤثِّر إمَّا مجموعُ الكافِ والنونِ ولا وجودَ لهما مجموعَين، أو
أحدُهما وهو خلافُ المفروضِ، انتهى.
وأنتَ إذا تأمَّلتَ ما ذكرنا ظَهرَ لك اندفاعُ جميع هذه الوجوه، ويا عَجَباً لِمَن
يقول بالكلامِ النفسيِّ ويَجعلُ هذا دالاً عليه، كيفَ تَرُوعُه هذه القَعاقِع، أم كيف
(١) في الأصل و(م): لا، والمثبت من غرائب القرآن النيسابوري ٤٢٦/١، والكلام منه.

الآية : ١١٧
٤١١
سُورَةُ الْبَقَة
تَغْرُّه هذه الفقاقع؟! نعم، لو ذهبَ ذاهبٌ إلى هذا القول؛ لِمَا فيه مِن مزيدِ إثباتٍ
العظمةِ لله تعالى ما ليس في الأول - لا لأنَّ الأولَ باطلٌ في نفسه - كان حريًّا
بالقبول، ولَعلِّي أقول به.
والآيةُ مَسُوقةٌ لبيانِ كيفيَّةِ الإبداع، ومعطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾ مُشْتَمِلَةٌ على تَقريرِ معنى الإبداعِ، وفيها تَلويحٌ بحُجَّةٍ أخرى لإبطال ذلك
الهذيان، بأنَّ اتِّخاذَ الولدِ من الوالد إنماَ يَكونُ بعد قَصْدِه بأطوارٍ ومُهلةٍ؛ لِمَا أنَّ
ذلك لا يُمكن إلا بعدَ انفصالٍ مادَّتِهِ عنه، وصيرورتِهِ حيواناً، وفِعْلُه تعالى بعدَ إرادتِهِ
أو تَعلَّق قوله مُسْتَغْنٍ عن المهلة، فلا يكونُ اتِّخاذ الولدِ فِعلُه تعالى، وكأنَّ السببَ
في هذه الضلالةِ أنه وَرَد إطلاقُ الأبِ على الله تعالى في الشرائعِ المُتقدِّمةِ باعتبارِ
أنه السببُ الأولُ، وكَثُر هذا الإطلاقُ في إنجيلِ يوحَنَّا، ثم ظَنَّتَ الجهلةُ أنَّ المرادَ
به معنى الولادةِ، فاعتقدوا ذلك تقليداً وكفروا، ولم يُجوِّز العلماءُ اليوم إطلاقَ ذلك
عليه تعالى مجازاً، قَطْعاً لمادةِ الفساد.
وقرأ ابن عامر: ((فَيَكُونَ) بالنصبِ(١)، وقد أَشكلَت على النحاة، حتى تَجرَّأ
أحمدُ بن موسى (٢) فحكّمَ بخطئها، وهو سوءُ أدبٍ، بل من أَقبحِ الخطأ. ووَجْهُها أنْ
تكونَ حينئذٍ جوابَ الأمرِ، حَمْلاً على صورةِ اللفظ وإنْ كان معناه الخبر؛ إذ ليس
معناه تعليقَ مَدلولِ مدخولِ الفاء بمدلولِ صيغةِ الأمرِ الذي يَقتضيه سَبَبيَّةُ ما قبلَ الفاء.
لِمَا بعدها، اللازمة لجوابِ الأمرِ بالفاء، إذ لا معنى لقولنا: ليُكُنْ منك كونٌ فكونٌ.
وقيل: الداعي إلى الحَمْل على اللفظِ أنَّ الأمرَ ليس حقيقيًّا، فلا يُنصَبُ جوابُه،
وأنَّ مِن شرط ذلك أنْ يَنعقد منهما شرطٌ وجزاء، نحو: ائتني فأُكرمَك، إذ تقديره:
إنْ تأتني أكرمْك، وهنا لا يَصُّ: إن يَكُنْ يَكُنْ، وإلا لَزم كونُ الشيءِ سبباً لنفسِهِ.
وأُجيبَ بأنَّ المراد: إن يَكُنْ في عِلمِ الله تعالى وإرادتِهِ يكُنْ في الخارج، فهو
على حَدِّ: ((مَنْ كانت هجرته إلى الله ورسولِهِ فهجرتُه إلى الله ورسولِهِ))(٣)، وبأنَّ كونَ
(١) التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢٠/٢.
(٢) هو ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، وكلامه في
كتابه: السبعة في القراءات ص١٦٨-١٦٩. وينظر البحر ٣٦٦/١.
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٣٠٠)، والبخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر حز به.

سُورَةُ الْبَيْئَة
٤١٢
الآية : ١١٨
الأمرِ غيرِ الحقيقيِّ لا يُنصَبُ في جوابه ممنوعٌ، فإنْ كان بلفظٍ فظاهرٌ، ولكنه مجازٌ
عن سُرعِة التكوين، وإنْ لم يُعتبر فهو مجازٌ عن إرادةٍ سرعتِهِ، فَيَؤُول إلى أنْ يُراد
سرعةُ وُجودِ شيءٍ يُوجدُ في الحال، فلا مَحذورَ للتغايرِ الظاهر. ولا يخفى ما فيه.
ووجهُ الرفع الاستئناف، أي: فهو يكونُ. وهو مذهب سيبويه(١). وذهب
الزّجَّاجِ (٢) إلى عَظْفِهِ على ((يقول))، وعلى التقديرَين لا يكونُ (يكون)) داخلاً في
المقول ومن تَثَّمته؛ ليوجَّه العدولُ عن الخطاب بأنه مِن بابِ الالتفات تحقيراً لشأنٍ
الأمرِ في سهولةٍ تَكُوُّنِهِ، ووجَّهَهُ به غَيرُ واحدٍ على تقديرِ الدخول.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: (وَقَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ) ووَجْهُ
الارتباطِ أن الأَوَّلَ كان قَدحاً في التوحيد، وهذا قَدْحٌ في النبؤَّةِ، والمرادُ من
الموصول جَهَلَةُ المشركين، وقد رُوي ذلك عن قتادة والسُّدِّيِّ والحسن وجماعةٍ،
وعليه أكثرُ المفسّرين، ويَدُلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَّكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ
يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩] وقالوا ﴿فَلْيَأْنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وقالوا :
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ أَوْ نَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١].
وقيل: المرادُ به اليهودُ الذين كانوا على عهدٍ رسول اللهِ وَّه، بدليلٍ ما رُوي
عن ابنِ عباسٍ ﴿هَا: أنَّ رافعَ بنَ حُرَيملة(٣) من اليهودِ قال لرسولِ الله وَّه: إنْ كنتَ
رسولاً مِنْ عند الله تعالى فقُل لله يُكلِّمنا حتى نَسمعَ كلامه، فأنزلَ الله تعالى هذه
الآية، وقولَه تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ
مُوسَّىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣](٤).
وقال مجاهد: المرادُ به النصارى، ورجَّحَه الطبري بأنَّهم المذكورون في
الآية(٥). وهو كما ترى.
(١) قوله في المحرر الوجيز ٢٠٢/١، والبحر ٣٦٥/١، وينظر الكتاب ٣٩/٣.
(٢) في معاني القرآن ١٩٩/١.
(٣) في الأصل و(م): خزيمة، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٤) أخرجه الطبري ٢/ ٤٧٤، وابن أبي حاتم ٢١٥/١: وهو في سيرة ابن هشام ٥٤٩/١، وليس
عندهم ذكر آية النساء.
(٥) تفسير الطبري ٢/ ٤٧٥ .

الآية : ١١٨
٤١٣
سُؤَُّ الْبَعَة
ونَفْيُ العلم على الأول عنهم على حقيقتِّهِ؛ لأنَّهم لم يكُنْ لهم كتابٌ ولا هم
أتباعُ نبوَّةٍ، وعلَى الأخيرين لتجاهُلِهم، أو لعدم عِلْمهم بمقتضاه.
﴿لَوْلَا يُكَلِمُنَا اللّهُ﴾ أي: هلََّ يُكلِّمنا بأنَّك رسولُه، إمَّا بالذاتِ كما يُكلِّمُ
الملائكةَ، أو بإنزالِ الوحي إلينا، وهو استكبارٌ منهم بعَدِّ أنفسهم الخَبيثةِ كالملائكة
والأنبياء المُقدَّسين عليهم الصلاة والسلام.
﴿أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ أي: حَجَّةٌ على صدقك، وهو جُحودٌ منهم - قاتَلَهم الله
تعالى - لِمَا آتاهم من الآياتِ البيناتِ، والحُجَجِ الباهراتِ التي تَخرُّ لها صُمُّ
الجبال. وقيل: المرادُ إتيانُ آيةٍ مُقْترَحَةٍ، وفيه أنَّ تخصيصَ النكرةِ خلافُ الظاهر.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ جوابٌ لشُبهتهم، يعني: أنهم يَسألون عن
تعنُّتٍ واستكبارٍ مثلَ الأمم السابقةِ، والسائلُ المتعّت لا يستحقُّ إجابةً مسألته.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ هذا الباطل الشنيع، ﴿فَقَالُوَاْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ﴾ [النساء: ١٥٣]، ﴿هَلْ
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً﴾ [المائدة: ١١٢]، ﴿أَجْعَل لَّا إِلَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٨]
وقد تَقَدَّم الكلامُ على هذَين التشبيهَين.
ولبعضهم هنا زيادةٌ على ما مرَّ: احتمالُ تَعلُّق ((كذلك)) بـ ((تأتينا))، وحينئذٍ يكونُ
الوقفُ عليه لا على («آية))، أو جَعْلُ ((مثل قولهم)» مُتعلِّقاً بـ ((تشابهت))، وحينئذٍ يكونُ
الوقفُ على ((مِن قبلهم))، وأنتَ تعلمُ أنه لا يَنبغي تَخريجُ كلام الله تعالى الكريم
على مثلٍ هذه الاحتمالات الباردة.
﴿تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُّ﴾ أي: قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العَمَى والعناد، وقيل: في
التعنَّتِ والاقتراح. والجملة مُقرِّرةٌ لِمَا قبلها.
وقرأ أبو حيوة وابنُ أبي إسحاق بتشديدِ الشين، قال أبو عمرو الداني: وذلك
غيرُ جائزٍ؛ لأنَّه فعلٌ ماضٍ(١)، والتاءان المزيدتان إنما يَجيئانِ في المضارع فيدغم،
أمَّا الماضي فلا. وفي ((غرائب التفسير))(٢): أنهم أَجمَعْوا على خطئه. ووجَّه ذلك
(١) المحرر الوجيز ٢٠٣/١، والبحر ٣٦٧، وحاشية الشهاب ٢٣٠/٢، والكلام منه.
(٢) هو كتاب العجائب والغرائب لمحمود بن حمزة الكرماني. الإتقان ١٢٢٥/٢، وكشف
الظنون ٢/ ١١٩٧.

سُوَّةُ الْبََّقَة
٤١٤
الآية : ١١٩
الراغب بأنه حمل الماضي على المضارع، فزيدَ فيه ما يُزادُ فيه، ولا يَخفى أنه بهذا
القَدْر لا يَندفعُ الإشكال. وقال ابن مهران(١) في ((الشواذ»: إنَّ العربَ قد تَزِيدُ على
أَوَّل تَفَعَّل في الماضي تاء فتقول تَتَفَعَّل، وأنشد:
تَتَقطَّعَتْ بي دونك الأسباب(٢)
وهو قولٌ غيرُ مَرْضيٍّ ولا مقبولٍ، فالصوابُ عدمُ صحَّة نسبةِ هذه القراءة إلى
هذَين الإمامين، وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدَّم(٣).
﴿قَدْ بَيَّنَا الْأَبَتِ﴾ أي: نزَّلناها بيِّنَةً، بأنْ جعلناها كذلك في أنفسها، فهو على
حَدِّ: سبحان مَن صغَّر البعوضَ وكَبَّر الفيل.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٣)﴾ أي: يَعلمونَ الحقائقَ علماً ذا وثاقةٍ، لا يَعتريهم شبهةٌ
ولا عِنادٌ، وهؤلاء ليسوا كذلك، فلهذا تَعنَّتوا واستكبَرُوا وقالوا ما قالوا، والجملة
على هذا مُعلِّلَةٌ لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ كما صرَّح به بعضُ
المحقّقين، ويحتملُ أنْ يُرادَ من الإيقان: طلبُ الحقِّ واليقين.
