النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ١٠١ ٣٤١ سُؤَُّ الْبَقَة ﴿وَلَغَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ ظرفٌ لـ ((نبذ))، والجملةُ عطفٌ على سابقتها داخلةٌ تحت الإنكار، والضميرُ لبني إسرائيل لا لعلمائهم فقط، والرسولُ محمدٌ وَّةِ، والتنكيرُ للتفخيم. وقيل: عيسى عليه السلام، وجَعْلُه مصدراً بمعنى الرسالةِ كما في قوله: لقد كذَبَ الواشُونَ ما بُحتُ عِندَهُم بليلى ولا أَرسَلْتُهُمْ بِرَسُولٍ(١) خلافُ الظاهر. ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ متعلّقٌ بـ ((جاء)»، أو بمحذوفٍ وقعَ صفةً للرسول لإفادةِ مزیدِ تعظيمِهِ؛ إذْ قَدْرُ الرسولِ على قَدْرِ المرسِل. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: من التوراة، من حيث إنه وَّر جاء على الوصفِ الذي ذُكِرَ فيها، أو أَخبرَ بأنها كلامُ الله تعالى المنزلُ على نَبيِّه موسى عليه السلام، أو صَدَّقَ ما فيها مِن قواعدِ التوحيد وأُصولِ الدين، وأخبارِ الأمم والمواعظِ والحكم، أو أَظهرَ ما سألوه عنه من غوامضِها. وحَمَل بعضُهم ((ما)) على العموم ليشمل جميعَ الكتب الإلهية التي نزلت قبلُ. وقرأ ابن أبي عبلة: ((مصدِّقاً)) بالنصبِ على الحالِ من النكرةِ الموصوفة(٢). ﴿بَبَدَ فَرِيْقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: التوراة، وهم اليهودُ الذين كانوا في عَهده ◌ََّ، لا الذين كانوا في عهدٍ سُليمانَ عليه السلام، كما تَوهَّمه بعضُهم مِن اللحاق؛ لأنَّ النبذَ عند مَجيء النبيِّ وَّهِ لا يُتَصوَّر منهم، وإفرادُ هذا النبذِ بالذكرِ مع اندراجه في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُوا﴾ إلخ؛ لأنه مُعظَم جِناياتهم، ولأنه تمهيدٌ لِمَا يأتي بعد. والمرادُ بالإيتاء إمَّا إيتاءُ عِلْمِها، فالموصولُ عبارةٌ عن علمائهم، وإمَّا مُجرَّدُ إنزالها عليهم، فهو عبارةٌ عن الكلِّ، ولم يقل: فريق منهم، إيذاناً بكمالِ التنافي بينَ ما ثَبتَ لهم في حيِّز الصلة وبين ما صَدَر عنهم من النبذِ. ﴿كِتَبَ اللَّهِ﴾ مفعولُ ((نبذ)»، والمرادُ به التوراة؛ لِمَا رُوي عن السُّدي أنه (١) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص٢٧٨ برواية: برسيل، ونقله المصنف عن البحر ٣٢٤/١. (٢) البحر ٣٢٥/١. سُورَةُ الْبَرَة ٣٤٢ الآية : ١٠١ قال: لمَّا جاءهم محمد ◌َّهِ عارضُوه بالتوراة، فأَتفقَت التوراةُ والفرقان، فنبذوا التوراةَ وأَخذُوا بكتاب آصَفِ(١) وسِخْرِ هاروت وماروت، فلم تُوافق القرآن، فهذا قولُه تعالى: (وَلَغَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ) إلخ. ويؤيِّده أنَّ ((النبذ)) يَقتضي سابقةَ الأَخْذ في الجملة، وهو مُتحقِّقٌ بالنسبةِ إليها، وأنَّ المعرفةَ إذا أُعيدَتْ مَعرفةً كان الثاني عينُ الأول، وأنَّ مَذمَّتهم في أنهم نبذوا الكتاب الذي أُوتوه واعترفوا بحقِّيَّته أشدُّ، فإنه يُفيد أنه كان مُجرَّدَ مُكابرةٍ وعنادٍ، ومعنى نَبْذِهم لها: اطّراحُ أحكامِها، أو ما فيها من صفة النبي ◌َلتر. وقيل: القرآن، وأَيَّده أبو حيان(٢) بأنَّ الكلام مع الرسول، فيصيرُ المعنى: أنه يصدِّق ما بأيديهم من التوراة، وهم بالعكس يكذُّبون ما جاء به من القرآن، ويتركونه ولا يؤمنون به بعدما لزمهم تلقِّيه بالقبول. وقيل: الإنجيل، وليس بشيء. وأضاف الكتاب إلى الاسم الكريم تعظيماً له، وتهويلاً لِمَا اجْتَرؤوا عليه من الكفر به. ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ جَمْع ((ظهر)) وهو معروف، ويُجمع أيضاً على ظُهْرانٍ، وقد شبّه تَرْكَهم كتابَ الله تعالى وإعراضَهم عنه بحالةِ شيءٍ يُرمَى به وراءَ الظهر، والجامعُ عدُ الالتفاتِ وقلَّةُ المبالاة، ثم استعمل هاهنا ما كان مستعملاً هناك، وهو النبذُ وراء الظهر، والعربُ كثيراً ما تَستعملُ ذلك في هذا المعنى، ومنه قولُه: بظهرٍ ولا يَعْيَا عليكَ جوابُها(٣) تَميمَ بنَ مرٍّ لا تَكونَنَّ حاجتي ويقولون أيضاً: جعل هذا الأمر دُبْرَ أُذُنِهِ، ويريدون ما تقدَّم. (١) هو كاتب سليمان، كما في تفسير القرطبي ٢/ ٢٧٠ . (٢) في البحر ٢٣٥/١. (٣) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٨٦/١، والأضداد لابن الأنباري ص٢٥٦، وتفسير القرطبي ٢٦٨/٢، والبحر ٣٢٥/١، والدر المصون ٢٧/٢، ووقع في المصادر عدا البحر والدر: تميم بن زيد، وروایة الدیوان: لديك ولا يعيا عليَّ جوابها تميم بن زيد لا تهوننَّ حاجتي الآية : ١٠٢ ٣٤٣ سُورَةُ الشَّرَة ®﴾ جملةٌ حالية، أي: نبذوه مُشبَّهين بمَن لا يَعلمُ أنَّه ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ كتابُ الله تعالى، أوْ: لا يَعلمُه أصلاً، أو: لا يَعلمونه على وَجْهِ الإتقان، ولا يعرفون ما فيه مِن دلائلِ نبوَّتِهِ وَله، وهذا على تَقديرِ أنْ يرادَ الإخبار، وفيه إيذانٌ بأنَّ علمَهم به رَصينٌ لكنهم يَتجاهلون. وفي الوجهين الأَوَّلَين زيادةٌ مبالَغةٍ في إعراضهم عمَّا في التوراة مِن دلائل النبوَّة، ومَن فَسَّر كتاب الله تعالى بالقرآن، جعَلَ متعلَّق العلم: أنه كتاب الله، أي: كأنَّهم لا يعلمون أنَّ القرآن كتابُ الله تعالى، مع ثُبوتٍ ذلك عندهم وتحقُّقِهِ لديهم، وفيه إشارةٌ إلى أنهم نبذوه لا عن شُبهة، ولكنْ بَغياً وحسداً. وجَعْلُ المتعلّق: أَنَّه نبيٌّ صادق، بعيد. وقد دلَّ الآيتان: قولُه تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُوا﴾ إلخ، وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا ◌ََّهُمْ﴾ إلخ - بناءً على احتمالِ أنْ يكونَ الأكثرُ غيرَ النابذين - على أنَّ جُلَّ اليهود أربعُ فرقٍ؛ ففرقةٌ آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأَقلُّون المشارُ إليهم بـ ((بل أكثرهم لا يؤمنون)). وفرقةٌ جاهرُوا بنبْذِ العهود وتعدِّي الحدود، وهم المَعْنُّون بقوله تعالى: ﴿نََّذَهُ فِيقٌ مِّنْهُمْ﴾. وفرقة لم يُجاهروا ولكنْ نبذوا لجَهْلِهم، وهم الأكثرون. وفرقةٌ تَمسَّكوا بها ظاهراً ونبذُوها سِرًّا، وهم المتجاهلون. ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ عطفٌ على ((نبذ)) والضميرُ لـ ((فريق من الذين أُوتوا الكتاب، على ما تَقدَّم عن السُّدي. وقيل: عطفٌ على مَجموع ما قبلَه عظْفَ القصة على القصة، والضميرُ للذين تقدَّموا من اليهود، أو الذين كانوا في زمنٍ سليمان عليه السلام، أو الذين كانوا في زمن نبيِّنا وَّله، أو ما يَتناول الكلَّ؛ لأنَّ ذاك غيرُ ظاهرٍ، إذ يَقتضي الدخولَ في حَيِّزِ ((لمَّا))، واتِّباعُهم هذا ليس مترتِّباً على مَجيءٍ الرسول وَّ﴾. وفيه: أنَّ ما عَلِمْتَ من قول السدِّيِّ يَفتح بابَ الظهور، اللهمَّ إلَّا أن يكون المبنيُّ غیرَه. وقيل: عطفٌ على ((أُشربوا))، وهو في غايةِ البعد، بل لا يُقدِم عليه مَن جَرَع مجُرعةً من الإنصاف. والمراد بالاتّباعِ: التوغلُ والإقبالُ على الشيءِ بالكُلِّية. وقيل: الاقتداءُ. و(ما)) موصولة، ((وتتلوا)) صِلَتُها، ومعناه: تَتَّبع، أو: تَقْرأ، وهو حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، سُورَةُ الَّقَة ٣٤٤ الآية : ١٠٢ والأصلُ: قلت، وقولُ الكوفيين إنَّ المعنى: ما كانت تتلوا، محمولٌ على ذلك، لا أنَّ ((كان)» هناك مقدَّرة. والمتبادر من الشياطين: مردةٌ الجنّ، وهو قولُ الأكثرينَ. وقيل: المرادُ بهم شياطينُ الإنسِ، وهو قول المتكلِّمينَ من المعتزلة. وقرأ الحسن والضحاك: ((الشياطون))(١) على حدٍّ ما رواه الأصمعي عن العرب: بستان فلان حوله بساتون. وهو مِنَ الشذوذِ بمكان، حتى قيل: إنه لَحنٌ. ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((تتلوا))، وفي الكلام مضافٌ محذوف، أي: عَهْدِ مُلكِهِ وزمانه، أو الملكُ مَجازٌ عن العهد، وعلى التقديرين (على)) بمعنى ((في))، كما أنَّ (في)) بمعنى ((على)) في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِبَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقد صَرَّح في ((التسهيل)) بمجيئها للظرفية(٢)، ومثّل له بهذه الآية؛ لأنَّ المُلكَ وكذا العهد لا يَصلُحُ كونُه مَقروءاً عليه. ومِن الأصحابِ مَن أَنكرَ مَجيءَ ((على)) بمعنى ((في))، وجعل هذا مِن تضمينٍ (تتلو)) معنى تَتَقَوَّل، أو المُلْكُ عبارةٌ عن الكرسي؛ لأنه كان مِن آلات مُلکه، فالكلام على حدٍّ: قرأتُ على المنبر. والمرادُ بما يتلونه: السحرُ، فقد أخرج سفيانُ بن عيينة، وابنُ جرير، والحاكمُ قال: إنَّ الشياطينَ كانوا يَسْتَرِقُون السمعَ من السماء، وصگّحه عن ابن عباس . فإذا سَمِعَ أحدُهم بكلمةٍ كَذَبَ عليها ألفَ كذبةٍ، فَأَشْرَبَتْها قلوبَ الناس واتخذوها دواوين، فَأَظْلَع اللهُ تعالى على ذلك سليمانَ بن داود، فأَخذَها وقَذَفَها تحت الكرسيِّ، فلمَّا ماتَ سليمان قام شيطانٌ بالطريق فقال: ألا أدلَّكُم على كنزِ سليمان الذي لا كَنْزَ لأحدٍ مثلُ کنزِهِ المُمَنَّع؟ قالوا: نعم. فَأَخْرَجوه فإذا هو سحرٌ، فتناسختها الأمم، فأنزلَ الله تعالى عُذْرَ سليمان فيما قالوا مِن السحر(٣). وقيل: روي أنَّ سليمان كان قد دَفَن كثيراً من العلوم التي خصَّه الله تعالى بها تحتَ سريرٍ مُلكه، خوفاً على أنه إذا هَلَكَ الظاهرُ منها يَبقى ذلك المدفون، فلمَّا (١) القراءات الشاذة ص٨، والبحر ٣٢٦/١، والكلام منه. (٢) التسهيل لابن مالك ص١٤٦ . (٣) تفسير الطبري ٣٢٥/٢، والمستدرك ٢/ ٢٦٥، والكلام من الدر المنثور٩٥/١. الآية : ١٠٢ ٣٤٥ سُورَةُ الْبَكْوَة مَضَت مُدَّةٌ على ذلك تَوصَّل قوم من المنافقين إلى أنْ كتبوا في خلالِ ذلك أشياءً مِن السحر تُناسب تلك الأشياء من بعضٍ الوجوه، ثم بعد موته وإطلاع الناس على تلك الكتب أَوهَموهم أنها مِن عِلْم سليمان. ولا يَخفى ضعفُ هذه الرواية. وسليمان - كما في ((البحر)) - اسمٌ أَعجميٌّ، وامتنع من الصَّرفِ للعَلَميَّة والعُجْمَةِ، ونظيرُهُ مِن الأعجميةِ في أنَّ آخِرَه ألفٌ ونونٌ: هامان، وماهان، وسامان، وليس امتناعه من الصرف للعَلَميةِ وزيادة الألف والنون كعثمان؛ لأنَّ زيادتهما موقوفةٌ على الاشتقاق والتصريف، وهما لا يَدخلان الأسماء الأعجمية (١). وكثيرٌ من الناس اليومَ على خلافه. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ اعتراضٌ لتبرِئَةِ سليمانَ عليه السلام عمَّا نَسبوه إليه، فقد أخرج ابن جرير عن شَهرِ بنِ حوشب قال: قال اليهودُ: انظروا إلى محمد يَخلط الحقَّ بالباطل، يَذكر سليمان مع الأنبياء، وإنَّما كان ساحراً يرَكبُ الريح(٢). وعبَّر سبحانه عن السِّحر بالكفر بطريق الكناية رعايةً لمناسبةِ ((لكنَّ)) الاستدراكيةِ في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فإن (كفروا)) معها مستعملٌ في معناه الحقيقيّ، وجملةُ (يعلِّمون)) حالٌ من الضمير. وقيل: من الشياطين، ورُدَّ بأن«لكنَّ)) لا تعمل في الحال، وأُجيبَ بأنَّ فيها رائحةَ الفعل. وقيل: بَدلٌ من (كفروا)). وقيل: استئنافٌ، والضمير للشياطين، أو للذين اتَّبعوا. و ((السحر)) في الأصلِ مصدرُ سَحَرَ يسحَر بفتح العين فيهما: إذا أَبدى ما يَدِقُّ ويَخْفَى. وهو مِن المصادرِ الشاذَّة، ويُستعمل بما لَطُفٍ وخَفِيَ سببهُ. والمرادُ به: أمرٌ غريبٌ يُشبه الخارق، وليس به، إذ يجري فيه التعلُّم ويُستعانُ في تحصيله بالتقرُّب إلى الشيطان بارتكاب القبائح: قولاً كالرُّقى التي فيها ألفاظُ الشِّركِ ومدحٍ الشيطان وتسخيره. وعملاً كعبادة الكواكب، والتزام الجناية وسائر الفسوق. واعتقاداً كاستحسان ما يُوجب التقرُّب إليه ومحبته إِيَّهَ، وذلك لا يَستَتِبُّ إلَّا بمَنْ (١) البحر ٣١٨/١-٣١٩. (٢) تفسير الطبري ٣٢٧/٢. سُوَّةُ الْبَقَة ٣٤٦ الآية : ١٠٢ يناسبُه في الشرارة وخُبْثِ النفس، فإن التناسُبَ شَرطُ النَّضَامِّ والتعاون، فكما أنَّ الملائكة لا تُعاوِنُ إلَّا أخيارَ الناسِ المتشبِّهين(١) بهم في المواظبةِ على العبادة والتقرُّبِ إلى الله تعالى بالقول والفعل، كذلك الشياطين لا تُعاون إلا الأشرار المشبّهين بهم في الخبائةِ والنجاسة قولاً وفعلاً واعتقاداً، وبهذا يَتميَّزُ الساحر عن النبيِّ والوليِّ، فلا يَرِدُ ما قال المعتزلة: مِن أنه لو أَمْكَن للإنسانِ مِنْ جهة الشيطان ظُهورُ الخوارق والإخبارُ عن المغيَّيات، لا شْتَبَهَ طريقُ النبوّة بطريقِ السحرِ . وأمَّا ما يُتعجَّبُ منه، كما يَفعله أصحابُ الحيل بمعونة الآلات المرئَّبة على النسبة الهندسية تارةً، وعلى صيرورةِ الخلاء ملاءً أخرى، وبمعونة الأدوية كالنَّارَنْجِيَّات(٢)، أو يُرِيْهِ صاحبُ خفة اليدِ، فتسميتُه سحراً على التجوُّز، وهو مذمومٌ أيضاً عند البعضٍ، وصرَّح النووي في ((الروضة)) بحُرمته(٣). وفسّره الجمهورُ بأنه خارقٌ للعادة، يَظهرُ من نفسٍ شريرة بمباشرةٍ أعمالٍ مخصوصة. والجمهورُ على أنَّ له حقيقةً، وأنه قد يَبلغ الساحرُ إلى حيث يَطيرُ في الهواء، ويَمشي على الماء، ويقتل النفس، ويقلب الإنسانَ حماراً، والفاعلُ الحقيقيُّ في كلِّ ذلك هو الله تعالى، ولم تَجْرِ سُنَّته بتمكينِ السَّاحِ مِن فلقِ البحرِ، وإحياءِ الموتى، وإنطاق العَجماءِ، وغيرِ ذلك من آياتِ الرسلِ عليهم السلام. والمعتزلةُ، وأبو جعفر الإستراباذيُّ مِن أصحابنا: على أنَّه لا حقيقةً له، وإنَّما هو تَخْبِيلٌ، وأَكفرَ المعتزلةُ مَن قالَ ببلوغ الساحرِ إلى حيث ذكرنا، زَعماً منهم أنَّ بذلك انسدادُ طريقِ النبوّةِ، وليس كما زعموا على ما لا يخفى. ومِن المحقّقين مَن فرَّق بين السحرِ والمعجزةِ باقترانِ المُعجزةِ بالتحدِّي، بخلافه فإنه لا يُمكنُ ظهورُه على يدٍ مُدَّعي نبوَّةٍ كاذباً، كما جَرَتْ به عادة الله تعالى المستمرَّة صوناً لهذا المنصب الجليل عن أن يَتَسوَّر حِماهُ الكذَّابون. وقد شاع أنَّ العمل به كُفرٌ حتى قال العلّامة التفتازانيُّ: لا يُروى خلافٌ في ذلك. وعَدُّه نوعاً من الكبائرِ مغايرَ الإشراك لا يُنافي ذلك؛ لأنَّ الكفرَ أعمُّ (١) في (م): المشبهين. (٢) في التاج (نرج): النيرنج: أُخَذّ كالسحر وليس به، إنما هو تشبيه وتلبيس وهي نيرنجيات. (٣) ينظر روضة الطالبين ٣٤٦/٩. الآية : ١٠٢ ٣٤٧ سُورَةُ الْبَدَة والإشراكُ نوعٌ منه. وفيه بحثٌ: أمَّا أولاً: فلأنَّ الشيخَ أبا منصور ذهبَ إلى أنَّ القول بأنَّ السحرَ كُفُرٌ على الإطلاق خطأٌّ، بل يجبُ البحث عن حقيقته، فإنْ كان في ذلك رَدُّ ما لَزم مِن شرطٍ الإيمان فهو كُفْرٌ وإلَّا فلا(١). ولعل ما ذهب إليه العلّامة مبني على التفسير الأول، فإنه عليه ممَّا لا يُمتَرى في كفرِ فاعله. وأمَّا ثانياً: فلأنَّ المرادَ مِن الإشراك فيما عدا الكبائر: مُطلقُ الكفرِ، وإلَّا تَخرجُ أنواعُ الكفرِ منها. ثُم السحرُ الذي هو كفرٌ يُقتل عليه الذكورُ لا الإناث، وما ليس بكفرٍ وفيه إهلاكُ النفسِ ففيه حُكمُ قُطَّاعِ الطريقِ، ويَستوي فيه الذكورُ والإناث، وتُقبل توبتُه إذا تابَ، ومَن قال: لا تُقبلَ فقد غَلِطَ، فإنَّ سحرةَ موسى قُبلَتْ توبتُهم، كذا في ((المدارك))(٢)، ولعلَّه إلى الأصول أقربُ. والمشهورُ عن أبي حنيفةَ ﴿هِ أنَّ الساحرَ يُقتل مطلقاً إذا عُلم أنه ساحرٌ، ولا يُقبل قوله: أَتركُ السحر وأَتوبُ عنه، فإنْ أَقرَّ بأنِّي كنتُ أَسحرُ مُدَّةً وقد تركتُ منذُ زمان، قُبِل منه ولم يُقتل. واحتجَّ بما رُوي أنَّ جاريةً لحفصةً أمِّ المؤمنين ﴾ سحرتها، فأخذوها فاعترفَت بذلك، فأَمرتْ عبد الرحمن بنُ زيدٍ فقتلها، وإنكارُ عثمانَ رَّه إنما كانَ لقتلها بغيرِ إذنه(٣). وبما روي عن عمرَ تَله أنه قال: اقتلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ، فقتلوا ثلاثَ سواحر (٤). والشافعيةُ نَظَروا في هذا الاحتجاجِ، واعترضوا على القولِ بالقتلِ مطلقاً بأنه واله لم يَقتلِ اليهوديَّ الذي سَحَره(٥). فالمؤمن مثلُه لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَهم ما للمسلمينَ وعليهم ما على المسلمين)»(٦). وتحقيقُه في الفروع. واختلفَ في تَعليمه وتَعلَّمه؛ فقيل: كفرٌ لهذه الآية، إذ فيها ترتيبُ الحكم على (١) بنحوه في تأويلات أهل السنة ٧٧/١، ونقله المصنف بواسطة النسفي في تفسيره المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل ٧٦/١. (٢) مدارك التنزيل ٧٦/١، والكلام بنحوه في تأويلات أهل السنة ٧٧/١. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة ١٣٦/١٠. (٤) أخرجه مطولاً أحمد (١٦٧٥)، وأبو داود (٣٠٤٣). (٥) أخرج القصة أحمد (٢٤٣٠٠)، والبخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩) من حديث عائشة پتا. (٦) أخرجه أحمد (١٣٠٥٦)، والبخاري (٣٩٣) من حديث أنس سُورَةُ الْبَّكَوَّة ٣٤٨ الآية : ١٠٢ الوصفِ المناسب، وهو مُشعرٌ بالعلِّية. وأُجيبَ بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ فيها ذلك؛ لأنَّ المعنى: أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلِّمون السحر. وقيل: إنهما حرامان، وبه قَطَع الجمهورُ. وقيل: مکروهان، وإليه ذهب البعضُ. وقيل: مُباحان. والتعليمُ المُساقُ للذمِّ هنا محمولٌ على التعليم للإغواءِ والإضلال، وإليه مالَ الإمامُ الرازيّ قائلاً: اتَّفقَ المحقّقونَ على أنَّ العلمَّ بالسحر ليس بقبيحٍ ولا محظور؛ لأنَّ العلمَ لذاته شريفٌ لعموم قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ولو لم يُعلَمُ السحرُ لَمَا أَمكّنَ الفرقُ بينه وبينَ المعجزةٍ، والعلم بكونِ المُعجِزِ مُعجزاً واجبٌ، وما يَتوقَّف الواجبُ عليه فهو واجبٌ، فهذا يَقتضي أنْ يكونَ تحصيلُ العلم بالسحرِ واجباً، وما يكون واجباً كيفَ يكونُ حراماً وقبيحاً. ونقل بعضُهم وجوبَ تعلَّمِهِ على المفتي، حتى يَعلمَ ما يقتل به وما لا يقتل به، فيُقتي به في وُجوب القصاصِ(١)، انتهى. والحقُّ عندي الحرمة تبعاً للجمهور، إلا عند داع(٢) شرعيٍّ، وفيما قاله رحمه الله تعالى نظر: أما أولاً: فلأنَّا لا ندّعي أنه قبيحٌ لذاته، وإنما قُبحُه باعتبار ما يَترتَّبُ عليه، فتحريمُهُ مِن بابٍ سدِّ الذرائعِ، وكم مِن أمرٍ حُرِّم لذلك، وفي الحديث: (مَنْ حامَ حولَ الحمى يُوشِكُ أنْ يقعَ فيَه)»(٣). وأما ثانياً: فلأنَّ توقُّفَ الفرقِ بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوعٌ، ألا ترى أنَّ أكثرَ العلماءِ أو كلَّهم - إلّا النادر - عرَفُوا الفرقَ بينهما ولم يَعرِفوا علمَ السحر، وكفى فارقاً بينهما ما تقدَّم، ولو كان تعلُّمه واجباً لذلك، لرأيتَ أعلمَ الناسِ به الصدرَ الأول، مع أنهم لم يُنقلْ عنهم شيءٌ مِن ذلك، أَفْتُرَاهم أخلُّوا بهذا الواجبٍ، وأتى به هذ القائل، أو أنَّه أخلَّ به كما أخلُّوا؟. (١) تفسير الرازي ٢١٤/٣، دون قوله: ونقل بعضهم وجوب ... ، فلم نقف عليه فيه. (٢) في (م): إلا لداع. (٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٨٣٧٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير الآية : ١٠٢ ٣٤٩ سُؤَدَةُ الشَّفَة وأمَّا ثالثاً: فلأنَّ ما نُقل عن بعضِهم غيرُ صحيح؛ لأنَّ إفتاءَ المفتي بوجوبٍ القَوَد أو عدمِه، لا يَستلزم معرفته علمَ السحر؛ لأَنَّ صورةَ إفتائه على ما ذكره العلامة ابن حجر: إنْ شهد عدلان عَرَفا السحرَ وتَابا منه أنه يقتل غالباً، قُتِلَ الساحر، وإلا فلا. هذا وقد أطلقَ بعضُ العلماء السحرَ على المشي بين الناس بالنميمةِ؛ لأنَّ فيها قَلْبَ الصديقِ عدوًّا، والعدوِ صديقاً. كما أُطلق على حُسن التوسُّل باللَّفِظِ الرائقِ العذبِ لِمَا فيه مِن الاستمالةِ، ويُسمَّى سحراً حلالاً، ومنه قوله وَّهِ: ((إنَّ من البيان لسحراً) (١)، والقولُ بأنه مخرجٌ مخرجَ الذمِّ للفصاحة والبلاغةِ بعيدٌ، وإنْ ذهب إليه عامرُ الشَّعبيُّ راوي الحديث. وظاهرُ قوله تعالى: (يُعَلِّمُونَ) إلخ، أنهم يُفهمونَهم إياه بالإقراءِ والتعليم. وقيل: يَدُّونهم على تلكَ الكتبِ، فأطلقَ على تلك الدلالةِ تعليماً إطلاقاً للسبب على المُسبَّب. وقيل: المعنى: يُوقِرُونَ في قلوبهم أنها حقٌّ تَضُرُّ وتنفع، وأنَّ سليمان عليه السلام إنَّما تَّ له ما تَمَّ بذلك، والإطلاقُ عليه هو الإطلاق. وقيل: (يُعلِّمون)) بمعنى: يُعْلِمون، من الإعلامِ وهو الإخبار، أي: يُخْبِرونهم بما - أو بمَن - يتعلَّمون به، أو منه، السحرَ. وقرأ نافعُ وعاصمُ وابن كثير وأبو عمرو (لَكِنَّ)) بالتشديدِ، وابنُ عامر وحمزة والكِسائيُّ بالتخفيفِ(٢)، وارتفاع ما بعدها بالابتداء والخبر. وهل يَجوزُ إعمالُها إذا خُفِّفَت؟ فيه خلاف، والجَمْعُ على المَنْعِ، وهو الصحيح. وعن يُونسَ والأخفش الجوازُ. والصحيحُ أنَّها بسيطةٌ، ومنهم مَن زَعَم أنَّها مرَّبةٌ مِن ((لا)) النافية وكافٍ الخطاب و((أن)) المؤكّدة المحذوفةِ الهمزةِ للاستثقالِ، وهو إلى الفساد أقرب. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ المراد الجنس(٣)، وهو عظْفٌ على (السحر))، (١) أخرجه أحمد (٤٦٥١)، والبخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر # (٢) وهي قراءة خلف من العشرة. التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٩/٢. (٣) بلها في الأصل: به. سُورَةُ الْبَرَة ٣٥٠ الآية : ١٠٢ وهما واحدٌ إلا أنه نَزَّل تَغايُرَ المفهوم منزلةَ تغايُرِ الذات كما في قوله: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهمامِ (١) البيت، وفائدةُ العطفِ التنصيصُ بأنهم يُعلِّمونَ ما هو جامعٌ بَيْنَ كونِهِ سحراً، وبيْنَ كونه مُنْزَلاً ((على الملكين)) للابتلاءِ، فَيُفيدُ ذَمَّهم بارتكابهم النهيَ بوجهَين. وقد يُرادُ بالموصول المعهودُ - وهو نوعٌ آخرُ أقوى - فيكون مِن عظْفِ الخاصِّ على العامِّ، إشارةً إلى كمالِهِ. وقال مجاهد: هو دونَ السحر، وهو ما يُفرَّق به بين المرءِ وزوجِه، لا غير. والمشهورُ الأولُ. وجوِّز العطف على ((ما تتلو)) فكأنه قيل: اتَّبَعُوا السحرَ المدوَّنَ في الكتب وغیرہ. وهذانِ الملكانِ أُنْزِلا لتعليمِ السحرِ ابتلاءً منَ الله تعالى للناس، فمَنْ تَعلَّم وعَملَ به كَفَر، ومَن تعلَّم وتَوقَّىَ عمله ثَبَت على الإيمان، وله تعالى أن يَمتَحِنَ عبادَه بما شاء، كما امتحن قومَ طالوتٍ بالنهر، وتمييزاً بينه وبينَ المعجزَةِ، حيثُ أنه كَثُر في ذلك الزمان، وأظهرَ السَّحرةُ أموراً غريبةً وَقَعَ الشُّ بها في النبوَّة، فبعثَ الله تعالى الملكّين لتعليم أبوابٍ السحرِ، حتى يُزيلا الشُّبَه، ويُميطا الأذى عن الطريق؛ قيل: كان ذلك في زَمنِ إدريسَ عليه السلام. وأمَّا ما رُوي: أنَّ الملائكة تعجَّبَت من بَني آدمَ في مُخالفتهم ما أَمرَ الله تعالى به، وقالوا له تعالى: لو كنَّا مكانَهم ما عصيناك، فقال: اختاروا مَلَكين منكم. فاختاروهما، فهبطا إلى الأرض ومُثِّلا بَشَرَين، وألقى الله تعالى عليهما الشَّبَق، وحُكِّما بين الناس، فافتَتَنا بامرأة يقال لها زهرة فطلباها، وامتنعت إلّا أنْ يَعبدا صنماً، أو يَشربا خمراً، أو يقتلا نفساً، ففعلا، ثم تعلَّمتْ منهما ما صَعدتْ به إلى (١) في الأصل و(م): همام، والمثبت من المصادر، والبيت في معاني القرآن للفراء ١٠٥/١، والإنصاف ٤٦٩/٢، والكشاف ١٣٣/١، وتفسير القرطبي ٩٢/٢، والبحر ٢٠٢/١، والخزانة ١/ ٤٥١، وعجزه: وليث الكتيبة في المزدحم. قال البغدادي: القرم: السيد. الآية : ١٠٢ ٣٥١ سُؤَّةُ الْبَقَة السماء، فصَعدَت ومُسِخَت هذا النجم، وأرادا العروج فلم يُمكِنْهما، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذابَ الدنيا، فهما الآن يُعذّبان فيها. إلى غير ذلك من الآثار التي بَلَغتْ طُرقُها نيِّفاً وعشرين، فقد أَنكرَه جماعةٌ منهم القاضي عياض، وذَكَرَ أنَّ ما ذَكَرِه أهلُ الأخبار ونقله المفسِّرون في قصةِ هاروتَ وماروتَ لم يَرد منه شيءٌ - لا سقيمٌ ولا صحيحٌ - عن رسولِ اللهِوَّه، وليس هو شيئاً يُؤخذُ بالقياس(١). وذَكَرَ في ((البحر))(٢): أن جميعَ ذلك لا يصحُّ منه شيءٌ، ولم يَصحَّ أنَّ رسول الله وَ﴿ كان يَلْعَنُ الزهرةَ، ولا ابنَ عمر ◌ًِّا، خلافاً لمَن رواه. وقال الإمام الرازي بعد أن ذكر الرواية في ذلك: إنَّ هذه الرواية فاسدةٌ مردودةٌ غيرُ مقبولة(٣). ونصَّ الشهابُ العراقيُّ على أنَّ مَن اعتقدَ في هاروتَ وماروتَ أنَّهما ملكان يُعذَّبانِ على خَطيئتهما مع الزهرةِ فهو كافرٌ بالله تعالى العظيم، فإنَّ الملائكة معصومون ﴿لَا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَّرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿ يُسَبِّحُونَ الَِّلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠]، والزهرةُ كانت يومَ خلَقَ الله تعالى السماوات والأرضَ. والقولُ: بأنها تَمثَّلَتْ لهما فكان ما كان ورُدَّت إلى مكانها غيرُ معقول ولا مقبول. واعترض الإمام السيوطيُّ على مَن أنكر القصة بأنَّ الإمام أحمد وابن حبان والبيهقيَّ وغيرَهم رَوَوْها مرفوعةً وموقوفةً على عليٍّ وابنِ عباس وابنٍ عمر وابنٍ مسعود ﴿، بأسانيدَ عديدةٍ صحيحة يَكادُ الواقفُ عليها يَقطعُ بصحّتها؛ لكثرتها وقوةٍ مخرجيها(٤). (١) الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ٣٩٩/٢. (٢) ٣٢٩/١. (٣) تفسير الرازي ٢١٩/٣. (٤) بنحوه في مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ص ٢٣٠، ولابن حجر رحمه الله كلام نحو هذا في القول المسدد ص ٩٠. والقصة أخرجها أحمد (٦١٧٨)، وابن حبان (٦١٨٦) من حديث ابن عمر رضيًّا. قال ابن كثير في البداية والنهاية ١٠٩/١: وفي صحته عندي نظر، والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر، ويكون ممَّا تلقاه عن كعب الأحبار ... ، = سُورَةُ الْبَّفَقَة ٣٥٢ الآية : ١٠٢ وذهبَ بعضُ المحقّقين إلى أنَّ ما روي مَرويٍّ حكايةً لِمَا قالهُ اليهودُ، وهو باطلٌ في نفسه، وبطلانُه في نفسه لا يُنافي صحَّة الرواية، ولا يَرِدُ ما قاله الإمام السيوطيُّ عليه، إنَّما يَرِثُ على المُنْكِرِين بالكُلِّية. ولعلَّ ذلك من بابِ الرموزِ والإشارات، فيُرادُ منَ الملكينِ العقلُ النظريُّ والعقلُ العمليُّ، اللذانِ هما مِنْ عالم القدس، ومِن المرأةِ المسمّاةِ بالزهرةِ النفسُ الناطقةُ، ومِن تعرُّضِهما لها تَعليمُهَما لها ما يُسعدُها، ومِن حَمْلِها إِيَّهما على المعاصي تحريضُها إياهما بحُكم الطبيعة المزاجية إلى المَيلِ إلى السُّفْلَّات المدنِّسة الجوهَريْهما، ومن صُعودِها إلى السماءِ بما تعلَّمتْ منهما عروجُها إلى الملأ الأعلى، ومُخالطَّتُها مع القدسيين بسبب انتصاحِها لنُصْحِهما، ومِن بقائِهما معذَّبَين بقاؤهما مَشغولَين بتدبيرِ الجسدِ وحرمانُهما من العروجِ إلى سماءِ الحضرةِ؛ لأنَّ طائرَ العقلِ لا يَحومُ حول حِمَاها. ومِن الأكابر مَنْ قال في حلِّ هذا الرمز: إنَّ الروحَ والعقلَ اللذينِ هما مِنْ عالم المُجَرَّدات قد نَزَلا مِن سماءِ التجَرُّد إلى أرضِ التعلَّق، فعشِقا البدنَ الذي هو كالزهرةِ في غاية الحُسن والجمال؛ لتوقُّفِ كمالِهما عليه، فاكتسبا بتوسُّطه المعاصيّ والشركَ وتَحصيلَ اللذَّاتِ الحِسِّية الدنيَّةِ، ثم صعد إلى السماءِ بأنْ وصلَ بحُسنِ تدبيرِهما إلى الكمالِ اللائق به، ثم مُسِخَ بأن انقطعَ التعلُّقُ وتفرَّقتِ العناصرُ، وهما بقيا معذَّبَيْن بعذابِ الحِرمان عن الاتصالِ بعالَمِ القُدسِ، متألِّمَين بالآلام الروحانيةِ، مَنكوسَي الحال، حيث غلَبَ التعلُّقُ على التجرِّدِ، وانعكس القربُ بالبعد(١). وقيل: المقصودُ من ذلك الإشارةُ إلى أنَّ مَنْ كان مَلَكاً إنِ اتَّبَعَ الشهوةَ هَبَط عن = وبالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه إلى كعب الأحبار، كما رواه عبد الرزاق في تفسيره [٥٣/١] عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار بالقصة، وهذا أصح إسناداً وأثبت رجالاً اهـ. وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند: أما هذا الذي جزم به الحافظ بصحة وقوع هذه القصة لكثرة طرقها وقوة مخارج أكثرها فلا؛ فإنها كلها طرق معلولة أو واهية. اهـ. وينظر ما ورد من روايات عن هذه القصة في تفسير ابن كثير عن تفسير هذه الآية، وفي الدر المنثور ١/ ٩٧-١٠٢ . (١) هذه التأويلات وأمثالها مخالفة لظاهر الآية ولما عليه العلماء، وينظر ما ذكرناه في المقدمة عن هذه المسألة. الآية : ١٠٢ ٣٥٣ سُوَّةُ الْبَقَة درجةِ الملائكةِ إلى درجة البَهيمةِ، ومَنْ كان امرأةً ذاتَ شهوة، إذا كَسَرَت شهوتها وغَلَبَتْ عليها، صعدت إلى درج المَلَك، واتصلَتْ إلى سماءِ المنازلِ والمراتبِ، وكتبَ بعضُهم لحلِّه : قد(١) ملَّ وايمُ اللهِ نَفْسِي نَفسِي وطالَ في مكثٍ حياتي حَبْسِي أُصبحُ في مَضاجِعي وأُمسِي أَمسِي كيومِي وكَيَومِي أَمسِي يا حبَّذا يومُ نزولِي رَمسِي مبدأُ سَعدِي وانتهاءُ نَحْسِي وكلُّ جنسٍ لاحقٌ بالجنسِ من جوهرٍ يرقى بدارِ الأُنس وعَرَضٍ يبقى بدارِ الحسِّ(٢) هذا ومَن قال بصِحَّة هذه القصة في نفس الأمر، وحَمَلَها على ظاهرِها، فقد رَكِبَ شَطَطاً، وقال غَلَطاً، وفتح باباً من السحر يُضحكُ الموتى، ويُبكي الأحياء، ويُنكِّسُ راية الإسلام، ويَرفع رؤوسَ الكفرةِ الطَّغَام، كما لا يخفى ذلك على المُنْصِفين مِن العلماء المحقّقين. وقرأ ابنُ عباسٍ والحسنُ وأبو الأسود والضحاك: ((المَلِكَيْن)) بكسرِ اللَّام(٣)، وحَمَل بعضُهم قراءةَ الفتح على ذلك، فقال: هما رجلان، إلَّا أنهما سُمِّيا مَلَكين باعتبار صلاحهما، ويُؤيِّده ما قيل: إنَّهما داودُ وسليمانُ، ويَردُّه قولُ الحسن: إنهما عِلْجان كانا ببابل العراق. (١) قوله: قد، ليس في (م). (٢) الأبيات لأبي نصر الفارابي، وقد ورد بعضها في الوافي بالوفيات ١٠٦/١. (٣) القراءات الشاذة ص٨، والمحتسب ١٠٠/١، والبحر ٣٢٩/١. سُوَّةُ الْبَقَة ٣٥٤ الآية : ١٠٢ وبعضُهم يقولُ: إنَّهما من الملائكةِ ظَهَرا في صورة المُلوكِ، وفيه حَمْلُ الكسرِ على الفتح على عكسٍ ما تقدَّم. و((الإنزال)) إمَّا على ظاهره، أو بمعنى القذفِ في قلوبهما. ﴿يَبَابِلَ﴾ الباء بمعنى: في، وهي مُتعلِّقة بـ ((أُنزل))، أو بمحذوفٍ وَقَع حالاً من (المَلَكين))، أو مِن الضميرِ في ((أُنزل))، وهي كما قال ابنُ عباسٍ وابن مسعودٍ ◌ُّ: بلدٌ في سوادِ الكوفة. وقيل: بابل العراقِ. وقال قتادةُ: هي من نَصِيْبِيْن إلى رأس العين، وقيل: جبل دُمَاوَنْد (١)، وقيل: بلدٌ بالمغرب، والمشهورُ اليومَ الثاني، وعند البعضِ هو الأول. قيل: وسمِّيت بابل لِتَبْبُلِ الألسنة فيها عند سقوط صَرْح نمرود. وأخرج الدينوريُّ في ((المجالسة))، وابنُ عساكر من طريقٍ نعيم بن سالم - وهو مثَّهمٌ - عن أنس بن مالك قال: لمَّا حشرَ الله تعالى الخلائقَ إلى بابلَ، بعثَ إليهم ريحاً شرقيةً وغربيةً وقبلية وبحريّة، فجَمَعَتْهم إلى بابلَ، فاجتمعوا يومئذٍ ينظرون لِمَا حشروا له، إذ نادى منادٍ: مَن جَعَل المغرب عن يمينه والمَشْرِقَ عن يساره واقتصَدَ إلى البيت الحرام بوجهِه، فله كلامُ أهل السماءِ، فقامَ يَعربُ بنُ قحطان، فقيلَ له: يا يَعْربُ بنُ قحطانَ بن هود أنت هو، فكان أَوَّلَ مَن تكلّم بالعربيةِ، فلم يَزَلِ المنادي يُنادي: مَن فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً، وانقطع الصوتُ، وتَلْبَلَتِ الألسنُ، فسُمِّيت بابلَ، وكان اللسان يومئذٍ بابليًّا(٢). وعندي في القولين تردّدٌ بل عدمُ قبول، والذي أَميل إليه أنَّ بابلَ اسمٌ أعجميٍّ - كما نصَّ عليه أبو حيَّان(٣). لا عربيٍّ كما يُشير إليه كلام الأخفش(٤)، وأنه في الأصلِ اسمٌ للنهرِ الكبير في بعض اللَّغات الأعجميةِ القديمةِ، وقد أُطلق على تلك الأرضِ لِقُربِ الفراتِ منها، ولعلَّ ذلك من قبيل تسميةٍ بغدادَ دارَ السلام، بناءً على أنَّ السلام اسمٌ لدجلة، وقد رأيتُ لذلك تفصيلاً لا أَذْريْه اليوم في أيٍّ کتاب، وأظنُّه قريباً ممَّا ذكرتُه فليُحفظ. (١) لغة في دُنْباوند ودُبَاوَند، وهو جبل في نواحي الري. معجم البلدان ٤٦٢/٢ و ٤٧٥ . (٢) المجالسة (١٩٥٢)، وتاريخ ابن عساكر ٣٥٤/١، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٩٦/١. (٣) في البحر ٣١٩/١. (٤) في معاني القرآن ٣٢٧/١. الآية : ١٠٢ ٣٥٥ سُورَةُ الْبَدَة ومنعَ بعضُهم الصلاةَ بأرض بابل، احتجاجاً بما أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في ((سننه)) عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: إنَّ حبيبيٍوَهِ نَهاني أنْ أُصلِّيَّ بأرضٍ بابل فإنَّها ملعونة(١). وقال الخَطَّبيُّ(٢): في إسنادِ هذا الحديثِ مقالٌ، ولا أعلمُ أحداً مِن العلماء حرَّم الصلاة بها، ويُشْبِهُ إنْ ثَبَتَ الحديثُ أنْ يكونَ نهاه عن أنْ يتَّخذها وطناً ومُقاماً، فإذا أقامَ بها كانت صلاته فيها، وهذا(٣) من بابٍ التعليق في علم البيان. أو لعلَّ النهيَ له خاصةً، ألا ترى قال: نهاني، ومثلُه حديثُه الآخر(٤): نهاني أنْ أقرأَ ساجداً أو راكعاً، ولا أقولُ نهاكم(٥). وكأنَّ ذلك إنذارٌ منه بما لقي من المحنة في تلك الناحية. ﴿هَرُوتَ وَمَرُوتْ﴾ عَظْفُ بيان للملَكين، وهما اسمانٍ أَعجميَّان لهما، مُنِعا من الصَّرْفِ لِلعَلَميَّةِ والعُجْمة. وقيل: عربيَّانِ من الهَرْتِ والمَرْتِ بمعنى الكَسْرِ، وكان اسمُهما قبلُ عزا وعزايا، فلمَّا قارفا الذنبَ سُمِّيا بذلك. ويُشْكِل عليه مَنْعُهما من الصَّرف وليس إلَّ العَلَميةُ. وتكلَّف له بعضُهم بأنه يحتمل أنْ يُقال: إنَّهما معدولان من الهارتِ والمارتِ؛ وانحصارُ العدلِ في الأوزانِ المحفوظة غيرُ مُسلَّم، وهو كما ترى. وقرأ الحسن والزُّهريُّ برَفْعِهما (٦)، على أنَّ التقدير: هما هاروتُ وماروتُ. وممَّا يَقضي منه العجبُ ما قاله الإمامُ القرطبيُّ: إنَّ هاروتَ وماروتَ بدلٌ من ((الشياطين)) على قراءة التشديد، و((ما)) في ((وما أُنزل)) نافيةٌ، والمرادُ مِن المَلَكين جبرائيل وميكائيل؛ لأن اليهودَ زعموا أنَّ الله تعالى أنزلهما بالسِّحرِ، وفي الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: وما كَفَرَ سليمان، وما أُنْزِلَ على الملكين، ولكن (١) بنحوه في سنن أبي داود (٤٩٠)، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٩/١، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٥١ ونقله المصنف عن الدر المنثور ٩٦/١. (٢) في معالم السنن ١/ ١٤٨ . (٣) في الأصل: وهو. (٤) في (م): حديث آخر. (٥) أخرجه أحمد (٧١٠)، ومسلم (٤٨٠): (٢١١). (٦) القراءات الشاذة ص٨، والبحر ٣٣٠/١. سُورَةُ الشَّمَة ٣٥٦ الآية : ١٠٢ الشياطين هاروت وماروت كفروا، يُعلِّمون الناسَ السِّخْرَ ببابل(١). وعليه فالبدلُ إمَّا بدلُ بعضٍ مِن كلِّ، ونصَّ عليهما بالذكر لتمرُّدِهما، ولكونهما رأساً في التعليم، أو بدلُ كلٍّ من كلِّ، إمَّا بناءً على أنَّ الجمْعَ يُطلق على الاثنين، أو على أنَّهما عبارتان عن قبيلَتَين من الشياطين لم يكنْ غيرهما بهذه الصفة. وأَعجَبُ من قولِه هذا قولُه: وهذا أَولَى ما حُمِلَت عليه الآية من التأويل، وأصُّ ما قيل فيها، ولا تلتفت إلى ما سواه(٢). ولا يَخْفَى لدى كلِّ مُنصِف أنه لا يَنبغي لمؤمنٍ حملُ كلام الله تعالى - وهو في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة - على ما هو أدنى مِن ذلك، وما هو إلا مَسخٌ لكتاب الله تعالى عز شأنه، وإهباطٌ له عن شأواه. ومفاسدُ قلةِ البضاعة لا تُحصى. وقيل: إنهما بدلٌ من ((الناس))، أي: يُعلِّمون الناس خصوصاً هاروت وماروت. والنفي هو النفي. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ أي: ما يُعلِّم المَلَكانِ أحداً حتى يَنصحاه ويقولا له: إنَّما نحن ابتلاءٌ من الله عز وجل، فمَنْ تَعلَّمَ مِنَّا وعَمِلَ به گَفَرَ، ومَن تعلَّم وتوقّی نَبَتَ علی الإیمان، «فلا تکفر» باعتقادِهِ وجواز العمل به، وقيل: فلا تَتَعلَّم مُعتقِداً أنه حقٌّ حتى تكفر، وهو مبنيٌّ - على رأي الاعتزال - مِن أنَّ السحر تَمويَهٌ وتَخيِيلٌ، ومن اعتقد حَقِّيته يكفر. و ((مِن) مزيدةٌ في المفعولِ به لإفادةِ تأكيد الاستغراق، وإفرادُ الفتنةِ مع تَعدُّد المُخَبَر عنه لكونها مصدراً، والحَمْلُ (٣) مواطأةٌ للمبالغة، والقَصْرُ لبيانِ أنه ليس لهما فيما يَتعاطيانه شأنٌ سواها؛ لينصرِفَ الناسُ عن تَعَلُّمه. و ((حتى)) للغاية، وقيل: بمعنى ((إلا)). والجملةُ في مَحلِّ النصبِ على الحاليَّةِ من ضمير (يُعلِّمون)). والظاهرُ أنَّ القول مرةٌ واحدةٌ، والقولُ بأنه ثلاثٌ، أو سبعٌ، أو تسعٌّ، لا ثبتَ له. (١) تفسير القرطبي ٢٨٢/٢-٢٨٣. (٢) المصدر السابق. (٣) أي: حملُ الفتنة عليهما. تفسير أبي السعود ١٣٩/١. الآية : ١٠٢ ٣٥٧ واختلف في كيفيَّة تلقِّي ذلك العلم منهما؛ فقال مجاهد: إنَّهما لا يَصِلُ إليهما أحدٌ من الناس، وإنَّما يَختلفُ إليهما شيطانان في كلِّ سنةٍ اختلافةً واحدةً، فيتَعلَّمان منهما. وقيل - وهو الظاهرُ -: إنَّهما كانا يُباشِران التعليم بأنفسهما في وقتٍ من الأوقاتِ، والأقربُ أنَّهما ليسا إذ ذاك على الصورة المَلَكِيَّة. وأمَّا ما أَخرجَه ابنُ جرير وابن أبي حاتم والحاكم - وصحَّحه - والبيهقيُّ في (سننه)) عن عائشةَ ﴿ّا أنَّها قالت: قَدِمَتْ عليَّ أمرأةٌ من أهل دُوْمةِ الجندل تَبتَغي رسولَ اللهِ وَّهِ بعدَ موته، تَسْألُه عن شيءٍ دخلَتْ فيه من أمرِ السحر ولم تَعمل به، قالت: كان لي زوجٌ غابَ عنِّ، فدخلتُ على عجوزٍ فشكوتُ إليها، فقالت: إنْ فعلْتٍ ما آمرُكِ أَجعلْه يأتيك. فلمَّا كان الليل جاءتني بكلبَيْنِ أسودَين، فركبَتْ أحدَهما وركبتُ الآخر، فلم يكن كشيءٍ حتى وقفنا ببابلَ، فإذا أنا برجلين مُعلَّقين بأرجُلِهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ فقلت: أَتعلَّمُ السحر، فقالا: إنَّما نحن فتنةٌ فلا تكفري وارجعي. فَأَبَيتُ وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنورِ فبولي به، إلى أنْ قالت: فذهبتُ فبلتُ فيه، فرأيت فارساً مقنَّعاً بحديدٍ خَرَجَ مِنِّي حتى ذهبَ إلى السماء، وغاب عنِّي حتى ما أَرَاهِ، فجثْتُهما وذكرتُ لهما، فقالا : صدقتٍ، ذلك إيمانُك خرج منك، اذهبي فلن تُريدي شيئاً إلّا كان(١). الخبرَ بِطُوله = فهو ونظائره - ممَّا ذكرَه المفسِّرون من القصص في هذا الباب - ممَّا لا يعوِّلُ عليه ذَوو الألباب، والإقدامُ على تكذيبٍ مثلِ هذه الامرأة الدوجَنْدية أولَى من اتِّهام العقل في قبول هذه الحكاية، التي لم يَصحَّ فيها شيءٌ عن رسول اللهِوَّه ويا ليت كُتُبَ الإسلام لم تَشتمل على مثل(٢) هذه الخرافات، التي لا يُصدِّقها العاقلُ ولو كانت أضغاث أحلام. واستدلَّ بالآية من جوَّز تَعلُّمَ السحر، وَوَجْهُهُ أنَّ فيها دلالةً على وُقوع التعليم من الملائكة مع عصمتهم، والتعلّم مطاوعٌ له، بل هما مُتَّحدان بالذات، مُختلفانِ بالاعتبار، كالإيجابِ والوجوبٍ. ولا يَخفى أنه لا دليلَ فيها على الجوازِ مطلقاً؛ (١) تفسير الطبري ٣٥٣/٢، وتفسير ابن أبي حاتم ١٩٤/١، والمستدرك ١٥٥/٤، والسنن الكبرى للبيهقي ١٣٦/٨ . (٢) قوا .: مثل، ليس في (م). سُوَّةُ الْبَقَة ٣٥٨ الآية : ١٠٢ لأن ذلك التعليمَ كان للابتلاءِ والتمييزِ كما قَدَّمنا. وقد ذكرَ القائلون بالتحريم: أَنَّ تَعلُّم السحرِ إذا فُرض فُشُؤُّه في صُفْع، وأُريد تَبِّينُ فسادِه لهم ليرجعوا إلى الحق غيرُ حرام، كما لا يَحرم تعلَّم الفلسفةِ للمنصوب للذبِّ عن الدِّينِ بِرَدِّ الشُّبَه، وإنْ كان أَغلبُ أحواله التحريم، وهذا لا ينافي إطلاقَ القول به . ومَن قال: إنْ هاروتَ وماروتَ من الشياطين، قال: إنَّ معنى الآية: ما يُعلِّمان السحر أحداً حتى ينصحاه، ويقولا : إنَّا مفتونانِ باعتقادِ جوازه والعملِ به، فلا تكن مِثْلَنا في ذلك فتكفُرَ. وحينئذٍ لا استدلالَ أصلاً. وما ذكرنا أنَّ القول على سبيلٍ النَّصْحِ في هذا الوجْهِ هو الظاهر. وحكى المهدويُّ: أنه على سبيلِ الاستهزاء لا النصيحةِ، وهو الأنسبُ بحال الشياطين. وقرأ طلحةُ بن مصرِّفٍ: ((يُعْلِمَان)) بالتخفيف(١)، من الإعلام، وعليها حَمّل بعضُهم قراءةَ التشديد، وقرأ أُبيِّ بإظهارِ الفاعل(٢). ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾: عطفٌ على الجملة المَنْفيَّة لأَنها في قوةِ المِثْبَتَةِ، كأنه قال: يُعلِّمانهم بعد ذلك القول فيتعلَّمون، وليس عطفاً على المنفيّ بدونٍ هذا الاعتبار، كما تَوقَّمه أبو عليٍّ من كلام الزَّجَّاج(٣). وعَطَفَه بعضُهم على ((يعلِّمان)) محذوفاً، وبعضُهم على ((يأبون)) (٤) كذلك. والضميرُ المرفوع لِمَا دلَّ عليه ((أحد)) وهو ((الناس))، أول ((أحد» حملاً له على (١) القراءات الشاذة ص ٨، والبحر ٣٣٠/١. (٢) يعني: ((وما يعلِّم المَلَكان)) وهي في البحر ٣٣٠/١، والدر المصون ٣٤/٢. (٣) قال الزجاج في معاني القرآن ١/ ١٨٥: والأجود أن يكون معطوفاً على يعلِّمان فيتعلَّمون، فاستغنى عن ذكر ((يعلِّمان)) بما في الكلام من الدليل عليه. واعترضه أبو علي بأنه لا وجه لقوله: استغنى عن ذكر يعلِّمانِ؛ لأنه موجود في النص. قال السمين في الدر المصون ٢/ ٣٩: لم يُرِد الزجَّاج أن ((فيتعلَّمون)) عطف على (يعلِّمان)) المنفيِّ بـ ((ما)) في قوله: ((وما يعلِّمان)) حتى يكون مذكوراً في النص، وإنما أراد أنَّ ثَمَّ فعلاً مضمراً يدل عليه قوة الكلام، وهو: يعلمان فيتعلَّمون. (٤) في الأصل و(م): يأتون، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٦٤/١، وللزجاج ١٨٥/١، والبحر ٣٣١/١. الآية : ١٠٢ ٣٥٩ سُورَّةُ الْبَّنَة المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُرُ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤١]. وحكى المهدويُّ جَوازَ العطفِ على ((يعلِّمون الناس))، فمَرْجِعُ الضميرِ حينئذٍ ظاهرٌ. وقيل: في الكلام مبتدأٌ محذوف، أي: فهم يتعلَّمون، فتكون جملةً ابتدائيةً معطوفةً على ما قبلها، مِن عظْفِ الاسمية على الفعلية، ونُسب ذلك إلى سيبويه ولیس بالجید. وضمير ((منهما)) عائدٌ على ((الملَكين))، ومِن الناس مَن جعله عائداً على (١) السحرِ والكفرِ، أو الفتنةِ والسحر، وعَطَف ((يتعلَّمون)) على ((يعلِّمون))، وحَمَل ((ما يُعلِّمان)) على النفي، و((حتى يقولا)) على التأكيد له، أي: لا يعلِّمان السحر لأحدٍ بل يَنهيانِهِ، حتى يقولا ... إلخ، فهو كقولك: ما أَمرتُه بكذا، حتى قلتُ له: إنْ فعلتَ نالَكَ كذا وكذا، وجعل ((ما أنزل)) أيضاً نفياً معطوفاً على ((ما كفر))، وهو كما ترى. ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءٍ وَزَّوْسِه٤ِ﴾ أي: الذي، أو شيئاً يُفرِّقون به، وهو السحرُ المُزيلُ بطريقِ السببيَّةِ الأُلفةَ والمحبَّةَ بينَ الزوجين، الموقِعُ للبغضاءِ والشحناءِ الموجبتَينِ للتفرُّق بينهما . وقيل: المرادُ: ما يُفرِّق لكونه كفراً؛ لأنه إذا تعلَّم كَفَر فبانَتْ زوجتُه، أو إذا تعلَّم عَمِل فتراه الناسُ فيعتقدون أنَّه حقٌّ فيكفرون فتَبِينُ أزواجُهم. و ((المَرء» الرجلُ، والأفصحُ فتح الميم مُطلقاً، وحُكي الضمُّ مُطلقاً، وحُكي الإتباع لحركةِ الإعرابِ، ومُؤنَّتُه المرأةُ، وقد جاء جمعه بالواو والنون فقالوا: المَرْؤون. والزوجُ امرأةُ الرجلِ، وقيل: المرادُ به هنا القريبُ والأخُ الملائم، ومنه: ﴿مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥] و﴿أَخْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. وقرأ الحسنُ والزُّهريُّ وقتادةُ: ((المَرِ)) بغير همزٍ مُخفَّفاً، وابن أبي اسحاق: (المُرءٍ) بضمُّ الميم مع الهمز، والأشهبُ بالكسرِ والهمزِ، ورُويت عن الحسن. وقرأ الزُّهريُّ أيضاً: ((المَرِّ) بالفتح وإسقاطِ الهمزةِ وتشديدِ الراء (٢). (١) في (م): إلى. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٨، والمحتسب ١/ ١٠١، والبحر ٣٣٢/١. سُورَةُ الَفَة ٣٦٠ الآية : ١٠٢ ﴿وَمَا هُمْ يِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ﴾ الضميرُ للسحرةِ الذين عاد إليهم ضميرُ (فيتعلَّمون)). وقيل: لليهودِ الذين عاد إليهم ضميرُ ((واتبعوا)). وقيل: للشياطين. وضميرُ (به)) عائد لـ ((ما))، و((مِن)) زائدةٌ لاستغراقِ النفي، كأنه قيل: وما يَضرُّون به أحداً. وقرأ الأعمش: ((بضارِّي)) محذوف النون(١)، وخُرِّج على أنَّها حُذفَتْ تَخفيفاً، وإنْ كان اسم الفاعل ليس صلةً لأل، فقد نصَّ ابنُ مالك على عدم الاشتراط لقوله: ولسْنَا إذا تَأْبَوْنَ سِلْماً بمُذعِنِي(٢) لكم غَيرَ أنَّا إن نُسَالَم نُسَالِمٍ و قولهم : قَطًا قَطَا بيضُكٍ ثِنْتان وبيضي مِثَقًا (٣) وقيل: إنها حُذفت للإضافة إلى محذوفٍ مقدَّرٍ لفظاً على حدٍّ قوله: ياتَيْمُ تَيْمَ عَدِيٌّ(٤) في أحد الوجوه. وقيل: للإضافة إلى ((أحد)) على جعل الجارِّ جزءاً منه، والفصلُ بالظرف مسموعٌ كما في قوله: وإنْ خافَ يوماً كبوةً فدعاهُمَا(٥) هما أخَوا في الحربِ مَن لا أخَا لَه واختارَ ذلك الزمخشريُّ(٦)، وفيه أنَّ جَعْلَ الجارِّ جزءاً من المجرور ليس (١) المحتسب ١٠٣/١، والبحر ٣٣٢/١. (٢) في الأصل و(م): ولسنا إذا تأتون سلمى بمدعي، وهو تصحيف، والمثبت من تسهيل الفوائد لابن مالك ص١٣، والدر المصون ٤١/١ . (٣) تهذيب اللغة ١٤٣/٤، وثمار القلوب للثعالبي ص ٦٤٤، ومجمع الأمثال ١٨١/٢، والبحر ٣٣٢/١، والمغني ص٢٨٦. واللسان (حجل). ٠ (٤) البيت لجرير، وهو في ديوانه ١/ ٢١٢، والكتاب ٥٣/١، وتمامه يا تيم تيم عديٍّ لا أبالكم لا يوقعنَّكم في سوأةٍ عمر (٥) البيت لدُرْنَا بنت عَبْعَبَةَ كما في الكتاب ١/ ١٨٠، وشرح المفصل ٢١/٣، وضرائر الشعر ص١٩٢، ولعمرة الخثعمية كما في الإنصاف ٤٣٤/٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٠٨٣/٣. واللسان (أبى)، والدرر اللوامع ٤٥/٥، ودون نسبة في الخصائص ٤٠٥/٢. (٦) في الكشاف ٣٠٢/١.