والآيةُ ردِّ لطلبهم الآيةَ، وفي تعريفِ الآيات وجَمعِها، وإيرادِ التبيينِ مكانَ
الإتيانِ الذي طلبوه، ما لا يَخفى من الجَزَالة، والمعنى: أنَّهم اقترحوا آيَةً فذَّةً،
ونحنُ قد بيَّناً الآياتِ العظام لقومٍ يَطلبون الحقَّ واليقين. وإنما لم يَتعرَّض سبحانه
لردِّ قولهم: ((لولا يكلمنا الله)) إيذاناً بأنه منهم أَشبهُ شيءٍ بكلام الأحمقِ، وجوابُ
الأحمقِ السكوتُ.
﴿إِنَّا أَزْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مُتْلَبِّساً مؤيَّداً به، فالظرف مُستقرٌّ. وقيل: لغوٌ
متعلّقٌ بـ ((أرسلنا))، أو بما بعده، وفُسِّر الحقُّ بالقرآنِ أو بالإسلام، وبقاؤه على
عُمومه أولى.
(١) في الأصل: سهما، وفي (م): سهمى، والمثبت من مغني اللبيب ص٧٠٨، والكلام منه،
وابن مهران هو أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري، أبو بكر المقرئ، مصنف: الغاية
في القراءات، والشامل، توفي سنة (٣٨١هـ). السير ٤٠٦/١٦.
(٢) قال ابن هشام: ولا حقيقة لهذا البيت ولا لهذه القاعدة، والبيت ذكره بتمامه ابن عصفور في
ضرائر الشعر ص ٥٥، وصدره: طلباً لعرفك يا ابن يحيى بعد ما.
(٣) ص ٢٣٨ من هذا الجزء.

الآية : ١١٩
٤١٥
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حالان من الكافِ، وقيل: من الحقِّ، والآيةُ اعتراضٌ لتسليةِ
الرسول وَل*؛ لأنه كان يَهتُمُّ ويَضيق صدرُه لإصرارهم على الكفر. والمرادُ: إِنَّا
أرسلناك لأَنْ تُبشِّرَ مَن أطاعَ، وتُنذرَ مَن عصى، لا لِتُجْبِرَ على الإيمان، فما عليك
إنْ أَصرُّوا أو كابروا. والتأكيدُ لإقامة غيرِ المنكِرِ مقامَ المنكِر بما لاحَ عليه من أمارة
الإنكار، والقصر إفرادي.
﴿وَلَا تُنْكَلُ عَنْ أَضْحَبٍ لَلَْحِيمِ (٣)﴾ تذييلٌ معطوفٌ على ما قبله، أو اعتراضٌ،
أو حال، أي: أرسلناك غيرَ مسؤولٍ عن أصحاب الجحيم، ما لهم لم يؤمنوا بعد
أن بلَّغتَ ما أُرسلْتَ به، وألزمتَ الحجةً عليهم.
وقرأ أبيٍّ: (وما)) بدل ((ولا))، وابن مسعود: ((ولن)) بدل ذلك(١). وقرأ نافع
ويعقوب: ((لا تَسألْ))(٢) على صيغة النهي إيذاناً بكمالٍ شِدَّة عقوبةِ الكفار وتَهويلاً
لها، كما تقول: كيف حال فلان؟ - وقد وَقَعَ في مكروه - فيقال لك: لا تسألْ عنه،
أي: إنه لِغايةٍ فظاعةٍ ما حلَّ به، لا يقدرُ المُخِرُ على إجرائه على لسانه، أو لا يَستطيعُ
السامعُ أن يَسمعَه. والجملةُ على هذا اعتراضٌ، أو عطفٌ على مُقدَّر، أي: فبلِّغ.
والنهي مجازيٌّ. ومِنَ الناسِ مَن جعَلَهُ حقيقةً، والمقصودُ منه بالذات نهيه ێ عن
السؤال عن حالٍ أَبَوَيه، على ما رُوي أَنَّه وَّهِ سألَ جبريلَ عن قبرَيْهما فدلَّه عليهما،
فذهبَ فدعا لهما(٣). وتمنَّى أنْ يَعرفَ حالَهما في الآخرةِ، وقال: ((ليتَ شعري
ما فعلَ أبواي؟))(٤) فنزلت. ولا يَخفى بُعدُ هذه الرواية لأنَّه وَ سير كما في ((المنتخب))
عالمٌ بما آلَ إليه أمرُهما. وذكر الشيخ وليُّ الدين العراقيُّ أنه لم يقف عليها .
وقال الإمام السيوطيُّ: لم يَرِدْ في هذا إلَّا أثرٌ معضَلٌ ضعيفُ الإسناد فلا يُعوَّل
عليه(٥).
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص٩.
(٢) التيسير ص٧٦، والنشر ٢٢١/٢.
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أحمد (٩٦٨٨)، ومسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة حته
قال: قال رسول الله ◌َله: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن
أزور قبرها فأذن لي)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٥٩/١، والطبري ٤٨١/٢ من طريق موسى بن عبيدة عن
محمد بن كعب عن النبي ◌َّلتر. قال السيوطي في الدر المنثور ١١١/١: مرسل ضعيف الإسناد.
(٥) بنحوه في رسالة مسالك الحنفا في والدي المصطفى، كما في الحاوي ٣٨٩/٢.

سُورَةُ الََّقَة
٤١٦
الآية : ١٢٠
والذي يُقطَعُ به أنَّ الآيةَ في كفارِ أهلِ الكتاب، كالآياتِ السابقةِ عليها والتاليةِ
لها، لا في أبويه بَّه ولتَعَارُضِ الأحاديثِ في هذا البابِ وضَعفِها قال السَّخَاوي:
الذي نَدينُ الله تعالى به الكفُّ عنهما وعن الخوضِ في أحوالهما (١).
والذي أَدينُ الله تعالى به أنا أنهما ماتا مُوحِّدَيْنٍ في زَمَن الكفر، وعليه يُحمل
كلامُ الإمام أبي حنيفة ◌َُّبه إن صحَّ، بل أكادُ أقولُ إِنَّهما أفضلُ من علي القاري(٢)
وأضرابه .
و((الجحيم): النار بعينها إذا شبَّ وقودُها. ويقال: جَحِمَتِ النار تَجْحَمُ
جَحماً: إذا اضطرَبت(٣).
﴿َوَلَنَ تَّضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَى حَتَّى تَّعَ مِلَتْهُمْ﴾ بيانٌ لكمال شِدَّة شَكيمتَي هاتين
الطائفتين، إثرَ بيان ما يعمُّهما والمشركين ممَّا تَقدَّم، و((لا)) بين المعطوفين لتأكيد
النفي، وللإشعار بأنَّ رِضا كلٍّ منهما مُباينٌ لرضا الأخرى.
والخطابُ للنبيِّ ◌َّهِ، وفيه مِن المبالَغة في إقناطِهِ وَلَّ مِن إسلامهم ما لا غايةً
وراءَه، فإنَّهم حيثُ لم يَرْضَوا عنه عليه الصلاة والسلام ولو خلَّهم يَفْعلون ما يفعلون،
بل أَملوا ما لا يكاد يَدخُلُ دائرةَ الإمكان، وهو الاتِّباعُ لملَّتهم التي جاء بنسخها،
فكيف يُتصوَّرُ اتِّباعهم لمَّته وَّهِ، واحتِيجَ لهذه المبالغةِ لِمزيدٍ حِرْصِهِ مَّهُ على
إيمانهم، على ما رُوي أنَّه كان يُلاطِف كلَّ فريقٍ رجاءَ أنْ يُسْلِموا فنزلت.
والملَّةُ في الأصل اسمٌ مِنْ أَمْلَلْتُ الكتاب بمعنى أَمْليته كما قال الراغب(٤)،
ومنه طريقٌ مَلُول(٥)، أي: مَسْلوكٌ معلومٌ. كما نقله الأزهري(٦)، ثم نُقلَتْ إلى
(١) بنحوه في المقاصد الحسنة ص ٢٥.
(٢) له رسالة يؤكد فيها أنهما في النار، ينظر حاشية المقاصد الحسنة ص ٢٥، والأسرار
المرفوعة ص ٨٣.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والذي في اللسان والقاموس (جحم): اضطرمت.
(٤) في مفرداته (ملل)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢/ ٢٣١.
(٥) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ٢٣١/٢ (والكلام منه): مملول، والذي في
المعاجم: مُعَلّ، وينظر التعليق الذي بعده.
(٦) ١٥/ ٣٥٠، وفيه: طريق مُعَلٌّ، ومثله في الصحاح وأساس البلاغة واللسان، ومجمل اللغة
٨١٦/٣.

الآية : ١٢٠
٤١٧
سُورَةُ الْبَقَة
أصول الشرائع باعتبار أنَّها يُمْليها النبيُّ وََّ، ولا يختلف الأنبياءُ عليهم السلام
فيها، وقد تُطَلَقُ على الباطل كـ : الكفرُ ملَّةٌ واحدة، ولاتُضاف إليه سبحانه،
فلا يُقال: مِلَّةُ الله، ولا إلى آحاد الأمة، والدِّينُ يُرادفُها صدقاً، لكنَّه باعتبار قَبول
المأمورِين؛ لأنَّه في الأصل: الطاعةُ والانقيادُ، ولاتِّحاد ما صدقهما قال تعالى:
﴿دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ [الأنعام: ١٦١].
وقد يُطلَق الدينُ على الفروع تَجوُّزاً، ويُضافُ إلى الله تعالى، وإلى الآحاد،
وإلى طوائفَ مخصوصةٍ نظراً إلى الأصل، على أنَّ تَغايرَ الاعتبار كافٍ في صحَّةٍ
الإضافة، ويَقعُ على الباطل أيضاً.
وأمَّا الشريعةُ فهي المورِدُ في الأصل، وجُعلَتْ اسماً للأحكام الجزئيَّةِ المتعلّقة
بالمعَاش والمعَاد، سواءٌ كانت منصوصةً مِن الشارع، أو لا لكنَّها راجعةٌ إليه،
والنسْخُ والتبديل يَقعُ فيها، وتُطلقُ على الأصول الكلِّیة تَجوُّزاً، قاله بعض
المحققين .
وَوُحِّدَت الملَّة - وإن كان لهم ملَّتان - للإيجاز، أو لأنَّهما يَجْمَعُهما الكفرُ،
وهو ملَّةٌ واحدةٌ.
ثم إنَّ هذا ليس ابتداءَ كلامٍ منه تعالى بعدم رضاهم، بل هو حكايةٌ لمعنى كلام
قالوه بطريقِ التّكَلُّم ليطابقَه قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الَّهِ هُوَ الْهُدَىْ﴾ فإنَّه على
طريقةِ الجواب لمقالتهم، ولعلَّهم ما قالوا ذلك إلا لِزَعْمهم أنَّ دينَهم حقٌّ وغيره
باطل، فأُجيبوا بالقصرِ القَلْبيِّ - أي: دينُ الله تعالى هو الحقُّ، ودينُكم هو الباطلُ،
وهُدى اللهِ تعالى الذي هو الإسلامُ هو الهدى، وما يَدْعُون إليه ليس بهُدّى بل هوّى -
على أبلغٍ وَجْهٍ؛ لإضافة الهدى إليه تعالى، وتأكيدهِ بـ ((إنَّ»، وإعادةِ الهدى في الخبرِ
على حَدٍّ: شِعْري شِعْري (١)، وجَعْلِه نفسَ ((الهدى)) المصدريّ، وتَوسيطٍ ضمير
الفصل، وتَعرِیفِ الخبر.
ويحتمل أنَّهم قالوا ذلك فيما بينهم، والأمرُ بهذا القول لهم لا يجب أن يكونَ
(١) وتمامه: أنا أبو النجم وشعري شعري، وهو في ديوان أبي النجم العجلي ص ٩٩.

سُولَُّ الْبَيْهَة
٤١٨
الآية : ١٢٠
جواباً لعين تلك العبارة، بل جوابٌ وردٌّ لِمَا يَستلزِمُ مضمونها أو يلزمُه من الدعوة
إلى اليهودية أو النصرانية، وأنَّ الاهتداءَ فيهما.
وقيل: يَصحُّ أنْ يكونَ لإقناطهم عمَّا يَتمثَّونه ويَطمعونه، وليس بجواب.
﴿وَلَيْنِ أَثَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: آراءَهم الزائغةَ المنحرفة عن الحقِّ، الصادرةَ
عنهم بتّبَعيَّةِ شهواتٍ أنفسهم، وهي التي عبّر عنها فيما قبلُ بالملَّة، وكان الظاهرُ:
ولئن اتبعتَها، إلا أنه غيَّر النظمَ ووَضعَ الظاهرَ مَوضعَ المُضْمَرِ مِن غيرِ لَفْظِه، إيذاناً
بأنهم غَيَّروا ما شَرَعَه الله سبحانه تغييراً أَخرجوه به عن موضوعه. وفي صيغة الجَمْع
إشارةٌ إلى كثرةِ الاختلاف بينهم، وأنَّ بعضَهم يُكفِّر بعضاً .
﴿َبَعْدَ الَّذِى جَكَ مِنَ الْعِلْرِ﴾ أي المعلوم، وهو الوحيُّ أو الدِّين؛ لأنَّه الذي
يَتَّصفُ بالمجيء دون العلم نفسِهِ، ولك أنَّ تُفسِّرَ المجيءَ بالحصول فَيَجْري العلمُ
على ظاهره.
﴿مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَلٍِّ وَلَا نَصِيرٍ (٣٥)﴾ جوابٌ للقسم الدالِّ عليه اللامُ المُوَطّئة،
ولو أُجِيبَ به الشرط هنا لوجبتِ الفاءُ.
وقيل: إنَّه جوابٌ له، ويحتاجُ إلى تقدير القسم مؤخّراً عن الشرط، وتأويلٍ
الجملة الاسميةِ بالفعليةِ الاستقبالية، أي: ما يكونُ لك، وهو تعسُّفٌ إذ لم يقل أحدٌ
من النحاة بتقدير القسم مؤخّراً مع اللام الموطّة، وتأويلُ الاسمية بالفعلية لا دليلَ
عليه .
وقيل: إنَّه جوابٌ لِكِلا الأمرَين: القسم الدالِّ عليه اللام، و((إن)) الشرطية،
لأحدِهما لفظاً وللآخَرِ معنًى، وهو كما ترى.
والخطاب أيضاً(١) لرسول الله وَل﴾، وتَقييدُ الشرط بما قُيِّدَ للدلالة على أنَّ
مُتابعةَ أهوائهم مُحالٌ؛ لأنَّه خِلاف ما عُلم صحتُه، فلو فُرِضَ وقوعُه كما يُفرضُ
المحالُ لم يكن له وليٍّ ولا نصيرٌ يَدفعُ عنه العذابَ، وفيه أيضاً مِن المبالغة في
الإقناط ما لا يَخفَى.
(١) قوله: أيضاً، ليس في الأصل.

الآية : ١٢١
٤١٩
سُورَةُ الْبََّ
وقيل: الخطاب هناك وهنا وإن كان ظاهراً للنبي وَله إلا أنَّ المقصودَ منه أُمَّتُه،
وأنت تَعلم ممَّ ذكرنا أنَّه لا يحتاجُ إلى التزامِ ذلك.
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ﴾ اعتراضٌ لبيانِ حال مُؤمني أهلِ الكتاب بعدَ ذِكْر أحوال
كَفَرَتِهم، ولم يَعطِف تنبيهاً على كمال التباين بين الفريقين، والآيةُ نازلةٌ فيهم، وهم
المقصودون منها سواءٌ أُريدَ بالموصول الجنسُ، أو العهدُ على ما قيل: إنَّهم
الأربعون الذين قَدِمُوا مِن الحبشةِ مع جعفرَ بنِ أبي طالبٍ، اثنان وثلاثون منهم من
اليمن، وثمانيةٌ من علماء الشام.
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِ﴾ أي: يقرؤونه حقَّ قراءته، وهي قراءةٌ تَأخذُ بمجامعٍ
القلب، فيُراعَى فيها ضَبْطُ اللفظ والتأمُّلُ في المعنى، وحقُّ الأمرِ والنهي. والجملة
حالٌ مُقدَّرة، أي: آتيناهم الكتابَ مُقدَّراً تلاوتُهم؛ لأنَّهم لم يكونوا تالين وقتَ
الإيتاء، وهذه الحال مُخصِّصَة؛ لأنه ليس كلُّ مَن أوتيه يَتلوه.
و ((حقّ) منصوب على المصدرية لإضافةِهِ إلى المصدر، وجُوِّز أنْ يكونَ وصفاً
لمصدرٍ محذوفٍ، وأنْ يكونَ حالاً، أي: مُحقِّين.
والخبرُ قولُه تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ويحتمل أن يكون (يتلونه)) خبراً
لا حالاً، و(أولئك)) إلخ، خبراً بعد خبرٍ، أو جُملةً مُستأنفةً، وعلى أَول الاحتمالَين
يكونُ الموصولُ للجنس، وعلى ثانيهما يكون للعهدِ، أي: مؤمنو أهلِ الكتاب.
وتقديمُ المسندِ إليه على المسندِ الفعليِّ للحصرِ والتعريض، والضمير للكتاب،
أي: أولئك يؤمنون بكتابهم، دون المُحرِّفِين فإنهم غَيْرُ مؤمنين به، ومن هنا يَظھرُ
فائدةُ الإخبار على الوجه الأخير، ولك أنْ تقولَ: محظُ الفائدة ما يَلزمُ الإيمان به
من الربح بقرينةٍ ما يأتي.
ومِن الناس مَن حمَل الموصولَ على أصحاب رسول اللهِ وَّه، وإليه ذهبَ
عكرمة وقتادة، فالمرادُ من ((الكتاب)) حينئذٍ القرآن.
ومنهم مَن حَمَله على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام - وإليه ذهب ابن كيسان
- فالمرادُ من ((الكتاب)) حينئذٍ الجنسُ، ليشملَ الكتبَ المتفرِّقَة.
ومنهم مَن قال بما قلنا، إلا أنه جَوَّز عَودَ ضمير ((به)) إلى ((الهدى))، أو إلى

سُورَةُ الَّفَة
٤٢٠
الآية : ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤
النبيِّ ◌َّةِ، أو إلى الله تعالى. وعلى التقديرَين يكونُ في الكلام التفاتٌ مِن الخطابِ
إلى الغيبة، أو من التكلَّم إليها، ولا يخفى ما في بعضٍ هذه الوجوه من البعدِ
البعيد .
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: الكتاب، بسببِ التحريفِ والكفرِ بما يُصدِّقُه، واحتمالات
نظيرِ هذا الضمير مقولةٌ فيه أيضاً.
﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَبِرُونَ ﴾﴾ مِن جهةِ أنَّهم اشتَرَوا الكفرَ بالإيمانِ. وقيل:
بتجارَيِّهم التي كانوا يَعملونها بأخذِ الرّشا على التحريفِ.
وَأَتَّقُواْ يَوْمًا
﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَذَكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
لَا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ (َ﴾﴾.
تكريرٌ لتذكيرِ بني إسرائيل، وإعادةٌ لتحذيرهم؛ للمبالغةِ في النصحِ، وللإيذان
بأنَّ ذلك فذلكةُ القصة والمقصودُ منها، وقد تَفَّنَ في التعبير؛ فجاءت الشفاعة أَولاً
بلفظ القبول مُتقدِّمةً على العدل، وهنا بلفْظِ النفع مُتأخّرةً عنه، ولعلَّه - كما قيل -
إشارةٌ إلى انتفاء أصلٍ الشيء وانتفاء ما يترتَّب عليه، وأُعطي المتقدِّمُ(١) وجوداً
تَقْدُّمه ذِكْراً، والمتأخّرُ وجوداً تَأخّرَه ذكراً.
وقيل: إنَّ ما سَبَق كان للأمر بالقيام بحقوق النِّعم السابقة، وما هنا لتذكيرِ نعمةٍ
بها فَضَّلَهم على العالمين، وهي نعمةُ الإيمان بنبيِّ زمانهم، وانقيادِهم لأحكامه
لِيَغْتنموها ويُؤمنوا ويكونوا مِن الفاضلين لا المفضولين، وليتَّقُوا بمتابعتِهِ عن أهوالٍ
القيامة وخَوفها، كما اتَّقَوا بمتابعةِ موسى عليه السلام.
﴿وَإِذٍ أَبْتَلَىَّ إِرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ﴾ في متعلَّق ((إذ)) احتمالاتٌ تقدَّمَتِ الإشارة إليها في
نظيرِ الآية، واختار أبو حيان تعلُّقها بـ ((قال)) الآتي، وبعضُهم بمضمَرٍ مُؤخّر، أي:
كان كيت وكيت، والمشهورُ تَعلُّقها بمضمَرٍ مُقدَّم تقديره: اذكر - أو اذكروا - وَقتَ
كذا، والجملةُ حينئذٍ مَعطوفةٌ على ما قبلها عَظْف القصَّةِ على القصةِ، والجامعُ
الاتِّحادُ في المقصدِ، فإنَّ المقصد مِن تَذكيرِهم وتَخويفهم تَحريضُهم على قَبول
دينه وَّةِ، واتباعِ الحقِّ، وتَركِ التعصُّب وحبِّ الرئاسة، كذلك المقصدُ مِن قصَّة
(١) في (م): المقدم.